← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

لما يكون من عبث الصبيان، فإذا لبس ثيابه تغيّر لونه وترّبد وجهه واحمرّت عيناه، فيخرج ويكون منه ما يكون، فإذا رجع، عاد لمثل ذلك فنستقبله فى ممشاه، فربّما عاتبنا، وقال لى يوما: - «يا بنىّ، إذا رأيتمونى قد لبست ثيابي أو رجعت من مجلسي فلا يدنونّ أحد منكم منّى لا أعرّه بشرّ [١] .» وقال المنصور يوما: - «ما كان أحوجنى أن يكون على بابى أربعة نفر لا يكون أعفّ منهم.» قيل له: - «ومن هم يا أمير المؤمنين؟» [٤٨١] قال: «هم أركان الملك، ولا يصلح الملك إلّا بهم، كما أنّ السرير لا يصلح إلّا بأربع قوائم إن نقصت قائمة واحدة لم تستقم، أمّا أحدهم فقاض لا تأخذه فى الله لومة لائم، والآخر صاحب شرطة يأخذ للضعيف من القوىّ، والثالث، صاحب خراج يستقصى لى ولا يظلم الرعيّة، فإنّى غنّى عن ظلمهم.» ثمّ عضّ على إصبعه السبّابة وقال: - «آه، آه.» قيل له: «يا أمير المؤمنين، ومن هو [٢] ؟» قال: «صاحب بريد يكتب إلىّ بخبر هولاء على الصّحة.» وقدّم إلى المنصور رجلان أحدهما شامىّ والآخر عراقىّ وقد ولّاهما خراج ناحيتهما، فقال للشامىّ بعد ما وصّاه وتقدّم إليه بما أراد: - «ما أعرفنى بما فى نفسك، كأنّى بك وقد خرجت من عندي فقلت الزم

стр. 1507

الصحّة يلزمك العمل.» وقال للعراقىّ بعد ما وصّاه: - «ما أعرفنى بما فى نفسك كأنّى بك وقد خرجت من عندي فقلت: من عال بعدها فلا انجبر [١] اخرج عنّى وامض إلى عملك، وو الله لئن تعرّضت لذلك لأبلغنّ من عقوبتك ما تستحقّه.» قال: فولّيا جميعا وناصحا. وذكر إسحاق بن عيسى بن موسى أنّ المنصور ولّى [٤٨٢] رجلا من العرب حضرموت، [٢] فكتب إليه صاحب البريد: إنّه يكثر الخروج فى طلب الصيد وقد أعدّ بزاة وكلابا كثيرة. فكتب إليه: - «ثكلتك أمّك وعدمتك عشيرتك ما هذه العدّة التي جمعتها، للنكاية فى الوحش؟ إنّما استكفيناك أمور المسلمين ولم نستكفك أمور الوحش، سلّم ما كنت تلى من عملنا إلى فلان، والحق بأهلك ملوما مدحورا.» وذكر الهيثم بن عدىّ أنّ ابن عيّاش حدّثه أنّ ابن هبيرة أرسل إلى المنصور وهو محصور بواسط والمنصور بإزائه: - «إنّى خارج يوم كذا وكذا وداعيك إلى المبارزة، فقد بلغني تجبينك إيّاى.» فكتب إليه: - «يا بن هبيرة، إنّك متعدّ طورك، جار فى عنان غيّك، يعدك الشيطان ما الله مكذّبه، ويقرّب لك ما الله مباعده، فرويدا تتمّ الكلمة، ويبلغ الكتاب أجله، و

стр. 1508

قد ضربت لك مثلي ومثلك: بلغني أنّ أسدا لقى خنزيرا، فقال له الخنزير: قاتلني. فقال له الأسد: إنّما أنت خنزير، ولست لى بكفؤ ولا نظير، ومتى فعلت الذي دعوتني إليه فقتلتك، قيل: قتل الأسد خنزيرا، [٤٨٣] فلم أعتقد [١] بذلك فخرا ولا ذكرا، وإن نالني منك شيء كان سبّة علىّ. فقال: إن أنت لم تفعل رجعت إلى السباع، فأعلمتها أنّك نكلت عنّى، وجبنت عن قتالي. فقال الأسد: احتمالي عار كذبك أيسر من لطخ شاربي بدمك.» وذكر لأبى جعفر تدبير هشام بن عبد الملك فى حرب كانت له، فبعث إلى رجل يصحبه قديما ينزل [٢] رصافة هشام، يسأله عن تلك الحرب، فقدم عليه فقال: - «أنت صاحب هشام؟» قال: «نعم يا أمير المؤمنين.» قال: «فأخبرني كيف صنع فى حرب دبّرها فى سنة كذا؟» فقال: - «إنّه عمل فيها، رحمة الله عليه، كذا وكذا، ثمّ أتبع بأن فعل، رضى الله عنه، كذا وكذا.» فأحفظ ذلك المنصور فقال: - «قم، غضب الله عليك، تطأ بساطي وتترحّم على عدوّى.» فقام الشيخ وهو يقول: - «إنّ لعدوّك قلادة فى عنقي ومنّة فى رقبتي لا ينزعها عنّى إلّا غاسلى.» فأمر بردّه وقال:

стр. 1509

- «اقعد، هيه، كيف قلت وما صنع بك؟» فقال: - «إنّه كفاني الطلب، وصان وجهى عن السؤال، فلم أقف على باب عربىّ ولا عجمىّ منذ رأيته، أفلا يجب علىّ أن أذكره بخير وأتبعه [٤٨٤] بثنائى؟» قال: «بلى والله، لله أمّ نهضت عنك وليلة أدّتك، أشهد أنّك نهيض حرّة وغراس كريم.» ثمّ استمع منه، وأمر له ببرّ. فقال: - «يا أمير المؤمنين، ما آخذه لحاجة، وما هو إلّا تشرّف بحبائك وتبّجح بصلتك.» وأخذ الصلة وخرج. فقال المنصور: - «لمثل هذا تحسن الصنيعة، ويوضع المعروف. ويجاد بالمصون، وأين فى عسكرنا مثله!» وأبطأ المنصور عن الخروج إلى الناس والركوب، فقال الناس: هو عليل وكثّرا. قال: فدخل الربيع عليه، فقال: - «يا أمير المؤمنين، لأمير المؤمنين طول البقاء والناس يقولون ... » قال: «ما يقولون؟» قال: - «يقولون: عليل.» قال: فأطرق قليلا وقال: - «يا ربيع، مالنا وللعامّة، إنّما تحتاج العامّة إلى ثلاث خلال، فإذا فعل بهم فما حاجتهم إذا أقيم لهم من ينظر فى أحكامهم، وينصف بعضهم من بعض، ويؤمن سبلهم حتّى لا يخافوا ليلهم ونهارهم، ويسدّ ثغورهم وأطرافهم حتّى لا يجيئهم عدوّهم، وقد فعلنا ذلك بهم.»

стр. 1510

ثمّ مكث أيّاما وقال: - «يا ربيع، اضرب الطبل.» فركب حتّى رأته [٤٨٥] العامّة. وظفر المنصور برجل من كبراء بنى أميّة فقال: - «إنّى أسألك عن أشياء فاصدقني ولك الأمان.» قال: «نعم.» فقال له المنصور: - «من أين أتى بنو أميّة حتّى انتشر أمرهم؟» قال: «من تضييع الأخبار.» وكان المنصور يقول: ليس بإنسان من أسدى إليه معروف فنسيه قبل الموت. وكان يقول: العرب تقول: العرى القادح خير من الزّى الفاضح. ودخل على المنصور رجل من أهل العلم فازدراه واقتحمته عينه فجعل لا يسأله عن شيء إلّا وجده عنده. فقال له: - «أنّى لك هذا العلم.» قال: «لم أبخل بعلم علمته، ولم أستحى من علم أتعلّمه.» قال: «فمن هناك.» وكان المنصور كثيرا ما يقول: من فعل بغير تدبير، وقال فى غير تقدير، لم يعدم من الناس هازئا أو لاحيا. وكان المنصور يقول: الملوك تحتمل كلّ شيء من أصحابها إلّا ثلاثا: إفشاء السرّ، والتعرّض للحرمة، والقدح فى الملك. ولمّا حمل عبد الجبّار بن عبد الرّحمن الأزدى إلى المنصور بعد خروجه عليه، قال له: - «يا أمير المؤمنين، قتلة كريمة.» [٤٨٦] قال:

стр. 1511

- «تركتها وراءك يا بن الخناء» . وخطب يوما بمدينة السلام سنة اثنتين وخمسين ومائة، فقال: - «لا تظالموا، فإنّها ظلمة يوم القيامة. والله لولا يد خاطئة، وظلم ظالم، لمشيت بين أظهركم وأسواقكم، ولو علمت مكان من هو أحقّ منّى بهذا الأمر، لأتيته حتّى أدفعها إليه.» وقال يوما: «من علم أنّه إنّما صنع إلى نفسه، لم يستبطئ الناس فى شكرهم ولم يستزدهم فى مودّتهم، فلا تلتمس من غيرك شكر ما أتيته إلى نفسك ووقيت به عرضك، واعلم أنّ طالب الحاجة إليك لم يكرم وجهه عن مسألتك، فأكرم وجهك عن ردّه. وخطب يوما فقال: - «الحمد لله أحمده واستعين به وأتوكلّ عليه، وأشهد أن لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له ... » فاعترض معترض عن يمينه فقال: - «أيها الإنسان، أذكّرك من ذكّرت به.» فقطع الخطبة وقال: - «سمعا، سمعا لمن حفظ عن الله، وذكّر به، وأعوذ بالله أن أكون جبّارا عنيدا، [١] وأن تأخذنى العزّة بالإثم، [٢] لقد ضللت إذا وما [٤٨٧] أنا من المهتدين. [٣]

стр. 1512

- «وأنت أيّها القائل، فو الله ما أردت بهذا صلاحا، ولكنّك حاولت أن يقال: قام، فقال، فعوقب فصبر، وأهون بها. ويلك لو هممت فاهتبلها إذ غفرت. وإيّاك وإيّاكم [١] أيّها الناس وأختها، فإنّ الحكمة علينا نزلت ومن عندنا فصلت فردّوا الأمر إلى أهله يوردوه موارده ويصدروه مصادره.» ثمّ عاد فى خطبته كأنّما يقرأها من راحته: - «و ... أشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله ... » وخطب المنصور بالمدائن عند قتل أبى مسلم فقال: - «أيّها الناس، لا تخرجوا من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية، ولا تسرّوا غشّ الأئمّة، فإنّه لم يسرّ أحد منكم قطّ منكرة إلّا ظهرت فى آثار يده أو فلتات لسانه، وأبداها الله لإمامه بإعزاز دينه وإعلاء حقّه. إنّا لم نبخسكم حقوقكم ولم نبخس الدين حقّه عليكم، إنّه من نازعنا عروة هذا القميص أجزرناه خبئ [٢] هذا الغمد، وإنّ أبا مسلم بايعنا وبايع لنا على أنّه من نكث بنا فقد أباح دمه. ثمّ نكث بنا، فحكمنا عليه حكمه على غيره لنا [٣] ولم نمنعنا رعاية الحقّ له من إقامة [٤٨٨] الحقّ عليه.» وكتب صاحب أرمينية [٤] إلى المنصور، إنّ الجند شغبوا عليه وكسروا أقفال بيت المال، فأخذوا ما فيه.» فوقّع فى كتابه: - «اعتزل عملنا مذموما، فلو عقلت لم يشغّبوا، ولو قويت لم ينتهبوا.»

стр. 1513

خلافة المهدى وفى هذه السنة بويع للمهدىّ واسمه محمّد بن عبد الله بن محمّد بن علىّ بن عبد الله بن العبّاس. ودخلت سنة تسع وخمسين ومائة وفيها أمر المهدىّ بإطلاق من كان فى سجن المنصور، إلّا من كان قبله تباعة فى دم أو قتل، أو من كان معروفا بالسعي فى الأرض بالفساد وكان لأحد قبله مظلمة أو حقّ، فأطلقوا. وكان ممّن أطلق من المطبق يعقوب بن داود مولى بنى سليم، وكان معه فى ذلك الحبس محبوسا الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علىّ بن أبى طالب ﵈ فلم يطلق. وارتفع يعقوب بن داود واختصّ بالمهدىّ حتّى سمّاه أخا فى الله. ذكر السبب فى ذلك لمّا أطلق يعقوب بن داود ولم يطلق الحسن بن إبراهيم ساء ظنّ الحسن وخاف على نفسه [٤٨٩] فالتمس مخرجا لنفسه وخلاصا، فبعث إلى بعض ثقاته

стр. 1514

فحفر له سربا من موضع مسامت للموضع الذي هو فيه محبوس. وكان يعقوب بن داود بعد أن أطلق يطيف با بن علّاثة وهو قاضى المهدىّ بمدينة السلام ويلزمه حتّى أنس به، وعرف يعقوب ما عزم عليه الحسن بن إبراهيم من الهرب، فأتى ابن علّاثة فأخبره أنّ عنده نصيحة للمهدىّ، وسأله إيصاله إلى أبى عبيد الله، فسأله عن تلك النصيحة، فأبى أن يخبره وحذّره فوتها، فانطلق ابن علّاثة إلى أبى عبيد الله، فأخبره خبر يعقوب وما جاءه به، فأمر بإدخاله عليه. فلمّا دخل سأله إيصاله إلى المهدى ليورد عليه النصيحة التي له عنده، فأدخله عليه، فلمّا دخل على المهدىّ، شكر له بلاءه عنده فى إطلاقه إيّاه، ثمّ أخبره أنّ له عنده نصيحة، فسأله عنها بمحضر من أبى عبيد الله وابن علّاثة، فاستخلاه منهما، فأعلمه المهدىّ ثقته بهما، فأبى أن يبوح له بشيء حتّى يقوما، فأقامهما، فأخلاه، فأخبره خبر الحسن بن إبراهيم وما أجمع به، وإنّ ذلك كائن من ليلته المستقبلة. فوجّه المهدىّ من وثق به ليأتيه بخبره فأتاه بتحقيق ما أخبره به [٤٩٠] يعقوب، فأمر بتحويله إلى نصير، فلم يزل فى حبسه إلى أن احتال أو أحتيل له، فخرج هاربا وافتقد فشاع هربه، فطلب فلم يظفر به، وتذكّر المهدىّ دلالة يعقوب إيّاه كانت عليه، فرجا عنده من الدلالة عليه مثل الذي كان منه فى أمره، فسأل أبا عبيد الله عنه، فأخبره أنّه حاضر. وقد كان لزم أبا عبيد الله فدعا به المهدىّ خاليا فذكر له ما كان من فعله فى أمر الحسن بن إبراهيم أولّا، ونصحه له فيه، وأخبره بما حدث من أمره، فأخبره يعقوب أنّه لا علم له بمكانه، وأنّه إن أعطاه أمانا [١] يثق به، ضمن له أن يأتيه به، على أن يتمّ له على أمانه ويصله ويحسن إليه. فأعطاه المهدىّ ذلك فى مجلسه وضمنه له.

стр. 1515

فقال له يعقوب: - «فاله يا أمير المؤمنين عن ذكره، ودع طلبه، فإنّ ذلك يوحشه، ودعني وإيّاه حتّى أحتال له فآتيك به.» قال يعقوب: - «يا أمير المؤمنين، قد بسطت عدلك لرعيّتك وأنصفتهم وعممتهم بخيرك وفضلك، فعظم رجاؤهم، وانفسحت آمالهم، وقد بقيت أشياء لو ذكرتها لم تدع [٤٩١] النظر فيها بمثل ما فعلت فى غيرها، وأشياء مع ذلك وخلف بابك يعمل بها لا تعلمها، فإن جعلت لى السبيل إلى الدخول عليك، وأذنت لى فى رفعها إليك، فعلت.» فأعطاه المهدىّ ذلك وجعله إليه وصيّر سليما الخادم الأسود خادم المنصور سببه [فى] [١] إعلام المهدىّ بمكانه كلّما أراد الدخول. فكان يعقوب يدخل على المهدىّ ليلا ويرفع إليه النصائح فى الأمور الحسنة الجميلة من أمر الثغور وبناء الحصون وتقوية الغزاة وتزويج العزّاب وفكاك الأسارى والمحبّسين والقضاء على الغارمين والصدقة على المتعفّفين. فحظى بذلك عنده وربما رجا أن ينال به من الظفر بالحسن بن إبراهيم، واتخذه أخا فى الله وأخرج بذلك توقيعا ثبت فى الدواوين ووصله بمائة ألف، وكانت أوّل صلة وصله بها، فلم تزل منزلته تنمى وتعلو صعدا إلى أن صيّر الحسن بن إبراهيم فى يد المهدىّ. تحرّك الشيعة ووجوه أهل خراسان وفى هذه السنة [٢] تحرّك قوم من الشيعة ووجوه أهل خراسان، وسعوا فى

