← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

- «انظروا إلى هذا يغضب أخاه ويسألنى أن أسترضيه له اذهب، فانّك إذا صلحت رضى عنك.» فقام جعفر كئيبا حزينا لما لقيه به من قبح اللقاء والتقصير به، فخرج من عنده وأتى عمر بن فرج يسأله أن يختم له صكّه لبعض أرزاقه، فلقيه عمر بن فرج بالتجهّم وأخذ الصك ورمى به، فصار جعفر حين خرج من عند عمر إلى أحمد بن أبى دؤاد، فدخل عليه فقام له أحمد بن أبى دواد واستقبله وقبّله والتزمه وقال له: - «ما جاء بك جعلني الله فداءك؟» قال: «جئت لتسترضى أمير المؤمنين.» قال: «أفعل ونعمة عين.» فكلّم أحمد بن أبى دؤاد الواثق بالله فيه، فوعده ولم يرض عنه. فأعاد أحمد الكلام [٣٢١] بعد ذلك وسأله بحق المعتصم إلّا رضى عنه، فرضي عنه من ساعته وكساه واعتقد جعفر لأحمد بن أبى دؤاد بذلك يدا ميثاقا فأحظاه عنده لمّا ملك. وإنّ محمد بن عبد الملك حين خرج جعفر من عنده كتب إلى الواثق يذكر: أنّ جعفرا أتانى فسألنى أن أسأل أمير المؤمنين الرضا عنه فى زىّ المخنّثين، له شعر قفا. فكتب إليه الواثق: - «ابعث إليه فأحضره ومر من يجزّ شعر قفاه، ثمّ مر من يأخذ شعره ويضرب به وجهه، واصرفه إلى منزله.» فحكى عن المتوكّل أنّه قال: لمّا أتانى رسوله لبست سوادا جديدا وأتيته رجاء أن يكون قد أتاه الرضى، فلمّا حصلت بين يديه قال: - «يا غلام ادع لى حجّاما.» فدعى به. فقال:

стр. 1892

- «خذ من شعره فاجمعه.» فأخذه على السواد الجديد ولم يأته بمنديل، فأخذ شعره وضرب وجهه به. فقال المتوكّل: ما دخلني من الجزع على شيء مثل ما دخلني حيث أخذ شعري على السواد الجديد وقد جئته فيه طامعا فى الرضا عنى فأخذ شعري عليه. فلمّا بويع جعفر أمهل وهو يفكّر فى مكروه يناله به. ثمّ أمر إيتاخ بأن يأخذه ويعذّبه فيبعث إليه إيتاخ فظنّ أنّه يدعى للخليفة، فركب مبادرا. فلمّا حاذى منزل إيتاخ، قيل له: - «اعدل إلى ها هنا.» فعدل وأوجس [٣٢٢] فى نفسه خيفة. فلمّا جاء إلى الموضع الذي كان نزل فيه إيتاخ عدل به عنه فأيقن بالشرّ ثمّ أدخل حجرة وأخذ سيفه ودرّاعته وقلنسوته فدفع إلى غلمانه، وقيل لهم: - «انصرفوا.» فانصرفوا وهم لا يشكّون أنّه مقيم عند إيتاخ ليشرب. ووجّه المتوكّل إلى أصحابه ودوره، فقبض عليهم فأخرج جميع ما كان فى منزله من متاع وجوار وغلمان ودوابّ، فصار ذلك كلّه فى الهارونىّ، وأمر أبا الوزير بقبض ضياعه وضياع أهل بيته حيث كانت. فأمّا ما كان بسرّ من رأى فحمل إلى خزائنه واشترى للخليفة جميعه وقيل لمحمد بن عبد الملك: - «وكّل ببيع متاعك.» وأتوه بمن وكّله بالبيع عليه ثمّ قيّد، وامتنع من الطعام فلا يذوق شيئا. وكان شديد الجزع فى حبسه كثير البكاء قليل الكلام كثير التفكير. فمكث

стр. 1893

أيّاما ثمّ سوهر ومنع من النوم وينخس بمسلّة، ثمّ ترك يوما وليلة فنام وانتبه فاشتهى فاكهة وعنبا فأتى به فأكل، ثمّ أعيد الى المساهرة. وكان محمد قاسى القلب يزعم أنّ الرحمة خور فى الطبيعة وكان قد اتّخذ تنّورا من خشب فيه مسامير حديد قيام يعذّب فيه من يطالبه. فكان هو أوّل من عمل ذلك، وعذّب فيه ابن سنباط المصري حتّى استخرج منه جميع ما كان عنده ثمّ [٣٢٣] ابتلى به فعذّب فيه حتّى مات. ودخلت سنة أربع وثلاثين ومائتين هروب محمد بن البعيث وفيها هرب محمد بن البعيث بن حليس، وكان جيء به أسيرا من أذربيجان وحبس، وكانت له قلعتان تدعى أحداهما شاها [١] والأخرى يكدر. فأمّا شاها فهي وسط البحيرة وأمّا يكدر فهي خارج البحيرة وهذه البحيرة قدر عشرين فرسخا من حدّ أرمينية إلى بلاد محمد بن الروّاد، وشاها قلعة حصينة تحيط بها البحيرة ويركب فيها الناس من أطراف المراغة إلى أرمينية وغيرها. وكانت مدينة محمد بن البعيث مرند فهرب إلى مدينته فجمع بها الطعام وفيها عيون ماء فرمّ ما كان وهي [٢] من سورها، وأتاه من أراد الفتنة من كلّ ناحية من ربيعة وغيرها فصار فى نحو ألفى رجل. وكان الوالي بأذربيجان محمد بن حاتم بن هرثمة فقصّر فى طلبه. فولّى المتوكّل حمدويه بن علىّ أذربيجان ووجّهه من سرّ من رأى على البريد. فلمّا صار إليها جمع الجند والشاكرية ومن استجاب له فصار فى عشرة آلاف. فزحف إلى ابن البعيث فألجأه إلى مدينة مرند وهي مدينة استدارتها

стр. 1894

فرسخان فى داخلها بساتين كثيرة ومن خارجها كما تدور شجر إلّا فى مواضع أبوابها. وقد جمع فيها [٣٢٤] ابن البعيث آلة الحصار، وفيها عيون ماء. فلمّا طالت مدّته وجّه إليه المتوكّل زيرك التركي فى مائتي [١] فارس من الأتراك فلم يصنع شيئا فوجّه المتوكّل عمر بن سليل [٢] بن كال فى جماعة من الشاكرية فلم يغن شيئا. فوجّه إليه بغا الشرابي فى أربعة آلاف ما بين تركىّ وشاكرىّ ومغربىّ، وقد كان الجند قد زحفوا إلى مدينة مرند وقطعوا ما حولها من الشجر فقطعوا نحوا من مائة ألف شجرة من شجر الغياض وغيره ونصبوا عليها عشرين منجنيقا وبنوا بحذاء المدينة ما يستكنّون فيه ونصب عليهم محمد بن البعيث من المجانيق مثل ذلك. وكان من معه من علوج رساتيقه يرمون بالمقاليع، فكان الرجل لا يقدر على الدنوّ من السور فكانوا يغادونه القتال ويراوحونه، وكانت الجماعة من أصحاب ابن البعيث يتدلّون بالجبال معهم الرماح فيقاتلون، فإذا حمل عليهم أصحاب السلطان لجأوا إلى الحائط بالمقاليع وكانوا ربّما فتحوا بابا يقال له باب الماء فيخرج منه عدّة يقاتلون ثمّ يرجعون. فلمّا قرب بغا الشرابي من مرند بعث عيسى بن الشيخ بن السليل الشيبانى ومعه أمانات لوجوه أصحاب ابن البعيث ولابن البعيث على أن ينزلوا وينزل على حكم المتوكّل، وإلّا قاتلهم [٣٢٥] فإن ظفر بهم لم يستبق منهم أحدا، ومن نزل فله الأمان. وكان عامّة من مع ابن البعيث من ربيعة من قوم عيسى بن الشيخ، فنزل

стр. 1895

منهم قوم كثير بالجبال ونزل ختن ابن البعيث، ثمّ فتحوا باب المدينة فدخل أصحاب حمدويه وزيرك وخرج ابن البعيث من منزله هاربا يريد أن يخرج من وجه آخر فلحقه قوم من الجند فأخذوه أسيرا وانتهبوا منزله ومنازل أصحابه وأخذ له أختان وثلاث بنات وخالته والبواقي سرارىّ ونحو مائتي رجل وهرب الباقون ووافاهم بغا فمنع من النهب وكتب بغا بالفتح لنفسه. ثم قدم بغا بابن البعيث وأصحابه وهم نحو مائتي رجل. فلمّا قربوا من سرّ من رأى حملوا على الجمال ليستشرفهم الناس. فأتى المتوكّل محمد بن البعيث فأمر بضرب عنقه فطرح على نطع، وجاء السيّافون فلوّحوا فقال المتوكّل: - «ما دعاك يا محمد إلى ما صنعت؟» قال: «الشقوة وأنت الحبل الممدود بين الله وخلقه وإنّ لى فيك لظنّين أسبقهما إلى قلبي أولاهما بك وهو العفو.» ثمّ اندفع بلا فصل: أبى الناس إلّا أنّك اليوم قاتلي ... إمام الهدى والعفو [١] فى الله أجمل [٣٢٦] وهل أنا إلّا جبلة من خطيئة ... وعفوك من نور النّبوّة يجبل فإنّك خير السابقين إلى العلى ... ولا شكّ أن خير الفعالين تفعل فالتفت المتوكّل فقال لمن عنده: - «إنّ معه لأدبا.» فقال بعضهم وبادر: - «بل يفعل أمير المؤمنين خيرهما ويمنّ عليك.»

