← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

ففعل كفعله الأوّل، ثمّ نهض. فقال [١٦٩] له المأمون: - «اجلس.» فقال: «يا أمير المؤمنين ليس لصاحب الشرط أن يجلس بين يدي سيّده.» قال المأمون: - «ذاك فى مجلس العامة، فأمّا فى مجلس الخاصّة فطلق.» قال: وبكى المأمون وتغرغرت عيناه، فقال له طاهر: - «يا أمير المؤمنين لا تبك عيناك. فو الله لقد دانت لك البلاد وأذعن لك العباد وصرت إلى المحبّة فى كلّ أمرك.» فقال: «أبكى لأمر ذكره ذلّ وستره حزن، ولن يخلو أحد من شجن. فتكلّم بحاجتك التي جئت لها.» قال: «يا أمير المؤمنين، محمد بن أبى العبّاس أخطأ، فأقله عثرته وارض عنه.» قال: «قد رضيت عنه وأمرت بصلته، ورددت عليه منزلته. ولولا أنّه ليس من أهل الأنس لأحضرته.» قال: وانصرف طاهر ثمّ دعا طاهر بهارون بن جبعويه [١] فقال: - «إنّ أهل خراسان يتعصّب بعضهم لبعض وإنّ لى إليك حاجة. خذ معك ثلاثمائة ألف درهم فأعط الحسين الخادم مائتي ألف درهم وأعط كاتبه محمد بن هارون مائة ألف، وسله أن يسأل المأمون: لم بكى؟» قال: ففعل ذلك. فلمّا تغدّى المأمون قال: - «يا حسين اسقني.»

стр. 1752

قال: «لا والله لا سقيتك، أو تقول لى لم بكيت حين دخل عليك طاهر.» قال: «يا حسين وكيف عنيت بهذا حتّى سألتنى عنه؟» قال: «لغمّى [١٧٠] بذلك.» قال: «يا حسين، أمر إن خرج من رأسك قتلتك.» قال: «يا سيّدى ومتى أخرجت لك سرّا؟» قال: «إنّى ذكرت محمدا أخى وما ناله من الذّلة، فخنقتني العبرة، فاسترحت إلى الإفاضة، ولن يفوت طاهرا منّى ما يكره.» فأخبر حسين طاهرا بذلك. فركب طاهر إلى أحمد بن أبى خالد فقال له: - «إنّ الثناء منّى ليس برخيص، وإنّ المعروف عندي ليس بضائع، فغيّبنى عن عينه.» فقال له: - «سأفعل، فبكّر علىّ غدا.» وركب ابن أبى خالد إلى المأمون، فلمّا دخل إليه قال له: - «ما بتّ البارحة.» فقال له: - «ولم ويحك؟» قال: «لأنّك ولّيت خراسان غسّان [١] وهو ومن معه أكلة رأس، وأخاف أن تخرج عليه خارجة من الترك فتصطلمه.» قال: «لقد فكّرت فى ذلك، فمن ترى؟» قال: «طاهر بن الحسين.» قال: «ويلك يا أحمد، هو والله خالع.»

стр. 1753

قال: «أنا الضامن له.» قال: «فأنفذه.» قال: فدعا طاهرا من ساعته فعقد له وشخص من ساعته. فنزل فى بستان جليل [١] يحمل إليه فى كلّ يوم ما أقام فيه مائة ألف. فأقام شهرا ثمّ شخص إلى خراسان. وكان طاهر استخلف ابنه بالرقّة على قتال نصر بن شبث. [٢] ذكر نادرة لكاتب صارت سببا لصلاح حاله وحال الكتّاب ببغداد [٣] [١٧١] تحدّث محمد بن خالد بن رودى [٤] المدائني الكاتب قال: كان مخلد يلقّب بلبد لطول عمره فحدّثنى أنّ المأمون أوّل ما قدم العراق حظر أن يقلّد الأعمال إلّا الشيعة الذين قدموا معه من خراسان. فطالت عطلة كتّاب السواد وعمّاله وكانوا يحضرون داره فى كلّ يوم حتّى ساءت حال أكثرهم. فخرج يوما بعض مشايخ الشيعة وكان مغفّلا، فتأمّل وجوههم فلم ير فيهم أسنّ من مخلد، فجلس إليه ثمّ قال له: - «إنّ أمير المؤمنين قد أمرنى أن أتخيّر ناحية من نواحي الخراج صالحة المرفق ليوقّع بتقليدى إيّاه، فاختر لى أنت ناحية.»

стр. 1754

فقال: «إنّى لا أعرف لك عملا أولى من مرتدات [١] البحر وصدقات الوحش وخراج وبار.» فقال: «اكتبه لى بخطّك.» فكتب ذلك له بخطّه، فذهب الشيعي حتّى عرض الرقعة على المأمون وسأله تقليده ذلك العمل. فقال له: - «من كتب لك هذه الرقعة؟» قال: «شيخ من الكتّاب يحضر الدار كلّ يوم.» قال: «هلمّه.» فلمّا أدخل، قال له المأمون: - «ما هذا يا جاهل، قد بلغ بك الفراغ إلى مثل هذا؟» فقال: «يا أمير المؤمنين أصحابنا هؤلاء ثقات يصلحون لحفظ ما تحصّل استخراجه وصار فى أيديهم. [١٧٢] فأمّا شروط الخراج، حكمه، وما يجب تعجيل استخراجه، وما يجب تأخيره، وما يجب إطلاقه، وما يجب منعه، وما يجب إنفاقه، وما يجب الاحتساب، به فلا يعرفونه، وتقليدهم يعود بذهاب الارتفاع، فإن كنت يا أمير المؤمنين لا تثق بنا فمر بأن يضمّ إلى كلّ رجل منهم رجل منّا، فيكون الشيعي يحفظ الأموال ونحن نجمعه.» فاستصاب المأمون كلامه، وأمر بتقليد عمّال السواد وكتّابهم، وأن يضمّ إلى كلّ واحد منهم واحد من الشيعة. وضمّ مخلد إلى ذلك الشيخ، فقلّده ناحية جليلة. وفيها ولّى المأمون عيسى بن محمد بن أبى خالد أرمينية وأذربيجان

стр. 1755

لمحاربة بابك. ودخلت سنة ست ومائتين وفيها ولّى المأمون عبد الله بن طاهر الجزيرة إلى مصر ذكر السبب فى ذلك كان يحيى بن معاذ بالجزيرة فمات فى هذه السنة، فدعا المأمون عبد الله بن طاهر فقال: - «يا عبد الله، إنّى أستخير الله منذ شهر وأرجو أن يخير الله لى. إنّ الرجل يصف [١٧٣] ابنه ليطريه لرأيه فيه، وليرفعه، وقد رأيتك فوق ما وصفك أبوك. وقد مات يحيى بن معاذ واستخلف ابنه وليس بشيء. وقد رأيت توليتك مصر ومحاربة نصر بن شبث [١] .» فقال: «السمع والطاعة لأمير المؤمنين، وأرجو أن يجعل الله لأمير المؤمنين الخير وللمسلمين.» فعقد له وأمر أن يقطع حبال القصّارين عن طريقه، وتنحّى عن الطرقات المظالّ لئلّا يكون فى طريقه ما يردّ لواءه، ثمّ عقد له لواء مكتوب عليه بصفرة ما يكتب على الألوية. وزاد فيه: «المأمون يا منصور.» فركب إليه الناس وركب إليه الفضل بن الربيع فأكرمه عبد الله وقال له: - «قد تقدّم أبى وأخوك إلىّ ألّا أقطع أمرا دونك. وأحتاج أن أستطلع رأيك واستضئ بمشورتك.» فأقام عنده إلى الليل وسأله المبيت فأبى واعتذر. فمشى معه عبد الله إلى صحن داره وودّعه.

