يبلغ إليه صاحبه حتّى يقف له على الطريق فيأخذ منه الخريطة ويركض بها.
فكانت الخريطة تصل من عسكر الأفشين إلى سرّ من رأى فى أربعة أيّام وأقلّ.
فلمّا صار الأفشين ببابك إلى سرّ من رأى لم يصبر المعتصم أن يحمل إليه حتّى ذهب متنكّرا فرءاه وتأمّله وبابك لا يعرفه. ثمّ قعد له المعتصم من الغد واصطفّ له الناس بين باب العامّة إلى المطيرة وبها أنزل بابك.
وأراد المعتصم أن يشهّره فاستشار:
- «على أىّ شيء يحمل ويشهر؟» فقيل: «يا أمير المؤمنين [٢٤٥] لا شيء أشهر من الفيل.» فأمر بتهيئة الفيل فخضب وحمل عليه بابك فى قباء ديباج وقلنسوة سمّور مدوّرة هو وحده. فقال محمد بن عبد الملك الزيّات:
قد خضب الفيل كعاداته ... لحمل شيطان خراسان
والفيل لا تخضب أعضاؤه ... إلّا لذي شأن من الشأن
فاستشرفه الناس من المطيرة [١] إلى باب العامّة، ثمّ أدخل به على المعتصم وأحضر جزّار لقطع أعضائه، ثمّ أمر أن يحضر سيّافه، وكان اسمه نوذ، فخرج الحاجب من باب العامّة فقال:
- «نوذ، نوذ.» وارتفعت الضجّة:
- «نوذ، نوذ.»
стр. 1822
حتّى حضر، فأمره المعتصم أن يقطع يديه ورجليه فقطعهما فسقط، فأمر أن يشقّ بطنه، ثمّ حزّ رأسه. ووجّه به إلى خراسان وصلب بدنه بسرّ من رأى. فموضع خشبته مشهور إلى الآن.
أخو بابك يحمل إلى بغداد
وحمل أخوه إلى بغداد فعمل به ما عمل ببابك. ويقال إنّه لمّا صار إلى البردان أنزل على ابن شروين فى قصره، وابن شروين ملك طبرستان، فحمد الله أخو بابك وقال:
- «أنا أشكر الله حيث وفّق لى رجلا من الدهاقين يتولّى قتلى.» قال: «إنّما يتولّى قتلك هذا.» [٢٤٦] وأشار إلى نوذ، وكان حاضرا وقد حمل معه.
فقال: «أنت صاحبي وإنّما هذا علج فأخبرني أمرت أن تطعمني شيئا أم لا؟» قال: «قل ما شئت.» قال: «اضرب لى فالوذجة.» فأمر فضربت له فالوذجة فى جوف الليل فأكل منها حتّى تملّأ ثمّ قال:
- «يا با فلان ستعلم غدا أنّى دهقان إن شاء الله.» ثمّ قال: «تقدر أن تسقيني نبيذا؟» قال: «نعم ولا تكثر.» قال: «فإنى لا أكثر.» قال: فأحضر أربعة أرطال خمرا، فشربها على مهل إلى قريب الصبح. ثمّ وافى به من الغد مدينة السلام وأحضر رأس الجسر. فأمر إسحاق بن إبراهيم بن مصعب بقطع يديه ورجليه، فلم ينطق ولم يتكلّم ولم يضطرب، ثمّ أمر
стр. 1823
بصلبه فصلب فى الجانب الشرقي.
واستخرج الأفشين لسهل بن سنباط من المعتصم ألف ألف درهم ومنطقة مغرقة بالذهب [١] والجوهر وتاج البطرقة وكان هذا سبب بطرقة سهل بن سنباط. وأخذ الأفشين لمعاوية أخى بابك مائة ألف درهم.
تتويج المعتصم الأفشين بعد قتل بابك
وتوّج المعتصم الأفشين وألبسه وشاحين بالجوهر ووصله بعشرين ألف ألف درهم: عشرة آلاف له وعشرة آلاف يفرّقها فى أهل عسكره، وعقد له على السند وأدخل إليه الشعراء يمدحونه وأمر لهم بصلات. فممّا مدح به [٢٤٧] قول أبى تمام الطائي:
بذّ الجلاد البذّ فهو دفين ... ما إن به إلّا الوحوش قطين
قد كان عذرة سؤدد فافتضّها ... بالسّيف فحل المشرق الأفشين
هطلت عليها من جماجم أهلها ... ديم إمارتها طلى وشؤون
إيقاع ملك الروم بأهل زبطرة
وفى هذه السنة أوقع ملك الروم توفيل بن ميخائيل بأهل زبطرة [٢] فأسرهم وخرّب بلدهم ومضى من فوره إلى ملطية [٣] فأغار على أهلها وعلى حصون كثيرة فسبا من المسلمات خلقا كثيرا ومثّل بمن صار فى يده من
стр. 1824
المسلمين فسمل أعينهم وقطع آنفهم وآذانهم.
ذكر السبب فى ذلك كان السبب فى ذلك أنّ بابك لمّا ضاق به الأمر وأشرف على الهلاك وأحسّ فيمن صحبه بالضعف، كتب إلى ملك الروم توفيل بن ميخائيل يعلمه:
أنّ ملك العرب قد وجّه عساكره ومقاتلته إلىّ وشغلهم بى، حتّى وجّه خيّاطه- يعنى جعفر بن دينار- ووجّه طبّاخه- يعنى ايتاخ- ولم يبق على بابه أحد، فإن أردت الخروج إليه [٢٤٨] فاعلم أنّه ليس فى وجهه أحد يمنعك.
منه، طمعا منه فى أنّ ملك الروم إن تحرّك انكشف عنه بعض ما هو فيه بصرف المعتصم بعض من بازائه من جيوشه إلى ملك الروم.
فخرج ملك الروم فى مائة ألف وأكثر، فيهم من الجند نيّف وسبعون ألفا والباقون حشر وأتباع، وأخرج معه المحمّرة الذين كانوا أخرجوا بالجبال فلحقوا بالروم حين قاتلهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وكان الملك صيّرهم مقاتلته. فلمّا دخل ملك الروم زبطرة وقتل أهلها وسبى الذرارىّ والنساء بلغ النفير سرّ من رأى، وخرج أهل ثغور الشام والجزيرة إلّا من لم يجد سلاحا ولا دابّة، واستعظم المعتصم ذلك، فلمّا انتهى إليه الخبر قال:
- «لبّيك لبّيك.» وذلك أنّه بلغه أنّ امرأة من السبي قالت:
- «وا معتصماه.» وصاح فى قصره النفير. ثمّ ركب دابّته وسمّط خلفه شكالا وسكّة حديد وحقيبة، ولم يستقم له أن يخرج إلّا بعد التعبئة فأحضر ثلاثمائة ونيّفا وعشرين من القضاة والعدول فأشهدهم على ما وقف من الضياع، فجعل ثلثا لولده وثلثا لله وثلثا لمواليه، ثم عسكر بغربىّ دجلة ووجّه عجيف بن عنبسة
стр. 1825
وعمر [٢٤٩] الفرغاني وجماعة أمثالهما من القوّاد إلى زبطرة إغاثة لأهلها فلحقوا وقد انصرف ملك الروم وفعل ما فعل. فلمّا ظفر المعتصم ببابك قال:
- «أىّ بلاد الروم أمنع وأحصن؟» فقيل: «عموريّة، لم يعرض لها أحد من المسلمين وهي عين النصرانية وهي أشرف عندهم من قسطنطينية.»
شخوص المعتصم غازيا إلى بلاد الروم
فشخص المعتصم غازيا إلى بلاد الروم فتجهّز جهازا لم يتجهّز مثله قطّ خليفة من السلاح والعدد والآلات وحياض [١] الأدم والروايا والقرب والبغال وآلة الحديد وآلة النار والنفط، وجعل على مقدّمته أشناس، ويتلوه محمد بن إبراهيم، وعلى ميمنته ايتاخ وعلى ميسرته جعفر بن دينار وعلى القلب عجيب بن عنبسة، وبعث الأفشين حيدر بن كاووس إلى سروج وأمره بالتزوّد منها وسمّى له يوما أمره فيه بدخول درب الحدث وقدّر لعسكره وعسكر أشناس يوما يدخل فيه الأفشين بقدر ما بين المسافتين، ورأى أن تجتمع عساكره بأنقرة، فإذا فتحها الله صار إلى عمرويّة. فقدم أشناس من درب طرسوس وتبعه وصيفه وجمع مقدمات العسكر.
فلمّا صار أشناس بمرج الأسقف ورد عليه كتاب المعتصم يأمره بالمقام [٢٥٠] ويعلمه أنّ الجواسيس أتته بأنّ الملك يريد أن يقف على المخاضة ويكبسهم، وأعلمه أيضا أنّه ينتظر ساقته لأنّ فيها الأثقال والمجانيق والزاد.
فأقام أشناس بمرج الأسقف ثلاثة أيّام حتّى ورد كتاب المعتصم يأمره أن يوجّه قائدا فى سريّة يلتمسون رجلا من الروم يسألونه عن خبر الملك ومن
стр. 1826
معه. فوجّه أشناس عمر الفرغاني فى مائتي رجل فرسانا، فساروا ليلتهم حتّى أتوا حصن قرّة وطافوا يلتمسون رجلا حول الحصن فنذر بهم صاحب قرّة، فخرج فى جميع من معه بأنقرة وكمّن فى الجبل الذي بين قرّة ودرّة، وعلم عمر الفرغاني بما صنع. فتقدّم إلى درّه فتكمّن بها ليلته.