стр. 1896

فقال المتوكّل: - «ارجع إلى منزلك.» ويقال إنّ ابن البعيث لمّا تكلّم بما تكلّم به شفع فيه المعتزّ واستوهبه فوهبه له. وكان محمد بن البعيث أحد شجعان أذربيجان وله شعر كثير جيّد بالعربية والفارسية. [١] وحجّ فى هذه السنة إيتاخ وكان والى مكّة والمدينة والموسم، ودعى له على المنابر. ذكر سبب ذلك كان إيتاخ غلاما طبّاخا خزريّا لسلام الأبرش، فاشتراه منه المعتصم، وكان لإيتاخ بأس ورجلة، فرفعه المعتصم ومن بعده الواثق وولّى الأعمال الكبار، وكان من أراد المعتصم أو الواثق قتله حبس عند إيتاخ. فلمّا ولى المتوكّل كان إلى إيتاخ الحبس والمغاربة والأتراك والبريد والحجابة ودار الخلافة. فخرج المتوكّل بعد الخلافة متنزّها [٣٢٧] إلى ناحية القاطول فشرب ليلة فعربد على إيتاخ، فهمّ إيتاخ بقتله. فلمّا أصبح المتوكّل قيل له، فاعتذر إلى إيتاخ والتزمه وقال: - «أنت أبى وأنت ربّيتنى.» فلمّا صار المتوكّل إلى سرّ من رأى دسّ إليه من يشير عليه بالاستئذان للحجّ ففعل وأذن له وصيّره أمير كلّ بلدة يدخلها وخلع عليه وركب القوّاد معه، فحين خرج صيّرت الحجابة إلى وصيف.

стр. 1897

ودخلت سنة خمس وثلاثين ومائتين وفيها كان مقتل إيتاخ ذكر سبب مقتله لمّا انصرف إيتاخ من مكّة راجعا إلى العراق وجّه المتوكّل إليه سعيد بن صالح [١] الحاجب مع كسوة وألطاف، وأمره أن يلقاه بالكوفة وقد تقدّم المتوكل إلى عامله على الشرطة ببغداد بأمره فيه. فذكر إبراهيم بن المدبّر أنّه خرج مع إسحاق بن إبراهيم فى تلقّى إيتاخ وكان أراد أن يأخذ طريق الفرات إلى الأنبار ثمّ يخرج إلى سرّ من رأى. فكتب إليه إسحاق: - «إنّ أمير المؤمنين قد أمر أن يدخل بغداد وأن يلقاك بنو هاشم ووجوه الناس وأن تقعد لهم فى دار خزيمة بن خازم فتأمر لهم بجوائز.» قال: فخرجنا حتّى إذا كنّا بالياسريّة [٣٢٨] وقد شحن إسحاق بن إبراهيم الجسرين بالجند والشاكرية، وخرج فى خاصّته وطرح له بالياسرية صفّة فجلس عليها وأقبل قوم قد رتّبهم فى الطريق. كلّما صاروا إلى موضع أعلموه، حتّى قالوا: - «قد قرب منك.» فركب فاستقبله. فلمّا نظر إليه أهوى إسحاق لينزل. فحلف عليه إيتاخ أن لا يفعل. وكان إيتاخ فى نحو ثلاثمائة من أصحابه وعليه قباء أبيض متقلّدا سيفا بحمائل، فسارا جميعا حتّى إذا صار عند الجسر تقدّمه إسحاق عند الجسر وعبر حتّى وقف على باب خزيمة بن خازم. فقال لإيتاخ:

стр. 1898

- «تدخل أعزّ الله الأمير.» وكان الموكّلون بالجسر كلّما مرّ بهم غلام من غلمانه قدّموه حتّى بقي فى خاصّة غلمانه، فدخل بين يديه قوم وقد فرشت له دار خزيمة بن خازم، وتأخّر إسحاق وأمر ألّا يدخل الدار من غلمانه إلّا ثلاثة أو أربعة وأخذت عليه الأبواب وأمر بحراسته من ناحية الشطّ وكسرت كلّ درجة فى قصر خزيمة، فحين دخل أغلق الباب، خلفه فنظر فإذا ليس فيه إلّا ثلاثة غلمان. فقال: - «قد فعلوها.» ولو لم يؤخذ [١] ببغداد ما قدروا على أخذه، ولو صار إلى سرّ من رأى فأراد بأصحابه قتل جميع من خالفه أمكنه ذلك. ثمّ ركب إسحاق حرّاقة وأعدّ [٣٢٩] لإيتاخ أخرى. ثمّ أرسل إليه أن يصير إلى الأخرى وأمر بأخذ سيفه، فحدّروه إلى الحرّاقة وصيّر قوم معه بالسلاح، وصاعد إسحاق إلى منزله، وأخرج إيتاخ حين بلغ دار إسحاق فأدخل ناحية منها، ثمّ قيّد وثقّل بالحديد فى عنقه ورجليه، ثمّ قدم بابنيه: منصور والمظفّر وبكاتبيه: سليمان بن وهب وقدامة بن زياد النصراني بغداد وكان سليمان على أعمال السلطان وقدامة على ضياع إيتاخ خاصّة فحبسوا ببغداد. وذكر ترك مولى إسحاق قال: وقفت على باب البيت الذي فيه إيتاخ محبوس فقال: - «يا ترك» . قلت:

стр. 1899

- «ما تريد؟» قال: «أقرأ على الأمير السلام وقل له قد علمت ما كان يأمرنى به المعتصم والواثق فى أمرك فكنت أدفع عنك ما أمكننى فلينفعنى ذلك عندك، أمّا أنا فقد مرّ بى شدّة ورخاء فما أبالى ما أكلت وما شربت، وأمّا هذان الغلامان فإنّهما عاشا فى نعمة ولم يعرفا البؤس فصيّر لهما لحما ومرقة وشيئا يأكلان منه.» قال ترك: فذهبت إلى مجلس إسحاق فوقفت، فقال لى: - «ما تريد؟ فأرى فى وجهك كلاما.» قلت: «نعم.» قال لى: - «إيتاخ كذا وكذا.» وكانت وظيفة إيتاخ فى كلّ يوم رغيفا وكوزا من ماء، ويؤمر لابنيه بخوان [٣٣٠] عليه سبعة أرغفة وخمسة ألوان [١] فلم يزل ذلك قائما حياة إسحاق. ثمّ هلك إيتاخ بالعطش فإنّه أطعم ومنع الماء حتّى مات وأحضر إسحاق القضاة والفقهاء وعرضه عليهم لا ضرب به ولا أثر. وأمّا ابناه فبقيا فى الحبس حياة المتوكّل. فلمّا أفضى الأمر إلى المنتصر أخرجهما. ما عامل به المتوكّل أهل الذمّة فى ملابسهم ومنازلهم وفى هذه السنة أمر المتوكّل بأخذ النصارى وأهل الذمّة بلبس العسلىّ

