← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

- «اضربوا بالطبل وانشروا الأعلام واركضوا نحو هذين الفارسين اللذين يركضان إلينا وصيحوا بهما: لبّيك، لبّيك.» فلم يزل الناس فى طلق واحد متراكضين يكسّر بعضهم بعضا حتّى لحقوا بابك وهو جالس. فلم يتدارك أن يتحرّك ويركب حتّى وافته الخيل والناس واشتبكت الحرب، فلم يفلت من رجّالة بابك أحد، وأفلت هو فى نفر يسير ودخل موقان وقد تقطّع عنه أصحابه. وأقام الأفشين فى ذلك الموضع وبات ليلته ثمّ رجع إلى معسكره ببرزند. وأقام بابك بموقان [أيّاما] [١] ثمّ بعث إلى البذّ، فجاءه فى الليل عسكر فيهم رجّالة فرحل من موقان حتّى دخل البذّ، فلمّا كانت بعد أيّام مرّت قافلة من خشّ إلى برزند من قبل أبى سعيد ومعها صاحب لهم ومعهم ميرة ومتاع يحمل إلى معسكر الأفشين، فخرج عليهم إصبهبذ بابك فأخذ القافلة وقتل من كان فيها من أهل القافلة وانتهب جميع ما فيها فقحط عسكر الأفشين. فكتب الأفشين إلى صاحب المراغة يأمره بحمل الميرة وتعجيلها عليه فإنّ الناس قد قحطوا وأضاقوا. [٢٠٦] فوجّه إليه صاحب المراغة بقافلة فيها قريب من ألف ثور سوى الحمير والدوابّ تحمل الميرة ومعها جند يبذرقونها. فخرجت عليهم أيضا سريّة لبابك فاستباحوها عن آخرها بجميع ما فيها وأصاب الناس ضيق شديد فكتب الأفشين إلى صاحب الشيروار [٢] أن يحمل إليه طعاما، فحمل إليه طعاما كثيرا وأغاث الناس فى تلك السنة وقدم بغا على الأفشين بمال ورجال.

стр. 1787

خروج المعتصم إلى القاطول وابتداؤه ببناء سرّ من رأى وفى هذه السنة خرج المعتصم إلى القاطول وابتدأ ببناء سرّ من رأى وذلك فى ذى القعدة منها. ذكر السبب فى ذلك كان سبب خروجه إلى القاطول أنّ غلمانه الأتراك كانوا عجما قد اصطنعهم ورأى فيهم نجابة، وكان لا يزال يجد الواحد بعد الواحد قتيلا فى الأرباض. وذلك أنهم كانوا يركبون الدوابّ فيتراكضون فى طرق بغداد وشوارعها فيصدمون الرجل والمرأة ويطأون الصبىّ، فيأخذهم الأبناء فينكّسونهم عن دوابّهم ويجرحون بعضهم فربّما هلك. فتأذّى الأتراك بهم وتأذّت العامّة بالأتراك حتّى شكت [٢٠٧] الأتراك إلى المعتصم. فحكى أنّ المعتصم كان ركب يوم عيد إلى المصلّى، فلمّا انصرف وصار فى مربعة الحرشي، قام إليه شيخ فقال: - «يا با إسحاق.» فابتدره الجند ليضربوه، فأشار إليهم المعتصم بالكفّ عنه فقال الشيخ [١] : - «مالك لا جزاك الله عن الجوار خيرا، جاورتنا وجئت بهؤلاء العلوج فأسكنتهم بين أظهرنا فأيتمت بهم صبياننا وأرملت بهم نساءنا وقتلت بهم رجالنا.» والمعتصم يسمع ذلك كلّه، ثمّ دخل داره.

стр. 1788

فلم ير راكبا إلى السنة القابلة فى مثل ذلك اليوم. فلمّا كان العام المقبل فى مثل ذلك اليوم خرج فصلّى بالناس العيد، ثمّ لم يرجع إلى داره ببغداد. ولكنّه صرف وجه دابّته إلى القاطول [١] . وحكى أنّه قام أيضا إلى المعتصم يوما رجل من العامّة فقال: - «يا با إسحاق، اخرج عن مدينتنا وإلّا حاربناك بما لا تقوم له.» فتقدّم بأخذ الرجل وحمله إليه. فلمّا صار بين يديه قال: - «ويلك بمن تحاربنى وما هذا الذي لا أقوم له؟» قال: «نحاربك بأصابعنا إذا هدأت الأصوات بالليل» - يعنى الدعاء. فسكت عن الرجل ولم يعرض له. ثمّ خرج فبنى سرّ من رأى. وفى هذه السنة غضب [٢٠٨] المعتصم على الفضل بن مروان وحبسه. ذكر الخبر عن غضبه عليه وحبسه له وسبب اتصاله به ونفاقه عليه كان الفضل هذا رجلا من أهل البردان حسن الحظّ، فاتصل بكاتب للمعتصم يقال له يحيى الجرمقانى. فمات يحيى وصار الفضل فى موضعه وذلك قبل خلافة المعتصم، ثمّ خرج معه إلى عسكر المأمون وصار معه إلى مصر، فاحتوى على أموال مصر وكثرت ذخائره وكنوزه. ثمّ قدم الفضل قبل المأمون بغداد ينفذ أمور المعتصم ويكتب عنه وعلى لسانه ما أحبّ، حتّى قدم المعتصم خليفة، فصار الفضل صاحب الخلافة والدواوين كلّها تحت يديه فتضاعفت كنوزه.

стр. 1789

فكان المعتصم يأمر بإطلاق الشيء لندمائه ومغنّيه، فلا ينفذ الفضل، وربّما رادّه فى الشيء إدلالا عليه وأنسا به، وكان قد نزل منه وحلّ من قلبه المحلّ الذي لا يحدّث أحد نفسه بملاحظته فضلا عن منازعته ولا فى الاعتراض عليه إذا أراد شيئا أو حلم به، فكانت هذه المنزلة تحمله على الدالّة حتّى كان يخالفه ويمنعه بعض أمره وبعض المال الذي [٢٠٩] يصرفه فى مهمّه. فحكى عن أحمد بن أبى دؤاد أنّه قال: كنت أحضر مجلس المعتصم فكثيرا ما كنت أسمعه يقول للفضل بن مروان: - «احمل إلىّ كذا من الدراهم.» فيقول: «ما عندي.» فيقول: «فاحتلها من وجه، فليس منها بدّ.» فيقول: «ومن أين أحتالها ومن أين وجهها ومن يعطيني هذا القدر؟» فكان ذلك يسوءه وأعرفه فى وجهه فلمّا كثر هذا من فعله ركبت يوما إليه فقلت له مستخليا به: - «يا أبا العبّاس إنّى أعرف أخلاقك، وعلى ذاك ما أدع نصيحتك وأداء ما يجب علىّ من حقّك. وقد أراك كثيرا ما تردّ على أمير المؤمنين أجوبة غليظة ترمضه وتقدح فى قلبه والسلطان لا يحتمل هذا لابنه، لا سيّما إذا كثر ذلك وغلظ.» قال: «وما ذاك يا با عبد الله؟» قلت: «أسمعه كثيرا، كثيرا [١] ما يقول لك: نحتاج إلى كذا من المال لنصرفه فى وجه كذا، فتقول من يعطيني هذا وهذا ما لا تحتمله الملوك.» قال: «فما أصنع إذا طلب منّى ما ليس عندي؟»

стр. 1790

قلت: «تصنع أن تقول: أحتال يا أمير المؤمنين فى ذلك فتدفع [١] عنك أيّاما ثمّ تحمل إليه بعض ما يطلب وتسوّفه الباقي.» قال: «نعم أفعل وأصير إلى ما أشرت به.» قال: فو الله لكأنّى كنت [٢١٠] أغريه بالمنع. فكان إذا عاود مثل ذلك القول عاد إلى مثل ما يكره من الجواب. وكان مع المعتصم رجل مضحك يستخفّ روحه وكان قديم الصحبة له يقال له: إبراهيم الهفتىّ، فأمر له بمال وتقدّم إلى الفضل بن مروان فى إعطائه فلم يعطه الفضل شيئا. فبينا الهفتىّ يوما يتمشّى مع المعتصم فى بستان داره التي بنيت له ببغداد، وقد نقل إليه أنواع من الرياحين والغروس [٢] ، وكان الهفتىّ يصحب المعتصم قبل أن تفضى إليه الخلافة، فيقول له فيما يداعبه: - «والله لا أفلحت.» وكان الهفتى مربوعا ذا كدنة والمعتصم رجلا معرّقا خفيف اللحم فجعل المعتصم يسبق الهفتىّ فى المشي فإذا تقدّمه ولم ير الهفتىّ معه التفت إليه فقال له: - «ما لك لا تمشى؟» يستعجله. فلمّا كثر ذلك من أمر المعتصم على الهفتى قال له الهفتىّ مداعبا له: - «أصلحك الله، كنت أرانى أماشى خليفة ولم أكن أرانى أماشى فيجا [٣] والله لا أفلحت.» فضحك المعتصم وقال:

