← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وحصل إبراهيم بالبصرة، فدعا الناس، واستجاب له خلق، واستتر فى بنى راسب. وكان سفيان بن معاوية عامل المنصور يومئذ على البصرة قد مالأ إبراهيم بن عبد الله على أمره فلا ينصح لصاحبه. فتحدّث جماعة من أشياخ البصرة أنّهم شهدوا دفيف بن أسد [١] مولى يزيد بن حاتم أتى سفيان بن معاوية قبل خروج إبراهيم بليلة فقال: - «ادفع إلىّ فوارس، آتك بإبراهيم وبرأسه.» قال: «أو ما لك عمل؟ اذهب إلى عملك.» فخرج دفيف من ليلته، فلحق بيزيد بن حاتم بمصر. وقال عدّة من الأزد: إنّ جابر بن حمّاد كان على شرطة سفيان، فأتاه قبل خروج سفيان بيوم وقال: - «إنّى مررت فى مقبرة بنى يشكر، فصيّحوا بى ورموني بالحجارة.» فقال له: - «أما كان لك طريق آخر؟» فمرّ سفيان بعد [٤٤١] قتل إبراهيم وانقضاء تلك الأيّام بأبى جعفر المنصور فى سفينة له وأبو جعفر مشرف من قصره، فقال: - «إنّ هذا سفيان؟» قالوا: «نعم.» قال: «والله للعجب كيف يفلتنى [٢] هذا ابن الفاعلة؟» وكان المنصور أنفذ قائدين كبيرين مع أصحابهما إلى سفيان مددا له، فلمّا قدما عليه صيّرهما بالقرب منه، فلمّا واعده إبراهيم الخروج أرسل إليهما

стр. 1472

فاحتبسهما عنده تلك الليلة حتّى خرج، فأحاط به وبهما فأخذهم وقيّد سفيان وحبسه فى القصر يرى أبا جعفر أنّه بريء من التهم. وكان أبو جعفر المنصور يبعث إلى سفيان كلّ يوم قوما إلى البصرة فجعلوا يتزيدون ويردون، فأشفق إبراهيم أن يكثروا بها، فظهر وبلغ جعفرا ومحمّدا ابني سليمان بن علىّ، وكانا يومئذ بالبصرة، مصير إبراهيم إلى دار الإمارة وحبسه سفيان، فأقبلا فيما قال غير واحد فى ستمائة من الرّجالة والفرسان يريدانه [١] فوجّه إليهما المضاء بن القاسم فى ثمانية عشر فارسا وثلاثين راجلا، فهزمهم المضاء ولحق محمّدا رجل من [٤٤٢] أصحاب المضاء فطعنه فى فخذه ونادى منادى إبراهيم: - «لا تتبعوا مدبرا.» وأصاب إبراهيم فى بيت المال ألفى ألف درهم، فقوى بذلك وفرض لكلّ رجل خمسين خمسين ووجّه إبراهيم بن المغيرة إلى الأهواز فى نحو مائتي رجل، وعامل الأهواز يومئذ من قبل أبى جعفر محمّد بن الحصين، فلمّا بلغه دنّو المغيرة خرج إليه فى أربعة آلاف، فالتقوا على ميل من قصبة الأهواز بموضع يقال له: دشت أربك، فانكشف ابن حصين وأصحابه، ودخل المغيرة الأهواز. ويقال إنّ أصحاب ابن حصين قد كانوا واطأوا إبراهيم. ووجّه إبراهيم إلى فارس [٢] عمرو بن شدّاد عاملا عليها. فلمّا قرب من فارس بلغ إسماعيل بن علىّ، وكان عاملا عليها من قبل أبى جعفر [٣] ومعه أخوه عبد الصمد بن علىّ إقبال عمرو بن شدّاد فبادرا إلى دارا بجرد فتحصّنا بها وكانا بإصطخر وصارت فارس والأهواز والبصرة فى

стр. 1473

سلطان إبراهيم. ولمّا ظهر محمّد بالمدينة، أرسل أبو جعفر إلى جعفر بن حنظلة، وكان ذا رأى، فقال: - «هات رأيك.» قال: «وجّه الأجناد إلى البصرة.» فقال: «انصرف حتّى أرسل إليك.» وقال أبو جعفر: - «اختبل والله [٤٤٣] جعفر، أسأله عن المدينة فيجيبني عن البصرة.» فلمّا صار إبراهيم إلى البصرة قال [١] : - «إيّاها خفت، بادره بالجنود.» قال: - «وكيف خفت البصرة؟» قال: «لأنّ محمّدا ظهر بالمدينة، وليسوا بأهل حرب، بحسبهم أن يقيموا شأن أنفسهم، وأهل الكوفة تحت قدمك، وأهل الشام أعداء آل أبى طالب، فلم يبق إلّا البصرة.» ولمّا [٢] شخص جعفر ومحمّد ابنا سليمان من البصرة، أرسلا إلى أبى جعفر وأخبراه خبرهما فقال أبو جعفر: - «والله ما أدرى كيف أصنع، والله ما فى عسكري إلّا ألفا رجل، فرّقت جندي، فمع المهدى بالرىّ ثلاثون ألفا، ومع محمّد بن الأشعث بإفريقية أربعون ألفا، والباقون مع عيسى بن موسى، والله لئن سلمت من هذه لا يفارق عسكري ثلاثون ألفا.

стр. 1474

وقال عبد الله بن راشد: ما كان فى عسكر أبى جعفر كبير أحد، ما هم إلّا سودان وناس يسير. وكان يأمر بالحطب فيحزم، ثمّ يوقد بالليل فيراه الرائي فيحسب هناك ناسا، وما هي إلّا نار تضرم، وليس عندها أحد. وكتب أبو جعفر إلى عيسى بن موسى وهو بالمدينة: - «إذا قرأت كتابي فأقبل ودع [٤٤٤] ما أنت فيه.» فلم ينشب أن قدم، فوجّهه على الناس، وكتب إلى سلم بن قتيبة، فقدم عليه من الرىّ، فضمّه إلى جعفر بن سليمان. فحكى سلم بن قتيبة قال: لمّا دخلت على أبى جعفر قال لى: - «خرج ابنا عبد الله بن حسن، فاعمد لإبراهيم ولا يروعنّك جمعه، فو الله إنّهما لجملا بنى هاشم المقتولان جميعا، فابسط يدك، وثق بما أعلمتك، وستذكر مقالتي لك.» قال: فو الله ما هو إلّا أن قتل إبراهيم، فجعلت أتذكّر مقالته فأعجب. وكتب المنصور إلى المهدى وهو يومئذ بالرىّ يأمره بتوجيه خازم بن خزيمة إلى الأهواز، فوجّهه المهدى فى أربعة آلاف من الجند، فصار إليها وحارب بها المغيرة بن الفزر، فهزم المغيرة وانصرف المغيرة إلى البصرة ودخل خازم الأهواز فأباحها ثلاثا. وحكى السندىّ قال: كنت وصيفا أيّام حرب محمّد، فكنت أقوم على رأس المنصور بالمدينة، فرأيته لمّا كثف أمر إبراهيم وغلظ، أقام على مصلّى نيّفا وخمسين ليلة، ينام عليه، ويجلس عليه، وعليه جبّة ملوّنة قد اتّسخ جيبها وما تحت لحيته منها ما غيّر الجبّة ولا هجر [٤٤٥] المصلّى حتّى فتح الله عليه، إلّا أنّه كان إذا ظهر للناس علىّ الجبّة بالسواد وقعد على فراشه، فإذا بطن عاد إلى هيئته.