стр. 1900

والزنانير وركوب السروج بركب الخشب وبتصيير كرتين على مؤخر السرج، وبتغيير القلانس لمن لبس قلنسوة، وبتغيير زىّ النساء فى أزرهن العسلية ليعرفن، وكذلك مماليكهم، ومنعهم لبس المناطق، وإن دخلوا الحمام كان معهم جلاجل ليعرفوا، وأمر بهدم بيعهم المستحدثة وبأخذ العشر من منازلهم. فإن كان الموضع واسعا صيّر مسجدا وإن لم يصلح أن يكون مسجدا صيّر فضاء. وأمر أن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب مسمورة تفريقا بين منازلهم ومنازل المسلمين، ونهى أن يستعان بهم فى الدواوين وأعمال السلطان التي تجرى فيها أحكامهم على المسلمين، ونهى أن يتعلّم أولادهم فى كتاتيب المسلمين [٣٣١] وألّا يعلّمهم مسلم، ونهى أن يظهروا فى أعيادهم صليبا وأن يشمعوا [١] فى الطريق، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض لئلّا يشبه قبورهم قبور المسلمين، وكتب إلى العمّال فى الآفاق بذلك. عقد المتوكل البيعة لبنيه الثلاثة وفى هذه السنة عقد المتوكّل البيعة لبنيه [٢] الثلاثة: لمحمد وسمّاه المنتصر، ولأبى عبد الله واسمه الزبير وسمّاه المعتزّ، ولإبراهيم وسمّاه المؤيد، بولاية العهد. وذكر ذلك للشعراء وكتبت بينهم كتب وفرّقت فى الأمصار. ودخلت سنة ستّ وثلاثين ومائتين ومن حوادثها هدم قبر الحسين ﵇ وفيها توجّه الفتح بن خاقان عند المتوكّل وولّى أعمالا منها أخبار الخاصّة

стр. 1901

والعامّة بسرّ من رأى وما يليها. وفيها أمر المتوكّل بهدم قبر الحسين ﵇ وما حوله من المنازل والدور وأن يبذر ويمنع الناس من إتيانه. [١] وفيها هلك أبو سعيد محمد بن يوسف فجأة، وكان قد ولّى أذربيجان فعسكر بكرخ فيروز، وأراد الركوب فلبس أحد خفّيه ومدّ الآخر ليلبسه فسقط ميّتا، فولّى المتوكّل ابنه يوسف ما كان يتولّاه أبوه من الحرب وولّاه مع ذلك خراج الناحية وضياعها، فشخص إلى الناحية فضبطها. [٣٣٢] ثمّ دخلت سنة سبع وثلاثين ومائتين وفيها وثب أهل ارمينية بيوسف بن محمد بن يوسف فيها ذكر السبب فى ذلك كان السبب فى ذلك أنّه لمّا صار إلى عمله من أرمينية خرج رجل من البطارقة يقال له بقراط بن أشوط وكان يقال له: بطريق البطارقة. فطلب الأمان فأخذه يوسف بن محمد وقيّده وبعث به إلى باب السلطان. فأسلم بقراط وابنه واجتمع على يوسف ابن أخى بقراط بن أشوط وجماعة من بطارقة أرمينية فتحالفوا ونذروا دمه لمّا حمل بقراط فنهى أصحاب يوسف يوسف عن المقام وعرّفوه اجتماع القوم فلم يقبل، وأقام فحاصروه من كلّ وجه. وسقطت الثلوج فخرج يوسف إلى ظاهر المدينة وكان أصحابه متفرّقين فى الأعمال، فقاتلهم فقتلوه وقتلوا من معه. فأمّا من لم يقاتل فإنّه قالوا لهم: - «ضع ثيابك وانج عريانا.»

стр. 1902

فطرحوا ثيابهم ونجوا عراة حفاة فمات أكثرهم من البرد وسقطت أصابع قوم منهم ونجوا. فوجّه المتوكّل بغا الكبير إلى أرمينية طالبا بدم يوسف. فشخص إليها فبدأ بأرزن. وكان موسى بن زرارة قد واطأ قتلة يوسف فقبض بغا على موسى واخوته وحملهم إلى السلطان ثمّ سار فأناخ على الخويثيّة [١] وهم جمّة أهل أرمينية، وقتلة يوسف بن محمد. فحاربهم فظفر بهم وقتل منهم زهاء ثلاثين ألفا وسبى خلقا فباعهم. ثمّ سار إلى بلاد الباق فأسر أشوط بن حمزة أبا العباس، ثمّ سار إلى ديبل ثمّ إلى تفليس. غضب المتوكّل على أبى دؤاد وفيها غضب المتوكّل على أحمد بن أبى دؤاد وأمر بالتوكيل بضياعه وحبسه وأولاده واخوته، فحمل أبو الوليد مائة ألف وعشرين ألف دينار وجوهرا كثيرا، وصولح بعد على ستّة عشر ألف ألف درهم وأشهد عليهم جميعا ببيع كلّ ضيعة لهم وكان أحمد بن أبى دؤاد قد فلج فقال أبو العتاهية: لو كنت فى الرّأى منسوبا إلى رشد ... وكان عزمك عزما فيه توفيق لكان فى الفقه شغل لو قنعت به ... عن أن تقول: كتاب الله مخلوق ماذا عليك وأصل الدين يجمعهم ... ما كان فى الفرع لولا الجهل والموق ثمّ دخلت سنة ثمان وثلاثين ومائتين وفيها ظفر بغا الكبير بإسحاق بن إسماعيل مولى بنى أميّة بتفليس فأحرق

стр. 1903

مدينة تفليس. وكان [٣٣٤] إسحاق بن إسماعيل- ويكنى أبا العباس- قد تحصّن بتفليس وهي مدينة أكثر بنائها خشب الصنوبر. فلمّا قصدها بغا أمر النفاطين فضربوها بالنار وهاجت الريح وأحاطت النار به بقصر إسحاق وجواريه. ثم أتاه الأتراك والمغاربة فأخذوه أسيرا مع ابنه وأتوا به بغا، فأمر بضرب عنقه صبرا، وصلب جثّته واحترق فى المدينة نحو خمسين ألف إنسان. ثمّ نهض بغا إلى عيسى بن يوسف ابن أخت اصطفانوس فحاربه فى كورة السلطان ثمّ تحصّن فى قلعة كتيش [١] ، ففتحها وأخذه وحمله وحمل ابنه وسنباط بن أشوط بطريق أرّان، وحمل معه آذرنرسى بن إسحاق. ثمّ دخلت سنة تسع وثلاثين ومائتين ولم يجر فيها ما يكتب. ودخلت سنة أربعين ومائتين وتلك سبيلها. ودخلت سنة إحدى وأربعين ومائتين إغارة البجّة وحرب المتوكّل إيّاهم وفيها أغارت البجّة على حرش [٢] من أرض مصر، فوجّه المتوكّل لحربهم محمد بن عبد الله القمي.

стр. 1904

ذكر ما آلت إليه أمورهم كانت البجّة لا تغزو المسلمين ولا يغزوهم المسلمون لهدنة بينهم قديمة [٣٣٥] وهم جنس من أجناس الحبشة وفى بلادهم معادن ذهب. فهم يقاسمون من يعمل فيها ويؤدّون إلى عمّال مصر فى كلّ سنة شيئا معلوما. فلمّا كان فى أيّام المتوكّل امتنعت البجّة عن أداء ذلك الخراج سنين متوالية وهذه المعادن منها ما هو على التخوم فيما بين أرض مصر وبلاد بجّة. فقتلوا عدّة من المسلمين ممّن كان يعمل فى المعادن ويستخرج الذهب، وسبوا عدّة من ذراريهم ونسائهم. وذكروا أنّ المعادن لهم فى بلادهم وأنهم لا يأذنون للمسلمين فى دخولها، وانّ ذلك أوحش المسلمين الذين كانوا يعملون هناك حتّى انصرفوا عنه، فانقطع ما كان يؤخذ للسلطان بحقّ الخمس الذي كان يستخرج من المعادن. فلمّا بلغ ذلك المتوكّل أحفظه، وشاور فى أمر البجّة فأنهى إليه أنّهم قوم أهل بدو وأصحاب إبل وماشية، وأنّ الوصول إلى بلادهم صعب لا يمكن أن تسلك إليهم الجيوش لأنّها مفاوز وصحار، وبين أرض الإسلام وبينها مسيرة شهر فى أرض قفر وجبال وعرة لا ماء فيها ولا زرع ولا معقل ولا حصن، وأنّ من يدخلها من أولياء السلطان [٣٣٦] يحتاج أن يتزوّد لجميع من معه المدّة التي يتوهّم أنّه يقيمها فى بلادهم حتّى يخرج إلى أرض الإسلام. فإن تجاوز تلك المدّة هلك وجمع من معه وأخذتهم البجّة بالأيدى دون المحاربة، وأنّ أرضهم لا تردّ على السلطان شيئا من خراج ولا غيره. فأمسك المتوكّل عن التوجيه إليهم وجعل أمرهم يتزيّد وحربهم يكثر حتّى خاف أهل الصعيد من أرض مصر على أنفسهم وذراريّهم. فولّى المتوكّل محمد بن عبد الله القمي محاربتهم وولّاه معادن تلك الكور، وتقدّم إليه فى