стр. 1791

- «ويلك وهل بقي من الفلاح شيء لم أدركه بعد الخلافة؟» فقال له الهفتى: - «أتحسب أنّك قد أفلحت الآن؟ إنّما لك من الخلافة الإسم، والله ما يجاوز أمرك أذنيك. [٢١١] وإنّما الخليفة الفضل بن مروان الذي يأمر فينفذ أمره من ساعته.» قال المعتصم: - «وأىّ أمر لى لم ينفذ؟» فقال: «أمرت لى بكذا وكذا منذ شهرين فما أعطيت ممّا أمرت به منذ ذاك حبّة.» وكان هذا أوّل ما حرّك المعتصم فى القبض على الفضل بن مروان. وكان محمد بن عبد الملك الزيّات يتولّى ما كان أبوه يتولّاه للمأمون من عمل الفساطيط وآلة الجمّازات [١] ويكتب عليها ممّا جرى على يدي محمد بن عبد الملك. وكان يلبس إذا حضر الدار الدرّاعة السوداء والسيف بالحمائل. فدعاه الفضل يوما وقال له: - «ما هذا الزىّ إنّما أنت تاجر فما لك والسواد والسيف؟» فترك ذلك محمد. وأخذه الفضل برفع حسابه إلى دليل بن يعقوب النصراني فأحسن دليل إليه ولم يزرأه شيئا. وعرض عليه محمد هدايا فأبى دليل أن يقبل منها شيئا. ثمّ غضب المعتصم على الفضل بن مروان وأهل بيته وأمرهم برفع ما جرى على أيديهم وصيّر محمد بن عبد الملك مكانه. فلمّا صار محمد بن عبد الملك وزيرا استدعى الفضل يوما وقد دخل دار

стр. 1792

السلطان بسواد وسيف وهو إذ ذاك مغضوب عليه يحاسب، فقال: - «ما هذا الزىّ؟ الزم منزلك، فإن احتيج إليك [٢١٢] استدعيت.» ودخلت سنة إحدى وعشرين ومائتين وقعة كانت بين بغا وبابك وفى هذه السنة كانت بين بغا الكبير وبابك وقعة بناحية هشتاذ سر فهزم بغا واستبيح عسكره. [١] ذكر الخبر عن ذلك كان بغا قدم بالمال الذي مضى ذكره ففرّقه الأفشين على أصحابه وتجهّز بعد النيروز عند زوال البرد ومكروه الثلج، ووجّه بغا فى عسكر ليدور حول هشتاذ سر وينزل فى خندق محمد بن حميد ويحكمه ويخفره، ووجّه أبا سعيد من وجه آخر ورحل الأفشين من برزند، فتجهّز بغا من غير مواقفة [٢] الأفشين وسار حتّى نزل قرية البذّ فى وسطها وأقام بها يوما واحدا واحتاج إلى الميرة والأعلاف، فوجّه ألف رجل فى علّافة له، فخرج عسكر من عساكر بابك فاستباح العلّافة وقتل البعض وأسر البعض ورجع بغا إلى خندق محمد بن حميد شبيها بالمنهزم وكتب إلى الأفشين يعلمه ذلك ويسأله المدد فقال الأفشين: - «ما عمل شيئا وأقدم بغير أمرنا.» ثمّ وجّه إليه أخاه الفضل بن كاوس وأحمد بن الخليل بن هشام وابن جوشن وصاحب شرطة الحسن وقرابة [٢١٣] للفضل بن سهل. ثمّ كتب

стр. 1793

الأفشين إلى بغا يعلمه أنّه يغزو بابك فى يوم سمّاه له ويأمره أن يغزوه فى ذلك اليوم بعينه ليحاربه من كلا الوجهين. فخرج الأفشين فى ذلك اليوم يريد بابك وخرج بغا، فعسكر على دعوة فهاجت ريح شديدة ومطر شديد فلم يكن للناس صبر على البرد وشدّة الريح فانصرف بغا إلى عسكره وواقعهم الأفشين من الغد وبغا غير حاضر، فهزمه الأفشين وأخذ عسكره وخيمته، ونزل الأفشين فى معسكر بابك. ثمّ تجهّز بغا من الغد وصعد هشتاذ سر، فوجد العسكر الذي كان مقيما بإزائه قد انصرف إلى بابك فترك بغا فى موضعه وأصاب قماشا وخرثيّا [١] قد تركوه، ثمّ انحدر من هشتاذ سر يريد البذّ وكان على مقدّمته داود سياه فبعث إليه: - «إنّا قد توسّطنا الموضع الذي تعرفه يعنى الذي كنا فيه فى المرّة الاولى وهذا وقت المساء وقد تعب [٢] الرجّالة، فانظر جبلا حصينا يسع معسكرنا حتّى نعسكر فيه ليلتنا هذه.» فالتمس داود سياه ذلك، فصعد إلى قلّة جبل فأشرف فرأى أعلام الأفشين ومعسكره شبه الخيال [٣] فقال: - «هذا موضعنا.» فجاءهم فى تلك الليلة سحاب وبرد [٢١٤] ومطر وثلج كثير، فلم يقدر أحد حين أصبحوا أن ينزل من الجبل لأخذ ماء ولا سقى دابّة من شدّة البرد وكثرة الثلج وكأنهم كانوا فى نهارهم ذلك فى ليل من الضباب المتراكم وشدّة الظلمة. فلمّا كان اليوم الثالث قال الناس لبغا:

стр. 1794

- «قد فنى ما معنا من الزاد وأضرّ بنا البرد فانزل على أية حال كانت، إمّا راجعين وإمّا نحو الكافر.» تبييت بابك الأفشين وقد كان فى يوم الضباب بيّت بابك الأفشين ونقض عسكره وانهزم الأفشين وانصرف إلى معسكره فضرب بغا بالطبل وانحدر يريد البذّ. فلمّا صار إلى بطن الوادي نظر إلى السماء منجلية والدنيا طيّبة غير رأس الجبل الذي كان عليه. فعبّأ بغا أصحابه ميمنة وميسرة ومقدّمة وتقدّم يريد البذّ وهو لا يشكّ أنّ الأفشين فى موضع معسكره فمضى حتّى صار لزق [١] جبل البذّ ولم يبق بينه وبين أن يشرف على أبيات البذّ إلّا صعود قدر نصف ميل، وكان على مقدّمته غلام لابن البعيث، وكان ابن البعيث هذا ذا نكاية فى بابك وأصحابه وكان للغلام قرابة بالبذّ، فلقيتهم طلائع لبابك، فعرف بعضهم الغلام فقال له: - «فلان؟» قال: «نعم.» قال: «من هذا هاهنا؟» فسمّى له [٢١٥] من معه من أهل بيته فقال: - «ادن منّى حتّى أكلّمك.» فدنا منه الغلام فقال له: - «ارجع وقل لمن تعنى به يتنحّى فإنّا قد بيّتنا الأفشين وهزمناه، ونحن قد تهيّأنا لكم فى عسكرين، فعجّل الانصراف لعلّك أن تنفلت.»

стр. 1795

فرجع الغلام فأخبر صاحبه ابن البعيث، فأخبر ابن البعيث بغا بذلك، فوقف بغا يشاور أصحابه، فقال بعضهم: - «هذا باطل وهذه خدعة، ليس من هذا شيء.» وقال بعض الكوهانيّين [١] : - «إنّ هذا جبل أعرفه. من صعد إلى رأسه نظر إلى عسكر الأفشين.» فصعد بغا والفضل بن كاوس وجماعة منهم ممّن نشط، فأشرفوا على الموضع فلم يروا فيه أحدا، فيقن أنّه مضى وتقرّر رأيه على أن ينصرف فى صدر النهار قبل أن يجنّهم الليل، فأمر داود سياه بالانصراف، فجدّ فى السير ولم يعد فى الطريق الذي دخل منه مخافة المضايق والعقاب، وأخذ الطريق الذي دخل منه فى المرّة الأولى يدور حول هشتاذ سر وليس فيه مضيق إلّا فى موضع واحد. فسار بالناس وبعث الرجّالة فرموا بأسلحتهم وطرحوا الرماح فى الطريق ودخلتهم وحشة شديدة ورعب عظيم وصار بغا والفضل بن كاوس وجماعة [٢١٦] من القوّاد فى الساقة، وظهرت طلائع بابك ونزل بغا فتوضّأ وصلّى ووقف فى وجوههم وتخوّف بغا على عسكره أن يوافقه [٢] الطلائع من ناحية ويدور عليهم فى بعض الجبال والمضايق قوم آخرون فشاور من حضره وقال: - «لست آمن أن يكون هؤلاء الذين بإزائنا مشغلة يحبسوننا عن المسير ويسبقوننا إلى المضايق قوم آخرون.» فأشار الفضل بن كاوس أن يوجّه إلى داود سياه وهو على المقدّمة أن يسرع السير ولا ينزل حتّى يجاوز المضيق ولو فى نصف الليل. فأمّا نحن