стр. 1475

قال: فأتته ريسانة [١] فى تلك الأيّام وقد أهديت إليه امرأتان من المدينة، إحداهما فاطمة بنت محمّد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، والأخرى أمة الكريم [٢] بنت عبد الله من ولد خالد بن أسيد بن أبى العيص فلم ينظر إليهما، فقالت: - «يا أمير المؤمنين، إنّ هاتين المرأتين قد خبثت أنفسهما وساءت ظنونهما لما ظهر من جفائك بهما.» فانتهرها وقال: - «ليست هذه الأيّام من أيّام النساء، لا سبيل إليهما حتّى أعلم: رأس إبراهيم لى، أو رأسى لإبراهيم.» فهذه كانت عزيمة أبى جعفر. فأمّا إبراهيم فذكر أبو عبيدة أنّ يونس الحرمي كان يقول: قدم هذا يريد إبراهيم وهو يقصد إزالة ملك، فألهته بنت عمرو بن سلمة عمّا جاء له، وكان إبراهيم تزوّج بعد مقدمه البصرة بهكنة بنت عمر بن سلمة. وكانت تأتيه فى مصبّغاتها وألوان ثيابها. وورد كتاب من جعفر ومحمّد ابني سليمان يعلمانه خروجهما عن البصرة، وكان كتابهما فى قطعة جراب، ولم يقدرا [٤٤٦] على شيء يكتبان فيه غير ذلك، فلمّا وصل الكتاب إليه، فرأى قطعة جراب بيد الرسول قال: - «خلع والله أهل البصرة مع إبراهيم.» ثمّ قرأ الكتاب ودعا بعبد الرحمن الختلىّ وبأبى يعقوب ختن مالك بن الهيثم، فوجّههما فى خيل كثيفة إليهما وأمرهما أن يحبساهما حيث لقياهما، و

стр. 1476

أن يعسكرا معهما، ويسمعا ويطيعا لهما. وكتب إليهما يعجزّهما ويضعفهما ويوبّخهما على طمع إبراهيم فى الخروج إلى مصرهما فيه واستتار خبره عنهما حتّى ظهر. وكتب فى آخر كتابه: أبلغ بنى هاشم عنّى مغلغلة ... فاستيقظوا إنّ هذا فعل نوّام تعدو الذئاب على من لا كلاب له ... وتتّقى مربض المستنفر الحامى قال جعفر بن ربيعة: قال الحجّاج: لقد دخلت على المنصور فى ذلك اليوم مسلّما، وما أظنّه يقدر على ردّ السلام لتتابع الفتوق والخروق عليه، وللعساكر المحيطة به، ولمائة ألف سيف كامنة له بالكوفة بإزاء [٤٤٧] عسكره ينتظرون به صيحة واحدة فيثبون، فوجدته صقرا أحوزيّا مشمّرا قد قام إلى ما نزل به من النوائب يعركها ويمرسها، فقام بها ولم تقعد به نفسه. ذكر آراء أشير بها على إبراهيم بن عبد الله لمّا وجّه أبو جعفر عيسى بن موسى إلى إبراهيم، كان معه خمسة عشر ألفا، وجعل على مقدّمته حميد بن قحطبة فى ثلاثة آلاف. فأراد إبراهيم الشخوص نحو أبى جعفر، فدخل إليه جماعة من قوّاده، فقالوا له: - «إنّك قد ظهرت على أهل البصرة والأهواز وفارس وواسط، فأقم بمكانك ووجّه الأجناد، فإن هزم لك جند أمددتهم بجند، فخيف مكانك واتّقاك عدوّك وجبيت الأموال وثبتت، ثم [١] رأيك بعد.»

стр. 1477

فقال له المشائيم الكوفيّون: - «أصلحك الله، إنّ بالكوفة رجالا لو قد رأوك ماتوا دونك، وإن لم يروك قعدت بهم أسباب شتّى، والرأى أن تخرج.» فقال له آخر: - «إنّ هذه بلادي وبلاد [٤٤٨] قومي وأنا أعلم بها، فلا تقصد عيسى بن موسى ومعه هذه العساكر التي ضمّت إليه، ولكن دعني أسلك بك طريقا لا يشعر بك أبو جعفر إلّا وأنت معه بالكوفة.» فأبى عليه. قال: - «فإنّا معشر ربيعة أصحاب بيات، فدعني أبيّت أصحاب عيسى.» قال: - «إنّى أكره البيات.» فقال له هريم: - «أصلحك الله، إنّك غير ظاهر على هذا الرجل حتّى تأخذ الكوفة، وإن صارت لك مع تحصّنه بها لم تقم له بعدها قائمة، ولى بعد بها أهيل، فدعني أسر إليها مختفيا فأدعو إليك فى السرّ، ثمّ أجهر، فإنّ القوم إن سمعوا داعيا أجابوه، وإن سمع أبو جعفر الهيعة بأرجاء الكوفة وليس معه رجال، لم يردّ وجهه شيء دون حلوان.» فأقبل على بشير الرحّال. فقال: - «ما ترى يا با محمّد؟» فقال: «إنّا لو وثقنا بالذي يصف لكان رأيا، ولكنّا لا نأمن أن يجيبك طائفة منهم فيرسل إليهم أبو جعفر خيلا فتطأ البريء والنّطف والصغير والكبير، فتكون قد تعرّضت لمأثم، ولم تبلغ منه ما أمّلت.» قال هريم: فقلت لبشير: - «أفخرجت حين [٤٤٩] خرجت لقتال أبى جعفر وأصحابه وأنت تتوقّى

стр. 1478

قتل الصغير والضعيف والمرأة والرجل، أو ليس قد كان رسول الله، صلّى الله عليه، يوجّه السريّة فيقاتل فيكون فى ذلك نحو ما كرهت؟» فقال: «إنّ أولئك كانوا مشركين، وإنّ هولاء أهل ملّتنا ودعوتنا وقبلتنا، حكمهم غير حكم أولئك.» فاتّبع إبراهيم رأيه، وسار حتّى نزل باخمرى [١] فلمّا نزلها أرسل إليه سلم بن قتيبة حكيم بن عبد الكريم: - «انّك قد أصحرت ومثلك أنفس به على الموت، فخندق على نفسك حتّى لا تؤتى إلّا من مأتى واحد، فإن أنت لم تفعل فقد أعرى أبو جعفر عسكره فتخفف [٢] فى طائفة حتّى تأتيه فتأخذ بقفاه.» فدعا إبراهيم أصحابه، فعرض ذلك عليهم فقالوا: - «نخندق على أنفسنا ونحن ظاهرون عليهم؟ لا والله لا نفعل.» قال: «فنأتيه.» قالوا: «ولم، وهو فى أيدنا متى ما أردناه؟» فقال لى إبراهيم: - «قد سمعت.» قال حكيم: فانصرفت وقد تحقّقت ضعفه باستسلامه لأصحابه. وحكى إبراهيم بن سلم عن أخيه قال: حدّثنى أبى قال: التقينا [٤٥٠] مع عيسى بن موسى، فخرجت من بين صفّهم وقلت لإبراهيم: - «إن الصفّ إذا انهزم بعضه تداعى فلم يكن له نظام، فاجعلهم كراديس، فإن انهزم كردوس ثبت كردوس.»

стр. 1479

فتنادوا [١] : - «لا، إلّا قتال أهل الإسلام، يريد قوله: إنّ الله يحبّ الذين يقاتلون فى سبيله صفّا.» [٢] وقال المضاء: لمّا نزلنا باخمرى أتيت إبراهيم فقلت: - «إنّ هولاء مصبّحوك بما يسدّ عليك مغرب الشمس من السلاح والكراع، وإنّما معك رجال عراة من أهل البصرة، فدعني أبيّته فو الله لأشتّتنّ جموعه.» فقال، «إنّى أكره القتل.» فقلت: «تريد الملك وتكره القتل!» فالتقوا بباخمرى [٣] وهي على ستّة عشر فرسخا من الكوفة، فاقتتلوا بها قتالا شديدا، وانهزم حميد بن قحطبة، وكان على مقدّمة عيسى، وانهزم الناس معه، فعرض لهم عيسى يناشدهم الله والطاعة، فلا يلوون ويمرّون منهزمين. وأقبل حميد بن قحطبة منهزما، فقال له عيسى بن موسى: - «يا حميد، الله، الله والطاعة.» قال: «لا طاعة فى الهزيمة.» [٤٥١] ومرّ الناس كلّهم، فلم يبق مع عيسى أحد، وثبت عيسى فلم ينهزم، وكان يحفظ وصيّة لأبى جعفر، وهو أنّه لمّا أراد توجيهه، قال عيسى: قال لى المنصور: إنّ هولاء الخبثاء يعنى المنجّمين يزعمون أنّك لاقى الرجل، وأنّ لك جولة حين تلقاه، ثمّ يفيء [٤] إليك أصحابك وتكون العاقبة لك.