فلمّا انفجر عمود الصبح صيّر عسكره ثلاثة كراديس وأمرهم أن يركضوا ركضا سريعا بقدر ما يأتونه بأسير عنده خبر الملك وواعدهم إلى موضع عرفه الأدلّاء ووجّه مع كلّ كردوس دليلين ومضوا فتفرّقوا فى ثلاثة وجوه فأخذوا عدّة من عسكر الملك ومن الضواحي، وأخذ عمر فارسا من فرسان أنقرة فسأله عن الخبر، فأخبره أنّ الملك وعسكره بالقرب منه وراء اللامس [١] بأربعة فراسخ وهو نهر قريب من طرسوس على نحو فرسخ منها عليه يقع الفداء [٢] .
وذكروا أنّ الملك بلغه [٢٥١] دخول عسكر كثير بلاده فرحل إليه واستخلف على عسكره هناك ابن عمّ له ينتظر ورود الملك- يعنى المعتصم- ليواقعه فكان ذلك العسكر الذي توسّط بلاد الروم عسكر الأفشين. فوجّه أشناس بذلك الرجل إلى المعتصم فأخبره بجميع ذلك.
وبادر المعتصم من عسكره بقوم من الأدلّاء وضمن لكلّ رجل منهم عشرة آلاف درهم على أن يوافوا بكتابه الأفشين. وأعلمه أنّ أمير المؤمنين مقيم فليقم، وأشفق أن يواقعه ملك الروم. وكتب إلى أشناس يأمره أن يوجّه من قبله رسولا مع الأدلّاء العارفين بالطرق والجبال والمتشبّهة بالروم، وبذل لكلّ واحد منهم عشرة آلاف ويكتب إلى الأفشين: «أنّ ملك الروم قد أقبل نحوه فليقم مكانه حتّى يوافيه أمر أمير المؤمنين.»
стр. 1827
فتوجّهت الرسل نحو الأفشين فلم يلحقه أحد منهم: لأنّه كان وغل فى بلاد الروم وتوافت آلات المعتصم وأثقاله مع صاحب الساقة. فكتب إلى أشناس يأمره بالتقدّم فتقدّم والمعتصم وراءه بينهما مرحلة ينزل هذا ويرحل هذا ولم يرد عليه خبر من الأفشين حتّى صاروا بأنقرة على ثلاث مراحل، وضاق عسكر المعتصم ضيقا شديدا من [٢٥٢] الماء والعلف.
أشناس والشيخ
وكان أشناس قد أسر عدّة أسرا فى طريقه فأمر بهم فضربت أعناقهم حتّى بقي منهم شيخ كبير فقال الشيخ:
- «ما تنتفع بقتلى وأنت فى عسكرك فى هذا الضيق من الماء والزاد والعلف وأنا أدلّك على قوم بالقرب، قد هربوا من أنقرة خوفا من أن ينزل بهم ملك العرب ومعهم من الميرة والطعام شيء كثير.» فوعده أشناس أن يطلقه إن فعل ذلك. فسار بهم الشيخ إلى وقت العتمة فأوردهم على واد وحشيش كثير، فأمر الناس دوابّهم حتّى شبعت وتعشّى الناس وشربوا حتّى رووا.
ثمّ سار بهم حتّى أخرجهم من الغيضة [١] بقية ليلتهم يدور بهم فى جبل ولا يخرجهم منه. فقال الأدلّاء:
- «هذا الرجل يدور بنا.» فسأله عمّا قال الأدلّاء. فقال الشيخ:
- «صدقوا ولكنّ القوم الذين نريدهم خارج الجبل، وأخاف أن أخرج من الجبل بالليل فيسمعوا صوت حوافر الخيل على الصخر فيهربوا، فإذا خرجنا
стр. 1828
من الجبل ولم تر أحدا قتلتني. فأنا أدوّر بك فى هذا الجبل إلى الصبح، فإذا أصبحنا خرجنا إليهم فأريتك إيّاهم.» فقال له:
- «ويحك فأنزلنا فى الجبل حتّى نستريح.» فقال: «رأيك.» فنزلنا على الصخر وأمسكنا لجم دوابّنا حتّى الفجر. فلمّا طلع الفجر قال:
- «وجّهوا رجلين [٢٥٣] يصعدان هذا الجبل [١] فيبصران ما فوقه ويأخذان من أدركا فيه.» فصعد أربعة فأصابوا رجلا وامرأة فأنزلوهما وسائلهما العلج عن أهل أنقرة: «أين باتوا.» فسمّيا الموضع. فقال الشيخ:
- «خلّوا عن هذين فإنّا قد أعطيناهما الأمان حتّى دلّونا.» فخلّى عنهما وسار بهم العلج إلى الموضع. فأشرف بهم على عسكر أهل أنقرة. فلمّا رأوا العسكر صاحوا بالنساء والصبيان فدخلوا الملّاحة [٢] ووقفوا على طرفها يقاتلون وأخذوا منهم عدّة أسرى وأصابوا فى الأسرى قوما بهم جراحات فسألوهم عنها فقالوا:
- «كنّا مع الملك فى وقعة الأفشين.» فقالوا لهم:
- «فحدّثونا بالقصّة.» فأخبروا أنّ الملك كان معسكرا بلامس حتّى جاءه رسول فأخبره أنّ عسكرا ضخما قد دخل من ناحية الارمنياق [٣] فاستخلف على عسكره
стр. 1829
رجلا من أهل بيته وأمره بالقيام فى موضعه، فإن ورد عليه مقدّمة ملك الروم واقعه، إلى أن يذهب هو فيواقع هذا العسكر- يعنى عسكر الأفشين.
فقال أميرهم:
- «نعم وكنت ممّن سار مع الملك فواقعناهم صلاة الغداة فهزمناهم وقتلنا رجّالتهم كلّهم وتقطّعت عساكرنا فى طلبهم. فلمّا كان [٢٥٤] الظهر رجع فرسانهم فقاتلونا قتالا شديدا حتّى اختلطوا بنا فلم ندر أين الملك ولم نزل كذلك إلى العصر، ثمّ رجعنا إلى موضع معسكر الملك باللّامس فلم نصادفه، ووجدنا العسكر قد انتقض وانصرف الناس عن قرابة الملك الذي كان الملك استخلفه على العسكر، فأقمنا ليلتنا.
فلمّا كان الغد فإذا الملك فى جماعة يسيرة فوجد عسكره قد اختلّ فطلب الذي كان استخلفه وضرب عنقه وكتب إلى المدن والحصون: لا يأخذوا رجلا [ممن انصرف] [١] من عسكر الملك إلّا ضربوه بالسياط حتّى يرجع إلى موضع سمّاه لهم الملك. حتّى إذا اجتمع الناس ناهض ملك العرب وأنفذ الملك خصيّا له إلى عمّوريّة إلى أن يلحقه بها.»
لحوق أشناس، ثمّ المعتصم، ثم الأفشين بأنقرة
فانصرف المسلمون بما أخذوا وتركوا السبىّ والمقاتلة يريدون عسكر أشناس وساقوا فى طريقهم غنما وبقرا كثيرا، وأطلقوا ذلك الشيخ الأسير، وسار أشناس بالأسرى حتّى لحق بأنقرة فمكث أشناس يوما واحدا ثمّ لحقه المعتصم من غد فأخبره بجميع ما ذكره الأسير فسرّ المعتصم. فلمّا كان اليوم
стр. 1830
الثالث جاءت البشرى من ناحية الأفشين يخبرون بالسلامة [٢٥٥] وأنّه وارد على أمير المؤمنين بأنقرة.
ثمّ ورد الأفشين فأقاموا أيّاما ثمّ ساروا إلى عمّوريّة وقد صيّر المعتصم العسكر ثلاثة عساكر وبين عسكر وعسكر فرسخان، فساروا يخرّبون ويسبون ما بين أنقرة إلى عمّوريّة وبينهما سبع مراحل. ثمّ توافت العساكر بعمّوريّة فكان أوّل من وردها أشناس فدار حولها دورة، ثمّ نزل على ميلين منها بموضع فيه ماء وحشيش. ولمّا كان من الغد جاء المعتصم فدار حولها دورة، ثمّ جاء الأفشين فى اليوم الثالث فقسّمها أمير المؤمنين بين القوّاد كما يدور وصيّر إلى كلّ واحد منهم أبراجا منها على قدر كثرة أصحابه وقلّتهم.
وتحصّن أهل عمّوريّة وتحرّزوا، وكان بعموّريّة رجل من المسلمين أسره قديما أهل عمّوريّة فتنصّر وتزوّج فيهم فحبس نفسه عند دخولهم الحصن.