стр. 1796

فنقف هاهنا ونماطلهم حتّى تجيء الظلمة [١] ، فإنّ هؤلاء لا يعرفون حينئذ لنا موضعا، فإن أخذ علينا المضيق تخلّصنا بأفراسنا من طريق هشتاذ سر أو من طريق آخر. وأشار غيره على بغا فقال: - «إنّ العسكر قد تقطّع وليس يدرك أوّله آخره والناس قد رموا بسلاحهم وقد بقي المال والسلاح على البغال وليس معه أحد ولا نأمن أن يخرج علينا من يأخذ المال والسلاح والأسير الذي معنا» - وكان معهم ابن جويدان [٢] أسيرا. فلمّا ذكر ذلك لبغا أشفق منه ووجّه إلى داود سياه: «حيثما رأيت جبلا حصينا فعسكر عليه.» فعدل داود إلى جبل مؤرّب لم يكن للناس [٢١٧] فيه موضع للجلوس من شدّة نصوبه [٣] ، فعسكر عليه وضرب لبغا مضرب على طرف الجبل فى موضع شبيه بالحائط ليس فيه مسلك، فنزل فيه وأنزل الناس وقد كلّوا وفنيت أزوادهم، فباتوا على تعبئة يتحارسون من ناحية المصعد وجاءهم العدوّ من الناحية الأخرى، فعلّقوا بالجبل حتّى صاروا إلى مضرب بغا، فكبسوه وبيّتوا العسكر وخرج بغا راجلا حتّى نجا وخرج الفضل بن كاوس ونجا وقتل ابن جوشن وقرابة الفضل بن سهل وجماعة غيرهم، ووجد بغا بعد خروجه من العسكر دابّة فركبها، ومرّ بابن البعيث فأصعده على هشتاذ سر حتّى انحدر به على عسكر محمد بن حميد وخندقه، فوافاه فى جوف الليل وأخذ الخرّمية المال والعسكر والسلاح والأسير ولم يتبعوا الناس

стр. 1797

ومرّ الناس متقطعين حتّى وافوا بغا. وأقام بغا خمسة عشر يوما فى خندق محمد بن حميد حتّى أتاه كتاب الأفشين يأمره بالرجوع إلى المراغة. وانصرف الفضل أخو الأفشين وجمع من كان فى عسكر الأفشين إلى الأفشين، وفرّق الأفشين الناس فى مشاتيهم تلك السنة [٢١٨] حتّى جاء الربيع من السنة المقبلة. ثمّ دخلت سنة اثنتين وعشرين ومائتين وفيها وجّه المعتصم بالله إلى الأفشين جعفر بن دينار الخيّاط مددا له، ثمّ أتبعه بإيتاخ ووجّه معه ثلاثين ألف ألف درهم للجند والنفقات. فلمّا جاء الربيع ووصل إلى الأفشين ما وجّه من المال والمدد فوافاه [١] ذلك كلّه وهو ببرزند سلّم إليه إيتاخ المال والرجال وانصرف وأقام جعفر الخيّاط إلى أن حضر الوقت الذي يمكن فيه الغزو وطاب الزمان. فتح البذّ مدينة بابك واستباحتها وفى هذه السنة فتحت البذّ مدينة بابك ودخلها المسلمون واستباحوها. ذكر الخبر عن ذلك وسببه لمّا عزم الأفشين على الدنوّ من البذّ جعل يزحف قليلا قليلا على خلاف زحفه قبل ذلك إلى المنازل التي كان ينزلها وكان يتقدّم الأميال الأربعة فيعسكر فى موضع على طريق المضيق الذي ينحدر إليه ولا يحفر خندقا ولكنّه يقيم معسكرا [٢١٩] فى الحسك، وكتب إليه المعتصم يأمره أن يجعل

стр. 1798

الناس نوائب كراديس، تقف على ظهور الخيل كما يدور العسكر بالليل، فبعض القوم معسكر وبعض وقوف على ظهور دوابّهم على ميل كما يدور العسكر بالليل والنهار، مخافة البيات، كي إن دهمهم أمر كان الناس على تعبئة والرجّالة فى العسكر، فضجّ الناس من التعب وقالوا: - «كم نقعد هاهنا فى المضيق ونحن قعود فى الصحراء وبيننا وبين العدوّ أربعة فراسخ ونحن نفعل فعال من يرى العدوّ بإزائه؟ قد استحيينا من الناس والجواسيس الذين يمرّون بنا، وبين العدوّ وبيننا أربعة فراسخ ونحن قد متنا من الفزع، اقدم بنا فإمّا لنا وإمّا علينا.» فقال: «أنا والله أعلم أنّ ما تقولون حقّ، ولكن أمير المؤمنين أمرنى بهذا ولا أجد بدّا منه.» فلم يلبث أن ورد عليه كتاب المعتصم يأمره أن يتحرّى بدرّاجة الليل، فانحدر فى خاصّته حتّى نزل روذ الروذ وتقدّم حتّى شارف الموضع الذي واقعه عليه بابك فى العام الماضي، فنظر إليه فإذا عليه كردوس من الخرّمية فلم يحاربوه ولم يحاربهم فقال بعض العلوج: [٢٢٠]- «ما لكم تجيئون وتفرّون، أما تستحيون؟» فأمر الأفشين ألّا يجيبوهم ولا يبرز إليهم أحد، فلم يزل مواقفهم إلى قريب من الظهر ثمّ رجع إلى عسكره فلم يزل على ذلك أيّاما وكان يأمر أبا سعيد أن يذهب فيواقفهم ولا يحرّكهم ولا يهيجهم وأمر الفعلة وكانوا يسمّون الكلغريّة [١] أن يحملوا شكاء الماء والكعك. فلمّا صاروا إلى روذ الروذ أمر أبا سعيد أن يذهب فيواقفهم على حسب ما كان يواقفهم، وأمر الفعلة أن ينقلوا الحجارة ويحصّنوا الطرق التي تسلك إلى

стр. 1799

تلك الأجبال، وكانت ثلاثة أجبال حصينة كان اختارها ففعل ذلك فصارت شبه الحصون، ثمّ أمر فاحتفر على طريق وراء تلك الحجارة على المصعد خندقا، ولم يترك إليها إلّا مسلكا واحدا، ثمّ أمر أبا سعيد بالانصراف. فلمّا كان الثامن من الشهر وعلم أنّ ضوء القمر قد أمتع. دفع إلى الرجّالة الكعك والسويق ودفع إلى الفرسان الزاد والشعير ووكّل بمعسكره من يحفظه، وانحدر وأمر الرجّالة بالصعود إلى رؤوس تلك الجبال، وأن يحملوا معهم ما يحتاجون إليه من الماء والزاد، ووجّه أبا سعيد [٢٢١] ليواقف القوم على عادته وأمر الناس بالدخول فى السلاح وألّا يأخذ الفرسان سروج دوابّهم. ثمّ خطّ الخندق وأمر الفعلة بالعمل فيه، ووكّل بهم من يستحثّهم، وكان يأمر بالعشىّ أن يتحارسوا ولا يناموا ويدعوا الفعلة فوق الجبال ينامون، ويأمر الفرسان أن يصيروا كراديس بين كلّ كردوس وكردوس مقدار رمية سهم، وتقدّم إلى جميع الكراديس: - «ألّا يلتفتن واحد منكم إلى الآخر وليحفظ كلّ رجل منكم ما يليه. فإن سمعتم هدّة فلا يلتفتنّ أحد منكم إلى أحد فكلّ كردوس قائم بما إليه [١] ، ونحن لا نمدّه بأحد.» ملاطفة بين بابك وأفشين فى تلك الحال فلم تزل الكراديس وقوفا على ظهور دوابّهم إلى الصباح والرجّالة فوق رؤوس الجبال يتحارسون، فلبثوا كذلك عشرة أيّام حتّى فرغوا من حفر الخندق، ودخله اليوم العاشر وأمر القواد أن يبعثوا إلى أثقالهم وأثقال أصحابهم

стр. 1800

على الرفق فينقلوه. وأتاه رسول بابك معه قثّاء وبطّيخ وخيار يعلمه أنّه فى أيّامه هذه فى جفاء، إنّما يأكل الكعك والسويق [٢٢٢] هو وأصحابه، وأنّه إن أحبّ أن يلطفه بذلك فعل. فقال الأفشين للرسول: - «قد عرفت أىّ شيء أراد أخى بهذا. إنّما أراد أن ينظر إلى العسكر، وأنا أقبل برّه وأعطى شهوته. فقد صدق، أنا فى جفاء.» وقال للرسول: - «أمّا أنت فلا بدّ لك أن تصعد حتّى ترى معسكرنا وترى ما وراءنا.» فأمر بحمله على دابّة، وأن يصعد به، حتّى يرى الخندق، وينظر إلى خندق كلان روذ. وخندق برزند ويتأمّل الخنادق الثلاثة ولا يخفى عليه منها شيء ليخبر به صاحبه. ففعل به ذلك. ثمّ أطلقه ووصله وقال: - «اذهب واقرأه منّى السلام. [١] » ثمّ إنّ الأفشين كان فى كلّ أسبوع يضرب الطبول نصف الليل ويخرج بالشمع والنفّاطات إلى باب الخندق، وقد عرف كلّ إنسان كردوسه من كان فى الميمنة ومن كان فى الميسرة. فيخرج الناس فيقفون فى مواقفهم. وكان الأفشين يحمل أعلاما سوداء كبارا على البغال وكان اثنى عشر علما وكانت أعلامه الصغار نحو خمسمائة علم وكانت طبوله الكبار اثنين وعشرين طبلا، فيقف أصحابه على مراتبهم حتّى إذا طلع الفجر ركب الأفشين من مضربه [٢٢٣] فيؤذّن المؤذّن بين يديه ويصلّى الناس بغلس، ثمّ يأمر بضرب الطبول ويسير زحفا، وكانت علامة السير ضرب الطبول، فإن