стр. 1905

محاربة البجّة وكتب إلى عنبسة بن إسحاق الضبّى العامل على حرب مصر بإعطائه جميع ما يحتاج إليه من الجند والشاكريّة بمصر. فأزاح عنبسة علّته فى ذلك، وخرج إليه من جميع ما اقترحه عليه، وانضمّ إليه جميع من كان يعمل فى المعادن وقوم كثير من المطوّعة، وكانت عدّة من معه نحوا من عشرين ألف إنسان بين فارس وراجل، ووجّه إلى القلزم فحمل فى البحر سبعة مراكب موقّرة بالدقيق والزيت والتمر والسويق والشعير، وأمر قوما من سبعة مراكب موقّرة بالدقيق والزيت والتمر والسويق والشعير، وأمر قوما من أصحابه أن يلجّجوا بها فى البحر حتّى يوافوه فى سواحل البحر [٣٣٧] من أرض البجّة. ولم يزل محمد بن عبد الله القمّى يسير فى أرض البجّة حتّى جاوز المعادن التي يعمل فيها وصار إلى حصونهم وقلاعهم، وخرج إليه ملكهم واسمه: على بابا، وله إبن يسمّى بغسى [١] فى جيش كثير وعدد أضعاف من كان مع القمّى وكانت البجّة على إبلهم ومعهم الحراب وإبلهم فرّه تشبه المهارى فى النجابة. فجعلوا يلتقون أيّاما متوالية فيتناوشون ولا يصحّحون القتال. وجعل ملك البجّة يتطارد للقمّى ويطوّل الأيّام طمعا فى نفاد الأزواد والعلوفة التي معهم فلا يكون لهم قوّة، فتأخذهم البجّة بالأيدى. فلمّا توهّم عظيم البجّة أنّ الأزواد قد نفدت أقبلت المراكب السبعة التي حملها القمّى حتّى خرجت إلى ساحل من سواحل البحر فى موضع يعرف بصنجة فوجّه القمّى إلى ما هناك من أصحابه يحمون المراكب من البجّة وفرّق ما كان فيها على أصحابه فاتّسعوا فى الزاد والعلوفة. فلمّا رأى ذلك على بابا رئيس البجّة قصد لمحاربتهم وجمع لهم. فالتقوا

стр. 1906

واقتتلوا قتالا شديدا وكانت إبلهم زعرة تكثر الفزع من كلّ شيء. فلمّا رأى ذلك محمّد بن عبد الله القمّى جمع أجراس الإبل [٣٣٨] والخيل، التي فى معسكره كلّها فجعلها فى أعناق الخيل ثمّ حمل على البجّة فنفرت إبلهم واشتدّ رعبهم فحملتهم على الجبال والأودية فمزّقتهم كلّ ممزّق، واتبعهم القمّى بأصحابه قتلا وأسرا حتّى غشاهم الليل ولم يقدر على إحصاء القتلى لكثرتهم. فلمّا أصبح القمّى وجدهم قد جمعوا جمعا من الرجّالة ثمّ صاروا إلى موضع أمنوا فيه طلب القمّى. فوافاهم القمّى فى الليل فى خيله فهرب ملكهم وأخذ تاجه ومتاعه ثمّ طلب الأمان على أن يردّ إلى بلاده ويؤدّى الخراج للسنين التي عليه. فأعطاه القمّى ذلك وأدّى ما عليه واستخلف على مملكته ابنه بغسى. وانصرف القمّى بعلى بابا إلى المتوكّل فوصل إليه فى آخر سنة إحدى وأربعين فكانت غيبته دون سنة. وكسا القمّى على بابا درّاعة ديباج وعمّامة سوداء وكسا جمله رحلا مدبّجا وجلال ديباج ليتميّز عن أصحابه، ووقف بباب العامّة مع قوم من البجّة على الإبل بالحراب وفى رؤوس حرابهم رؤوس القوم الذين قتلهم القمّى. فأمر المتوكّل أن يقبضوا من القمّى. ثمّ ولّى المتوكّل البجّة وطريق ما بين مصر ومكّة سعدا الخادم [٣٣٩] الإيتاخى. فولّى سعد محمد بن عبد الله القمّى، فخرج القمّى بعلى بابا وهو مقيم على دينه. ودخلت سنة اثنتين وأربعين وثلاثة وأربعين [ومائتين] ولم يجر فيهما ما يكتب.

стр. 1907

ودخلت سنة أربع وأربعين ومائتين وفيها دخل المتوكّل دمشق وكان عزم على المقام بها، ووصف له من فضائلها وطيبها ما شوّقه إليها. فأمر بالبناء فيها ونقل دواوين الملك إليها ثمّ استوبأ البلد وذلك أنّ الهواء بها بارد ندىّ [١] ، والماء ثقيل والريح تهبّ مع العصر، فلا تزال تشتدّ حتى تمضى عامّة الليل، وهي كثيرة البراغيث، وغلت الأسعار وحال [٢] الثلج بين السابلة والميرة وتحرّكت الأتراك يطلبون أرزاقهم وأرزاق عيالاتهم. فرجع المتوكّل إلى سرّ من رأى وكان مقامه بدمشق شهرين وأيّاما. ودخلت سنة خمس وأربعين ومائتين وفيها أمر المتوكّل ببناء الجعفري وأقطع قوّاده وأصحابه فيها وجدّ فى بنائها وأنفق عليها ألفى دينار، وكان يسمّيها هو وأصحابه المتوكّلية. وفيها كان هلاك [٣٤٠] نجاح بن سلمة الكاتب. ذكر سبب هلاكه كان نجاح إليه ديوان التوقيع والتتبّع على العمّال فكان العمّال. يتّقونه ويقضون حوائجه ولا يمنعونه من شيء يريده. وكان المتوكّل ربّما نادمه وكان عبيد الله بن خاقان وزير المتوكّل والأمور مفوّضة إليه، وكان الحسن بن مخلد وموسى بن عبد الملك منقطعين إلى الوزير، وكان الحسن بن مخلد على ديوان الضياع وموسى على ديوان الخراج.

стр. 1908

وكتب نجاح بن سلمة رقعة إلى المتوكّل يذكر له، أنّه يعرف وجه أربعين ألف ألف درهم يستخرجها من وجوهها من خيانات [١] قوم، فيتّسع بها أمير المؤمنين فى نفقة البناء. فأدناه المتوكّل وشاربه تلك العشيّة وقال: - «سمّ لى من تستخرج منه الأموال.» فسمّى الحسن بن مخلد وموسى بن عبد الملك وقال: - «يصحّ من جهة هذين أربعون ألف ألف درهم.» ثمّ سمّى قوما آخرين من الكتّاب وضمن مالا عظيما يصحّ بعد ذلك منهم. فوقع ذلك من المتوكّل موقعا عظيما وأعجبه وقال له: - «أغد علىّ.» فلمّا أصبح لم يشكّ فى أمره. وناظر المتوكّل عبيد الله بن يحيى وزيره فى ذلك فقال: - «يا أمير المؤمنين هؤلاء أعيان المملكة وكتّابك وعمّالك. فإن أوقعت بهم فمن يقوم بأعمالك وأنا أدبّر [٣٤١] ذلك.» فلمّا غدا نجاح إلى المتوكّل وقد رتّب أصحابه وقال: «يا فلان خذ أنت الحسن وأصحابه ويا فلان خذ أنت موسى وأصحابه،» حجبه عبيد الله وتقدّم فى ذلك فلقى، نجاح عبيد الله فقال له: - «انصرف يا أبا الفضل حتى ننظر وأنا أشير عليك بأمر لك فيه صلاح.» فقال: «ما هو؟» قال: «أصلح بينك وبينهما وتكتب رقعة إلى أمير المؤمنين تذكر فيها أنّك كنت شاربا وأنّك تكلّمت بما يحتاج إلى معاودة النظر فيها، وأنا أصلح أمرك عند المتوكّل.»

стр. 1909

فلم يزل يخدعه حتى كتب ما قال. ثمّ دعا عبيد الله الحسن بن المخلد وموسى بن عبد الملك وقال لهما: - «ابذلا خطّا فى نجاح وأصحابه بألفي ألف دينار، وإلّا فإنّه سيسلمكما إليه ويهلككما.» فكتبا له ذلك ودخل عبيد الله على المتوكّل وقال: - «يا أمير المؤمنين قد رجع نجاح عمّا قاله البارحة وهذا خطّه وهذه رقعة موسى بن الحسن يتقبّلان به ممّا بذلا به خطوطهما فتأخذ ما ضمنا عنه ثمّ تعطف عليهما فتأخذ قريبا ممّا ضمن لك عنهما.» فسرّ المتوكّل وطمع فيما قال عبيد الله وقال: - «ادفعه إليهما.» فأمرا بأن تؤخذ قلنسوته، وقبضا على كتّابه فاستخرجا من يومهما ذلك مائة وأربعين ألف دينار اعترف بها [٣٤٢] ابنه، وذلك سوى قيمة ضياعه وقصوره وفرشه ومستغلاته وآلاته. فقبض جميع ذلك وضرب مرارا بالمقارع وعذّب ثمّ خنق أو عصرت خصاه فأصبح ميّتا. وطولب أولاده ووكلاؤه، وأخذ بسببه قوم ببغداد وبسرّ من رأى وبمكّة وبناحية السواد فحبسوا وصودروا. [١] ثمّ دخلت سنة ستّ وأربعين [٢] ومائتين ولم يجر فيها شيء يكتب.

