← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

الله ولا قطيعة إذا كانت القطيعة فى جنب الله وكتابي هذا إلى أمير المؤمنين وقد قتل الله المخلوع وردّاه رداء نكثه وأحصد لأمير المؤمنين أمره [١٢٨] وأنجز له وعده وما ينتظر من صادق أمره حين ردّ به الألفة بعد فرقتها وجمع الأمّة بعد شتاتها وأحيى به الأعلام من الإسلام بعد دروسها.» [١]

стр. 1717

خلافة المأمون وفى هذه السنة ولّى المأمون كلّ ما كان طاهر بن الحسين افتتحه من كور الجبال وفارس والأهواز والبصرة والكوفة واليمن الحسن بن سهل أخا الفضل بن سهل، وذلك بعد مقتل محمد المخلوع ودخول الناس فى طاعة المأمون. وفيها كتب المأمون إلى طاهر بن الحسين وهو مقيم ببغداد بتسليم جميع ما فى يده من الأعمال فى البلدان كلّها إلى خلفاء الحسن بن سهل وأن يشخص عن ذلك إلى الرقّة وجعل إليه حرب نصر بن شبث [١] وولّاه الموصل والجزيرة والشام والمغرب، وقدم علىّ بن أبى سعيد العراق خليفة الحسن بن سهل على خراجها. فدافع طاهر عليّا بتسليم الخراج إليه حتّى وفّى الجند أرزاقهم. فلمّا وفّاهم سلّم إليه العمل. وكتب المأمون إلى هرثمة يأمره بالشخوص إلى خراسان. ودخلت سنة تسع وتسعين ومائة [١٢٩] وفيها قدم الحسن بن سهل العراق من عند المأمون واليه الحرب والخراج، وفرّق عمّاله فى الكور والبلدان.

стр. 1718

خروج ابن طباطبا فى الكوفة دعوة إلى الرضا من آل محمد ﷺ والعمل بالكتاب والسنّة وفيها خرج بالكوفة محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علىّ بن أبى طالب ﵈ يدعو إلى الرضا من آل محمد والعمل بالكتاب والسنّة وهو الذي يقال له: ابن طباطبا، وكان القيّم بأمره فى الحرب وتدبيرها وقيادة جيوشه أبو السرايا واسمه السرى بن منصور. ذكر السبب فى خروجه كان سبب خروجه صرف المأمون طاهر بن الحسين عمّا كان إليه من أعمال البلدان التي افتتحها وتوجيهه إلى ذلك الحسن بن سهل أخا الفضل بن سهل. وذلك أنّ الناس بالعراق تحدّثوا بينهم أنّ الفضل بن سهل قد غلب على المأمون، وأنّه قد أنزله قصرا حجبه فيه عن أهل بيته ووجوه قوّاده ومن الخاصّة والعامّة، وأنّه يبرم الأمور على هواه ويستبدّ بالرأى دونه. فغضب لذلك من بالعراق من بنى هاشم ووجوه الناس وأنفوا من غلبة الفضل بن سهل على المأمون [١٣٠] واجترأوا على الحسن بن سهل بذلك، وهاجت الفتن فى الأمصار. فكان أوّل من خرج بالكوفة ابن طباطبا الذي ذكرت. وكان سبب خروجه أنّ أبا السرايا كان من رجال هرثمة، فمطله بأرزاقه وأخّره بها. فغضب أبو السرايا ومضى إلى الكوفة فبايع ابن طباطبا واجتمع إلى ابن طباطبا الناس. فوجّه الحسن بن سهل زهير بن المسيّب فى أصحابه إلى الكوفة فى عشرة آلاف فارس وراجل، فتهيأوا للخروج إليه، فلم تكن

стр. 1719

بهم قوّة على الخروج. فأقاموا حتّى بلغ زهير قرية شاهي، [١] ثمّ واقعهم ابن طباطبا فهزمهم واستباح عسكرهم وأخذوا ما كان معه من مال وسلاح ودوابّ وغير ذلك. فلمّا كان من غد ظفره بزهير واستباحته عسكره، مات فجأة، فتحدّث الناس أنّ أبا السرايا سمّه وأنّه إنّما فعل ذلك لأنّ ابن طباطبا لمّا أحرز ما فى عسكر زهير بن المسيّب من المال والسلاح والكراع، منعه أبا السرايا وحظره عليه، وكان الناس له مطيعين فعلم أبو السرايا أنّه لا أمر له فسمّه. فلمّا مات ابن طباطبا أقام أبو السرايا [١٣١] مكانه غلاما أمرد حدثا وهو محمد بن محمد بن زيد بن علىّ بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب، ﵈. فكان أبو السرايا هو الذي ينفّذ الأمور. وكان الحسن بن سهل قد وجّه عبدوس بن محمد بن أبى خالد المروروذىّ إلى النّيل حين وجّه زهيرا إلى الكوفة. فلمّا هزم أبو السرايا زهيرا خرج عبدوس يريد الكوفة بأمر الحسن بن سهل حتّى بلغ الجامع وزهير مقيم بالقصر، [٢] فتوجّه أبو السرايا إلى عبدوس فواقعه بالجامع فقتله وأسر هارون بن أبى خالد واستباح عسكره وكان فى أربعة آلاف، فلم يفلت منهم أحد كانوا بين قتيل وأسير. وانتشر الطالبيّون وانحاز زهير إلى نهر الملك وأقبل أبو السرايا حتّى نزل قصر ابن هبيرة بأصحابه وكانت طلائعه تأتى كوثى. ثمّ وجّه أبو السرايا جيوشه إلى البصرة وواسط فدخلوها، وكان بواسط وأعمالها عبد الله بن سعيد الحرشي واليا عليها من قبل الحسن بن سهل، فواقعه جيش أبى السرايا قريبا من واسط فهزموه فانصرف راجعا إلى بغداد وقتل أصحابه وأسروا.

стр. 1720

فلمّا رأى الحسن بن سهل أنّ أبا السرايا يهزم عساكره [١٣٢] ولا يتوجّه إلى بلدة إلّا افتتحها ولم يجد فى قوّاده من يكفيه حربه، تذكّر هرثمة. وكان هرثمة لمّا قدم الحسن بن سهل العراق واليا من قبل المأمون سلّم إليه ما كان بيده من الأعمال وتوجّه نحو خراسان مغاضبا، فبلغ حلوان وبعث إليه الحسن السندي وصالحا صاحب المصلّى يسأله الانصراف إلى بغداد لحرب أبى السرايا فامتنع وأبى وقال: - «تذكروننا عند البلاء.» فانصرف رسل الحسن إليه بإباءه وتمنّعه فأعاد إليه السندي بكتب لطيفة ورسائل تشبه الكتب، فأجاب وانصرف إلى بغداد فقدمها فى شعبان وتهيّأ للخروج. وأمر الحسن علىّ بن أبى سعيد أن يخرج إلى ناحية المدائن وواسط والبصرة وتهيئوا لذلك وبلغ الخبر أبا السرايا وهو بقصر ابن هبيرة، فوجّه إلى المدائن فدخلها أصحابه فى شهر رمضان وتقدّم هو بنفسه حتّى نزل صرصر. وكان هرثمة أنفذ منصور بن المهدى إلى الياسرية فخرج وعسكر بها. فلمّا قدم هرثمة خرج فعسكر بالسفينتين بين يدي منصور ثمّ شخص إلى نهر صرصر بإزاء أبى السرايا والنهر بينهما. [١٣٣] وتوجّه علىّ بن سعيد من طريق كلواذى إلى المدائن فقاتل أصحاب أبى السرايا وهزمهم وأخذ المدائن وبلغ أبا السرايا فرجع من نهر صرصر إلى قصر ابن هبيرة وأصبح هرثمة فجدّ فى طلبه فوجد جماعة كبيرة فقتلهم وبعث برؤوسهم إلى الحسن بن سهل ثمّ صار إلى قصر ابن هبيرة فكانت بينه وبين أبى السرايا وقعة قتل فيها من أصحاب أبى السرايا خلق كثير وانحاز أبو السرايا إلى الكوفة. فوثب محمد بن محمد ومن معه من الطالبيّين على دور بنى العبّاس

