الماء وانتهب عدّة دور. ثمّ أخرج أهل اليسار من أهل بغداد وسرّ من رأى أموالا كثيرة من أموالهم. فقوّوا من خفّ للنهوض إلى الثغور لحرب الروم، وأقبل الناس من كلّ ناحية من نواحي الجبل وفارس والأهواز وغيرها ولم يكن من السلطان فيه معونة ولا نكير [١] على الروم.
ووثب العامّة بسرّ من رأى على أصحاب السجون فأخرجوا من فيها فأركب زرافة ووصيف وأوتامش فوثبت العامّة بهم فهزمتهم وألقى على وصيف [٣٥٨] قدر مطبوخة فأمر وصيف النفّاطين فرموا ما قرب من ذلك الموضع من حوانيت التجّار ومنازل الناس بالنار فاحترق ذلك كلّه وقتل من العامّة خلق وانتهبت دور جماعة منهم.
وفى هذه السنة قتل أوتامش وكاتبه شجاع ذكر السبب فى قتلهما
لمّا أفضت الخلافة إلى المستعين أطلق يد أوتامش وشاهك الخادم فى بيوت الأموال وأباحهما إيّاها. وفعل ذلك أيضا بأمّ نفسه، فكانت الأموال التي ترد على السلطان من الآفاق إنّما تصير إلى هؤلاء.
فأمّا أوتامش فأنه عمد إلى ما فى بيوت الأموال فاكتسحه. وكان المستعين جعل ابنه العبّاس فى حجر أوتامش وكان وصيف وبغا من ذلك بمعزل. فأغريا الموالي به ولم يزالا يدبّران الأمر عليه حتّى أحكما التدبير.
فتذمّرت الأتراك والفراغنة على أوتامش وخرج إليه أهل الدور والكرخ إلى المعسكر، ثمّ زحفوا إليه وهو فى الجوسق مع المستعين، فأراد الهرب فلم يمكنه واستجار بالمستعين فلم يجره. فأقاموا على ذلك يومى [٣٥٩]
стр. 1927
الخميس والجمعة.
فلمّا كان يوم السبت دخلوا الجوسق فاستخرجوا أوتامش من الموضع الذي توارى فيه فقتل وقتل كاتبه شجاع بن القاسم وانتهبت دورهم فأخذ منها أموال جليلة ومتاع وفرش وآنية.
فلمّا قتل أوتامش استوزر المستعين أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد، وعزل الفضل بن مروان عن ديوان الخراج ووليه عيسى بن فرّخانشاه ثمّ غضب بغا الصغير على أبى صالح ابن يزداد فهرب أبو صالح إلى بغداد، وصيّر المستعين مكانه محمد بن الفضل الجرجرائى [١] .
ودخلت سنة خمسين ومائتين
ظهور يحيى بن عمر فى الكوفة وقتله فيها
وفيها ظهر يحيى بن عمر بن يحيى بن حسين بن زيد بن علىّ بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب ﵈ المكنّى بأبى الحسين بالكوفة وقتل فيها [٢] .
ذكر السبب فى خروجه كان السبب فى ذلك أنّ أبا الحسين يحيى بن عمر نالته ضيقة شديدة، ولزمه دين ضاق به ذرعا. فلقى عمر بن فرج وهو يتولّى أمر الطالبيّين عند مقدمه من خراسان [٣٦٠] وكلّمه فى صلة. فأغلظ له عمر فى القول. فقذفه يحيى فى مجلسه فحبس فلم يزل محبوسا إلى أن كفل به أهله فأطلق. ثمّ صار إلى سرّ من رأى فلقى وصيفا فى رزق يجرى له. فأغلظ له وصيف فى
стр. 1928
الردّ، وقال:
- «لأىّ شيء يجرى على مثلك.» فانصرف عنه.
فذكر الصوفىّ الطالبىّ أنّه أتاه فى الليلة التي خرج فى صبيحتها، فبات عنده ولم يعلمه بشيء ممّا عزم عليه، وأنّه عرض عليه الطعام وتبيّن فيه أنّه جائع، فأبى أن يأكل، وقال:
- «إن عشنا أكلنا.» قال: فتبيّنت أنّه قد عزم على فتكة. وخرج من عندي فجعل وجهه إلى الكوفة، وجمع جمعا كثيرا من الأعراب وأهل الكوفة وأتى الفلّوجة فصار إلى قرية تعرف بالعمد. فكتب صاحب الخبر يخبره، فكتب محمد بن عبد الله بن طاهر إلى عامله على معاون السواد وهو عبد الله بن محمود السرخسي وإلى عامل الكوفة وهو أيّوب بن الحسن بن موسى بن جعفر بن سليمان، فأمرهما بالاجتماع على محاربته.
فمضى يحيى بن عمر فى تسعة نفر من الفرسان إلى الكوفة فدخلها وصار إلى بيت مالها، فأخذ ما فيه وبه سبعون ألفا وألفا دينار، وأظهر أمره بالكوفة [٣٦١] وفتح السجون وأخرج عمّال السلطان عنها. فلقيه عبد الله بن محمود [وكان] فى عداد [١] من الشاكرية، فضربه يحيى على وجهه ضربة أثخنه.
فانهزم ابن محمود مع أصحابه وحوى يحيى ما كان مع ابن محمود من الدوابّ والمال.
ثمّ خرج يحيى من الكوفة إلى سوادها ولم يقم بالكوفة ولحقه جماعة من الزيديّة وأعراب أهل الطفوف والسيب إلى ظهر واسط، وكثر جمعه. ووجّه
стр. 1929
محمد بن عبد الله بن طاهر الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن مصعب وضمّ إليه من ذوى البأس والنجدة من قوّاده جماعة، وشخص الحسين بن إسماعيل فنزل بإزاء يحيى بن عمر لا يقدم عليه.
فمضى يحيى بن عمر فى شرقىّ السيب والحسين فى غربيّه حتّى عبر إلى ناحية سورا، وسار حتّى قرب من جسر الكوفة، فلقيه عبد الرحيم بن الخطّاب وجه الفلس، فقاتله قتالا شديدا وانهزم وجه الفلس، فصار إلى ناحية شاهي ووافاه الحسين بن إسماعيل فعسكر بها.
ودخل يحيى بن عمر الكوفة واجتمعت إليه الزيدية وكثف أمره واجتمعت إليه جماعة من الناس وأحبّوه وتولّاه العامّة من أهل بغداد خاصّة، ولا نعلم أنهم تولّوا من أهل [٣٦٢] بيته غيره، وتديّن الناس فى تشيّعهم. وأقام الحسين بن إسماعيل بشاهى واستراح وأراح أصحابه دوابّهم واتصلت بهم الميرة والأمداد والأموال.
وأقام يحيى بالكوفة يعدّ العدد ويطبع السيوف ويجمع السلاح. فاجتمع عامّة من الزيدية ممّن لا علم لهم بالحرب وأشاروا على يحيى بن عمر بمعاجلة الحسين وألحّت عليه عوامّ أصحابه بمثل ذلك، فزحف إليه من ظهر الكوفة من وراء الخندق ومعه الهيضم العجلى فى فرسان بنى عجل وأناس من بنى أسد ورجّالة من أهل الكوفة ليسوا بذوي علم ولا شجاعة ولا تدبير.
فصبّحوا الحسين وأصحابه وأصحاب الحسين مستريحون مستعدّون.
فثاروا إليهم وذلك فى الغلس، فرموا ساعة ثمّ حمل عليهم فرسان الحسين، فانهزموا، ووضع فيهم السيف. فكان أوّل أسير الهيضم بن العلاء بن جمهور العجلى، وانهزم رجّالة أهل الكوفة وأكثرهم عراة بغير سلاح ضعفاء القوى خلقان الثياب فداستهم الخيل وانكشف العسكر عن يحيى بن عمر وقد تقطّر
стр. 1930
به البرذون الذي أخذه من عبد الله بن محمود وعليه [٣٦٣] جوشن تبّتىّ.
فوقف عليه ابنان لخالد بن عمران ولم يعرفه أحدهما وظنّ أنّه خراسانى لأجل الجوشن فقال له الآخر:
- «يا أخى هذا والله أبو الحسين قد انفرج قلبه وهو نازل ما يعرف القصّة لانفراج قلبه.» فأمرا رجلا من أصحابهما فنزل إليه وأخذ رأسه وادّعى قتله جماعة، وحمل رأسه إلى دار محمد بن عبد الله وقد تغيّر. فطلبوا من يقور رأسه ويخرج الحدقة والغلصمة. فلم يقدروا عليه، وهرب الجزّارون وطلب ممّن فى السجن من الخرّمية الذبّاحين من يفعل ذلك، فلم يقدم عليه أحد إلّا رجل من عمّال السجن الجديد [١] فإنّه جاء فتولّى إخراج دماغه وعينيه وقوّره وحشى بالصبر والكافور.
ثمّ أمر بحمل الرأس إلى المستعين وكتب إليه بيده بالفتح ونصب رأسه بباب العامّة بسرّ من رأى. فاجتمع الناس وتذمّروا فحطّ وردّ إلى بغداد لينصب هناك، فلم يتهيّأ ذلك. وذكر لمحمد أنّ الناس قد كثروا واجتمعوا على أخذه فلم ينصبه.
فحكى بعض الطاهريين أنّه حضر مجلس محمد بن عبد الله بن طاهر وهو يهنّئ بقتل يحيى وبالفتح وعنده جماعة الهاشميّين من [٣٦٤] العبّاسيّين والطالبيّين وغيرهم من الوجوه. فدخل عليه أبو هاشم داود بن الهيثم الجعفري فسمعهم يهنّئونه، فقال:
- «أيّها الأمير، إنّك لتهنّأ بقتل رجل لو كان رسول الله، صلّى الله عليه، حيّا لعزّى به.»
стр. 1931
فما ردّ عليه محمد شيئا فحلم عنه. فخرج وهو يقول:
يا بنى طاهر كلوه وبيّا ... إنّ لحم النّبىّ غير مرىّ
وكان المستعين قد وجّه كلباتكين التركىّ مددا للحسين ومستظهرا به، فلحق حسينا بعد أن انهزم القوم وقتل يحيى بن عمر ولحق فى طريقه قوما معهم الأسوقة والأطعمة يريدون عسكر يحيى. فوضع فيهم السيف فقتلهم ودخل الكوفة وأراد أن ينهبها ويضع السيف فى أهلها، فمنعه من ذلك الحسين وآمن الأسود والأبيض بها وأقام أيّاما حتّى أمن الناس ثمّ انصرف عنها.