стр. 1756

وفى هذه السنة ولّى عبد الله بن طاهر إسحاق بن إبراهيم أمر الجسر وجعله خليفته على ما كان أبوه طاهر استخلفه فيه من الشرط وأعمال بغداد وشخص هو إلى الرقّة لحرب نصر بن شبث. ودخلت سنة سبع ومائتين وفاة ذى اليمينين وفيها كانت وفاة ذى اليمينين طاهر من حمّى وحرارة أصابته. وذكر أنّه وجد فى فراشه [١٧٤] ميتا. فحكى خواصّه وعمّه علىّ بن مصعب أنّهم صاروا إليه يعودونه، فسألوا الخادم عن خبره وكان يغلّس بصلاة الصبح، فقال الخادم: - «هو نائم لم ينتبه.» فانتظروه ساعة، فلمّا تأخّر قالوا للخادم: - «أيقظه.» قال: - «لا أجسر.» فقالوا له: - «طرّق لنا لندخل إليه.» فدخلوا فوجدوه ملتفّا فى دوّاج قد أدخله تحته وشدّه عليه من عند رأسه ورجليه، فحرّكوه فلم يتحرّك، فكشفوا عن وجهه فوجدوه قد مات، ولم يعلم أحد الوقت الذي توفّى فيه. وذكر أبو سعده [١] كلثوم بن ثابت قال: كنت على بريد خراسان ومجلسي

стр. 1757

يوم الجمعة فى أصل المنبر، فلمّا كانت سنة سبع ومائتين بعد ولاية طاهر بن الحسين بسنتين حضرت الجمعة، فصعد طاهر المنبر فخطب، فلمّا بلغ إلى ذكر الخليفة أمسك عن الدعاء له وقال: - «اللهم أصلح أمّة محمد بما أصلحت به أولياءك واكفها مؤونة من بغى لها السوء وأرادها بمكروه بلمّ الشعث وحقن الدماء وإصلاح ذات البين.» قال: فقلت فى نفسي: أنا أوّل مقتول لأنّى لا أكتم الخبر. فانصرفت واغتسلت ووصّيت وائتزرت بإزار ولبست قميصا وارتديت رداء وطرحت السواد [١٧٥] وكتبت إلى المأمون. قال: فلمّا صلّى العصر دعاني، وحدث حادث فى جفن عينه وفى ماقه [١] فسقط ميتا. فخرج طلحة بن طاهر فقال: - «ردّوه ردّوه» . وقد خرجت فردّونى وقال: - «هل كتبت بما كان؟» قلت: «نعم.» قال: «فاكتب بوفاته.» فأعطانى مالا وثيابا. فكتبت بوفاته وقد قام طلحة بالجيش. قال: فوردت الخريطة على المأمون بخلعه. فدعا ابن أبى خالد فقال: - «اشخص الآن فأت به كما زعمت وضمنت.» قال: «أبيت ليلتي؟» قال: «لا لعمري ولا تبيت إلّا على الظهر.» فلم يزل يناشده حتّى أذن له فى المبيت، ووافت الخريطة بموته ليلا،

стр. 1758

فأمر بمكاتبة طلحة وأقامه مقامه فبقى طلحة واليا على خراسان فى أيّام المأمون سبع سنين بعد موت طاهر ثمّ توفّى وولّى عبد الله خراسان. وذكر بعض خواصّ المأمون قال: شهدت مجلسا للمأمون وقد أتاه نعى طاهر فقال: - «لليدين وللفم. الحمد لله الذي قدّمه وأخّرنا.» ثمّ وجّه المأمون أحمد بن أبى خالد إلى خراسان للقيام بأمر طلحة، فشخص أحمد إلى ما وراء النهر فافتتح أسروشنة، وأسر كاووس وابنه وبعث بهما إلى المأمون، ووهب طلحة لأحمد ثلاثة آلاف ألف درهم وعروضا بألفي درهم [١٧٦] ووهب لإبراهيم بن العبّاس كاتب أحمد خمسمائة ألف درهم. ودخلت سنة ثمان ومائتين ولم يحدث فيها حدث ينسخ فى هذا الكتاب. ودخلت سنة تسع ومائتين وفيها حصر عبد الله بن طاهر نصر بن شبث وضيّق عليه حتّى طلب الأمان [١] . ويقال: إنّ ثمامة حكى أنّ المأمون سأله أن يحمل إليه رجلا له عقل وبيان يحمّله رسالة إلى نصر بن شبث. قال: فحملت إليه رجلا من بنى عامر يقال له جعفر بن محمد فقال: أحضرنى المأمون بين يديه فكلّمنى بكلام

стр. 1759

كثير، ثمّ أمرنى أن أبلغه نصرا. قال: فأتيت نصرا وهو بسروج بموضع يقال له كفرغزون [١] فأبلغته رسالته فأذعن وشرط شروطا منها أن لا يطأ له بساطا. قال: فأتيت المأمون فأخبرته فقال: - «لا أجيبه إلى هذا أبدا ولو أفضيت إلى بيع ما علىّ حتّى يطأ بساطي وما باله ينفر منّى.» قال: قلت: - «لجرمه وما تقدّم منه.» قال: «أتراه أعظم جرما عندي من الفضل بن الربيع ومن عيسى بن أبى خالد أتدرى ما صنع [١٧٧] بى الفضل؟ أخذ قوّادى وأموالى وجنودي وسلاحي وجميع مالي ممّا أوصى به لى أبى فذهب به إلى محمد وتركني بمرو وحيدا وأسلمنى وأفسد علىّ أخى حتّى كان من أمره ما كان. أتدرى ما صنع بى عيسى بن أبى خالد؟ طرد خليفتي من مدينتي ومدينة آبائي وذهب بخراجى وفيئى وأخرب علىّ دياري وأقعد إبراهيم خليفة بإزائى ودعاه باسمى.» قال: قلت: - «يا أمير المؤمنين تأذن لى فى الكلام فأتكلّم؟» قال: «تكلّم.» قال: قلت: - «الفضل بن الربيع رضيعكم ومولاكم وحال سلفه حالهم يرجع إليه بضروب كلّها تردّك إليه وعيسى بن أبى خالد رجل من أهل دولتك وسابقته وسابقة من مضى من سلفه سابقتهم، وهذا رجل لم تكن له يد قطّ فتحتمل

стр. 1760

عليها ولا لمن مضى من سلفه، إنّما كانوا جند بنى أميّة.» قال: «إنّ ذلك لكما تقول، فكيف بالحنق والغيظ. لست أقلع عنه حتّى يطأ بساطي.» قال: «فأتيت نصرا فأخبرته بذلك. قال: فصاح بالخيل صيحة فجالت عليه ثمّ قال: - «ويلي عليه هو؟ لم يقو على أربعمائة ضفدع تحت جناحه- يعنى الزطّ- يقوى على حلبة العرب؟» فذكر أنّ عبد الله بن طاهر لمّا جادّه القتال بلغ منه حتّى طلب الأمان [١٧٨] فأعطاه وبعث به إلى المأمون. ودخلت سنة عشرة ومائتين وفيها أخذ إبراهيم بن المهدى ليلة الأحد لثلاث عشرة خلت من ربيع الآخر وهو متنقّب بين امرأتين فى زىّ امرأة أخذه حارس أسود ليلا فقال: - «من أنتنّ وأين تردن فى هذا الوقت؟» فأعطاه إبراهيم خاتم ياقوت كان فى إصبعه له قدر عظيم، وقال: - «خلّنا ولا عليك أن تعلم من نحن.» فلمّا نظر الحارس إلى الخاتم استراب وقال فى نفسه: هذا خاتم رجل له شأن فرفعن إلى صاحب المسلحة، فأمرهنّ أن يسفرن. فتمنّع إبراهيم فجبذه فبدت لحيته. فرفعه إلى صاحب الجسر، فرفعه فذهب به إلى باب المأمون فأعلم به فأمر بالاحتفاظ به فى الدار. فلمّا كان غداة الأحد أقعد فى دار المأمون لينظر إليه بنو هاشم والقوّاد والجند وصيّروا المقنعة التي كان متنقّبا بها فى عنقه والملحفة فى صدره ليراه الناس ويعلموا كيف أخذ، فلمّا كان يوم الخميس حوّل إلى منزل أحمد بن أبى خالد فحبس عنده.