стр. 1721

ومواليهم وأتباعهم فانتهبوها وهدموها وحرّقوها وخرّبوا ضياعهم وأخرجوهم من الكوفة وعملوا فى ذلك عملا قبيحا جدّا واستخرجوا الودائع التي كانت عند الناس. وتوجّه علىّ بن أبى سعيد بعد أخذه المدائن إلى واسط فأخذها ثمّ توجّه إلى البصرة فلم يقدر على أخذها حتّى انقضت سنة تسع [١] . ثمّ دخلت سنة مائتين هروب أبى السرايا من الكوفة ومقتله وفيها هرب أبو السرايا من الكوفة ودخلها هرثمة ومنصور بن المهدى فآمنوا [١٣٤] أهلها ولم يعرضوا لأحد. ثمّ إنّ أبا السرايا عبر دجلة أسفل واسط. فأتى عبدسيّ [٢] فوجد بها مالا كان حمل من الأهواز فأخذه ثمّ مضى حتّى أتى السوس فنزلها وأقام بها أربعة أيّام وجعل يعطى الفارس ألفا والراجل خمسمائة. فلمّا كان اليوم الرابع أتاهم الحسن بن علىّ الباذغيسى المعروف بالمأمونى فأرسل إليهم: - «اذهبوا حيث شئتم فإنّه لا حاجة لى فى قتالكم، إذا أنتم خرجتم من عملي فلست أتبعكم.» فأبى أبو السرايا إلّا قتاله فقاتلهم فهزمهم الحسن واستباح عسكرهم وجرح أبو السرايا جراحة شديدة فهرب واجتمع هو ومحمد بن محمد وأبو الشوك، فأخذوا ناحية الجزيرة يريدون منزل أبى السرايا برأس العين، فلمّا انتهوا إلى جلولاء عثر بهم فأتاهم حمّاد فأخذهم فجاء بهم إلى الحسن بن

стр. 1722

سهل وكان مقيما بالنهروان حين طردته الحربية فضرب عنق أبى السرايا، وكان الذي تولّى ضرب رقبته هارون بن محمد بن أبى خالد الذي كان أسيرا فى يده. فلم ير أحد عند القتل أشدّ جزعا من أبى السرايا كان يضرب بيديه ورجليه ويصيح أشدّ ما يكون من الصياح حتّى جعل فى رأسه حبل [١٣٥] وفى يديه حبل وفى رجليه حبل وهو فى ذلك يضطرب ويلتوي ويصيح حتّى ضربت عنقه. ثمّ بعث برأسه فطيف به وبعث بجسده إلى بغداد فصلب على الجسرين فى كلّ جسر نصف. وكان بين خروجه وقتله عشرة أشهر. وتوجّه علىّ بن أبى سعيد إلى البصرة فافتتحها، وكان الذي بها من الطالبيّين زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علىّ بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب ﵈ وهو الذي يقال له: زيد النار، وإنّما سمّى بذلك لكثرة ما حرّق من الدور بالبصرة. وكان إذا أتى برجل من المسوّدة كانت عقوبته أن يحرقه بالنار، فأسره علىّ بن أبى سعيد مع جماعة من قوّاده وبعث بهم إلى الحسن بن سهل. خروج إبراهيم بن موسى بن جعفر (ع) باليمن وفى هذه السنة خرج إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علىّ بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب ﵈ باليمن. ذكر السبب فى خروجه كان سببه أنّ أبا السرايا لمّا تغلّب على الكوفة وتجاسر الناس على الحسن بن سهل، حدّث هذا أيضا نفسه باليمن وكان بها من قبل المأمون إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى. [١٣٦] فلمّا سمع بإقبال إبراهيم بن

стр. 1723

موسى العلوي وأهل بيته إليه كره قتالهم وخرج بجميع من فى عسكره من الخيل والرجل فخلّى لإبراهيم اليمن. فدخل إبراهيم بلاد اليمن وقتل خلقا كثيرا وسبى وأخذ أموالا عظيمة من الناس فسمّى إبراهيم الجزّار. جلوس الأفطس وفى هذه السنة جلس حسين بن حسن الأفطس وكان خرج من قبل أبى السرايا. فجلس على نمرقة مثنّية خلف المقام فأمر بثياب الكعبة التي عليها فجرّدت منها حتّى لم يبق عليها شيء وبقيت حجارة. ثمّ كساها ثوبين من قزّ رقيق وجّه بهما أبو السرايا مكتوب عليهما: «ممّا أمر به الأصفر بن الأصفر ابن السرايا داعية آل محمد لكسوة بيت الله وأن يطرح عنه كسوة الظلمة من ولد العباس لتطهّر من كسوتهم وكتب فى سنة تسع وتسعين ومائة.» ثمّ أمر الحسين بالكسوة التي كانت على الكعبة فقسّمت بين أصحابه من العلويّين وأتباعهم، وعمد إلى ما فى خزانة [١] الكعبة من مال فأخذه ولم يسمع بأحد عنده وديعة لأحد من ولد العباس وأتباعهم إلّا هجم عليه فى داره فأخذه. وإن لم يجد عنده شيئا أخذه فحبسه وعاقبه حتّى يفتدى بقدر طوله [١٣٧] حتّى أفقر خلقا وهرب كثير من أهل النعم فتعقّبهم بهدم دورهم، حتّى صار أصحابه إلى أخذ الحرم وأخذ أبناء الناس وتهتّكوا وجعلوا يحكّون الذهب الرقيق الذي فى أسافل رؤوس أساطين المسجد الحرام، فيخرج من الأسطوانة بعد التعب الشديد قدر مثقال ذهبا، وقلعوا الحديد الذي على شبّاك كوى المسجد الحرام وقلعوا شبّاك زمزم وباعوها، فتغيّر لهم الناس ولعنوهم.

стр. 1724

اجتماع الحسين وأصحابه إلى محمد بن جعفر لمبايعته بالخلافة وبلغهم أنّ أبا السرايا قتل، وطرد من كور العراق كلّها الطالبيّون، وأنّ الولاية رجعت بها لولد العباس. فعلم حسين أنّه لا ثبات له ولا لأصحابه لسوء السيرة التي ظهرت منهم. فاجتمعوا إلى محمد بن جعفر بن محمد الصادق وكان شيخا ودعا [١] يروى العلم عن أبيه جعفر بن محمد ﵇، وينتابه الناس فيكتبون عنه، وكان له سمت وزهد، وفارق ما كان عليه أهل بيته، فكان محبّبا فى الناس. فلمّا اجتمع إليه حسين وأصحابه قالوا له: - «قد تعلم حالك فى الناس، فأبرز شخصك نبايع لك بالخلافة، فليس يختلف عليك اثنان.» فأبى إباء شديدا. فلم يزل به ابنه علىّ وحسين بن حسن الأفطس حتّى غلبا الشيخ [١٣٨] على رأيه فأجابهم. فأقاموه يوم الجمعة فبايعوه بالخلافة، وحشروا إليه الناس من أهل مكّة والمجاورين، فبايعوه وسمّوه: أمير المؤمنين. فأقام شهورا ليس له من الأمر إلّا اسمه، وابنه علىّ وحسين وجماعة معهما أسوأ ما كانوا سيرة. فوثب حسين بن حسن على امرأة من قريش ولها زوج، وكانت ذات جمال بارع. فانتزعها وأخاف زوجها حتّى توارى، واغتصبها نفسها بعد أن كسر عليها بابها وحملت حملا إلى حسين. ووثب علىّ بن محمد وهو ابن أمير المؤمنين محمد بن جعفر على غلام

стр. 1725

من قريش، ابن قاض بمكّة يقال له: إسحاق بن محمد، كان جميلا بارعا فى الجمال. فاقتحم عليه بنفسه نهارا جهارا فى داره على الصفا مشرفا على المسعى، حتّى حمله على فرسه فى السرج، وركب علىّ على عجز الفرس، وخرج به يشقّ السوق. فلمّا رآه أهل مكّة ومن بها من المجاورين خرجوا، فاجتمعوا فى المسجد الحرام وغلّقت الدكاكين ومال معهم أهل الطواف بالكعبة، حتّى أتوا أباه محمد بن جعفر فقالوا: - «لنخلعنّك ولنقتلنّك أو تردّ إلينا هذا الغلام الذي أخذه [١٣٩] ابنك جهرة.» فأغلق بابه وكلّمهم من شبّاك الشارع فى المسجد وقال: - «والله ما علمت، فأمهلونى.» ثمّ أرسل إلى حسين بن حسن الأفطس وسأله أن يركب إلى ابنه فيستنقذ الغلام من يده. فأبى ذلك حسين وقال: - «والله إنّك لتعلم أنّى لا أقوى على ابنك، ولو جئته لقاتلنى فى أصحابه.» فلمّا رأى محمد بن جعفر ذلك، قال لأهل مكّة: - «آمنونى حتّى أركب إليه وآخذ الغلام.» فآمنوه فركب بنفسه حتّى صار إلى ابنه، فأخذ الغلام منه وسلّمه إلى أهله. فلم يلبثوا إلّا يسيرا حتّى أقبل إسحاق بن موسى العباسي إليهم، فاجتمع العلويّون إلى محمد بن جعفر وقالوا: - «هذا إسحاق بن موسى مقبلا إلينا فى الخيل والرجال، وقد رأينا أن نخندق خندقا وتبرز شخصك ليراك الناس فيتحاربوا معك.» وبعثوا إلى من حولهم من الأعراب ففرضوا لهم وخندقوا بأعلى مكّة. فورد إسحاق وقاتلهم أيّاما ثمّ كره إسحاق الحرب وخرج يريد العراق. فلقيه