خروج الحسن بن زيد
وفى هذه السنة كان خروج الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب ﵈ [١] .
ذكر السبب فى خروجه [٣٦٥] كان سبب ذلك أنّ محمد بن طاهر لمّا جرى على يده ما جرى من قتل يحيى بن عمر ودخول أصحابه الكوفة، أقطعه المستعين من صوافي السلطان بطبرستان قطائع، وكان فيها قطيعة تقرب من ثغرى طبرستان ما يلي الديلم وهما كلار [٢] وشالوس وكان بحذائها أرض لأهل تلك الناحية فيها مرافق
стр. 1932
محتطبهم ومراعى مواشيهم ومسرح سارحتهم ليس لأحد عليها ملك وإنّما هي صحراء من موتان الأرض، غير أنّها غياض وأشجار وكلأ. وكان وجّه محمد بن عبد الله بن طاهر أخا لكاتبه بشر بن هارون النصراني يقال له:
جابر، لحيازة ما أقطع هناك، وعامل طبرستان سليمان بن عبد الله خليفة محمد بن طاهر بن عبد الله ابن أخى محمد بن عبد الله بن طاهر والمستولى على سليمان بن عبد الله والغالب على أمره محمد بن أوس البلخي، وقد فرّق محمد بن أوس ولده فى مدن طبرستان وجعلهم ولاتها وهم أحداث سفهاء.
فتأذّى بهم الرعيّة وأنكروا منهم ومن والدهم ومن سليمان بن عبد الله سيرهم وسوء أثرهم فيهم، ووتر مع ذلك محمد بن أوس الديلم بدخوله إليهم من حدود طبرستان وهم أهل سلم وموادعة [٣٦٦] على اغترار من الديلم، فأغار عليهم وسبى منهم وقتل فكان ذلك ممّا زاد أهل طبرستان عليه حنقا وغيظا.
فلمّا صار النصراني إلى طبرستان لحيازة ما أقطع صاحبه محمد حاز أيضا ما اتصل به من موات الأرض الذي يرتفق به أهل تلك الناحية، وكان بقرب ثغرين كما ذكرت، وكان بتلك الناحية يومئذ رجلان معروفان بالشجاعة والرأى مذكوران قديما بضبط تلك الناحية ممّن رامها من الديلم، وبإطعام الناس والإحسان إلى من ضوى إليهما يقال له: محمد وجعفر ابنا رستم، فأنكرا ما فعل جابر من حيازة الموات الذي ذكرت وقطع مرافق الناس منه.
وكان ابنا رستم مطاعين، فاستنهضا من أطاعهما وقصدا جابرا ليمنعاه، فهرب جابر ولحق بسليمان بن عبد الله بن طاهر وأيقن محمد وجعفر ابنا رستم فى منعهما جابرا ممّا حاوله بالشر وذلك أنّ عامل طبرستان كلّها سليمان بن عبد الله بن طاهر وهو أخو محمد بن عبد الله وعمّ محمد بن طاهر بن عبد الله وإلى خراسان والرىّ والمشرق. فلمّا أيقنا بالشرّ راسلا
стр. 1933
الديلم وذكّراهم [٣٦٧] وفاءهما لهم بالعهد الذي بينهم وما ركبهم به محمد بن أوس من الغدر والقتل والسبي وأنّهم لا يأمنون عودته ويسألانهم مظاهرتهما عليه وعلى من معه.
فأعلمهم الديلم أنّ ما يلي أرضهم من جميع نواحيها من الأرضين هم عمّال آل طاهر والسلطان الأعظم وأنّ ما سألوا من معاونتهم لا سبيل إليه إلّا بزوال الخوف عنهم من أن يؤتوا من قبل ظهورهم إذا هم اشتغلوا بحرب من بين أيديهم من عمّال سليمان بن عبد الله، فأعلماهم أنّهما لا يغفلان عن كفايتهم ذلك حتّى يأمنوا ما خافوه. فأجابهم الديلم إلى ما سألوه وتعاقدوا وأهل كلار وشالوس على حرب من قصدهم. ثمّ أرسل ابنا رستم إلى رجل من الطالبيّين المقيمين يومئذ بطبرستان يقال له: محمد بن إبراهيم، يدعونه إلى البيعة له، فأبى وقال لهم:
- «أنا لا أجيب إلى ما سألتم، ولكنّى أدلّكم على رجل منّا هو أقوم بما دعوتموني إليه.» فقالوا: «من هو؟» فأخبرهم أنّه الحسن بن زيد، ودلّهم على منزله بالرىّ. فوجّه القوم إلى الرىّ برسالتهم ورسالة العلوىّ محمد بن إبراهيم، يدعونه إلى الشخوص إلى طبرستان [٣٦٨] فشخص إليهم الحسن بن زيد وقد صارت كلمة الديلم وأهل كلار وشالوس والرويان على بيعة واحدة فلمّا وافاهم بايعه ابنا رستم وجماعة أهل الثغرين ورؤساء الديلم كجايا والاشلام [١] ووهسوذان بن جستان.
ثمّ ناهضوا من فى تلك النواحي من عمّال ابن أوس فطردوهم عنها
стр. 1934
فلحقوا بابن أوس وسليمان بن عبد الله وهما بمدينة ساريه، وانضوى إلى الحسن بن زيد مع من بايعه لمّا بلغهم ظهوره كلّ من بجبال طبرستان، كلّها إلّا سكّان جبل فريم، فإنّ ملكهم قارن بن شهريار كان ممتنعا بجبله وأصحابه، فلم ينقد للحسن بن زيد وقوّاده نحو مدينة آمل وهي أوّل مدينة طبرستان ممّا يلي كلار وسالوس من السفح.
وأقبل ابن أوس من سارية إليها يريد دفعه عنها فالتقى جيشاهما فى بعض نواحي مدينة آمل ونشبت الحرب بينهم وخالف الحسن بن زيد وجماعة معه موضع المعركة إلى ناحية أخرى، فدخلوها واتصل خبرهم بابن أوس وهو مشغول بحرب من هو فى وجهه من رجال الحسن بن [٣٦٩] زيد. فلم يكن له همّ إلّا النجاء بنفسه واللحاق بسليمان وسارية.
فلمّا دخل الحسن بن زيد آمل كثف جيشه وغلظ أمره وانقضّ إليه كلّ طالب نهب من الصعاليك والحوزيّة وغيرهم. فأقام الحسن بن زيد بآمل أيّاما حتّى جبى الخراج واستعدّ.
ثمّ نهض بمن معه نحو سارية مريدا سارية ومن بها من سليمان وابن أوس، فخرجوا بمن معهم والتقى القوم خارج مدينة سارية ونشبت الحرب بينهم، فخالف الوجه الذي التقى فيه الجيشان بعض قوّاد الحسن بن زيد إلى وجه آخر من وجوه سارية فدخلها برجاله، وانتهى الخبر إلى سليمان ومن معه فطاروا على وجوههم ونجوا بأنفسهم وترك سليمان أهله وعياله وثقله وكلّ ما كان له بسارية من مال وأثاث، فلم تكن له عرجة دون جرجان، وغلب جند الحسن بن زيد على ما كان له ولغيره.
فأمّا عيال سليمان وأهله وآباؤه فإنّ الحسن أمر لهم بمركب حملهم فيه حتّى ألحقهم بسليمان وهو بجرجان واجتمع للحسن أمره بطبرستان كلّها.
ثمّ وجّه الحسن خيلا مع رجل من أهل بيته يقال له: الحسن بن زيد، إلى
стр. 1935
الرىّ فصار إليها وطرد عنها عاملها [٣٧٠] من قبل الطاهرية واستخلف بها بعض الطالبيّين وانصرف عنها فاجتمعت للحسن بن زيد مع طبرستان الرىّ إلى حدّ همذان.
فورد الخبر بذلك على المستعين ومدبّر أمره وصيف التركىّ وكتابه أحمد بن صالح بن شيرزاد. فوجّه إسماعيل بن فراشة فى جمع كثير إلى همذان وأمره بالمقام بها وضبطها وذلك أنّ ما وراء عمل همذان كان إلى محمد بن طاهر، بن عبد الله بن طاهر وبه عمّاله وإليه إصلاحه.
فلمّا استقرّ بخليفة الحسن بن زيد القرار بالرىّ واسمه محمد بن جعفر، ظهرت منه أمور كرهها أهل الرىّ. فوجّه محمد بن طاهر قائدا من خراسان يقال له: محمد بن ميكال وهو أخو الشاه بن ميكال، فى جمع عظيم من الخيل والرجّالة إلى الرىّ فالتقى هو ومحمد بن جعفر العلوي. فأسر محمد بن ميكال محمد بن جعفر وفضّ جمعه ودخل الرىّ.
فوجّه إليه الحسن بن زيد خيلا عليها ويجن قائد من قوّاد أهل الأرز [١] فخرج إليه محمد بن ميكال فهزمه ويجن والتجأ محمد بن ميكال إلى الرىّ معتصما، بها فاتبعه ويجن قبل أن يشخص حتّى قتله وعادت الرىّ إلى أصحاب الحسن بن زيد. [٣٧١]
ودخلت سنة إحدى وخمسين ومائتين
وفيها قتل وصيف وبغا الصغير باغر التركىّ واضطرب الموالي ذكر السبب فى قتله
كان سبب ذلك [٢] أنّ باغر كان أحد قتلة المتوكّل فزيد فى أرزاقه وأقطع
стр. 1936
قطائع. فكان ممّا أقطع ضياع بسواد الكوفة، فتضمن تلك الضياع رجل من دهاقين باروسما ونهر الملك بألفي دينار. فوقع بين هذا الدهقان وبين رجل بتلك الناحية يقال له ابن مارمّة شرّ فتناوله ابن مارمّه بمكروه. فحبس ابن مارمّه وقيّد فعمل حتّى تخلّص من الحبس وصار إلى سرّ من رأى، فلقى دليل بن يعقوب النصراني وهو يومئذ كاتب بغا الشرابي وصاحب أمره وإليه العسكر يركب إليه القوّاد والعمّال، وكان ابن مارمّه صديقا لدليل وكان باغر أحد قوّاد بغا فمنع دليل باغر من ظلم أحمد بن مارمّه وانتصف له منه فأوغر ذلك بصدر باغر وباين كلّ واحد من دليل وباغر صاحبه بذلك السبب.