стр. 1480

فكان كما قال لم يبق معى إلّا ثلاثة. فأقبل علىّ مولى لى وقال: - «جعلت فداءك علام تقيم وقد ذهب أصحابك؟» فقلت: «لا والله، لا ينظر أهل بيتي إلى وجهى أبدا وقد انهزمت عن عدوّهم، فو الله ما كان عندي أكثر من أن أقول لمن مرّبى ممّن أعرف من المنهزمة: اقرأوا أهل بيتي منّى السلام وقولوا لهم: إنّى لم أجد فداء لكم أفديكم به أعزّ علىّ من نفسي وقد بذلتها دونكم.» قال: فو الله إنّا لعلى ذلك منهزمون ما يلوى أحد على أحد.» وكان إبراهيم قد مخر ماء ليكون قتاله من وجه واحد وقيل بل كان مخره آل طلحة. ذكر اتفاق غريب سيّء اتّفق على إبراهيم بعد أن ظفر حتّى هزم وقتل [٤٥٢] حكى إسحاق بن عيسى بن علىّ قال: سمعت عيسى بن موسى يومئذ يقول لأبى: والله يا با العبّاس لولا ابنا سليمان يومئذ لافتضحنا، وذاك أنّ من صنع الله كان لنا أنّ أصحابنا لمّا انهزموا اعترض لهم نهر ذو ثنيّتين مرتفعتين، فحالتا بينهم وبين الوثوب ولم يجدوا مخاضة، فكرّوا راجعين بأجمعهم على عرض النهر، فظنّ القوم أنّها كرّة فانهزموا وتبعهم ابنا سليمان ومعها مواليه. ونظر إليه أصحابنا ورأوا هزيمة الأعداء بين يديه، فكرّوا بأجمعهم. وأقبل حميد بن قحطبة نحو إبراهيم لا يعرّج على شيء، حتّى خالط القوم وجعل يرسل بالرؤوس إلى عيسى حتّى كثرت الرؤوس إلى أن أتى برأس معه

стр. 1481

جماعة كثيرة وضجّة وصياح فقالوا: - «رأس إبراهيم.» فدعا عيسى بن موسى ابن أبى الكرام الجعفري فأراه إيّاه، فقال: - «ليس به.» وجعلوا يقتتلون يومهم ذلك. فذكر عبد الحميد: أنّه سأل أبا صلاية: - «كيف قتل إبراهيم؟» فقال: أسمعه ممّن نظر إليه، وعاينه. كان واقفا على دابّته ينظر إلى أصحاب عيسى قد ولّوا وانهزموا بأجمعهم، ونكص عيسى دابّته القهقرّى وأصحابه يقتلونهم ولم يبق [٤٥٣] لهم بقيّة، حتّى رأيت قوما ينصرفون ويكرّون ليسوا بشيء. وكان على إبراهيم قباء زرد فأذاه الحرّ، فحلّ أزرار قبائه، فسال الزرد حتّى حسر لبّته، وأتته نشّابة عائرة فأصابت لبّته فرأيته اعتنق فرسه وكرّ راجعا فأطافت به الزيديّة وأصحابه يحمونه، فرأى حميد بن قحطبة اجتماعهم، فأنكره وقال لأصحابه: - «شدّوا على تلك الجماعة حتّى تزيلوهم عن موضعهم وتعلموا ما اجتمعوا عليه.» فشدّوا عليهم وقاتلوهم أشدّ قتال حتّى أفرجوهم عن إبراهيم، فحزّوا رأسه وأتوا به عيسى، فأراه ابن أبى الكرام الجعفري فقال: - «نعم، هذا رأسه.» فنزل عيسى إلى الأرض فسجد وبعث به إلى أبى جعفر. وذكر أنّ أوائل المنهزمين من أصحاب عيسى دخلوا الكوفة وتأخّر أبو جعفر فقال لحاجبه: - «لا تكشفّن ذلك وأعدد على كلّ باب من أبواب المدينة إبلا ودوابّ، فإن أتينا من ناحية، صرنا إلى الناحية الأخرى.»

стр. 1482

فسئل سلم بن فرقد حاجبه: - «إلى أين أراد أبو جعفر يذهب لو دهمه أمر؟» قال: «كان عزم على إتيان الرىّ.» [٤٥٤] فبلغني [١] أنّ نيبخت المنجّم دخل على أبى جعفر، فقال له: - «يا أمير المؤمنين، الظفر لك، وستقتل إبراهيم.» فلم يقبل ذلك منه. فقال له: - «احبسنى عندك، فإن لم يكن الأمر كما قلت فاقتلني.» فبينا هو كذلك إذ جاءه الخبر بهزيمة إبراهيم، فتمثّل ببيت معمر [٢] البارقىّ: فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر وأقطع نيبخت ألفى جريب بنهر جوبر. رأس إبراهيم بين يدي أبى جعفر وما جرى إذ ذاك ويقال: إنّ أبا جعفر لمّا أتى برأس إبراهيم فوضع بين يديه، بكى، ثمّ قال: - «أما والله لقد كنت كارها لهذا، ولكنّى ابتليت بك، وابتليت بى.» وحكى صالح، مولى المنصور: أنّ المنصور لمّا أتى برأس إبراهيم بن عبد الله وضعه [٣] بين يديه، وجلس مجلسا عامّا، وأذن للناس، وكان الداخل يدخل فيسلّم ويتناول إبراهيم فيسيء فيه القول، ويذكر منه القبيح التماس رضى أبى جعفر، وأبو جعفر ممسك متغيّر لونه، حتّى دخل جعفر بن حنظلة

стр. 1483

البهرائى، فوقف فسلّم ثمّ قال: - «عظّم الله أجرك يا أمير المؤمنين فى ابن عمّك، وغفر له ما فرّط فيه من حقّك.» فأسفر [١] لون أبى جعفر فأقبل [٤٥٥] عليه وقال: - «أبا خالد، ها هنا، مرحبا وأهلا.» فعلم الناس أنّ ذلك وقع منه، فدخلوا فقالوا مثل ما قال جعفر. ثمّ دخلت سنة ستّ وأربعين ومائة معاودة بناء بغداد لمّا فرغ المنصور من أمر إبراهيم ومحمّد، عاود بناء بغداد وإتمامه. وكان خالد بن برمك خطّ المدينة وأشار بها. واحتاج المنصور إلى الآلات والأنقاض لأنّ ما كان جمعه قبل ذلك من ساج وغيره أحرقه مولى له يقال له أسلم، وذلك حين بلغه أنّ إبراهيم هزم أبا جعفر. فقال أبو جعفر لخالد: - «ما ترى فى نقض بناء كسرى بالمدائن وحمل نقضه إلى مدينتي هذه؟» فقال له خالد: - «ما أرى ذلك يا أمير المؤمنين.» قال: «ولم؟» قال: «لأنّه علم من أعلام الإسلام يستدلّ به الناظر على أنّه لم يكن ليزال مثل أصحابه عنه بأمر دنيا، وإنّما هو أمر دين، ومع هذا، يا أمير المؤمنين، فإنّ

стр. 1484

فيه مصلّى علىّ بن أبى طالب ﵇.» قال: «هيهات يا خالد، أبيت إلّا الميل إلى أصحابك العجم.» وأمر أن ينقض القصر الأبيض. فنقض ناحية منه ونظر فى مقدار [٤٥٦] ما يلزمهم من النفقة للنقض والحمل، فوجدوا ذلك أكثر من الجديد لو عمل، فرفع ذلك إلى المنصور، فدعا بخالد، فأعلمه ذلك وقال: - «ما ترى؟» قال: «يا أمير المؤمنين، قد كنت أرى قبل ألّا تفعل، فأمّا إذ بدأت، فأرى أن تتمّم وتهدمه حتّى تلحق بقواعده لئلا يقال: عجزت عن هدم ما بناه غيرك.» فأعرض المنصور عنه، وأمر ألّا يهدم. وكان اللبن الذي لبنه المنصور اللبنة منها ذراع فى ذراع، وقد وزنت لبنة منها بعد ما تهدّم السور وكانت لبنة مكتوب عليها بمغرة [١] : وزنها مائة وسبعة عشر رطلا، فلمّا وزنت وجدت على ما كان مكتوبا عليها من الوزن. ولمّا استتمّ المنصور بناءها قدم عليه بطريق من البطارقة وافدا، فأمر الربيع أن يطوّف به فى المدينة وما حولها ليرى العمران والبناء، فطاف به الربيع، فلمّا انصرف قال: - «كيف رأيت؟» وقد كان أصعد إلى السور وقباب الأبواب، فقال: «رأيت بناء حسنا، إلّا أنّى رأيت أعداءك معك فى مدينتك.» قال: «فمن هم؟» قال: «السوقة.» فأضبّ عليها أبو جعفر، فلمّا انصرف البطريق أمر بإخراج السوق من

стр. 1485

المدينة. ويقال: إنّ السبب كان [٤٥٧] فى إخراج التّجار من المدينة إلى الكرخ وما قرب منها أنّه قيل لأبى جعفر: إنّ الغرباء وغيرهم يبيتون فيها ولا يؤمن أن تكون فيهم جواسيس أو تفتح أبواب المدينة ليلا لموضع السوق، فأمر بإخراج السوق من المدينة وجعلها للشرط والحرس. وبنى للتجّار باب الكرخ، وباب الشام، وطاق الحرّانى، وباب الشعير، وباب المحوّل. ولمّا طاف أبو جعفر مدينته وأبنيتها استحسن الجميع واستنظفه، غير أنّه استكثر النفقة، وكان مبلغ ذلك على ما وجد فى خزائن المنصور ودواوينه أنّه أنفق على مدينة السلام ومسجد جامعها [١] وقصر الذهب والأسواق والفصلان والخنادق وقبابها وأبوابها أربعة ألف [٢] درهم وثمانمائة درهم وثلاثة وثلاثون درهما، ومبلغها من الفلوس مائة ألف [٣] فلس وثلاثة وعشرون ألف فلس، وذلك أنّ الأستاذين البنّائين كان الرجل منهم يعمل يومه بقيراط فضّة، والروز جارين [٤] بحبّتين إلى الثلاث حبّات، وذلك لرخص الأسعار وعوز الفضّة، لأنّ المنصور حصّل الأموال فى خزائنه. [٤٥٨] ثمّ دخلت سنة سبع وأربعين ومائة وفى هذه السنة، كان مهلك عبد الله بن علىّ عمّ أبى جعفر. ذكر السبب فى ذلك حجّ أبو جعفر سنة سبع، بعد تقدمته المهدىّ على عيسى بن موسى وسنذكر