стр. 1726

ورقاء بن جميل ومن كان معه من أصحاب الجلودي فقالوا لإسحاق: - «إرجع معنا إلى مكّة ونحن نكفيك القتال.» فرجع معهم واجتمع إلى محمد [١٤٠] من كان معه، فتقاتلوا عند بئر ميمون يوما ثمّ عاودهم بعد ذلك بيوم، فكانت الهزيمة على أصحاب محمد بن جعفر. فبعث محمد بن جعفر رجالا من قريش فيهم قاضى مكّة يسألون لهم الأمان حتّى يخرجوا من مكّة ويذهبوا حيث شاءوا. فأجابهم إسحاق وورقاء إلى ذلك وأجّلوهم ثلاثة أيّام. ثمّ دخل إسحاق وورقاء مكّة وتفرّق الطالبيّون وأخذ كلّ قوم ناحيته. وفى هذه السنة شخص هرثمة من معسكره إلى المأمون بمرو [١] ذكر خروج هرثمة ومراغمته للحسن والفضل وما آل إليه أمره لمّا فرغ هرثمة من أمر أبى السرايا ومحمد بن محمد العلوي ودخل الكوفة، أقام فى معسكره أيّاما. ثمّ أتى نهر صرصر والناس يظنّون أنّه يأتى الحسن بن سهل بالمدائن. فلمّا بلغ نهر صرصر خرج على عقرقوف [٢] ، ثمّ أتى البردان ثمّ أتى النهروان. ثمّ سار حتّى أتى خراسان فاستقبلته كتب من المأمون فى غير منزل أن يرجع فيلي الشام والحجاز. فأبى وقال: - «لا أرجع حتّى ألقى أمير المؤمنين.» إدلالا منه عليه لما كان يعرف من نصيحته له ولآباءه وأراد أن يعرّف المأمون ما يدبّر عليه الفضل بن سهل وما يكتم عنه من [١٤١] الأخبار، وألّا يدعه حتّى يردّه إلى بغداد دار خلافة آباءه وملكهم، ليتوسّط سلطانه ويشرف على أطرافه. فعلم الفضل ما يريد

стр. 1727

فقال للمأمون: - «إنّ هرثمة قد أنغل عليك العباد والبلاد، وظاهر عليك عدوّك، وعادى وليّك، ولقد دسّ أبا السرايا وإنّما هو بعض خوله، حتّى عمل ما عمل. ولو شاء هرثمة ألّا يفعل ذلك أبو السرايا ما فعله.» وقد كتب إليه أمير المؤمنين عدّة كتب أن يرجع فيلي الشام والحجاز فأبى، وقد رجع إلى باب أمير المؤمنين عاصيا مشاقّا يظهر القول الغليظ ويتوعّد بالأمر الجليل وإن أطلق هذا كان مفسدة لغيره. فأشرب قلب المأمون عليه. وأبطأ هرثمة فى المسير. فلم يصل إلى خراسان إلّا فى شهور. فلمّا بلغ مرو خشي أن يكتم المأمون قدومه، فضرب بالطبول لكي يسمعها المأمون. فسمعها فقال: - «ما هذا؟» قالوا: «هرثمة قد أقبل يرعد ويبرق.» وظنّ هرثمة أنّ قوله هو المقبول فأمر بإدخاله فلمّا دخل كان قد أشرب قلب المأمون ما أشرب فقال له: - «يا هرثمة مالأت أهل الكوفة والعلويين وداهنت [١٤٢] ودسست إلى أبى السرايا حتّى خلع وعمل ما عمل، وكان رجلا من أصحابك ولو أردت أن تأخذهم جميعا لفعلت، ولكنّك أرخيت خناقهم وأجررت لهم رسنهم.» فذهب هرثمة ليتكلّم ويعتذر ويدفع عن نفسه ما قرف به، فلم يقبل ذلك منه وأمر به فوجئ على أنفه وديس فى بطنه وسحب من بين يديه. وكان تقدّم الفضل بن سهل إلى الأعوان فى الغلظة عليه والتشديد، حتّى حبس. ثمّ دسّ إليه، بعد أن أذلّه من قتله. وقالوا مات.

стр. 1728

هياج الشغب ببغداد بين الحربيّة والحسن بن سهل وفى هذه السنة هاج [١] الشغب ببغداد بين الحربية والحسن بن سهل. ذكر السبب فى ذلك لمّا خرج هرثمة إلى خراسان وثبوا وقالوا: - «لا نرضى حتّى نطرد الحسن بن سهل وعمّاله عن بغداد.» وكان من عمّاله بها محمد بن أبى خالد، وأسد بن أبى الأسد. فأخرجوهم وطردوا أسبابهم، وصيّروا إسحاق بن موسى بن المهدى خليفة للمأمون ببغداد، فاجتمع أهل الجانبين على ذلك ورضوا به. وكان الحسن بن سهل مقيما بالمدائن [١٤٣] منذ شخص هرثمة إلى خراسان وإلى أن اتصل بأهل بغداد خبر هرثمة وما صنع به المأمون. فلمّا علم الحسن بن سهل أنّ أهل بغداد قد وقفوا على ذلك أرسل إلى علىّ بن هشام، وهو والى بغداد من قبله أن: - «امطل جند الحربية والبغداديين أرزاقهم ومنّهم ولا تعطهم.» فلمّا وثب أهل بغداد بأصحابه دسّ إلى قوم من قوّادهم أن يشغّبوا على إسحاق بن موسى. فشغّبوا، فحوّل الحربية لإسحاق إليهم وأنزلوه على دجيل، وبعث الحسن بن سهل علىّ بن هشام من الجانب الآخر وجاء هو ومحمد بن أبى خالد وقوّادهم ليلا حتّى دخلوا بغداد، فقاتل الحربية ثلاثة أيّام على قنطرة الصراة العتيقة والجديدة والأرجاء. ثمّ إنّه وعد الحربية أن يعطيهم رزق ستّة أشهر إذا أدركت الغلّة فسألوه أن

стр. 1729

يعجّل لهم خمسين درهما لكلّ رجل لينفقوها فى شهر رمضان. فأجابهم إلى ذلك ثمّ دافعهم بها ولم يف لهم بإعطاء الخمسين، فشدّوا على علىّ بن هشام فطردوه. وكان المتولّى ذلك والقيّم بأمر الحربية محمد بن أبى خالد وذلك أنّ علىّ بن هشام كان يستخفّ به ويضع من مقداره. ووقع بين محمد بن أبى خالد وأزهر بن زهير بن المسيّب [١٤٤] كلام فقنّعه أزهر بالسوط. فغضب محمد وتحوّل إلى الحربية واجتمع إليه الناس فلم يقربهم [١] علىّ بن هشام حتّى أخرجوه من بغداد. وفى هذه السنة تقدّم المأمون بإحصاء ولد العباس فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفا ما بين ذكر وأنثى. ودخلت سنة إحدى ومائتين مراودة أهل بغداد منصور بن المهدى على الخلافة وفيها راود أهل بغداد منصور بن المهدى على الخلافة فامتنع من ذلك عليهم فراوده على الإمرة عليهم على أن يدعو للمأمون بالخلافة فأجابهم إلى ذلك. ذكر السبب فى ذلك لمّا أخرج أهل بغداد علىّ بن هشام منها واتصل الخبر بالحسن بن سهل وكان بالمدائن انهزم حتّى صار إلى واسط، فتبعه محمد بن أبى خالد مخالفا له، وقد تولّى القيام بأمر الناس، وولّى سعيد بن الحسن بن قحطبة الجانب

стр. 1730

الغربي، ونصر بن حمزة بن مالك الجانب الشرقي. وكانفه ببغداد منصور بن المهدى وخزيمة بن خازم والفضل بن الربيع، وقد كان الفضل بن الربيع مختفيا قبل قتل المخلوع. فلمّا رأى محمد بن أبى خالد قد بلغ واسطا بعث إليه يطلب [١٤٥] منه الأمان فأعطاه إيّاه. وظهر [١] وقدم على محمد بن أبى خالد ابنه عيسى من عند طاهر بن عيسى فاجتمع مع أبيه على قتال الحسن فتعبّأ محمد بن أبى خالد للقتال وتقدّم هو وابنه عيسى مع أصحابهما حتّى صاروا على ميلين من واسط. فوجّه إليهم الحسن أصحابه وقوّاده فاقتتلوا قتالا شديدا عند أبيات واسط. فلمّا كان بعد العصر هبّت ريح شديدة وغبرة حتّى اختلط القوم بعضهم ببعض فكانت الهزيمة على أصحاب محمد بن أبى خالد فثبت، فأصابته جراحات شديدة فى جسده، فانهزم هو وأصحابه هزيمة شديدة قبيحة، فقتل أصحاب الحسن منهم وسلبوا حتّى بلغوا فم الصلح [٢] وقلعت الريح ما كان معهم من سفن فيها متاع وسلاح، حتّى أدخلها واسطا فأخذها أصحاب الحسن وتبعوه، ولم يزل يقاتلهم فى كلّ منزل بالنهار، ثمّ يرتحل بالليل حتّى بلغ جرجرايا فاشتدّت به الجراحات. فأمر قوّاده أن يقيموا فى عسكره، وحمله ابنه المعروف بأبى زنبيل حتّى أدخله بغداد ومات محمد من ليلته ودفن فى داره سرّا. وكان زهير بن المسيّب محبوسا عند جعفر بن محمد بن أبى خالد [١٤٦] فلمّا قدم أبو زنبيل مضى إلى خزيمة بن خازم فأعلمه خبر أبيه وأوصل إليه