وكان باغر شجاعا بطلا [٣٧٢] عظيم القدر فى الأتراك يتوقّاه بغا وغيره ويخافون شرّه، فجاء باغر يوم الثلاثاء لأربع بقين من ذى الحجّة سنة خمسين ومائتين إلى بغا وهو فى الحمّام وباغر سكران فانتظره حتّى خرج من الحمّام، ثم دخل إليه فقال له:
- «والله ما لى من قتل دليل من بدّ.» ثمّ شتمه. فقال له بغا:
- «لو أردت قتل ابني فارس ما منعتك منه، فكيف دليل النصرانىّ، ولكن أمر الخليفة وأمرى فى يده فتصبر حتّى أصيّر مكانه إنسانا ثمّ شأنك به.» ثمّ وجّه بغا إلى دليل يأمره ألّا يركب فاستخفى، وبعث بغا إلى محمد بن يحيى بن فيروز، وكان ابن فيروز يكتب له قديما، فجعله مكان دليل يوهم باغر أنّه قد عزل دليلا فسكن باغر. ثمّ أصلح بغا بين باغر ودليل، وباغر يتهدّد دليلا إذا خلا بأصحابه، ثمّ تلطّف باغر للمستعين ولزم الخدمة فى الدار وكره المستعين مكانه لجرأته وقتله المتوكّل. فلمّا كان نوبة بغا فى منزله قال المستعين:
- «أىّ شيء كان إلى إيتاخ من الأعمال؟»
стр. 1937
فأخبره وصيف فقال:
- «ينبغي أن تصيّر هذه الأعمال إلى أبى محمد باغر.» فقال وصيف:
- «نعم.» وبلغت القصّة دليلا فركب إلى بغا وقال له:
- «أنت فى بيتك وهم فى تدبير عزلك عن جميع أعمالك، وإذا عزلت فما بقاؤك [٣٧٣] إلّا أن يقتلوك.» فركب بغا إلى دار الخليفة فى اليوم الذي نوبته فى منزله بالعشي فقال لوصيف:
- «أردت أن تحطّنى عن مرتبتي فتجيء بباغر وتصيّره مكاني، وإنّما باغر عبد من عبيدي.» فقال وصيف:
- «ما أردت ذلك ولا علمت ما أراد الخليفة من ذلك.» ثمّ تعاقد وصيف وبغا على تنحية باغر من الدار وأرجفوا أنّه يؤمّر ويضمّ إليه جيش سوى جيشه ويخلع عليه ويجلس مجلس بغا ووصيف وهما يسمّيان الأميرين، وكان قصد المستعين التقرّب إليه ليأمن ناحيته فأحسّ هو ومن فى جنبته [١] بالشرّ فجمع إليه الذين كانوا بايعوه على قتل المتوكّل مع غيرهم. ثمّ ناظرهم ووكّد البيعة عليهم كما كان وكّدها فى قتل المتوكّل. ثم قال:
- «الزموا الدار حتّى نقتل المستعين وبغا ووصيفا ونجيء بمن نقعده خليفة ليكون الأمر لنا كما هو لهذين اللذين قد استوليا على الدنيا وبقينا نحن فى
стр. 1938
غير شيء.» فبعث إلى المستعين ووصيف فقال لهما:
- «إنّى ما طلبت إليكما أن تجعلانى خليفة وإنّما فعلتما أنتما ذلك وأصحابكما ثم تريدون أن تقتلوني؟» فحلفا أنّهما ما علما بذلك.
فيقال: إنّ امرأة مطلّقة لباغر بعثت إلى المستعين [٣٧٤] وبغا بما عزم عليه باغر وبكّر دليل إلى بغا، ووصيف حاضر منزل بغا مع كاتبه، فاتّفق رأيهم على أخذ باغر ونفسين من الأتراك معه وحبسهم حتّى يروا رأيهم. فأحضر باغر فأقبل فى عدّة.
فلمّا دخل دار بغا منع من الوصول إلى وصيف وبغا وعدل به إلى حمّام فحبس فيه ودعى له بقيد فامتنع عليهم. وبلغ ذلك الأتراك ووثبوا على إصطبل السلطان فأخذوا ما فيه من الدوابّ وانتهبوها وركبوا وحضروا الجوسق بالسلاح. فلمّا أمسوا بعث بغا ووصيف إلى باغر بجماعة وشدخوه بالطبرزينات حتّى برد وعملوا على أن يرموا برأسه إليهم إن أقاموا على الشغب.
فلمّا انتهى قتله إلى الأتراك أقاموا على ما هم عليه وأبوا أن ينصرفوا واجتمع رأى المستعين ووصيف وبغا وشاهك على أن ينحدروا إلى بغداد ففعلوا ذلك وانكسر الأتراك لذلك وأظهروا الندم.
ثمّ صاروا إلى دار دليل بن يعقوب ودور أهل بيته وانتهبوها ونقضوها ثمّ منعوا من الانحدار إلى بغداد من همّ بذلك، وأخذوا ملّاحا قد أكرى سفينته فصلبوه على دقل سفينته، [٣٧٥] فامتنع الملّاحون من الانحدار بعده.
واجتمع من كان من الجند والأتراك بسرّ من رأى على المعتزّ فبايعوه
стр. 1939
وأقام من كان ببغداد على الوفاء للمستعين. [١]
ذكر الفتنة التي وقعت بين الأتراك وأهل بغداد وما انتهى إليه
لمّا انحدر المستعين وبغا ووصيف وشاهك وأحمد بن صالح بن شيرزاد إلى بغداد نزل المستعين على محمد بن عبد الله بن طاهر فى داره. ثمّ وافى بغداد القوّاد سوى جعفر بن دينار وسليمان بن يحيى بن معاذ مع جلّة الكتّاب والعمّال وبنى هاشم. ووافى أيضا قوّاد الأتراك الذين فى ناحية وصيف وبغا.
وكانت رسل وصيف وبغا تتردد إلى سرّ من رأى باستدعاء من بها وإصلاح نيّاتهم وكان كلّ من يرد بغداد يؤمر أن ينزل الجزيرة التي حيال دار محمد بن عبد الله بن طاهر وألّا يصيروا إلى الجسر فيرعبوا العامّة، فإذا اجتمعوا وجّه إليهم زواريق حتّى يعبروا فيها.
فلمّا دخل الأتراك الواردون من سرّ من رأى إلى المستعين رموا بأنفسهم بين يديه وخلعوا مناطقهم من أوساطهم تذلّلا وخضوعا وكلّموا المستعين وسألوه الصفح عنهم فقال لهم:
- «أنتم أهل بغى وبطر [٣٧٦] واستقلال للنعم. ألم ترفعوا إلىّ فى أولادكم فألحقتهم بكم، وهم نحو من ألفى غلام، وفى بناتكم فأمرت باجرائهن مجرى المتزوّجات وهنّ نحو من أربعة آلاف صبيّة، سوى المدركين، وأدررت عليكم الأرزاق حتّى سبكت لكم آنية الذهب والفضّة، ومنعت نفسي شهواتها ولذّاتها، كلّ ذلك طلبا لرضاكم وصلاحكم وأنتم تزدادون بغيا وفسادا وتهديدا
стр. 1940
وإبعادا.» فتضرّعوا وقالوا:
- «أمير المؤمنين صادق وقد أخطأنا ونحن الآن نسأله العفو.» فقال المستعين:
- «قد عفوت عنكم.» فقال له بايكباك [١] :
- «فإن كنت رضيت عنّا وصفحت، فقم معنا إلى سرّ من رأى، فإنّ الأتراك ينتظرونك.» فأومأ محمد بن عبد الله إلى محمد بن أبى عون، فلكز فى حلق بايكباك وقال له:
- «هكذا يقال لأمير المؤمنين: قم معنا فاركب؟» فضحك المستعين وقال:
- «هؤلاء قوم عجم، لا يؤخذون بمعرفة حدود الكلام وأدائه.» ثمّ قال لهم المستعين:
- «يصير [٢] من بسرّ من رأى فأرزاقهم دارّة عليهم، وأنظر أنا فى أمرى هاهنا.» فانصرفوا وقد أغضبهم ما كان من محمد بن عبد الله ومضوا إلى سرّ من رأى وحرّضوا الأتراك على مخالفته، واجتمع رأيهم على إتمام البيعة [٣٧٧] لأبى عبد الله المعتزّ فأخرجوه والمؤيّد من الحبس فأخذوا من شعرهما، وكان قد طال، وبايعوه وأمر لهم بمال البيعة وكان المستعين خلّف بسرّ من
стр. 1941
رأى ما كان حمل من الموصل ومن الشام وهو خمسمائة ألف دينار وفى بيت مال أمّ المستعين قيمة ألفى ألف دينار وفى بيت مال ابن المستعين قيمة ستمائة ألف دينار وكتب نسخة البيعة التي أخذت للمعتزّ بسرّ من رأى على النسخة المعروفة.
وأحضر أبو أحمد بن الرشيد محمولا فى محفّة وأمر بالبيعة فامتنع، وقال للمعتزّ:
- «بل كنت مكرها وخفت السيف.» فقال أبو أحمد:
- «ما علمت أنّك أكرهت وقد بايعنا هذا الرجل. أفتريد أن نطلّق نسائنا وتخرجنا عن أموالنا ولا ندري ما يكون أن تركتني على أمرى حتّى يجتمع الناس وإلّا فهذا السيف.» فقال المعتزّ:
- «اتركوه.» فردّ إلى منزله من غير بيعة.
ولمّا بايع المعتزّ الأتراك ولّى عمّاله وأصحاب دواوينه، واتصل محمد بن عبد الله خبر البيعة للمعتزّ وتوجيهه العمّال. فأمر بقطع الميرة عن أهل سرّ من رأى وكتب إلى مالك [١] بن طوق بالمصير إلى بغداد هو ومن معه من [٣٧٨] أهل بيته وجنده والى نجوبة [٢] بن قيس وهو على الأنبار بالجمع والاحتشاد وإلى سليمان بن عمران الموصلي فى جمع السفن ومنع الميرة أن تنحدر إلى سرّ من رأى ومنع أن يصعد شيء من الميرة من بغداد، وأخذت سفينة فيها أرز وسقط فهرب الملّاح وبقيت حتّى غرقت.