فلمّا رأى أمير المؤمنين ظهر وجاء إلى المعتصم فأعلمه أنّ موضعا من المدينة حمل عليه الوادي من سيل عظيم فوقع السور من ذلك الموضع، فكتب ملك الروم إلى عامل عمّوريّة أن يبنى ذلك الموضع فتوانى فى بنائه حتّى كان خروج الملك من قسطنطينية إلى بعض المواضع، فتخوّف الوالي أن يمرّ الملك على الناحية فيمرّ بالسور فلا يراه بنى فبنى وجه السور [٢٥٦] بالحجارة حجرا حجرا وصيّر وراءه من جانب المدينة حشوا، ثمّ عقد فوقه الشرف كما كان.
فوقف ذلك الرجل المعتصم على هذه الناحية التي وصف فأمر المعتصم بضرب مضربه فى ذلك الموضع ونصب المجانيق على ذلك البناء، فانفرج السور من ذلك الموضع.
فلمّا رأى أهل عمّورية انفراج السور علّقوا عليه الخشب الكبار المضمومة بعضها إلى بعض فكان حجر المنجنيق إذا وقع على الخشب تكسّر، فعلّقوا
стр. 1831
فوق الخشب البراذع.
فلمّا ألحّت المجانيق على ذلك الموضع لم ينفع فيها شيء وتصدّع السور.
فكتب ياطس والخصىّ إلى ملك الروم كتابا يعلمانه أمر السور ووجّها الكتاب مع رجل فصيح بالعربية وغلام رومي فعبرا الخندق ووقعا إلى ناحية عمر الفرغاني، فوجّه بهما إلى أشناس. فحين سألوهما:
- «من أنتما؟» لم يعرفا أحدا من القوّاد بالعسكر يسمّيانه لهم. ففتّشا فوجد معهما الكتاب [١] . فقرئ وإذا فيه:
- «إنّ العسكر قد أحاط بالمدينة وأنّه قد عزم على أن يركب ويحمل خاصّة أصحابه على الدوابّ التي فى الحصن ويفتح الأبواب ليلا غفلة ويخرج عن [٢] العسكر، كائنا فيه ما كان أفلت من أفلت وأصيب من أصيب، حتّى يصير [٢٥٧] إلى الملك.» فلمّا قرأ المعتصم الكتاب أمر للرجل الذي يتكلّم بالعربية وللغلام الرومي بيده فأسلما وخلع عليهما وأمر بهما حين طلعت الشمس فأدارهما [٣] حول عمّوريّة فقالا:
- «ياطس يكون فى هذا القصر.» - يعنون البرج.» فوقفا بحذاءه طويلا وعليهما الخلع وبين أيديهما رجلان يحملان لهما الدراهم ومعهما الكتاب حتّى عرف خبرهما جميع الروم وسمعا شتمهم إيّاهما ثمّ نحّوهما.
ثمّ أمر المعتصم بحراسة الأبواب نوائب يحصرها الفرسان يبيتون على
стр. 1832
دوابّهم فى السلاح لئلّا يفتح الباب ليلا فيخرج إنسان. فلم يزالوا كذلك حتّى انهدم ما بين برجين فى الموضع الذي وصف للمعتصم ممّا لم يحكم عمله، فسمع أهل العسكر الوجبة، فارتاعوا وظنّوا العدوّ قد احتال بحيلة وخرج، حتّى أرسل المعتصم من طاف على العسكر يعلمهم أنّ ذلك صوت السور قد سقط فطيبوا نفسا.
تدبير حربىّ فاشل
وكان المعتصم اتّخذ مجانيق كبارا وجعلها على كراسىّ تحتها عجل وعملها كأوثق ما تكون، ثمّ فرّق غنما مما استاقه على أهل العسكر ليأكلوا لحمها ويحشوا جلدها ترابا ثمّ أتى بالجلود مملوءة ترابا فطرحت فى الخندق، وعمل [٢٥٨] دبّابات كبارا تسع كلّ دبّابة عشرة رجال على أن يدحرجوها على تلك الجلود حتّى يمتلئ الخندق. فلمّا طرحت الجلود وقعت مختلفة فلم يمكن تسويتها [١] خوفا من حجارة المنجنيق، فأمر أن يطرح فوقها التراب حتّى استوت، ثمّ قدّمت دبّابة فدحرجوها. فلمّا صارت من الخندق فى نصفه تعلّقت بتلك الجلود وبقي القوم فيها فما تخلّصوا إلّا بعد جهد، ثمّ مكثت تلك العجلة مقيمة باقية هناك لا يمكن فيها حيلة حتّى فتحت عمّورية وبطلت الدبابات والمنجنيقات والسلاليم حتّى أحرقت. فلمّا كان من الغد قاتلهم على الثلمة وكان المعتصم واقفا على دابّته بإزاء الثلمة وأشناس والأفشين وقوف رجّالة.
стр. 1833
ذكر اتفاق سىّء [١] من كلام سبق
فقال المعتصم:
- «ما كان أحسن الحرب اليوم؟» فقال عمر الفرغاني:
- «الحرب اليوم أجود منها أمس.» فسمعها أشناس وأمسك. فلمّا انصرف المعتصم وانصرف أشناس وقرب من مضاربه ترجّل له القوّاد على عادتهم وفيهم عمر الفرغاني وأحمد بن الخليل بن هشام [٢٥٩] فلمّا مشوا بين يديه قال لهم أشناس:
- «يا أولاد الزنا، أىّ شيء [٢] تمشون بين يدىّ؟ كان ينبغي أن تقاتلوا أمس حيث كان يقاتل غيركم. انصرفوا إلى مضاربكم.» فلمّا انصرفا قال أحدهما لصاحبه:
- «أما ترى هذا العبد ابن الفاعلة- يعنى أشناس- ما صنع بنا اليوم، أليس الدخول إلى بلاد الروم أهون من هذا الذي سمعناه؟» فقال عمر الفرغاني لأحمد بن الخليل:
- «سيكفيك الله أمره عن قريب.» فأوهم أحمد أنّ عنده خبرا، فالحّ عليه أحمد يسأله فأخبره بما هم فيه، وقال العباس بن المأمون:
- «قد تمّ أمره وسيبايع له طاهر أو نقتل المعتصم وأشناس وغيرهما عن قريب.» ثمّ قال:
стр. 1834
- «وأنا أشير عليك أن يأتى العباس فتقدّم فتكون فى عداد من قد مال إليه.» فقال له أحمد:
- «هذا أمر لا أحسبه يتمّ.» فقال عمر:
- «قد تمّ وفرغ منه.» وأرشده إلى الحارث السمرقندي، وكان المتولّى لإيصال الرجال إلى العباس وأخذ البيعة عليهم، فقال له عمر:
- «أنا أجمع بينك وبين الحارث.» فقال أحمد:
- «إن كان هذا الأمر يتمّ فيما بيننا وبين عشرة أيّام فأنا معكم، وإن تجاوز ذلك فليس بيني وبينكم عمل.» فذهب الحارث فأعلم العباس أنّ عمر قد أدخل أحمد بن الخليل بيننا.
فقال:
- «ما كنت أحبّ أن يطّلع الخليلي على شيء ممّا نحن فيه، فأمسكوا عنه ودعوه [٢٦٠] . بهما،» فتركوه.
فلمّا كان الثالث كانت الحرب على أصحاب أمير المؤمنين. ثمّ أحسّ ايتاخ والمغاربة والأتراك، والقيّم بذلك [١] ايتاخ، فاتسع لهم الموضع المنثلم وكثرت الجراحات فى الروم وكان القائد الموكّل بالموضع الذي انثلم يقال له: وندوا، وتفسيره بالعربية ثور. فقاتل قتالا شديدا هو وأصحابه وكثر القتلى فيهم. فاستمدّ ياطس فلم يمدّه هو ولا غيره وقال كلّ واحد:
стр. 1835
- «نحن نحفظ ما يلينا، فاحفظ أنت ما يليك.» فقال:
- «يا قوم إنّ الحرب إنّما هي اليوم علىّ وعلى أصحابى ولم يبق معى أحد إلّا وقد جرح، فصيّروا أصحابكم على الثلمة يرمون، وإلّا افتضحتم وذهبت المدينة.» فلم يلتفتوا إليه فاعتزم هو وأصحابه أن يخرجوا إلى أمير المؤمنين ويسألوه الأمان على الذريّة حتّى يسلّموا إليه الحصن بما فيه من السلاح والأثاث وغير ذلك. فلمّا أصبح أمر أصحابه ألّا يحاربوا حتّى يخرج ويعود إليهم فخرج بأمان حتّى صار إلى العسكر وحمل إلى المعتصم فصار بين يديه وقد أمسك الروم عن المحاربة أعنى أصحاب وندوا والناس يتقدّمون إلى الثلمة ووندوا جالس بين يدي المعتصم.
فدعا المعتصم بفرس فحمله عليه وقاتل حتّى صار [٢٦١] الناس معهم على حرب الثلمة وعبد الوهّاب بن على بين يدي المعتصم فأومأ إلى الناس بيده أن: ادخلوا.
فدخل الناس المدينة. فالتفت وندوا وضرب بيده إلى لحيته، فقال له المعتصم:
- «ما لك؟» قال: «جئت أريد أن أسمع كلامك وتسمع كلامي فغدرت بى.» فقال المعتصم:
- «كلّ شيء تريد أن تقوله فهو لك علىّ. قل ما شئت، فلست أخالفك.» قال: «كيف لا تخالفني وقد دخلوا المدينة؟» فقال المعتصم:
- «احتكم وقل ما شئت فانّى أعطيكه.»