стр. 1761

بناء المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل وفى هذه السنة بنى المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل فى شهر رمضان. وكان الحسن بالصّلح، فشخص المأمون إلى الصّلح، [١٧٩] وأمر بحمل إبراهيم بن المهدى خلفه. وكان العبّاس بن المأمون قد تقدّم أباه على الظهر ووافى المأمون وقت العشاء فأفطر هو والحسن والعبّاس ودينار بن عبد الله قائم على رجله حتّى فرغوا من الإفطار، فدعا المأمون بشراب فأتى بجام ذهب فصبّ فيه وشرب ومدّ يده بجام فيه شراب إلى الحسن، فتباطأ عنه الحسن فغمزه دينار بن عبد الله، فقال الحسن: - «يا أمير المؤمنين أشربه بإذنك.» فقال له: - «لولا أمرى لم أمدّ يدي إليك بها.» فأخذ الجام فشربه فلمّا كان فى الليلة دخل على بوران. فلمّا جلس المأمون معها نثرت عليها جدّتها ألف درّة كانت فى صينيّة ذهب وكان تحتها حصير ذهب معمول على السامان. فقال المأمون: - «قاتل الله أبا نواس كأنّه حاضر هذا المنظر فى قوله: «حصباء درّ على أرض من الذهب.» ثمّ أمر المأمون أن يجمع وسألها عن عدد الدرّ كم كان فقالت: - «ألف حبّة.» فأمر بعدّها فنقصت عشرا فقال: - «من أخذها فليردّها.»

стр. 1762

فقال حسين رخلة [١] : - «يا أمير المؤمنين إنّما نثر لنأخذه وإلّا فالعقد أولى به.» قال: «ردّها فإنّى أخلفها عليك.» فردّت. فجمعها [١٨٠] المأمون فى الآنية كما كانت، ووضع فى حجرها، وقال: - «هذه نحلتك وسلى حوائجك.» فأمسكت، فقالت جدّتها: - «كلّمى سيّدك وسليه حوائجك، فقد أمرك.» فسألته الرضا عن إبراهيم بن المهدى. فقال: - «قد فعلت.» وسألته الإذن لأمّ جعفر فى الحجّ، فأذن لها. وألبستها أمّ جعفر البدنة الأموية. وابتنى بها من ليلته وأوقد فى تلك الليلة شمعة عنبر فيها أربعون منّا فى تور ذهب فأنكر المأمون ذلك عليهم وقال: - «هذا سرف.» فلمّا كان من الغد دعا إبراهيم بن المهدى، فجاء يمشى من شاطئ دجلة. فلمّا دخل على المأمون قال: - «هيه يا إبراهيم.» فقال: «يا أمير المؤمنين، ولىّ الثأر محكّم فى القصاص والعفو أقرب للتقوى ومن تناوله الاغترار بما مدّ له من أسباب الشقاء أمكن عادية الدهر من نفسه، وقد جعلك الله فوق كلّ ذى ذنب كما جعل كلّ ذى ذنب. دونك فإن تعاقب فبحقّك وإن تعف فبفضلك.»

стр. 1763

قال: «بل أعفو يا إبراهيم.» فكبّر وسجد وقال إبراهيم يمدح المأمون: [١٨١] يا خير من حملت يمانية به ... بعد الرّسول لآيس ولطامع عسل الفوارع ما أطعت فإن تهج ... فالصّاب يمزج بالسّمام النّاقع ملئت قلوب النّاس منك مخافة ... وتبيت تكلؤهم بقلب خاشع بأبى وأمّى فدية وبنيهما ... من كلّ معضلة وذنب واقع ما ألين الكنف الّذى بوّأتنى ... وطنا وأمرع ريعه للرّائع [١] نفسي فداؤك إذ [٢] تضلّ معاذرى ... وألوذ منك بفضل حلم واسع أملا لفضلك والفواضل شيمة ... رفعت بناءك بالمحلّ اليافع فعفوت عمّن لم يكن عن مثله ... عفو ولم يشفع إليك بشافع إلّا العلوّ عن العقوبة بعد ما ... ظفرت يداك بمستكين خاضع فرحمت أطفالا كأفراخ القطا ... وعويل عانسة كقوس النّازع الله يعلم ما أقول فإنّها ... جهد الأليّة من حنيف راكع ما إن عصيتك والغواة تمدّنى ... أسبابها إلّا بنيّة طائع حتّى إذا علقت حبائل شقوتي ... بردى إلى حفر المهالك هائع لم أدر أنّ لجرم مثلي غافرا ... فوقفت أنظر أىّ حتف صارعى ردّ الحيوة علىّ بعد ذهابها ... ورع الإمام القادر المتواضع أحياك من ولّاك أطول مدّة ... ورمى عدوّك فى الوتين بقاطع إنّ الّذى قسم الخلافة حازها ... فى صلب آدم للإمام السّابع

стр. 1764

جمع القلوب عليك جامع أمرها ... وحوى رداؤك كلّ خير جامع [١٨٢] فقال المأمون حين أنشده إبراهيم هذه القصيدة: - «أقول ما قال يوسف لإخوته: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ الله لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ١٢: ٩٢ [١] .» فأمّا الحسن بن سهل فإنّه أضاف المأمون وجميع من معه وخلع على القوّاد على مراتبهم وحملهم ووصلهم، وكان مبلغ ما لزمه عليهم خمسين ألف ألف درهم سوى ما نثره. وكان كتب رقاعا فيها أسماء ضياعه ونثرها على القوّاد وبنى هاشم فمن وقعت فى يده رقعة منها فيها اسم ضيعة بعث [٢] فتسلّمها. افتتاح مصر وفى هذه السنة افتتح عبد الله بن طاهر مصر واستأمن إليه عبيد الله بن السرى بن الحكم. ذكر الخبر عن ذلك لمّا فرغ عبد الله بن طاهر من نصر بن شبث ذهب إلى مصر، فلمّا قرب منها وصار على مرحلة قدّم قائدا من قوّاده ليرتاد لمعسكره موضعا يعسكر فيه، وقد خندق ابن السرىّ على نفسه خندقا. فاتصل الخبر بابن السرىّ عن مسير القائد إلى ما قرب منها فخرج بمن استجاب له من أصحابه إلى القائد الذي كان يطلب موضع العسكر، فأبرد القائد [١٨٣] إلى عبد الله بريدا بخبره

стр. 1765

وخبر خروج ابن السرىّ إليه، فحمل عبد الله رجاله على البغال على كلّ بغل رجلين بآلاتهما وجنبوا الخيل وأسرعوا السير حتّى لحقوا القائد وابن السرى وأصحابه، فلم يكن من أصحاب عبد الله إلّا حملة واحدة حتّى انهزم ابن السرىّ وأصحابه وتساقطت عامّة أصحاب ابن السرىّ فى الخندق. فمن هلك منهم بسقوط بعضهم على بعض فى الخندق أكثر ممّن قتله الجند. وانهزم ابن السرى فدخل الفسطاط وأغلق على نفسه وأصحابه ومن فيها الباب وحاصره عبد الله بن طاهر، فلم يعاوده ابن السرىّ الحرب حتّى خرج إليه فى الأمان. فحكى ابن ذى القلمين قال: بعث ابن السرىّ إلى عبد الله بن طاهر لمّا ورد مصر، ومانعه من دخولها بألف وصيف ووصيفة، مع كلّ واحد منهم ألف دينار فى كيس حرير، وبعث بهم إليه ليلا. قال: فردّهم عليه عبد الله وكتب إليه: - «لو قبلت هديّتك نهارا لقبلتها ليلا- بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ ٢٧: ٣٦- ٣٧.» [١] قال: فحينئذ طلب الأمان وخرج إليه. خلع أهل قم السلطان وما كان من عاقبته وفى هذه السنة خلع أهل قم [٢] السلطان ومنعوا الخراج. [١٨٤] ذكر سبب ذلك كان المأمون وقت اجتيازه بالرىّ حطّ عن أهلها من الخراج على ما