стр. 1910

ودخلت سنة سبع وأربعين ومائتين وفيها كان مقتل المتوكّل على الله ذكر السبب فى قتله كان سبب ذلك أنّ المتوكّل أمر بقبض ضياع وصيف بإصبهان والجبل وأقطعها الفتح بن خاقان، فكتب الكتب بذلك وبلغ ذلك وصيفا. وكان المتوكّل واقف الفتح بن خاقان على أن يفتك بابنه المنتصر لأشياء كانت تبلغه عنه ويفتك أيضا بوصيف وبغا وغيرهما من قوّاد الأتراك ممّن كان يتّهم فكثر عتب المتوكّل قبل الموعد على ابنه المنتصر. كان يقول له: - «سمّيتك: المنتصر، فسمّاك الناس لحمقك: المنتظر.» فمرّة كان يشتمه ومرّة يسقيه فوق طاقته ومرّة يصفعه. فتحدّث بعض من كان [٣٤٣] فى ستارة المتوكّل قالت: التفت المتوكّل إلى الفتح وهو ثمل فقال: - «برئت من الله ومن قرابتي من رسول الله إن لم تلطمه.» - يعنى المنتصر. فقام الفتح فلطمه. ثمّ قال: - «اصفعه.» فأمرّ يده على قفاه. ثمّ قال المتوكّل لندمائه: - «اشهدوا جميعا أنّى قد خلعت المستعجل» - يعنى المنتصر. فقال المنتصر [١] :

стр. 1911

- «يا أمير المؤمنين لو أمرت بضرب عنقي كان أسهل علىّ ممّا تفعله بى.» فقال: «اسقوه.» وأمر بالعشاء فأحضر وذلك فى جوف الليل فجعل يأكل هو والفتح وهو سكران يلقم ويسقى المنتصر وهو يشتمه. ثمّ خرج المنتصر وأخذ بيد زرافة الحاجب وقال: - «امض معى.» قال: «يا سيّدى، إنّ أمير المؤمنين لم يقم بعد.» فقال: «إنّ أمير المؤمنين قد أخذ منه الشراب، والساعة يخرج بغا والندماء، وقد أحببت أن تجعل أمر ولدك إلىّ فإنّ أوتامش سألنى أن أزوّج ابنه من ابنتك وابنك من ابنته.» قال له زرافة: - «نحن عبيدك يا سيّدى فمر بأمرك.» وأخذ المنتصر بيده وانصرف به معه فقال بنان المغنّى [١] : فما بعد المنتصر حتى سمعنا الضجّة والصراخ وكنت مع المنتصر قد قمت لأشهد الأملاك والنثار. فلمّا سمع المنتصر الصراخ خرج فاستقبله بغا فقال له المنتصر: - «ما هذه الضجّة.» قال: [٣٤٤]- «خير يا أمير المؤمنين.» قال: «ما تقول ويلك؟»

стр. 1912

قال: «أعظم الله أجرك فى سيّدنا أمير المؤمنين. كان عبد الله دعاه فأجابه.» فجلس المنتصر وأمر بباب البيت الذي قتل فيه المتوكّل والمجلس فأغلق وغلّقت الأبواب كلّها وبعث إلى وصيف يأمره بإحضار المعتزّ والمؤيد عن رسالة المتوكّل. فذكر عثعث أنّ المتوكّل بعد قيام المنتصر استدعى رطلا وكان بغا الصغير المعروف بالشرابى قائما عند الستر وبغا الكبير يومئذ بسميساط وخليفته موسى ابنه فدخل بغا الصغير وأمر الندماء بالانصراف إلى حجرهم. فقال له الفتح: - «ليس هذا وقت انصرافه.» فقال بغا: - «إنّ أمير المؤمنين أمرنى إذا جاوز السبعة أرطال ألّا أترك أحدا فى المجلس، وقد جاوز العشرة.» فكره الفتح قيامهم. فقال له بغا: - «إنّ حرم أمير المؤمنين خلف الستارة وقد سكر، فقوموا فاخرجوا.» فقاموا ولم يبق إلّا عثعث والفتح وأربعة من خدم الخاصّة وغلق بغا الصغير الأبواب كلّها إلّا باب الشطّ ومنه دخل القوم الذين وقفوا [١] على قتله فلمّا دخل القوم وسلّوا سيوفهم نظر إليهم عثعث فقال المتوكّل: - «قد فرغنا من الحيّات والعقارب والأسد وصرنا إلى السيوف.» [٣٤٥] وذلك أنّ المتوكّل كان ربّما أرسل هذه الأشياء على ندمائه ليفزّعهم ويضحك هو، فلمّا ذكر عثعث السيوف قال:

стр. 1913

- «ويلك ما تقول أىّ سيوف؟» فما استتمّ كلامه حتّى دخلوا عليه، فابتدره بغلون فضربه ضربة على كتفيه وأذنه فقدّه، فقام الفتح فى وجهه ووجوه القوم وقال: - «وراءكم يا كلاب.» فقال له بغا: - «لا [١] تسكت يا جلفى [٢] .» فرمى الفتح بنفسه على المتوكّل، فاعتوره القوم بسيوفهم فقتلوهما معا وقطّعوهما حتّى اختلطت لحومهما. وهرب عثعث بعد ما أصابته ضربة ونجا الخدم وراء الستارة وتطايروا وكان عبيد الله بن يحيى فى حجرته لا يعلم بشيء من أمر القوم وهو ينفّذ الأمور بالشموع. وذكر أنّ بعض نساء الأتراك ألقت رقعة بما عزم عليه القوم فوصلت إلى عبيد الله بن يحيى وشاور الفتح فيها وعرف الخبر أيضا أبو نوح كاتب الفتح واتفق رأيهم على كتمان المتوكّل يومهم ذلك لما كانوا رأوا من سروره فكرهوا أن ينغّصوا يومه، وهان عليهم أمر القوم، وكانوا وثقوا بأنّ ذلك لا يجسر عليه ولا يتمّ. فبينا عبيد الله ينفّذ الأمور إذ طلع عليه بعض الخدم فقال: - «يا سيّدى أنت ما [٣٤٦] جلوسك؟» قال: «وما ذاك؟» قال: «الدار سيف واحد.» فأمر بعض خدمه بالخروج. فخرج ونظر، ثمّ عاد فأخبره أنّ المتوكّل والفتح قد قتلا. فخرج فى من معه من خدمه وخاصّته. فأخبر أنّ الأبواب

стр. 1914

مغلّقة، فأخذ نحو الشطّ فإذا أبوابه أيضا مغلقة، فأمر بكسر ما كان يلي الشطّ فكسرت ثلاثة أبواب حتى خرج إلى الشطّ ووجد زورقا، فقعد فيه ومعه جعفر بن حامد وغلام له. فصار إلى منزل المعتزّ فسأل عنه فلم يصادفه فقال: - «إنّا لله وإنا إليه راجعون قتلني وقتل نفسه.» وتلهّف عليه. واجتمع إلى عبيد الله أصحابه غداة غد من الأبناء والعجم والأرمن [١] والزواقيل من الأعراب وغيرهم وقد اختلف فى عدّتهم. فقال بعضهم كانوا عشرة آلاف، وزاد بعضهم ونقص بعض. فقالوا: - «إنّما كنت تصطنعنا لهذا اليوم فأمر بأمرك وأذن لنا نمل على القوم ميلة فنقتل المنتصر ومن معه من الأتراك وغيرهم.» فأبى وقال: - «ليس فى هذا حيلة، والرجل فى أيديهم» .- يعنى المعتزّ. وكانت خلافته أربع عشرة سنة وعشرة أشهر، وكان أسمر نحيفا حسن العينين خفيف العارضين.