стр. 1942
وأمر المستعين محمد بن عبد الله بأن تحصّن بغداد فتقدّم فى ذلك فأدير عليها السور من دجلة من باب الشمّاسية إلى سوق الثلاثاء حتّى أورده دجلة، ومن باب قطيعة أمّ جعفر حتّى أورده قصر حميد. ورتّب على كلّ باب قائدا وجماعة من أصحابه وغير أصحابه، وأمر بحفر الخنادق حول السورين كما يدوران فى الجانبين جميعا ومظلّات يأوى إليها الفرسان فى الحرّ والمطر. فبلغت النفقة على السورين والخنادق والمظلّات ثلاثمائة ألف دينار وثلاثين ألف دينار، وجعل على باب الشماسية خمس شدّاخات بعرض الطريق فيها العوارض والألواح والمسامير الطوال الظاهرة، وجعل من خارج الباب الثاني بابا معلّقا [١] بقدر الباب ثخينا وقد ألبس صفائح الحديد وشدّ بالحبال كي إن وافى أحد من ذلك الباب أرسل عليه الباب المعلّق فقتل من تحته [٣٧٩] وجعل على الباب الآخر عرّادة، وعلى الباب الآخر خمسة مجانيق كبارا وفيها واحد كبير سمّوه: الغضبان، وستّ عرّادات يرمى بها إلى ناحية رقّة الشمّاسية وصيّر على باب البردان ثماني عرّادات فى كلّ ناحية أربع، وأربع شدّاخات، وكذلك كلّ باب من أبواب بغداد فى الجانب الشرقىّ والغربىّ، ووكّل بكل باب قوّاد برجالهم وجعل لكلّ باب من أبوابها دهليزا عليه السقائف يسع مائة فارس ومائة راجل، ولكلّ منجنيق وعرّادة رجالا مرتبين يمدّون حباله، وراميا يرمى إذا كان قتال، وفرض فروضا من قوم من أهل خراسان قدموا حجّاجا فسئلوا المعونة على قتال الأتراك فأعانوا.
وأمر محمد بن عبد الله أن تفرض من العيارين فروض وأن يجعل عليهم عريف ويعمل لهم تراس من البواري المقيّرة وأن تعمل لهم مخال تملأ
стр. 1943
حجارة. ففعل ذلك وكان الرجل منهم يقوم خلف البارية فلا يرى منها عملت نسائجات أنفق عليها زيادة على مائة دينار، وكان العريف على أصحاب المقيّرة من العيّارين رجلا يقال له: ينتويه.
خليفتان فى زمن واحد
وكتب المستعين إلى عمّال الخراج بكلّ بلدة وبكلّ موضع أن يكون حملهم [٣٨٠] ما يحملون من الأموال إلى السلطان ببغداد دون غيرها، وكتب إلى الأتراك والجند الذين بسرّ من رأى يأمرهم بنقض بيعة المعتزّ ومراجعة الوفاء ببيعتهم، ويذكّرهم أياديه عندهم وينهاهم عن معصيته ونكث بيعته.
وكتب المعتزّ إلى محمد بن عبد الله يدعوه إلى خلع المستعين ويذكره بما أخذه أبوه المتوكّل عليه بعد أخيه المنتصر من العهد وعقد الخلافة.
وأجابه محمد يدعوه إلى الرجوع إلى طاعة المستعين. واحتجّ كلّ واحد منهما باحتجاجات يطول شرحها وبثق محمد بن عبد الله المياه بطسّوح الأنبار وبادوريّا ليقطع طريق الأتراك حين تخوّف ورودهم الأنبار.
وكتب كلّ واحد من المعتزّ والمستعين إلى موسى بن بغا وهو مقيم بأطراف الشام لأنّه كان أخرج إلى حمص لقتال أهلها حين قتلوا عاملهم وعصوا وامتنعوا على السلطان.
وبعث كلّ واحد منهما بعدّة ألوية يعقدها لمن أحبّ. [١] فانصرف إلى المعتزّ وصار معه ولم يزل الأتراك الكبار يصيرون مرّة من حزب المستعين ومرّة من حزب المعتزّ.
وعقد المعتزّ لأخيه أبى أحمد إبن المتوكّل على حرب المستعين وابن
стр. 1944
طاهر وضمّ إليه الجيش وجعل إليه [٣٨١] الأمر والنهى وتدبير الحرب إلى كلباتكين فعسكر بالقاطول فى خمسة آلاف من الأتراك والفراغنة وألفين من المغاربة فوافوا عكبرى فصلّى أبو أحمد ودعا للمعتزّ وكتب بذلك فتحا إلى المعتزّ وجعل الأتراك ينتهبون القرى ما بين عكبرى وبغداد وأوانا وهرب الناس منهم وجلّوا عن الغلّات والضياع فخربت وهدمت المنازل وسلب الناس وجرى فى ذلك أمر فظيع قبيح.
ولمّا وافى الحسن بن الأفشين مدينة السلام وكّل بباب الشماسية. ثمّ وافى أبو أحمد فى عسكر الشماسية ووافت طلائع الأتراك إلى قريب من باب الشماسية فوجّه محمد بن عبد الله الحسين بن إسماعيل والشاه بن ميكال فيمن معهما.
فلمّا عاين الأتراك الأعلام والرايات قد أقبلت نحوهم انصرفوا إلى معسكرهم وانصرف الحسين والشاه. ثمّ وافى باب الشماسية إثنا عشر فارسا من الأتراك فشتموا من هناك ورموهم بسهامهم، وكان محمد تقدم ألّا يبدأهم بقتال، فلمّا فعلوا ذلك وأكثروا من الشتم والرمى أمر علّك [١] صاحب المنجنيق. فرموا بحجر أصاب فقتل واحد منهم فنزل أصحابه فحملوه وانصرفوا إلى معسكرهم. ثمّ وافى الأتراك باب [٢] الشماسية فرموا بالسهام [٣٨٢] وبحجارة المنجنيق والعرّادات وكان بينهم قتلى وجرحى.
وحمل محمد بن عبد الله الصلات لمن أبلى فى الحرب، وأطوقة وأسورة من ذهب، وكان الجرحى فى الفريقين متقاربين فى العدد، وانهزم عامة أهل بغداد وثبت أصحاب البواري وأحضرت الأتراك منجنيقا فغلبهم عليه الغوغاء وكسروا قائمة من قوائمه وأمر بحمل الآجرّ من قصر الطين وتلك الناحية إلى
стр. 1945
باب الشماسية، وفتح باب الشماسية وأخرج إلى الآجر من لقطه وردّوه إلى هذا الجانب من السور.
ثمّ وجّه محمد بن عبد الله الشاه بن ميكال من باب القطيعة وبندارا وخالدا وأمددا بالمبيّضة من أهل بغداد، فحمل الشاه والمبيّضة حملة أزالوا بها الأتراك والمغاربة ومن معهم عن موضعهم وحملت عليهم المبيّضة، فأصحروا بهم. وحمل عليهم الطبرية فخالطوهم وخرج عليهم المبيّضة، فأصحروا بهم. وحمل عليهم الطبرية فخالطوهم وخرج عليه بندار وخالد بن عمران من الكمين وكانوا كمناء من ناحية باب قطربل. فوضعوا فى أصحاب أبى أحمد السيف فقتل الأتراك وغيرهم فقتلوهم أبرح قتل ولم يفلت منهم إلّا القليل.
وانتهب المبيّضة عسكرهم وما كان فيه من المتاع والأنفال والمضارب والخرثىّ. فكان من أفلت منهم من السيف [٣٨٣] ورمى بنفسه فى دجلة ليعبر إلى عسكر أبى أحمد أخذه أصحاب السميريات [١] وكانت السميريات قد شحنت بالمقاتلة فقتلوا وأسروا وجعلت القتلى والرؤوس من الأتراك والمغاربة وغيرهم فى الزواريق، فنصبت بعضها فى الجسر وبعضها على باب محمد بن عبد الله.
وأمر محمد لمن أبلى فى هذا اليوم بالأسورة. فسوّر قوم كثير من الجند وغيرهم وطلبت المنهزمة فبلغ بعضهم أوانا وبعضهم إلى عسكر أبى أحمد، وبعضهم نفذ إلى سرّ من رأى. وخلع محمد على قوّاده على كلّ واحد أربع خلع وخرج المبيّضة والعيّارون فى طلب ما خلّفه المنهزمة.
فوجّه محمد فى آخر هذا اليوم أخاه عبيد الله بن عبد الله فى إثرهم حياطة لأهل بغداد لأنّه لم يأمن رجعتهم عليهم وأشير على محمد بن عبد
стр. 1946
الله أن يتبعهم بعسكر فى اليوم الثاني وفى تلك الليلة ليوغل فى آثارهم، فأبى ولم يتبع مولّيا ولم يأمر أن يجهز على جريح، وقبل أمان من استأمن وأمر سعيد بن حميد فكتب كتابا يذكر هذه الوقعة، فقرئ على أهل بغداد فى مساجد جوامعها.
وقدم محمد بن خالد بن يزيد بلد [١] ينتظر من يصير إليه وكان بالجزيرة.
فلمّا كان اضطراب الأتراك ودخول المستعين بغداد [٣٨٤] لم يمكنه المصير إلى بغداد إلّا من طريق الرقّة، فصار إليها بمن معه من خاصّته. ثمّ انحدر منها إلى بغداد، فصار إلى محمد بن عبد الله فخلع عليه خمس خلع: ديبقي وملحم وخزّ ووشى وسواد، ثمّ وجّه به فى جيش كثيف لمحاربة أيّوب بن أحمد، فأخذ على طريق الفرات فحاربه أيّوب فى نفر يسير فهزمه. فلمّا انتهى خبر هزيمته إلى محمد بن عبد الله قال:
- «ليس يفلح أحد من العرب إلّا أن يكون معه نبىّ ينصره الله به.» وكان للأتراك وقعات بباب الشمّاسية كثيرة يكون مرّة لهم ومرّة عليهم.
