← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

جميع الناس فنصب له فيها كرسىّ وأدخل إليه جماعة من الناس فنظروا إليه. ثمّ خرجوا إلى من وراءهم فأعلموهم صحّته فلم يقنعوا بذلك وعرف ابن طاهر كثرة الناس وأنّهم لا يسكنون فأمر بإغلاق باب الحديد الخارج فأغلق وصار هو وأخواله ومحمد بن موسى المنجّم وغيرهم إلى الدرجة التي تفضى إلى سطوح دار العامّة وخزائن السلاح. ثمّ نصبت لهم سلاليم على سطوح المسجد الذي يجلس فيه محمد بن عبد الله فأشرف المستعين على الناس وعليه سواد وفوق السواد بردة النّبى صلى الله عليه ومعه القضيب وتكلّم الناس وكلّمهم وناشدهم وسألهم بحقّ صاحب هذه البردة إلّا انصرفوا، فإنّه فى أمن وسلامة [٤٠٤] ولا بأس عليه من محمد بن عبد الله. فسألوه الركوب معهم والخروج من دار محمد بن عبد الله، فإنّهم لا يأمنونه عليه. فأعلمهم أنّه على النقلة منها إلى دار عمّته أمّ حبيب بنت الرشيد بعد أن يصلح له ما ينبغي، وبعد أن تحوّل أمواله وخزائنه وسلاحه وفرشه وجميع ما له فى دار محمد. فانصرف الناس وسكن أهل بغداد. ولمّا فعل أهل بغداد ما فعلوا من اجتماعهم على ابن طاهر مرّة بعد مرّة وإسماعهم إيّاه المكروه وتقدّم إلى أصحاب المعاون ببغداد بتسخير ما قدروا عليه من الإبل والبغال والحمير لينتقل عنهم وأشيع أنّه يقصد المدائن، فاجتمع إلى بابه مشايخ الحربية والأرباض يعتذرون إليه ويسألونه الصفح ويذكرون أنّ ذلك كان من فعل الغوغاء والسفهاء لسوء الحال التي كانوا عليها من الضرّ. فردّ عليهم ردّا جميلا وأثنى عليهم وصفح عمّا كان منهم وتقدّم إليهم بالتقدّم إلى شبابهم وسفهاءهم والأخذ على أيديهم، وأجابهم إلى ترك النقلة وكتب إلى أصحاب المعاون بترك التسخير. وانتقل المستعين من دار محمد بن عبد الله وصار إلى دار رزق الخادم فى الرصافة فوصل إليها مساء فأمر [٤٠٥] للفرسان من الجند حين صار إليها

стр. 1962

بعشرة دنانير لكلّ فارس وللراجل بخمسة دنانير لكلّ واحد، وركب بركوب المستعين ابن طاهر وبيده الحربة يسير بها بين يديه والقواد خلفه، وأقام مع المستعين ليلة ثمّ انصرف، ولمّا انتقل المستعين اجتمع الناس والقوّاد وبنو هاشم للمصير إلى ابن طاهر والتسليم عليه وأن يسيروا معه إذا ركب إلى الرصافة. فصاروا إليه وحضر الضحى الأكبر من ذلك اليوم، فركب ابن طاهر وجميع قوّاده فى تعبئة وحوله ناشبة رجّالة. فلمّا خرج من داره وقف الناس فعاتبهم ثمّ حلف لهم أنّه ما أضمر لأمير المؤمنين أعزّه الله ولا لولد له ولا لأحد من الناس سوءا وأنّه ما يريد إلّا إصلاح أحوالهم وما تدوم به النعمة عليهم وأنّهم قد توهّموا عليه ما لم يعرفه حتّى أبكى عيون الناس فدعوا له. ثمّ ركب وعبر الجسر فصار إلى المستعين. وذكر أنّ المستعين كان كارها للنقلة عن دار محمد بن عبد الله ولكنّه انتقل من أجل أنّ الناس ركبوا الزواريق بالنفّاطين ليضربوا روشن ابن طاهر بالنار لما صعب عليه فتح الباب وكان يسمع دائما شتم الناس له وتناولهم عرضه بالقبيح. [٤٠٦] ثمّ إنّ قوما وقفوا بباب الشمّاسية من قبل أبى أحمد فطلبوا ابن طاهر ليكلّموه. فكتب صالح إلى وصيف يعلمه خبر القوم ويسأله أن يعلم المستعين ذلك ليأمر فيه بما يرى، فردّ المستعين الأمر فيه إليه وقال: - «إنّ التدبير فى جميع أموره مردود إليه.» فتقدّم فيه محمد بما رأى. ولم يزل بعد ذلك أحمد بن إسرائيل والحسن بن مخلد وعبد الله بن يحيى يفتلون فى الذروة والغارب ويشيرون على محمد بالصلح. فذكر قوم أنّهم سألوا سعيد بن حميد بعد ذلك بدهر وقالوا: - «ما ينبغي أن يكون محمد إلّا مداهنا وأنّه كان انطوى على غلّ فى أوّل