стр. 1766

ذكرت، فطمع أهل قم فى مثل ذلك وكان خراجهم ألفى ألف درهم، فكانوا يستكثرونها. فرفعوا إلى المأمون يشكون ثقل الخراج ويسألونه الحطّ فلم يجبهم المأمون، فامتنعوا ولم يؤدّوا شيئا، فوجّه المأمون إليهم علىّ بن هشام ثمّ أمدّه بعجيف فحاربهم فظفر بهم وقتل يحيى بن عمران وهدم سور قم وجباها سبعة آلاف ألف، بعد ما كانوا يتظلّمون من ألفى ألف درهم. ودخلت سنة إحدى عشرة ومائتين المأمون يدسّ رجلا إلى عبد الله بن طاهر وفيها قال بعض إخوة المأمون للمأمون: - «يا أمير المؤمنين، إنّ عبد الله بن طاهر يميل إلى ولد أبى طالب وكذا كان أبوه قبله.» قال: فدفع المأمون ذلك وأنكره. ثمّ عاد لمثل هذا القول، فدسّ إليه رجلا وقال له: - «امض فى هيئة القرّاء [١] والنسّاك إلى مصر فادع جماعة من كبرائها إلى القاسم بن إبراهيم بن طباطبا واذكر مناقبه وعلمه وفضائله ثمّ صر بعد ذلك إلى بعض بطانة عبد الله بن طاهر ثمّ ائته فادعه ورغّبه فى استجابته [١٨٥] له، وابحث عن دفين نيّته بحثا شافيا، وأتنى بما تسمع منه.» قال: ففعل الرجل ما قال له وأمره به، حتّى إذا دعا جماعة من الرؤساء والأعلام قعد يوما بباب عبد الله بن طاهر وقد ركب إلى عبيد الله بن السرىّ بعد صلحه وأمانه. فلمّا انصرف قام إليه الرجل فأخرج من كمّه رقعة فدفعها إليه فأخذها بيده. قال: فما هو إلّا أن دخل خرج الحاجب، فأدخله عليه

стр. 1767

وهو قاعد على بساطه ما بينه وبين الأرض غيره وقد مدّد رجليه وخفّاه [١] فيهما. فقال له: - «قد فهمت ما فى رقعتك من جملة كلامك، فهات ما عندك.» قال: «ولى أمانك ذمّة من الله معك؟» قال: «لك ذلك.» فأظهر له ما أراد، ودعاه إلى القاسم وأخبره بفضائله وعلمه وزهده. فقال له عبد الله: - «أتنصفني؟» قال: «نعم.» قال: «هل يجب شكر الله على العباد؟» قال: «نعم.» قال: «فهل يجب شكر بعضهم على بعض عند الإحسان والمنّة والتفضل؟» قال: «نعم.» قال: «فتجيء إلىّ وأنا على هذه الحال التي ترى، لى خاتم فى المشرق جائز وخاتم فى المغرب كذلك، وفيما بينهما أمير مطاع وقولي مقبول. ثمّ ما ألتفت يميني ولا شمالي ولا ورائي ولا قدّامى إلّا رأيت نعمة لرجل أنعمها علىّ [١٨٦] ومنّة ختم بها رقبتي ويدا لائحة بيضاء ابتدأنى بها كرما وتفضّلا فتدعوني إلى الكفر بهذه النعمة وهذا الإحسان وتقول: اغدر بمن كان أوّلا لهذا وآخرا واسع فى إزالة خيط رقبته وسفك دمه، تراك لو دعوتني إلى الجنّة عيانا من حيث أعلم، أكان الله يحبّ أن أغدر به وأكفر

стр. 1768

إحسانه ومنّته وأنكث بيعته؟» فسكت الرجل. فقال له عبد الله: - «أما إنّه قد بلغني أمرك وبالله ما أخاف عليك إلّا نفسك، فارحل عن هذا البلد، فإنّ السلطان الأعظم إن بلغه أمرك كنت الجاني على نفسك ونفس غيرك.» فعاد الرجل إلى المأمون فأخبره الخبر. فاستبشر فقال: - «ذلك غرس يدي وإلف أدبى.» ولم يظهر من حديثه هذا شيء لأحد إلّا بعد موت المأمون. وكتب المأمون إلى عبد الله بن طاهر وهو بمصر كتابا بخطّه. فكان فى أسفله هذه الأبيات: أخى أنت ومولاي ... ومن أشكر نعماه فما أحببت من أمر ... فإنّى الدّهر أهواه وما تكره من شيء ... فإنّى لست أرضاه لك الله على ذاك ... لك الله لك الله المأمون واظهار القول بخلق القرآن وبفضل على بن أبى طالب (ع) وفى هذه السنة قدم عبد الله بن طاهر مدينة السلام من المغرب وتلقّاه العبّاس بن [١٨٧] المأمون وأبو إسحاق المعتصم وسائر طبقات الناس وقدم معه بالمتغلّبين على الشام. وفيها أمر المأمون مناديا فنادى: - «برئت الذمّة ممّن ذكر معاوية بخير.»

стр. 1769

وأظهر القول بخلق القرآن وبفضل علىّ بن أبى طالب [١] . ودخلت سنة ثلاث عشرة ومائتين وفيها مات طلحة بن طاهر بن الحسين بخراسان. وفيها ولّى المأمون أخاه أبا إسحاق الشام ومصر وولّى ابنه العبّاس بن المأمون الجزيرة وأمر لكلّ واحد منهما ومن عبد الله بن طاهر بخمسمائة ألف دينار. فقيل إنّه لم يفرّق فى ساعة من يوم من المال مثل ذلك. ودخلت سنة أربع عشرة ومائتين وفيها استفحل أمر بابك وقتل محمد بن حميد وفضّ عسكره وقتل أكثر من كان معه. وفيها بعث المأمون إلى عبد الله بن طاهر إسحاق بن إبراهيم ويحيى بن أكثم يخيّرانه بين خراسان والجبال وإرمينية وأذربيجان ومحاربة بابك. فاختار خراسان وشخص إليها [٢] . ودخلت سنة خمس عشرة ومائتين [١٨٨] وفيها شخص المأمون من مدينة السلام لغزو الروم فى المحرّم. فافتتح بها حصونا وعاد إلى دمشق. ودخلت سنة ستّ عشرة ومائتين فكرّ المأمون إلى أرض الروم، وكان سبب ذلك ورود الخبر على المأمون

стр. 1770

بقتل ملك الروم قوما من أهل طرسوس والمصّيصة وكانوا نحو ألفى رجل، فشخص المأمون حتّى دخل بلاد الروم. فما نزل على حصن إلّا خرج إليه أهله على صلح حتّى افتتح ثلاثين حصنا، ثمّ أغار على طوانة وسبى وقتل وأحرق. ثمّ ارتحل إلى دمشق. ودخلت سنة سبع عشرة ومائتين وعاد المأمون إلى أرض الروم. وكان سبب ذلك كتاب ورد عليه من ملك الروم يسأله الموادعة، وبدأ فيه بنفسه. فغزا المأمون هذه الغزوة بحنق، وأنزل ابنه بطوانه من أرض الروم، ووجّه معه الفعلة وابتدأ بها فى بناء عظيم وجعل سورها على ثلاثة فراسخ وجعل لها أربعة أبواب وبنى على كلّ باب حصنا، وكتب إلى أخيه أبى إسحاق أن يفرض على جند دمشق وما والاها أربعة آلاف رجل وأنّه يجرى [١٨٩] على الفارس مائة درهم وعلى الراجل أربعين درهما وفرض على مصر وغيرها من البلدان. وكتب إلى إسحاق بن إبراهيم وهو خليفته ببغداد، ففرض على أهل بغداد فرضا. المأمون يختبر الآراء فى التشبيه وخلق القرآن وفى هذه السنة كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم فى امتحان القضاة والمحدثين والفقهاء، فمن لم يقبل منهم بنفي التشبيه وبخلق القرآن يشخصهم إليه مقيّدين. وكتب فى ذلك كتابا بليغا فيه آيات منتزعة من القرآن وتهديد كثير مع رفق فى مواقع، وطعن على أصحاب الحديث الذين لا يتفقّهون ولا يعقلون، فأشخص إليه جماعة فيهم محمد بن سعد كاتب الواقدي ومستملى يزيد بن