стр. 1731

كتابا عن أخيه عيسى. فبعث خزيمة إلى بنى هاشم والقوّاد فأعلمهم الخبر وقرأ عليهم كتاب عيسى بن [١] محمد بن أبى خالد إليه وأنّه يكفيهم الحرب، فرضوا به. وصار عيسى مكان أبيه وانصرف أبو زنبيل من عند خزيمة حتّى أتى زهير بن المسيّب، فأخرجه من محبسه وضرب عنقه ونصب رأسه على رمح وأخذوا جسده، فشدّوا فى رجله حبلا وطافوا به على دوره ودور أهل بيته، ثمّ أداروا [٢] به فى الكرخ وردّوه إلى باب الشام، ولمّا جنّ عليهم الليل رموه فى دجلة. ورجع أبو زنبيل إلى أخيه عيسى، فوجّهه عيسى إلى فم الصراة، وبلغ الحسن بن سهل موت محمد بن أبى خالد، فخرج من واسط ووجّه حميد بن عبد الحميد الطوسي وسعيد بن الساجور وغيره من القوّاد، فلقوا أبا زنبيل بفم الصراة فهزموه فانحاز إلى أخيه هارون بالنيل، ثمّ رجعوا إلى هارون فقاتلوه وهزموه مع أخيه أبى زنبيل، فخرجا هاربين إلى المدائن وبلغ الخبر بنى هاشم وقوّاد بغداد، فجدّوا فى الخلاف على الحسن بن سهل وقالوا: - «لا نرضى [١٤٧] بالمجوسي بن المجوسي بن سهل حتّى نطرده ويرجع إلى خراسان ونخلع المأمون.» وتراضوا أيّاما. ثمّ أرادوا منصور بن المهدى على أن يعقدوا له الخلافة فأبى عليهم. فما زالوا به حتّى صيّروه أميرا وخليفة للمأمون بالعراق. وقوى أمر عيسى بمن ذكرنا وكثر جنده فأمره باحصائهم فكانوا مائة ألف وخمسة وعشرين ألفا بين فارس وراجل. فأعطى الفارس أربعين درهما والراجل عشرين درهما.

стр. 1732

نكير المطوّعة على الفسّاق ببغداد وفى هذه السنة تجرّدت المطوّعة للنكير على الفسّاق ببغداد ورئيسهم خالد الدريوش [١] وسهل بن سلامة الأنصارى من أهل خراسان. ذكر السبب الذي فعلت المطوّعة له ذلك كان فسّاق الحربية والشطّار الذين كانوا ببغداد والكرخ آذوا الناس أذى شديدا وأظهروا الفسق وقطع الطريق وأخذ الغلمان والنساء علانية من الطرق. فكانوا يأتون الرجل فيأخذون ابنه فيذهبون به فلا يقدر أن يمتنع عليهم، وكانوا يسألون الرجل أن يقرضهم أو يصلهم، فلا يقدر أن يمتنع عليهم، وكانوا يجتمعون فيأتون القرى فيكابرون أهلها ويأخذون ما قدروا عليه من متاع ومال وغيره لا سلطان [١٤٨] يمنعهم، ولا يقدر على ذلك منهم، لأنّ السلطان كان يعتزّ بهم فكان لا يقدر أن يمنعهم من فسق يركبونه، وكانوا يجبون المارّة فى الطرق والسفن، ويخفرون البساتين، وكان الناس منهم فى بلاء عظيم. وخرجوا يوما إلى قطربّل [٢] ، فانتهبوها علانية وأخذوا المتاع والذهب والفضّة والغنم والبقر والحمير وغير ذلك، فأدخلوها بغداد وجعلوا يبيعونها علانية. فلمّا رأى الناس ذلك وظهور البغي والفسق والنهب، وأنّ السلطان لا يغيّره، مشى بعضهم إلى بعض وقام صلحاء كلّ ربض ودرب، فمشى بينهم أماثلهم وقالوا:

стр. 1733

- «يا قوم إنّما فى كلّ درب فاسق واثنان إلى عشرة، وعددكم بعد أكثر. فلو اجتمعتم حتّى يكون أمركم واحدا لقمعتم هؤلاء الفسّاق واحتشموكم.» فقام رجل من طريق الأنبار يعرف بالدريوش، فدعا جيرانه وأهل محلّته على أن يعاونوه على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فأجابوه إلى ذلك. فشدّ على من يليه من الفسّاق والشطّار، فمنعهم ممّا كانوا يصنعون، فامتنعوا عليه فقاتلهم وهزمهم وأخذ بعضهم فضربهم [١٤٩] وحبسهم. قيام سهل بن سلامة ثمّ قام بعده رجل آخر يقال له: سهل بن سلامة الأنصارى من أهل خراسان، وتكنّى أبا حاتم، فدعا الناس إلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والعمل بكتاب الله وسنّة نبيّه محمد- صلّى الله عليه- وعلّق مصحفا فى عنقه، ثمّ بدأ بجيرانه وأهل محلّته فأمرهم ونهاهم فقبلوا منه، ثمّ دعا الناس جميعا إلى ذلك، الشريف منهم والوضيع، وجعل ديوانا يثبت فيه اسم من أتاه يبايعه على ذلك وقتال من خالفه كائنا من كان، فأتاه خلق كثير فبايعوه. ثمّ إنّه طاف ببغداد وأسواقها وأرباضها وطرقها ومنع كلّ من يخفر ويجبى المارّة وقال: - «لا خفارة فى الإسلام.» والخفارة أنّ الرجل منهم كان يأتى إلى من له دار أو بستان أو تجارة فيقول: - «أنت فى خفرتى لا يتعرّض أحد لمالك، أدفع من أرادك بسوء ولى فى عنقك كلّ شهر كذا وكذا درهما.» فيعطيه. وقوى على ذلك فقمع أهل الشرّ وكان يخالفه الدريوش فى أنّه كان لا

стр. 1734

يغيّر على السلطان شيئا ولا يخالفه ولا يقاتله ويقول: - «أنا لا أرى مخالفة أمر السلطان بشيء.» وقال سهل بن سلامة: - «أنا أرى قتال كلّ من خالف الكتاب والسنّة [١٥٠] كائنا من كان.» فلمّا فشا ذلك وقوى [١] ، ضعف أمر منصور بن المهدى وعيسى بن محمد بن أبى خالد لأنّ معظم أصحابهم الشطّار ومن لا خير فيه، فكسرهم ذلك. ودخل منصور بن المهدى بغداد فكاتب الحسن بن سهل وسأله الأمان له ولأهل بيته على أن يعطى الحسن جنده وسائر أهل بغداد من المرتزقة رزق ستّة أشهر إذا أدركت الغلّة. فأجابه الحسن إلى ذلك. وارتحل الحسن من معسكره فدخل بغداد وتقوّضت تلك العساكر وأشرك بين عيسى ويحيى بن عبد الله ابن عم الحسن بن سهل فى ولاية السواد وأعمال بغداد. وكان أهل عسكر المهدى مخالفين لعيسى. فوثب المطّلب بن عبد الله بن مالك الخزاعي يدعو إلى المأمون وإلى الفضل والحسن ابني سهل. فامتنع عليه سهل بن سلامة وقال: - «ليس على هذا بايعتني.» وتحوّل منصور بن المهدى وخزيمة بن خازم والفضل بن الربيع وكانوا بايعوا سهل بن سلامة على ما يدعو إليه من العمل بالكتاب والسنّة، فنزلوا بالحربية هربا من المطّلب، وجاء سهل بن سلامة إلى الحسن وبعث الى المطّلب، فأبى أن يجيبه فقاتله سهل أيّاما قتالا شديدا ثمّ اصطلح عيسى والمطلب، فدسّ [١٥١] عيسى إلى سهل من اغتاله وضربه بالسيف ضربة لم يعمل كبير عمل. فلمّا اغتيل سهل رجع إلى منزله وقام عيسى بأمر الناس فكفّوا عن القتال.