стр. 1801

أراد أن يقف أمسك عن ضربها فيقف الناس من كلّ ناحية فى جبل أو واد. وكان يسير هذه الستة الأميال التي بين معسكره وهو روذ الروذ وبين البذّ ما بين طلوع الفجر إلى الضحى الأكبر، فإذا أراد أن يصعد إلى الموضع الذي كانت الحرب عليها فى العام الماضي خلّف بخارا خذاه [١] على رأس العقبة مع ألف وستمائة رجل يحفظون الطريق، لا يخرج أحد من الخرّمية، فيأخذ عليهم الطريق. وكان بابك إذا أحسّ بعساكر الأفشين أنّها قد تحرّكت من الخندق تريده فرّق أصحابه كمنا، ولم يبق معه إلّا نفير يسير، ولم تكن تعرف المواضع التي يكمنون فيها. وكان الأفشين إذا صعد إلى ذلك الموضع أشرف على قصر بابك وجلس على كرسىّ، وفرّق الرجّالة فى طلب الكمناء ووقف الفرسان على ظهور دوابّهم إلى بعد الظهر، والخرّمية بين يدي بابك يشربون الشراب ويزمرون بالسّرنايات ويضربون بالطبول، حتّى [٢٢٤] إذا صلّى الأفشين انحدر إلى خندقه بروذ الروذ. ونفخ أصحاب بابك فى بوقاتهم وضربوا بصنوجهم استهزاء ولا يبرح بخاراخذاه حتّى يجوزه الناس جميعا، ثمّ ينصرف فى آثارهم حتّى إذا كان فى بعض الأيّام ضجرت الخرّمية من التفتيش وانصرف الأفشين كعادته وانصرفت الكراديس. فلمّا انتهى إلى جعفر الخيّاط نوبة العبور فتح الخرّمية خندقهم وخرج منهم عدّة فحملوا على من بقي من أصحاب جعفر الخيّاط، وارتفعت الضجّة فى العسكر ورجع جعفر مع كردوس من أصحابه بنفسه وحمل على أولئك الفرسان حتّى ردّهم إلى باب البذّ. ثمّ وقعت الضجّة فى العسكر فرجع الأفشين وجعفر من ذلك الجانب يقاتل فى أصحابه وقد جرح

стр. 1802

من أصحابه عدّة ومن أصحاب بابك عدّة من الفرسان مع فرسان ليس بينهم رجّالة، فرجع الأفشين حتّى طرح الكرسىّ له على النطع فى موضعه الذي كان يجلس فيه وهو يتلظّى [١] على جعفر ويقول: - «قد أفسد تعبئتي وما أريد.» وكان مع أبى دلف فى كردوسه قوم من المطوّعة من البصرة وغيرها. فلمّا ارتفعت الضجّة ونظروا إلى جعفر يحارب [٢٢٥] انحدر أولئك المطوّعة بغير أمر الأفشين وعبروا إلى الجانب الآخر من الوادي حتّى صاروا إلى حائط البذّ فتعلّقوا به وأثّروا فيه آثارا، وكادوا يصعدونه فيدخلون البذّ. ووجّه جعفر إلى الأفشين أن: - «أمدّنى بخمسمائة راجل من الناشبة، فإنّى أدخل البذّ إن شاء الله، فقد عرفت القوم وعلمت مأتاهم.» فبعث إليه الأفشين: - «قد أفسدت علىّ أمرى كلّه، فتخلّص قليلا وخلّص أصحابك وانصرف.» وارتفعت الضجّة من جهة المطوّعة حتّى تعلّقوا بالبذّ وظنّ الكمناء من أصحاب بابك أنّها الحرب قد اشتبكت، فنعروا ووثبوا من تحت عسكر بخاراخذاه، ووثب آخرون وراء الركوة التي كان الأفشين عليها يقعد، فتحرّكت الخرّمية والناس وقوف على رؤوسهم لم يزل منهم أحد. فقال الأفشين: - «الحمد لله الذي بيّن لنا مواضع هؤلاء.» ثمّ انصرف جعفر وأصحابه والمطوّعة، فجاء جعفر فقال للأفشين:

стр. 1803

- «إنّما وجّهنى أمير المؤمنين للحرب التي ترى لا للقعود هاهنا، وأراك تقعد بى فى أوقات حاجاتي. قد كان يكفيني خمسمائة رجل حتّى أدخل البذّ [١] أو جوف داره لأنّى قد رأيت من بين [٢٢٦] يدىّ.» فقال الأفشين: - «لا تنظر إلى من بين يديك ولكن انظر إلى من خلفك وما قد وثبوا ببخاراخذاه وأصحابه.» فذهب جعفر يتكلّم، فقال له الفضل بن كاوس: - «لو كان الأمر إليك ما كنت تصعد إلى هذا الموضع الذي أنت عليه واقف حتّى تقول كنت [٢] .» قال له جعفر: - «هذه الحرب وها أنا [٣] واقف لمن جاء.» فقال له الفضل: - «لولا مجلس الأمير لعرّفتك نفسك الساعة.» فصاح بهما الأفشين فأمسكا وأمر أبا دلف أن يردّ المطوّعة عن السور. فقال أبو دلف للمطوّعة: - «انصرفوا.» فجاء رجل منهم ومعه صخرة فقال: - «أتردّنا وهذا الحجر من السور أخذته؟ ولو أخذ معى كلّ واحد مثله لأزلنا السور عن موضعه.» فقال له:

стр. 1804

- «إذا انصرفت الساعة تدرى على من طريقك» - يعنى العسكر الذي وثب على بخاراخذاه من ورائه. ثمّ قال الأفشين لأبى سعيد فى وجه جعفر: - «أحسن الله جزاءك عن نفسك وعن أمير المؤمنين. ليس كلّ من خفّ رأسه فيقول، يفي بما يقول. [١] إنّ الوقوف فى الموضع الذي نحتاج إليه خير من المحاربة فى الموضع الذي لا نحتاج إليه. لو وثب هؤلاء الذين تحتك- وأشار إلى الكمين- كنت تدرى هؤلاء المطوّعة الذين هم فى القمص [٢٢٧] أىّ شيء كان يكون حالهم، فالحمد لله الذي سلّمهم، قف ها هنا فلا تبرح حتّى لا يبقى هاهنا أحد.» وانصرف الأفشين وكان من سنّته أن ينصرف على تعبئة كردوس بعد كردوس ويكون آخرهم. وأقام الأفشين فى خندقه بروذ الروذ أيّاما. فشكا إليه المطوّعة الضيق فى العلوفة والزاد، فقال لهم: - «من صبر فليصبر ومن لم يصبر فالطريق واسع فلينصرف بسلام، فإنّ معى من جند أمير المؤمنين ومن هو فى أرزاقه من يقيم معى فى الحرّ والبرد، ولست أبرح من هاهنا حتّى يسقط الثلج.» فانصرف المطوّعة وهم يقولون: - «لو ترك الأفشين جعفرا وتركنا لأخذنا البذّ، ولكنّه يشتهى المماطلة.» أفشين والرؤيا التي رءاها بعض المطوّعة فبلغه ذلك وما أكثر فيه المطوّعة وتناولوه بألسنتهم حتّى قال بعضهم:

стр. 1805

- «رأيت فى المنام رسول الله صلّى الله عليه فقال لى: قل للأفشين إن أنت حاربت هذا الرجل وجددت فى أمره، وإلّا أمرت الجبال أن ترجمك بالحجارة.» فتحدّث الناس بذلك فى العسكر حتّى صار جلّ حديثهم به علانية كأنّه مستور. فبعث الأفشين إلى رؤساء المطوّعة فأحضرهم وقال لهم: - «أحبّ أن تروني هذا الرجل.» فأتوه به، فانحشر [٢٢٨] معه الناس فقرّبه وأدناه ثمّ قال: - «قصّ علىّ رؤياك ولا تحتشم. فإنّك إنّما تؤدّى.» قال: «رأيت كذا وكذا.» فقال: «الله يعلم بنيّتى وما أريده للمسلمين وبهؤلاء الخلق، وإنّ الله لو أراد أن يأمر الجبال برجم أحد لرجم الكافر وكفانا مؤونته، فكيف يرجمنى حتّى أكفيه مؤونته، كان يرجمه ولا يحتاج أن أقاتله، وأنا أعلم أنّ الله مطّلع على قلبي وما أريد بكم يا مساكين.» فقال رجل من المطوّعة من الوجوه: - «أيّها الأمير، لا تحرمنا شهادة إن حضرت [١] ، فإنّما قصدنا ثواب الله ووجهه، ولو أردنا الحياة لقعدنا فى منازلنا، فدعنا وحدنا حتّى نتقدّم بعد أن يكون بأذنك، فلعلّ الله أن يفتح علينا.» فقال الأفشين: - «أرى نيّاتكم حاضرة، وأحسب هذا الأمر يريده الله، وقد نشطتم ونشط أصحابى وقد حدث لى الساعة رأى فى ذلك وهو خير إن شاء الله، اعزموا

стр. 1806

على بركة الله أىّ يوم شئتم حتّى نناهضه، لا حول ولا قوّة إلّا بالله.» فخرج القوم مستبشرين، فمن كان أراد الانصراف أقام ومن كان خرج ثمّ سمع بذلك رجع. ووعد الناس ليوم، وتقدّم إلى الناس بأخذ الأهبة ثمّ خرج [٢٢٩] وأخرج المحامل على البغال لمن لعلّه يجرح، وأخرج المتطبّبين، وزحف الناس، حتّى صعد إلى المكان الذي كان يجلس فيه وطرح له النطع ووضع عليه الكرسىّ كما كان يفعل وقال لأبى دلف: - «قل لأصحابك أىّ ناحية هي أسهل عليهم فليقتصروا عليها.» وقال لجعفر: - «العسكر كلّه بين يديك والناشبة والنفّاطون أمامك، فخذ حاجتك واعزم على بركة الله، ادن من أىّ موضع شئت.» قال: «أريد أن أقصد الموضع الذي كنت عليه.» قال: «امض.» ثمّ دعا أبا سعيد فقال له: - «قف بين يدىّ أنت وجميع أصحابك ولا يبرحنّ منكم أحد.» ودعا أحمد بن الخليل فقال له: - «قف أنت أيضا وجميع أصحابك ها هنا ودعوا جعفرا يعبر ومن معه من الرجال، فإن أراد رجالا وفرسانا أمددناه.» توجّه أبى دلف نحو حائط البذّ فتوجّه أبو دلف مع المطوّعة نحو حائط البذّ وعلقوا بالحائط على حسب ما كانوا فعلوا ذلك اليوم وحمل جعفر حملة حتّى ضرب باب البذّ كما فعل تلك الدفعة ووقف على الباب وواقفه الخرّمية ساعة، فوجّه الأفشين برجل

стр. 1807

معه بدرة دنانير وقال: - «قل لأصحاب جعفر: من تقدّم حثوت له ملء كفّى.» ودفع بدرة [٢٣٠] أخرى دنانير إلى آخر، وقال: - «اذهب إلى موضع المطوّعة وقل مثل ذلك.» وبعث بأطواق وأسورة مع البدرتين، واشتبكت الحرب، ثمّ فتح الخرّمية الباب وخرجوا على أصحاب جعفر فنحّوهم عن الباب وشدّوا على المطوّعة من الناحية الأخرى فرموهم عن السور، وأخذوا علمين لهم وشدخوهم بالصخر حتّى أثّروا فيهم ورقّوا عن الحرب. وصاح جعفر بأصحابه فبدر منهم نحو مائة رجل فبركوا [١] خلف تراسهم التي كانت معهم وواقفوهم متحاجزين لا هؤلاء يقدمون ولا هؤلاء، حتّى صلى الناس الظهر يختلف بينهم النشّاب والحجارة. فلمّا نظر الأفشين إلى ذلك كره أن يطمع العدوّ فى الناس، فوجّه إلى جعفر بكردوس فقال جعفر: - «لست أوتى من قلّة الرجال، معى رجال ولكن لست أرى للحرب موضعا وقد انقطعت الحرب.» فبعث إليه: - «انصرف على بركة الله.» فانصرف جعفر وتقدّم الأفشين بحمل الجرحى ومن به وهن من الحجارة فى المحامل التي على البغال وأمر الناس بالانصراف فانصرفوا إلى خندقهم بروذ الروذ ويئس الناس من الفتح فى تلك السنة وانصرف [٢٣١] أكثر المطوّعة.

стр. 1808

ثمّ إنّ الأفشين تجهّز بعد جمعتين فلمّا كان فى الليل بعث الرجّالة الناشبة وهم مقدار ألف رجل، فدفع إلى كلّ واحد منهم شكوة [١] وكعكا، ودفع إليهم أعلاما سودا وقال: - «سيروا حتى تصيروا خلف التلّ الذي عليه آذين» - وهو صاحب جيش بابك. وأرسل مهم الأدلّاء وأمرهم ألّا يعلم بهم أحد حتّى يروا أعلام الأفشين عند صلاة الغداة، فحينئذ فركّبوا الأعلام على الرماح واضربوا بالطبول وانحدروا من فوق الجبل وارموا بالنشّاب والصخر على الخرّمية وإن هم لم يروا الأعلام لم يتحرّكوا حتى يأتيهم خبره. ففعلوا ذلك ووافوا رأس الجبل عند السحر وجعلوا فى تلك الشكاء الماء من الوادي. فلمّا كان السحر وجّه الأفشين إلى القوّاد أن: - «اركبوا فى السلاح.» فركبوا، وأخرج النفّاطين والشمع وضرب بالطبل حتّى وافى الموضع الذي كان يقف عليه وبسط النطع ووضع الكرسىّ لعادته، وكان بخاراخذه يقف على العقبة التي كان يقف عليها فى كلّ يوم فلمّا كان ذلك اليوم صيّر بخاراخذاه فى المقدّمة مع أبى سعيد وجعفر الخيّاط وأحمد بن الخليل، فأنكر الناس هذه التعبئة وأمرهم أن يدنوا [٢٣٢] من التلّ الذي عليه آذين فيحدقوا به، وقد كان ينهاهم عن هذا قبل ذلك اليوم. فمضوا جميعا حتّى صاروا كالحلقة حول التلّ وارتفعت الضجّة وتحرّك الكمين واشتبكت الحرب. فلمّا سمع الرجّالة الناشبة الذين تقدّموا صوت الطبول ورأوا الأعلام

стр. 1809

وركّبوا أعلامهم وانحدروا على أصحاب آذين وحمل جعفر الخيّاط وأصحابه حتّى صعدوا إليهم ثمّ حملوا حملة منكرة، قلبوه [١] وأصحابه فى الوادي. وكان آذين قد هيّأ فوق الجبل عجلا عليها صخرة. فلمّا حمل الناس دفع العجل على الناس، فأفرج الناس عنها حتّى تدحرجت ثمّ حمل الناس من كلّ وجه. بابك يريد الأمان فلمّا نظر الناس إلى ذلك كبّروا ونظر بابك إلى أصحابه قد أحدق بهم، فخرج من طرف البذّ من باب يلي الأفشين يكون بين هذا الباب وبين التلّ الذي عليه الأفشين قدر ميل، فأقبل بابك يسأل عن الأفشين فقال لهم المطوّعة وأصحاب أبى دلف: - «من هذا؟» فقالوا: «بابك، يريد الأفشين.» فأرسل أبو دلف إلى الأفشين يعلمه ذلك. فأرسل الأفشين رجلا يعرف بابك. فنظر إليه، ثمّ عاد إليه فقال: - «نعم هو بابك.» فركب إليه الأفشين، فدنا منه حيث يسمع كلامه وكلام أصحابه، والحرب مشتبكة [٢٣٣] فى ناحية آذين، فقال له: - «أريد الأمان من أمير المؤمنين.» فقال له الأفشين: - «قد عرضت عليك هذا وهو لك مبذول متى شئت.»

стр. 1810

فقال: «قد شئت الآن على أن تؤجّلنى أجلا أحمل فيه عيالي وأتجهّز.» قال له الأفشين: - «قد والله نصحتك غير مرّة وأنا أنصحك الساعة: خروجك اليوم فى الأمان خير من غد.» قال: «قد قبلت أيّها الأمير.» قال له الأفشين: - «فابعث بالرهائن التي كنت سألتك.» قال: «نعم. أمّا فلان وفلان فهم على ذلك الجبل، فمر أصحابك بالتوقّف عنهم.» فجاء رسول الأفشين ليردّ الناس. فقيل له: - «من يردّ الناس؟ إنّ أعلام الفراغنة [١] قد دخلت البذّ وصعدوا بها إلى القصور.» فصاح الأفشين بالناس ودخل ودخلوا وصعد الناس بالأعلام فوق القصور وقد كان بابك كمّن فى قصوره وهي أربعة، ستمائة راجل. فوافاهم الناس فصعدوا فوق القصور بالأعلام وامتلأ شارع البذّ وميدانها من الناس وفتح أولئك الكمناء أبواب القصور وخرجوا يقاتلون الناس، ومرّ بابك حتّى دخل الوادي الذي يلي هشتاذ سر واشتغل الأفشين وقوّاده بالحرب على أبواب القصور وأحضروا النفّاطين فصبّوا عليهم النفط والناس والنار يهدمون [٢٣٤] القصور حتّى قتلوهم عن آخرهم. وأخذ الأفشين أولاد بابك وعيالاتهم وأمر الناس بالانصراف فانصرفوا، وكان عامّة الخرّمية فى البيوت فرجع الأفشين إلى الخندق بروذ الروذ.