стр. 1771

هارون ويحيى بن معين وزهير بن حرب وعدّه يجرون مجراهم، فامتحنهم وسألهم عن القرآن فأجابوا جميعا: - «إنّ القرآن مخلوق.» وامتحن إسحاق بن إبراهيم جماعة فيهم بشر بن الوليد وقال له: - «ما تقول فى القرآن؟» قال: «أقول إنّه كلام الله.» قال: «لم أسألك عن هذا، أمخلوق هو؟» قال: «الله خالق كلّ شيء.» قال: «فالقرآن شيء؟» [قال: نعم، هو شيء.] [١] قال: «فهو مخلوق.» قال: «ليس بخالق؟» قال: «فهو مخلوق.» قال: «ما أحسن [٢] غير هذا.» ثمّ كلّم جماعة من وجوه الفقهاء والقضاة [١٩٠] فقالوا قريبا من قول بشر. فكتب مقالات القوم رجل رجل إلى المأمون. فكتب المأمون فى الجواب يستجهل واحدا واحدا ويحاجّه ويشتم كلّ واحد بما يعرفه فيه ويأمر فى آخر الكتاب بأنّ: - «من لم يرجع عن شركه يسفك دمه. أمّا بشر بن الوليد فابعث إلىّ برأسه وكذلك إبراهيم بن الحسن، وأمّا الباقون فاحملهم فى قيود وأغلال

стр. 1772

لينفذ فيهم أمرى.» فأجاب القوم كلّهم: - «إنّ القرآن مخلوق.» إلّا نفسان: أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح، فشدّا فى الحديد ووجّها إلى طرسوس. ثمّ بلغ المأمون أنّ بشر بن الوليد والجماعة تأوّلوا قوله- : «إلّا من أكره وقلبه مطمئنّ بالإيمان» [١] فكتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم أن: - «قد فهم أمير المؤمنين ما كتب به صاحب الخبر أنّ بشر تأول الآية التي ذكرت وقد أخطأ التأويل، إنّما عنى الله بهذه الآية من كان معتقدا الإيمان مظهرا الشرك، فأمّا من كان معتقدا الشرك مظهرا الإيمان فليس هذه له.» [٢] فأشخص القوم جميعا إلى طرسوس وأخذ عليهم الكفلاء، فأشخص نحوا من عشرين مع بشر بن الوليد [١٩١] من وجوه الفقهاء والقضاة وأصحاب الحديث. فلمّا بلغوا الرقّة أتاهم وفاة المأمون فردّوا إلى مدينة السلام، فأمرهم إسحاق بلزوم منازلهم. كتاب المأمون إلى عمّاله فى البلدان وفى هذه السنة نفذت الكتب من المأمون إلى عمّاله فى البلدان: - «من عبد الله، عبد الله [٣] المأمون أمير المؤمنين وأخيه الخليفة من بعده

стр. 1773

أبى إسحاق ابن أمير المؤمنين إلى الرشيد.» وقيل: إنّ ذلك لم يكتبه المأمون وإنّما مرض بالبذندون وهو نهر بأرض الروم، فلمّا أفاق أمر بأن يكتب إلى العبّاس ابنه وعبد الله بن طاهر وإلى إسحاق أنّه إن حدث به حدث الموت فى مرضه فالخليفة من بعده أبو إسحاق ابن الرشيد. فكتب بذلك محمد بن يزداذ وختم الكتب وأنفذها. فكتب أبو إسحاق إلى عمّاله: - «من أبى إسحاق أخى أمير المؤمنين والخليفة بعد أمير المؤمنين، أمرهم بحسن السيرة وتخفيف المؤونة. وكتب إلى جمع من فى أعماله من أجناد الشام جند حمص والأردن وفلسطين بمثل ذلك. فلمّا كان يوم الجمعة لإحدى عشرة بقيت من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين صلّى إسحاق بن يحيى بن معاذ فى مسجد دمشق، فقال فى خطبته بعد دعائه [١٩٢] لأمير المؤمنين: - «اللهم وأصلح الأمير أخا أمير المؤمنين والخليفة من بعد أمير المؤمنين أبا إسحاق ابن الرشيد أمير المؤمنين.» وفى سنة ثماني عشرة ومائتين توفّى المأمون بالبذندون. وفات المأمون ذكر سبب وفاته حكى سعيد العلّاف القارئ قال: أرسل إلىّ المأمون وهو ببلاد الروم وكان دخلها من طرسوس، فحملت إليه وهو بالبذندون، وكان يستقرينى [١] فدعاني يوما فجئته فوجدته جالسا على شاطئ البذندون وأبو إسحاق المعتصم

стр. 1774

جالس عن يمينه. فأمرنى فجلست نجوة منه [١] فإذا هو وأبو إسحاق مدلّيان أرجلهما فى البذندون. فقال: - «يا سعيد دلّ رجلك فى الماء وذقه، هل رأيت قطّ ماء أشدّ بردا ولا أعذب وأصفى صفاء منه؟» ففعلت وقلت: - «يا أمير المؤمنين ما رأيت مثل هذا قطّ.» قال: «أىّ شيء يطيب أن يؤكل ويشرب هذا الماء عليه؟» فقلت: «أمير المؤمنين أعلم.» فقال: «رطب الآزاذ.» فبينا هو يقول هذا إذ سمع وقع لجم البريد، فالتفت فإذا بغال البريد على أعجازها حقائب فيها الألطاف، فقال لخادم له: - «اذهب فانظر [١٩٣] هل فى هذه الألطاف رطب، فإن كان فيها الرطب فانظر فإن كان آزاذا فأت به.» فجاء يسعى بسلّتين فيهما [٢] رطب آزاذ كأنّما جنى من النخل تلك الساعة، فأظهر شكر الله ، وكثر تعجبنا منه، فقال: - «ادن فكل.» فأكل هو وأبو إسحاق وأكلت معهما وشربنا جميعا من ذلك الماء، فما قام منّا أحد إلّا وهو محموم فكانت منيّة المأمون من تلك العلّة ولم يزل المعتصم عليلا حتّى دخل العراق ولم أزل عليلا حتّى كان قريبا. ولمّا اشتدّت بالمأمون علّته بعث إلى ابنه العبّاس وهو يظنّ أن لن يأتيه لشدّة مرضه، فأتاه وأقام عند أبيه وقد أوصى قبل ذلك إلى أخيه أبى إسحاق،

стр. 1775

ثمّ أعاد الوصيّة بحضرة العبّاس والقضاة والفقهاء والقوّاد. ولمّا توفّى حمله ابنه العبّاس وأخوه أبو إسحاق إلى طرسوس، فدفناه فى دار خاقان خادم الرشيد وصلّى عليه أخوه أبو إسحاق. فكانت خلافته عشرين سنة وستّة أشهر سوى سنتين، كان دعى له فيهما بمكّة وأخوه الأمين محمد ابن الرشيد محصور ببغداد. وكان ولد للنصف من شهر ربيع الأوّل سنة سبعين ومائة. وكان ربعة، أبيض، جميلا. وقيل: كان [١٩٤] أسمر تعلوه صفرة، أقنى، أعين، طويل اللحية رقيقها، أشيب بخدّه خال أسود. من سيرة المأمون فأمّا سيرته فمشهورة لا تخفى على أحد جوده وعطاؤه وسماحة أخلاقه وحلمه ولكنّا نحكى بعض ذلك: حكى عن العيشى صاحب إسحاق بن إبراهيم أنّه قال: كنت مع المأمون بدمشق، وكان قد قلّ المال عنده حتّى أضاق وشكا ذلك إلى أبى إسحاق المعتصم، فقال: - «يا أمير المؤمنين كأنّك بالمال قد وافاك بعد جمعة.» قال: وكان حمل إليه ثلاثون ألف ألف من خراج ما كان يتولّاه أبو إسحاق. قال: فلمّا ورد عليه ذلك المال قال المأمون ليحيى بن أكثم: - «اخرج بنا ننظر إلى هذا المال.» قال: فخرجا ووقفا ينظرانه وقد كان هيّئ بأحسن هيأة وحلّيت أباعره وألبست الأحلاس التي وشّيت والجلال المصبّغة وقلّدت العهن وعلّيت

