← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

- «اركب إلينا لندفع إليك قارن والجبل وإلّا فاتك فلا تقيم.» فلمّا وصل الكتاب إلى الحسن ركب من [٢٨٤] ساعته وسار مسير ثلاث ليال فى ليلة حتّى انتهى إلى ساريه. ولمّا أصبح سار إلى خرّماباذ وهو يوم موعد قوهيار، وسمع حيّان وقع طبول الحسن فركب وتلقّاه على رأس فرسخ. فقال له الحسن: - «ما تصنع ها هنا ولم توجّه إلى هذا الموضع وقد فتحت جبال شروين وتركتها وراءك فما يؤمنك أن يغدر بك القوم جميع ما عملت عليك، ارجع إلى الجبل وأشرف على القوم إشرافا لا يمكنهم الغدر إن همّوا به.» فقال له حيّان: - «أنا على الرجوع وأريد أن أحمل أثقالى وأتقدّم إلى رجالي بالرحيل.» فقال له الحسن: - «امض أنت فإنّى باعث بأثقالك ورجالك خلفك وبت الليلة بساريه حتّى يوافوك ثمّ بكّر من غد.» فخرج حيّان من فوره ولم يقدر على مخالفة الحسن. ثمّ ورد عليه كتاب عبد الله بن طاهر وهو بلبون [١] من جبال ونداهرمزد من أحصن جباله وكان أكثر مال مازيار بها، وأمره عبد الله ألّا يمنع قارن ممّا يريد من تلك الجبال والأموال. فاحتمل قارن ما كان لمازيار هناك من المال من ذخائر مازيار وسرخاستان وباستاندرة وبقدح السليان [٢] واحتوى على ذلك كلّه فانتفض

стр. 1857

على حيّان جميع ما [٢٨٥] كان سنح له بسبب ذلك البرذون. ثمّ أمر محمد بن موسى وأحمد بن الصقير الحسن وناظراه سرّا فجزاهما خيرا، وكتب إلى قوهيار فوافاه وبرّه وأكرمه وأجابه إلى كلّ ما سأل واتّعد إلى يوم ثمّ صرفه. وصار قوهيار إلى مازيار فأعلمه أنّه قد أخذله الأمان وتوثّق له ثمّ ورد عليه المازيار وقوهيار. وتقدّم المازيار فسلّم عليه بالإمرة فلم يردد عليه الحسن وتقدّم إلى طاهر بن إبراهيم وأوس البلخي فقال: - «خذاه إليكما.» كتاب بتسليم مازيار وإخوته وأهل بيته إلى المعتصم ثمّ ورد كتاب عبد الله بن طاهر بتسليم مازيار واخوته وأهل بيته إلى محمد بن إبراهيم ليحملهم إلى المعتصم، ولم يعرض عبد الله لأموالهم، وأمر أن يستقصى جميع ما للمازيار، فبعث الحسن إلى المازيار وأحضره وسأله عن أمواله. فسمّى قوما ذكر أنّ أمواله عندهم، فأحضر قوهيار وكتب عليه كتابا وضمّنه المال الذي ذكر مازيار أنّه عند ثقاته وخزّانه وأصحاب كنوزه وأشهد على نفسه. ثمّ إنّ الحسن أمر الشهود الذين أحضرهم أن يصيروا إلى المازيار ليشهدوا عليه، فذكر عن بعضهم أنّه قال: لمّا دخلنا على المازيار لنشهد عليه قال المازيار: - «إنّ جميع ما حملت من أموالى وصحبني ستّة وتسعون ألف دينار، وسبع عشرة قطعة [٢٨٦] زمرّد، وستّ عشرة قطعة ياقوتا أحمر، وثمانية أوقار سلالا مجلّدة فيها ألوان الثياب وتاج وسيف محلّى بذهب وجوهر، وحقّ كبير مملوء جوهرا.»

стр. 1858

وقد وضعه بين أيدينا وقد سلمت ذلك إلى محمد بن الصباح وهو جار عبد الله بن طاهر وصاحب خبره على العسكر وإلى قوهيار.» قال: فخرجنا إلى الحسن بن الحسين فقال: - «أشهدتم على الرجل؟» قال: «نعم.» فقال: «هذا شيء أخبرت به فأحببت أن تعلموا قلّته.» [١] وذكر علىّ بن ربّن كاتب مازيار أنّ ذلك الحقّ كان شراء جوهره وحسبه على المازيار وشروين وشهريار ثمانية عشر ألف ألف درهم، وكان مازيار حمل جميع ذلك إلى الحسن بن الحسين على أن يظهر أنّه خرج إليه فى الأمان وأنّه قد آمنه على نفسه وماله وولده وجعل له جبال أبيه فامتنع الحسن بن الحسين من ذلك وعفّ عنه وكان أعفّ الناس عن أخذ درهم أو دينار. فلمّا أصبح أنفذ مازيار مع طاهر بن إبراهيم وعلىّ بن إبراهيم الحربي وورد كتاب عبد الله بن طاهر فى إنفاذه مع يعقوب بن منصور، وقد ساروا بمازيار مراحل فبعث الحسن فردّه وأنفذه مع يعقوب بن منصور. [٢٨٧] قتل قوهيار ذكر ترك حزم بالدالّة [٢] عاد بهلاك ثمّ أمر الحسن القوهيار أخا مازيار بحمل الأموال التي ضمنها ودفع إليه بغالا من العسكر وأمر بإنفاذ جيش معه وامتنع القوهيار وقال: إنه لا حاجة لى فيهم. وخرج وأخرج الأموال ليحملها، فوثب عليه مماليك المازيار من الديالمة وكانوا ألفا ومائتين فقالوا:

стр. 1859

- «غدرت بصاحبنا وأسلمته إلى العرب وجئت لتحمل أمواله.» فأخذوه وكبّلوه بالحديد، فلمّا جنّه الليل قتلوه وانتهبوا تلك الأموال والبغال. فانتهى الخبر إلى الحسن فوجّه جيشا إلى الذين قتلوا القوهيار، ووجّه قارن جيشا آخر من قبله فى أخذهم، فأخذ منهم صاحب قارن عدّة فيهم ابن عمّ للمازيار يقال له شهريار بن المصمغان وكان رأس العبيد ومحرّضهم، فوجّه به قارن إلى عبد الله بن طاهر فمات فى الطريق، وكان جماعة أولئك الديالمة أخذوا على السفح والغيضة يريدون الديلم فنذر بهم محمد بن إبراهيم بن مصعب، فوجّه من قبله الطبرية وغيرهم حتّى عارضوهم وأخذوا عليهم الطريق، فأخذوا على طريق الروذبار إلى الرويان. سبب فساد أمر مازيار وكان سبب فساد [٢٨٨] أمر مازيار أنّ جبال طبرستان ثلاثة يتوارثها ثلاثة أولاد لكسرى جبل ونداذ هرمز وجبل أخيه ونداذ سخنان [١] بن الأنداد بن قارن وجبل شروين بن سرخاب بن باب. فلمّا قوى أمر المازيار بعث إلى ابن عمّه فألزمه بابه وإلى أخيه قوهيار وأنفذ إلى هناك واليا من قبله، فلمّا احتاج مازيار إلى رجال لمحاربة عبد الله بن طاهر دعا ابن عمّه وأخاه وقال: - «أنتما أعلم بجبلكما من غيركما.» وقال: «صيرا فى ناحية الجبل.»