стр. 1963

أمره.» فقال: «وددت أنّه كان كذلك، لا والله ما هو إلّا أن هزم أصحابه من المدائن والأنبار حتّى توالت الهزائم عليه.» فأجاب القوم بعد أن كان قد جادّهم. وحكى أحمد بن يحيى النحوي وكان يؤدّب ولد ابن طاهر: أنّ محمد بن عبد الله لم يزل جادّا فى نصرة المستعين حتّى أحفظه عبد الله بن يحيى بن خاقان، فقال له: - «أطال الله بقاءك، إنّ هذا الذي تنصره بجدك وجهدك من أشدّ الناس نفاقا وأخبثهم دينا. والله لقد أمر وصيفا وبغا بقتلك فاستعظما [٤٠٧] ذلك ولم يفعلاه فإن شككت فى ذلك فسل تخبر، ومن ظاهر نفاقه أنّه كان بسرّ من رأى لا يجهر فى صلاته ب: بسم الله الرحمان الرحيم، فلمّا صار إليك جهر بها مراءاة لك، ويترك نصرة وليّك وتربيتك وصهرك.» ونحو ذلك من الكلام. فقال محمد بن عبد الله: - «هذا ما يصلح لدين ولا لدنيا.» فكان أوّل ما صدّ محمدا عن الجدّ فى أمر المستعين. ثمّ ظاهر عبد الله بن يحيى على ذلك أحمد بن إسرائيل والحسن بن مخلد حتّى صرفوه عن رأيه فى نصرة المستعين. وركب محمد بن عبد الله يوما إلى المستعين وحضر عدّة من الفقهاء والقضاة. فقال للمستعين: - «قد كنت فارقتني على أن تنفذ أمرى فى كلّ ما أعزم عليه، ولك عندي بخطّك رقعة بذلك.» فقال المستعين:

стр. 1964

- «أحضر الرقعة.» فأحضرها فإذا فيها ذكر الصلح وليس فيها ذكر الخلع. فقال: - «نعم أنفذ الصلح.» فقام ابن الجبلي فقال: - «يا أمير المؤمنين إنّه يسألك أن تخلع قميصا قمّصكه والله .» وتكلّم قوم وتكلّم علىّ بن يحيى المنجّم فأغلظ لمحمد بن عبد الله فاحتمله ثمّ ضرب لمحمد بن عبد الله بباب الشمّاسية مضرب كبير أحمر وخرج مع مائتي فارس ومائتي راجل إلى المضرب، وجاءه أبو أحمد فخرج إليه ودخل معه المضرب [٤٠٨] ووقف الجند الذين مع كلّ واحد منهما ناحية. فتناظر ابن طاهر وأبوه أحمد طويلا ثمّ خرجا من المضرب وانصرف ابن طاهر إلى داره فى زلال. ثمّ ركب من داره ومضى إلى المستعين يخبره بما دار بينه وبين أبى أحمد، فأقام عنده إلى العصر ثمّ انصرف. فحكى أنّه فارقه على أن يعطى خمسين ألف دينار ويقطع غلّة ثلاثين ألف دينار فى السنة على أن يكون مقامه ببغداد حتّى يحمل له مال يعطى الجند وعلى أن يولى بغا مكّة والمدينة والحجاز ووصيف الجبل، ويكون ثلث ما يجيء من المال لمحمد بن عبد الله وجند بغداد والثلثان للموالي والأتراك. ثمّ ركب ابن طاهر فى ذى الحجّة من هذه السنة ليناظره فى الخلع، فناظره فامتنع عليه، وظنّ المستعين أنّ بغا ووصيفا معه فكاشفاه. فقال المستعين: - «هذه عنقي والسيف [والنطع] [١] .» فلمّا رأى امتناعه انصرف عنه.