стр. 1516

خلع عيسى بن موسى وتصيير ولاية العهد [٤٩٢] لموسى بن المهدىّ. فكتب المهدىّ إلى عيسى بن موسى وهو بالكوفة، فى القدوم عليه. فأحسّ عيسى بما يراد منه، فامتنع حتّى خشي من انتقاضه وألحّ المهدىّ عليه حتّى كتب إليه: - «إنّك إن امتنعت من المجيء استحللت منك لمعصيتك ما يستحلّ من العاصي، وإن أجبتنى وخلعت نفسك حتّى أبايع لموسى وهارون عوّضتك ما هو أجدى عليك وأعجل نفعا.» فأجابه فبايع لهما، وأمر له بعشرة آلاف ألف، [١] ويقال بعشرين ألف ألف وقطائع كثيرة. فامتنع وراوغ، فوجّه إليه محمّد بن فرّوخ وهو أبو هريرة القائد فى ألف رجل من أصحابه ذوى البصائر فى التشيّع، وجعل مع كلّ رجل منهم طبلا، وأمرهم أن يضربوا جميعا بطبولهم عند قدومهم الكوفة، فدخلها ليلا فى وجه الصبح، فضرب أصحابه بطبولهم، فراع ذلك عيسى بن موسى روعا شديدا. ثمّ دخل عليه أبو هريرة فأمره بالشخوص، فاعتلّ بالشكوى، فلم يقبل ذلك منه وأشخصه من ساعته إلى مدينة السلام. ودخلت سنة ستين ومائة قدوم عيسى بن موسى وفيها قدم عيسى بن موسى مع أبى هريرة لستّ خلون من المحرّم، وأقام أيّاما [٤٩٣] يختلف إلى المهدىّ على رسمه لا يكلّم ولا يرى جفوة ولا مكروها حتّى أنس بعض الأنس. ثمّ حضر الدار يوما قبل جلوس المهدىّ، فدخل مجلسا كان يكون للربيع فى مقصورة صغيرة عليها باب، وقد اجتمع

стр. 1517

رؤساء الشيعة فى ذلك اليوم على خلعه والوثوب به، ففعلوا ذلك وضربوا الباب بجرزهم وعمدهم، فهشموا الباب وكادوا يكسرونه، وشتموه أقبح شتم، وأظهر المهدىّ إنكارا لذلك فلم يزعهم [١] ذلك، بل زادوا إلى أن كاشفه ذوو الأسنان من قومه وأهل بيته بحضرة المهدىّ وأبوا إلّا خلعه وشتموه فى وجهه وكان أشدّهم عليه محمّد بن سليمان. فلمّا رأى المهدىّ ذلك من رأيهم، أمر عيسى بموافقتهم، ودعاه إلى الخروج ممّا له من العهد فى أعناق المسلمين وتحليلهم منه، فأبى، وذكر أنّ عليه أيمانا محرّجة فى ماله وأهله فأحضر له من الفقهاء والقضاة، منهم محمّد بن عبد الله بن علاثة [٢] وغيره من أفتاه بأن يبتاع أمير المؤمنين ما له فى أعناق الناس بما له فيه رضاه ممّا يخرج منه من ما له لما يلزمه من الحنث فى يمينه، وهو عشرة آلاف ألف درهم، وضياع بالزاب الأعلى وكسكر، فقبل ذلك [٤٩٤] عيسى وخلع نفسه على المنبر، وبويع لموسى بعد المهدىّ. وكتب عليه بذلك كتاب قرئ عليه بحضرة الأشراف والقضاة والعدول، فاعترف به، وبذل خطّه [٣] فيه وشهد فيه أربعمائة وثلاثون رجلا من بنى هاشم والصحابة من قريش والموالي والوزراء والكتّاب والقضاة. حجّ المهدىّ وما كان منه فى مكّة والمدينة وفى هذه السنة حجّ المهدىّ بالناس وحجّ معه ابنه هارون وجماعة من أهل بيته. وكان ممّن شخص معه يعقوب بن داود على منزلته الرفيعة التي كانت

стр. 1518

عنده، فأتاه حين وافى مكّة بالحسن بن إبراهيم بن عبد الله الذي كان استأمن له، فأحسن المهدىّ صلته وجائزته وأقطعه مالا من الصوافي بالحجاز. وفيها نزع المهدىّ كسوة الكعبة التي كانت عليها، وكساها كسوة جديدة، وذلك أنّ حجبة الكعبة رفعوا إليه أنّهم يخافون أن تنهدم لكثرة ما عليها من الكسوة، فأمر بتنحية ما عليها [١] حتّى بقيت مجرّدة ثمّ طلى البيت بالخلوق وكسى. وحكى أنّهم لمّا بلغوا إلى كسوة هشام وجدوها ديباجا ثخينا جدا، ووجدوا كسوة من كان قبله عامّتها من متاع اليمن. وقسّم المهدىّ فى هذه السنة مالا عظيما فى أهل مكّة والمدينة. فذكر أنّه قسّم فى تلك السفرة [٤٩٥] ثلاثين ألف ألف درهم حملت معه ووصل إليه من مصر ثلاثمائة ألف دينار، ومن اليمن مائتا ألف دينار، فوهب ذلك كلّه وفرّق من الثياب مائة ألف وخمسين ألف ثوب، ووسّع مسجد رسول الله، صلّى الله عليه، وأمر بنزع المقصورة التي فى المسجد فنزعت وأراد أن ينقض منبر رسول الله، صلّى الله عليه، فيعيده إلى ما كان عليه ويلقى منه ما كان معاوية زاد فيه، فشاور فى ذلك مالك بن أنس، فقيل له: - «إنّ المسامير قد سلكت فى الخشب الذي أحدثه معاوية فى الخشب الأوّل وهو عتيق ولا نأمن إن خرجت المسامير التي فيه وزعزعت أن ينكسر، فتركه المهدىّ على ذلك. ثمّ دخلت سنة إحدى وستين ومائة خروج المقنّع بخراسان وفيها خرج حكيم المقنّع بخراسان، وكان يقول بتناسخ الأرواح، فاستغوى

стр. 1519

بشرا كثيرا، وقوى وسار إلى ما وراء النهر، فوجّه المهدىّ لقتاله عدّة من قوّاده فيهم معاذ بن مسلم، وهو يومئذ على خراسان، ثمّ أفرد المهدىّ لمحاربته سعيدا الحرشىّ، وضمّ إليه هولاء القوّاد. وابتدأ المقنّع بجمع الطعام فى قلعة [٤٩٦] بكسّ [١] عدّة للحصار. ظفر بشر بعبد الله بن مروان وفيها ظفر بشر بن محمّد بن الأشعث الخزاعي بعبد الله بن مروان بالشام فقدم به على المهدىّ فجلس المهدىّ مجلسا عامّا فى الرصافة وقال: - «من يعرف هذا؟» فقام عبد العزيز بن مسلم العقيلي فصار معه قائما ثمّ قال له: - «أبا الحكم؟» قال: «نعم.» قال: «كيف كنت بعدي؟» ثمّ التفت إلى المهدىّ فقال: - «نعم يا أمير المؤمنين، هذا عبد الله بن مروان.» فعجب الناس من جرأته ولم يعرض له المهدىّ بشيء. ثمّ جاء بعد ذلك بأيّام عمرو بن سهلة الأشعرى فادّعى أنّ عبد الله بن مروان قتل أباه وكثرت الحيل على عبد الله بن مروان. فقدّم عمرو بن سهلة عبد الله بن مروان إلى عافية القاضي وادّعى عليه، فتوجّه الحكم أن يقاد به، وأقام عليه البيّنة. فلمّا كاد الحكم يبرم، جاء عبد العزيز بن مسلم العقيلي إلى عافية القاضي يتخطّى رقاب الناس حتّى صار إليه فقال:

стр. 1520

- «يزعم عمرو بن سهلة أنّ عبد الله بن مروان قتل أباه. كذب والله، ما قتل أباه غيرى أنا، قتلته بأمر مروان، وعبد الله بن مروان من دمه بريء.» فزالت عن عبد الله بن مروان [١] ولم يعرض المهدىّ لعبد العزيز بن مسلم، لأنّه قتله بأمر مروان. [٤٩٧] وفيها أمر المهدىّ يعقوب بن داود بتوجيه الأمناء من قبله إلى جميع الآفاق، ففعل. وكان لا ينفذ للمهدىّ كتاب إلى عامل فيجوز حتّى يكتب يعقوب إلى ثقته وأمينه بإنفاذ ذلك. واتّضعت منزلة أبى عبيد الله وزير المهدىّ ذكر السبب فى ذلك كان الربيع يخلف أبا عبيد الله عند المنصور بجميل أيّام مقامه بالرىّ مع المهدىّ وكان الموالي يسعون أبا عبيد الله عند المهدىّ، فكان أبو عبيد الله يخاف تغيّر رأى المهدىّ له، فيكتب إلى الربيع دائما ولا ينقطع رسله عنه، فلا يزال الربيع يذكره بجميل عند المنصور ويعلمه ثقته وكفايته ويتنجّز له الكتب من المنصور إلى المهدىّ بالوصاة به وترك قبول قول الموالي فيه. قال الفضل بن الربيع: فلمّا حجّ أبى مع المنصور فى السنة التي مات فيها، وقام أبى بما فام به [٤٩٨] من أمر البيعة وتلافيه بنفسه تلك الأمور وتجديده البيعة للمهدىّ على أهل بيت أمير المؤمنين والقوّاد والموالي وقدم، تلقّيته بعد المغرب، فلم أزل معه حتّى تجاوز منزله وترك دار أمير المؤمنين ومضى إلى أبى عبيد الله فقلت له:

стр. 1521

- «تترك أمير المؤمنين وتأتى أبا عبيد الله؟» فقال: «يا بنىّ هو وزير الرجل، وليس ينبغي أن نعامله بما كنّا نعامله به ولا نحاسبه بما كان منّا فى أمره ونصرتنا له.» قال: فمضينا حتّى أتينا باب أبى عبيد الله. فما زال واقفا حتّى صلّيت العتمة فخرج الحاجب فقال: - «ادخل.» فثنى رجله وثنيت رجلي فقال: - «إنّما استأذنت لك وحدك يا با الفضل.» قال: «فاذهب وأخبره أنّ الفضل معى ثمّ اقبل علىّ.» فقال: «وهذا أيضا من ذاك.» فخرج الحاجب فأذن لنا جميعا، فدخلنا وإذا أبو عبيد الله فى صدر مجلسه متكئ. فقلت: يقوم إلى أبى ويتلقّاه فلم يقم. فقلت: يستوى جالسا إذا دنا، فلم يفعل فقلت: يدعو له بمصلّى [١] فلم يفعل. قال: فقعد أبى بين يديه على البساط وهو متكئ، فجعل يسائله عن مسيره وسفره [٤٩٩] وحاله، وجعل أبى يتوقّع أن يسأله عمّا كان منه فى أمر المهدىّ وتجديده بيعته، فأعرض عن ذلك، فذهب أبى يبتدئ بذكره فقال: - «قد بلغنا نبأكم.» قال: فذهب أبى لينهض، فقال له: - «لا أرى الدروب إلّا وقد غلّقت فلو أقمت.» فقال أبى: «إنّ الدروب لا تغلق دوني.»

стр. 1522

فقال: «بلى، قد أغلقت.» قال: فظنّ أبى أنّه يريد أن يحتبسه ليسكن من مسيره، ثمّ يسائله، فقال: - «يا غلام، اذهب، فهيّئ لأبى الفضل فى منزل محمّد بن أبى عبيد الله مبيتا.» فلمّا رأى أنّه يريد أن يخرج من الدار، قال: - «فليس تغلق الدروب دوني.» ثمّ قام، فلمّا خرجنا من الدار أقبل علىّ فقال: - «يا بنىّ، أنت أحمق.» قلت: «وما حمقى؟» قال: «تقول فى نفسك كان ينبغي ألّا تجيء وكان ينبغي إذ جئت فحجبنا ألّا تقيم حتّى صلّيت العتمة، وأن ترجع فتنصرف ولا تدخل، وكان ينبغي إذ دخلت فلم يقم لك، أن ترجع ولا تقيم عليه ولا تجلس بين يديه، ولم يكن الصواب إلّا ما عملته كلّه ولكن والله الذي لا إله إلّا هو- واستغلق فى اليمين- لأخلقنّ جاهي ولأنفقنّ مالي حتّى أبلغ مكروه أبى عبيد الله.» قال: ثمّ جعل [٥٠٠] يضطرب بجهده فلا يجد مساغا إلى مكروهه ويحتال الحيل، حتّى ذكر القشيري الذي كان أبو عبيد الله حجبه، وكان هذا الرجل فى مسامرى المهدىّ بنيسابور وبالرىّ وفيمن يأنس به، فعارض أبا عبيد الله يوما بين يدي المهدىّ فى أمر، فتقدّم أبو عبيد الله بأن يحجب عن المهدىّ، وأسقط اسمه، فأرسل إليه أبى فجاءه فقال: - «إنّك قد علمت ما ركبك به أبو عبيد الله، وقد بلغ منّى كلّ غاية من المكروه وقد أرغت أمره بجهدى فما وجدت عليه طريقا فعندك حيلة فى أمره؟» فقال: «إنّما يؤتى أبو عبيد الله من أحد وجوه أذكرها لك. يقال: هو جاهل

стр. 1523

بصناعته، فأبو عبيد الله أحذق الناس. أو يقال: هو ظنين فيما يتقلّده، فأبو عبيد الله أعفّ الناس لو أنّ بنات المهدىّ فى حجره كان لهنّ موضعا. أو يقال: هو يميل إلى أن يخالف السلطان فليس يؤتى أبو عبيد الله من ذلك الّا أنّه يميل إلى القدر [١] . أو يقال: هو متّهم فى الله. فأبو عبيد الله ذو عقد وثيق ولكن هذا كلّه مجتمع لك فى ابنه.» قال: فتناوله الربيع، فقبّل بين عينيه، ثمّ دبّ [٥٠١] لابن أبى عبيد الله. فو الله ما زال يحتال ويدّس إلى المهدىّ ويتّهمه ببعض حرم المهدىّ، ويحقّق عليه الزندقة حتّى استحكم عند المهدىّ الظنّة بمحمّد بن أبى عبيد الله، فأمر فأحضر وأخرج أبو عبيد الله فقال: - «يا محمّد، اقرأ القرآن.» فذهب ليقرأ، فاستعجم عليه، فقال: - «يا معاوية، ألم تعلمني أنّ ابنك جامع للقرآن؟» قال: «قد أخبرتك يا أمير المؤمنين، ولكنّه فارقنى منذ سنين، وفى هذا المدّة نسى القرآن.» قال: «قم، فتقرّب إلى الله تعالى بدمه.» قال: فذهب يقوم فوقع، فقال العبّاس بن محمّد: - «إن رأيت يا أمير المؤمنين أن تعفى الشيخ، فإنّه يضعف عن ذلك.» قال: ففعل، وأمر به فأخرج وضربت عنقه. قال: واتهمه المهدىّ فى نفسه. فقال له الربيع: - «قتلت ابنه، وليس ينبغي أن يكون معك ولا أن تثق به.» قال: فأوحش المهدىّ منه، وكان من أمره ما كان. وبلغ الربيع ما أراد و

стр. 1524

اشتفى وزاد. ودخلت سنة اثنين وستين ومائة [٥٠٢] وتتابعت السنون إلى سنة ستّ وستين ومائة لم يجر فيها ما يكتب ويستفاد به شيء. غضب المهدى على يعقوب بن داود ولمّا كانت سنه ستّ وستّين ومائة، غضب المهدىّ على يعقوب بن داود. ذكر السبب فى ذلك كان يعقوب بن داود محبوسا فى المطبق حتّى من عليه المهدىّ. وسبب حبسه أنّ أباه داود بن طهمان وإخوته كانوا كتّابا لنصر بن سيّار، ولمّا كانت أيّام يحيى بن زيد، كان يدسّ إليه وإلى أصحابه ما يسمع من نصر ويحذّرهم. فلمّا خرج أبو مسلم يطلب بدم يحيى بن زيد ويقتل قتلته والمعينين عليه، أتاه داود بن طهمان مطمئنّا إليه لما كان يعلم ممّا جرى بينهما فأمنه أبو مسلم ولم يعرض له فى نفسه، لكنّه أخذ أمواله التي استفادها أيّام نصر، وترك له ضيعة كانت له قديمة. فلمّا مات داود خرج ولده أهل أدب وعلم بأيّام الناس وسيرهم وأشعارهم، ونظروا فإذا ليس لهم عند بنى العبّاس منزلة، فلم يطمعوا فى خدمتهم لحال أبيهم من كتابة نصر. فأظهروا مقالة الزيدية ودنوا من [٥٠٣] آل الحسن طمعا فى أن تكون لهم دولة فيعيشوا فيها. فكان يعقوب منفردا يجول البلاد، وكان مع إبراهيم بن عبد الله أحيانا فى طلب البيعة لمحمّد بن عبد الله. فلمّا ظهر إبراهيم بالبصرة كان معه، فلمّا قتل محمّد وإبراهيم تواروا، فأمر المنصور بطلبهم، فأخذ يعقوب وأخوه علىّ