стр. 1915

خلافة محمد بن جعفر المنتصر وبويع للمنتصر يوم الأربعاء لأربع خلون من شوّال وهو ابن خمس وعشرين سنة. [١] [٣٤٧] واستوزر أحمد بن الخصيب وهو الذي قرأ على الناس كتابا، فخبّر [٢] عن أمير المؤمنين المنتصر أنّ الفتح بن خاقان قتل أباه جعفر المتوكّل فقتله به وحضر [٣] عبيد الله بن الفتح بن خاقان فبايع وانصرف. ودخلت سنة ثمان وأربعين ومائتين وفيها أغزى المنتصر وصيفا التركي صائفة أرض الروم ذكر السبب فى ذلك كان السبب فى ذلك أنّه كان بين أحمد بن الخصيب وبين وصيف شحناء [٤] وتباغض، فأشار على المنتصر بإخراجه غازيا. فقال المنتصر: - «ائذن لمن حضر الدار؟»

стр. 1916

فأذن لهم، وفيهم وصيف. فأقبل عليه وقال: - «يا وصيف أتانا عن طاغية الروم أنّه أقبل يريد الثغور، وهذا أمر لا يمكن أن يمسك عنه، فإمّا شخصت وإمّا شخصت.» فقال وصيف: - «بل أشخص يا أمير المؤمنين.» فقال لأحمد بن الخصيب: - «انظر ما تحتاج إليه على أبلغ ما يكون فأقمه له.» قال: «نعم يا أمير المؤمنين.» قال: «ما معنى نعم، قم الساعة يا وصيف ومر كاتبك أن يواقفه [١] على جميع ما يحتاج إليه حتّى تزيح علّته.» فقام أحمد ووصيف حتّى خرج فما أفلح [٢] . وكتب المنتصر [٣٤٨] كتابا إلى محمد بن عبيد الله بن طاهر وكان ببغداد منصرفا من الحجّ يعرّفه فيه إغزاءه وصيفا ويعلمه أنّه خارج إلى ثغر ملطية للنصف من حزيران ويأمره أن يكاتب عمّاله فى نواحي عمله، ليقرأ كتاب أمير المؤمنين على من قبلهم ويحثّهم على الجهاد ويستفزهم ويلحقهم به فى الوقت المحدود. ثمّ كتب عن المنتصر كتاب إلى وصيف يأمره بالمقام ببلد الثغر أربع سنين يغزو فى أوقات إلى أن يأتيه رأى أمير المؤمنين. خلع المعتزّ والمؤيّد أنفسهما وفى هذه السنة خلع المعتزّ والمؤيّد أنفسهما وأظهرا ذلك.

стр. 1917

ذكر سبب خلعهما لمّا استقامت الأمور للمنتصر بالله قال أحمد بن الخصيب لبغا: - «إنّا لا نأمن الحدثان، وأن يموت أمير المؤمنين، فيلي الأمر المعتزّ فلا يبقى منّا باقية. والرأى أن نعمل فى خلع هذين الغلامين قبل أن يظفرا بنا.» فجدّ الأتراك فى ذلك وألحّوا على المنتصر بالله وقالوا: - «نخلع هذين ونبايع لابنك عبد الوهاب.» وكان مكرما للمؤيّد والمعتزّ. فلم يزالوا به حتّى أحضرهما الدار، وذلك بعد أربعين يوما من ولايته. فلمّا حصلا فى [٣٤٩] دار واحدة من الدار قال المعتزّ للمؤيّد: - «يا أخى لم أحضرنا؟» قال: «يا شقىّ للخلع.» فقال: «لا أظنّه يفعل بنا ذلك.» فبينا هم فى ذلك إذ جاءتهم الرسل بالخلع. فقال المؤيّد: - «السمع والطاعة.» وقال المعتزّ: - «ما كنت لأفعل. فإن أردتم قتلى فشأنكم.» فرجعوا إليه فأخبروه. ثم عادوا بغلظة شديدة وأخذوا المعتزّ بعنف وأدخلوه إلى بيت فأغلقوا عليه. فقال لهم المؤيّد بجرأة واستطالة: - «ما هذا يا كلاب قد ضريتم على دمائنا، تثبون على مواليكم هذا الوثوب، اغربوا قبّحكم الله، دعوني حتّى أكلّمه.» فكاعوا عن جوابه، ثمّ قالوا:

стр. 1918

- «القه إن أحببت.» - فيظنّ أنّهم استأمروه لأنهم أقاموا ساعة ثمّ أذنوا له. فقام إليه. قال المؤيّد: فوجدته يبكى فقلت: - «يا جاهل، تراهم قد نالوا من أبيك ما نالوا ثمّ تمتنع [١] اخلع ويلك.» فقال: «سبحان الله أمر قد طار فى الآفاق ووثق منه. أخلعه؟» قلت: «هذا قد قتل أباك وسيقتلك، فاخلعه وعش. فو الله لئن كان فى سابق علم الله أن تلى لتلينّ.» قال: «أفعل.» فخرجت وقلت: - «قد أجاب.» فمضوا وعادوا فجزّونى خيرا. ودخل معهم كاتب ومعه دواة وقرطاس. فجلس ثمّ أقبل على أبى عبد الله [٣٥٠] المعتزّ، فقال: - «اكتب بخطّك.» فتلكّأ، فقال المؤيّد للكاتب: - «هات قرطاسك، أملل ما شئت.» فأمّل عليه كتابا للمنتصر يعلمه فيه ضعفه عن هذا الأمر، وأنّه قد علم أنّه لا يحلّ له تقلّده، ويكره أن يأثم المتوكّل بسببه، إذ لم يكن موضعا له ويقول: «إنّى قد خلعت نفسي وأحللت الناس من بيعتي.» ثمّ قال المؤيّد: - «اكتب يا أبا عبد الله.» فكتب وخرج الكاتب.

стр. 1919

قال المؤيّد: ثمّ دعا بنا، فدخلنا عليه وهو فى مجلسه والناس على مراتبهم، فسلّمنا فردّ علينا وأمر بالجلوس ثمّ قال: - «هذا كتابكما.» فبدرت وقلت: - «نعم يا أمير المؤمنين هذا كتابي بمسألتى ورغبتي.» وقلت للمعتزّ: - «تكلّم.» فقال مثل ذلك. فأقبل علينا والأتراك وقوف، فقال: - «أتريانى خلعتكما طمعا فى أن أعيش ويكبر ولدي وأصيّر الخلافة إليه؟ والله ما طمعت فى ذلك قطّ وإذا لم يكن لى فى ذلك طمع فو الله لأن يلي بنو أبى أحبّ إلىّ من أن يليها بنو عمّى ولكنّ هؤلاء- وأومأ إلى سائر الموالي ممّن هو قائم وقاعد- ألحّوا علىّ فى خلعكما فخفت إن لم أفعل أن يعترضكما بعضهم بحديدة. فما ترياني صانعا؟ أقتله فو الله ما تفي دماؤهم كلّهم بدم بعضكم فإنّ إجابتهم إلى ما سألوا [٣٥١] أسهل علىّ.» فأكبّا على يده فقبّلاها وضمهما إليه، ثمّ انصرفا. وكتب بنسخة خلعهما وبما أنشئ عن المنتصر بالله فى ذلك كتب إلى العمّال فى الآفاق. وفى هذه السنة توفّى المنتصر بالله. ذكر وفاة المنتصر وسرعة الإدالة منه قد اختلف الناس فى وفاته. فقال قوم أصابته الذبحة. وقال آخرون أصابه ورم فى معدته وقال آخرون فصد بمبضع مسموم وأنّ طبيبه لمّا فصده دهش

стр. 1920

فلم يميّز [١] مبضعه المسموم. ثمّ اعتلّ هو ففصده تلميذه به فمات. وقيل وجد علّة فى رأسه فقطّر طبيبه ابن طيفور فى أذنه دهنا، فورم رأسه فعولج فمات. ولم يزل الناس منذ ولى الخلافة وإلى أن مات يقولون: إنّما مدّة حياته ستة أشهر مدّة شيرويه بن كسرى قاتل أبيه.» مستفيضا ذلك على السن العامّة والخاصّة. وكان المنتصر استفتى فى قتل أبيه الفقهاء من غير أن يسمّيه، وحكى أمورا قبيحة لا تكتب فى كتاب [٢] ، فأفتوا بقتله. فلمّا قتله رآه فى النوم وكأنّه يقول: - «ويلك يا محمد، قتلتني وظلمتني، والله لا تمتّعت بالخلافة إلّا أيّاما يسيرة، ثمّ مصيرك إلى النار.» فانتبه وهو لا [٣٥٢] يملك عينه ولا جزعه، فكان يسلّى ويقال له: - «هذا استشعار وهو حديث النفس.» فلا يسلو، وما زال منكسرا إلى أن توفّى. ولمّا اشتدّت علّته خرجت العامّة فسألته عن حاله، فقال: - «ذهبت والله منى الدنيا والآخرة.» وتوفّى وهو ابن خمس وعشرين سنة وستّة أشهر. فكانت خلافته ستّة أشهر. وكان أعين قصيرا جيّد البضعة، وكان مهيبا. وطلبت أمّه أن يظهر قبره. فهو أوّل خليفة من بنى العباس عرف قبره، وكنيته أبو جعفر. ومن طريف ما اتفق عليه أنّ محمد بن هارون كاتب محمد بن على برد

стр. 1921

الخبّاز [١] ، وخليفته على ديوان ضياع إبراهيم المؤيّد أصيب مقتولا على فراشه، به عدّة ضربات بالسيف. أحضر ولده خادما أسود كان له، ووصيفا. فأقرّ الوصيف على الأسود فأدخل إلى المنتصر وأحضر قاضى القضاة وهو يومئذ جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، فسئل الأسود عن قتله فأقرّ ووصف فعله به وسبب قتله إيّاه. فقال له المنتصر: - «ويلك لم قتلته؟» فقال له الأسود: - «كما قتلت أنت أباك المتوكّل.» فتقدّم بضرب عنقه عند خشبة بابك. وفى هذه السنة تحرّك يعقوب الصفّار من سجستان [٣٥٣] فصار إلى هراة.