стр. 1811

فذكر الناس أنّ بابك وأصحابه حين علموا أنّ الأفشين قد رجع إلى خندقه رجعوا إلى البذّ، فحملوا من الزاد ما أمكنهم حمله وحملوا أموالهم، ثمّ دخلوا الوادي الذي يلي هشتاذ سر، فلمّا كان من الغد خرج الأفشين حتّى دخل البذّ فوقف فى القرية وأصعد الكلغريّة [١] فهدموا القصور وحرّقوها. فعل ذلك ثلاثة أيّام حتّى أحرق خزائنه وقصوره ولم يدع بيتا واحدا. ثمّ رجع وقد علم أنّ بابك قد أفلت فى بعض أصحابه. فكتب إلى ملوك أرمينية وأصحاب الأطراف يقول: - «إنّ بابك قد هرب فى عدّة معه وهو مارّ بكم فلا يفوتنّكم.» وجاءت الجواسيس إلى الأفشين فأخبروه بموضعه فى الوادي وكان واديا معشبا كثير الشجر طرفه بأرمينية وطرفه الآخر بأذربيجان، ولم يمكن الخيل أن تنزل إليه ولا يرى من يستخفى فيه، إنّما هو غيضة ملتفّة الأشجار والأنهار فوجّه الأفشين إلى كلّ موضع يعلم أنّ منه طريقا ينحدر إلى تلك الغيضة، إذ يمكن بابك أن يخرج [٢٣٥] منه عسكرا، وكان يوجّه إلى كلّ عسكر من هذه العساكر الميرة من عسكره وكانت عدّة هذه العساكر خمسة عشر عسكرا. أمان مختوم بالذهب من المعتصم لبابك وكانوا كذلك حتّى ورد كتاب أمير المؤمنين المعتصم بالله مختوما بالذهب فيه أمان لبابك. فدعا الأفشين ممّن كان استأمن إليه من أصحاب بابك وبالأسرى وفيهم ابن له كبير، أكبر ولده فقال لهم: - «هذا ما لم أكن أطمع له فيه، أن يكتب له أمير المؤمنين وهو فى هذه

стр. 1812

الحال بأمان، فمن يأخذه ويذهب به إليه؟» فلم يجسر على ذلك أحد منهم وقالوا: - «أيّها الأمير ما فينا من يجترئ أن يلقاه بهذا.» فقال الأفشين: - «ويحكم، إنّه يفرح بهذا.» قالوا: «أصلح الله الأمير، نحن أعرف بهذا منك.» قال: «فلا بدّ من أن تهبوا لى أنفسكم وتوصلوا هذا الكتاب إليه.» فقام رجلان منهم فقالا: - «اضمن لنا أنّك تجرى على عيالاتنا.» فضمن لهما. وأخذا الكتاب وتوجّها، فلم يزالا يدوران فى الغيضة حتّى أصاباه، وكتب معهما ابن بابك يعلمه الخبر ويسأله أن يصير إلى الأمان. فدفعا إليه الكتاب عن ابنه فقرأ الكتاب ابنه وقال: - «أىّ شيء صنعتم؟» قال: «أسر عيالاتنا [٢٣٦] ولم نعرف موضعك فنأتيك.» فقال للذي كان معه الكتاب: - «أمّا هذا فلا أعرفه، ولكن أنت يا ابن الفاعلة كيف اجترأت أن تجيئني من عند ابن الفاعلة؟» - يعنى ابنه. فأخذه وشدّ الكتاب على صدره مختوما لم يفضّه وضرب عنقه. ثمّ قال للآخر: - «اذهب أنت فقل لابني [١] : يا بن الزانية قد تحقّقت الساعة أنّك لست لى بابن، وأنّ أمّك جاءت بك من عهر، لو عشت يوما واحدا وأنت رئيس

стр. 1813

هذه الدعوة، كان خيرا لك من أن تعيش أربعين سنة وأنت عبد ذليل، ولكنّك من جنس لا خير فيه.» وردّ الرجل مع أدلّاء حتّى دلّوه ورجعوا إلى بابك. فناء زاد بابك ثمّ إنّ بابك فنى زاده وخرج ممّا يلي طريقا فيه جبل لا يقيم عليه عسكر لبعده من الماء، وكان الناس قد أقاموا هناك فارسين وكوهيّين [١] يحرسون الطريق بنوبة، فلمّا خرج بابك وأصحابه وكان معه أخواه عبد الله ومعاوية وامرأة له وساروا يريدون أرمينية، نظر إليهم الفارسان والكوهيّان، فتوجّهوا إلى العسكر وعليه أبو الساج، فأعلموه أنّهم رأوا فرسانا خرجوا من الغيضة ومرّوا لا ندري من هم. فركب [٢٣٧] الناس وساروا فنظروا إليهم من بعد وقد نزلوا على عين ماء يتغدّون عليها. فلمّا نظروا إلى الناس بادر الكافر فركب وركب من كان معه. فأفلت وأخذ معاوية وأمّ بابك والمرأة التي كانت معه، ومع بابك غلام له. فوجّه أبو الساج بمعاوية والمرأتين إلى العسكر ومرّ بابك حتّى دخل جبال أرمينية يسير متكمّنا فى الجبال فاحتاج إلى طعام، وكان جميع بطارقة أرمينية قد تحفّظوا بنواحيهم وأطرافهم وأوصوا مسالحهم [٢] : [أن] [٣] لا يجتاز عليهم أحد إلّا أخذوه حتّى يعرفوه. وكان أصحاب المسالح كلّهم متحفّظين.

стр. 1814

بابك والحرّاث وما فعل ابن سنباط وأصاب بابك الجوع فأشرف فإذا هو بحرّاث يحرث على فدان له فى بعض الأودية. فقال لغلام له: - «انزل إلى هذا الحرّاث وخذ معك دراهم ودنانير، فإن كان معه خبز فخذه وأعطه.» وكان للحرّاث شريك ذهب لحاجته. فنزل الغلام إلى الحرّاث يخاطبه، فنظر إليه شريكه من بعيد فوقف بالبعد يفرق أن يجيء إلى شريكه. فدفع الغلام إلى الحرّاث شيئا، فجاء الحرّاث فأخذ الخبز فدفعه إلى الغلام وشريكه قائم ينظر ويظنّ أنّه إنّما اغتصبه خبزه. فعدا إلى صاحب [٢٣٨] المسلحة [١] فأعلمه أنّ رجلا عليه سيف وسلاح جاءهم وأخذ خبز شريكه من الوادي. فركب صاحب المسلحة وكان فى جبال ابن سنباط، ووجّه إلى سهل بن سنباط بالخبر. فركب ابن سنباط وجماعة معه حتّى جاءه مسرعا، فوافى الحرّاث والغلام عنده فقال: - «ما هذا؟» قال الحرّاث: - «هذا رجل مرّ بى فطلب خبزا فأعطيته.» فقال للغلام: - «أين مولاك؟» قال: «هاهنا.» فأومأ إليه، فاتّبعه فأدركه وهو نازل. فلمّا رأى وجهه عرفه، فترجّل له

стр. 1815

ابن سنباط عن دابّته ودنا منه فقبّل يده ثمّ قال: - «يا سيّدى [١] إلى أين؟» قال: «أريد بلاد الروم- أو موضعا سمّاه.» فقال له: - «لا تجد أحدا أعرف بحقّك ولا أحقّ أن تكون عنده منّى. أنت تعرف موضعي، ليس بيني وبين السلطان عمل ولا يدخل علىّ أحد من أصحاب السلطان، وأنت عارف بقصتي وبلدي وكلّ من ها هنا من البطارقة، إنّما هم أهل بيتك قد صار لك منهم أولاد.» وذلك أنّ بابك كان إذا علم أنّ عند أحد البطارقة بنتا أو أختا جميلة وجّه يطلبها، فإن بعث بها وإلّا بيّته وأخذها وأخذ جميع ما له من متاع وغيره. ثمّ قال له ابن سنباط: - «صر عندي فى حصني [٢٣٩] فإنّما هو منزلك وأنا عبدك فكن فيه شتوتك هذه ثمّ ترى رأيك.» وكان بابك قد أصابه الضرّ والجهد فركن إلى كلام سهل بن سنباط وقال له: - «ليس يستقيم أن أكون أنا وأخى فى موضع واحد، لعلّه أن يعثر بأحدنا فيبقى الآخر، ولكنّى أقيم عندك وتوجّه [٢] عبد الله أخى إلى ناحية ابن اصطفانوس، لأنّه ليس لنا خلف يقوم بدعوتنا.» فقال له ابن سنباط: - «ولدك كثير.» قال: «ليس فيهم خير.»