стр. 1776

البدر [١] بالحرير الصيني الأحمر والأخضر والأصفر، وأبديت رؤوسها. قال: فنظر المأمون إلى شيء حسن واستكثره وعظم فى عينه واستشرفه الناس ينظرون إليه ويعجبون منه فقال المأمون ليحيى: - «يا أبا محمد، ينصرف أصحابنا هؤلاء الذين تراهم الساعة خائبين إلى منازلهم وننصرف [١٩٥] نحن بهذه الأموال قد ملكناها دونهم؟ إنّا إذا للئام.» ثمّ دعا محمد بن يزداذ. فقال: - «وقّع لآل فلان بألف ألف ولآل فلان بمثلها ولآل فلان بمثلثها خمسمائة ألف.» قال: «فو الله إن زال كذلك، حتّى فرّق أربعة وعشرين ألف ألف، ورجله فى الركاب.» ثم قال: - «ادفع الباقي إلى المعلّى بن أيّوب يعط جندنا.» قال العيشى: فجئت حتّى قمت نصب عينه وحدّقت نحوه فلم أردّ طرفي عن عينه لا يلحظنى إلّا رآني بتلك الحال فقال: - «يا محمد، وقّع لهذا بخمسين ألف من الستّة الآلاف الألف لا يختلس ناظري.» فلم يأت علىّ ليلتان حتّى أخذت المال. وللمأمون شعر كثير فمن مشهور شعره. [٢] بعثتك مرتادا ففزت بنظرة ... وأغفلتنى حتّى أسات بك الظّنّا

стр. 1777

فناجيت من أهوى وكنت مباعدا [١] ... فيا ليت شعري عن دنوّك ما أغنى أرى أثرا منه بعينك بيّنا ... لقد سرقت عيناك من عينه حسنا فيا ليتنى كنت الرّسول وكنتنى ... فكنت الّذى تقصى [٢] وكنت الّذى أدنى

стр. 1778

خلافة أبى إسحاق المعتصم وفى هذه السنة بويع لأبى إسحاق محمد بن هارون الرشيد بالخلافة لاثنتى عشرة ليلة [١٩٦] خلت أو بقيت من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين. [١] وفيها شغب الناس على المعتصم، وطلبوا العبّاس، ونادوه باسم الخلافة فأرسل أبو إسحاق المعتصم إلى العبّاس فأحضره وبايعه ثمّ خرج إلى الجند وقال: - «ما هذا الخبّ [٢] البارد؟ قد بايعت عمّى وسلّمت الخلافة إليكم.» فسكن الجند. وفيها أمر المعتصم بهدم ما كان المأمون أمر ببنائه بطوانة [٣] وحمل ما كان بها من السلاح والآلة وغير ذلك ممّا قدر على حمله، وإحراق ما لم يقدر على حمله، وأمر بصرف من كان المأمون أسكن ذلك الموضع من الناس إلى بلادهم.

стр. 1779

وفيها انصرف المعتصم إلى بغداد ومعه العبّاس بن المأمون، فقدمها يوم السبت مستهلّ شهر رمضان. توجيه المعتصم عساكر لقتال الخرّميّة وفيها دخل جماعة من أهل الجبال كثيرة من همذان وإصبهان وماسبذان ومهرجانفذق وغيرها فى دين الخرّمية. ثمّ تراسلوا وتجمّعوا فى أعمال همذان. فوجّه المعتصم إليهم عساكر، فكان آخر عسكر وجّهه مع إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وعقد له على الجبال. فشخص إليهم فقاتلوه وهزمهم وقتل هناك ستين ألفا منهم وهرب باقيهم إلى بلاد [١٩٧] الروم وكتب بالفتح إلى المعتصم. [١] ودخلت سنة تسع عشرة ومائتين ظهور محمد بن القاسم بالطالقان من خراسان وفيها ظهر محمد بن القاسم بن عمر بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب ﵈ بالطالقان من خراسان يدعو إلى الرضا من آل محمد ﷺ فاجتمع إليه بها ناس كثير، وكانت بينه وبين قوّاد لعبد الله بن طاهر وقعات بناحية الطالقان وجبالها كان آخرها عليه، فانهزم هو وأصحابه ومضى هاربا يريد بعض كور خراسان كان أهلها كاتبوه، فلمّا صار بنسإ كان بها والد لبعض من معه فمضى الرجل الذي كان له والد هناك ليسلّم على والده، فلمّا تلاقوا سأله عن الخبر. فأخبره أنّهم يقصدون كورة كذا. فمضى أبو ذلك الرجل إلى عامل نسا فأخبره بأمر محمد بن القاسم. فبذل له العامل على

стр. 1780

دلالته عليه مالا وجاء العامل إلى محمد بن القاسم، فأخذه واستوثق منه وبعث به إلى عبد الله بن طاهر، فبعث به عبد الله إلى المعتصم فحبس بسرّ من رأى ووكّل به قوم يحفظونه. فلمّا كان ليلة الفطر واشتغل الناس بالعيد [١] والتهنئة له هرب من الحبس وافتقد، فجعل لمن يدلّ عليه مائة ألف درهم، ونادى المنادى، فما عرف له خبر إلى اليوم. [١٩٨] توجيه عجيف لحرب الزّطّ وفيها وجّه المعتصم عجيف بن عنبسة لحرب الزط الذين كانوا عاثوا فى طريق البصرة، وكانوا تغلّبوا على تلك الناحية. فقطعوا الطرق واحتملوا غلّات البيادر بكسكر وما يليها من البصرة وأكثروا الفساد. فرتّب المعتصم الخيل فى سكك البصرة وبغداد من البرد تركض إليه بالأخبار فكان الخبر يخرج من عند عجيف فيصير إلى المعتصم من يومه، وولّى النفقة على عجيف من قبل إبراهيم البختري كاتبا. فصار عجيف فى خمسة آلاف رجل إلى الصافية وهي قرية أسفل واسط فسدّ نهرا بها يحمل من دجلة ثمّ صار إلى بردودا فسدّ أنهارا أخر وحصرهم من كلّ وجه، ثمّ قصدهم فأسر منهم جماعة وقتل جماعة. فضرب أعناق الأسرى وبعث برؤوسهم ورؤوس القتلى إلى المعتصم. ثم أقام عجيف بإزاء الزطّ خمسة عشر يوما وظفر بخلق كثير منهم فأنفذهم ثمّ جاهده الباقون فمكث يقاتلهم بعد ذلك تسعة أشهر.

стр. 1781

ودخلت سنة عشرين ومائتين [١٩٩] وفيها دخل عجيف بالزطّ بغداد بعد أن قهرهم حتّى طلبوا منه الأمان، فآمنهم على دماءهم وأموالهم، فكانت عدّتهم سبعة وعشرين ألفا بين رجل وامرأة وصبىّ فجعلهم فى السفن وأقبل بهم حتّى نزل الزعفرانية وأعطى أصحابه دينارين دينارين جائزة، ثمّ عبّأهم فى زواريقهم على هيأتهم فى الحرب معهم البوقات حتّى دخل بغداد بهم والمعتصم ببغداد فى سفينة يقال لها: الزوّ، حتّى مرّ به الزطّ على تعبئتهم ينفخون فى البوقات. فكان أوّلهم بالقفص [١] وآخرهم بحذاء الشماسية، وأقيموا فى سفنهم ثلاثة أيّام. ثمّ دفعوا إلى بشر بن السميدع فذهب بهم إلى خانقين، ثمّ نقلوا إلى الثغر إلى عين زربة، فأغارت عليهم الروم فاجتاحوهم فلم يفلت منهم أحد. عقد المعتصم للأفشين حرب بابك وفى هذه السنة عقد المعتصم للأفشين حيدر بن كاوس على الجبال وحرب بابك. وذلك يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى الآخرة. فعسكر بمصلّى بغداد، ثمّ صار إلى برزند [٢] ذكر بابك ومخرجه كان ظهور بابك فى سنة إحدى ومائتين وكان من قرية يقال لها: البذّ [٣] ،