стр. 1836
وصار خلق من الروم إلى كنيسة لهم عظيمة، فقاتلوا هناك قتالا شديدا.
فأحرق المسلمون الكنيسة فاحترقوا عن آخرهم وبقي ياطس فى برجه حوله بقية الروم وأصحابه وقد أخذتهم السيوف. فجاء المعتصم حتّى وقف حذاء ياطس [١] فكان ممّا يلي أشناس، فصاحوا:
- «يا ياطس هذا أمير المؤمنين واقف.» فصاح الرومىّ من فوق البرج:
- «ليس ياطس ها هنا.» قالوا: «بلى، فلينزل إلى أمير المؤمنين.» قالوا «لا، ما هو ها هنا.» فمرّ المعتصم مغضبا، فصاح الروم:
- «هذا ياطس، هذا ياطس.» فنصبت بعض تلك السلاليم المعمولة حتّى صعد عليه الحسن الرومىّ وهو غلام لأبى سعيد محمد بن يوسف فكلّمه ياطس وقال [٢٦٢] له:
- «هذا أمير المؤمنين، فانزل على حكمه.» فنزل الحسن فأخبر المعتصم أنّه رءاه وكلّمه. فقال المعتصم:
- «فاصعد [٢] إليه وقل له فلينزل.» فصعد الحسن ثانية فخرج ياطس من البرج متقلّدا سيفا حتّى وقف على البرج قائما والمعتصم ينظر إليه فخلع سيفه من عنقه فدفعه إلى الحسن ثمّ نزل فوقف بين يدىّ المعتصم فقنّعه سوطا وانصرف إلى مضربه فقال:
стр. 1837
- «هاتوه [١] .» فمشى قليلا ثمّ جاءه رسول يقول:
- «احملوه.» فحمل إلى مضرب أمير المؤمنين. ثمّ أقبل الناس بالأسرى والسبي من كلّ وجه فأمر المعتصم أن يميّز الأسرى فيعزل منهم أهل الشرف فى ناحية، ثمّ أمر بالمقاسم أن ينادى عليها كلّ صاحب عسكر فى ناحيته ووكّل مع كلّ قائد من هؤلاء رجلا من قبل أحمد بن أبى دؤاد يحصى عليه فبعث المقاسم فى خمسة أيّام يبيع منها ما استباع وأمر بالباقي فضرب بالنار.
ولمّا همّ المعتصم بالرحيل وثب الناس على مغنم ايتاخ الذي كان يبيعه وهو اليوم الذي عجيف وعد فيه الناس أن يثب بالمعتصم، فركض المعتصم بنفسه ركضا وسلّ سيفه فتنحّى الناس من بين يديه وكفّوا عن انتهاب المغنم، فرجع إلى مضربه [٢٦٣] وأمر من الغد أن لا ينادى على الشيء إلّا ثلاثة أصوات وإلّا بيع العلق. فكان ينادى على الرقيق خمسة خمسة وعشرة عشرة وعلى المتاع الكبير جملة واحدة.
وكان ملك الروم قد وجّه رسولا فى أوّل ما نزل المعتصم عمّوريّة، فأنزله المعتصم على ثلاثة أميال حتّى فتح عمّورية. فلمّا فتحها أذن له فى الانصراف ولم يصل إليه.
حبس العباس بن المأمون
وفى هذه السنة حبس المعتصم العباس بن المأمون وأمر بلعنه.
стр. 1838
ذكر السبب فى ذلك كان السبب فى ذلك أنّ عجيف بن عنبسة حين وجّهه المعتصم إلى بلاد الروم مع عمر الفرغاني لم يطلق يده فى النفقات كما أطلقت يد الأفشين، واستقصر المعتصم أمر عجيف وأفعاله وحقد عجيف ذلك، فقال للعباس بن المأمون:
- «ما كان أضعف همّتك عند وفاة أبيك المأمون حين بايعت أبا إسحاق؟» ويذمّه على تفريطه، وشجّعه على أن يتلافى ما كان منه. فقبل العباس ذلك.
وكان الحارث السمرقندي أديبا له عقل ومداراة وكان العباس يأنس به فصيّره واسطة بينه وبين القوّاد، فلم يزل [٢٦٤] يدور فى العسكر حتّى بايعه جماعة من القوّاد والخواصّ، وسمّى لكلّ واحد من قوّاد المعتصم رجلا من ثقات أصحابه ممّن بايعه وقال:
- «إذا أمرنا فليثب كلّ رجل منكم على من ضمنّاه [١] أن يقتله.» فوكّل من خاصّة الأفشين بالأفشين ومن خاصّة أشناس بأشناس وخاصّة المعتصم بالمعتصم، فضمنوا ذلك جميعا. فلمّا أرادوا أن يدخلوا الدرب وهم يريدون أنقرة وعمّورية ودخل الأفشين من ناحية ملطية، أشار عجيف على العباس أن يثب على المعتصم فى الدرب وهو فى قلّة من الناس وقد تقطّعت عنه العساكر، فيقتله ويأمر الناس بالقفول إلى بغداد فإنّ الناس يفرحون بانصرافهم، فأبى العباس عليه وقال:
стр. 1839
- «لا أفسد هذه الغزاة.» فلمّا فتحوا عمّورية قال عجيف للعباس:
- «يا نائم كم تنام؟ قد فتحت عمّورية والرجل ممكن، دسّ قوما ينتهبون هذا الخرثىّ، فإنّه إذا بلغه ذلك ركب من ساعته، فتأمر من يقتله هناك.» فأبى عليه العباس وقال:
- «أنتظر حتّى أصير إلى الدرب، فيخلو كما خلا فى البدأة، فهو أمكن منه هاهنا.» وكان عجيف قد أمر من ينتهب المتاع فانتهب الخرثىّ فى عسكر ايتاخ وركب المعتصم وجاء [٢٦٥] ركضا فسكن الناس ولم يطلق العباس لأحد من أولئك الناس أن يتحرّكوا.
ذكر سوء تحفّظ فى القول عاد بهلكة
كان عمر الفرغاني قد بلغه الخبر ذلك اليوم، وكان له قرابة غلام أمرد فى خاصّة المعتصم. فجاء الغلام إلى أولاد عمر يشرب عندهم تلك الليلة، فأخبرهم أنّ أمير المؤمنين ركب مستعجلا وأنّه كان يعدو بين يديه وقال:
- «إنّ أمير المؤمنين غضب فأمرنى أن أسلّ سيفي.» وقال: «لا يستقبلك أحد إلّا ضربته.» فسمع عمر ذلك من الغلام فأشفق عليه أن يصاب فقال له:
- «يا بنىّ أنت أحمق أقلّ من الكينونة عند أمير المؤمنين والزم خيمتك، فإن سمعت صيحة مثل هذه الصيحة فلا تبرح من خيمتك، فإنّك غلام غرّ.» وارتحل المعتصم من عمّوريّة يريد الثغر ووجّه الأفشين صاحبا له فى خلاف طريق المعتصم، وأمره أن يغير على موضع سمّاه له وأن يوافيه فى بعض الطريق، وكان عسكر الأفشين على حدة من عسكر المعتصم بينهما
стр. 1840
قدر ميلين. فتوجّه صاحب الأفشين حتّى أغار وسبى وغنم وأتى عسكر الأفشين بما أصاب من الغنائم.
واعتلّ أشناس فركب المعتصم يعوده ولم يكن الأفشين لحقه بعد. فلمّا عاده وانصرف تلقّاه [٢٦٦] الأفشين فى الطريق، فقال له المعتصم:
- «امض إلى أبى جعفر.» وكان عمر الفرغاني وأحمد بن الخليل عند منصرف المعتصم من عيادة أشناس توجّها إلى ناحية [١] الأفشين ولقيهما الأفشين يريد أشناس، فترجّلا له وسلّما عليه وراءهما حاجب أشناس من بعيد. فلمّا دخل الأفشين إلى أشناس وخرج توجّها إلى عسكر الأفشين لشراء السبي ولم يكن السبي أخرج بعد ووقفا ناحية ينتظران أن ينادى على السبي فيشتريا، ودخل حاجب أشناس على أشناس فقال له:
- «رأيت عمر الفرغاني وأحمد بن الخليل فلقيا الأفشين وهما يريدان عسكره فترجّلا له وسلّما عليه وتوجّها إلى عسكره. فدعا أشناس محمد بن سعيد وقال له:
- «اذهب فانظر هل ترى هناك عمر الفرغاني وأحمد بن الخليل، وانظر عند من نزلا وأىّ شيء قصّتهما.» فجاء محمد بن سعيد فأصابهما واقفين على ظهور دوابّهما فقال:
- «ما وقّفكما هاهنا؟» قالا: «وقفنا ننتظر سبى ابن الأقطع فنشتري بعضه.» فقال لهما محمد بن سعيد:
- «وكّلا وكيلا يشترى لكما.»