стр. 1486

ذلك فيما بعد، وكان عزل عيسى بن موسى عن الكوفة وأرضها، وولّى مكانه محمّد بن سليمان بن علىّ، واستدعاه ودفع إليه عبد الله بن علىّ سرّا فى جوف الليل ثمّ قال له: - «يا عيسى، إنّ هذا أراد أن يزيل النعمة عنّى وعنك، وأنت ولىّ عهدي بعد المهدىّ والخلافة صائرة إليك، فخذه إليك واقتله، وإيّاك أن تخور أو تضعف فتنقض علىّ أمرى الذي دبّرت.» ثمّ مضى لوجهه من الحجّ، وكتب إليه من طريقه ثلاث مرات يسأله ما فعل فى الأمر الذي أوعز إليه، فكان يكتب إليه: قد أنفذت ما أمرت به. فلم يشكّ أبو جعفر فى أنّه قتل عبد الله بن علىّ. وكان عيسى حين دفعه إليه، ستره، ودعا كاتبه يونس بن فروة، فقال له: - «إنّ هذا الرجل دفع إلىّ عمّه، وأمرنى فيه بكذا.» فقال [٤٥٩] له: - «أراد أن يقتلك ويقتله، إنّه أمرك بقتله سرّا، ثمّ يدّعيه عليك علانية، ثمّ يقيدك به.» قال: «فما الرأى؟» قال: «أن تستره فى منزلك ولا تطلع على أمره أحدا فإن طلبه منك علانية دفعته إليه علانية ولا تدفعه إليه سرّا أبدا.» ففعل ذلك عيسى، وقدم المنصور ودسّ على عمومته من يحرّكهم على مسألته هبة عبد الله بن علىّ لهم، وأطمعهم فى أنّه سيفعل. فجاؤوا إليه وكلّموه ورفقوا وذكروا له الرحم، فقال: - «نعم، علىّ بعيسى بن موسى.» فأتاه، فقال: - «يا عيسى، قد علمت أنّى دفعت إليك عمّى وعمّك عبد الله بن علىّ قبل

стр. 1487

خروجي إلى الحجّ وأمرتك أن يكون فى منزلك.» قال: «قد فعلت ذلك.» قال: «فقد كلّمنى فيه عمومتك، فرأيت الصفح عنه وتخلية سبيله، فأتنا به.» قال: «يا أمير المؤمنين، ألم تأمرنى بقتله؟ فقتلته.» قال: «لا، ما أمرتك بقتله، إنّما أمرتك بحبسه عندك.» قال: «قد أمرتنى بقتله.» فقال له المنصور: - «كذبت.» ثمّ قال لعمومته: - «إنّ هذا قد أقرّ لكم بقتل أخيكم، وادّعى أنّى أمرته بذلك [٤٦٠] وقد كذب.» قالوا: «فادفعه إلينا فإنّا نقيده به.» قال: «شأنكم به.» فأخرجوه إلى الرحبة. فاجتمع الناس، وشهر الأمر، فقام أحدهم فشهر سيفه وتقدّم إلى عيسى ليضربه، فقال له عيسى: - «أفاعل أنت؟» قال: «إى والله.» قال: «فلا تعجلوا، فإنّ عمّى حىّ، ردّونى إلى أمير المؤمنين.» فردّوه إليه. فقال: - «إنّما أردت بقتله أن تقتلني، هذا عمّك حىّ سوىّ، إن أمرتنى بدفعه إليك دفعته.» قال: «ائتنا به.» فأتاه به، فجعله فى بيت، وكان من أمره ما كان من سقوط البيت عليه،

стр. 1488

فمات وهو ابن اثنتين وخمسين سنة. حوار بين المنصور وابن عياش فحكى أنّ المنصور ركب يوما بعد موت عبد الله بن علىّ، ومعه ابن عيّاش المنتوف، [١] فقال له وهو يحادثه: - «هل تعرف ثلاثة خلفاء مبدأ أسمائهم العين قتلوا ثلاثة ادّعوا الخلافة مبدأ أسمائهم العين؟» قال: - «لا أعرف إلّا ما تقول العامّة أنّ عليّا قتل عثمان وكذبوا، وعبد الملك بن مروان قتل عبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الأشعث، وسقط البيت على عبد الله بن علىّ.» فقال له المنصور: - «فسقط البيت على عبد الله بن علىّ، فأنا ما ذنبي؟» قال: «ما قلت إنّ لك ذنبا.» وفى هذه السنة خلع [٤٦١] المنصور عيسى بن موسى وبايع لابنه المهدىّ وجعله ولىّ عهده بعد المهدىّ ذكر الخبر عن ذلك والحيلة فيه كان أبو جعفر أقرّ عيسى على ما كان أبو العبّاس ولّاه، وكان له مكرما مبجّلا إلى أن عزم على تقديم المهدىّ فى الخلافة عليه فلمّا عزم المنصور على

стр. 1489

ذلك كلّم عيسى بن موسى فى تقديم ابنه المهدىّ عليه برقيق الكلام ولطيفه فقال عيسى: - «يا أمير المؤمنين، فكيف بالأيمان والمواثيق التي علىّ وعلى المسلمين لى من الطلاق والعتق وغير ذلك من مؤكّد الأيمان، ليس إلى ذلك سبيل يا أمير المؤمنين.» فلمّا رأى أبو جعفر ذلك باعده بعض المباعدة، وقصّر به فى منزلته، فكان يؤذن لعيسى بعد جماعة، ويجلس دون منزلته، وكان مرتبته عن يمين أبى جعفر. ثمّ يخلّط عليه فى أمثال هذه الأشياء، وعيسى صامت لا يتشكّى ولا يستغيث [١] . ثمّ صار إلى أغلظ من ذلك فكان يكون فى المجلس ومعه بعض ولده فيسمع الحفر فى أصل الحائط ويخاف أن يخرّ عليه، وينتثر عليه التراب وربّما [٤٦٢] نظر إلى الخشبة من سقف المجلس الذي يجلس فيه قد حفر عن أحد طرفيها فيسقط التراب على قلنسوته وثيابه، فيأمر من معه من ولده بالتحوّل ويقوم هو إلى الصلاة، ثمّ يأتيه الإذن فيقوم بهيئته والتراب عليه لا ينفضه، فإذا رآه المنصور قال له: - «يا عيسى، ما يدخل علىّ أحد بمثل هيأتك من كثرة الغبار والتراب عليك، أفكلّ هذا من الشارع؟» فيقول: - «أحسب ذاك يا أمير المؤمنين.» وإنّما يكلّمه بذلك يستطمعه أن يشكو إليه شيئا، فلا يشكو. وكان المنصور قد أرسل إليه فى بعض أحواله بعض ما يتلفه من السموم، أو دسّه إليه بحضرته، فنهض من المجلس، فقال له المنصور:

стр. 1490

- «إلى أين؟» قال: «أجد غمزا.» قال: «ففي الدار إذا.» قال: «الذي أجده أشدّ من أن أقيم معه فى الدار.» ونهض فصار إلى حرّاقته، [١] ونهض المنصور فى أثره متفزّعا إلى الحرّاقة، فاستأذنه عيسى فى المصير إلى الكوفة، فقال: - «بل تقيم، فتعالج ها هنا.» فأبى وألحّ حتّى أذن له وكان الذي حداه على ذلك طبيبه بختيشوع فإنّه قال له: - «أنت مسموم، وو الله ما أجترئ على معالجتك بالحضرة.» [٤٦٣] فاستأذنه، فأذن له، وبلغت العلّة بعيسى كلّ مبلغ حتّى تمعّط [٢] شعره، ثمّ أفاق. ويقال إنّ عيسى إنّما كان يمتنع على أبى جعفر لأنّه كان يريّض الأمر لابنه موسى، فبعث أبو جعفر إلى موسى من يخوّفه على نفسه وعلى أبيه، فقال موسى: - «إنّى قد أرى ما يسام أبى من إخراج هذا الأمر من عنقه وتصييره للمهدىّ، وقد نصبت عليه وجوه الحتوف من السمّ مرّة، وبهدم الحيطان مرّة، وبضروب الإهانات، وليس يعطى على هذا شيئا، ولكن ها هنا وجه واحد لعلّه يعطى عليه إن أعطى، وإلّا فلا.» قال له الواسطة بينه وبين أبى جعفر: - «وما هو؟» قال: «إنّما أقوله إذا أمنت على نفسي، وإنّما هو روحي اجعله فى يده، ولا بدّ