стр. 1782

وهزم [٢٠٠] جيوش السلطان وقتل من قوّاده جماعة. فلمّا أفضى الأمر إلى المعتصم وجّه المعتصم أبا سعيد محمد بن يوسف إلى أردبيل وأمره أن يبنى الحصون التي خرّبها بابك فيما بين زنجان وأردبيل، ويقيم مسالح لحفظ الطريق لمن يجلب الميرة إلى أردبيل. فتوجّه أبو سعيد لذلك وبنى الحصون التي خرّبها بابك. ثمّ وجّه بابك سريّة إلى بعض غاراته وعليها أمير من قبله يقال له: معاوية، فعرض له أبو سعيد فاستنقذ ما كان حواه وقتل من أصحابه جماعة وأسر جماعة، فهذه أوّل هزيمة كانت على أصحاب بابك. ووجّه أبو سعيد الرؤوس والأسرى إلى المعتصم بالله، ولمّا صار الأفشين إلى برزند عسكر بها ورمّ الحصون فيما بين برزند وأردبيل وأنزل محمد بن يوسف بموضع يقال له خشّ، فاحتفر فيه خندقا وأنزل الهيثم الغنوي القائد فى ربستاق يقال له: أرشق، فرمّ حصنه واحتفر حوله خندقا وأنزل علّويه الأعور من قوّاد الأبناء فى حصن ممّا يلي أردبيل يسمّى: حصن النهر، فكانت السابلة والقوافل تخرج فتسلّمها بذرقة [١] من واحد من هؤلاء إلى آخر [٢٠١] حتّى يتأدّوا [٢] إلى مأمنهم وكان كلّما ظفر واحد من هؤلاء القوّاد بجاسوس وجّهوا به إلى الأفشين. فكان الأفشين لا يقتلهم ولا يضربهم ولكن يهب لهم، ويصلهم ويسألهم ما كان بابك يعطيهم فيضعفه لهم ويقول للجاسوس: - «كن جاسوسا لنا.»

стр. 1783

بابك وأفشين وما كان من أمرهما بأرشق وفيها كانت الوقعة بين بابك والأفشين بأرشق، قتل فيها من أصحاب بابك خلق كثير وهرب بابك إلى موقان ثمّ شخص منها إلى مدينته التي تدعى البذّ. ذكر السبب فى ذلك كان المعتصم وجّه مع بغا الكبير بمال إلى الأفشين عطاء لجنده وللنفقات، فقدم بغا بذلك المال أردبيل، فلمّا نزلها بلغ بابك خبره فتهيّأ ليقطع عليه قبل وصوله إلى الأفشين. فقدم جاسوس على الأفشين فأخبره أنّ بغا الكبير قد قدم بمال وأنّ بابك وأصحابه قد تهيّئوا ليقطعوه قبل وصوله إليك. وكان هذا الجاسوس ورد على أبى سعيد أوّلا فوجّه به أبو سعيد إلى الأفشين وهيّأ بابك كمينا فى مواضع للمال فكتب الأفشين إلى أبى سعيد يأمره أن يحتال لمعرفة صحّة خبر بابك. فمضى أبو سعيد [٢٠٢] متنكرا مع جماعة حتّى نظروا إلى النيران فى المواضع التي وصفها الجاسوس. فكتب الأفشين إلى بغا أن يقيم بأردبيل حتّى يأتيه رأيه، وكتب أبو سعيد إلى الأفشين بصحّة خبر الجاسوس. فكتب الأفشين إلى بغا يظهر أنّه يريد الرحيل ويشدّ المال على الإبل ويقطّرها ويسير متوجّها من أردبيل كأنّه يريد برزند [١] ، فإذا صار إلى مسلحة النهر أو سار شبيها بفرسخين احتبس القطار حتّى يجوز من صحب المال من قافلة وغيرها إلى برزند، فإذا جاوزت القافلة رجع بالمال إلى أردبيل.

стр. 1784

ففعل ذلك بغا وسارت القافلة حتّى نزلت النهر وانصرف جواسيس بابك إليه يعلمونه أنّ المال قد حمل وعاينوه محمولا. ورجع بغا بالمال إلى أردبيل وركب الأفشين فى اليوم الذي وعد فيه بغا من برزند، فوافى خشّ مع غروب الشمس، فنزل معسكرا خارج خندق أبى سعيد. فلمّا أصبح ركب فى سرّ لم يضرب طبلا ولا نشر علما، وأمر أن تلفّ الأعلام وأمر الناس بالسكوت [١] . وجدّ فى السير ورحلت القافلة التي كانت توجّهت فى ذلك اليوم من النهر إلى ناحية الهيثم الغنوي. ورحل الأفشين من خشّ [٢] [٢٠٣] يريد ناحية الهيثم ليصادفه فى الطريق، ولم يعلم الهيثم فرحل بمن كان معه من القافلة يريد بها النهر وتعبّأ بابك فى خيله ورجاله وعساكره، وصار على طريق النهر وهو يظنّ أنّ المال موافيه، وخرج صاحب النهر يبذرق من عنده وهو علّوية الذي قلنا إنّه كان هناك، فأخذ يسير نحو الهيثم على رسمه. فخرجت عليه خيل بابك وهم لا يشكّون أنّ المال معه فقاتلهم صاحب النهر علّوية وأصحابه فقتلوه وقتلوا من كان معه من الجند والسابلة وأخذوا جميع ما كان معهم من المتاع وعلموا أنّ المال قد فاتهم، فأخذوا علمه ولباس أهل النهر ودراريعهم وخفاتينهم ولبسوها وتنكّروا ليأخذوا أيضا الهيثم ومن معه ولا يعلمون بخروج الأفشين، وجاءوا كأنّهم أصحاب النهر. فلمّا جاءوا ولم يعرفوا الموضع الذي كان يقف فيه علم صاحب النهر وقفوا فى غير موضعه، وجاء الهيثم فوقف فى موقفه فأنكر ما رأى فوجّه ابن عمّ له وقال: - «اذهب إلى هذا البغيض، فقل له: أىّ شيء وقوفك؟»

стр. 1785

فجاء ابن عمّ هيثم. فلمّا رأى القوم ودنا منهم أنكرهم، فرجع إلى الهيثم. فقال له: - «إنّ هؤلاء القوم لست أعرفهم.» [٢٠٤] فقال له الهيثم: - «أخزاك الله ما أجبنك.» ووجّه خمسة من الفرسان، فلمّا قربوا من القوم خرج من الخرّمية رجلان فتلقّوهم فأنكروهما وأعلموهما أنّهم قد عرفوهما، ورجعوا إلى الهيثم ركضا فقالوا: - «إنّ الكافر قد قتل علّوية وأصحابه وأخذوا أعلامهم ولباسهم.» فانصرف الهيثم وأتى القافلة التي كانت معه، فأمرهم أن يركضوا ويرجعوا لئلّا يؤخذوا، ووقف هو فى أصحابه يسير بهم قليلا قليلا ويقف قليلا ليشتغل الخرّمية عن القافلة وصار شبيها بالحامية لهم، حتّى وصلت القافلة إلى حصنه الذي كان فيه يكون الهيثم وهو أرشق، وقال لأصحابه: - «من يذهب منكم إلى الأمير وإلى أبى سعيد فيعلمهما وله عشرة آلاف درهم وفرس بدل فرسه إن نفق؟» فتوجّه رجلان من أصحابه على فرسين فارهين يركضان، ودخل الهيثم الحصن وخرج بابك فيمن معه ونزل بالحصن، ووضع له كرسىّ وجلس على شرف بحيال الحصن وأرسل إلى الهيثم من يحاربه. وكان مع الهيثم فى الحصن ستمائة راجل وأربعمائة فارس وله خندق حصين. فقاتله وقعد بابك فيمن معه ووضع بين يديه الخمر مع أصحاب له [٢٠٥] يسربونها والحرب مشتبكة. ولقى الفارسان الأفشين على أقلّ من فرسخ من أرشق، فساعة نظر إليهما من بعيد قال لصاحب مقدّمته:

стр. 1786

- «اضربوا بالطبل وانشروا الأعلام واركضوا نحو هذين الفارسين اللذين يركضان إلينا وصيحوا بهما: لبّيك، لبّيك.» فلم يزل الناس فى طلق واحد متراكضين يكسّر بعضهم بعضا حتّى لحقوا بابك وهو جالس. فلم يتدارك أن يتحرّك ويركب حتّى وافته الخيل والناس واشتبكت الحرب، فلم يفلت من رجّالة بابك أحد، وأفلت هو فى نفر يسير ودخل موقان وقد تقطّع عنه أصحابه. وأقام الأفشين فى ذلك الموضع وبات ليلته ثمّ رجع إلى معسكره ببرزند. وأقام بابك بموقان [أيّاما] [١] ثمّ بعث إلى البذّ، فجاءه فى الليل عسكر فيهم رجّالة فرحل من موقان حتّى دخل البذّ، فلمّا كانت بعد أيّام مرّت قافلة من خشّ إلى برزند من قبل أبى سعيد ومعها صاحب لهم ومعهم ميرة ومتاع يحمل إلى معسكر الأفشين، فخرج عليهم إصبهبذ بابك فأخذ القافلة وقتل من كان فيها من أهل القافلة وانتهب جميع ما فيها فقحط عسكر الأفشين. فكتب الأفشين إلى صاحب المراغة يأمره بحمل الميرة وتعجيلها عليه فإنّ الناس قد قحطوا وأضاقوا. [٢٠٦] فوجّه إليه صاحب المراغة بقافلة فيها قريب من ألف ثور سوى الحمير والدوابّ تحمل الميرة ومعها جند يبذرقونها. فخرجت عليهم أيضا سريّة لبابك فاستباحوها عن آخرها بجميع ما فيها وأصاب الناس ضيق شديد فكتب الأفشين إلى صاحب الشيروار [٢] أن يحمل إليه طعاما، فحمل إليه طعاما كثيرا وأغاث الناس فى تلك السنة وقدم بغا على الأفشين بمال ورجال.