وإنّما تركنا ذكرها لأنّها لم تجر بحيلة ولا مكيدة ولا تدبير صائب، وإنّما كانت كالفتن التي تجرى على ما يتفق. [٢] وكان الغوغاء اجتمعوا بسرّ من رأى بعد هزيمة الأتراك الأولى لما رأوا ضعف المعتزّ، فانتهبوا سوق أصحاب الحلي والصيارف، فأخذوا جميع ما وجدوا فيها. فاجتمع التجّار إلى إبراهيم المؤيّد أخى المعتزّ فشكوا ذلك وأعلموه أنّهم قد كانوا ضمنوا لهم أموالهم وحفظها عليهم. فقال لهم المؤيّد:
- «كان ينبغي لكم أن تحوّلوا متاعكم إلى منازلكم ولم تكن عنده لذلك نكيرة.»
стр. 1947
وورد من البصرة سفن بحريّة تسمّى البوارج وهي عشرة، فيها [٣٨٥] نفّاطون وفى كلّ واحدة نجّار وخبّاز ومقاتلة. فكانوا يرمون الأتراك وعساكرهم بالنيران فانتقلوا من معسكرهم.
ظفر سليمان بعسكر الحسن بن زيد
وفى هذه السنة ظفر سليمان بن عبد الله بعسكر الحسن بن زيد فتنحّى الحسن عن طبرستان ولحق بالديلم. ووردت الكتب على السلطان بالفتح، وكتب نسخة كتاب الفتح على يد محمد بن طاهر. وكان سبب ذلك أنّ أهل آمل لقوا من عسكر الحسن بن زيد عبئا فأتوا سليمان بن عبد الله مظهرين توبة وإنابة، وتاب إليهم خلق كثير من جيشه فنهض إلى الحسن بن زيد بتعبئة وعدّة فهزمه واستولى على بلاد طبرستان وانقطعت أسباب الفتنة عنه.
وظفر محمد بن طاهر أيضا بالطالبىّ الذي كان بالري وأخذه أسيرا وكتب بالفتح.
وفرّق محمد بن عبد الله فى الكافر كوبات واستعمل منها شاكرا فرّقه فيهم.
فأثّروا فى الأتراك أثرا كبيرا وأحضر ينتويه رئيس العيّارين وسوّر ووصل بخمسمائة درهم وقدم من ناحية الرقّة مزاحم بن خاقان فتلقاه بنو هاشم وكان قدم معه من الخراسانية والأتراك والمغاربة ألف رجل معهم عتاد الحرب من كل صنف. فدخل بغداد ووصيف عن يمينه وبغا عن شماله ولمّا وصل خلع [٣٨٦] عليه سبع خلع وقلّد سيفا وخلع على كلّ واحد من ابنيه خمس خلع.
ثمّ كثرت الوقعات أيضا من أصحاب محمد بن عبد الله وأصحاب أبى أحمد وضرى العيّارون وأصحاب السواري عليهم، فكانوا ينتصفون منهم فرئي غلام لم يبلغ الحلم معه مخلاة فيها حجارة ومقلاع يرمى عنه فلا
стр. 1948
يخطئ وجوه الأتراك ووجوه دوابّهم واجتمع عليه أربعة من الفرسان الناشبة جعلوا يرمونه فيخطئونه وجعل يرميهم فلا يخطئ وتتقطّر بهم دوابّهم من رميه. فمضوا وحملوا معهم أربعة من رجّالة المغاربة بالرماح، فداخله اثنان منهم فرمى بنفسه فى الماء ودخلا خلفه فلم يلحقاه وعبر إلى الجانب الشرقي وصيّح بهما وكبّر الناس فرجع جميعهم ولم يصلوا إليه.
قدوم أبى الساج
وفى هذه السنة قدم أبو الساج من طريق مكة فى نحو من سبعمائة فارس ومعه ثمانية عشر محملا فيها ستة وثلاثون أسيرا من أسارى الأعراب فى الأغلال فدخل هو وأصحابه بغداد فى زي حسن وسلاح ظاهر فخلع عليه خمس خلع وانصرف إلى منزله.
وقدم أيضا بغداد حبشون ومعه يوسف بن يعقوب قوصرّة مولى الهادي فيمن كان مع موسى بن بغا من الشاكرية وانضمّ [٣٨٧] إليه عامّة الشاكرية المقيمون بالرقّة وهم ألف وثلاثمائة، فخلع عليه خمس خلع وعلى جماعة من الوجوه وانصرفوا إلى منازلهم.
وخلع على أبى الساج ديوداذ وعلى ابن فراشه، وعسكر أبو الساج فى سوق الثلاثاء وأعطى بغالا من بغال السلطان حمل عليها الرجّالة وأمر بالخروج إلى المدائن لضبطها. فحكى أنّ أبا الساج لمّا أمره محمد بن عبد الله بالشخوص إلى المدائن قال له:
- «أيّها الأمير عندي مشورة أشير بها.» قال: «قل يا أبا جعفر فإنك غير متّهم.» قال: «إن كنت تريد أن تجادّ هؤلاء القوم فالرأى لك ألّا تفارق قوّاده ولا تفرقهم، واجمعهم حتّى تفضّ هذا العسكر الذي بازائك، فإنك إذا فرغت من
стр. 1949
هؤلاء فما أقدرك على من وراءك.» فقال: «لى تدبير والله الكافي.» فقال له أبو الساج:
- «السمع والطاعة.» ومضى لما أمره به.
فلمّا صار إلى المدائن ثمّ إلى الصيّادة ابتدأ فى حفر خندق كسرى وكتب يستمدّ فوجّه إليه خمسمائة رجل. وكان شخوصه فى ثلاثة آلاف فارس وراجل ثمّ استمدّ حتّى حصل فى عسكره ثلاثة آلاف فارس وألفا راجل.
ووجّه محمد بن عبد الله إلى الأنبار نجوبة بن قيس فى الأعراب وأمره بالمقام بها والفرض [٣٨٨] لأعراب الناحية، فأثبت نحوا من ألفى رجل وأقام بالأنبار وضبطها فبلغه أنّ قوما من الأتراك قصدوه فبثق الماء من الفرات إلى خندق الأنبار وفاض من الصحارى إلى ناحية السيلحين. فصار ما يلي الأنبار بطيحة، وقطع القناطر وكتب يستمدّ فندب للخروج إليه رشيد بن كاوس أخو الأفشين فى ألف رجل وأمدّه ابن طاهر بثلاثمائة رجل انتخبهم من القادمين من الثغور. فرحل، وأخرج المعتزّ أبا نصر بن بغا من سرّ من رأى على طريق الإسحاقى فسار يومه وليلته، وصبّح الأنبار ساعة وصل رشيد فنزل رشيد خارج المدينة وكان نجوبة نازلا المدينة.
فلمّا وافى أبو نصر عاجل رشيدا وهم غارّون على غير تعبئة فوضع فيهم السيف وثار أصحاب رشيد إلى سلاحهم فقاتلوا الأتراك والمغاربة أشدّ قتال وقتلوا منهم جماعة، ثمّ انهزم الشاكرية ورشيد على الطريق الذي جاءوا منه وبلغ نجوبة [١] ما لقى رشيد وأصحابه، فعبر إلى الجانب الغربي وقطع جسر
стр. 1950
الأنبار وصار رشيد إلى المحوّل وسار نجوبة فى الجانب الغربي حتّى وافى بغداد ودخل رشيد فى هذه العشية إلى دار ابن طاهر وأعلم نجوبة محمد بن عبد الله أنّه عند [٣٨٩] مصير الأتراك إلى الأنبار وجّه إلى رشيد يسأله أن يوجّه إليه مائة رجل من الناشبة ليرتّبهم قدّام أصحابه فأبى ذلك، ثمّ سأل أن يضمّ إليه ناشبة ليصير إلى بنى عمّه فإنّهم مقيمون على الطاعة فى الجانب الغربي وضمن أن يتلافى ما كان منه، فضمّ إليه ثلاثمائة رجل من الناشبة والفرسان مع رجّالة منهم.
فمضى إلى قصر أبى هبيرة يستعدّ هناك واختار محمد بن عبد الله الحسين بن إسماعيل للأنبار ووجّه معه محمد بن رجاء الحصارى وعبد الله بن نصر بن حمزة ورشيد بن كاوس وجماعة من أهل النجدة وأمر للناس برزق أربعة أشهر ممّن يخرج مع الحسين. فامتنع من قدم من الثغور من قبض رزق أربعة أشهر لأنّ أكثرهم كانوا بغير دوابّ وقالوا نحتاج أن نقوّى فى أنفسنا ونشتري دوابّ، فوعدهم. ثمّ أرضوا برزق أربعة أشهر كما بدءوهم.
ثمّ أحضر الحسين مع قوّاده الكبار وهم نحو من عشرين قائدا فخلع عليه وقدّمت مرتبته إلى الفوج الثاني وكان فى الفوج الرابع وصيّر رشيد على المقدّمة ومحمد بن رجاء على الساقة وخرج الحسين إلى معسكره وأمر وصيف وبغا بتشييعه وأخرج لأهل العسكر من المال ستّة وثلاثون ألف دينار [٣٩٠] وسار الحسين وكان أهل الأنبار حين تنحّى نجوبة ورشيد وصار الأتراك والمغاربة إلى الأنبار ونادوا:
- «الأمان.» وأمروا بفتح حوانيتهم والتسوّق فيها، اطمأنّوا إلى ذلك منهم وسكنوا وطمعوا فى أن يفوا لهم، فأقاموا بذلك يومهم وليلتهم حتّى أصبحوا ووافت الأنبار سفن من الرقّة فيها دقيق وأطواف فيها زيت، فأخذوا جميعه وانتهبوا
стр. 1951
ما وجدوا وأخذوا الإبل والبغال والحمير ووجّهوا بذلك مع من يؤدّيه إلى منازلهم بسرّ من رأى مع رؤوس من قتل من أصحاب رشيد ومن أسروا، وكان الأسارى مائة وعشرين رجلا والرؤوس سبعين رأسا، وسار الحسين وانضمّ إليه نجوبة وكان بقصر ابن هبيرة وسأل لأصحابه مالا، فحمل إلى عسكر الحسين ثلاثة آلاف دينار لأصحاب بجونه [١] وحمل إلى الحسين مال وأطواق وأسورة لمن أبلى وأمدّ بالرجال فجاءه أبو السنا محمد بن عبدوس والجحّاف بن سوادة فى ألف فارس وراجل وجند انتخبوا من قيادات [٢] شتّى ونزل الحسين بعسكره إلى قريب من دممّا. [٣]
ذكر رأى أشير به عليه صواب
فأشار عليه رشيد والقوّاد أن ينزل عسكره بذلك الموضع لسعته وحصانته وأن يسير [٣٩١] فى قوّاده فى خيل جريدة. فإن كان الأمر له كان قادرا أن ينقل عسكره، وإن كان عليه انحاز إلى عسكره ثمّ راجع عدوّه.