стр. 1491

لى ممّا أثق به وأطمئنّ إليه.» فأعطاه كلّ ما أحبّ من ذلك، فقال: - «يقبل عليه أمير المؤمنين وأنا شاهده، فيقول له: يا عيسى، إنّى قد علمت أنّك لست تضنّ بهذا الأمر عن المهدىّ لنفسك لتعالى سنّك، وإنّما تضنّ به لمكان ابنك، أفترى أنّى أدع ابنك يبقى بعدك؟ كلّا والله، ولآتينّ عليه وأنت تنظر إليه حتّى تيأس [٤٦٤] منه ثمّ يأمر بى، فإمّا خنقت، وإمّا شهر علىّ سيف، فإن أجاب إلى شيء فعسى أن يفعل فى ذلك الوقت، وإلّا فلا.» فقال له: - «جزاك الله خيرا، فديت أباك بنفسك، نعم الرأى رأيت، ونعم المسلك سلكت.» ثمّ أتى أبا جعفر فأخبره، فجزّى موسى خيرا وقال: - «قد والله أحسن وأجمل، وسأفعل ما أشار به، ويسّره الله بعاقبة ذلك إن شاء الله.» فلمّا اجتمعوا أقبل المنصور على عيسى بن موسى وقال: - «يا عيسى إنّى لا أجهل مذهبك الذي تضمره ولا مداك الذي تجرى إليه فى الأمر الذي سألتك، إنّما تريد [١] هذا الأمر لا بنك هذا المشؤوم عليك وعلى نفسه، أما والله لأعجلّن لك فيه ما يسوءك. يا ربيع، اخنق موسى بحمائله حتّى تأتى على نفسه.» وقد كان واطأ الربيع على الرفق به. فضمّ الربيع حمائله على عنقه فجعل يخنقه خنقا رويدا وموسى يصيح: - «الله، الله فىّ يا أمير المؤمنين وفى دمى، فو الله إنّى لبعيد ممّا تظنّ بى، وما

стр. 1492

يبالى عيسى أن تقتلني وله بضعة عشر ذكرا كلّهم عنده [١] مثلي أو يتقدمني.» وهو يقول: - «اشدد يا ربيع ائت على نفسه.» والربيع يوهم [٤٦٥] أنّه يريد تلفه وهو يراخى خناقه وموسى يصيح صياح من بلغت نفسه التراقي. فلمّا رأى عيسى ذلك قال: - «يا أمير المؤمنين، والله ما ظننت الأمر يبلغ منك هذا كلّه، فمر بالكفّ عنه، فإنّى لم أكن لأرجع إلى أهلى وقد قتل بسبب هذا الأمر عبد من عبيدي، فكيف بولدي، فها أنا ذا أشهدك أنّ نسائي طوالق ومماليكي أحرار، وما أملك فى سبيل الله، يصرف ذلك فيمن رأيته يا أمير المؤمنين وهذه يدي بالبيعة للمهدىّ.» فأخذ بيعته على ما أحبّ ثمّ قال له: - «يا با موسى، إنّك قد قضيت حاجتي هذه كارها، ولى حاجة أحبّ أن تقضيها فتغسل بها ما فى نفسي من الحاجة الأولى.» قال: «وما هي يا أمير المؤمنين؟» قال: «تجعل الأمر من بعد المهدىّ لنفسك.» قال: «ما كنت لأدخل فيها بعد إذ خرجت منها.» فلم يدعه هو ومن حضره من أهل بيته حتّى قال: - «وأمير المؤمنين أعلم.» فقال بعض أهل الكوفة وقد مرّ به [٢] عيسى فى مواكبه:

стр. 1493

- «هذا الذي كان غدا فصار بعد غد.» قول آخر فى وجه خلع المنصور عيسى وقد قيل فى وجه خلع المنصور عيسى قول آخر [١] . وذلك أنّهم ذكروا [٤٦٦] أنّ عيسى لمّا امتنع أن يجيب المنصور إلى ما أراد وأعياه الأمر، بعث إلى خالد بن برمك فقال له: - «كلّمه يا خالد، فقد اشتدّ امتناعه وإن كانت عندك حيلة فيه فاذكرها، فقد ضلّ عنّا وجه الرأى فيه.» قال: «نعم، يا أمير المؤمنين، تضمّ إلىّ ثلاثين رجلا من كبار الشيعة ممّن تختاره.» فركب خالد وركبوا معه، فصاروا إلى عيسى، فأبلغوه رسالة أبى جعفر، فقال: - «ما كنت لأخلع نفسي وقد جعل الله لى الأمر.» فأداره خالد بكلّ وجه من وجوه الطمع والحذر، فأبى عليه، فخرج خالد عنه وخرج الشيعة بعده، فقال [لهم] [٢] خالد: - «ما عندكم فى أمره؟» قالوا: «نبلغ أمير المؤمنين رسالته ونخبره ما كان منك ومنه.» قال: «لا، ولكنّا نخبر أمير المؤمنين أنّه أجاب ونشهد عليه إن أنكره.» فقالوا: «نفعل.» فقال لهم:

стр. 1494

- «ذا هو الصواب، وأبلغ لأمير المؤمنين فيما حاول وأراد.» قال: فصاروا إلى أبى جعفر وخالد معهم، فأعلموه أنّه قد أجاب فأخرج التوقيع بالبيعة للمهدىّ. وكتب بذلك إلى الآفاق. قال: وأتى عيسى بن [٤٦٧] موسى لمّا بلغه الخبر أبا جعفر منكرا لما ادّعى عليه من الإجابة إلى تقديم المهدىّ على نفسه وذكّره الله فيما همّ به، فدعاهم أبو جعفر، فسألهم، فقالوا: - «نشهد عليه أنّه قد أجاب وليس له أن يراجع [١] .» فأمضى أبو جعفر الأمر وشكر لخالد ما كان منه. وكان المهدىّ يعرف ذلك ويصف جزالة الرأى منه فيه. ولمّا رأى عيسى الأمر يتمّ، راسل المنصور وقال: - «يا أمير المؤمنين، أما وقد أبيت، فاجعل لرضاي فيه نصيبا.» فوجّه إليه خالد بن برمك فقرّر أمره على عشرة آلاف ألف درهم له، وثلاثمائة ألف درهم بين أولاده، وسبعمائة ألف لنسائه. وحضر عيسى مجلس المنصور، وحضر معه جماعة الوجوه والأشراف والجند فتكلّم عيسى وقال: - «اشهدوا أنّى خلعت نفسي ممّا كان إلىّ من ولاية العهد، وسلّمته للمهدىّ محمّد بن أمير المؤمنين، وقدّمته على نفسي.» فقال له أبو عبد الله كاتب المهدىّ: - «ليس هكذا أعزّ الله الأمير، ولكن قل ذلك بحقّه وصدقه وأخبر بما رغبت فيه وأعطيته.» قال: «نعم، بعت نصيبي من ولاية العهد [٤٦٨] من عبد الله أمير المؤمنين،

стр. 1495

لابنه محمّد المهدىّ بن أمير المؤمنين، بعشرة آلاف ألف وثلاثمائة ألف لولدي وسبعمائة ألف لنسائي- وسمّاهم واحدا واحدا- بطيب من نفسي وحبّ لتصييرها إليه، لأنّه أولى بها وليس لى يحقّ [١] التقدمة قليل ولا كثير فما ادّعيته بعد يومى هذا منها فإنّى مبطل لا حقّ لى فيه، ولا دعوى ولا طلبة.» وكان ربما ترك الشيء بعد الشيء فيوقفه عليه أبو عبيد الله حتى كتب الكتاب وختم وشهد عليه الشهود. ودخلت سنة ثمان وأربعين ومائة ولم يجر فيها شيء ممّا بلغنا تستفاد منه تجربة. ودخلت سنة تسع وأربعين ومائة ولم يجر فيها شيء يكتب وتستفاد منه تجربة. ودخلت سنة خمسين ومائة فممّا جرى فيها [٢] خروج اشتادسيس فى أهل هرات وبادغيس وسجستان وغيرها من الكور بخراسان. فكان فيما ذكر، فى زهاء ثلاثمائة ألف مقاتل، فغلبوا على عامّة خراسان. وخرج إليهم جماعة أهل بلدان وأمراء فهزمهم [٤٦٩] وقتلهم. فوجّه المنصور خازم بن خزيمة إلى المهدىّ، فولّاه المهدىّ محاربة اشتادسيس وضمّ إليه القّواد. وكان المهدىّ يومئذ بنيسابور وكان كاتب المهدىّ أبو عبيد الله ووزيره