стр. 1841
فقالا: «لا نحبّ أن نشتري إلّا ما نراه.» فرجع محمد فأخبر أشناس بذلك فقال لحاجبه:
- «قل لهؤلاء: الزموا عسكركم خير لكم- يعنى عمر الفرغاني وأحمد بن الخليل- لا تدوروا ها هنا [٢٦٧] وها هنا.» فذهب الحاجب إليهما فأعلمهما واغتمّا لذلك واتّفقا على أن يذهبا إلى صاحب خبر العسكر فيستعفيا [١] من أشناس فصار إلى صاحب الخبر فقالا:
- «نحن عبيد أمير المؤمنين يضمّنا إلى من شاء، فإنّ هذا الرجل يستخفّ بنا، قد شتمنا وتوعّدنا ونحن نخاف أن يقدم علينا.» فأنهى صاحب الخبر ذاك إلى المعتصم من يومه ذلك، واتفق الرحيل من الغد وكان إذا ارتحل الناس سارت العساكر على حيالها وسار أشناس والأفشين وجميع القوّاد فى عسكر أمير المؤمنين ووكّلوا حلفاءهم [٢] بعساكرهم. فلمّا ذهب أشناس إلى المعتصم قال له:
- «أحسن أدب عمر الفرغاني وأحمد بن الخليل فإنّهما قد حمّقا أنفسهما.» فجاء أشناس ركضا إلى معسكره فسأل عن عمر وأحمد بن الخليل فأصاب [٣] عمر وكان ابن الخليل قد مضى فأحضر عمر الفرغاني وقال:
- «هاتوا سياطا.» فمكث طويلا مجرّدا ليس يؤتى بالسياط فتقدّم عمّه إلى أشناس وكلّمه فيه وكان عمّه أعجميّا فقال:
стр. 1842
- «احملوه وألبسوه قباطاق [١] واحملوه على بغل فى قبة.» وساروا به وجاء أحمد بن الخليل وهو يركض فقال:
- «احبسوا هذا معه.» فأنزل عن دابّته وصيّر عديله فبقيا كذلك يسار بهما على كرامة [٢٦٨] وأثقالهما وغلمانهما فى العسكر لم يحرّك لهما شيء حتّى سمع الغلام الفرغاني قرابة عمر بحبس عمر، فذكر للمعتصم ما دار بينه وبين عمر من الكلام فى تلك الليلة وقوله: إذا سمعت صوتا مثل هذا فالزم خيمتك.
فقال المعتصم لبغا:
- «لا ترحل غدا حتّى يجيء أشناس فتأخذ منه عمر وتلحقني به.» وكان هذا بالصفصاف [٢] . ففعل بغا ذلك ومضى بعمر إلى المعتصم. فلمّا أفرد أحمد بن الخليل قلق وأنفذ غلاما له ليتبع عمر وينظر ما يصنع به.
فرجع الغلام فأخبره أنّه دخل على أمير المؤمنين. فمكث ساعة ثمّ دفع إلى ايتاخ وكان سائله أمير المؤمنين عن الكلام الذي قاله الغلام قرابته فأنكر وقال:
- «هذا الغلام كان سكران ولم يفهم وما قلت شيئا ممّا ذكر.» وسار المعتصم حتّى صار إلى باب مضايق البذندون فأقام أشناس هناك ثلاثة أيّام ينتظر أن تتخلّص عساكر أمير المؤمنين، لأنّه كان على الساقة.
فكتب أحمد بن الخليل رقعة إلى أشناس يعلمه أنّ لأمير المؤمنين عنده نصيحة. فبعث إليه أشناس بأحمد بن الخصيب وأبى سعيد محمد بن يوسف يسألانه عن النصيحة فذكر أنّه لا يخبر بها إلّا أمير المؤمنين. فرجعا فأخبرا أشناس بذلك فقال:
стр. 1843
- «ارجعا فاحلفا [٢٦٩] له أنّى حلفت بحياة أمير المؤمنين إن هو لم يخبرني بهذه النصيحة أن أضربه بالسياط حتّى يموت.» فرجعا فأخبراه بذلك فأخرج جميع من كان يحفظه وبقي [١] أحمد بن الخصيب وأبو سعيد فأخبرهما بما ألقى إليه عمر الفرغاني من أمر العباس وشرح لهما جميع ما كان عنده من خبر الحارث السمرقندي. فانصرفا إلى أشناس وأخبراه بذلك فبعث أشناس فى طلب الحدادين فجاءوا بهم فدفع إليهم حديدا وقال:
- «اعملوا لى قيدا مثل قيد أحمد بن الخليل وعجّلوه لى الساعة.» ففعلوا ذلك. فلمّا كان وقت العتمة ذهب حاجب أشناس إلى خيمة الحارث السمرقندي فأخرجه منها وجاء به إلى أشناس فقيّده وأمر الحاجب أن يحمله إلى أمير المؤمنين فحمله إليه. واتفق رحيل أشناس صلاة الغداة فجاء أشناس إلى موضع معسكره فتلقّاه الحارث ومعه رجل من قبل المعتصم وعليه خلع، فقال له أشناس:
- «مه؟» قال: «القيد الذي كان فى رجلي [صار] [٢] فى رجل العباس.» وكان المعتصم سأل الحارث عن أمره فأخذ عهده إن صدقه ونصحه أطلقه، ثمّ أقرّ له بجميع أمره وجميع من بايع العباس من القوّاد، فأطلق المعتصم الحارث وخلع عليه ولم يصدّق على أولئك القوّاد لكثرتهم [٢٧٠] وكثرة من سمّى منهم. وتحيّر المعتصم فدعا به حين خرج من الدرب فأطلقه ومنّاه وأوهمه أنّه قد صفح عنه وتغدّى معه وصرفه إلى مضربه،
стр. 1844
ثمّ دعاه بالليل فنادمه [على] [١] الشراب وسقاه حتّى أسكره واستحلفه أن لا يكتمه من أمره شيئا. فشرح له قصّته وسمّى له جميع من كان دبّ فى أمره فكتبه المعتصم وحفظه، ثمّ دعا الحارث السمرقندي بعد ذلك فسأله عن الأسباب، فقصّ عليه مثل ما قصّ العباس.
ثمّ أمر بعد ذلك بتقييد العباس.
ثمّ قال للحارث:
- «قد رضتك على أن تكذب فأجد السبيل إلى سفك دمك فلم تفعل.» ثمّ دفع العباس إلى الأفشين وتتبّع المعتصم أولئك القوّاد فأخذوا جميعا.
فأمّا أحمد بن الخليل فأمر أن يحمل على بغل بأكاف [٢] بلا وطاء ويطرح فى الشمس إذا نزل ويطعم فى كلّ يوم رغيفا واحدا.
وأمّا عجيف بن عنبسة فدفع مع جماعة من القوّاد إلى ايتاخ ودفع أحمد بن الخليل إلى أشناس وأخذ الشاه بن سهل فأحضره المعتصم والعباس بين يديه، فقال له:
- «يا ابن الزانية، أحسنت إليك فلم تشكر.» فقال الشاه:
- «ابن الزانية هذا الذي بين يديك- يعنى العباس- لو تركني هذا كنت أنت يا هذا لا تقدر [٢٧١] أن تقعد فى هذا المجلس وتقول ما تقول.» فأمر به المعتصم فضربت عنقه ودفع عجيف إلى ايتاخ فعلّق عليه حديدا كثيرا وحمله على بغل فى محمل بلا وطاء.
وأمّا العباس فكان فى يد الأفشين، فلمّا نزل المعتصم منبج [٣] وكان
стр. 1845
العباس جائعا فسأل عن الطعام فقدّم إليه طعام كثير فأكل فلمّا طلب الماء منع وأدرج فى مسح فمات.
وأمّا عمر الفرغاني فإنّه لمّا نزل المعتصم بنصيبين فى بستان دعا صاحب البستان فقال له:
- «احفر بئرا فى موضع أومأ إليه.» ثمّ دعا بعمر وقد تناول أقداحا. فلمّا مثل بين يديه جرّد وضرب بالسياط. فلمّا انتهى حفّار البئر ممّا أمره به أمر المعتصم أن يضرب وجه عمر بالخشب. فلم يزل يضرب حتّى سقط أنفه وأسنانه ثمّ قال:
- «جرّوه إلى البئر فاطرحوه فيها.» فلم يتكلّم عمر ولم ينطق بحرف حتّى طرح فى البئر وطمّت عليه.
وأمّا عجيف فإنّه مات فى المحمل بباعيناثا [١] فطرح عند صاحب المسلحة فدفن هناك. وذكر أن عجيفا كان فى يد محمد بن إبراهيم بن مصعب فسأله المعتصم عنه فقال:
- «يا محمد لم يمت عجيف يا با صالح؟» قال: «يا سيدي اليوم يموت.» فمات ذلك اليوم. [٢٧٢] وأمّا التركىّ الذي ضمن للعباس قتل أشناس فإنّه كان كريما على أشناس ينادمه ولا يحجب عنه، فأمر أشناس بحبسه قبله فى بيت مظلم وسدّ عليه الباب وكان يلقى إليه كلّ يوم رغيف وكوز ماء. فأتاه ابنه فى بعض أيّامه، فكلّمه من وراء الحائط فقال له:
- «يا بنىّ لو كنت تقدر على سكّين كنت أقدر أن أتخلّص من موضعي
стр. 1846
هذا.» فلم يزل ابنه يتلطّف للموكّلين حتّى فتح له بمقدار دون الدرهم ضوء فطرح إليه من هناك سكّينا فقتل بها نفسه.