فلم يقبل الرأى وحملهم على المسير من موضعهم ومن الموضعين فرسخان. فلمّا بلغوا الموضع الذي أراد الحسين النزول فيه أمر الناس بالنزول وكانت جواسيس الأتراك فى عسكر الحسين فصاروا إليهم فأعلموهم رحيل الحسين، وضيق معسكره الذي نزل به، فوافوهم والناس يحطّون أثقالهم.
فثار أهل العسكر فكانت بينهم قتلى، ثمّ حمل أصحاب الحسين عليهم فكشفوهم كشفا قبيحا وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وغرق منهم خلق. وكان
стр. 1952
الأتراك قد كمنوا قوما فخرج الكمين على بقية العسكر فلم تكن لهم همّة إلّا الهرب ولا ملجأ إلّا الفرات. فغرق خلق وقتل جماعة. فأمّا الفرسان فضربوا دوابّهم لا يلوون على شيء والقوّاد ينادونهم يسألونهم الرجعة فلم يرجع أحد. وأبلى محمد بن رجاء ورشيد ونجوبة بلاء حسنا ولم يكن لمن انهزم معقل دون الياسرية على باب بغداد فلم يملك القوّاد أمور أصحابهم فأشفقوا حينئذ على أنفسهم فانثنوا راجعين وراءهم يحمونهم من أدبارهم أن يتبعوا وحوى الأتراك عسكر الحسين. [٣٩٢] ولقى رجل من التجّار فى جماعة ممّن ذهبت أموالهم فى عسكر الحسين.
فقال له:
- «الحمد لله الذي بيّض وجهك أصعدت فى اثنى عشر يوما ورجعت فى يوم واحد.» فتغافل عنه.
وأمر ابن طاهر الشاه بن ميكال فى صبيحة الليلة التي وافى فيها الحسين أن يتلقاه ويمنعه من دخول بغداد، فلقيه فى الطريق فردّه إلى بستان الحروى فأقام يومه. فلمّا كان الليل صار إلى دار ابن طاهر فوبّخه ابن طاهر وأمره بالرجوع إلى الياسرية، ثمّ أمر بإخراج مال لإعطاء شهر واحد لأهل هذا العسكر، فحملت تسعة آلاف دينار وصار كتاب ديوان العطاء وديوان العرض إلى الياسريّة لعرض الجند وإعطاءهم.
ونودى ببغداد فيمن يدخلها من الجند الذين فى عسكر الحسين أن يلحقوا بالحسين فى عسكره وأجّلوا ثلاثة أيّام فمن وجد منهم ببغداد بعد ثالثة ضرب ثلاثمائة سوط وقرض اسمه من الديوان فخرج الناس.
وأمر خالد بن عمران فى الليلة التي قدم فيها الحسين أن يعسكر بأصحابه بالمحوّل ورحل الحسين وكتب إلى خالد بن عمران أن يرحل متقدّما أمامه
стр. 1953
فامتنع خالد من ذلك وذكر أنّه لا يبرح حتّى يأتيه قائد فى جند كثيف فيقيم مكانه لأنّه يتخوّف أن [٣٩٣] يأتيه الأتراك من خلفه من عسكرهم. وصار إلى الحسين رجل فأخبره أنّ الأتراك قد دلّوا على عدّة مواضع من الفرات تخاض إلى عسكره. فأمر بضرب الرجل مائتي سوط ووكّل بمواضع المخاوض رجلا من قوّاده يقال له الحسن بن علىّ بن يحيى الأرمنى فى مائة فارس ومائة راجل، فطلع أوّل القوم فخرج إليهم وقد أتاه منهم أربعة عشر علما، فقاتل أصحابه ساعة ووكّل بالقنطرة أبا السنا وأمر أن يمنع من انهزم من العبور فأبى الأتراك المخاضة فرأوا الموكّل بها فتركوه واقفا وصاروا إلى مخاضة أخرى من خلف المتوكّل فصبر الحسين بن على وقاتل وقيل للحسين بن إسماعيل، فقصد نحوه فلم يصل إليه حتّى انهزم وانهزم خالد بن عمران ومنعهم أبو السنا من العبور على القنطرة، فرجع الرجّالة والخراسانية فرموا بأنفسهم فى الفرات فغرق من لم يكن يحسن السباحة وعبر من كان يحسنها فنجا عريان، وخرج إلى جزيرة لا يصل منها إلى الشاطئ لما عليه من الأتراك.
فذكر عن بعض جند الحسين أنّه قال: بعث الحسين بن علىّ الأرمنى إلى الحسين بن إسماعيل:
- «إنّ الأتراك قد وافوا المخاضة.» فأتاه الرسول فقال الحاجب:
- «الأمير نائم.» فرجع الرسول [٣٩٤] فأعلمه فردّ رسولا ثانيا. فقال له الحاجب:
- «الأمير فى المخرج.» فرجع فأخبره فردّ رسولا ثالثا فقال:
- «قد خرج من المخرج ونام.»
стр. 1954
وجاءت الصبيحة وعبر الأتراك فقعد الحسين فى زورق وانحدر واستأمن قوم من الخراسانية رموا ثيابهم وسلاحهم وقعدوا على الشاطئ عراة وشدّ أصحاب أعلام الأتراك حتّى ضربوا أعلامهم على مضرب الحسين واقتطعوا السوق ولحق الأتراك أصحاب الحسين فوضعوا فيهم السيف فقتلوا وأسروا نحوا من مائتين وغرق خلق كثير ووافى الحسين والمنهزمة نصف الليل ووافى فلّهم وبقيّتهم بالنهار وفيهم جرحى كثير وفقد جماعة من القوّاد.
وورد كتاب أبى الساج بوقعة كانت له مع الأتراك ورئيسهم بايكباك فهزم الأتراك وقتل بايكباك وغرق منهم خلق كثير فحمل إليه محمد بن عبد الله بن طاهر عشرة آلاف دينار صلة ومعونة وخمسة أبواب خلعية وسيف.
وفى هذه السنة نقبت الأتراك السور الذي عليه أصحاب ابن طاهر من ناحية بغواريا [١] فى موضعين ودخلوهما وقاتلهم أصحاب ابن طاهر فهزموهم حتّى وافوا باب الأنبار وعليه إبراهيم بن محمد بن مصعب وابن أبى خالد وغيره وهم لا يعلمون بما وراءهم ويقاتلون من بين أيديهم [٣٩٥] قتالا شديدا. ثمّ إنّهم علموا بهم فانهزموا لا يلوون على شيء فضرب الأتراك باب الأنبار بالنار فاحترق وأحرقوا ما كان هناك من المجانيق والعرّادات ودخلوا بغداد حتّى صاروا إلى باب الحديد من الشارع إلى موضع الدواليب فأحرقوا كلّ شيء قرب من ذلك الموضع من أمامهم ووراءهم ونصبوا أعلامهم وانهزم الناس.
فركب محمد بن طاهر فى السلاح ووافاه القوّاد فوجههم إلى باب الأنبار وباب بغواريا وجميع الأبواب التي فى الجانب الغربي وشحنها بالرجال، وركب بغا ووصيف والشاه بن ميكال وتوجّهوا إلى هذه الأبواب. فقتل من
стр. 1955
الأتراك خلق كثير ووجّه برؤوسهم إلى ابن طاهر وكاثرهم الناس حتّى أخرجوهم من بغداد بعد أن قتل منهم خلق كثير. فلمّا انصرفوا وكّل بغا بالباب من يحفظه ووجّه فى حمل الآجر والجصّ وأمر بسده.
وفيها وافى بغداد بالفردك بن ابرنكجيل [١] الأسروشنى فأمر له محمد بن عبد الله بفرض وضمّ إليه رجالا من الشاكرية وأمر أن يعسكر بالكناسة ويجمع مع المظفر بن سيسل [٢] بالياسرية فى ضبط تلك الناحية ويكون أمرهما واحدا فاختلفا وكتب كلّ واحد [٣٩٦] منهما يشكو الآخر ويستعفى من المقام بالكناسة فأفرد بالموضع بالفردك وأعفى المظفّر.
مقتل بالفردك
وفى آخر ليلة بقيت من شهر رمضان من هذه السنة قتل بالفردك.
ذكر السبب فى ذلك كان سبب قتله أنّ أبا نصر ابن بغا لمّا غلب على الأنبار وهزم جيوش ابن طاهر من تلك الناحية فأجلاهم [عنها] بثّ خيله ورجاله فى أطراف بغداد وصار إلى قصر ابن هبيرة وبها نجوبه بن قيس من قبل ابن طاهر، فهرب منه من غير قتال. ثمّ صار أبو نصر إلى نهر صرصر واتصل بابن طاهر خبره وخبر وقعة كانت بين أبى الساج والأتراك بجرجرايا وخذلان من معه إيّاه ندب بالفردك إلى اللحاق بأبى الساج والمصير إليه بمن معه، فسار فى أصحابه لليلتين بقيتا من شهر رمضان فسار يومه وصبّح المدائن فوافاها مع موافاة الأتراك وبالمدائن أصحاب إبن طاهر، فقاتلهم الأتراك فانهزموا ولحق
стр. 1956
من فيها من القوّاد بأبى الساج وقاتل قتالا شديدا. فلمّا رأى انهزام من هناك مضى متوجّها نحو أبى الساج فأدرك فقتل وقيل إنّه غرق.
انهزام الترك فى وقعة بغداد
وفى هذه السنة كانت وقعة عظيمة لأهل بغداد هزموا فيها الأتراك وانتهبوا فيها عسكرهم.