стр. 1496

يوهن أمر خازم، ويخرج الكتب إلى خازم وغيره من القوّاد بالأمر والنهى. حيلة خازم فى ذلك فاعتلّ خازم وهو فى عسكره يشرب الدواء، ثمّ ركب البريد حتّى قدم على المهدىّ، وأبو عبيد الله يظنّه فى المعسكر ولا يعرف خبره. فلمّا قدم خازم نيسابور ودخل على المهدىّ، استخلاه، فدخل أبو عبيد الله، فأمسك خازم فقال المهدىّ: - «لا عيق [١] عليك من معاوية، فقل ما بدا لك.» فأبى خازم أن يخبره أو يكلّمه، حتّى قام أبو عبيد الله. فلمّا خلا به شكا إليه [٢] أبا عبيد الله معاوية وأخبره بعصبيته وتحامله وما كانت ترد من كتبه عليه وعلى من قبله من القوّاد، وما صاروا إليه بذلك من الفساد والتأمّر بأنفسهم والاستبداد بآرائهم وقلّة السمع والطاعة، وأنّ أمر الحرب لا يستقيم إلّا برأس ولا يكون [٤٧٠] فى عسكره لواء يخفق على رأس أحد إلّا لواؤه أو لواء هو عقده. وأعلمه أنّه غير راجع إلى قتال استادسيس [٣] إلّا بتفويض الأمر إليه وإعفائه من معاوية أبى عبيد الله، وأن يسمع منه أو يداخله فيما يدبّره، وأن يكتب إليهم بالسمع والطاعة له. فأجابه المهدىّ إلى كلّ ما سأل، فانصرف خازم إلى عسكره، فعمل برأيه وحلّ لواء من رأى حلّ لوائه من القوّاد، وعقد لمن أراد، وضمّ إليه من كان انهزم من الجند وجعلهم حشوا يكثّر بهم من معه فى أخريات الناس، ولم يقدّ

стр. 1497

مهم لما فى قلوبهم من روعة الهزيمة. وكان من ضمّ إليه من هذه الطبقة اثنين وعشرين ألفا، ثمّ انتخب ستّة آلاف من الجند فضمّهم إلى اثنى عشر ألفا كانوا معه متخيّرين، وكان بكّار بن مسلم العقيلي فيمن انتخب ثمّ تعبّأ للقتال وخندق وجعل بكّارا على مقدّمته، وسمّى لميمنته وميسرته وساقته من ارتضاهم. ثمّ سار إلى موضع اختاره، فنزله وخندق عليه، وأدخل خندقه جميع ما أراد، وأدخل إليه جميع أصحابه، وجعل له أربعة أبواب وجعل على كلّ [٤٧١] باب منها من أصحابه الذين انتخب وهم أربعة آلاف وجعل مع صاحب مقدّمته، وهو بكّار، ألفين تكملة لثمانية عشر ألفا. فأقبل الأعداء معهم المرور والزبل [١] والفؤوس يريدون دفن الخندق ثمّ الهجوم عليهم. فأتوا الخندق من قبل بكّار بن مسلم، فشدّوا عليه شدّة لم تكن لأصحاب بكّار نهاية دون أن انهزموا، حتّى دخلوا عليهم الخندق، فلمّا رأى ذلك بكّار رمى بنفسه، فترجّل على باب الخندق، ثمّ نادى أصحابه: - «يا بنى الفواجر، أمن قبلي يؤتى المسلمون؟» فترجّل معه من عشيرته وأهله نحو من خمسين رجلا، فمنعوا بابهم حتّى أجلوا الناس عنه، وأقبل إلى الباب الذي كان عليه خازم رجل كان مع استاد سيس [٢] من أهل سجستان يقال له الحريش وهو الذي كان يدبّر أمرهم. حيلة لخازم حتّى هزم عدوّه فلمّا رآه خازم مقبلا بعث إلى الهيثم بن شعبة وهو فى الميمنة أن: - «اخرج من بابك الذي أنت عليه، فخذ غير الطريق الذي يوصلك إلى الباب

стр. 1498

الذي عليه [٤٧٢] بكّار، فإنّ القوم قد شغلوا بالقتال وبالإقبال علينا، فإذا علوت فجزت مبلغ أبصارهم فأتهم من خلفهم.» وقد كانوا فى تلك الأيّام يتوقّعون قدوم أبى عون وعمر بن سلم بن قتيبة من طخارستان. وبعث خازم إلى بكّار بن مسلم: - «إذا رأيت رايات الهيثم بن شعبة قد جاءتك من خلف فكبّروا وقولوا: قد جاء أهل طخارستان.» ففعل ذلك الهيثم وخرج خازم فى القلب على الحريش السجستاني فاجتلدوا بالسيوف جلادا شديدا وصبر بعضهم لبعض فبينا هم على تلك الحال إذ نظروا إلى أعلام الهيثم وأصحابه فتنادوا فيما بينهم: - «جاء أهل طخارستان.» فلمّا نظر أصحاب الحريش إلى تلك الأعلام ونظر من كان بإزاء بكّار بن مسلم إليها شدّ عليهم [١] أصحاب خازم فكشفوهم ولقيهم أصحاب الهيثم فطعنوهم بالرماح ورموهم بالنشّاب وخرج عليهم أصحاب الميسرة وبكّار بن مسلم وأصحابه من ناحيتهم، فهزموهم ووضعوا فيهم السيوف فقتلهم المسلمون وأكثروا. فكان من قتل منهم فى تلك المعركة نحوا من سبعين ألفا، وأسروا أربعة عشر ألفا ولجأ اشتادسيس [٢] إلى جبل فى عدّة من أصحابه يسيرة. [٤٧٣] فقدّم خازم الأربعة عشر الألف فضرب أعناقهم. وسار إلى المكان الذي لجأ إليه اشتادسيس من الجبل فحصره حتّى نزلوا على حكم أبى عون. وكان أبو عون قدم بعد الوقعة، وقالوا:

стр. 1499

- «لا نرضى إلّا بأبى عون.» فرضي خازم وأعطاهم النزول على حكم أبى عون، فلمّا نزلوا أمر أبو عون أن يوثق اشتادسيس وبنوه وأهل بيته بالحديد وأن يعتق الباقون وهم ثلاثون ألفا، فأنفذ ذلك خازم من حكم أبى عون. وكتب خازم بالفتح إلى المهدىّ، وكتب به المهدىّ إلى المنصور. ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائة وفيها بنى المنصور الرّصافة فى الجانب الشرقىّ من بغداذ [١] لابنه المهدىّ. ذكر السبب فى ذلك انصرف المهدىّ من خراسان إلى بغداد وشغّبت الروندية وحاربوه على باب الذهب، فدخل قثم بن العبّاس بن عبيد الله بن العبّاس، على المنصور وهو يومئذ شيخ كبير مقدّم عند القوم، فقال له أبو جعفر: - «أما ترى ما نحن فيه من التياث الجند علينا [٤٧٤] قد خفت أن تجتمع كلمتهم فيخرج هذا الأمر عنّا، فما ترى؟» قال: - «يا أمير المؤمنين، عندي فى هذا رأى إن أنا أظهرته لك فسد، وإن تركتني أمضيه صلحت لك خلافتك وهابك جندك.» قال له: «أفتمضي فى خلافتي أمرا لا تعلمني ما هو؟» فقال: «إن كنت عندك متّهما على دولتك فلا تشاورنى، وإن كنت مأمونا عليها فدعني أمضى رأيى.»