وأمّا أحمد بن الخليل فانّه دفعه أشناس إلى محمد بن سعيد فحفر له بئرا وأطبق عليه وفتح فيها كوّة ليرمى إليه منها الخبز والماء فقال له المعتصم:
- «ما حال أحمد بن الخليل؟» فأخبره بحاله. فقال المعتصم:
- «أحسبه قد سمن على هذه الحال.» فنقل إلى غيره فسمّه حتّى مات.
وقتل باقى القوّاد إلّا هرثمة بن النصر الختّلى فانّه كان يحمل فى الحديد من المراغة لأنّه كان هناك. فتكلّم فيه الأفشين واستوهبه من المعتصم فوهبه له وولّاه البلد الذي يصل إليه الكتاب فيه، فوصل إلى الدينور عند العشاء مقيّدا مغلولا فطرح فى خان فوافاه الكتاب فى بعض الليل وأصبح هو والى الدينور. [٢٧٣] وقتل من الأتراك والفراغنة وغيرهم ممّن لم يحفظ اسمه خلق كثير وورد المعتصم سرّ من رأى سالما بأحسن حال.
ودخلت سنة أربع وعشرين ومائتين
وفيها أظهر مازيار بن قارن الخلاف على المعتصم بطبرستان ذكر السبب فى ذلك
كان مازيار [١] منافرا لآل طاهر لا يحمل الخراج إليهم وكان المعتصم
стр. 1847
يكتب إليه يأمره بحمله إليهم فلا يحمل ويقول:
- «أحمله إلى أمير المؤمنين.» فكان المعتصم يأمر بالمال إذا بلغ همذان أن يستوفيه عامله، ثمّ يسلّمه إلى صاحب عبد الله بن طاهر ليردّه إلى خراسان. ولمّا ظفر الأفشين ببابك ونزل من المعتصم المنزلة التي لا يتقدّمه فيها أحد وبلغه منافرة مازيار آل طاهر طمع فى ولاية خراسان ورجا أن يكون ذلك سببا لعزل عبد الله بن طاهر.
فدسّ الكتب إلى مازيار يعلمه ميله إليه بالدهقنة ويظهر مودّته ويقول أنّه قد وعد بولاية خراسان.
فدعا ذلك مازيار إلى الاستمرار فى عداوة [٢٧٤] آل طاهر وترك حمل الخراج إليه، وما شكّ الأفشين، إن كاشف وخالف، سيطاول عبد الله بن طاهر حتّى يحتاج المعتصم أن يوجّهه وغيره إليه ولم يزل يكاتب مازيار ويبعثه على محاربة عبد الله بن طاهر ويهوّن أمره عنده حتّى خالف وأخذ رهائن أكابر أهل ناحيته وأمر الأكرة بانتهاب أموال أرباب الضياع وغلّاتهم والأفشين فى كلّ ذلك يكاتبه ويعرض عليه النصرة.
وأخذ مازيار الناس بالخراج فجبى جميع الخراج فى شهرين وكان يجبى كلّ سنة الثلث فى أربعة أشهر. وهرب رجل ممّن أخذت رهينته.
فجمع أبو صالح سرخاستان خليفة المازيار الناس بسارية [١] وقال:
- «كيف يثق بكم الملك وهذا فلان ممّن حلف وأعطى الرهينة ثمّ نكث وخرج فأنتم لا تفون ولا تكرهون الحنث فكيف يرجع لكم الملك إلى ما تحبّون؟»
стр. 1848
فقال بعضهم:
- «نقتل الرهينة حتّى لا يعود غيره إلى الهرب.» فقال: «أو تفعلون؟» قالوا: «نعم.» فكتب أبو صالح إلى صاحب الرهائن يأمره أن يوجّه بابن الهارب. فلمّا حمل إلى سارية ندم الناس على ما قالوا وجعلوا يرجعون على من أشار بذلك باللوم، فجمعهم أبو صالح وقال:
- «قد ضمنتم [٢٧٥] لى قتل الرهينة وها هو قد حضر فاقتلوه.» فقال بعضهم:
- «أصلح الله الأمير، إنّك أجّلت من خرج عن البلد شهرين وهذا الرهينة قبلك فنسألك أن تؤجّله شهرين فإن رجع أبوه وإلّا أمضيت فيه رأيك.» فغضب ودعا بصاحب حرسه فأمر بصلب الغلام. فسأله الغلام أن يأذن له حتّى يصلّى ركعتين. فأذن له فطوّل فى صلاته وهو يرعد [١] وقد مدّ له جذع، فجذبوا الغلام من صلاته ومدّوه حتى اختنق ومات.
ثمّ أمر أهل سارية أن يخرجوا إلى آمل وتقدّم إلى أصحاب المسالح فى إحضار أهل الخنادق من الأبناء والعرب فأحضروا ومضى معهم إلى آمل وقال لهم:
- «إنّى أريد أن أشهدكم على أهل آمل وأشهد أهل آمل عليكم وأردّ ضياعكم وأموالكم، فإن لزمتم الطاعة والمناصحة زدناكم من عندنا ضعف ما أخذناه منكم.» فلمّا وافوا آمل ميّز أهل سارية ناحية ناحية ووكّل بهم وكتب أسماء
стр. 1849
جميع أهل آمل حتّى لم يخف عليه منهم أحد، ثمّ عرضهم على الأسماء حتّى اجتمعوا، وتقدّم إلى أصحاب السلاح حتّى أخدقوا بهم ووكّل بكلّ رجل رجلين وساقهم مكتّفين حتّى وافى بهم جبلا يعرف بهرمزديار [١] وكبّلهم [٢٧٦] بالحديد وبلغت عدّتهم عشرين ألفا فحبسهم هناك، وفعل مثل ذلك بوجوه العرب والأبناء وكبّلهم وحبسهم ووكّل بهم.
فلمّا تمكّن مازيار واستوى أمره وحبس كلّ من يخشى غائلته وأمن جميع أصحابه وأمر سرخاستان بتخريب سور مدينة آمل فخرّبه بالطبول والمزامير ثمّ سار إلى ساريه ففعل بها مثل ذلك ثم فعل بطميش [٢]- وهي على حدّ جرجان من عمل طبرستان- مثل ذلك وعمل سورا من طميش إلى البحر مقدار ثلاثة أميال. وكانت الأكاسرة بنته بينها وبين الترك لأنّ الترك كانت تغير على أهل طبرستان فى أيّامها.
ونزل سرخاستان معسكرا بطميش وصيّر حولها خندقا وثيقا وأبراجا للحرس وصيّر عليها بابا وثيقا ووكّل به الثقات. ففزع أهل جرجان فهرب منهم قوم إلى نيسابور. وانتهى الخبر إلى عبد الله بن طاهر عامل المعتصم على خراسان، فوجّه إليه عمّه الحسن بن الحسين بن مصعب مع جيش كثيف لحفظ جرجان وأمره أن يعسكر على الخندق. فنزل الحسن بن الحسين على الخندق معسكرا وصار بينه وبين سرخاستان عرض الخندق، ثمّ بعث إليه [٢٧٧] عبد الله بن طاهر حيّان بن جبلة فى أربعة آلاف فارس إلى قومس فعسكر على حدّ جبال شروين.
ووجّه المعتصم من قبله محمد بن إبراهيم بن مصعب أخا إسحاق بن
стр. 1850
إبراهيم فى جمع كثيف وضمّ إليه الحسن بن قارن الطبري العابد [١] ومن كان بالباب من الطبرية، ووجّه منصور بن الحسن صاحب دنباوند إلى الرىّ ليدخل طبرستان من ناحية الرىّ ووجّه أبا الساج إلى اللّار [٢] ودنباوند فأحدقت الخيل بمازيار من كلّ جانب فبعث مازيار إلى أهل المدن المحبّسين عنده:
- «إنّ الخيل قد زحفت إلىّ من كلّ جانب وإنّما حبستكم ليبعث أميركم فيسأل فيكم- يعنى المعتصم- فلم يكترث بكم وأنتم عشرون ألفا ولست أتقدّم إلى حربه وأنتم ورائي، فأدّوا إلىّ خراج سنتين وأخلّى سبيلكم، ومن كان منكم شابّا قويّا قدّمته للقتال. فمن وفى رددت عليه ماله ومن لم يف أكون قد أخذت ديته، ومن كان شيخا ضعيفا صيّرته من الحفظة والحرّاس والبوّابين.
ثمّ إنّ سرخاستان جمع من أبناء القوّاد وغيرهم من أهل آمل ممّن فيه قوّة وشجاعة مائتين وستين فتى ممّن يخاف ناحيته وأظهر أنّه يريد مناظرتهم وبعث إلى الأكرة [٢٧٨] الدهاقين. قال لهم:
- «إنّ هؤلاء هواهم مع العرب ولست آمن غدرهم وهم أهل الظنّة قد جمعتم فاقتلوهم لتأمنوا ولا يكون فى عسكركم من يخالفكم.» ثمّ كتّفهم ودفعهم إلى الأكرة الدهاقين. فصاروا بهم إلى قناة هناك قد خربت فقتلوهم ورموا بهم فى آبار القناة. ثمّ عطف سرخاستان إلى المحبّسين من أهل المدن فطالبهم بمال المواقفة فقالوا:
- «إنّ صاحبك لم يبق لنا مالا ولا ذخيرة ولو علم أنّ وراءنا درهما
стр. 1851
واحدا [١] لاستخرجه ولكنّا نعطى ضياعنا وأملاكنا بقيمة ما تطلب.» فقال لهم:
- «الضياع للملك ولا حقّ لكم فيها فاحتالوا للملك.» فلم يجد عندهم شيئا. فقال لأولئك الأكرة الذين قتلوا من قتلوا:
- «إنّى قد أبحتكم منازل أرباب الضياع وحرمهم إلّا ما كان من جارية جميلة من بناتهم فإنّها تصير للملك.» وقال لهم:
- «صيروا إلى الحبس فاقتلوا أرباب الضياع أوّلا ثمّ حوزوا ما وهبت لكم من منازلهم وحرمهم.» فجبن القوم ولم يقدموا على عشرين ألفا، فلم يقبلوا منه.