стр. 1735

ثمّ بعث عيسى إلى سهل بن سلامة، فاعتذر إليه ممّا صنع وبايعه، وأمره أن يعود إلى ما كان عليه من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وأنّه عونه على ذلك، فعاد سهل إلى ما كان عليه. المأمون يجعل علىّ بن موسى (ع) ولىّ عهد المسلمين وفى هذه السنة جعل المأمون علىّ بن موسى بن جعفر بن محمد بن علىّ بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب [١] ولىّ عهد المسلمين، والخليفة من بعده، وسمّاه: الرضا من آل محمد، وأمر جنده بطرح السواد ولبس ثياب الخضرة، وكتب بذلك إلى الآفاق. ذكر الخبر عن ذلك وسببه وما آل إليه الأمر بينا عيسى بن محمد بن أبى خالد يعرض أصحابه منصرفه من معسكره إلى بغداد، إذ ورد عليه كتاب من الحسن بن سهل، يعلمه أنّ أمير المؤمنين المأمون قد جعل علىّ بن موسى ولىّ عهده من بعده، وأنّه نظر فى بنى العباس وبنى علىّ فلم يجد أفضل ولا أورع ولا أعلم منه، وأنّه سمّاه: الرضا من آل محمد، وأمره بطرح السواد، ولبس ثياب الخضرة، [١٥٢] وذلك فى شهر رمضان سنة إحدى ومائتين، ويأمره أن يأمر من قبله من أصحابه والجند وبنى هاشم بالبيعة له، وأن يأخذهم بلبس الخضرة فى أقبيتهم وقلانسهم وأعلامهم ويأخذ أهل بغداد بذلك. فلمّا أتى عيسى ذلك دعا أهل بغداد إلى ذلك، على أن يعجّل لهم رزق

стр. 1736

شهر، والباقي إذا أدركت الغلّة. فقال بعضهم: - «نبايع ونلبس الخضرة.» وقال بعضهم: - «لا نبايع ولا نخرج هذا الأمر من ولد العبّاس، وإنّما هذا دسيس من قبل الفضل بن سهل.» وغضب بنو العبّاس، ومشى بعضهم إلى بعض وقالوا: - «نولّى بعضنا ونخلع المأمون.» وكان المتكلّم فى هذا والساعي له منصور وإبراهيم ابنا المهدى. أهل بغداد يبايعون ابراهيم بن المهدى بالخلافة وفى هذه السنة بايع أهل بغداد إبراهيم بن المهدى بالخلافة وخلعوا المأمون [١] . ذكر السبب فى ذلك قد ذكرنا ما أنكره العباسيون ببغداد على المأمون حتّى أخرجوا الحسن بن سهل عن بغداد. فلمّا ورد أمره بالبيعة لعلىّ بن موسى ولبس الخضرة وأخذ الناس به، أرادوا [١٥٣] أن يبايعوا إبراهيم بن المهدى بالخلافة ويخلعوا المأمون، وبذلوا للجند عشرة دنانير لكلّ واحد منهم. فاضطرب الناس وقبل بعضهم ورضى وأبى قوم وامتنعوا، فاجتمعوا وأمروا رجلا يقول يوم الجمعة حين يؤذّن المؤذّن:

стр. 1737

- «إنّا نريد أن ندعو للمأمون ومن بعده إبراهيم يكون [١] خليفته والنائب عنه.» ودسّوا قوما آخرين يقولون: - «إذا قام هذا الرجل وقال ما عنده لا نرضى إلّا أن تبايعوا لإبراهيم بالخلافة وتخلعوا المأمون، أتريدون أن تأخذوا أموالنا كما صنع منصور، ثمّ تجلسوا فى بيوتكم؟» فقال يوم الجمعة هذا الرجل ما وصّوه به، وقام الآخرون فقالوا ما وصّوا به، وماج الناس، فلم يصلّ تلك الجمعة ولا خطب أحد وإنّما صلّى الناس بعد ما حسّوا الفوت أربع ركعات وانصرفوا. تحرّك بابك الخرّمى فى الجاويذانيّة وفى هذه السنة تحرّك بابك الخرّمى فى الجاويذانية أصحاب جاويذان بن سهل صاحب البذّ [٢] ، وادّعى أنّ روح جاويذان دخل فيه، وأخذ فى العيث والفساد. ودخلت سنة اثنتين ومائتين [١٥٤] فلمّا كان يوم الجمعة لخمس خلون من المحرّم أظهروا أمر إبراهيم، وصعد إبراهيم المنبر، فكان أوّل من بايعه عبيد الله بن العباس بن محمد، ثمّ منصور بن المهدى، ثمّ سائر بنى هاشم وكان المتولّى لأخذ البيعة المطّلب بن عبد الله بن مالك وقام فى ذلك السندي وصالح صاحب المصلّى ومنجاب [٣]

стр. 1738

ونصير الوصيف وسائر الموالي- إلّا أنّ هؤلاء كانوا الرؤساء- غضبا منهم على المأمون حين أراد الخروج، وإخراج ولد العباس من الخلافة، ولتركه لباس آباءه. ولمّا فرغ من ذلك وعد الجند أن يعطيهم أرزاقهم لستّة أشهر فدافعهم بها. فلمّا رأوا ذلك شغبوا عليه، فأعطى كلّ رجل منهم مائتي درهم وكتب لبعضهم إلى السواد بقيمة ما لهم حنطة وشعيرا، فخرجوا فى قبضها، فلم يمرّوا بشيء إلّا انتهبوه، وأخذوا النصيبين جميعا. وخرج على إبراهيم بن المهدى، مهدى بن علوان الحرورىّ فحكّم وظهر ببزرج [١] سابور، وغلب على الراذانين ونهر بوق. فوجّه إبراهيم إليه أبا إسحاق ابن الرشيد فى جماعة من القوّاد كثيرين، وكان مع أبى إسحاق غلمان له أتراك، فلقوا [١٥٥] الشراة، فطعن رجل من الأعراب أبا إسحاق فحامى عنه غلام تركىّ، وقال له: - «يا مولاي، مرا بشناس.» فسمّاه يومئذ: أشناس. إنفاذ العباس بن موسى بن جعفر إلى الكوفة وأنفذ الحسن بن سهل العباس بن موسى بن جعفر، وهو أخو علىّ بن موسى الرضا، إلى الكوفة وأمره بلباس الخضرة، وأن يدعو أوّلا للمأمون ومن بعده لأخيه علىّ بن موسى، وأعانه بمائة ألف درهم وقال له: - «قاتل عن أخيك، فإنّ أهل الكوفة يجيبونك وأنا معك.» وكانت الكتب نفذت من جهة إبراهيم بن المهدى إلى الكوفة بتقلّده الأمر

стр. 1739

وقيامه بإمرة المؤمنين وخلع المأمون، ونفذت الكتب من جهة الحسن بن سهل بما رآه المأمون وكثر الخلاف. وكانت لهم أخبار لا يليق ذكرها بهذا الكتاب إذ كانت فتنا لا تجربة فيها وحروبا يقتل فيها بعض الناس بعضا من غير تدبير لطيف ولا مكر بديع، وإنّما كانت مصالتات بالسيوف، فمرّة يكون لهؤلاء ومرّة لهؤلاء. فلمّا بلغ خبر العباس بن موسى بن جعفر العلوي أهل الكوفة، أجابه قوم كثيرون وقال قوم آخرون: - «إن كنت إنّما تدعو إلى المأمون ثمّ من بعده إلى أخيك، فلا حاجة لنا فى دعوتك. وإن كنت تدعو إلى أخيك أو إلى نفسك [١٥٦] أجبناك.» فقال: «إنّما أدعو إلى المأمون ثمّ من بعده لأخى.» فقعد عنه المستبصرون فى التشيّع. وكان يظهر أنّ حميدا يأتيه ويعينه ويقويّه، وأنّ الحسن بن سهل يوجّه [١] إليه قوما مددا له، فلم يأته منهم أحد، وتوجّه إليه أصحاب إبراهيم بن المهدى فهمزموه. وكان كلّ فريق من أصحاب الخضرة والسواد ينهبون ويحرقون. ثمّ أمر إبراهيم بن المهدى عيسى بن محمد بن أبى خالد أن يسير إلى ناحية واسط على طريق النيل، وأمر جماعة أن يسيروا ممّا يلي جوخى [٢] حتّى عسكروا قرب واسط ممّا يلي الصيّادة وعليهم عيسى بن محمد بن أبى خالد، فتحصّن منهم الحسن بن سهل، فكان لا يخرج إليهم. ثمّ تهيّأ بعد أيّام الحسن للقتال فظنّ الناس أنّ ذلك لنظره فى النجوم. ثمّ اختار يوما فخرجوا إليهم فاقتتلوا قتالا شديدا إلى الظهر، ووقعت الهزيمة على عيسى وأصحابه فانهزموا، فأخذ أصحاب الحسن جميع ما كان فى عسكرهم من سلاح