стр. 1500

قال له: «فأمضه.» قال: فانصرف قثم إلى منزله، فدعا غلاما له فقال: - «إذا كان غدا فتقدمني فاجلس فى دار أمير المؤمنين، فإذا رأيتنى قد دخلت وتوسّطت أصحاب المراتب، فخذ بعنان بغلتي، واستوقفنى واستحلفني بحقّ رسول الله صلّى الله عليه وحقّ العبّاس وحقّ أمير المؤمنين، لمّا وقفت لك، وسمعت مسألتك، وأجبت عنها، فإنّى أنتهرك وأغلّظ لك القول، فلا يهولنّك ذلك منّى، وعاودني بالمسألة، فإنّى سأشتمك فلا يهولنّك، وعاودني القول والمسألة، فإنّى سأضربك بالسوط فلا يشقّنّ ذلك عليك، وقل لى: - «أىّ الحيّين أشرف، اليمن أم مضر؟» فإذا أجبتك فخلّ عنان بغلتي وأنت حرّ.» قال: فغدا الغلام، فجلس حيث أمره به مولاه [٤٧٥] من دار الخليفة، فلمّا جاء الشيخ فعل الغلام ما أمره به، وفعل المولى ما كان قال له وقال: - «أىّ الحيّين أشرف، اليمن أم مضر؟» فقال له قثم: - «مضر، منها رسول الله صلّى الله عليه وفيها كتاب الله، وفيها بيت الله، ومنها خليفة الله.» قال: فامتعضت اليمن إذ لم يذكر لها شيئا من شرفها. فقال قائد من قوّاد أهل اليمن لغلامه: - «قم، فخذ بعنان بغلة الشيخ فاكبحها كبحا عنيفا تطامن [١] منه.» ففعل الغلام ما أمر به مولاه حتّى كاد يقعيها [٢] على عراقيبها فامتعضت من

стр. 1501

ذلك مضر فقالت: - «أيفعل هذا بشيخنا؟» فأمر رجل منهم غلامه فقال: - «اقطع يد العبد.» فقام إلى غلام اليمانىّ فقطع يده فنفر الحيّان وضرب قثم بغلته، فدخل على أبى جعفر، وافترق الجند، وصارت مضر فرقة واليمن فرقة وربيعة فرقة والخراسانية فرقة. فقال قثم: - «قد فرّقت بين جندك وجعلتهم أحزابا كلّ حزب منهم يخاف أن يحدث حدثا عليك فتضربه بالحزب الآخر، وقد بقي عليك فى التدبير بقيّة.» قال: «وما هي؟» قال: «اعبر بابنك، فابن له فى ذلك الجانب قصرا، وحوّل معه من جيشك قوما، فيصير [٤٧٦] ذلك بلدا، وهذا بلدا، فإن فسد عليك أهل هذا الجانب، ضربتهم بأهل ذلك الجانب، وإن فسدت عليك مضر، ضربتها بمن أطاعك من اليمن وربيعة والخراسانية، وإن فسدت عليك اليمن، ضربتها بمن أطاعك من مضر وغيرها.» فقبل رأيه ومشورته، فاستوى له ملكه، وكان [ذلك] [١] السبب فى بناء الجانب الشرقىّ وهي الرصافة أوّلا وإقطاع القوّاد هناك. ثمّ دخلت سنة اثنتين وخمسين [ومائة] [٢] ولم يجر فيها ما تستفاد منه تجربة.

стр. 1502

ودخلت سنتا ثلاث وأربع [وخمسين ومائة] : [١] ولم يجر فيها أيضا شيء تستفاد منه تجربة. ثمّ دخلت سنة خمس وخمسين ومائة وفيها بنى المنصور مدينة الرافقة، ووجّه ابنه المهدىّ لبنائها، فبناها على [بناء] [٢] مدينة بغداد فى أبوابها وفصولها ورحابها وشوارعها وخندق أبو جعفر على الكوفة والبصرة. وجعل ما أنفق على ذلك من أموال أهلها. فيحكى: أنّه لمّا أراد بناء سور الكوفة وحفر الخندق لها، أمر بقسمة خمسة دراهم [٣] خمسة دراهم على أهل الكوفة، وأراد بذلك علم عددهم، فلمّا عرف عددهم أمر بجبايتهم أربعين درهما من كلّ إنسان، [٤٧٧] فجبوا [٤] . ثمّ أمر بإنفاق ذلك على سور الكوفة وحفر الخندق لها، فقال شاعرهم: يا لقوم [٥] ما لقينا ... من أمير المؤمنينا قسم الخمسة فينا ... وجبانا الأربعينا عزل أسيد عن الجزيرة وفيها عزل المنصور يزيد بن أسيد عن الجزيرة وولّاها أخاه العبّاس بن محمّد، فشكا يزيد إلى أبى العبّاس فقال:

стр. 1503

- «يا أمير المؤمنين، إنّ أخاك أساء عزلى وشتم عرضي.» فقال له المنصور: - «اجمع بين إحسانى إليك وإساءة أخى يعتدلا.» فقال يزيد: - «يا أمير المؤمنين، إذا كان إحسانكم جزاء بإساءتكم، كانت طاعتنا لكم تفّضلا منّا عليكم.» ودخلت سنتا ستّ وسبع وخمسين ومائة ولم يجر فيهما ما تستفاد منه تجربة. ثمّ دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة وفيها غضب المنصور على محمّد بن إبراهيم بن محمّد بن علىّ وكان أمير مكّة. غضب المنصور على محمد بن ابراهيم وكان السبب فى ذلك أنّ المنصور كتب إليه يأمره بحبس رجل من آل أبى طالب وبحبس الثوري وابن جريح وعبّاد بن كثير، فحبسهم [١] وكان له سمّار بالليل فلمّا كان وقت سمره [٤٧٨] أبلس وأكبّ على الأرض ينظر إليها ولم ينطق بحرف، حتّى تفرّقوا. قال: فدنوت منه فقلت: - «قد رأيت ما بك، فما لك؟» قال:

стр. 1504

- «عمدت إلى ذى رحم برسول الله، صلّى الله عليه، فحبسته، وإلى عيون من عيون المسلمين فحبستهم ويقدم أمير المؤمنين السنة، فلا أدرى ما يكون، ولعلّه أن يأمر بقتلهم فيقوى سلطانه وأهلك ديني.» قال: فقلت: «فتصنع ماذا؟» قال: «أوثر الله، وأطلق القوم، اذهب إلى إبلى فخذ راحلة منها، وخذ خمسين دينارا، فأت بها الطالبي، فأقرئه السلام وقل له: ابن عمّك يسألك أن تحلّه من ترويعه إيّاك، وتركب هذه الراحلة وتأخذ هذه النفقة.» قال: فلمّا أحسّ بى، جعل يتعوّذ بالله من شرّى، فلمّا أبلغته الرسالة قال: - «هو فى حلّ ولا حاجة بى إلى النفقة ولا إلى الراحلة.» قال: فقلت له: - «إنّ أطيب لنفسه أن تأخذ.» ففعل. ثمّ جئت إلى ابن جريح وإلى سفيان وعبّاد فأبلغتهم ما قال، قالوا: - «هو فى حلّ.» قال: قلت لهم: - «لا يظهرنّ أحد منكم ما دام المنصور مقيما.» فلمّا قرب المنصور، وجّهنى محمّد بن إبراهيم بألطاف، فلمّا أخبر المنصور أنّ رسول محمّد بن إبراهيم قدم، أمر بالإبل فضربت وجوهها. فلمّا صار إلى بئر ميمون لقيه محمّد بن إبراهيم [٤٧٩] فلمّا أخبر بذلك أمر بدوابّه فضربت وجوهها، فعدل محمّد فكان يسير فى ناحية، وعدل بأبى جعفر عن الطريق فى الشقّ الأيسر فأنيخ به، ومحمّد واقف قبالته ومعه طبيب له، فلمّا ركب أبو جعفر وسار، أمر محمّد الطبيب، فمضى إلى مناخ أبى جعفر فرأى نجوه، فقال لمحمّد: - «رأيت نجو رجل لا تطول به الحياة.»

стр. 1505

فلمّا دخل مكّة لم يلبث أن مات، وسلم محمّد. ولمّا مات المنصور، وكان ذلك لستّ خلون من ذى الحجّة، كتمه الربيع، وأحضر أهل بيته وذوى الأسنان منهم، ثمّ أحضر عامّتهم، وأخذ بيعتهم للمهدىّ، ثمّ لعيسى بن موسى من بعده. فلمّا فرغ من بيعتهم، دعا بالقوّاد حتّى بايعوا. ولم يتكلّم أحد إلّا علىّ بن عيسى بن ماهان، فإنّه أبى عند ذكر عيسى بن موسى أن يبايع، فلطمه محمّد بن سليمان وأمصّه [١] وقال: - «من هذا العلج؟» وهمّ بضرب عنقه، فبايع، ثمّ تتابع الناس بالبيعة. وتوفّى وله نيّف وستون سنة، واختلف فى النيّف، وكانت ولايته اثنتين وعشرين سنة. ذكر بعض سير المنصور [٤٨٠] ذكر الفضل بن الربيع حكاية عن أبيه قال: بينا أنا قائم بين يدي المنصور إذ أتى بخارجى قد هزم له جيوشا، فأقامه ليضرب عنقه، ثمّ اقتحمته عينه فقال: - «يا بن الفاعلة، مثلك يهزم الجيوش؟» فقال له الخارجي: - «ويلك، سوءة لك، بيني وبينك أمس السيف والقتل، واليوم القذف والسبّ، ما كان يؤمنك أن أردّ عليك وقد يئست من الحياة فلا تستقيلها أبدا.» قال: فاستحيى منه المنصور فأطلقه، وما رأى أحد وجهه حولا. وحكى سلّام الأبرش قال: كنت وأنا وصيف [٢] وغلام آخر نخدم المنصور، وكان من أحسن الناس خلقا ما لم يخرج للناس وأشدّهم احتمالا