стр. 1525

فحبسهما فى المطبق، فبقوا أيّام حياة المنصور إلى أن من المهدىّ عليهما وأطلقهما. ثمّ لم تزل منزلته ترتفع عند المهدىّ حتّى استوزره وتجاوز مرتبة الوزارة، حتّى فوّض إليه أمر الخلافة، فأرسل إلى الزيديّة، فأتى بهم من كلّ أوب وولّاهم من أمور الخلافة فى الشرق والغرب كلّ عمل جليل نفيس والدنيا كلّها فى يده، فكثر حسّاده وسعى عليه الموالي حتّى قيل للمهدىّ: - «إنّ الشرق والغرب فى يد يعقوب وأصحابه، وقد كاتبهم وإنّما يكفيه أن يكتب إليهم فيثوروا فى يوم واحد على ميعاد فيأخذوا الدنيا كلّها لمن شاء.» فكان ذلك ملأ قلب المهدىّ. وكان يعقوب بن داود قد عرف من المهدىّ [٥٠٤] خلقا واستهتارا بذكر النساء والجماع. وكان يعقوب يصف له من نفسه شيئا كثيرا، وكذلك كان المهدىّ، فيقول خدم المهدىّ: - «هو على أن يصبح فيثور بيعقوب.» فإذا أصبح غدا عليه يعقوب وقد بلغه الخبر، فإذا نظر إليه تبسّم فيقول: - «اقعد بحياتى فحدّثنى.» فيقول: - «خلوت بجاريتي فلانة، فكان فكان، وقالت وقلت.» فيضع لذلك حديثا، فيحدّث المهدىّ بمثل ذلك ويفترقان على الرضا، فيبلغ ذلك من يسعى على يعقوب فيتعجّب منه. ذكر السبب فى تمكّن السعاة على يعقوب مع حظوته خرج ليلة يعقوب من عند المهدىّ وقد ذهب من الليل أكثره، وعليه

стр. 1526

طيلسان يتقعقع، فصادف غلاما آخذا بعنان دابّة معه أشهب وقد نام الغلام، فذهب يعقوب يسوّى طيلسانه، فتقعقع، فنفر البرذون وسقط يعقوب ودنا منه يعقوب فاستدبره وضربه ضربة على ساقه فكسرها [١] . وسمع [٥٠٥] المهدىّ [٢] الوجبة، فخرج حافيا فلمّا رأى ما به أظهر الجزع والتفزّع، ثمّ أمر به فحمل فى محفّة إلى منزله، ثمّ غدا عليه المهدىّ مع الفجر، وبلغ ذلك الناس، فغدوا عليه فعادوه ثلاثة متتابعة مع أمير المؤمنين ثمّ قعد عن عيادته وأقبل يرسل إليه يسأله عن حاله، فلمّا فقد وجهه تمكّن السعادة من المهدىّ فلم يأت عاشره حتّى أظهر سخطه. وأمّا السبب الذي يحدّث به يعقوب نفسه بعد موت المهدىّ فهو ما حكاه ابنه علىّ بن يعقوب عن أبيه قال: بعث [٣] المهدىّ إلىّ يوما، فدخلت عليه، فإذا هو فى مجلس مفروش بفرش مورّد متناه فى السرو على بستان فيه شجر رؤوس الشجر من صحن المجلس، وقد اكتسى ذلك الشجر بالأوراد والأزهار من الخوخ والتفّاح وكلّ ذلك مورّد يشبه فرش المجلس الذي كان فيه، فما رأيت شيئا أحسن منه، وإذا عنده جارية ما رأيت أحسن منها ولا أسد قواما ولا أحسن اعتدالا، عليها نحو تلك الثياب، فما رأيت أحسن من جملة ذلك المجلس فقال لى: - «يا يعقوب، [٥٠٦] كيف ترى مجلسنا هذا؟» فقلت: «على غاية الحسن، فمتّع الله أمير المؤمنين به وهنّأه إيّاه.» قال: «هو لك، أحمله بما فيه، وهذه الجارية ليتمّ سرورك.» قال: فدعوت له بما يحبّ.

стр. 1527

قال: ثمّ قال لى: - «يا يعقوب، ولى إليك حاجة.» قال: فوثبت قائما، ثمّ [١] قلت: - «يا أمير المؤمنين، ما هذه إلّا لموجدة، وأنا أستعيذ بالله من سخط أمير المؤمنين.» قال: «لا ولكن أحبّ أن تضمن لى قضاءها، فإنّى لم أسلكها من حيث تتوهّم، وإنّما قلت ذلك على الحقيقة، فأحبّ أن تضمن لى هذه الحاجة أن تقضيها لى.» قلت: «الأمر لأمير المؤمنين، وعلىّ السمع والطاعة.» قال: «والله؟» قلت: «والله ثلاثا» . قال: «وحياة رأسك.» قال: «فضع يدك عليه واحلف به.» قال: فوضعت يدي عليه وحلفت به لأعملنّ بما قال ولأقضيّن حاجته. فلمّا استوثق منّى فى نفسه قال: - «هذا فلان بن فلان من ولد علىّ أحبّ أن تكفيني مؤونته وتريحني منه وتعجّل ذلك.» فقلت: «أفعل.» قال: «فخذه إليك.» قال: فحوّلته إلىّ وحوّلت الجارية وجميع ما كان فى البيت والمجلس من

стр. 1528

فرش وآلة وأمر لى بمائة ألف درهم. [٥٠٧] قال: فحملت ذلك جملة ومضيت به، فلشدّة سروري بالجارية صيّرتها فى مجلس بيني وبينها ستر، وبعثت إلى العلوىّ فأدخلته إلىّ وسألته عن حاله، فأخبرنى بها وإذا ألبّ الناس وأحسنهم إبانة. قال: وقال لى فى بعض ما يقول: - «ويحك يا يعقوب، تلقى الله بدمى وأنا رجل من ولد فاطمة بنت محمّد، صلّى الله عليه؟» قال: قلت: لا والله، فهل فيك أنت خير» قال: «إن فعلت خيرا شكرت ولك عندي دعاء واستغفار.» قال: قلت له: - «فإنّى أطلقك، فأىّ الطرق أحبّ إليك؟» قال: «طريق كذا.» قلت: «فمن هاهنا ممّن تأنس [١] به وتثق بموضعه.» قال: «فلان وفلان.» قلت: «فابعث إليهما، وخذ هذا المال وامض معهما مصاحبا فى ستر الله، وموعدك وموعد هما للخروج من دارى إلى موضع كذا وكذا الذي اتفقنا عليه فى وقت كذا وكذا من الليل.» فإذا الجارية قد حفظت علىّ قولي، فبعثت به مع خادم لها إلى المهدىّ وقالت: - «هذا جزاؤك من الذي آثرته على نفسك، صنع وفعل.» حتّى ساقت الحديث كلّه.

стр. 1529

قال: وبعث المهدىّ من وقته [٥٠٨] فشحن تلك الطرق والمواضع التي وصفها يعقوب والعلوىّ برجال، فلم يلبث أن جاءوه بالعلوىّ بعينه وصاحبيه والمال على النسخة [١] التي حكتها الجارية. قال: وأصبحت من غد ذلك اليوم، فإذا رسول المهدىّ يستحضرني. قال: وكنت خالي الذرع غير ملق إلى أمر العلوىّ بالا حتّى أدخل على المهدىّ وأجده على كرسىّ فى يده مخصرة. فقال: «يا [٢] يعقوب ما حال الرجل؟» قلت: «يا أمير المؤمنين، قد أراحك الله منه.» قال: «مات؟» قلت: «نعم.» قال: «والله؟» قلت: «والله؟» قال: «فقم وضع يدك على رأسى.» قال: فوضعت يدي على رأسه وحلفت له به. قال: فقال: - «يا غلام، أخرج إلينا ما فى هذا البيت.» قال: ففتح بابه عن العلوي وصاحبيه والمال بعينه. قال: فبقيت متحيّرا وسقط فى يدي، وامتنع منّى الكلام، فما أدرى ما أقول. قال: فقال المهدىّ: - «لقد حلّ لى دمك لو آثرت إراقته، لكن احبسوه فى المطبق [٣] .»