стр. 1816

ابن سنباط يكتب الخبر إلى الأفشين وما كان بعد ذلك وكان يثق بابن اصطفانوس. فلمّا أصبح عبد الله مضى إلى حصن اصطفانوس وأقام بابك عند ابن سنباط. فكتب ابن سنباط إلى الأفشين يعلمه أنّ بابك عنده فى حصنه. فكتب إليه: - «إن كان هذا صحيحا فلك عندي وعند أمير المؤمنين- أعزّه الله- الذي تحبّ.» وكتب يجزّيه خيرا. ووصف الأفشين صفة بابك لرجل من خاصّته ممّن يثق به ووجّه به إلى ابن سنباط، وكتب إليه يعلمه أنّه وجّه إليه برجل من خاصّته يحبّ أن يرى بابك ليحكى للأفشين ذلك. فكبره ابن سنباط ذلك إشفاقا من أن يوحش ذلك بابك. فقال للرجل: - «ليس يمكنك أن تراه إلّا فى الوقت الذي يكون منكبّا على طعامه يتغدّى. فإذا رأيتنا قد [٢٤٠] دعونا بالطعام فالبس ثياب الطبّاخين الذين معنا على هيئة علوجنا وتعال كأنّك تقدّم الطعام أو تتناول شيئا، فإنّه يكون متّكئا على الطعام فتفقّد منه ما تريد، فاذهب فاحكه لصاحبك.» ففعل به ذلك فى وقت الطعام فرفع بابك رأسه فنظر إليه فأنكره وقال: - «من هذا الرجل؟» فقال له ابن سنباط: - «هذا رجل من أهل خراسان منقطع إلينا منذ زمان، نصراني.» فقال له بابك: - «منذ كم أنت هاهنا؟»

стр. 1817

قال: «منذ كذا وكذا سنة.» قال: «وكيف أقمت ها هنا؟» قال: «تزوّجت ها هنا.» فقال له: - «صدقت، إذا قيل للرجل من أين أنت، قال: من حيث امرأتى.» ثمّ رجع إلى الأفشين فأخبره ووصف له بابك: ووجّه الأفشين أبا سعيد وبو زبازه [١] إلى ابن سنباط وكتب إليه معهما وأمرهما إذا صار إلى بعض الطريق قدّما كتابه [٢] إلى ابن سنباط مع علج من الأعلاج. وأمرهما إلّا يخالفا ابن سنباط فيما يشير به عليهما. ففعلا ذلك فكتب إليهما ابن سنباط فى المقام بموضع قد سمّاه ووصفه لهما إلى أن يأتيهما رسوله. فلم يزالا مقيمين فى الموضع الذي وصفه لهما، ووجّه إليهما ابن سنباط بالميرة والزاد حتّى تحرّك بابك للخروج إلى الصيد [٢٤١] فقال له: - «ها هنا واد طيّب وأنت مغموم فى جوف هذا الحصن، فلو خرجت، ومعنا باز [٣] وباشق وما تحتاج إليه فنتفرّج إلى وقت الغداء بالصيد.» فقال له بابك: - «إذا شئت فانفذ ليركبا بالغداء.» وكتب ابن سنباط إلى أبى سعيد وبو زبازه يعلمهما ما عزم عليه ويأمرهما أن يوافياه: واحد من هذا الجانب من الجبل والآخر من الجانب الآخر، وأن

стр. 1818

يسيرا متكمّنين مع صلاة الصبح، فإذا جاءهما رسوله أشرفا على الوادي فانحدرا عليه إذا رأوهم وأخذوهم. فلمّا ركب ابن سنباط وبابك وجّه ابن سنباط رسولا إلى هذا ورسولا إلى هذا وأراد أن يشبّه على بابك ويقول: - «هذه خيل قد جاءتنا فأخذتنا ولم يحبّ أن يدفعه إليهما من منزله.» فأشرفا على الوادي فإذا هما ببابك وابن سنباط وكان على بابك درّاعة بيضاء. فانحدرا وأصحابهما عليه هذا من ها هنا وهذا من ها هنا. فأخذاهما ومعهما البواشيق. فلمّا نظر بابك إلى العساكر قد أحدقت به وقف ينظر إليهم. فقالا له: - «انزل.» فقال: «ومن أنتما؟» قال أحدهما: - «أنا أبو سعيد.» وقال الآخر: - «أنا بو زبازه.» فقال: «نعم.» وثنّى رجله فنزل- وكان ابن سنباط ينظر إليه- فرفع رأسه [٢٤٢] إلى ابن سنباط فشتمه وقال: - «إنّما بعتني من اليهود بالشيء اليسير، لو أردت المال منّى وطلبته لأعطيتك أكثر ممّا يعطيك هؤلاء.» بابك يحمل إلى الأفشين ثمّ أركبوه وحملوه وجاءوا به إلى الأفشين. فجلس له الأفشين ببرزند فى

стр. 1819

خيمة بين يديها فازة، فاصطفّ الناس له صفّين، فأمر الأفشين ألّا يتركوا غريبا [١] من الصفّين فرقا أن يجرحه إنسان أو يقتله ممّن قتل أولياءه أو صنع به داهية. وقد كان صار إلى الأفشين نساء كثير وصبيان ذكروا أنّ بابك كان أسرهم وأنّهم أحرار من العرب والدهاقين. فأمر الأفشين بإفرادهم فى حظيرة وأجرى عليهم أقواتهم وأمرهم أن يكتبوا إلى أوليائهم وكل من جاءه فعرف امرأة أو صبيّا أو صبيّة وأقام شاهدين يعرفان أنّها حرمة له أو قرابة دفعها إليه. فكان قد ذهب خلق كثير وبقي ناس كثير منهم ينتظرون أن تجيء أولياؤهم. فلمّا كان ذلك اليوم وصار بين بابك وبين الأفشين قدر نصف ميل أنزل بابك، فمشى بين الصفّين فى درّاعته وعمامته وخفّيه حتّى وقف بين يدي الأفشين. فنظر إليه الأفشين ثمّ قال: - «انزلوا به إلى العسكر.» فنزلوا به راكبا. فلمّا نظر النساء والصبيان الذين كانوا [٢٤٣] أفردهم الأفشين فى حظيرة لطموا وجوههم وصاحوا وبكوا حتّى ارتفعت أصواتهم. فوجّه الأفشين إليهم: - «أنتم بالأمس تقولون أسرنا وأنتم اليوم تبكون عليه، لعنكم الله.» قالوا: «إنّه كان محسنا إلينا.» فأمر به الأفشين فأدخل بيتا، ووكّل به جماعة من ثقاته. وكان عبد الله أخو بابك مقيما عند عيسى بن اصطفانوس، فأعلم الأفشين بمكانه فكتب

стр. 1820

إليه يأمره أن يوجّه بعبد الله. فوجّه به عيسى بن اصطفانوس إلى الأفشين. فلمّا صار فى يد الأفشين حبسه مع أخيه فى بيت واحد ووكّل بهما قوما يحفظونهما. وكتب إليه المعتصم يأمره بالقدوم بهما عليه. فلمّا أراد أن يصير إلى العراق وجّه إلى بابك: - «أنظر ما تشتهي من بلاد أذربيجان.» قال: «أشتهى أن أنظر إلى مدينتي.» فوجّهه مع قوم فى ليلة مقمرة إلى البذّ حتّى دار فيه ونظر إلى البيوت والقتلى فيه إلى وقت الصبح ثمّ ردّ. فيظنّ أنّه تأمّل مواضع كنوزه. ودخلت سنة ثلاث وعشرين ومائتين قدوم الأفشين ببابك على المعتصم وما فعل المعتصم به فقدم فيها الأفشين على المعتصم ببابك وأخيه سرّ من رأى. وكان المعتصم يوجّه [٢٤٤] إلى الأفشين كلّ يوم منذ فصل من برزند إلى أن وافى سرّ من رأى فرسا وخلعة، وكان المعتصم لعنايته بأمر بابك وفساد الطريق بالثلج وغيره رتّب بين سرّ من رأى وبين عقبة حلوان خيلا مضمّرة على رأس كلّ فرسخ فرسا معه مجر، وكان يركض بالخبر ركضا حتّى يؤدّيه واحد إلى واحد يدا بيد. وأمّا ما وراء حلوان إلى أذربيجان فقد رتّب فيه دوابّ المرج فكانت تركض يوما أو يومين ثمّ تبدّل. وكان لهم ديادبة [١] على رؤوس الجبال بالليل والنهار ينعرون إذا جاءهم الخبر. فإذا سمع الذي يليه تعبّأ واستعدّ فلا