стр. 1506

لما يكون من عبث الصبيان، فإذا لبس ثيابه تغيّر لونه وترّبد وجهه واحمرّت عيناه، فيخرج ويكون منه ما يكون، فإذا رجع، عاد لمثل ذلك فنستقبله فى ممشاه، فربّما عاتبنا، وقال لى يوما: - «يا بنىّ، إذا رأيتمونى قد لبست ثيابي أو رجعت من مجلسي فلا يدنونّ أحد منكم منّى لا أعرّه بشرّ [١] .» وقال المنصور يوما: - «ما كان أحوجنى أن يكون على بابى أربعة نفر لا يكون أعفّ منهم.» قيل له: - «ومن هم يا أمير المؤمنين؟» [٤٨١] قال: «هم أركان الملك، ولا يصلح الملك إلّا بهم، كما أنّ السرير لا يصلح إلّا بأربع قوائم إن نقصت قائمة واحدة لم تستقم، أمّا أحدهم فقاض لا تأخذه فى الله لومة لائم، والآخر صاحب شرطة يأخذ للضعيف من القوىّ، والثالث، صاحب خراج يستقصى لى ولا يظلم الرعيّة، فإنّى غنّى عن ظلمهم.» ثمّ عضّ على إصبعه السبّابة وقال: - «آه، آه.» قيل له: «يا أمير المؤمنين، ومن هو [٢] ؟» قال: «صاحب بريد يكتب إلىّ بخبر هولاء على الصّحة.» وقدّم إلى المنصور رجلان أحدهما شامىّ والآخر عراقىّ وقد ولّاهما خراج ناحيتهما، فقال للشامىّ بعد ما وصّاه وتقدّم إليه بما أراد: - «ما أعرفنى بما فى نفسك، كأنّى بك وقد خرجت من عندي فقلت الزم

стр. 1507

الصحّة يلزمك العمل.» وقال للعراقىّ بعد ما وصّاه: - «ما أعرفنى بما فى نفسك كأنّى بك وقد خرجت من عندي فقلت: من عال بعدها فلا انجبر [١] اخرج عنّى وامض إلى عملك، وو الله لئن تعرّضت لذلك لأبلغنّ من عقوبتك ما تستحقّه.» قال: فولّيا جميعا وناصحا. وذكر إسحاق بن عيسى بن موسى أنّ المنصور ولّى [٤٨٢] رجلا من العرب حضرموت، [٢] فكتب إليه صاحب البريد: إنّه يكثر الخروج فى طلب الصيد وقد أعدّ بزاة وكلابا كثيرة. فكتب إليه: - «ثكلتك أمّك وعدمتك عشيرتك ما هذه العدّة التي جمعتها، للنكاية فى الوحش؟ إنّما استكفيناك أمور المسلمين ولم نستكفك أمور الوحش، سلّم ما كنت تلى من عملنا إلى فلان، والحق بأهلك ملوما مدحورا.» وذكر الهيثم بن عدىّ أنّ ابن عيّاش حدّثه أنّ ابن هبيرة أرسل إلى المنصور وهو محصور بواسط والمنصور بإزائه: - «إنّى خارج يوم كذا وكذا وداعيك إلى المبارزة، فقد بلغني تجبينك إيّاى.» فكتب إليه: - «يا بن هبيرة، إنّك متعدّ طورك، جار فى عنان غيّك، يعدك الشيطان ما الله مكذّبه، ويقرّب لك ما الله مباعده، فرويدا تتمّ الكلمة، ويبلغ الكتاب أجله، و

стр. 1508

قد ضربت لك مثلي ومثلك: بلغني أنّ أسدا لقى خنزيرا، فقال له الخنزير: قاتلني. فقال له الأسد: إنّما أنت خنزير، ولست لى بكفؤ ولا نظير، ومتى فعلت الذي دعوتني إليه فقتلتك، قيل: قتل الأسد خنزيرا، [٤٨٣] فلم أعتقد [١] بذلك فخرا ولا ذكرا، وإن نالني منك شيء كان سبّة علىّ. فقال: إن أنت لم تفعل رجعت إلى السباع، فأعلمتها أنّك نكلت عنّى، وجبنت عن قتالي. فقال الأسد: احتمالي عار كذبك أيسر من لطخ شاربي بدمك.» وذكر لأبى جعفر تدبير هشام بن عبد الملك فى حرب كانت له، فبعث إلى رجل يصحبه قديما ينزل [٢] رصافة هشام، يسأله عن تلك الحرب، فقدم عليه فقال: - «أنت صاحب هشام؟» قال: «نعم يا أمير المؤمنين.» قال: «فأخبرني كيف صنع فى حرب دبّرها فى سنة كذا؟» فقال: - «إنّه عمل فيها، رحمة الله عليه، كذا وكذا، ثمّ أتبع بأن فعل، رضى الله عنه، كذا وكذا.» فأحفظ ذلك المنصور فقال: - «قم، غضب الله عليك، تطأ بساطي وتترحّم على عدوّى.» فقام الشيخ وهو يقول: - «إنّ لعدوّك قلادة فى عنقي ومنّة فى رقبتي لا ينزعها عنّى إلّا غاسلى.» فأمر بردّه وقال:

стр. 1509

- «اقعد، هيه، كيف قلت وما صنع بك؟» فقال: - «إنّه كفاني الطلب، وصان وجهى عن السؤال، فلم أقف على باب عربىّ ولا عجمىّ منذ رأيته، أفلا يجب علىّ أن أذكره بخير وأتبعه [٤٨٤] بثنائى؟» قال: «بلى والله، لله أمّ نهضت عنك وليلة أدّتك، أشهد أنّك نهيض حرّة وغراس كريم.» ثمّ استمع منه، وأمر له ببرّ. فقال: - «يا أمير المؤمنين، ما آخذه لحاجة، وما هو إلّا تشرّف بحبائك وتبّجح بصلتك.» وأخذ الصلة وخرج. فقال المنصور: - «لمثل هذا تحسن الصنيعة، ويوضع المعروف. ويجاد بالمصون، وأين فى عسكرنا مثله!» وأبطأ المنصور عن الخروج إلى الناس والركوب، فقال الناس: هو عليل وكثّرا. قال: فدخل الربيع عليه، فقال: - «يا أمير المؤمنين، لأمير المؤمنين طول البقاء والناس يقولون ... » قال: «ما يقولون؟» قال: - «يقولون: عليل.» قال: فأطرق قليلا وقال: - «يا ربيع، مالنا وللعامّة، إنّما تحتاج العامّة إلى ثلاث خلال، فإذا فعل بهم فما حاجتهم إذا أقيم لهم من ينظر فى أحكامهم، وينصف بعضهم من بعض، ويؤمن سبلهم حتّى لا يخافوا ليلهم ونهارهم، ويسدّ ثغورهم وأطرافهم حتّى لا يجيئهم عدوّهم، وقد فعلنا ذلك بهم.»

стр. 1510

ثمّ مكث أيّاما وقال: - «يا ربيع، اضرب الطبل.» فركب حتّى رأته [٤٨٥] العامّة. وظفر المنصور برجل من كبراء بنى أميّة فقال: - «إنّى أسألك عن أشياء فاصدقني ولك الأمان.» قال: «نعم.» فقال له المنصور: - «من أين أتى بنو أميّة حتّى انتشر أمرهم؟» قال: «من تضييع الأخبار.» وكان المنصور يقول: ليس بإنسان من أسدى إليه معروف فنسيه قبل الموت. وكان يقول: العرب تقول: العرى القادح خير من الزّى الفاضح. ودخل على المنصور رجل من أهل العلم فازدراه واقتحمته عينه فجعل لا يسأله عن شيء إلّا وجده عنده. فقال له: - «أنّى لك هذا العلم.» قال: «لم أبخل بعلم علمته، ولم أستحى من علم أتعلّمه.» قال: «فمن هناك.» وكان المنصور كثيرا ما يقول: من فعل بغير تدبير، وقال فى غير تقدير، لم يعدم من الناس هازئا أو لاحيا. وكان المنصور يقول: الملوك تحتمل كلّ شيء من أصحابها إلّا ثلاثا: إفشاء السرّ، والتعرّض للحرمة، والقدح فى الملك. ولمّا حمل عبد الجبّار بن عبد الرّحمن الأزدى إلى المنصور بعد خروجه عليه، قال له: - «يا أمير المؤمنين، قتلة كريمة.» [٤٨٦] قال:
следующие страницы →