стр. 1787

خروج المعتصم إلى القاطول وابتداؤه ببناء سرّ من رأى وفى هذه السنة خرج المعتصم إلى القاطول وابتدأ ببناء سرّ من رأى وذلك فى ذى القعدة منها. ذكر السبب فى ذلك كان سبب خروجه إلى القاطول أنّ غلمانه الأتراك كانوا عجما قد اصطنعهم ورأى فيهم نجابة، وكان لا يزال يجد الواحد بعد الواحد قتيلا فى الأرباض. وذلك أنهم كانوا يركبون الدوابّ فيتراكضون فى طرق بغداد وشوارعها فيصدمون الرجل والمرأة ويطأون الصبىّ، فيأخذهم الأبناء فينكّسونهم عن دوابّهم ويجرحون بعضهم فربّما هلك. فتأذّى الأتراك بهم وتأذّت العامّة بالأتراك حتّى شكت [٢٠٧] الأتراك إلى المعتصم. فحكى أنّ المعتصم كان ركب يوم عيد إلى المصلّى، فلمّا انصرف وصار فى مربعة الحرشي، قام إليه شيخ فقال: - «يا با إسحاق.» فابتدره الجند ليضربوه، فأشار إليهم المعتصم بالكفّ عنه فقال الشيخ [١] : - «مالك لا جزاك الله عن الجوار خيرا، جاورتنا وجئت بهؤلاء العلوج فأسكنتهم بين أظهرنا فأيتمت بهم صبياننا وأرملت بهم نساءنا وقتلت بهم رجالنا.» والمعتصم يسمع ذلك كلّه، ثمّ دخل داره.

стр. 1788

فلم ير راكبا إلى السنة القابلة فى مثل ذلك اليوم. فلمّا كان العام المقبل فى مثل ذلك اليوم خرج فصلّى بالناس العيد، ثمّ لم يرجع إلى داره ببغداد. ولكنّه صرف وجه دابّته إلى القاطول [١] . وحكى أنّه قام أيضا إلى المعتصم يوما رجل من العامّة فقال: - «يا با إسحاق، اخرج عن مدينتنا وإلّا حاربناك بما لا تقوم له.» فتقدّم بأخذ الرجل وحمله إليه. فلمّا صار بين يديه قال: - «ويلك بمن تحاربنى وما هذا الذي لا أقوم له؟» قال: «نحاربك بأصابعنا إذا هدأت الأصوات بالليل» - يعنى الدعاء. فسكت عن الرجل ولم يعرض له. ثمّ خرج فبنى سرّ من رأى. وفى هذه السنة غضب [٢٠٨] المعتصم على الفضل بن مروان وحبسه. ذكر الخبر عن غضبه عليه وحبسه له وسبب اتصاله به ونفاقه عليه كان الفضل هذا رجلا من أهل البردان حسن الحظّ، فاتصل بكاتب للمعتصم يقال له يحيى الجرمقانى. فمات يحيى وصار الفضل فى موضعه وذلك قبل خلافة المعتصم، ثمّ خرج معه إلى عسكر المأمون وصار معه إلى مصر، فاحتوى على أموال مصر وكثرت ذخائره وكنوزه. ثمّ قدم الفضل قبل المأمون بغداد ينفذ أمور المعتصم ويكتب عنه وعلى لسانه ما أحبّ، حتّى قدم المعتصم خليفة، فصار الفضل صاحب الخلافة والدواوين كلّها تحت يديه فتضاعفت كنوزه.

стр. 1789

فكان المعتصم يأمر بإطلاق الشيء لندمائه ومغنّيه، فلا ينفذ الفضل، وربّما رادّه فى الشيء إدلالا عليه وأنسا به، وكان قد نزل منه وحلّ من قلبه المحلّ الذي لا يحدّث أحد نفسه بملاحظته فضلا عن منازعته ولا فى الاعتراض عليه إذا أراد شيئا أو حلم به، فكانت هذه المنزلة تحمله على الدالّة حتّى كان يخالفه ويمنعه بعض أمره وبعض المال الذي [٢٠٩] يصرفه فى مهمّه. فحكى عن أحمد بن أبى دؤاد أنّه قال: كنت أحضر مجلس المعتصم فكثيرا ما كنت أسمعه يقول للفضل بن مروان: - «احمل إلىّ كذا من الدراهم.» فيقول: «ما عندي.» فيقول: «فاحتلها من وجه، فليس منها بدّ.» فيقول: «ومن أين أحتالها ومن أين وجهها ومن يعطيني هذا القدر؟» فكان ذلك يسوءه وأعرفه فى وجهه فلمّا كثر هذا من فعله ركبت يوما إليه فقلت له مستخليا به: - «يا أبا العبّاس إنّى أعرف أخلاقك، وعلى ذاك ما أدع نصيحتك وأداء ما يجب علىّ من حقّك. وقد أراك كثيرا ما تردّ على أمير المؤمنين أجوبة غليظة ترمضه وتقدح فى قلبه والسلطان لا يحتمل هذا لابنه، لا سيّما إذا كثر ذلك وغلظ.» قال: «وما ذاك يا با عبد الله؟» قلت: «أسمعه كثيرا، كثيرا [١] ما يقول لك: نحتاج إلى كذا من المال لنصرفه فى وجه كذا، فتقول من يعطيني هذا وهذا ما لا تحتمله الملوك.» قال: «فما أصنع إذا طلب منّى ما ليس عندي؟»

стр. 1790

قلت: «تصنع أن تقول: أحتال يا أمير المؤمنين فى ذلك فتدفع [١] عنك أيّاما ثمّ تحمل إليه بعض ما يطلب وتسوّفه الباقي.» قال: «نعم أفعل وأصير إلى ما أشرت به.» قال: فو الله لكأنّى كنت [٢١٠] أغريه بالمنع. فكان إذا عاود مثل ذلك القول عاد إلى مثل ما يكره من الجواب. وكان مع المعتصم رجل مضحك يستخفّ روحه وكان قديم الصحبة له يقال له: إبراهيم الهفتىّ، فأمر له بمال وتقدّم إلى الفضل بن مروان فى إعطائه فلم يعطه الفضل شيئا. فبينا الهفتىّ يوما يتمشّى مع المعتصم فى بستان داره التي بنيت له ببغداد، وقد نقل إليه أنواع من الرياحين والغروس [٢] ، وكان الهفتىّ يصحب المعتصم قبل أن تفضى إليه الخلافة، فيقول له فيما يداعبه: - «والله لا أفلحت.» وكان الهفتى مربوعا ذا كدنة والمعتصم رجلا معرّقا خفيف اللحم فجعل المعتصم يسبق الهفتىّ فى المشي فإذا تقدّمه ولم ير الهفتىّ معه التفت إليه فقال له: - «ما لك لا تمشى؟» يستعجله. فلمّا كثر ذلك من أمر المعتصم على الهفتى قال له الهفتىّ مداعبا له: - «أصلحك الله، كنت أرانى أماشى خليفة ولم أكن أرانى أماشى فيجا [٣] والله لا أفلحت.» فضحك المعتصم وقال:
следующие страницы →