стр. 1740

ودوابّ ومتاع وغير ذلك. ظفر إبراهيم بسهل المطوّعى وفى هذه السنة ظفر إبراهيم بن المهدى بسهل بن سلامة المطوّعى فحبسه وعاقبه. وكان السبب فى ذلك [١٥٧] أنّ عيسى لمّا انهزم، أقبل هو وإخوته وأصحابه نحو سهل بن سلامة، لأنّه كان يذكرهم بأسوأ أعمالهم ويسمّيهم الفسّاق، ليس لهم عنده اسم غيره. وكان أصحابه- الذين بايعوه على الكتاب والسنّة وألّا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق- وقد عمل كلّ رجل منهم على باب داره برجا بجصّ وآجر، وقد نصب عليه السلاح والمصاحف حتّى بلغوا من الحربية إلى باب الشام سوى من أجابه من الكرخ وسائر الناس. فلمّا قصده عيسى لم يمكنه الوصول إليه. فأعطى أصحاب الدروب التي تقرب منه، الألف درهم والألفى درهم، على أن يتنحّوا له عن الدروب. فأجابوه إلى ذلك وكان نصيب الرجل الدرهم والدرهمان ونحو ذلك. فلمّا كان يوم السبت لخمس بقين من شعبان تهيّئوا له من كلّ وجه وخذله أهل الدروب حتّى وصلوا إلى مسجده ومنزله. فلمّا رآهم قد وصلوا إليه اختفى منهم وألقى سلاحه واختلط بالنظارة ودخل بين النساء. فدخلوا منزله فلم يظفروا به وأذكوا عليه العيون. فلمّا كان فى الليل أخذوه فى بعض الأزقّة فأتوا به إسحاق بن موسى الهادي وهو ولىّ [١٥٨] عهد عمّه إبراهيم وهو بمدينة السلام، فكلّمه وحاجّه وجمع بينه وبين أصحابه وقال له: - «حرّضت علينا الناس وعبت أمرنا.»

стр. 1741

فقال له: - «إنّما كانت دعوتي عباسية، وإنّما كنت أدعو إلى العمل بالكتاب والسنّة، وأنا على ما كنت عليه، أدعوكم إليه الساعة.» فقالوا: «لا نقبل ما تقول، اخرج إلى الناس وقل لهم إنّ ما كنت أدعوكم إليه باطل.» فقال: «نعم.» فأخرج إلى الناس فقال: - «يا معشر الناس قد علمتم ما كنت أدعوكم إليه من العمل بالكتاب والسنّة وأنا أدعوكم إليه الساعة.» فلمّا قال لهم هذا وجئوا [١] فى عنقه وضربوا وجهه. فقال لهم: - «يا معشر الحربية، المغرور من غررتموه؟» فأخذ وأدخل إلى إسحاق فقيّده، ثم أخرجوه إلى إبراهيم بن المهدى بالمدائن فحبسه مع قوم من أصحابه. وأشاعوا أنّ عيسى قتله تخوّفا من الناس أن يعلموا بمكانه فيخرجوه. وكان بين خروجه وبين أخذه إثنا عشر شهرا. شخوص المأمون من مرو إلى العراق وفى هذه السنة شخص المأمون من مرو يريد العراق [٢] . والسبب فى ذلك أنّ علىّ بن موسى بن جعفر الرضا أخبر [١٥٩] المأمون بما فيه الناس من

стр. 1742

الفتنة والقتال منذ قتل أخوه محمد، وبما كان الفضل بن سهل يستره عنه من أخبار الناس، وأنّ أهل بيته قد نقموا عليه أشياء، وأنّهم يقولون إنّه مسحور مجنون، وأنّهم لمّا رأوا ذلك بايعوا إبراهيم بن المهدى بالخلافة [١] . فقال له المأمون: - «إنّهم ما بايعوه بالخلافة وإنّما صيّروه أميرا يقوم بأمرهم على ما كان أخبره به الفضل.» فأعلمه أنّ الفضل قد كذبه وغشّه، وأنّ الحرب قائمة بين إبراهيم والحسن، وأنّ الناس ينقمون عليك مكانه ومكان أخيه ومكاني ومكان بيعتي من بعدك.» فقال: «ومن يعلم هذا من أهل عسكري؟» فقال له: - «يحيى بن معاذ وعبد العزيز بن عمران وعدّة من وجوه أهل العسكر.» فقال له: - «أدخلهم علىّ حتّى أسائلهم عمّا ذكرت.» فأدخلهم علىّ وهم هؤلاء وجماعة آخرون فيهم علىّ بن أبى سعيد وهو ابن أخت الفضل، فسألهم المأمون عمّا أخبره به علىّ بن موسى الرضا، فأبوا أن يخبروه حتّى يجعل لهم [٢] الأمان من الفضل بن سهل ألّا يعرض لهم، فضمن ذلك لهم وكتب لكلّ رجل منهم كتابا بخطّه ودفعه إليهم، فأخبروه بما فيه الناس من الفتن وبيّنوا ذلك له وأخبروه بغضب [١٦٠] أهل بيته ومواليهم وقوّاده فى أشياء كثيرة، وبما موّه عليه الفضل من أمر هرثمة، وأنّ هرثمة إنّما جاء لنصحه وليبيّن له ما يعمل عليه وأنّه إن لم يتدارك أمره خرجت

стр. 1743

الخلافة من يده ومن أهل بيته، وأنّ الفضل دسّ إلى هرثمة من قتله حين أراد نصحه، وأنّ طاهر بن الحسين قد أبلى فى طاعته ما أبلى وافتتح له ما افتتح وقاد إليه الخلافة مزمومة، حتّى إذا وطّأ له الأمر أخرج من ذلك كلّه وصيّر فى زاوية من الأرض بالرقّة وقد حظرت عليه الأموال حتّى ضعف أمره وشغب عليه جنده، ولو أنّه كان على خلافتك ببغداد لضبط الملك ولم يجترأ عليه بمثل ما اجترئ عليه من الحسن بن سهل، وأنّ الدنيا قد تفتّقت من أقطارها، وأنّ طاهر بن الحسين قد تنوسى فى هذه السنين منذ قتل محمد، فهو بالرقّة لا يستعان به فى شيء من هذه الحروب، وسألوا المأمون الخروج إلى بغداد وقالوا: - «إنّ بنى هاشم والموالي والقوّاد لو قد رأوا عزّتك سكنوا وبخعوا بالطاعة لك.» فلمّا تحقّق ذلك عنده أمر بالرحيل إلى بغداد. فلمّا أمر بذلك علم الفضل بن سهل ببعض أمرهم فتعنّتهم حتّى ضرب [١٦١] بعضهم بالسياط وحبس بعضا ونتف لحى بعض. فعاوده علىّ بن موسى فى أمرهم، وأعلمه ما كان من ضمانه لهم. فقال له: - «إنّى أدارى أمرى وسأبلغ ما فيه الصلاح بمشيئة الله.» قتل الفضل بن سهل فى الحمّام بضرب السيوف ثمّ ارتحل من مرو. فلمّا أتى سرخس شدّ قوم على الفضل بن سهل وهو فى الحمّام فضربوه بالسيوف حتّى مات، وذلك يوم الجمعة لليلتين خلتا من شعبان سنة اثنتين ومائتين. وكان الذين قتلوه أربعة نفر من حشم المأمون: غالب بن الأسود

стр. 1744

الشّعوذى، [١] وقسطنطين الرومي، وفرج الديلمي، وموفّق الصقلبى- وقتل الفضل وله ستّون سنة- وهربوا. فبعث المأمون فى طلبهم وجعل لمن جاء بهم عشرة آلاف دينار فجيء بهم، فساءلهم المأمون فقال بعضهم: - «إنّ علىّ بن أبى سعيد بن أخت الفضل دسّهم.» ومنهم من أنكر. وقد حكى أنّ منهم من قال: - «أنت أمرتنا بقتله.» فأمر المأمون بهم، فضربت أعناقهم. ثمّ بعث إلى عبد العزيز بن عمران وعلىّ ومونس [٢] وغيرهم ممّن كانوا سعوا بالفضل إليه، فساءلهم فأنكروا أن يكونوا علموا بشيء من ذلك. فلم يقبل ذلك منهم وأمر بهم فقتلوا، وبعث برؤوسهم إلى الحسن بن سهل إلى واسط، وأعلمه ما دخل عليه من المصيبة بقتل [١٦٢] الفضل، وأنّه قد صيّره مكانه. ورحل المأمون من سرخس نحو العراق وقد كان المطّلب بن عبد الله بن مالك يدعو فى السرّ إلى المأمون وإلى خلع إبراهيم على أنّ منصور بن المهدى خليفة المأمون. فأجابه منصور وخزيمة وجماعة من القوّاد، وكاتب المطّلب حميدا وعلىّ بن هشام أن يتقدّما فنزل حميد صرصر وعلىّ النهروان، وتحقّق عند إبراهيم الخبر، فخرج من المدائن إلى نحو بغداد وطلب المطّلب وأصحابه، فامتنع المطّلب فنادى:

стр. 1745

- «من أراد النهب فليأت دار المطّلب.» فانتهبوا داره ودور أهل بيته ولم يظفر به. وندم إبراهيم حيث صنع بالمطّلب ما صنع ثمّ لم يظفر به. وبلغ الخبر حميدا وابن هشام. فأمّا حميد فبعث من جهته من أخذ المدائن وقطع الجسر ونزلها. وأمّا علىّ بن هشام فبعث من جهته من أتى نهر ديالى وقطع الجسر. زواجات ثلاثة وفى هذه السنة تزوّج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل، وزوّج علىّ بن موسى الرضا ابنته أمّ حبيب، وزوّج محمد بن علىّ بن موسى ابنته أمّ الفضل. ودخلت سنة ثلاث ومائتين [١٦٣] وفى هذه السنة مات علىّ بن موسى الرضا [﵇] [١] وذلك بطوس ذكر الخبر عن ذلك لمّا صار إليها المأمون أقام عند قبر أبيه أيّاما، ثمّ إنّ علىّ بن موسى- على ما حكى- أكل عنبا فأكثر منه فمات فجأة، [٢] فأمر به المأمون فدفن عند قبر الرشيد. وكتب إلى الحسن بن سهل بذلك وإلى وجوه بنى العبّاس والموالي ويعرّفهم أنّهم إنّما نقموا بيعته له من بعده ويسألهم الدخول فى طاعته. ورحل المأمون إلى بغداد، فلمّا صار إلى الرىّ أسقط من وظيفتها ألفى ألف درهم.

стр. 1746

غلبة السّوداء على الحسن بن سهل وفى هذه السنة غلبت السوداء على الحسن بن سهل حتّى شدّ فى الحديد وحبس. وكتب بذلك قوّاد الحسن إلى المأمون فأتاهم الجواب: أن يكون على عسكره دينار بن عبد الله ويعلمهم أنّه قادم على إثر كتابه. ضرب ابراهيم بن المهدى، عيسى بن محمد وفى هذه السنة ضرب إبراهيم بن المهدى، عيسى بن محمد بن أبى خالد وحبسه. ذكر السبب فى ذلك كان عيسى بن محمد يكاتب حميدا والحسن ويظهر لإبراهيم طاعة ونصيحة، وكلّما قال [١٦٤] له إبراهيم: تهيّأ لقتال حميد، تعلّل عليه بأرزاق الجند وأشباه ذلك، حتّى واقف الحسن وحميدا على أن يسلّم إبراهيم إليهم يوم الجمعة انسلاخ شوّال. وسعى بعيسى بعض أهله إلى إبراهيم وكان عيسى سأل إبراهيم أن يصلّى الجمعة بالمدينة فأجابه إلى ذلك، فلمّا تكلّم عيسى بما بلغه وسعى إليه حذر وبعث إلى عيسى يسأله أن يصير إليه ليناظره فى بعض أموره. فلمّا صار إليه عاتبه ساعة فأخذ عيسى ينكر بعض ما يقول. فلمّا واقفه على أشياء وعلامات أمر به فضرب وحبسه، وأخذ أمّ ولد له وصبيانا صغارا فحبسهم، وطلب خليفة له يقال له العبّاس فاختفى. فلمّا عرف أهل بيت عيسى وإخوته وأصحابه خبره مشى بعضهم إلى بعض وحرّضوا الناس على إبراهيم فاجتمعوا، وكان رأسهم العبّاس خليفته، فشدّوا على عامل إبراهيم على الجسر فطردوه وقطعوا الجسر وطردوا كلّ

стр. 1747

عامل لإبراهيم فى الكرخ وغيره فى الجانب الغربي. وكتب العبّاس إلى حميد يسأله أن يقدم عليهم حتّى يسلّموا إليه بغداد. فجاء حميد حتّى نزل نهر صرصر طريق الكوفة وخرج إليه قوّاد أهل بغداد، فوعدهم ومنّاهم فقبلوا ذلك منه، ووعدهم [١٦٥] أن يضع لهم العطاء فى الياسرية على أن يصلّوا يوم الجمعة فيدعوا للمأمون، ويخلعوا إبراهيم. فأجابوه إلى ذلك. فبلغ ذلك إبراهيم فأخرج عيسى من الحبس وسأله أن يكفيه أمر هذا الجانب وأخذ منه كفلاء، [١] فعبر إليهم عيسى واخوته مع قوّاد الجانب الشرقي وعرض عليهم العطاء، فشتموه وقالوا: - «لا نرضى إبراهيم.» احتيال من عيسى ثمّ تكاثر الناس على عيسى، فانصرف بأصحابه نحو باب خراسان، ثمّ رجع عيسى كأنّه يريد قتالهم واحتال حتّى صار فى أيديهم شبه الأسير، فأخذه بعض قوّاده فأتى به منزله، ورجع الباقون إلى إبراهيم فأخبروه، فاغتمّ وقلق، وقد كان المطّلب مستترا فظهر ليلحق بحميد فغمز به فأخذ وحمل إلى إبراهيم فحبسه. ثمّ عرف إبراهيم انخراق [٢] الأمر فأطلقه وأطلق سهل بن سلامة وكان عند الناس أنّه مقتول. فلمّا دخل حميد بغداد أخرجه إبراهيم. وكان يدعو فى مسجد الرصافة كما كان يدعو. فإذا كان الليل ردّه إلى حبسه. فلمّا كان بعد أيّام خلّى سبيله فذهب واستتر. وكثر العيث ببغداد وظهر الشطّار والعيّارون، واختفى الفضل بن الربيع،

стр. 1748

وأخذ القوّاد وبنو هاشم يلحقون بحميد واحدا واحدا، فسقط فى يد إبراهيم وشقّ [١] [١٦٦] عليه مداواة أمره. ذكر الخبر عن هرب إبراهيم بن المهدى واستتاره وأخذ إبراهيم يدارى أصحابه يوم الثلاثاء لاثنتي عشر ليلة بقيت من ذى الحجّة سنة ثلاث ومائتين. فلمّا جنّ به الليل هرب واستتر، وبعث المطّلب إلى حميد: - «إنّى قد أحدقت بدار إبراهيم.» وكتب إلى علىّ بن هشام بمثل ذلك. فأقبلوا إلى دار إبراهيم فطلبوه فيها فلم يجدوه. ولم يزل إبراهيم متواريا حتّى قدم المأمون، وكان من أمره ما كان. وكانت أيّام إبراهيم كلّها سنة وأحد عشر شهرا واثنى عشر يوما. وغلب علىّ بن هشام على شرقىّ بغداد وحميد بن عبد الحميد على غربيّها. ودخلت سنة أربع ومائتين قدوم المأمون العراق والرجوع إلى لبس السواد وفيها قدم المأمون العراق وانقطعت مادّة الفتن ببغداد. ذكر الخبر عن ذلك لمّا صار المأمون إلى النهروان أقام ثمانية أيّام، وخرج إليه أهل بيته

стр. 1749

وقوّاده ووجوه الناس، وكان كتب إلى طاهر وهو بالرقّة أن يوافيه إلى النهروان، فوافاه بها ثمّ. دخل مدينة السلام ولباسه ولباس أصحابه: أقبيتهم وقلانسهم وطرزهم [١] وأعلامهم كلّها، [١٦٧] الخضرة [٢] وطاهر معه، فلم يكن يدخل إليه أحد من القوّاد والناس كافّة إلّا فى ثياب خضر مدّة، ثمّ تكلّم فى ذلك بنو العبّاس خاصّة وخاطبوا طاهر بن الحسين وكاتبه أيضا قوّاد خراسان. وكان المأمون أمر طاهر أن يسأله حوائجه. فكان أوّل حاجة سأله أن يرجع إلى لبس السواد وزىّ دولة الآباء. فلمّا رأى المأمون طاعة الناس له فى لبس الخضرة مع كراهتهم لها جمع الناس. ثمّ دعا بسواد فلبسه، ودعا بخلعة سواد فألبسها طاهرا. ثمّ دعا لقوّاده بخلع السواد، وطرح الناس الخضرة. ودخلت سنة خمس ومائتين ولاية طاهر بن الحسين وفيها ولّى المأمون طاهر بن الحسين من مدينة السلام إلى أقصى عمل المشرق. ذكر السبب فى ذلك كان المأمون ولّاه الحربة والشّرط وجانبي بغداد ومعاون السواد. فاتفق أنّ محمد بن أبى العباس ناظر علىّ بن الهيثم بين يدي المأمون فى التشيّع ودار الكلام بينهما إلى أن قال محمد لعلىّ: - «يا نبطىّ، ما أنت والكلام؟»

стр. 1750

وكان المأمون متّكئا، فجلس وقال: [١٦٨]- «الشتم عىّ والبذاء لؤم. [١] وقد أبحنا الكلام، فمن قال الحقّ حمدناه ومن جهل وقفناه. فاجعلا بينكما أصلا ترجعان إليه.» فعادا إلى المناظرة وعاد محمد لعلىّ بالسفه. فقال علىّ: - «لولا جلالة مجلسه وما وهب الله من رأفته وما نهى عنه آنفا، لعرّقت جبينك. وكفاك من جهلك غسلك المنبر بالمدينة.» فجلس المأمون وكان متّكئا فقال: - «وما غسلك المنبر، ألتقصير منّى فى أمرك أم لتقصير المنصور فى أمر أبيك؟ لولا أنّ الخليفة إذا وهب استحى أن يرجع فيه لكان أقرب شيء بيني وبينك إلى الأرض رأسك. قم، وإيّاك ما عدت.» فخرج محمد بن أبى العبّاس ومضى إلى طاهر وهو زوج أخته، فقال له: - «كان من قصّتى كيت وكيت.» وكان يحجب المأمون على الشراب فتح الخادم وحسين يسقيه. فركب طاهر إلى الدار ودخل فتح يستأذن له، فقال المأمون: - «إنّه ليس من أوقاته ولكن ائذن له.» فدخل طاهر فسلّم، فردّ ﵇ وقال: - «اسقوه رطلا.» فأخذه فى يده اليمنى وقال له: - «اجلس.» فجلس وشربه، ثمّ شرب المأمون وقال: - «اسقوه الثاني.»