стр. 1922

خلافة أبى العبّاس المستعين وفيها بويع أحمد بن محمد بن المعتصم. ذكر السبب فى بيعة المستعين والعدول عن ولد المتوكّل لمّا توفّى المنتصر اجتمع الموالي وفيهم بغا الكبير وبغا الصغير وأوتامش ومن معهم. فاستحلفوا جميع القوّاد على أن يرضوا بمن رضى به بغا الكبير وبغا الصغير وأوتامش، وذلك بتدبير أحمد بن الخصيب. فحلفوا كلّهم وتشاوروا بينهم وكرهوا أن يتولّى الخلافة أحد من ولد المتوكّل، لقتلهم المتوكّل وخوفهم أن يغتالهم من يتولّى الخلافة منهم. فأجمع أحمد بن الخصيب ومن حضر من الموالي على أحمد بن محمد بن المعتصم وقالوا: - «لا نخرج الخلافة من ولد مولانا المعتصم.» فبايعوه وله ثمان عشرة سنة، ويكنى أبا العباس، ولقّب: المستعين بالله. فاستكتب أحمد بن الخصيب [١] واستوزر أوتامش.

стр. 1923

فلمّا صار إلى دار العامّة فى زىّ الخلافة وقد صفّ أصحابه صفّين وقام منهم مع وجوه أصحابه وحصر الدار ولد المتوكّل والعبّاسيون والطالبيون وأصحاب المراتب، إذا صيحة من ناحية الشارع وجماعة من الفرسان، ذكر أنّهم من أصحاب أبى العبّاس محمد بن عبد الله بن طاهر، [٣٥٤] وفيهم فرسان من الطبرية وأخلاط من الناس والغوغاء والسوقة، قد شهروا السلاح وصاحوا: - «معتزّ يا منصور.» وشدّوا فتضعضعوا [١] وانضمّ بعضهم إلى بعض. ثمّ حملوا عليهم ونشبت الحرب بينهم، وأقبلت المعتزّية والغوغاء يكثرون، فوقع بينهم قتلى، ثمّ تحاجزوا. وخرج المستعين- وقد بايعه من حضر الدار من أصحاب المراتب- إلى الهاروني ودخل الغوغاء والمنتهبة دار العامّة، فانتهبوا الخزانة التي فيها السلاح والدروع والسيوف الثغرية والتراس الخيزران، ثمّ جاءهم جماعة من الأتراك فيهم بغا الصغير فأجلوهم من الخزانة وقتلوا منهم عدّة وخرج العامّة والغوغاء وكان لا يمرّ بهم أحد من الأتراك يريد باب العامّة إلّا انتهبوا سلاحه وقتلوا جماعة منهم. وكان عامّة من انتهب أصحاب الناطف والفقّاع وأصحاب الحمّامات وغوغاء الأسواق. ثمّ وضع العطاء فى ذلك اليوم الذي بويع فيه وبعث بكتاب البيعة إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، فبعث إلى الهاشميّين والقوّاد والجند ووضع الأرزاق.

стр. 1924

وورد فى هذه السنة نعى طاهر بن عبد الله [٣٥٥] بخراسان فى رجب، فعقد المستعين لابنه أبى عبد الله محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر على خراسان، وعقد لمحمد بن عبد الله بن طاهر عمّه على العراق وجعل إليه الحرس والشرطة ومعاون السواد برأسه وأفرده به. وفيها مات بغا الكبير فعقد المستعين لابنه على أعمال أبيه كلّها واسمه موسى. وفيها ابتاع المستعين من المعتزّ والمؤيّد جميع مالهما من الدور والمنازل والقصور والفرش والآلة وغير ذلك من الضياع والعقار وأشهد عليهما القضاة والعدول ووجوه الهاشميّين، وترك لأبى عبد الله المعتزّ قيمة عشرين ألف دينار، ولإبراهيم المؤيّد ما قيمته خمسة آلاف دينار وذلك فى السنة الواحدة. فكان ما ابتيع من أبى عبد الله بعشرة آلاف ألف [١] دينار وعشر حبّات لؤلؤ، ومن إبراهيم بثلاثة آلاف ألف دينار وثلاث حبّات لؤلؤ. وكان الشراء باسم الحسن بن مخلد للمستعين. ووكّل بهما وجعل أمرهما إلى بغا الصغير، وكان الأتراك قد أرادوا حين شغب الشاكرية والغوغاء قتلهما، فمنعهم أحمد بن الخصيب وقال: ليس لهما ذنب. وفيها غضب الموالي على أحمد بن الخصيب فاستصفى ماله ومال [٣٥٦] ولده ونفى إلى اقريطش، وصيّر المستعين شاهك الخادم على داره وكراعه وحرمه وخزائنه وخاصّ أموره، وقدّمه أوتامش على جميع الناس.

стр. 1925

ودخلت سنة تسع وأربعين ومائتين وفيها شغب الجند والشاكرية ذكر السبب فى شغبهم كان السبب فى ذلك أنّ جعفر بن دينار كان غزا الصائفة، فاستأذنه عمر بن عبيد الله الأقطع فى المصير إلى ناحية من الروم ومعه خلق كثير من الروم نحو مائة ألف. فقتل عمر ومن معه من المسلمين وبلغ خبر مقتله علىّ بن يحيى الأرمنى وسمع بما جرى على حرم المسلمين من الروم واستكلابهم على الثغور الخزرية بعد عمر فنفر إليهم مع جماعة من أهل ميّافارقين، فقتل أيضا فى جماعة من المسلمين. فلمّا اتصل خبرهما بأهل مدينة السلام وسرّ من رأى وسائر مدن الإسلام، فعظم عليهم مقتل هذين وهما نابان من أنياب المسلمين، شديد بأسهما عظيم نكايتهما وغناؤهما فى الثغور. فشقّ على الناس ذلك [٣٥٧] وعظم فى الصدور وانضاف إلى ذلك ما لحقهم من الأتراك وفى قتلهم المتوكّل واستيلائهم على أمور المسلمين وقتلهم من أرادوا قتله من الخلفاء واستخلافهم من أحبّوا استخلافه من غير رجوع منهم إلى ديانة ولا نظر للمسلمين. فأجمعت العامّة ببغداد بالصراخ والنداء بالنفير، وانضمّت إليها الأبناء والشاكريّة. تظهر أنّها تطلب الأرزاق. ففتحوا السجون وأخرجوا رفوغ [١] خراسان والصعاليك من أهل الجبال والمحمّرة وغيرهم، وقطعوا أحد الجسرين وضربوا الآخر بالنار، وانتهبت الدواوين وقطعت الدفاتر وألقيت فى

стр. 1926

الماء وانتهب عدّة دور. ثمّ أخرج أهل اليسار من أهل بغداد وسرّ من رأى أموالا كثيرة من أموالهم. فقوّوا من خفّ للنهوض إلى الثغور لحرب الروم، وأقبل الناس من كلّ ناحية من نواحي الجبل وفارس والأهواز وغيرها ولم يكن من السلطان فيه معونة ولا نكير [١] على الروم. ووثب العامّة بسرّ من رأى على أصحاب السجون فأخرجوا من فيها فأركب زرافة ووصيف وأوتامش فوثبت العامّة بهم فهزمتهم وألقى على وصيف [٣٥٨] قدر مطبوخة فأمر وصيف النفّاطين فرموا ما قرب من ذلك الموضع من حوانيت التجّار ومنازل الناس بالنار فاحترق ذلك كلّه وقتل من العامّة خلق وانتهبت دور جماعة منهم. وفى هذه السنة قتل أوتامش وكاتبه شجاع ذكر السبب فى قتلهما لمّا أفضت الخلافة إلى المستعين أطلق يد أوتامش وشاهك الخادم فى بيوت الأموال وأباحهما إيّاها. وفعل ذلك أيضا بأمّ نفسه، فكانت الأموال التي ترد على السلطان من الآفاق إنّما تصير إلى هؤلاء. فأمّا أوتامش فأنه عمد إلى ما فى بيوت الأموال فاكتسحه. وكان المستعين جعل ابنه العبّاس فى حجر أوتامش وكان وصيف وبغا من ذلك بمعزل. فأغريا الموالي به ولم يزالا يدبّران الأمر عليه حتّى أحكما التدبير. فتذمّرت الأتراك والفراغنة على أوتامش وخرج إليه أهل الدور والكرخ إلى المعسكر، ثمّ زحفوا إليه وهو فى الجوسق مع المستعين، فأراد الهرب فلم يمكنه واستجار بالمستعين فلم يجره. فأقاموا على ذلك يومى [٣٥٩]