стр. 1860

وكتب إلى الدرنىّ [١] وضمّ إليه العساكر وولّاه السهل ليحارب عبد الله بن طاهر وظنّ أنّه قد توثّق من الجبل بابن عمّه وأخيه القوهيار، وذلك أنّ الجبل لم يكن يظنّ أنّه يؤتى منه لأنّه ليس فيه للعساكر والمحاربة طريق لكثرة المضايق والشجر الذي فيه، وتوثّق من الموضع الذي يتخوّفه بالدّرنى. فلمّا وجّه عبد الله بن طاهر عمّه الحسن بن الحسين بن مصعب فى عسكر عظيم من خراسان ووجّه المعتصم محمد بن إبراهيم بن مصعب ووجّه معه صاحب خبر يقال له: يعقوب بن إبراهيم مولى الهادي، ويعرف بقوصرة وزحفت العسكر وأحدقت بمازيار دعا ابن عمّ مازيار نار الحقد الذي كان فى قلبه [٢٨٩] على مازيار وتنحيته له عن جبله، إلى أن كاتب الحسن وأعلمه جميع ما يتطلّعه من الأخبار وأخبر خبر الأفشين، وكذلك فعل قوهيار أخوه. وكانت هذه الأخبار ترد على عبد الله بن طاهر وعبد الله يكاتب بها المعتصم. فشرط عبد الله بن طاهر لابن عمّ مازيار إن هو وثب بالمازيار أن يردّ عليه جبله وما ورثه عن آباءه فلا يعرض له فيه ولا يحارب. فرضي بذلك وكتب له بذلك كتابا وتوثّق له فيه فلم يشعر المازيار حتّى سلّمت الجبال التي كان يأمنها وأتى من مأمنه وأنزل على حكم المعتصم والعسكر الذي مع الدرنىّ بالسهل غارّون فى حربهم فأتاهم الحرب من وراءهم وقد أسر مازيار وهلك، فأعطوا حينئذ بأيديهم حتّى هلكوا بأسرهم. وكان عبد الله بن طاهر لمّا أسر مازيار وحصل فى يده منّاه ووعده إن هو أظهره على كتب الأفشين، أن يسأل أمير المؤمنين الصفح عنه، وأعلمه عبد

стр. 1861

الله أنّه قد علم أنّ الكتب عنده، فأمر المازيار بذلك فطلبت الكتب ووجّه بها مع المازيار إلى إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وأمره أن لا يخرج الكتب من يده والمازيار إلّا الى [٢٩٠] يد المعتصم لئلا يحتال المازيار فى الكتب، ففعل إسحاق ذلك فأوصلها من يده إلى يد المعتصم فسأل المعتصم مازيار عن الكتب فلم يقرّ بها فأمر بضربه حتّى مات فصلب إلى جانب بابك. نهاية الدّرنىّ فأمّا الدرنىّ [١] فإنّه كان فى نفسه شجاعا بطلا والتقى مع محمد بن إبراهيم بن مصعب، وكان جمع أموالا ورجالا يريد أن يدخل بها بلاد الديلم فلمّا عارضه محمد بن إبراهيم بين الجبل والغيضة والبحر- والغيضة متصلة بالجبل والديلم- حمل الدرنىّ على أصحاب محمد فكشفهم، ثمّ سار معارضة من غير هزيمة ليدخل الغيضة ولم يزل يحمل ويكشف الناس ويقرب من الغيضة حتّى حمل عليه رجل من أصحاب محمد يقال له فند بن حاجيل [٢] فأخذه أسيرا واتبع الجند أصحابه وأخذ جميع ما صحبه من المال والأثاث والدوابّ والسلاح وأمر محمد بقتل أخيه برزجشنس [٣] ودعا الدرنىّ فقطعت يده من مرفقه ومدّت رجله فقطعت من الركبة وكذلك اليد الأخرى والرجل الأخرى فقعد الدرنىّ على استه ولم يتكلّم ولا تغيّر، فأمر بضرب عنقه، فأمّا أصحابه فحملوا مكبّلين.

стр. 1862

خلاف منكجور الأسروشنىّ بآذربيجان وفى هذه السنة خالف منكجور الأسروشنى قرابة الأفشين بأذربيجان. [٢٩١] ذكر السبب فى ذلك كان سبب ذلك أنّ الأفشين لمّا فرغ من بابك ولّى أذربيجان منكجور هذا، فأصاب فى قرية بابك فى بعض منازله مالا عظيما فاحتجنه [١] ولم يعلم به الأفشين ولا المعتصم، وكان على البريد بأذربيجان رجل من الشيعة يقال له عبد الله بن عبد الرحمان، فكتب إلى المعتصم بخبر، المال فكوتب منكجور فيه فأنكره وهمّ منكجور بقتل عبد الله بن عبد الرحمان، وذلك أنّه وقعت بينهما فيه مناظرة فهرب عبد الله وامتنع بأهل أردبيل فمنعوه وقاتلوا، وبلغ ذلك المعتصم فوجّه إليه عسكرا عظيما وبلغ منكجور فخلع وجمع إليه الصعاليك وخرج من أردبيل، وقصده القائد مع العسكر الذي خرج من جهة المعتصم وواقفه فانهزم منكجور وصار إلى حصن لبابك فى جبل منيع فبناه وأصلحه وتحصّن فيه ووثب به أصحابه بعد شهر وأسلموه إلى القائد الذي يحاربه، فقدم به سرّ من رأى. ودخلت سنة خمس وعشرين ومائتين وفيها أجلس المعتصم أشناس على كرسىّ وتوجّه ووشّحه. وفيها أحرق غنّام المرتد.

стр. 1863

وفيها قدم بمازيار سرّ من رأى وحمل على الفيل. وكنا ذكرنا [٢٩٢] أنّ محمد بن عبد الملك قال بيتين فى بابك لمّا حمل وهو بهذا أشبه أعنى بمازيار وهما: قد خضب الفيل كعاداته ... لحمل شيطان خراسان والفيل لا تخضب أعضاؤه ... إلّا لذي شأن من الشان وقيل: إنّ مازيار امتنع من ركوب الفيل فحمل على بغل بأكاف، وأمر المعتصم فجمع بينه وبين الأفشين فأقرّ مازيار أنّ الأفشين حمله على العصيان وكاتبه وصوّب له ما فعل، فضرب مازيار أربعمائة سوط وطلب ماء فسقى ومات من ساعته فصلب. وفيها حبس الأفشين. حبس الأفشين ذكر السبب فى ذلك كان الأفشين أيّام حرب بابك ومقامه بأرض الخرّمية لا تأتيه هديّة من أهل أرمينية ولا من غيرهم إلّا وجّه بها إلى أسروشنة فيجتاز ذلك بعبد الله بن طاهر فيكتب عبد الله بخبره إلى المعتصم فيكتب المعتصم بتعرف جميع ما يوجّه به الأفشين من الهدايا إلى أسروشنة، فيفعل عبد الله ذلك. وكان الأفشين كلّما تهيّأ عنده مال حمله [٢٩٣] فى أوساط أصحابه من الدنانير والهمايين [١] وبقدر طاقتهم كان الرجل يحمل ما بين الألف فما فوقه

стр. 1864

من الدنانير فى وسطه فأخبر عبد الله بذلك فبينا هو كذلك إذ نزل رسل الأفشين مع الهدايا بنيسابور ووجّه إليهم عبد الله بن طاهر فأخذهم وفتّشهم فوجد فى أوساطهم همايين فأخذها منهم وقال لهم: - «من أين لكم هذا المال؟» فقالوا: «هذه هدايا الأفشين وهذه أمواله.» فقال: «كذبتم لو أراد أخى الأفشين أن يرسل بمثل هذه الأموال لكتب إلىّ يعلمني ذلك لآمر بحراسته وبدرقته لأنّ هذا مال عظيم وإنّما أنتم لصوص.» وأخذ عبد الله المال وأعطاه الجند قبله وكتب إلى الأفشين بما قال القوم وقال: - «أنا أنكر أن تكون وجّهت بمثل هذا المال إلى أسروشنة ولم تكتب إلىّ لأبدرقه، فإن كان المال ليس لك فقد أعطيته الجند مكان المال الذي يوجّه به أمير المؤمنين فى كلّ سنة، وإن كان المال لك كما زعم القوم فإذا جاء المال من قبل أمير المؤمنين رددته إليك، وإن يكن غير ذلك فأمير المؤمنين أحقّ بهذا المال. وإنّما دفعته [٢٩٤] إلى الجند لأنّى أريد أن أغزو الترك.» فكتب إليه الأفشين يعلمه أن ماله ومال أمير المؤمنين واحد ويسأله إطلاق القوم ليمضوا إلى أسروشنة، فأطلقهم عبد الله وكان ذلك سبب الوحشة بين عبد الله وبين الأفشين. ولمّا تواترت أمثال هذه من الأفشين تغيّر له المعتصم وأحسّ الأفشين بتغير حاله عند المعتصم. ذكر حيل همّ بها الأفشين فعزم الأفشين على أن يهيّئ أطوافا فى قصره ويحتال لأن يشغل المعتصم