стр. 1965

وبعث المستعين إلى ابن طاهر بعلىّ بن يحيى وقوم من ثقاته وقال لهم: - «قولوا: اتّق الله إنّما جئتك لتدفع عنّى فإن لم تدفع عنّى فكفّ عنّى.» فردّ عليه: - «أمّا أنا فأقعد فى بيتي ولكن لا بدّ لك من خلعها طائعا أو مكرها.» وذكر عن علىّ بن يحيى [٤٠٩] أنّه قال: - «قل له إن خلعتها فلا بأس عليها فو الله لقد تمزّقت تمزّقا لا ترقع أبدا وما تركت فيها فضلا.» إجابة المستعين إلى الخلع فلمّا رأى المستعين ضعف أمره ولم يجد ناصرا أجاب إلى الخلع على شريطة أشياء سألها. ولم يقنع المستعين إلّا بخروج ابن كردية إلى المعتزّ وهو من ولد المنصور وجماعة معه من ثقاته، وكان فى شروطه أن ينزل مدينة الرسول ﵇ وأن يكون مضطربه من مكّة إلى المدينة ومن مدينة إلى مكّة. فأجابه إلى ذلك. وكان سبب استجابة المستعين إلى الخلع أنّ وصيفا وبغا وابن طاهر أشاروا عليه بذلك فأغلظ لهم، فقال له وصيف: - «أنت أمرتنا بقتل باغر فصرنا إلى ما نحن فيه وأنت عرّضتنا لقتل أوتامش وقلت إنّ محمدا ليس بناصح فاقتلوه.» فقال محمد: - «وقد قلت إنّ الأمر لا يصلح إلّا بالاستراحة من هذين.» فلمّا اجتمعت كلمتهم أذعن بالخلع. ولمّا كان يوم السبت لعشر بقين من ذى الحجّة، ركب محمد بن عبد الله إلى الرصافة وجميع القضاة والفقهاء، فأدخلهم إلى المستعين فوجا فوجا وأشهدهم عليه أنّه قد صيّر أمره إلى محمد بن عبد الله، ثمّ أدخل البوّابين

стр. 1966

والخدم وأخذ منه جوهر الخلافة [٤١٠] وأقام عنده حتّى مضى هوّى [١] من الليل وأرجف الناس ضروب الأراجيف. ثمّ بعث ابن طاهر إلى قوّاده فجاء كلّ قائد ومعه عشرة من وجوه أصحابه فأدخلهم إليه ومنّاهم وقال: - «إنّما فعلت ما فعلت طلب صلاحكم وسلامتكم وحقن الدماء.» ثمّ أخرج قوما ثقات إلى المعتزّ، فمضوا إليه بالكتاب الذي فيه شروط المستعين ومحمد، فوقّع فيه المعتزّ بخطّه وأمضى كلّ ما سألاه وشهدوا عليه بإقراره لهما بذلك كلّه، وخلع المعتزّ على الرسل [٢] ولم ينظر لهم فى حاجة ولا أطلق لهم جائزة ولم يأمر للجند بشيء. وحمل إلى المستعين أمّه وابناه وعياله، بعد ما فتّش عياله، فأخذ منهم ما كان معهم.

стр. 1967

خلافة المعتزّ ثمّ دخلت سنة اثنتين وخمسين ومائتين وفيها خلع المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم نفسه من الخلافة وبايع المعتزّ محمد بن جعفر المتوكّل بن محمد المعتصم فدعى للمعتزّ على منبري بغداد [١] ومسجدى جانبيها الشرقي والغربي، وأخذت البيعة على من كان بها من الجند. فذكر أنّ ابن طاهر دخل على المستعين، ومعه سعيد بن حميد، حين كتب شروط الأمان [٤١١] فقال له: - «يا أمير المؤمنين قد كتب سعيد بن حميد كتاب الشرط ووكّده غاية التوكيد فيقرأه عليك وتسمعه.» فقال له المستعين: - «لا عليك إلّا توكّده يا با العباس، فما القوم بأعلم بالله منك، وقد وكّدت على نفسك قبلهم، فكان ما قد علمت.» فما ردّ عليه محمد شيئا. ولمّا بايع المستعين المعتزّ نقل من الرّصافة إلى قصر الحسن ووكّل به