وكان سبب ذلك أنّ أبواب بغداد كلّها فتحت من الجانبين ونصبت المجانيق والعرّادات فى الأبواب كلّها والسيارات [١] فى دجلة وخرج منها الجند كلهم وخرج ابن طاهر وبغا ووصيف وتزاحف الفريقان واشتدّت الحرب إلى باب القطيعة، ثمّ عبروا إلى باب الشمّاسية وقعد ابن طاهر فى قبّة ضربت عليه وأقبلت الرماة من بغداد بالناوكية فى الزواريق، فربّما انتظم السهم الواحد عدّة منهم فقتلهم فهزم الأتراك وتبعهم أهل بغداد حتّى صاروا إلى عسكرهم، فانتهبوا سوقهم وهرب الأتراك على وجوههم لا يلوون على شيء وحملت الرؤوس حتّى كثرت. فجعل وصيف وبغا يقولان:
- «كلّما جيء برأس ذهب والله الموالي واتّبعهم أهل بغداد إلى الروذبار.» ووقف أبو أحمد ابن المتوكّل يردّ الموالي ويخبرهم أنّهم إن لم يكرّوا لم يبق لهم بقيّة وأنّ القوم يتبعونهم إلى سرّ من رأى. فتراجعوا وثاب بعضهم وأقبلت العامّة تحزّ رؤوس من قتل وجعل محمد بن عبد الله يطوّق كلّ من جاء برأس ويصله حتّى كثر ذلك وبدت الكراهة [٣٩٨] فى وجوه من كان مع بغا ووصيف من الأتراك والموالي.
стр. 1957
للأتراك يقدمها علم أحمر [١]
وأقبلت أعلام للحسن بن الأفشين مع الأعلام التي قد استلبه غلام لشاهك فنسي أن ينكسه، فلمّا رأى الناس العلم الأحمر ومن خلفه توهّموا أنّ الأتراك قد رجعوا عليهم فانهزموا وأراد بعض من وقف أن يقتل غلام شاهك، ففهمه ونكس العلم والناس قد ازدحموا منهزمين وتراجع الأتراك إلى معسكرهم ولم يعلموا بهزيمة أهل بغداد، فحملوا عليهم ووضعت الحرب أوزارها فلم تكن بعد ذلك وقعة.
ذكر السبب فى ذلك كان السبب فى ذلك أنّ ابن طاهر كان يكاتب المعتزّ فى الصلح. فلمّا كانت هذه الوقعة أنكرت فكتب أنّه لا يعود بعدها.
ثمّ أغلقت أبواب بغداد فاشتدّ عليهم الحصار فصاحوا على أبواب ابن طاهر:
- «الجوع، الجوع.» وكان الناس يجتمعون فى الجزيرة التي تلقاء دار ابن طاهر ويشتمونه.
فراسل ابن طاهر المعتزّ فى الصلح واضطرب أمر أهل بغداد فوافى من سرّ من رأى حمّاد بن إسحاق بن حمّاد [٣٩٩] ووجّه مكانه رهينة عنه أبو سعيد الأنصارى، فلقى حمّاد ومحمد بن طاهر فخلا به ولم يذكر ما جرى بينهما.
ثمّ انصرف حمّاد إلى عسكر أبى أحمد ورجع أبو سعيد إلى بغداد وأمر ابن طاهر بإطلاق جميع من فى الحبوس ممّن كان حبس بسبب ما كان بينه
стр. 1958
وبين أبى أحمد من الحروب ومعاونته إيّاه فأطلقوا.
وفى غد هذا اليوم اجتمع قوم من رجّالة الجند وكثير من العامّة. أمّا الجند فطلبوا أرزاقهم وأمّا العامّة فشكت سوء الحال التي هم بها من الضيق وغلاء السعر وشدّة الحصار وقالوا:
- «إمّا خرجت فقاتلت وإمّا تركتنا نمضي فى البلاد.» فوعدهم الخروج أو فتح الباب للصلح ورفق بهم ومنّاهم، ثمّ اجتمع الجند والناس من العوامّ مرّة أخرى، وكان ابن طاهر قد شحن الجزيرة بالخيل وكذلك باب داره والجسر، فحصر الجزيرة بشر كثير فطردوا من كان ابن طاهر رتّبهم فيها.
ثمّ صاروا إلى الجسر فطردوا من كان هناك من أصحاب ابن طاهر وصاروا إلى الحبس فمانعهم أبو مالك الموكّل بالمحبس الشرقي فشجّوه وجرجوا دابّتين لأصحابه فدخل داره وخلّاهم فانتهبوا ما فى مجلسه. [٤٠٠] ثمّ عبر إليهم محمد بن أبى عون فضمن للجند رزق أربعة أشهر فانصرفوا.
ووجّه أبو أحمد خمس سفائن من دقيق وحنطة وشعير وقتّ إلى ابن طاهر فوصلت إليه، ثمّ علم الناس بما عليه ابن طاهر من خلعه المستعين وبيعته للمعتزّ ووجّه ابن طاهر قوّاده إلى أبى أحمد حتّى بايعوه للمعتزّ فخلع على كلّ واحد منهم أربع خلع، وظنّت العامّة أن الصلح جرى بأنّ الخليفة المستعين وانّ المعتزّ ولى عهده بعده.
فلمّا كان بعد ذلك خرج رشيد بن كاوس مع قائدين آخرين ووجّهوا إلى الأتراك بأنّه على المصير إليهم ليكون معهم فوافاه من الأتراك زهاء ألف فارس فخرج إليهم على أنّ الصلح قد وقع فسلّم عليهم وعانق من عرف منهم وأخذوا بلجام دابّته ومضوا به وبابنه فى إثره. فلمّا كان من الغد صار رشيد إلى باب الشمّاسية وقال حين كلّم الناس:
стр. 1959
- «إنّ أمير المؤمنين وأبا أحمد يقرءان عليكم السلام ويقولان لكم: من دخل فى طاعتنا قرّبناه ووصلناه ومن أبى ذلك فهو أعلم.» فشتمه العامّة ثمّ طاف على جميع الأبواب الشرقية بمثل ذلك وهو يشتم [٤٠١] فى كلّ باب [ويشتم] [١] المعتزّ. فلمّا فعل رشيد ذلك علمت العامّة ما عليه ابن طاهر، فمضت إلى الجزيرة التي بحيال دار ابن طاهر فصاحوا به وشتموه أقبح شتم، ثمّ صاروا إلى بابه ففعلوا مثل ذلك. فخرج إليهم راغب الخادم فحضّهم على ما فعلوا بالمستعين ثمّ مضى إلى الحظيرة التي فيها الجيش فحضّهم، فصاروا إلى باب ابن طاهر فكشفوا من عليه وردّوهم فلم يبرحوا وقاتلوهم حتّى صاروا إلى دهليزه وأرادوا حرق الباب الداخل فلم يجدوا نارا وقد كانوا بالجزيرة الليل كلّه يشتمونه ويتناولونه بالقبيح.
فذكر عن ابن شجاع البلخي قال: كنت عند الأمير ويحدّثنى ويسمع ما يقذف به من كلّ إنسان حتّى ذكروا اسم أمّه. فضحك ثمّ قال:
- «يا با عبد الله والله ما أدرى كيف عرفوا اسم أمّى. ولقد كان كثير من جواري أبى العباس عبد الله بن طاهر لا يعرفون اسمها» فقلت له:
- «أيّها الأمير ما رأيت أوسع من حلمك.» فقال لى:
- «ما رأيت أوفق من الصبر عليهم، ولا بدّ من ذلك.» فلمّا أصبحوا وافوا الباب وصاحوا وصار ابن طاهر إلى المستعين يسأله أن يطّلع عليهم ويسكنهم ويعلمهم ما هو عليه.
- «فأشرف عليهم من أعلى الباب [٤٠٢] وعليه البردة والطويلة وابن طاهر
стр. 1960
إلى جانبه. فحلف لهم بالله: ما أتّهمه وإنّى لفى عافية، ما علىّ منه باس وأنّه لم يخلع.» ووعدهم أن يخرج فى غد وهو يوم الجمعة فيصلّى بهم ويظهر لهم.
فانصرف عامّتهم بعد قتلى وقعت.
فلمّا كان يوم الجمعة بكّر الناس بالصياح يطلبون المستعين وانتهبوا دوابّ علىّ بن جهشيار وجميع ما كان فى منزله وهرب ولم يزل الناس وقوفا إلى أن ارتفع النهار، فوافى وصيف وبغا وأولادهما وقوّادهما ومواليهما وأخوال المستعين، فصاروا مع الناس جميعا إلى الباب فدخل وصيف وبغا فى خاصّتهما ودخل أخوال المستعين معهم إلى الدهليز فوقفوا على دوابّهم وأعلم ابن طاهر بمكان الأخوال فأذن لهم فأبوا وقالوا:
- «ليس هذا يوم نزول عن ظهور دوابّنا إلّا بعد أن نعرف نحن والعامّة حقيقة أمرنا.» فلم تزل الرسل تختلف إليهم وهم يأبون. فخرج إليهم محمد بن عبد الله بنفسه وسألهم النزول والدخول إلى المستعين فأعلموه أنّ العامّة قد ضجّت ممّا يبلغها وصحّ عندها ما أنت عليه من خلع المستعين والبيعة للمعتزّ وإرادتك [٤٠٣] التهويل ليصير الأمر إليه وإدخال الأتراك والمغاربة بغداد فيحكموا فيهم بحكمه واستراب بك أهل بغداد واتّهموك على خليفتهم وأموالهم وأولادهم وأنفسهم وسألوا إخراج الخليفة إليهم ليروه ويكذّبوا ما بلغهم فيه. [١] فلمّا تبيّن محمد بن عبد الله ذلك الأمر ونظر إلى كثرة اجتماع الناس وضجّتهم سأل المستعين الخروج إليهم فخرج إلى دار العامّة التي كان يدخلها
стр. 1961
جميع الناس فنصب له فيها كرسىّ وأدخل إليه جماعة من الناس فنظروا إليه.