стр. 1927

الخميس والجمعة. فلمّا كان يوم السبت دخلوا الجوسق فاستخرجوا أوتامش من الموضع الذي توارى فيه فقتل وقتل كاتبه شجاع بن القاسم وانتهبت دورهم فأخذ منها أموال جليلة ومتاع وفرش وآنية. فلمّا قتل أوتامش استوزر المستعين أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد، وعزل الفضل بن مروان عن ديوان الخراج ووليه عيسى بن فرّخانشاه ثمّ غضب بغا الصغير على أبى صالح ابن يزداد فهرب أبو صالح إلى بغداد، وصيّر المستعين مكانه محمد بن الفضل الجرجرائى [١] . ودخلت سنة خمسين ومائتين ظهور يحيى بن عمر فى الكوفة وقتله فيها وفيها ظهر يحيى بن عمر بن يحيى بن حسين بن زيد بن علىّ بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب ﵈ المكنّى بأبى الحسين بالكوفة وقتل فيها [٢] . ذكر السبب فى خروجه كان السبب فى ذلك أنّ أبا الحسين يحيى بن عمر نالته ضيقة شديدة، ولزمه دين ضاق به ذرعا. فلقى عمر بن فرج وهو يتولّى أمر الطالبيّين عند مقدمه من خراسان [٣٦٠] وكلّمه فى صلة. فأغلظ له عمر فى القول. فقذفه يحيى فى مجلسه فحبس فلم يزل محبوسا إلى أن كفل به أهله فأطلق. ثمّ صار إلى سرّ من رأى فلقى وصيفا فى رزق يجرى له. فأغلظ له وصيف فى

стр. 1928

الردّ، وقال: - «لأىّ شيء يجرى على مثلك.» فانصرف عنه. فذكر الصوفىّ الطالبىّ أنّه أتاه فى الليلة التي خرج فى صبيحتها، فبات عنده ولم يعلمه بشيء ممّا عزم عليه، وأنّه عرض عليه الطعام وتبيّن فيه أنّه جائع، فأبى أن يأكل، وقال: - «إن عشنا أكلنا.» قال: فتبيّنت أنّه قد عزم على فتكة. وخرج من عندي فجعل وجهه إلى الكوفة، وجمع جمعا كثيرا من الأعراب وأهل الكوفة وأتى الفلّوجة فصار إلى قرية تعرف بالعمد. فكتب صاحب الخبر يخبره، فكتب محمد بن عبد الله بن طاهر إلى عامله على معاون السواد وهو عبد الله بن محمود السرخسي وإلى عامل الكوفة وهو أيّوب بن الحسن بن موسى بن جعفر بن سليمان، فأمرهما بالاجتماع على محاربته. فمضى يحيى بن عمر فى تسعة نفر من الفرسان إلى الكوفة فدخلها وصار إلى بيت مالها، فأخذ ما فيه وبه سبعون ألفا وألفا دينار، وأظهر أمره بالكوفة [٣٦١] وفتح السجون وأخرج عمّال السلطان عنها. فلقيه عبد الله بن محمود [وكان] فى عداد [١] من الشاكرية، فضربه يحيى على وجهه ضربة أثخنه. فانهزم ابن محمود مع أصحابه وحوى يحيى ما كان مع ابن محمود من الدوابّ والمال. ثمّ خرج يحيى من الكوفة إلى سوادها ولم يقم بالكوفة ولحقه جماعة من الزيديّة وأعراب أهل الطفوف والسيب إلى ظهر واسط، وكثر جمعه. ووجّه

стр. 1929

محمد بن عبد الله بن طاهر الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن مصعب وضمّ إليه من ذوى البأس والنجدة من قوّاده جماعة، وشخص الحسين بن إسماعيل فنزل بإزاء يحيى بن عمر لا يقدم عليه. فمضى يحيى بن عمر فى شرقىّ السيب والحسين فى غربيّه حتّى عبر إلى ناحية سورا، وسار حتّى قرب من جسر الكوفة، فلقيه عبد الرحيم بن الخطّاب وجه الفلس، فقاتله قتالا شديدا وانهزم وجه الفلس، فصار إلى ناحية شاهي ووافاه الحسين بن إسماعيل فعسكر بها. ودخل يحيى بن عمر الكوفة واجتمعت إليه الزيدية وكثف أمره واجتمعت إليه جماعة من الناس وأحبّوه وتولّاه العامّة من أهل بغداد خاصّة، ولا نعلم أنهم تولّوا من أهل [٣٦٢] بيته غيره، وتديّن الناس فى تشيّعهم. وأقام الحسين بن إسماعيل بشاهى واستراح وأراح أصحابه دوابّهم واتصلت بهم الميرة والأمداد والأموال. وأقام يحيى بالكوفة يعدّ العدد ويطبع السيوف ويجمع السلاح. فاجتمع عامّة من الزيدية ممّن لا علم لهم بالحرب وأشاروا على يحيى بن عمر بمعاجلة الحسين وألحّت عليه عوامّ أصحابه بمثل ذلك، فزحف إليه من ظهر الكوفة من وراء الخندق ومعه الهيضم العجلى فى فرسان بنى عجل وأناس من بنى أسد ورجّالة من أهل الكوفة ليسوا بذوي علم ولا شجاعة ولا تدبير. فصبّحوا الحسين وأصحابه وأصحاب الحسين مستريحون مستعدّون. فثاروا إليهم وذلك فى الغلس، فرموا ساعة ثمّ حمل عليهم فرسان الحسين، فانهزموا، ووضع فيهم السيف. فكان أوّل أسير الهيضم بن العلاء بن جمهور العجلى، وانهزم رجّالة أهل الكوفة وأكثرهم عراة بغير سلاح ضعفاء القوى خلقان الثياب فداستهم الخيل وانكشف العسكر عن يحيى بن عمر وقد تقطّر

стр. 1930

به البرذون الذي أخذه من عبد الله بن محمود وعليه [٣٦٣] جوشن تبّتىّ. فوقف عليه ابنان لخالد بن عمران ولم يعرفه أحدهما وظنّ أنّه خراسانى لأجل الجوشن فقال له الآخر: - «يا أخى هذا والله أبو الحسين قد انفرج قلبه وهو نازل ما يعرف القصّة لانفراج قلبه.» فأمرا رجلا من أصحابهما فنزل إليه وأخذ رأسه وادّعى قتله جماعة، وحمل رأسه إلى دار محمد بن عبد الله وقد تغيّر. فطلبوا من يقور رأسه ويخرج الحدقة والغلصمة. فلم يقدروا عليه، وهرب الجزّارون وطلب ممّن فى السجن من الخرّمية الذبّاحين من يفعل ذلك، فلم يقدم عليه أحد إلّا رجل من عمّال السجن الجديد [١] فإنّه جاء فتولّى إخراج دماغه وعينيه وقوّره وحشى بالصبر والكافور. ثمّ أمر بحمل الرأس إلى المستعين وكتب إليه بيده بالفتح ونصب رأسه بباب العامّة بسرّ من رأى. فاجتمع الناس وتذمّروا فحطّ وردّ إلى بغداد لينصب هناك، فلم يتهيّأ ذلك. وذكر لمحمد أنّ الناس قد كثروا واجتمعوا على أخذه فلم ينصبه. فحكى بعض الطاهريين أنّه حضر مجلس محمد بن عبد الله بن طاهر وهو يهنّئ بقتل يحيى وبالفتح وعنده جماعة الهاشميّين من [٣٦٤] العبّاسيّين والطالبيّين وغيرهم من الوجوه. فدخل عليه أبو هاشم داود بن الهيثم الجعفري فسمعهم يهنّئونه، فقال: - «أيّها الأمير، إنّك لتهنّأ بقتل رجل لو كان رسول الله، صلّى الله عليه، حيّا لعزّى به.»
следующие страницы →