стр. 1530

فأتّخذ لى فيه بئر، فدلّيت فيها فكنت كذاك طول مدّة لا أعرف عددها، وأصبت ببصرى وطال شعري واسترسل [٥٠٩] كهيئة شعور البهائم. قال: فإنّى لكذلك إذ دعى بى، فمضيت [١] وحملت إلى حيث لا أعلم أين هو، فلم أعد أن قيل لى: - «سلّم على أمير المؤمنين.» فسلّمت. قال: - «أىّ أمير المؤمنين أنا؟» قلت: «المهدىّ.» قال: «رحم الله المهدىّ» قلت: «الهادي.» قال: «رحم الله الهادي.» قلت: «الرشيد.» قال: «نعم.» قلت: «ما أشكّ فى وقوف أمير المؤمنين على خبري وعلّتى وما تناهت إليه حالي.» قال: «أجل، كلّ هذا قد عرف أمير المؤمنين، فسل حاجتك.» قال: قلت: «المقام بمكّة.» قال: «نفعل ذاك، فهل غير ذاك؟» قال: قلت: - «ما بقي فىّ مستمتع لشيء ولا بلاغ.» قال: «فراشدا.»

стр. 1531

قال: فخرجت، فكان وجهى إلى مكّة. قال ابنه ولم يزل بمكّة ولم تطل أيّامه بها حتّى مات. ثمّ دخلت سنة سبع وستّين ومائة ولم يجر فيها على ما بلغنا شيء يستفاد منه تجربة. ثمّ دخلت سنة ثمان وستّين ومائة وتلك سبيلها ثمّ دخلت سنة تسع وستّين ومائة [٥١٠] وفيها كانت وفاة المهدىّ سبب وفاة المهدىّ وكان سبب ذلك [١] أنّه كان عزم على تقديم ابنه هارون على ابنه موسى، فبعث إليه وهو بجرجان يحارب ونداذهرمز وشروين صاحبي طبرستان. وكان وجّهه المهدىّ فى جيش كثيف لم ير مثله وهيئة لم ير أحسن منها، فلمّا استدعاه علم ما يريد منه، فأبى عليه، فبعث إليه رسولا من الموالي، فضربه موسى، فخرج المهدىّ بسبب موسى فتوفّى فى طريقه. واختلف فى سبب وفاته، فذكر عن واضح قهرمانه أنّه قال: خرج المهدىّ يتصيّد بماسبذان بقرية يقال لها: الرّذّ، فطردت الكلاب صيدا وأظنّه قال ظبيا، فلم يزل يتبعها، فاقتحم الظبى باب خربة واقتمحت الكلاب واقتحم الفرس خلف الكلاب فدقّ ظهره فى باب الخربة فمات من ساعته. وذكر غيره: أنّ المهدىّ كان جالسا فى علية قصر بما سبذان يشرف من منظرة فيها على سفله، وكانت جاريته حسنة [٢] قد عمدت إلى كمثّرى كبير

стр. 1532

فجعلته فى صينية وسمّت واحدة منها وهي أحسنها [٥١١] وأنضجها بأن نزعت فمعها الذي فى أسفلها وأدخلت فيه سمّا، ثمّ ردّت القمع فيه ووضعتها على أعلى الصينية. وكان المهدىّ يعجبه كمّثرى وأرسلت بذلك مع وصيفة لها إلى جارية للمهدىّ كان يتحظّاها، تريد بذلك قتلها، فلمّا مرّت الوصيفة بالصينيّة التي أرسلتها حسنة رآها المهدىّ من المنظرة فدعاها ومدّ يده إلى الكّمثراة التي فى أعلى الصينيّة وهي المسمومة، فأكلها فلمّا وصلت إلى الجوف صرخ: - «جوفي!» وسمعت حسنة الصوت وأخبرت الخبر، فجاءت تلطم وجهها وتبكى وتقول: - «أردت أن أتفرّد بك، فقتلتك يا سيّدى.» فمات من يومه. وكانت خلافته عشر سنين وكسرا، ومات وهو ابن ثلاث وأربعين سنة ولم يوجد له جنازة يحمل عليها، فحمل على باب ودفن تحت جوزة. ذكر بعض سيره كان المهدىّ إذا جلس للمظالم قال: - «أدخلوا علىّ القضاة، فلو لم يكن [٥١٢] ردّى المظالم [١] إلّا للحياء منهم [لكفى] [٢] .» وجلس المهدىّ يوما يعطى جوائز تقسم بحضرته فى خاصّه من أهل بيته و

стр. 1533

قوّاده، فكان تقرأ عليه الأسماء فيأمر بزيادة عشرة آلاف وعشرين ألفا وما أشبه ذلك. فعرض عليه بعض القوّاد فقال: - «هذا يحطّ خمسمائة درهم.» قال: «لم حططتنى يا أمير المؤمنين؟» قال: «لأنّى وجّهتك إلى عدّو لنا فانهزمت.» قال: «كان يسرّك أن أقتل ولا ينفعك؟» قال: «لا.» قال: «فو الله الذي أكرمك بالخلافة لو ثبتّ لقتلت.» فاستحى منه المهدىّ و [١] قال: - «زده خمسمائة آلاف [٢] درهم.» مسور والمهدى بين يدي القاضي وتحدّث مسور بن مساور قال: ظلمني وكيل للمهدىّ وغصبني ضيعة لى فأتيت سلّاما صاحب المظالم فتظلّمت، فأوصل لى رقعة إلى المهدىّ وعنده عمّه العبّاس بن محمّد، وابن علاثة القاضي وعافية القاضي. قال: فقال لى المهدىّ: - «ادن [٣] .» فدنوت. فقال: «ما تقول؟» قلت: «ظلمتني.» قال: «فترضى بأحد هذين.»

стр. 1534

قال: قلت: «نعم.» قال: «فادن منّى.» فدنوت منه حتّى التزقت بالفراش. قال [١] : «تكلّم.» قلت: «أصلح الله القاضي، إنّه ظلمني فى ضيعتي.» فقال القاضي: [٥١٣]- «ما تقول يا أمير المؤمنين؟» قال: «ضيعتي وفى يدي.» قال: قلت: «أصلح الله القاضي، سله، صارت الضيعة إليه قبل الخلافة أو بعدها؟» قال: فسأله «ما تقول يا أمير المؤمنين؟» قال: «صارت إلىّ بعد الخلاقة.» قال [٢] : «فأطلقها له.» قال: «قد فعلت.» فقال العبّاس: «والله يا أمير المؤمنين، لهذا المجلس أحبّ إلىّ من عشرين ألف ألف درهم.» وصيّة عجيبة تعرض على المهدىّ وقال أبو الخطّاب: لمّا حضرت القاسم بن مجاشع التميميّ من أهل مرو الوفاة، أوصى إلى المهدىّ، فكتب: - «شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا ٣: ١٨

стр. 1535

هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ الله الْإِسْلامُ ... » ٣: ١٨- ١٩ [١] ثمّ كتب: - «والقاسم بن مجاشع يشهد بذلك، ويشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، صلّى الله عليه، وأنّ علىّ بن أبى طالب، ﵇، وصيّه ووارث الإمامة بعده.» قال: فعرضت الوصيّة على المهدىّ، فلمّا بلغ هذا الموضع رمى بها ولم ينظر فيها. قال [٢] : فلم يزل ذلك فى قلب أبى عبيد الله. فلمّا حضرته الوفاة كتب فى وصيّته هذه الآية. [٣] وقال المهدىّ يوما: ما توسّل إلىّ أحد بوسيلة ولا تذرّع بذريعة هي أقرب من تذكيره إيّاى [٥١٤] يدا سلفت منّى إليه أتبعها أختها فأحسن ربّها [٤] لأنّ منع الأواخر يقطع شكر الأوائل.