стр. 1865

وقوّاده ثمّ يأخذ طريق الموصل ويعبر الزاب على تلك الأطواف حتّى يصير إلى طريق أرمينية إلى بلاد الخزر مستأمنا، ثمّ يدور من بلاد الخزر إلى بلاد الترك، ويرجع من بلاد الترك إلى بلاد أسروشنة أو يستميل الخزر على أهل الإسلام. فكان فى تهيئة ذلك فطال عليه الأمر وعسر، فهيّأ سمّا كثيرا وعزم على أن يدعو المعتصم وقوّاده فيسمّهم فإن لم يجبه المعتصم استأذنه [١] فى قوّاده فيسمّهم مثل أشناس وايتاخ وبغا وأمثالهم فى يوم تشاغل المعتصم، فإذا سمّهم وانصرفوا حمل فى أوّل الليل [٢٩٥] تلك الأطواف والآلة على ظهور الجمال حتّى يجيء إلى الزاب فيعبر بأثقاله على الأطواف ويعبّر الدوابّ سباحة وكانت أرمينية ولايته. وكان الأفشين تنوب قوّاده فى دار المعتصم كما تنوب أمثالهم. وكان واجن الأسروشنى قد جرى بينه وبين من يطّلع على سرّ الأفشين حديث، فقال له واجن: - «ما أرى هذا الأمر يتمّ لبعده وكثرة ما ينبغي أن يعدّ له [٢] .» فذهب الرجل فحكاه للأفشين. فهمّ الأفشين بقتل واجن وأحسّ واجن بذلك فركب من ساعته التي أحسّ بما أحسّ- وكان ليلا- وأتى دار المعتصم وقد كان نام فصار إلى إيتاخ وقال: - «إنّ لأمير المؤمنين عندي نصيحة.» فقال له إيتاخ: - «أليس كنت هاهنا؟ قد نام أمير المؤمنين.» فقال واجن:

стр. 1866

- «ليس يمكنني أن أصبر إلى غد.» فدقّ إيتاخ الباب على بعض من يخبر أمير المؤمنين بخبر واجن، فقال المعتصم: - «ليبت عند إيتاخ ثمّ يباكرنى.» فبات عنده. ولمّا أصبح بكّر به إلى المعتصم فأخبره بجميع ما كان عنده، فدعا المعتصم الأفشين، فجاء الأفشين فى سواد، فأمر المعتصم بنزع سواده وحبسه. وكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر فى الاحتيال للحسن بن الأفشين حتّى لا يفوته. وكان الحسن [٢٩٦] قد كثرت كتبه إلى عبد الله بن طاهر فى نوح بن أسد يعلمه تحامله عليه وظلمه له فى ضياعه. فكتب عبد الله إلى نوح يعلمه ما كتب به المعتصم فى أمره ويأمره بجمع أصحابه والتأهّب له حتّى إذا ورد عليه الحسن بن الأفشين استوثق منه وحمله، وكتب عبد الله بن طاهر إلى الحسن بن الأفشين: - «إنّى قد عزلت نوح بن أسد وولّيتك الناحية.» وكتب إليه بكتاب فيه عزل نوح وولايته، فخرج الحسن فى قلّة من أصحابه حتّى ورد على نوح وعنده أنّه وال، فأخذه نوح فشدّه وثاقا ووجّهه إلى عبد الله فوجّهه عبد الله إلى المعتصم. وكان المعتصم بنى حبسا للأفشين شبيها بالمنارة وفى وسطها مقدار مجلسه والرجال ينوبون تحتها كما تدور. فحكى هارون بن عيسى بن المنصور أنّه شهد المجلس الذي عقده المعتصم فى داره لمناظرة الأفشين. [١]

стр. 1867

ذكر مناظرات وبّخ بها الأفشين واحتجاجاته فيها أحبّ المعتصم أن يبكّت الأفشين ويناظره ولم يكن بعد فى الحبس الشديد. فأخليت الدار إلّا من ولد المنصور وأحضر قوم من الوجوه وحضر أحمد بن أبى دؤاد [٢٩٧] وإسحاق بن إبراهيم بن مصعب ومحمد بن عبد الملك الزيّات، فأتى بالأفشين وأتى بمازيار والموبذ والمرزبان بن تركش وهو أحد ملوك السغد ورجلين من أهل السغد، وكان المناظر له محمد بن عبد الملك الزيّات. بين محمد الزّيات والأفشين فدعا محمد بن عبد الملك بالرجلين وعليهما ثياب رثّة. فقال لهما: - «ما شأنكما؟» فكشفا عن ظهورهما، فإذا هي عارية من اللحم فقال محمد: - «أتعرف هذين الرجلين؟» فقال: «نعم، هذا مؤذّن وهذا إمام، بنيا بأسروشنه مسجدا فضربت كلّ واحد منهما ألف سوط، وذلك أنّ بيني وبين ملوك السغد عهدا وشرطا أن أترك كلّ قوم على دينهم، فوثب هذان على بيت لهم كان فيه أصنامهم فأخرجا الأصنام واتخذاه مسجدا، فخفت أن ينتقض علىّ أمر تلك البلدان فضربتهما على ذلك لتعدّيهما.» فقال محمد: - «ما كتاب عندك قد زيّنته بالحرير والجوهر والديباج فيه الكفر بالله .»

стр. 1868

قال: «هذا كتاب ورثته عن أبى، فيه آداب العجم وفيه دين القوم الذي هو اليوم كفر، وكنت أستمتع منه بالأدب وأترك ما سوى ذلك، ووجدته محلّى فلم تضطرني الحاجة إلى أخذ الحلية [٢٩٨] منه فتركته بحاله، ككتاب كليلة ودمنة وكتاب مزدك فى منزلك، وما ظننت هذا يخرج من الإسلام.» بين الموبذ والأفشين ثمّ تقدّم الموبذ فقال: - «إنّ هذا كان يأكل المخنوقة ويحملني على أكلها ويزعم أنّها أرطب لحما من المذبوحة، وكان يأخذ كلّ يوم شاة سوداء يضرب وسطها بالسيف ثمّ يمشى بين نصفيها ويأكل لحمها. وقال لى [يوما] [١] : إنّى قد دخلت لهؤلاء القوم فى كلّ شيء أكرهه حتّى أكلت الزيت وركبت الجمل ولبست النعل، غير أنّى إلى هذه الغاية لم تسقط منّى شعرة- يعنى أنّه لم يختتن [٢] .» فقال الأفشين: - «خبّرونى عن هذا المتكلّم أثقة هو عندكم فى دينه؟» - وكان الموبذ بعد مجوسيا ثمّ أسلم على يد المتوكّل. قالوا: «لا.» قال: «فما معنى قبولكم شهادة من لا تثقون به ولا ترون عدالته؟» ثمّ أقبل على الموبذ فقال: - «هل بين منزلي وبين منزلك باب أو كوّة تطلعني منها وتعرف أخبارى؟»

стр. 1869

قال: «لا.» قال: «أفليس كنت أدخلك إلىّ فأبثّك سرّى وأخبرك بالأعجمية وميلى إليها وإلى أهلها؟» قال: «نعم.» قال: «فلست بالثقة فى دينك ولا بالكريم فى عهدك، إذ أفشيت علىّ [٢٩٩] سرّا أسررته إليك.» ثمّ تنحّى الموبذ. بين المرزبان والأفشين وتقدّم المرزبان. فقالوا للأفشين: - «هل تعرف هذا؟» قال: «لا.» فقيل للمرزبان: «هل تعرف هذا؟» قال: «نعم هذا الأفشين.» فقالوا له: «هذا المرزبان.» ثمّ قال له المرزبان: - «يا ممخرق [١] كم تمّوه وتدافع؟» فقال الأفشين: - «يا طويل اللحية ما تقول؟» قال: «كيف يكتب إليك أهل مملكتك؟» قال: «كما كانوا يكتبون إلى أبى وجدّى.»