وكان الموكّلون بالسور من أصحاب سرخاستان يتحدّثون ليلا مع حرس [٢٧٩] الحسن بن الحسين بن مصعب حتّى استأنس بعضهم ببعض وتآمروا على تسليم السور فسلّموه، ورحل أصحاب الحسن بن الحسين من موضعهم إلى عسكر سرخاستان على غفلة من غير أن يعلم بذلك صاحبهم.
فنظر الناس بعضهم إلى بعض فثاروا يدخلون من الحائط. وبلغ الحسن بن الحسين ذلك فأشفق أن تكون حيلة فجعل يصيح ويمنع من الدخول وهم لا يقبلون حتّى نصبوا أعلامهم على السور فى معسكر سرخاستان.
وانتهى الخبر إلى سرخاستان وهو فى الحمّام وسمع الضجيج فلم تكن له همّة إلّا الهرب فخرج هاربا فى غلالة ودخل الناس من غير مانع حتّى استولوا على جميع ما فى العسكر ومضى قوم فى الطلب.
فتحدّث زرارة بن يوسف قال: بينا أنا فى الطريق إذ صرت فى موضع
стр. 1852
يسرة الطريق فوجلت منه ثمّ اقتحمته بالرمح ولم أر أحدا ولكنى صحت:
- «من أنت ويلك.» فإذا رجل يصيح:
- «زينهار.» يعنى: الأمان. فأخرجته وإذا هو شيخ جسيم فقلت:
- «من أنت؟» فقال: «أنا شهريار.» وإذا به أخو سرخاستان صاحب العسكر.
فحملته إلى الحسن بن الحسين فضرب عنقه.
وأمّا سرخاستان فإنّه مضى على وجهه وكان عليلا فلمّا جهده العطش نزل عند غيضة واستلقى وصاح بعض أصحابه ممّن تبعه:
- «يا فلان [٢٨٠] اسقني ماء فقد جهدنى العطش.» فقال: «ليس معى ما أغرف به [١] من هذا الموضع.» فقال له سرخاستان:
- «خذ رأس جعبتى فاسقني به.» فنظر الرجل إلى أصحابه وقال لهم:
- «هذا الشيطان قد أهلكنا. فلم لا نتقرّب به إلى السلطان ونأخذ لأنفسنا أمانا؟» فأجابوه إلى ذلك ووثبوا عليه وشدّوه كتافا فقال لهم:
- «خذوا منى مائة ألف واتركوني فإنّ العرب لا تعطيكم شيئا.» قالوا: «أحضرها.»
стр. 1853
قال: «هاتوا ميزانا.» فقالوا: «من أين لنا ها هنا ميزان؟» قال: «فمن أين لى هاهنا ما أعطيكم. ولكن صيروا معى إلى المنزل وأعطيكم العهود والمواثيق أنّى أفي لكم بذلك.» فصاروا به إلى الحسن بن الحسين واستقبلهم خيل الحسن بن الحسين.
فضربوا رؤوسهم وأخذوا سرخاستان منهم فهمّتهم أنفسهم، ومضى به أصحاب الحسن إلى الحسن فدعا بوجوه أصحابه وسألهم:
- «هل هذا سرخاستان؟» قالوا:
- «نعم هو هو.» فأمر به فضربت عنقه.
وكاتب [١] حيّان بن جبلة من ناحية طميش قارن بن شهريار ورغّبه فى الطاعة وضمن له أن يملّكه على جبال أبيه وجدّه وكان قارن هذا ابن أخى مازيار وقد قوّده مع أخيه [٢٨١] عبد الله بن قارن وضمّ إليه عدّة من ثقات قوّاده وقراباته، فلمّا استماله حيّان اطمأنّ إليه وضمن له قارن أن يسلّم إليه الجبال أو مدينة ساريه إلى حدّ جرجان على أن يملّكه على مملكة أبيه وجدّه إذا وفى له بالضمان، وكتب بذلك حيّان إلى عبد الله بن طاهر فسجّل له عبد الله بن طاهر بكلّ ما سأل، وكتب إلى حيّان يأمره بالتوقّف ولا يدخل الجبل ولا يوغل حتّى يكون من قارن ما يستدلّ به على الوفاء لئلّا يكون منه مكر، وكتب حيّان إلى قارن بذلك.
стр. 1854
فدعا قارن بعمّه عبد الله بن قارن أخى مازيار ودعا جميع قوّاده إلى طعامه. فلمّا أكلوا ووضعوا سلاحهم واطمأنّوا أحدق بهم أصحابه فى السلاح، وكتفهم ووجّه بهم إلى حيّان بن جبلة. فلمّا صاروا إليه استوثق منهم وركب حيّان فى جمعه حتّى دخل جبال قارن وبلغ مازيار الخبر، فاغتمّ وقلق وقال له أخوه كوهيار [١] :
- «فى حبسك عشرون ألفا من المسلمين ما بين إسكاف وخيّاط وقد شغلت نفسك بهم، وإنّما أتيت من مأمنك وأهل بيتك وقراباتك. فما تصنع بهؤلاء المحبّسين عندك.» فأمر بأن يخلّى جميع من فى [٢٨٢] محبسه. ثمّ دعا بكتّابه وخلفاءه وصاحب خراجه وصاحب شرطه وقال لهم:
- «إنّ حرمكم ومنازلكم وضياعكم بالسهل وقد دخلت العرب إليه، وأكره أن أسومكم [٢] فاذهبوا إلى منازلكم وخذوا الأمان لأنفسكم.» وواصلهم وأذن لهم فى الانصراف.
ولمّا بلغ قوهيار أخا مازيار دخول حيّان ساريه، أطلق محمد بن موسى عامل طبرستان من حبسه وحمله على بغل ومركب ووجّهه إلى حيّان ليأخذ له الأمان ويجعل له جبال أبيه وجدّه، على أن يسلّم إليه مازيار ويوثق له بذلك. وضمّ إليه أحمد بن الصقير وهو من مشايخ الناحية ووجوهها. فلمّا سار محمد بن موسى إلى حيّان وأخبره وسأله قوهيار قال له حيّان:
- «من هذا؟» - يعنى أحمد.
قال: «هذا شيخ هذه البلاد يعرفه الخلفاء ويعرفه الأمير عبد الله بن طاهر.»
стр. 1855
ورأى حيّان تحت أحمد برذونا ضخما نبيلا، فبعث إليه يسأله أن يقوده إليه ليراه، فبعث به، فلمّا تأمّله وجده مشطّب اليدين فزهد فيه وقال لرسول أحمد:
- «هذا لمازيار ومال مازيار لأمير المؤمنين.» فرجع الرسول فأخبر أحمد، فغضب [٢٨٣] من فعل حيّان به ذلك، وكتب إلى قوهيار:
- «ويحك لم تغلط فى أمرك وتترك مثل الحسن بن الحسين عمّ الأمير عبد الله بن طاهر وتدخل فى أمان هذا العبد الحائك وتدفع إليه أخاك وتضع من قدرك ويحقد عليك الحسن بن الحسين بتركك إيّاه وميلك إلى عبد من عبيده.» فكتب إليه قوهيار:
- «قد غلطت فى أوّل الأمر وواعدت الرجل أن أصير إليه بعد غد ولا آمن إن خالفته أن يناهضنى ويحاربني ويستبيح منازلي وأموالى وإن قاتلته وقتلت من أصحابه وجرت الدماء بيننا وقعت الشحناء ويبطل ما نحن فيه.» فكتب إليه أحمد:
- «إذا كان يوم الميعاد فابعث إليه رجلا من أهل بيتك، واكتب إليه أنّه عرضت لك علّة منعتك من الحركة وأنّك تتعالج ثلاثة أيّام فإن عوفيت وإلّا صرت فى محمل وسنحمله نحن على قبول ذلك منك.» ثمّ إنّ أحمد بن الصقير ومحمد بن موسى كتبا إلى الحسن بن الحسين وهو فى معسكره بطميش ينتظر أمر عبد الله بن طاهر وجواب كتابه بقتل سرخاستان وفتح طميش [١] فكتب إليه أن:
стр. 1856
- «اركب إلينا لندفع إليك قارن والجبل وإلّا فاتك فلا تقيم.» فلمّا وصل الكتاب إلى الحسن ركب من [٢٨٤] ساعته وسار مسير ثلاث ليال فى ليلة حتّى انتهى إلى ساريه. ولمّا أصبح سار إلى خرّماباذ وهو يوم موعد قوهيار، وسمع حيّان وقع طبول الحسن فركب وتلقّاه على رأس فرسخ. فقال له الحسن:
- «ما تصنع ها هنا ولم توجّه إلى هذا الموضع وقد فتحت جبال شروين وتركتها وراءك فما يؤمنك أن يغدر بك القوم جميع ما عملت عليك، ارجع إلى الجبل وأشرف على القوم إشرافا لا يمكنهم الغدر إن همّوا به.» فقال له حيّان:
- «أنا على الرجوع وأريد أن أحمل أثقالى وأتقدّم إلى رجالي بالرحيل.» فقال له الحسن:
- «امض أنت فإنّى باعث بأثقالك ورجالك خلفك وبت الليلة بساريه حتّى يوافوك ثمّ بكّر من غد.» فخرج حيّان من فوره ولم يقدر على مخالفة الحسن. ثمّ ورد عليه كتاب عبد الله بن طاهر وهو بلبون [١] من جبال ونداهرمزد من أحصن جباله وكان أكثر مال مازيار بها، وأمره عبد الله ألّا يمنع قارن ممّا يريد من تلك الجبال والأموال. فاحتمل قارن ما كان لمازيار هناك من المال من ذخائر مازيار وسرخاستان وباستاندرة وبقدح السليان [٢] واحتوى على ذلك كلّه فانتفض
стр. 1857
على حيّان جميع ما [٢٨٥] كان سنح له بسبب ذلك البرذون.