стр. 1536

خلافة موسى الهادي وفى هذه السنة بويع لموسى الهادي بما سبذان. [١] ذكر رأى سديد رآه خالد بن يحيى فى تلك الحال اجتمع القوّاد ووجوه الموالي إلى هرون يوم توفى المهدىّ، فقالوا له: - «إن علم الجند بوفاة المهدىّ لم نأمن الشغب، والرأى أن تتحرّك وتنادى فى الجند وبالقفل، حتّى تواريه ببغداد.» فقال هرون: - «ادعوا إلىّ أبى [٢] يحيى بن خالد.» وكان المهدىّ ولّى هارون المغرب كلّه من الأنبار إلى افريقية، وأمر يحيى بن خالد أن يتولّى ذلك، فكانت إليه أعماله ودواوينه إلى أن توفّى. فصار يحيى بن خالد إلى هارون فقال له: - «يا أبه، ما تقول فيما يقول عمر بن بزيع ونصير والمفضّل؟. قال: «وما قالوا؟» فأخبره. قال:

стр. 1537

- «ما أرى ذلك.» قال: «ولم؟» قال: «لأنّ هذا لا يخفى، ولا آمن إذا علم الجند أن يتعلّقوا بمحمله ويقولوا لا نخلّيه حتّى نعطى لثلاث سنين ويتحكّموا ويشتطّوا، ولكن أرى أن يوارى [١] ، رضى الله عنه، هاهنا ويوجّه نصير إلى أمير المؤمنين الهادي [٥١٥] بالخاتم والقضيب والتهنئة والتعزية، فإنّ البريد إلى نصير، فلا ينكر خروجه أحد إذا كان على بريد الناحية، وأن تأمر لمن معك من الجند بجوائز مائتين مائتين وتنادى فيهم بالقفول، فإنّهم إذا قبضوا الدراهم لم يكن لهم همّة سوى أهاليهم وأوطانهم ولا عرجة على شيء دون بغداد.» قال: ففعل ذلك. وصاح الجند لمّا قبضوا الدراهم: - «بغداذ، بغداذ.» ينادون إليها ويبعثون على الخروج من ماسبذان. فلمّا وافوا بغداد وعلموا خبر الخليفة، صاروا إلى باب الربيع فأحرقوه، وطالبوا بالأرزاق وضجّوا. قدوم هارون بغداد وقدم هارون بغداذ. فبعثت الخيزران إلى الربيع وإلى يحيى بن خالد تشاورهما فى ذلك، فأمّا الربيع، فدخل عليها، وأمّا يحيى فلم يفعل ذلك لعلمه بشدّة غيرة موسى. قال: وجمعت الأموال حتّى أعطى الجند لسنتين فسكنوا. وبلغ الخبر الهادي، فكتب إلى الربيع كتابا يتوعّده فيه، وكتب إلى يحيى يجزّيه الخير ويأمره أن يقوم من أمر هارون بما لم يزل يقوم به وأن يتولّى أموره وأعماله

стр. 1538

على [٥١٦] ما لم يزل يتولّاه. قال: فبعث الربيع إلى يحيى بن خالد، وكان يودّه ويثق به ويعتمد على رأيه: - «يا با علىّ، ما ترى، فإنّه لا صبر لى على جرّ الحديد.» قال: - «أرى ألّا تبرح موضعك وأن توجّه الفضل ابنك ليستقبله ومعه من الهدايا والطرف ما أمكنك، فإنّى لأرجو ألّا يرجع إلّا وقد كفيت ما تخاف إن شاء الله.» ولمّا قدم هارون كان الجند قد شغبوا على الربيع، وأخرجوا من كان فى حبسه. وكان العبّاس بن محمّد، وعبد الملك بن صالح، ومحرز بن إبراهيم، حضروا ورأوا أن يرضوا ويطيّب بأنفسهم وتفرّق جماعتهم بإعطاءهم أرزاقهم، فبذل ذلك لهم، فلم يرضوا ولم يثقوا بما ضمن لهم من ذلك حتّى ضمنه محرز بن إبراهيم، فقنعوا بضمانه فتفرّقوا. فوفى لهم وأعطوا رزق ثمانية عشر شهرا. وأخذ هارون البيعة لموسى الهادي وله بولاية العهد من بعده وضبط أمر بغداذ. ثمّ قدم الهادي وكان فى نفسه على الربيع ما ذكرناه ومن إعطائه الجنود قبل قدومه. ولمّا وجّه الربيع ابنه الفضل فتلقّاه بما أعدّ له من الهدايا بهمذان، أدناه وقرّبه وقال: - «كيف [٥١٧] خلّفت مولاي؟» فكتب بذلك إلى أبيه، فاستقبله الربيع، فعاتبه الهادي، فاعتذر إليه وأعلمه السبب الذي دعاه إلى ذلك، وولّاه الوزارة مكان عبد الله بن زياد بن أبى ليلى، وضمّ إليه ما كان عمر بن بزيع يتولّاه من الزمام. وهلك الربيع فى هذه السنة.

стр. 1539

ثمّ دخلت سنة سبعين ومائة [١] وفيها كانت وفاة موسى الهادي وكانت وفاته من قبل جوار لأمّه الخيزران كانت أمر تهنّ بقتله. ذكر السبب فى ذلك وما حملها على قتل ابنها لمّا صارت الخلافة إلى الهادي، كانت الخيزران تفتات عليه فى أموره وتسلك به مسلك أبيه من قبله فى الاستبداد بالأمر والنهى فأرسل إليها: - «لا تخرجي من خفر الكفاية إلى بذاذة [٢] التبذّل، فإنّه ليس من قدر النساء الاعتراض فى أمر الملك، وعليك بصلاتك وسبحتك، ولك بعد هذا طاعة مثلك [٥١٨] فيما يجب لك.» وكانت كثيرا ما تكلّمه فى أمر الحوائج، فكان يجيبها إلى كلّ ما تسأل، حتّى مضى لذلك أربعة أشهر من خلافته، وانثال الناس عليها وطمعوا فيها، فكانت المواكب تغدو إلى بابها. فكلّمته يوما فى أمر لم يجد إلى إجابتها فيه سبيلا، فاعتلّ بعلّة. فقالت: «لا بدّ من إجابتى.» قال: «لا أفعل.» قالت: «فإنّى قد تضمّنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك.» قال: فغضب موسى وقال: - «ويلي على ابن الفاعلة، قد علمت أنّه صاحبها، والله لا قضيتها لك.»

стр. 1540

قالت: «إذا والله لا أسألك حاجة أبدا.» قال: «إذا والله لا أبالى.» وحمى وغضب فقامت مغضبة، فقال: - «مكانك تستوعبى كلامي والله وإلّا فإنّى نفىّ من قرابتي من رسول الله، صلّى الله عليه، لئن بلغني أنّه وقف ببابك أحد من قوّادى أو أحد من خاصّتى وخدمي لأضربنّ عنقه ولأقبضنّ ماله، فمن شاء فليرم ذلك. ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك فى كلّ يوم؟ أما لك مغزل يشغلك، أو مصحف يذكّرك، أو بيت يصونك؟ إيّاك، ثمّ إيّاك، ما فتحت بابك لملّىّ أو ذمّىّ.» فانصرفت وهي [٥١٩] لا تعقل ما تطأ [١] ، فلم تنطق عنده بحلوة ولا مرّة بعدها. فحكت خالصة: أنّه لمّا صارت الخلافة إلى الهادي، صرت إليه وقلت له: - «إنّ أمّك تستكسيك.» فأمر لها بخزانة مملوّة كسوة. قالت: ووجد للخيزران فى منزلها من قراقر الوشي ثمانية عشر ألف قرقرة. وحكى بعضهم: أنّه سمع خالصة تقول للعبّاس بن الفضل بن الربيع: بعث موسى إلى أمّه الخيزران بأرزّة وقال: - «استطبتها.» وذلك بعد سخطه عليها، وذكر أنّه أكل منها فتنغّص لها. قالت خالصة: فقلت لها: - «أمسكى حتّى تنظرى، فإنّى أخاف أن يكون فيها شيء تكرهينه.» فجاؤوا بكلب، فأكل منها فتساقط لحمه. فأرسل إليها بعد ذلك:

стр. 1541

- «كيف رأيت الأرزّة؟» قالت: «وجدتها طيّبة.» فقال: «لم تأكلى، ولو أكلت كنت استرحت منك، متى أفلح خليفة له أمّ!» ثمّ إنّ الهادي جمع قوّاده يوما وذلك أعياه أمر الأمّ فقال لهم: - «أيّما خير: أنا أم أنتم؟» قالوا: «بل أنت يا أمير المؤمنين.» قال: «فأيمّا خير: أمّى أم أمّهاتكم؟» قالوا: «بل أمّك يا أمير المؤمنين.» قال: «فأيّكم يحبّ أن يتحدّث الرجال بخبر أمّه [٥٢٠] فيقولوا فعلت أمّ فلان، وصنعت أمّ فلان، وقالت أمّ فلان؟» فقالوا: «ما أحد منّا يحبّ ذلك.» قال: «فما بال رجال يأتون أمّى فيتحدّثون إليها ثمّ ينقلون حديثها؟» فلمّا سمعوا ذلك انقطعوا عنها البتّة. فشقّ ذلك عليها، فاعتزلته وحلفت ألّا تكلّمه، فما دخلت إليه حتّى حضرته الوفاة. موسى يهمّ بخلع أخيه هارون وهمّ موسى [١] بخلع أخيه هارون، ثمّ جدّ فيه. وكان يحيى بن خالد بن برمك يلي لهارون أعمال المغرب، فلمّا جدّ موسى الهادي فى البيعة لابنه جعفر بن موسى وتابعه القوّاد مثل يزيد بن مزيد، وعبد الله بن مالك، وعلى بن عيسى، ومن أشبههم، وخلعوا هارون ودسّوا إلى الشيعة، فتكلّموا فى أمره وتنقّصوه، وقالوا: لا نرضى به، وظهر ذلك، أمر [٢] الهادي ألّا يسار قدام الرشيد

стр. 1542

بحربة. فاجتنبه الناس وتركوه، فلم يكن يجترئ أحد أن يسلّم عليه ولا يقربه. وكان يحيى بن خالد يقوم بأنزال [١] الرشيد وينزل منه منزلة الوالد ويسّميه أبى. فكان يشير عليه بأن يدافع ولا يستجيب للخلع. فسعى بيحيى إلى الهادي، وقيل له: إنّه ليس عليك من هارون [٥٢١] خلاف، وإنّما يفسده يحيى، فابعث إليه وتهدّده بالقتل وارمه بالكفر. فبعث الهادي إلى يحيى ليلا، فيئس من نفسه، وودّع أهله وتحنّط وجدّد ثيابه ولم يشكّ أنّه يقتله. فلمّا أدخل عليه قال: - «يا يحيى ما لي ولك؟» قال: «أنا عبدك يا أمير المؤمنين، فما يكون من العبد إلى مولاه إلّا طاعته!» قال: «لم تدخل بيني وبين أخى وتفسده علىّ؟» قال: «يا أمير المؤمنين، من أنا حتّى أدخل بينكما، إنّما صيّرنى المهدىّ معه وأمرنى بالقيام بأمره، ثمّ أمرتنى بذلك، فانتهيت إلى أمرك.» قال: «فما الذي صنع هارون؟» قال: «ما صنع شيئا ولا عنده شيء.» فسكن غضبه. وقد كان هارون طاب نفسا بالخلع. فقال له يحيى: - «لا تفعل.» قال هارون: «أليس تترك لى الهنيئة والمريئة فهما يسعاننى وأعيش. [٢] فقال يحيى: - «وأين الهنيئة والمريئة من الخلافة، ولعلّك الا [٣] يترك هذا فى يدك.» وكان يحيى ينادم الهادي بعد ذلك، فكلّمه الهادي فى أمر الرشيد وخلعه، فقال:

стр. 1543

- «يا أمير المؤمنين، إنّك إن حملت الناس على نكث الأيمان هانت عليهم أيمانهم، وإن تركتهم على بيعة أخيك ثمّ بايعت [٥٢٢] لجعفر من بعده كان ذلك أوكد لبيعته.» قال: «لقد صدقت ونصحت، ولى فى هذا الأمر تدبير.» وكان محمّد بن يحيى بن خالد يقول: كان أبى يقول: ما كلّمت أحدا من الخلفاء أعقل من موسى. وقال: كان حبسني موسى الهادي على ما أراده من خلع الرشيد، فرفعت إليه رقعة: إنّ عندي نصيحة. فدعاني، فقال لى: - «هات ما عندك.» فقلت: «أخلنى.» فأخلانى، فقلت: - «يا أمير المؤمنين، أرأيت إن كان الأمر الذي أسأل الله أن لا نبلغه وأن يقدّمنا قبله، أتظنّ أنّ الناس يسلّمون لجعفر وهو لم يبلغ الحنث [١] أو يرضون به لصلاتهم وحجّهم وغزوهم؟» قال: «والله ما أظنّ ذلك.» قلت: - «فتأمن يا أمير المؤمنين أن يسمو إليها أكابر أهلك وجلّتهم مثل فلان وفلان، ثمّ يطمع فيها غيرهم فيخرج من ولد أبيك؟» فأطرق ثمّ قال: - «نبّهتنى يا يحيى على أمر لم أكن أنتبه له.» قال: فقلت: - «لو أنّ هذا الأمر لم يعقد لأخيك، أما كان ينبغي أن تعقده له؟ فكيف بأن تحلّه وقد عقده المهدىّ، ولكن تقرّ الأمر يا أمير المؤمنين [٥٢٣] على حاله،

стр. 1544

فإذا بلّغ جعفر وبلغ الله به أتيته [١] بالرشيد، فخلع نفسه له، وكان أوّل من يبايعه ويعطيه صفقة يده.» فقبل الهادي قوله وأطلقه. فلمّا كان بعد أيّام، خرج موسى الهادي إلى الحديثة حديثة الموصل فمرض بها، فانصرف بعد ما كتب إلى جميع عمّاله شرقا وغربا بالقدوم عليه، فلمّا ثقل اجتمع القوم الذين كانوا بايعوا لجعفر ابنه فقالوا: - «إن صار الأمر إلى يحيى قتلنا ولم يستبقنا.» وتآمروا [٢] على أن يذهب بعضهم إلى يحيى بأمر الهادي فيضرب عنقه. ثمّ قال بعضهم: - «فإنّ أمير المؤمنين ما بلغ حدّ اليأس منه، فلعلّه يفيق من مرضه، فما عذرنا عنده؟» فأمسكوا. ثمّ بعثت الخيزران إلى جواريها بالجلوس على وجهه وغمّه حتّى يموت، لأنّها أشفقت أن يفيق فيخلع هارون، ففعلن ذلك. وبعثت إلى يحيى تعلمه أنّ الرجل لما به [٣] فجدّ فى أمرك ولا تقصّر. فأمر يحيى بإحضار الكتّاب، فحضروا وجمعوا فى منزل الفضل بن يحيى، فكتبوا ليلتهم كتبا من الرشيد إلى العمّال بوفاة الهادي وأنّه قد ولّاهم الرشيد ما كانوا يلون. ولمّا أصبحوا [٥٢٤] أنفذوها على البرد.

стр. 1545

رواية أخرى فى سبب قتل موسى الهادي وقد روى عن هرثمة [١] بن أعين فى موت الهادي ما رواه علىّ بن هشام المعروف بأبى قيراط عن محمّد بن أحمد بن الفضل الجرجرائى المعروف بقلنسوة، وكان وزير المتوكّل، قال: حدّثنى خالي الحسن بن رجاء بن أبى الضحّاك. قال: حدّثنى الحسن بن سهل قال: حدّثنى أبو خاتم هرثمة بن أعين بمرو قال: كنت اختصصت بموسى الهادي، وكنت مع ذلك شديد الحذر منه لإقدامه على الدماء، فاستدعاني فى نصف نهار يوم شديد الحرّ قبل أكلى، فارتعت وبادرت إليه فأدخلت من دار إلى دار حتّى قرّبت من دار حرمه. ثمّ نحّى عنّا جميع من كان بحضرته وقال لى: - «اخرج، فأغلق باب هذه الحجرة وعد إلىّ.» فازددت جزعا وفعلت وعدت، فقال: - «قد تأذيّت بهذا الكلب الملحد يحيى بن خالد، ليس له شغل إلّا تضريب الرجال علىّ واجتذابهم إلى صاحبه هارون. يريد أن يقتلني ويسوق الخلافة إليه، وأريد منك أن تمضى الليلة إلى هارون فتقبض عليه وتجيئني برأسه، إمّا أن تحتاط فى التدبير حتّى لا يفوتك وتفعل ذلك به فى دارك [٥٢٥] أو تخرجه [٢] من داره برسالة منّى تستدعيه فيها إلى حضرتى، ثمّ تعدل به إلى حيث تقتله فيه وتجيئني برأسه.» فورد علىّ أمر عظيم وقلت: - «يأذن أمير المؤمنين فى الكلام؟» قال: «قل.»
следующие страницы →