стр. 1870

قال: «فقل.» قال: «لا أقول.» قال المرزبان: - «أليس يكتبون إليك بالأسروشنيّة بكذا وكذا؟» قال: «بلى.» قال: «أفليس بالعربية: إلى إله الآلهة، من عبده فلان بن فلان؟» قال: «بلى.» قال محمد بن عبد الملك: - «والمسلمون يحتملون أن يقال لهم هذا، فما بقّيت لفرعون حين قال لقومه: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى؟ ٧٩: ٢٤ [١] » قال: «كانت هذه عادة القوم لأبى وجدّى ولى قبل أن أدخل فى الإسلام، فكرهت أن أضع نفسي دونها فتفسد علىّ طاعتهم.» فقال له إسحاق بن إبراهيم بن مصعب: - «كيف تحلف لنا بالله فنصدّقك ونصدّق يمينك ونجريك مجرى المسلمين وأنت تدّعى ما ادّعى فرعون؟» فقال: «يا با الحسن هذه سورة قرأها عجيف على علىّ بن هشام وأنت تقرأها [٣٠٠] علىّ، فانظر غدا من يقرأها عليك؟» بين مازيار وأفشين قال: ثمّ قدّم مازيار صاحب طبرستان. فقالوا للأفشين: - «تعرف هذا؟»

стр. 1871

قال: «لا.» قالوا: «هذا المازيار.» قال: «نعم قد عرفته الآن.» قالوا: «هل كاتبته؟» قال: «لا.» قالوا لمازيار: - «هل كتب إليك؟» قال: «نعم كتب أخوه خاش إلى أخى قوهيار أنه لم يكن ينصر هذا الدين الأبيض غيرى وغير أخيك وأنه بحمقه قتيل نفسه، ولقد جهدت أن أصرف عنه الموت فأبى حمقه إلّا أن دلّاه فيما وقع فيه، فإن خالفت لم يكن للقوم من يرمونك به غيرى ومعى من الفرسان وأهل النجدة والبأس، فإن وجّهت إليك لم يبق أحد يحاربنا إلّا ثلثة: العرب والمغاربة والأتراك. والعربي بمنزلة الكلب [١] ، اطرح له كسرة ثمّ اضرب رأسه بالدبّوس، وهؤلاء الذباب يعنى المغاربة إنّما هم أكلة رأس، وأولاد الشياطين- يعنى الأتراك- فإنما هي ساعة حتى تنفد سهامهم ثمّ تجول الخيل عليهم جولة فتأتى على آخرهم، ويعود الدين إلى ما لم يزل عليه أيّام العجم.» فقال الأفشين: - «هذا يدّعى على أخى وأخيه ودعوى لا تجب علىّ، ولو كتبت هذا الكتاب [٣٠١] لأستميله إلىّ وليثق بناحيتى لكان غير مستنكر، لأنى إذا نصرت الخليفة بيدي لكنت بالجملة أحرى أن أنصره لآخذ قفاه وآتى به الخليفة فأحظى به عنده كما حظى عبد الله بن طاهر بمجيء المازيار.»

стр. 1872

بين ابن أبى دؤاد والأفشين ولمّا قال الأفشين لمازيار ما قال وقال لإسحاق بن إبراهيم بن مصعب ما قال زجر ابن أبى دؤاد الأفشين. فقال له الأفشين: - «أنت يا با عبد الله لا ترفع طيلسانك بيدك ولا تضعه على عاتقك حتى تقتل به جماعة.» فقال له ابن أبى دؤاد: - «أمطهّر أنت؟» قال: «لا.» قال: «فما منعك من ذلك، وبه تمام الإسلام والطهور من النجاسة؟» قال: «أو ليس فى دين الإسلام استعمال التقيّة؟» قال: «بلى.» قال: «فإنى خفت أن أقطع ذلك العضو من جسدي فأموت.» قال: «أنت تطعن بالرمح وتضرب بالسيف فلا يمنعك ذلك من أن تكون فى الحرب وتجزع من قطع غلفة [١] .» قال: «تلك ضرورة أدفع إليها فأصبر عليها إذا وقعت، وهذا شيء أستجلبه فلم آمن معه خروج نفسي ولم أعلم أنّ فى تركها خروجا [٢] من الإسلام.» فقال ابن أبى دؤاد: - «قد بان لكم.» [٣٠٢] ثمّ التفت إلى بغا الكبير وكان الأفشين تابعا له. فقال: - «يا با موسى عليك به.»

стр. 1873

فضرب بيده إلى منطقته فجذبها. فقال: - «قد كنت أتوقّع هذا منكم قبل اليوم.» فقلب بغا القباء على رأسه، ثمّ أخذ بمجامع القباء عند عنقه وأخرجه إلى محبسه. ثمّ دخلت سنة ستّ وعشرين ومائتين وفيها مات الأفشين. ذكر الخبر عن موته لمّا جاءت الفاكهة جمع المعتصم من الفواكه شيئا كثيرا فى طبق وقال لابنه هارون الواثق: - «اذهب بهذه الفواكه إلى الأفشين.» فحملت مع هارون حتى صعد بها إليه فى البناء الذي بنى له وحبس فيه، فنظر إليه الأفشين، ثمّ قال للواثق: - «لا إله إلّا الله، ما أحسنه لولا أنى فقدت منه ما أشتهيه.» وكان فقد منه الشاهلوج. فقال الواثق: - «وما هو؟» فقال: «الشاهلوج.» فقال: «هو ذى، أنصرف فأوجّه به إليك.» ولم يمسّ من الفاكهة شيئا. فلمّا أراد الواثق الانصراف قال له الأفشين: - «اقرأ على سيّدى السلام وقل له: أسألك أن توجّه إلىّ ثقة من قبلك يؤدّى عنّى ما أقول.» [٣٠٣] فأمر المعتصم حمدون بن إسماعيل. وكان حمدون فى أيّام المتوكّل فى

стр. 1874

حبس سليمان بن وهب فحدّث بهذا الحديث. بين هارون الواثق والأفشين قال هارون: فبعث بى المعتصم إلى الأفشين وقال لى: - «إنه سيطوّل [١] عليك فلا تحتبس.» قال: فدخلت عليه وطبق الفاكهة بين يديه ولم يمسّ واحدة فما فوقها. فقال لى: - «اجلس.» فجلست فاستمالنى بالدهقنة. فقلت: - «لا تطوّل، فإنّ أمير المؤمنين قد تقدّم إلىّ ألّا أحتبس عندك، فأوجز.» فقال لى: - «قل لأمير المؤمنين يا مولاي، أحسنت إلىّ وشرّفتنى وأوطأت الرجال عقبى ثمّ قبلت فىّ كلاما لم يتحقّق عندك ولم تدبّره بعقلك، كيف يكون هذا وكيف يجوز لى أن أفعل هذا الذي بلغك عنّى؟ تخبر بأنّى دسست منكجور أن يخرج وتقبله، وتخبر أنّى قلت للقائد الذي وجّهته إلى منكجور: لا تحاربه واعذر [٢] به، وإن أحسست بأحد منّا فانهزم من بين يديه. أنت رجل قد عرفت الحرب وحاربت الرجال وسست العساكر، هذا يمكن، رأس عسكر يقول لأحد أن يفعله؟ ولو كان هذا يمكن ما كان ينبغي أن تقبله من عدوّ، وقد عرفت سببه. ولكن مثلي ومثلك يا أمير المؤمنين مثل رجل ربّى عجلا له حتى أسمنه وكبر وحسنت حاله [٣٠٤] وكان له أصحاب اشتهوا أن

стр. 1875

يأكلوا من لحمه، فعرّضوا له بذبح العجل فلم يجبهم إلى ذلك، فاتّفقوا جميعا على أن قالوا له ذات يوم: - «ويحك لم تربّى هذا الأسد هذا سبع وقد كبر والسبع إذا كبر يرجع إلى جنسه.» فقال لهم: - «ويحكم هذا عجل ما هو سبع.» فقالوا له: - «هذا سبع، سل من شئت عنه.» وقد كانوا تقدّموا إلى جميع من يعرفونه فقالوا لهم: إن سألكم عن العجل فقولوا: هذا سبع. فكلّما سأل الرجل إنسانا قال له: «هذا سبع.» فأمر بالعجل فذبح. ولكن أنا ذلك العجل، كيف أقدر أن أكون أسدا؟ الله الله فى أمرى اصطنعتنى وشرّفتنى وأنت سيدي ومولاي أسأل الله أن يعطف بقلبك علىّ.» قال حمدون: فقمت وانصرفت وتركت الطبق على حاله لم يمسّ منه شيئا. ثمّ ما لبثنا إلّا قليلا حتى قيل: إنّه مات. فقال المعتصم: - «أروه ابنه.» فأخرجوه فطرحوه بين يدي ابنه، فنتف لحيته وشعره، ثمّ حمل إلى منزل إيتاخ ثمّ صلب على باب العامة ليراه الناس ثمّ طرح مع خشبته وأحرق وحمل الرماد فطرح فى دجلة. ووجد فى داره لمّا أحصى متاعه تمثال إنسان من خشب عليه حلية كثيرة