ثمّ أمر محمد بن موسى وأحمد بن الصقير الحسن وناظراه سرّا فجزاهما خيرا، وكتب إلى قوهيار فوافاه وبرّه وأكرمه وأجابه إلى كلّ ما سأل واتّعد إلى يوم ثمّ صرفه. وصار قوهيار إلى مازيار فأعلمه أنّه قد أخذله الأمان وتوثّق له ثمّ ورد عليه المازيار وقوهيار.
وتقدّم المازيار فسلّم عليه بالإمرة فلم يردد عليه الحسن وتقدّم إلى طاهر بن إبراهيم وأوس البلخي فقال:
- «خذاه إليكما.»
كتاب بتسليم مازيار وإخوته وأهل بيته إلى المعتصم
ثمّ ورد كتاب عبد الله بن طاهر بتسليم مازيار واخوته وأهل بيته إلى محمد بن إبراهيم ليحملهم إلى المعتصم، ولم يعرض عبد الله لأموالهم، وأمر أن يستقصى جميع ما للمازيار، فبعث الحسن إلى المازيار وأحضره وسأله عن أمواله. فسمّى قوما ذكر أنّ أمواله عندهم، فأحضر قوهيار وكتب عليه كتابا وضمّنه المال الذي ذكر مازيار أنّه عند ثقاته وخزّانه وأصحاب كنوزه وأشهد على نفسه. ثمّ إنّ الحسن أمر الشهود الذين أحضرهم أن يصيروا إلى المازيار ليشهدوا عليه، فذكر عن بعضهم أنّه قال: لمّا دخلنا على المازيار لنشهد عليه قال المازيار:
- «إنّ جميع ما حملت من أموالى وصحبني ستّة وتسعون ألف دينار، وسبع عشرة قطعة [٢٨٦] زمرّد، وستّ عشرة قطعة ياقوتا أحمر، وثمانية أوقار سلالا مجلّدة فيها ألوان الثياب وتاج وسيف محلّى بذهب وجوهر، وحقّ كبير مملوء جوهرا.»
стр. 1858
وقد وضعه بين أيدينا وقد سلمت ذلك إلى محمد بن الصباح وهو جار عبد الله بن طاهر وصاحب خبره على العسكر وإلى قوهيار.» قال: فخرجنا إلى الحسن بن الحسين فقال:
- «أشهدتم على الرجل؟» قال: «نعم.» فقال: «هذا شيء أخبرت به فأحببت أن تعلموا قلّته.» [١] وذكر علىّ بن ربّن كاتب مازيار أنّ ذلك الحقّ كان شراء جوهره وحسبه على المازيار وشروين وشهريار ثمانية عشر ألف ألف درهم، وكان مازيار حمل جميع ذلك إلى الحسن بن الحسين على أن يظهر أنّه خرج إليه فى الأمان وأنّه قد آمنه على نفسه وماله وولده وجعل له جبال أبيه فامتنع الحسن بن الحسين من ذلك وعفّ عنه وكان أعفّ الناس عن أخذ درهم أو دينار. فلمّا أصبح أنفذ مازيار مع طاهر بن إبراهيم وعلىّ بن إبراهيم الحربي وورد كتاب عبد الله بن طاهر فى إنفاذه مع يعقوب بن منصور، وقد ساروا بمازيار مراحل فبعث الحسن فردّه وأنفذه مع يعقوب بن منصور. [٢٨٧]
قتل قوهيار ذكر ترك حزم بالدالّة [٢] عاد بهلاك
ثمّ أمر الحسن القوهيار أخا مازيار بحمل الأموال التي ضمنها ودفع إليه بغالا من العسكر وأمر بإنفاذ جيش معه وامتنع القوهيار وقال: إنه لا حاجة لى فيهم. وخرج وأخرج الأموال ليحملها، فوثب عليه مماليك المازيار من الديالمة وكانوا ألفا ومائتين فقالوا:
стр. 1859
- «غدرت بصاحبنا وأسلمته إلى العرب وجئت لتحمل أمواله.» فأخذوه وكبّلوه بالحديد، فلمّا جنّه الليل قتلوه وانتهبوا تلك الأموال والبغال.
فانتهى الخبر إلى الحسن فوجّه جيشا إلى الذين قتلوا القوهيار، ووجّه قارن جيشا آخر من قبله فى أخذهم، فأخذ منهم صاحب قارن عدّة فيهم ابن عمّ للمازيار يقال له شهريار بن المصمغان وكان رأس العبيد ومحرّضهم، فوجّه به قارن إلى عبد الله بن طاهر فمات فى الطريق، وكان جماعة أولئك الديالمة أخذوا على السفح والغيضة يريدون الديلم فنذر بهم محمد بن إبراهيم بن مصعب، فوجّه من قبله الطبرية وغيرهم حتّى عارضوهم وأخذوا عليهم الطريق، فأخذوا على طريق الروذبار إلى الرويان.
سبب فساد أمر مازيار
وكان سبب فساد [٢٨٨] أمر مازيار أنّ جبال طبرستان ثلاثة يتوارثها ثلاثة أولاد لكسرى جبل ونداذ هرمز وجبل أخيه ونداذ سخنان [١] بن الأنداد بن قارن وجبل شروين بن سرخاب بن باب.
فلمّا قوى أمر المازيار بعث إلى ابن عمّه فألزمه بابه وإلى أخيه قوهيار وأنفذ إلى هناك واليا من قبله، فلمّا احتاج مازيار إلى رجال لمحاربة عبد الله بن طاهر دعا ابن عمّه وأخاه وقال:
- «أنتما أعلم بجبلكما من غيركما.» وقال: «صيرا فى ناحية الجبل.»
стр. 1860
وكتب إلى الدرنىّ [١] وضمّ إليه العساكر وولّاه السهل ليحارب عبد الله بن طاهر وظنّ أنّه قد توثّق من الجبل بابن عمّه وأخيه القوهيار، وذلك أنّ الجبل لم يكن يظنّ أنّه يؤتى منه لأنّه ليس فيه للعساكر والمحاربة طريق لكثرة المضايق والشجر الذي فيه، وتوثّق من الموضع الذي يتخوّفه بالدّرنى.
فلمّا وجّه عبد الله بن طاهر عمّه الحسن بن الحسين بن مصعب فى عسكر عظيم من خراسان ووجّه المعتصم محمد بن إبراهيم بن مصعب ووجّه معه صاحب خبر يقال له: يعقوب بن إبراهيم مولى الهادي، ويعرف بقوصرة وزحفت العسكر وأحدقت بمازيار دعا ابن عمّ مازيار نار الحقد الذي كان فى قلبه [٢٨٩] على مازيار وتنحيته له عن جبله، إلى أن كاتب الحسن وأعلمه جميع ما يتطلّعه من الأخبار وأخبر خبر الأفشين، وكذلك فعل قوهيار أخوه.
وكانت هذه الأخبار ترد على عبد الله بن طاهر وعبد الله يكاتب بها المعتصم.
فشرط عبد الله بن طاهر لابن عمّ مازيار إن هو وثب بالمازيار أن يردّ عليه جبله وما ورثه عن آباءه فلا يعرض له فيه ولا يحارب. فرضي بذلك وكتب له بذلك كتابا وتوثّق له فيه فلم يشعر المازيار حتّى سلّمت الجبال التي كان يأمنها وأتى من مأمنه وأنزل على حكم المعتصم والعسكر الذي مع الدرنىّ بالسهل غارّون فى حربهم فأتاهم الحرب من وراءهم وقد أسر مازيار وهلك، فأعطوا حينئذ بأيديهم حتّى هلكوا بأسرهم.
وكان عبد الله بن طاهر لمّا أسر مازيار وحصل فى يده منّاه ووعده إن هو أظهره على كتب الأفشين، أن يسأل أمير المؤمنين الصفح عنه، وأعلمه عبد