стр. 1821

يبلغ إليه صاحبه حتّى يقف له على الطريق فيأخذ منه الخريطة ويركض بها. فكانت الخريطة تصل من عسكر الأفشين إلى سرّ من رأى فى أربعة أيّام وأقلّ. فلمّا صار الأفشين ببابك إلى سرّ من رأى لم يصبر المعتصم أن يحمل إليه حتّى ذهب متنكّرا فرءاه وتأمّله وبابك لا يعرفه. ثمّ قعد له المعتصم من الغد واصطفّ له الناس بين باب العامّة إلى المطيرة وبها أنزل بابك. وأراد المعتصم أن يشهّره فاستشار: - «على أىّ شيء يحمل ويشهر؟» فقيل: «يا أمير المؤمنين [٢٤٥] لا شيء أشهر من الفيل.» فأمر بتهيئة الفيل فخضب وحمل عليه بابك فى قباء ديباج وقلنسوة سمّور مدوّرة هو وحده. فقال محمد بن عبد الملك الزيّات: قد خضب الفيل كعاداته ... لحمل شيطان خراسان والفيل لا تخضب أعضاؤه ... إلّا لذي شأن من الشأن فاستشرفه الناس من المطيرة [١] إلى باب العامّة، ثمّ أدخل به على المعتصم وأحضر جزّار لقطع أعضائه، ثمّ أمر أن يحضر سيّافه، وكان اسمه نوذ، فخرج الحاجب من باب العامّة فقال: - «نوذ، نوذ.» وارتفعت الضجّة: - «نوذ، نوذ.»

стр. 1822

حتّى حضر، فأمره المعتصم أن يقطع يديه ورجليه فقطعهما فسقط، فأمر أن يشقّ بطنه، ثمّ حزّ رأسه. ووجّه به إلى خراسان وصلب بدنه بسرّ من رأى. فموضع خشبته مشهور إلى الآن. أخو بابك يحمل إلى بغداد وحمل أخوه إلى بغداد فعمل به ما عمل ببابك. ويقال إنّه لمّا صار إلى البردان أنزل على ابن شروين فى قصره، وابن شروين ملك طبرستان، فحمد الله أخو بابك وقال: - «أنا أشكر الله حيث وفّق لى رجلا من الدهاقين يتولّى قتلى.» قال: «إنّما يتولّى قتلك هذا.» [٢٤٦] وأشار إلى نوذ، وكان حاضرا وقد حمل معه. فقال: «أنت صاحبي وإنّما هذا علج فأخبرني أمرت أن تطعمني شيئا أم لا؟» قال: «قل ما شئت.» قال: «اضرب لى فالوذجة.» فأمر فضربت له فالوذجة فى جوف الليل فأكل منها حتّى تملّأ ثمّ قال: - «يا با فلان ستعلم غدا أنّى دهقان إن شاء الله.» ثمّ قال: «تقدر أن تسقيني نبيذا؟» قال: «نعم ولا تكثر.» قال: «فإنى لا أكثر.» قال: فأحضر أربعة أرطال خمرا، فشربها على مهل إلى قريب الصبح. ثمّ وافى به من الغد مدينة السلام وأحضر رأس الجسر. فأمر إسحاق بن إبراهيم بن مصعب بقطع يديه ورجليه، فلم ينطق ولم يتكلّم ولم يضطرب، ثمّ أمر

стр. 1823

بصلبه فصلب فى الجانب الشرقي. واستخرج الأفشين لسهل بن سنباط من المعتصم ألف ألف درهم ومنطقة مغرقة بالذهب [١] والجوهر وتاج البطرقة وكان هذا سبب بطرقة سهل بن سنباط. وأخذ الأفشين لمعاوية أخى بابك مائة ألف درهم. تتويج المعتصم الأفشين بعد قتل بابك وتوّج المعتصم الأفشين وألبسه وشاحين بالجوهر ووصله بعشرين ألف ألف درهم: عشرة آلاف له وعشرة آلاف يفرّقها فى أهل عسكره، وعقد له على السند وأدخل إليه الشعراء يمدحونه وأمر لهم بصلات. فممّا مدح به [٢٤٧] قول أبى تمام الطائي: بذّ الجلاد البذّ فهو دفين ... ما إن به إلّا الوحوش قطين قد كان عذرة سؤدد فافتضّها ... بالسّيف فحل المشرق الأفشين هطلت عليها من جماجم أهلها ... ديم إمارتها طلى وشؤون إيقاع ملك الروم بأهل زبطرة وفى هذه السنة أوقع ملك الروم توفيل بن ميخائيل بأهل زبطرة [٢] فأسرهم وخرّب بلدهم ومضى من فوره إلى ملطية [٣] فأغار على أهلها وعلى حصون كثيرة فسبا من المسلمات خلقا كثيرا ومثّل بمن صار فى يده من

стр. 1824

المسلمين فسمل أعينهم وقطع آنفهم وآذانهم. ذكر السبب فى ذلك كان السبب فى ذلك أنّ بابك لمّا ضاق به الأمر وأشرف على الهلاك وأحسّ فيمن صحبه بالضعف، كتب إلى ملك الروم توفيل بن ميخائيل يعلمه: أنّ ملك العرب قد وجّه عساكره ومقاتلته إلىّ وشغلهم بى، حتّى وجّه خيّاطه- يعنى جعفر بن دينار- ووجّه طبّاخه- يعنى ايتاخ- ولم يبق على بابه أحد، فإن أردت الخروج إليه [٢٤٨] فاعلم أنّه ليس فى وجهه أحد يمنعك. منه، طمعا منه فى أنّ ملك الروم إن تحرّك انكشف عنه بعض ما هو فيه بصرف المعتصم بعض من بازائه من جيوشه إلى ملك الروم. فخرج ملك الروم فى مائة ألف وأكثر، فيهم من الجند نيّف وسبعون ألفا والباقون حشر وأتباع، وأخرج معه المحمّرة الذين كانوا أخرجوا بالجبال فلحقوا بالروم حين قاتلهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وكان الملك صيّرهم مقاتلته. فلمّا دخل ملك الروم زبطرة وقتل أهلها وسبى الذرارىّ والنساء بلغ النفير سرّ من رأى، وخرج أهل ثغور الشام والجزيرة إلّا من لم يجد سلاحا ولا دابّة، واستعظم المعتصم ذلك، فلمّا انتهى إليه الخبر قال: - «لبّيك لبّيك.» وذلك أنّه بلغه أنّ امرأة من السبي قالت: - «وا معتصماه.» وصاح فى قصره النفير. ثمّ ركب دابّته وسمّط خلفه شكالا وسكّة حديد وحقيبة، ولم يستقم له أن يخرج إلّا بعد التعبئة فأحضر ثلاثمائة ونيّفا وعشرين من القضاة والعدول فأشهدهم على ما وقف من الضياع، فجعل ثلثا لولده وثلثا لله وثلثا لمواليه، ثم عسكر بغربىّ دجلة ووجّه عجيف بن عنبسة

стр. 1825

وعمر [٢٤٩] الفرغاني وجماعة أمثالهما من القوّاد إلى زبطرة إغاثة لأهلها فلحقوا وقد انصرف ملك الروم وفعل ما فعل. فلمّا ظفر المعتصم ببابك قال: - «أىّ بلاد الروم أمنع وأحصن؟» فقيل: «عموريّة، لم يعرض لها أحد من المسلمين وهي عين النصرانية وهي أشرف عندهم من قسطنطينية.» شخوص المعتصم غازيا إلى بلاد الروم فشخص المعتصم غازيا إلى بلاد الروم فتجهّز جهازا لم يتجهّز مثله قطّ خليفة من السلاح والعدد والآلات وحياض [١] الأدم والروايا والقرب والبغال وآلة الحديد وآلة النار والنفط، وجعل على مقدّمته أشناس، ويتلوه محمد بن إبراهيم، وعلى ميمنته ايتاخ وعلى ميسرته جعفر بن دينار وعلى القلب عجيب بن عنبسة، وبعث الأفشين حيدر بن كاووس إلى سروج وأمره بالتزوّد منها وسمّى له يوما أمره فيه بدخول درب الحدث وقدّر لعسكره وعسكر أشناس يوما يدخل فيه الأفشين بقدر ما بين المسافتين، ورأى أن تجتمع عساكره بأنقرة، فإذا فتحها الله صار إلى عمرويّة. فقدم أشناس من درب طرسوس وتبعه وصيفه وجمع مقدمات العسكر. فلمّا صار أشناس بمرج الأسقف ورد عليه كتاب المعتصم يأمره بالمقام [٢٥٠] ويعلمه أنّ الجواسيس أتته بأنّ الملك يريد أن يقف على المخاضة ويكبسهم، وأعلمه أيضا أنّه ينتظر ساقته لأنّ فيها الأثقال والمجانيق والزاد. فأقام أشناس بمرج الأسقف ثلاثة أيّام حتّى ورد كتاب المعتصم يأمره أن يوجّه قائدا فى سريّة يلتمسون رجلا من الروم يسألونه عن خبر الملك ومن
следующие страницы →