стр. 1876

وجوهر. فممّا أخرج من منزله أطواف الخشب [٣٠٥] التي أعدّها، وأصنام وكتب فيها ديانته. ثمّ دخلت سنة سبع وعشرين ومائتين خروج المبرقع اليماني بفلسطين وفيها خرج المبرقع اليماني بفلسطين على السلطان. ذكر السبب فى ذلك كان سبب خروجه أنّ بعض الجند أراد النزول فى داره وهو غائب عنها وفيها إمّا زوجته وإمّا أخته، فمانعته ذلك، فضربها بسوط معه فاتّقته بذراعها فأثّر فيها. فلمّا رجع أبو حرب إلى منزله بكت وشكت إليه ما فعل بها وأرته الأثر الذي بذراعها من ضربه. فأخذ السيف ومشى إلى الجندي وهو غارّ [١] فضربه فقتله ثمّ هرب وألبس وجهه برقعا كي لا يعرف، فصار إلى جبل من جبال الأردن وطلبه السلطان فلم يعرف له خبرا. وكان يظهر متبرقعا على الخيل فيراه الرائي فيأتيه ويذكّره ويحرّضه على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ويذكر السلطان ويعيبه، فما زال حتى استجاب له قوم من الحرّاثين وأهل القرى، وكان يزعم أنّه أموىّ وقال الذين استجابوا [٣٠٦] له: - «هذا هو السفياني.» فلمّا كثرت غاشيته وتبّاعه من هذه الطبقة دعا أهل البيوتات، فاستجاب له جماعة من رؤساء اليمانية وقوم من أهل دمشق، واتصل الخبر بالمعتصم

стр. 1877

وهو عليل علّته التي مات فيها، فوجّه إليه رجاء بن أيّوب الحضارى فى نحو ألف رجل من الجند، وكان أبو حرب فى نحو مائة ألف، وكره رجاء [١] مواقعته فعسكر بحذاءه وطاوله حتى إذا كان فى وقت عمارة الأرضين تفرّق عنه أكثرهم وبقي أبو حرب فى نحو ألفين فناجزه الحرب، وتأمّل رجاء عسكر المبرقع فلم يجد فيه من له فروسية غيره. فقال لأصحابه: - «لا تعجلوا عليه فانّه سيظهر لأصحابه بعض ما عنده.» فما لبث أن حمل فقال لأصحابه: - «أفرجوا عنه.» فأفرجوا، ثمّ حمل ثانية فقال رجاء: - «أفرجوا له فإذا أراد الرجوع فحولوا بينه وبين ذلك وخذوه.» ففعل ذلك وأحاطوا به فأنزلوه عن دابته وأسروه وحمله رجاء إلى المعتصم. وفاة المعتصم وفيها كانت وفاة المعتصم. ولمّا حضرته الوفاة جعل يقول: - «ذهبت الحيل ليست حيلة.» حتّى مات. وذكر عنه أنّه قال: - «لو علمت أنّ عمرى قصير ما فعلت ما فعلت.» ودفن بسرّ من رأى. فكانت خلافته ثماني سنين [٣٠٧] وثمانية أشهر وهو ثامن الخلفاء والثامن من ولد العباس، وولد سنة ثمانين ومائة ومات عن

стр. 1878

ثمانية وأربعين سنة وله ثمانية بنين وبنات. وكان أبيض أصهب اللحية طويلها مربوعا مشرب اللون حمرة حسن العينين. [١] وبويع يوم توفى ابنه هارون الواثق بن محمد المعتصم وكان يكنّى أبا جعفر.

стр. 1879

خلافة هارون الواثق ودخلت سنة ثمان وعشرين ومائتين ولم يجر فيها على ما بلغنا شيء يثبت فى مثل هذا الكتاب. ودخلت سنة تسع وعشرين ومائتين حبس الكتاب وإلزامهم أموالا وفيها حبس الواثق الكتّاب وألزمهم أموالا، فأخذ من سليمان بن وهب وهو كاتب إيتاخ أربعمائة ألف دينار، ومن أحمد بن إسرائيل ثمانين ألف دينار بعد أن أمر بضربه كلّ يوم عشرة أسواط فضرب نحو ألف سوط، وأخذ [١] من أحمد بن الخصيب وكتّابه ألف ألف دينار، ومن إبراهيم بن رباح وكتّابه مائة ألف دينار، ومن نجاح ستين ألف دينار ومن الحسن بن وهب وأبى الوزير مائتي ألف دينار، وذلك سوى ما أخذ من العمّال بسبب عمالاتهم، ونصب محمد بن [٣٠٨] عبد الملك لابن أبى دؤاد وسائر أصحاب المظالم فكشفوا وحبسوا وأقيموا للناس فلقوا كلّ جهد، وجلس إسحاق بن إبراهيم لهم ينظر فى أمرهم ويطالبهم.

стр. 1880

ذكر سبب ذلك كان سبب ذلك أنّ الواثق جلس ليلة مع ندمائه فقال: - «إنّى لست أشتهى الليلة النبيذ، فهلمّوا نتحدّث.» فتحدّثوا عامة الليل فقال الواثق: - «من منكم يعلم السبب الذي وثب من أجله جدّى الرشيد على البرامكة حتى أزال نعمتهم؟» فقال له بعضهم: - «أنا والله أحدّثك يا أمير المؤمنين.» وحدّثه حديث الجارية وما جرى فى أمر ثمنها وإحضار البرامكة قيمة مائة ألف دينار دراهم [١] ليستكثرها فلا يشتريها. فلمّا رآها ضمّها إلى بعض خدمه وبحث عن الأموال ليجمع بيت مال خاصة [٢] فوجد البرامكة قد أتلفوا كلّ ما فى بيوت أمواله وقد ذكرنا نحن هذا الحديث مشروحا فيما مضى. فما مرّ على ذلك أسبوع حتّى أوقع بكتّابه واستخرج منهم ومن عمّاله أموالا عظيمة. ودخلت سنة ثلاثين ومائتين [٣٠٩] وفيها مات عبد الله بن طاهر وكان إليه يوم ذاك الحربة والشرطة والسواد وخراسان وأعمالها والرىّ وطبرستان وما يتصل بها وكرمان، فولّى الواثق هذه الأعمال كلّها ابنه طاهر بن عبد الله بن طاهر.

стр. 1881

ودخلت سنة إحدى وثلاثين ومائتين تحرّك قوم وأخذهم البيعة على أحمد بن نصر الخزاعي وفيها تحرّك قوم فى ربض عمرو بن عطاء وأخذوا البيعة على أحمد بن نصر الخزاعي. ذكر السبب فى ذلك السبب فى ذلك أنّ أحمد بن نصر بن مالك [بن الهيثم] [١] الخزاعي- ومالك بن الهيثم أحد نقباء بنى العباس وقد تقدّم ذكره فيما مضى- يغشاه أصحاب الحديث. وكان أحمد بن نصر هذا يباين من قال بخلق القرآن وباينه مثل يحيى بن معين وابنا الدورقي وأبو خيثمة، وله مرتبة كبيرة فى أصحاب الحديث، وبسط لسانه فيمن يقول بخلق القرآن، مع غلظة الواثق كانت على كلّ من يقول ذلك وامتحانه إيّاهم فيه وغلبة ابن أبى دؤاد عليه. فجعل أحمد بن نصر لا يذكر الواثق إلّا بالخنزير فيقول: - «فعل هذا الخنزير ... وصنع هذا الكافر.» وفشا ذلك [٣١٠] حتى خوّف، وقيل له: قد اتصل أمرك به وحرّكه المطيفون به ممّن ينكر القول بخلق القرآن من أصحاب السلطان ومن عامّة بغداد، وحرّكوه لإنكار القول بخلق القرآن وقصده الناس لرتبته فى أصحاب الحديث ولما كان لأبيه وجدّه فى دولة بنى العباس من الأثر فكانت له أيضا رئاسة ببغداد فى سنة إحدى ومائتين.