стр. 1751

ففعل كفعله الأوّل، ثمّ نهض. فقال [١٦٩] له المأمون: - «اجلس.» فقال: «يا أمير المؤمنين ليس لصاحب الشرط أن يجلس بين يدي سيّده.» قال المأمون: - «ذاك فى مجلس العامة، فأمّا فى مجلس الخاصّة فطلق.» قال: وبكى المأمون وتغرغرت عيناه، فقال له طاهر: - «يا أمير المؤمنين لا تبك عيناك. فو الله لقد دانت لك البلاد وأذعن لك العباد وصرت إلى المحبّة فى كلّ أمرك.» فقال: «أبكى لأمر ذكره ذلّ وستره حزن، ولن يخلو أحد من شجن. فتكلّم بحاجتك التي جئت لها.» قال: «يا أمير المؤمنين، محمد بن أبى العبّاس أخطأ، فأقله عثرته وارض عنه.» قال: «قد رضيت عنه وأمرت بصلته، ورددت عليه منزلته. ولولا أنّه ليس من أهل الأنس لأحضرته.» قال: وانصرف طاهر ثمّ دعا طاهر بهارون بن جبعويه [١] فقال: - «إنّ أهل خراسان يتعصّب بعضهم لبعض وإنّ لى إليك حاجة. خذ معك ثلاثمائة ألف درهم فأعط الحسين الخادم مائتي ألف درهم وأعط كاتبه محمد بن هارون مائة ألف، وسله أن يسأل المأمون: لم بكى؟» قال: ففعل ذلك. فلمّا تغدّى المأمون قال: - «يا حسين اسقني.»

стр. 1752

قال: «لا والله لا سقيتك، أو تقول لى لم بكيت حين دخل عليك طاهر.» قال: «يا حسين وكيف عنيت بهذا حتّى سألتنى عنه؟» قال: «لغمّى [١٧٠] بذلك.» قال: «يا حسين، أمر إن خرج من رأسك قتلتك.» قال: «يا سيّدى ومتى أخرجت لك سرّا؟» قال: «إنّى ذكرت محمدا أخى وما ناله من الذّلة، فخنقتني العبرة، فاسترحت إلى الإفاضة، ولن يفوت طاهرا منّى ما يكره.» فأخبر حسين طاهرا بذلك. فركب طاهر إلى أحمد بن أبى خالد فقال له: - «إنّ الثناء منّى ليس برخيص، وإنّ المعروف عندي ليس بضائع، فغيّبنى عن عينه.» فقال له: - «سأفعل، فبكّر علىّ غدا.» وركب ابن أبى خالد إلى المأمون، فلمّا دخل إليه قال له: - «ما بتّ البارحة.» فقال له: - «ولم ويحك؟» قال: «لأنّك ولّيت خراسان غسّان [١] وهو ومن معه أكلة رأس، وأخاف أن تخرج عليه خارجة من الترك فتصطلمه.» قال: «لقد فكّرت فى ذلك، فمن ترى؟» قال: «طاهر بن الحسين.» قال: «ويلك يا أحمد، هو والله خالع.»

стр. 1753

قال: «أنا الضامن له.» قال: «فأنفذه.» قال: فدعا طاهرا من ساعته فعقد له وشخص من ساعته. فنزل فى بستان جليل [١] يحمل إليه فى كلّ يوم ما أقام فيه مائة ألف. فأقام شهرا ثمّ شخص إلى خراسان. وكان طاهر استخلف ابنه بالرقّة على قتال نصر بن شبث. [٢] ذكر نادرة لكاتب صارت سببا لصلاح حاله وحال الكتّاب ببغداد [٣] [١٧١] تحدّث محمد بن خالد بن رودى [٤] المدائني الكاتب قال: كان مخلد يلقّب بلبد لطول عمره فحدّثنى أنّ المأمون أوّل ما قدم العراق حظر أن يقلّد الأعمال إلّا الشيعة الذين قدموا معه من خراسان. فطالت عطلة كتّاب السواد وعمّاله وكانوا يحضرون داره فى كلّ يوم حتّى ساءت حال أكثرهم. فخرج يوما بعض مشايخ الشيعة وكان مغفّلا، فتأمّل وجوههم فلم ير فيهم أسنّ من مخلد، فجلس إليه ثمّ قال له: - «إنّ أمير المؤمنين قد أمرنى أن أتخيّر ناحية من نواحي الخراج صالحة المرفق ليوقّع بتقليدى إيّاه، فاختر لى أنت ناحية.»

стр. 1754

فقال: «إنّى لا أعرف لك عملا أولى من مرتدات [١] البحر وصدقات الوحش وخراج وبار.» فقال: «اكتبه لى بخطّك.» فكتب ذلك له بخطّه، فذهب الشيعي حتّى عرض الرقعة على المأمون وسأله تقليده ذلك العمل. فقال له: - «من كتب لك هذه الرقعة؟» قال: «شيخ من الكتّاب يحضر الدار كلّ يوم.» قال: «هلمّه.» فلمّا أدخل، قال له المأمون: - «ما هذا يا جاهل، قد بلغ بك الفراغ إلى مثل هذا؟» فقال: «يا أمير المؤمنين أصحابنا هؤلاء ثقات يصلحون لحفظ ما تحصّل استخراجه وصار فى أيديهم. [١٧٢] فأمّا شروط الخراج، حكمه، وما يجب تعجيل استخراجه، وما يجب تأخيره، وما يجب إطلاقه، وما يجب منعه، وما يجب إنفاقه، وما يجب الاحتساب، به فلا يعرفونه، وتقليدهم يعود بذهاب الارتفاع، فإن كنت يا أمير المؤمنين لا تثق بنا فمر بأن يضمّ إلى كلّ رجل منهم رجل منّا، فيكون الشيعي يحفظ الأموال ونحن نجمعه.» فاستصاب المأمون كلامه، وأمر بتقليد عمّال السواد وكتّابهم، وأن يضمّ إلى كلّ واحد منهم واحد من الشيعة. وضمّ مخلد إلى ذلك الشيخ، فقلّده ناحية جليلة. وفيها ولّى المأمون عيسى بن محمد بن أبى خالد أرمينية وأذربيجان

стр. 1755

لمحاربة بابك. ودخلت سنة ست ومائتين وفيها ولّى المأمون عبد الله بن طاهر الجزيرة إلى مصر ذكر السبب فى ذلك كان يحيى بن معاذ بالجزيرة فمات فى هذه السنة، فدعا المأمون عبد الله بن طاهر فقال: - «يا عبد الله، إنّى أستخير الله منذ شهر وأرجو أن يخير الله لى. إنّ الرجل يصف [١٧٣] ابنه ليطريه لرأيه فيه، وليرفعه، وقد رأيتك فوق ما وصفك أبوك. وقد مات يحيى بن معاذ واستخلف ابنه وليس بشيء. وقد رأيت توليتك مصر ومحاربة نصر بن شبث [١] .» فقال: «السمع والطاعة لأمير المؤمنين، وأرجو أن يجعل الله لأمير المؤمنين الخير وللمسلمين.» فعقد له وأمر أن يقطع حبال القصّارين عن طريقه، وتنحّى عن الطرقات المظالّ لئلّا يكون فى طريقه ما يردّ لواءه، ثمّ عقد له لواء مكتوب عليه بصفرة ما يكتب على الألوية. وزاد فيه: «المأمون يا منصور.» فركب إليه الناس وركب إليه الفضل بن الربيع فأكرمه عبد الله وقال له: - «قد تقدّم أبى وأخوك إلىّ ألّا أقطع أمرا دونك. وأحتاج أن أستطلع رأيك واستضئ بمشورتك.» فأقام عنده إلى الليل وسأله المبيت فأبى واعتذر. فمشى معه عبد الله إلى صحن داره وودّعه.
следующие страницы →