ثمّ خرجوا إلى من وراءهم فأعلموهم صحّته فلم يقنعوا بذلك وعرف ابن طاهر كثرة الناس وأنّهم لا يسكنون فأمر بإغلاق باب الحديد الخارج فأغلق وصار هو وأخواله ومحمد بن موسى المنجّم وغيرهم إلى الدرجة التي تفضى إلى سطوح دار العامّة وخزائن السلاح. ثمّ نصبت لهم سلاليم على سطوح المسجد الذي يجلس فيه محمد بن عبد الله فأشرف المستعين على الناس وعليه سواد وفوق السواد بردة النّبى صلى الله عليه ومعه القضيب وتكلّم الناس وكلّمهم وناشدهم وسألهم بحقّ صاحب هذه البردة إلّا انصرفوا، فإنّه فى أمن وسلامة [٤٠٤] ولا بأس عليه من محمد بن عبد الله.
فسألوه الركوب معهم والخروج من دار محمد بن عبد الله، فإنّهم لا يأمنونه عليه. فأعلمهم أنّه على النقلة منها إلى دار عمّته أمّ حبيب بنت الرشيد بعد أن يصلح له ما ينبغي، وبعد أن تحوّل أمواله وخزائنه وسلاحه وفرشه وجميع ما له فى دار محمد. فانصرف الناس وسكن أهل بغداد.
ولمّا فعل أهل بغداد ما فعلوا من اجتماعهم على ابن طاهر مرّة بعد مرّة وإسماعهم إيّاه المكروه وتقدّم إلى أصحاب المعاون ببغداد بتسخير ما قدروا عليه من الإبل والبغال والحمير لينتقل عنهم وأشيع أنّه يقصد المدائن، فاجتمع إلى بابه مشايخ الحربية والأرباض يعتذرون إليه ويسألونه الصفح ويذكرون أنّ ذلك كان من فعل الغوغاء والسفهاء لسوء الحال التي كانوا عليها من الضرّ. فردّ عليهم ردّا جميلا وأثنى عليهم وصفح عمّا كان منهم وتقدّم إليهم بالتقدّم إلى شبابهم وسفهاءهم والأخذ على أيديهم، وأجابهم إلى ترك النقلة وكتب إلى أصحاب المعاون بترك التسخير.
وانتقل المستعين من دار محمد بن عبد الله وصار إلى دار رزق الخادم فى الرصافة فوصل إليها مساء فأمر [٤٠٥] للفرسان من الجند حين صار إليها
стр. 1962
بعشرة دنانير لكلّ فارس وللراجل بخمسة دنانير لكلّ واحد، وركب بركوب المستعين ابن طاهر وبيده الحربة يسير بها بين يديه والقواد خلفه، وأقام مع المستعين ليلة ثمّ انصرف، ولمّا انتقل المستعين اجتمع الناس والقوّاد وبنو هاشم للمصير إلى ابن طاهر والتسليم عليه وأن يسيروا معه إذا ركب إلى الرصافة. فصاروا إليه وحضر الضحى الأكبر من ذلك اليوم، فركب ابن طاهر وجميع قوّاده فى تعبئة وحوله ناشبة رجّالة. فلمّا خرج من داره وقف الناس فعاتبهم ثمّ حلف لهم أنّه ما أضمر لأمير المؤمنين أعزّه الله ولا لولد له ولا لأحد من الناس سوءا وأنّه ما يريد إلّا إصلاح أحوالهم وما تدوم به النعمة عليهم وأنّهم قد توهّموا عليه ما لم يعرفه حتّى أبكى عيون الناس فدعوا له.
ثمّ ركب وعبر الجسر فصار إلى المستعين.
وذكر أنّ المستعين كان كارها للنقلة عن دار محمد بن عبد الله ولكنّه انتقل من أجل أنّ الناس ركبوا الزواريق بالنفّاطين ليضربوا روشن ابن طاهر بالنار لما صعب عليه فتح الباب وكان يسمع دائما شتم الناس له وتناولهم عرضه بالقبيح. [٤٠٦] ثمّ إنّ قوما وقفوا بباب الشمّاسية من قبل أبى أحمد فطلبوا ابن طاهر ليكلّموه. فكتب صالح إلى وصيف يعلمه خبر القوم ويسأله أن يعلم المستعين ذلك ليأمر فيه بما يرى، فردّ المستعين الأمر فيه إليه وقال:
- «إنّ التدبير فى جميع أموره مردود إليه.» فتقدّم فيه محمد بما رأى.
ولم يزل بعد ذلك أحمد بن إسرائيل والحسن بن مخلد وعبد الله بن يحيى يفتلون فى الذروة والغارب ويشيرون على محمد بالصلح. فذكر قوم أنّهم سألوا سعيد بن حميد بعد ذلك بدهر وقالوا:
- «ما ينبغي أن يكون محمد إلّا مداهنا وأنّه كان انطوى على غلّ فى أوّل
стр. 1963
أمره.» فقال: «وددت أنّه كان كذلك، لا والله ما هو إلّا أن هزم أصحابه من المدائن والأنبار حتّى توالت الهزائم عليه.» فأجاب القوم بعد أن كان قد جادّهم.
وحكى أحمد بن يحيى النحوي وكان يؤدّب ولد ابن طاهر: أنّ محمد بن عبد الله لم يزل جادّا فى نصرة المستعين حتّى أحفظه عبد الله بن يحيى بن خاقان، فقال له:
- «أطال الله بقاءك، إنّ هذا الذي تنصره بجدك وجهدك من أشدّ الناس نفاقا وأخبثهم دينا. والله لقد أمر وصيفا وبغا بقتلك فاستعظما [٤٠٧] ذلك ولم يفعلاه فإن شككت فى ذلك فسل تخبر، ومن ظاهر نفاقه أنّه كان بسرّ من رأى لا يجهر فى صلاته ب: بسم الله الرحمان الرحيم، فلمّا صار إليك جهر بها مراءاة لك، ويترك نصرة وليّك وتربيتك وصهرك.» ونحو ذلك من الكلام.
فقال محمد بن عبد الله:
- «هذا ما يصلح لدين ولا لدنيا.» فكان أوّل ما صدّ محمدا عن الجدّ فى أمر المستعين. ثمّ ظاهر عبد الله بن يحيى على ذلك أحمد بن إسرائيل والحسن بن مخلد حتّى صرفوه عن رأيه فى نصرة المستعين.
وركب محمد بن عبد الله يوما إلى المستعين وحضر عدّة من الفقهاء والقضاة. فقال للمستعين:
- «قد كنت فارقتني على أن تنفذ أمرى فى كلّ ما أعزم عليه، ولك عندي بخطّك رقعة بذلك.» فقال المستعين:
стр. 1964
- «أحضر الرقعة.» فأحضرها فإذا فيها ذكر الصلح وليس فيها ذكر الخلع. فقال:
- «نعم أنفذ الصلح.» فقام ابن الجبلي فقال:
- «يا أمير المؤمنين إنّه يسألك أن تخلع قميصا قمّصكه والله .» وتكلّم قوم وتكلّم علىّ بن يحيى المنجّم فأغلظ لمحمد بن عبد الله فاحتمله ثمّ ضرب لمحمد بن عبد الله بباب الشمّاسية مضرب كبير أحمر وخرج مع مائتي فارس ومائتي راجل إلى المضرب، وجاءه أبو أحمد فخرج إليه ودخل معه المضرب [٤٠٨] ووقف الجند الذين مع كلّ واحد منهما ناحية. فتناظر ابن طاهر وأبوه أحمد طويلا ثمّ خرجا من المضرب وانصرف ابن طاهر إلى داره فى زلال. ثمّ ركب من داره ومضى إلى المستعين يخبره بما دار بينه وبين أبى أحمد، فأقام عنده إلى العصر ثمّ انصرف.
فحكى أنّه فارقه على أن يعطى خمسين ألف دينار ويقطع غلّة ثلاثين ألف دينار فى السنة على أن يكون مقامه ببغداد حتّى يحمل له مال يعطى الجند وعلى أن يولى بغا مكّة والمدينة والحجاز ووصيف الجبل، ويكون ثلث ما يجيء من المال لمحمد بن عبد الله وجند بغداد والثلثان للموالي والأتراك.
ثمّ ركب ابن طاهر فى ذى الحجّة من هذه السنة ليناظره فى الخلع، فناظره فامتنع عليه، وظنّ المستعين أنّ بغا ووصيفا معه فكاشفاه. فقال المستعين:
- «هذه عنقي والسيف [والنطع] [١] .» فلمّا رأى امتناعه انصرف عنه.
стр. 1965
وبعث المستعين إلى ابن طاهر بعلىّ بن يحيى وقوم من ثقاته وقال لهم:
- «قولوا: اتّق الله إنّما جئتك لتدفع عنّى فإن لم تدفع عنّى فكفّ عنّى.» فردّ عليه:
- «أمّا أنا فأقعد فى بيتي ولكن لا بدّ لك من خلعها طائعا أو مكرها.» وذكر عن علىّ بن يحيى [٤٠٩] أنّه قال:
- «قل له إن خلعتها فلا بأس عليها فو الله لقد تمزّقت تمزّقا لا ترقع أبدا وما تركت فيها فضلا.»
إجابة المستعين إلى الخلع
فلمّا رأى المستعين ضعف أمره ولم يجد ناصرا أجاب إلى الخلع على شريطة أشياء سألها. ولم يقنع المستعين إلّا بخروج ابن كردية إلى المعتزّ وهو من ولد المنصور وجماعة معه من ثقاته، وكان فى شروطه أن ينزل مدينة الرسول ﵇ وأن يكون مضطربه من مكّة إلى المدينة ومن مدينة إلى مكّة. فأجابه إلى ذلك. وكان سبب استجابة المستعين إلى الخلع أنّ وصيفا وبغا وابن طاهر أشاروا عليه بذلك فأغلظ لهم، فقال له وصيف:
- «أنت أمرتنا بقتل باغر فصرنا إلى ما نحن فيه وأنت عرّضتنا لقتل أوتامش وقلت إنّ محمدا ليس بناصح فاقتلوه.» فقال محمد:
- «وقد قلت إنّ الأمر لا يصلح إلّا بالاستراحة من هذين.» فلمّا اجتمعت كلمتهم أذعن بالخلع.
ولمّا كان يوم السبت لعشر بقين من ذى الحجّة، ركب محمد بن عبد الله إلى الرصافة وجميع القضاة والفقهاء، فأدخلهم إلى المستعين فوجا فوجا وأشهدهم عليه أنّه قد صيّر أمره إلى محمد بن عبد الله، ثمّ أدخل البوّابين