стр. 1882

وبويع على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لما كثر الدعّار وظهر الفساد والمأمون بخراسان ولم يزل على ذلك ثابتا إلى أن قدم المأمون بغداد فى سنة أربع، فرجوا إذا تحرّك استجابة الناس له للأسباب التي ذكرت. وكان فيمن بايعه قوم من أصحاب إسحاق بن إبراهيم بن مصعب صاحب الشرطة يرون رأيه ففرّقوا فى قوم مالا وأعطوا كلّ رجل دينارا دينارا، وواعدهم أحمد بن نصر ليلة يضربون فيها بالطبل للاجتماع والوثوب بالسلطان، وكان قوم منهم بالجانب الشرقي وقوم بالجانب الغربي، فانتبذ بعض من أخذ الدينار واجتمع عدّة منهم على شربه. فلمّا ثملوا ضربوا بالطبل ليلة الأربعاء قبل الموعد بليلة وكان الموعد ليلة الخميس وهم يحسبونها ليلة الخميس [٣١١] التي اتّعدوا لها، فأكثروا ضرب الطبل فلم يجبهم أحد. وكان إسحاق بن إبراهيم بن مصعب غائبا عن بغداد وخليفته بها أخوه محمد بن إبراهيم، فوجّه إليهم محمد بن إبراهيم صاحبه فأتاهم فسألهم عن قصّتهم فلم يظهر له أحد فدلّه الجيران على رجل حمّامى فأخذه وتهدّده بالضرب فأمر على أحمد بن نصر وجماعة سمّاهم، فتتبّع القوم من ليلتهم فأخذ بعضهم من الجانب الشرقي وبعضهم من الجانب الغربي وقيّد وجوههم وأصيب فى منزل أحدهم علمان أخضران فيهما حمرة، ثمّ أخذ خصىّ لأحمد بن نصر، فتهدّد فأقرّ بما أقرّ به عيسى الحمّامى. فأخذ أحمد بن نصر وحمل إلى محمد بن إبراهيم بن مصعب مع أولاده وجماعة من يغشاه، فحملهم إلى الواثق بسرّ من رأى على بغال بأكاف لا وطاء تحتهم وهم مقيّدون. فجلس لهم الواثق مجلسا عامّا وأحضر أحمد بن أبى دؤاد ليمتحنوا مكشوفا. فأحضر القوم وحضر معهم أحمد بن نصر فلم يناظرهم الواثق فى

стр. 1883

الشغب ولا فيما روى عليه من إرادته الخروج عليه ولكنه قال [١] : - «يا أحمد ما تقول فى القرآن؟» قال: «كلام الله.» قال: «أفمخلوق هو؟» قال: « [هو] [٢] كلام الله.» قال: «فما تقول فى ربّك، أتراه يوم القيامة؟» قال: «يا أمير المؤمنين [٣١٢] جاءت الآثار عن رسول الله صلى الله عليه أنّه قال ترون ربّكم يوم القيامة لا تضامون فى رؤيته.» وحدّثنى سفيان بن عينيه بحديث يرفعه أن قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الله. فقال له إسحاق بن إبراهيم: - «ويلك انظر ما تقول.» قال: «أنت أمرتنى بذلك.» فأشفق إسحاق من كلمته. قال: «أنا أمرتك بذلك؟» قال: «نعم أمرتنى أن أنصح لك ولأمير المؤمنين ومن نصيحتي له ألّا يخالف حديث رسول الله صلى الله عليه.» فقال الواثق لمن حوله: - «ما تقولون فيه؟» فأكثروا. فقال عبد الرحمن بن إسحاق وكان قاضيا على الجانب الغربي وهو صديق لأحمد بن نصر: - «يا أمير المؤمنين هو حلال الدم.»

стр. 1884

وقال آخر: - «اسقني دمه يا أمير المؤمنين.» فقال له الواثق: - «القتل يأتى على ما تريد.» وقال أحمد بن أبى دؤاد: - «كافر يستتاب، لعلّ به عاهة أو تغيّر عقل، كأنّه كره أن يقتل بسببه.» فقال الواثق: - «إذا رأيتمونى قد قمت إليه فلا يقومنّ معى أحد، فإنّى أحتسب خطإي إليه.» ودعا بالصمصامة سيف عمرو بن معديكرب وكان فى الخزانة، فأتى به فمشى إليه فى وسط الدار ودعا بنطع فصيّر فى وسطه وحبل فشدّ به رأسه ومدّ الحبل [٣١٣] فضربه الواثق فوقعت الضربة على حبل عاتقه، ثمّ ضربه أخرى على رأسه، ثمّ انتضى سيما الدمشقي سيفه فضربه فأبان رأسه. ويقال: إنّ بغا ضربه ضربة أخرى وطعنه الواثق بطرف الصمصامة فى بطنه فحمل معترضا حتى أتى به الحظيرة التي فيها بابك، فصلب فيها وفى رجله قيود وحمل رأسه إلى بغداد فنصب فى الجانب الشرقي أيّاما ثمّ حوّل إلى الغربي وحظر على الرأس حظيرة وأقيم عليه الحرس وكتب فى أذنه رقعة: - «هذا رأس الكافر المشرك الضالّ أحمد بن نصر، قتله الله على يدي عبد الله هارون الإمام الواثق بالله أمير المؤمنين، بعد أن أقام الحجّة عليه فى خلق القرآن ونفى التشبيه، وعرض عليه التوبة فأبى إلّا المعاندة، فعجّل الله به إلى ناره وأليم عقابه.» وتتبع من عرف بصحبة أحمد بن نصر ومن بايعه فوضعوا فى الحبوس ومنعوا من أخذ الصدقة التي يعطاها أهل السجون ومنعوا من الزوّار وثقّلوا بالحديد.

стр. 1885

الفداء بين المسلمين وصاحب الروم وفى هذه السنة [١] تمّ الفداء بين المسلمين وصاحب الروم واجتمع [٣١٤] المسلمون والروم على نهر يقال له اللامس على مسيرة يوم من طرسوس. وأمر الواثق بامتحان أهل الثغور فى القرآن، فقالوا جميعا بخلقه إلّا أربعة نفر فأمر الواثق بضرب أعناقهم. وأمر لأهل الثغور بجوائز على ما رآه خاقان، وكان خادم الرشيد نشأ بالثغر وكان ورد رسول ملك الروم فى طلب المفاداة وكان جرى بينهم اختلاف فى الفداء قالوا: - «لا نأخذ فى الفداء عجوزا ولا شيخا ولا صبيّا. ثمّ رضوا عن كلّ نفس بنفس فوجّه الواثق فى شراء من يباع ولم يتمّ العدّة فأخرج الواثق من قصره عجائز روميات وغيرهم حتّى تمّت العدّة.» وأمر الواثق بامتحان الأسارى. فمن قال بخلق القرآن فودى به ومن أبى ترك فى أيدى الروم. وأمر أن يعطى جميع من فودى وقال بخلق القرآن دينارا فبلغ عدّة من فودى به أربعة آلاف وستمائة إنسان فيهم من أهل الذمة نحو أربعمائة. ولمّا جمعوا الفداء وقف المسلمون من جانب النهر الشرقي والروم من الجانب الغربي وعقد جسر على النهر للمسلمين وجسر آخر للروم. قال: فكنّا نرسل الرومي على جسرنا ويرسل الروم المسلم على جسرهم [٣١٥] فيصير هذا إلينا وذاك إليهم. وفى هذه السنة مات أبو عبد الله ابن الأعرابي الراوية وهو ابن ثمانين سنة.

стр. 1886

ودخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وفيها كان مسير بغا الكبير إلى بنى نمير [١] ذكر السبب فى ذلك كان سبب ذلك أنّ عماره بن عقيل بن بلال بن جرير بن الخطفى امتدح الواثق بقصيدة، فدخل عليه وأنشده إيّاها، فأمر له بثلاثين ألف درهم وبنزل. فكلّم عمارة الواثق فى بنى نمير وأخبره بعيثهم وفسادهم فى الأرض وإغارتهم على اليمامة وما قرب منها، فكتب الواثق إلى بغا يأمره بحربهم، وكان بغا بالمدينة لأن بنى سليم كانوا عاثوا بالحجاز وأكثروا الغارات والقتل، فتوجّه صاحب المدينة وجمع لهم الخيل والسودان ومن استجاب لهم من قريش والأنصار، فواقعتهم بنو سليم فقتلوهم وقتلوا أمير المدينة وأكثر من كان خرج معه من قريش والأنصار. فأخرج الواثق بالله بغا الكبير إلى المدينة [٣١٦] فأوقع ببني سليم وأسر منهم وقتل، فكان لذلك مقيما بعد بالمدينة. فلمّا أراد بغا الشخوص إليهم من المدينة حمل معه دليلا ومضى نحو اليمامة فلقى منهم جماعة بموضع يقال له: الشريف، فحاربوه فقتل بغا منهم نحوا من ستين رجلا وأسر نحوا من أربعين. ثمّ سار وتابع إليهم الرسل فعرض عليهم الأمان ودعاهم إلى السمع والطاعة وهم فى ذلك يمتنعون عليه ويشتمون رسله ويتفلّتون إلى حربه. فسار بغا حتّى ورد بطن نخل ثمّ دخل نخيلة، فاحتملت بنو ضبّة من بنى نمير فركبت جبالها، فأرسل إليهم فأبوا أن يأتوه، وأرسل إليهم سريّة وأتبعهم بجماعة من معه، فحشدوا لحربه وهم يومئذ نحو من ثلاثة آلاف رجل.

стр. 1887

فلقوهم ببطن السر فهزموا مقدّمته وكشفوا ميسرته وقتلوا من أصحابه مائة وثلاثين رجلا وعقروا من إبل عسكره سبعمائة ومائة دابّة، وانتهبوا الأثقال وبعض ما كان مع بغا من الأموال فهجم عليهم وعليه ليل. فجعل بغا يناشدهم ويدعوهم إلى الرجوع إلى طاعة الواثق فشتموه وتوعّدوه. فلمّا دنا الصبح أشير على بغا بأن يوقع بهم قبل أن يضيء الصبح فيروا قلّة عدد من معه ويجترئوا عليه، فأبى بغا. فلمّا أضاء الصبح [٣١٧] ونظروا إلى عدد من معه حملوا عليهم فهزموهم حتّى بلغت هزيمتهم معسكرهم وأيقنوا بالهلكة. ذكر اتفاق حسن وبلغ بغا أنّ خيلا لهم بمكان من بلادهم، فوجّه من أصحابه نحوا من مائتي رجل إليها. فبينا هم فيما هم من الإشراف على العطب وقد انهزم بغا إذ خرجت تلك الجماعة منصرفة من تلك الخيل وأقبلت متفرقة فى ظهور بنى نمير. فنفخوا فى صفّارتهم فالتفتوا ورأوا الخيل وراءهم، فولّوا منهزمين وأسلم فرسانهم رجّالتهم وطاروا على ظهور الخيل. وكان منهم جماعة تشاغلوا بالنهب، فثاب إلى بغا أصحابه فكرّ عليهم وقتل منهم منذ زوال الشمس وإلى آخر وقت العصر زهاء ألف وخمسمائة رجل. وأقام بغا حتّى جمعت له رؤوس من قتل واستراح هو وأصحابه ببطن السرّ ثلاثة أيّام. ثمّ أرسل إليه من هرب من فرسان نمير من الوقعة يطلبون الأمان فأعطاهم الأمان فصاروا إليه فقيّدهم وأشخصهم معه، فشغبوا فى الطريق وحاولوا كسر قيودهم والهرب. فأمر بإحضارهم واحدا بعد واحد فيضربه ما بين الأربعمائة إلى الخمسمائة، فلم ينطق منهم ناطق بتوجّع ولا تأوّه. ثمّ جمعهم مع من لحق به [٣١٨] ممّن طلب الأمان وحملهم إلى

стр. 1888

البصرة. موت الواثق وفيها مات الواثق وكان موته بالاستسقاء فعولج بالإقعاد فى تنّور مسخن فوجد لذلك راحة، فأمر من غد ذلك اليوم بأن يزاد فى إسخان ذلك التنّور ففعل وقعد فيه أكثر من قعوده فى اليوم الذي قبله فحمى عليه، فأخرج منه وصيّر فى محفّة، وحضره جماعة من الهاشميين ثمّ حضر محمد بن عبد الملك الزيّات وأحمد بن أبى دؤاد. فلم يعلموا بموته حتّى ضرب بوجهه المحفّة، [فعلموا أنّه قد مات] [١] وكان أبيض مشربا حمرة جميلا ربعة حسن الجسم قائم العين اليسرى فيها نكتة بياض. فكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وسنّه ست وثلاثون سنة.

стр. 1889

خلافة جعفر المتوكّل وفى هذه السنة بويع لجعفر المتوكّل بالخلافة وهو جعفر بن محمد بن هارون بن [١] محمد بن عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب. لمّا توفّى الواثق حضر الدار أحمد بن أبى دؤاد وإيتاخ ووصيف ومحمد بن عبد الملك وأحمد بن خالد أبو الوزير. فعزموا على البيعة لمحمد بن الواثق فأحضروه وهو غلام أمرد قصير. فألبسوه درّاعة [٢] سوداء وقلنسوة رصافيّة [٣] فإذا هو قصير. فقال لهم وصيف: - «أما تتّقون الله تولّون مثل هذا الخلافة وهو لا تجوز معه الصلاة.» فتناظروا [٣١٩] فى من يولّونها، فذكر أحمد بن أبى دؤاد جعفرا أخا الواثق فأحضره وألبسه الطويلة وعمّمه وقبّل بين عينيه وقال: - «السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.» تم غسل الواثق وصلّى عليه ودفن ولقّنه أحمد بن أبى دؤاد: المتوكّل على الله، وأمر محمد بن عبد الملك بالكتاب به إلى الناس فوقّع بهذا:

стр. 1890

«بسم الله الرحمن الرحيم- أمر أبقاك الله- أمير المؤمنين أعزّه الله، أن يكون الرسم الذي يجرى به ذكره على أعواد منبره وكتبه إلى قضاته وكتّابه وعمّاله وأصحاب دواوينه وسائر من تجرى المكاتبة بينه وبينه: من عبد الله جعفر الإمام المتوكّل على الله أمير المؤمنين. فرأيك فى العمل بذلك وإعلامى وصول كتابي إليك موفّقا إن شاء الله.» وأمر للأتراك برزق أربعة أشهر وأمر بأن يوضع العطاء للجند لثمانية أشهر وأخذت البيعة عليهم وبويع له وله ستّ وعشرون سنة. ودخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وفيها غضب المتوكّل على محمد بن عبد الملك الزيّات وحبسه. ذكر سوء نظر محمد بن عبد الملك فى العاقبة وتجهّمه للمتوكّل حتّى أهلكه [٣٢٠] كان السبب فى غضبه عليه أنّ الواثق لمّا استوزر محمد بن عبد الملك فوّض إليه الأمور وكان الواثق قد غضب على أخيه جعفر لبعض الأمور، فوكّل به عمر بن فرج الرخّجى ومحمد بن العلاء، فكانا يحفظانه ويكتبان بأخباره. فصار جعفر إلى محمد بن عبد الملك يسأله أن يكلّم أخاه الواثق ليرضى عنه. فلمّا دخل عليه مكث واقفا بين يديه لا يكلّمه، ثمّ أشار إليه أن يقعد فلمّا فرغ من نظره فى الكتب التفت إليه كالمتهدّد له فقال له: - «ما جاء بك؟» قال: «جئت لتسأل أمير المؤمنين الرضا عنى.» فقال لمن حوله:

стр. 1891

- «انظروا إلى هذا يغضب أخاه ويسألنى أن أسترضيه له اذهب، فانّك إذا صلحت رضى عنك.» فقام جعفر كئيبا حزينا لما لقيه به من قبح اللقاء والتقصير به، فخرج من عنده وأتى عمر بن فرج يسأله أن يختم له صكّه لبعض أرزاقه، فلقيه عمر بن فرج بالتجهّم وأخذ الصك ورمى به، فصار جعفر حين خرج من عند عمر إلى أحمد بن أبى دؤاد، فدخل عليه فقام له أحمد بن أبى دواد واستقبله وقبّله والتزمه وقال له: - «ما جاء بك جعلني الله فداءك؟» قال: «جئت لتسترضى أمير المؤمنين.» قال: «أفعل ونعمة عين.» فكلّم أحمد بن أبى دؤاد الواثق بالله فيه، فوعده ولم يرض عنه. فأعاد أحمد الكلام [٣٢١] بعد ذلك وسأله بحق المعتصم إلّا رضى عنه، فرضي عنه من ساعته وكساه واعتقد جعفر لأحمد بن أبى دؤاد بذلك يدا ميثاقا فأحظاه عنده لمّا ملك. وإنّ محمد بن عبد الملك حين خرج جعفر من عنده كتب إلى الواثق يذكر: أنّ جعفرا أتانى فسألنى أن أسأل أمير المؤمنين الرضا عنه فى زىّ المخنّثين، له شعر قفا. فكتب إليه الواثق: - «ابعث إليه فأحضره ومر من يجزّ شعر قفاه، ثمّ مر من يأخذ شعره ويضرب به وجهه، واصرفه إلى منزله.» فحكى عن المتوكّل أنّه قال: لمّا أتانى رسوله لبست سوادا جديدا وأتيته رجاء أن يكون قد أتاه الرضى، فلمّا حصلت بين يديه قال: - «يا غلام ادع لى حجّاما.» فدعى به. فقال:

стр. 1892

- «خذ من شعره فاجمعه.» فأخذه على السواد الجديد ولم يأته بمنديل، فأخذ شعره وضرب وجهه به. فقال المتوكّل: ما دخلني من الجزع على شيء مثل ما دخلني حيث أخذ شعري على السواد الجديد وقد جئته فيه طامعا فى الرضا عنى فأخذ شعري عليه. فلمّا بويع جعفر أمهل وهو يفكّر فى مكروه يناله به. ثمّ أمر إيتاخ بأن يأخذه ويعذّبه فيبعث إليه إيتاخ فظنّ أنّه يدعى للخليفة، فركب مبادرا. فلمّا حاذى منزل إيتاخ، قيل له: - «اعدل إلى ها هنا.» فعدل وأوجس [٣٢٢] فى نفسه خيفة. فلمّا جاء إلى الموضع الذي كان نزل فيه إيتاخ عدل به عنه فأيقن بالشرّ ثمّ أدخل حجرة وأخذ سيفه ودرّاعته وقلنسوته فدفع إلى غلمانه، وقيل لهم: - «انصرفوا.» فانصرفوا وهم لا يشكّون أنّه مقيم عند إيتاخ ليشرب. ووجّه المتوكّل إلى أصحابه ودوره، فقبض عليهم فأخرج جميع ما كان فى منزله من متاع وجوار وغلمان ودوابّ، فصار ذلك كلّه فى الهارونىّ، وأمر أبا الوزير بقبض ضياعه وضياع أهل بيته حيث كانت. فأمّا ما كان بسرّ من رأى فحمل إلى خزائنه واشترى للخليفة جميعه وقيل لمحمد بن عبد الملك: - «وكّل ببيع متاعك.» وأتوه بمن وكّله بالبيع عليه ثمّ قيّد، وامتنع من الطعام فلا يذوق شيئا. وكان شديد الجزع فى حبسه كثير البكاء قليل الكلام كثير التفكير. فمكث

стр. 1893

أيّاما ثمّ سوهر ومنع من النوم وينخس بمسلّة، ثمّ ترك يوما وليلة فنام وانتبه فاشتهى فاكهة وعنبا فأتى به فأكل، ثمّ أعيد الى المساهرة. وكان محمد قاسى القلب يزعم أنّ الرحمة خور فى الطبيعة وكان قد اتّخذ تنّورا من خشب فيه مسامير حديد قيام يعذّب فيه من يطالبه. فكان هو أوّل من عمل ذلك، وعذّب فيه ابن سنباط المصري حتّى استخرج منه جميع ما كان عنده ثمّ [٣٢٣] ابتلى به فعذّب فيه حتّى مات. ودخلت سنة أربع وثلاثين ومائتين هروب محمد بن البعيث وفيها هرب محمد بن البعيث بن حليس، وكان جيء به أسيرا من أذربيجان وحبس، وكانت له قلعتان تدعى أحداهما شاها [١] والأخرى يكدر. فأمّا شاها فهي وسط البحيرة وأمّا يكدر فهي خارج البحيرة وهذه البحيرة قدر عشرين فرسخا من حدّ أرمينية إلى بلاد محمد بن الروّاد، وشاها قلعة حصينة تحيط بها البحيرة ويركب فيها الناس من أطراف المراغة إلى أرمينية وغيرها. وكانت مدينة محمد بن البعيث مرند فهرب إلى مدينته فجمع بها الطعام وفيها عيون ماء فرمّ ما كان وهي [٢] من سورها، وأتاه من أراد الفتنة من كلّ ناحية من ربيعة وغيرها فصار فى نحو ألفى رجل. وكان الوالي بأذربيجان محمد بن حاتم بن هرثمة فقصّر فى طلبه. فولّى المتوكّل حمدويه بن علىّ أذربيجان ووجّهه من سرّ من رأى على البريد. فلمّا صار إليها جمع الجند والشاكرية ومن استجاب له فصار فى عشرة آلاف. فزحف إلى ابن البعيث فألجأه إلى مدينة مرند وهي مدينة استدارتها

стр. 1894

فرسخان فى داخلها بساتين كثيرة ومن خارجها كما تدور شجر إلّا فى مواضع أبوابها. وقد جمع فيها [٣٢٤] ابن البعيث آلة الحصار، وفيها عيون ماء. فلمّا طالت مدّته وجّه إليه المتوكّل زيرك التركي فى مائتي [١] فارس من الأتراك فلم يصنع شيئا فوجّه المتوكّل عمر بن سليل [٢] بن كال فى جماعة من الشاكرية فلم يغن شيئا. فوجّه إليه بغا الشرابي فى أربعة آلاف ما بين تركىّ وشاكرىّ ومغربىّ، وقد كان الجند قد زحفوا إلى مدينة مرند وقطعوا ما حولها من الشجر فقطعوا نحوا من مائة ألف شجرة من شجر الغياض وغيره ونصبوا عليها عشرين منجنيقا وبنوا بحذاء المدينة ما يستكنّون فيه ونصب عليهم محمد بن البعيث من المجانيق مثل ذلك. وكان من معه من علوج رساتيقه يرمون بالمقاليع، فكان الرجل لا يقدر على الدنوّ من السور فكانوا يغادونه القتال ويراوحونه، وكانت الجماعة من أصحاب ابن البعيث يتدلّون بالجبال معهم الرماح فيقاتلون، فإذا حمل عليهم أصحاب السلطان لجأوا إلى الحائط بالمقاليع وكانوا ربّما فتحوا بابا يقال له باب الماء فيخرج منه عدّة يقاتلون ثمّ يرجعون. فلمّا قرب بغا الشرابي من مرند بعث عيسى بن الشيخ بن السليل الشيبانى ومعه أمانات لوجوه أصحاب ابن البعيث ولابن البعيث على أن ينزلوا وينزل على حكم المتوكّل، وإلّا قاتلهم [٣٢٥] فإن ظفر بهم لم يستبق منهم أحدا، ومن نزل فله الأمان. وكان عامّة من مع ابن البعيث من ربيعة من قوم عيسى بن الشيخ، فنزل

стр. 1895

منهم قوم كثير بالجبال ونزل ختن ابن البعيث، ثمّ فتحوا باب المدينة فدخل أصحاب حمدويه وزيرك وخرج ابن البعيث من منزله هاربا يريد أن يخرج من وجه آخر فلحقه قوم من الجند فأخذوه أسيرا وانتهبوا منزله ومنازل أصحابه وأخذ له أختان وثلاث بنات وخالته والبواقي سرارىّ ونحو مائتي رجل وهرب الباقون ووافاهم بغا فمنع من النهب وكتب بغا بالفتح لنفسه. ثم قدم بغا بابن البعيث وأصحابه وهم نحو مائتي رجل. فلمّا قربوا من سرّ من رأى حملوا على الجمال ليستشرفهم الناس. فأتى المتوكّل محمد بن البعيث فأمر بضرب عنقه فطرح على نطع، وجاء السيّافون فلوّحوا فقال المتوكّل: - «ما دعاك يا محمد إلى ما صنعت؟» قال: «الشقوة وأنت الحبل الممدود بين الله وخلقه وإنّ لى فيك لظنّين أسبقهما إلى قلبي أولاهما بك وهو العفو.» ثمّ اندفع بلا فصل: أبى الناس إلّا أنّك اليوم قاتلي ... إمام الهدى والعفو [١] فى الله أجمل [٣٢٦] وهل أنا إلّا جبلة من خطيئة ... وعفوك من نور النّبوّة يجبل فإنّك خير السابقين إلى العلى ... ولا شكّ أن خير الفعالين تفعل فالتفت المتوكّل فقال لمن عنده: - «إنّ معه لأدبا.» فقال بعضهم وبادر: - «بل يفعل أمير المؤمنين خيرهما ويمنّ عليك.»
следующие страницы →