стр. 1968

وأخذ منه البردة والخاتم والقضيب ووجّه بها مع عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وكتب معه كتابا من محمد، نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله متمّم النعم والهادي إلى شكره وصلّى الله على محمد عبده ورسوله الذي جمع له من الفضل ما فرّقه فى الرسل قبله، وجعل تراثه راجعا إلى من خصّه بخلافته وسلّم تسليما. كتابي إلى أمير المؤمنين، وقد تمّم الله له أمره وتسلّمت تراث رسول الله صلى الله عليه ممّن كان عنده وأنفذته إلى أمير المؤمنين مع عبيد الله بن عبد الله مولى أمير المؤمنين وعبده.» ومنع المستعين الخروج إلى مكّة فاختار البصرة فنزلها. واستوزر المعتزّ أحمد بن إسرائيل وخلع عليه ووضع على رأسه تاجا، وشخص أبو أحمد إلى سرّ من رأى [٤١٢] من معسكره وشيّعه محمد بن عبد الله، وخلع على محمد بن عبد الله خمس خلع وسيفا ورجع من الروذبار. ولمّا وصل أبو أحمد إلى سرّ من رأى خلع عليه ستّ خلع وسيف وتوّج بتاج وقلنسوة مجوهرة ووشّح بوشاحى ذهب مجوهر وقلّد سيفا آخر مرصّعا بالجوهر وأجلس على كرسىّ وخلع على القوّاد الذين كانوا معه. وكتب المعتزّ إلى محمد بن عبد الله أن يسقط وصيف وبغا ومن برسمهما من الدواوين. وتكلّم أبو أحمد بن المتوكّل فى قتلهما وخاطب محمد بن أبى عون فى ذلك فوعده بقتلهما، فكوتب وصيف وبغا بالخبر فركبا إلى ابن طاهر وقالا: - «قد بلغنا أيّها الأمير ما ضمنه ابن أبى عون من قتلنا والقوم قد غدروا، وو الله لو أرادوا قتلنا ما قدروا عليه.»

стр. 1969

فحلف محمد لهما أنّه ما علم بشيء من ذلك. وتكلّم بغا بكلام شديد ووصيف يكفّه. ثمّ نهضا وأخذا فى الاستعداد وشرى السلاح وتفرقة الأموال. وكان وصيف وجّه أخته فأخرجت من قصر أخيها وصيف ألف ألف دينار كانت مدفونة فيه. فدفعتها إلى المؤيّد فكلّم المؤيّد المعتزّ فى الرضا عن وصيف، فكتب بالرضا عنه. وتكلّم أبو أحمد [٤١٣] فى الرضا عن بغا. ثمّ اجتمع الأتراك على المعتزّ فسألوه الأمر بإحضارهما، وقالوا: - «هما كبيرانا ورئيسانا.» فكتب إليهما بذلك، فلمّا صار إلى سرّ من رأى اجتمع الموالي، وسألوا ردّهما إلى مراتبهما، فأجيبوا الى ذلك وبعث إليهما فخلع عليهما خلع المرتبة ورتّبا فى مرتبتهما التي كانت قبل مصيرهما إلى بغداد وأمر بردّ ضياعهما. وفى هذه السنة شغب الجند على محمد بن عبد الله بن طاهر، وطالبوا بأرزاقهم وعظم الخطب فى ذلك حتّى خرجوا إلى باب حرب وباب الشمّاسية ومعهم الأعلام والطبول وضربوا المضارب والخيم، وبنوا بيوتا من بوارىّ وقصب، وجمع ابن طاهر أصحابه فبيّتهم فى داره. فلمّا كان يوم الجمعة اجتمعوا وعزموا على المصير إلى المدينة ليمضوا إلى المسجد الجامع فيمنعوه من الدعاء للمعتزّ. فأعلمهم جعفر أنّه لا يقدر على الخروج إلى الصلاة، فانصرفوا عنه وصاروا إلى الشارع النافذ إلى دار الرقيق ثمّ قصدوا الجسر. فوجّه إليهم محمد بن عبد الله بن طاهر جماعة من القوّاد والجند ليناظروهم ويدفعوهم دفعا رفيقا. فحملوا عليهم وجرحوا منهم جماعة وجرحوا أبا السنا [٤١٤] وكبّروا وصاروا إلى دار ابن طاهر فقوتلوا، وقتل من الفريقين جماعة.

стр. 1970

وصار جماعة من الغوغاء إلى مجلس الشرطة، فكسروا بيت الرفوع وانتهبوا ما فيه، وكان هناك أصناف من المتاع، كبير جليل [١] ، وأحرق محمد بن طاهر الجسرين لمّا رأى الجند يعبرون وقد ظهروا على أصحابه وضرب عدّة من الحوانيت بالنار للتجّار فيها متاع كثير لهم، فحالت النار بين الفريقين، وانصرف القوم إلى مضاربهم بباب حرب والشمّاسية. وانضمّ إلى ابن طاهر جماعة وعاد إليه قوم من المشغّبة وعبّأهم تعبئة الحروب خوفا من كثرة الجند، فلم تكن لهم عودة، وتلطّف القوّاد فى التضريب بينهم، حتّى تفرّقوا وصاروا إلى منازلهم. خلع المعتزّ أخاه المؤيّد من ولاية العهد وفى رجب من هذه السنة خلع المعتزّ أخاه المؤيّد من ولاية العهد بعده. ذكر السبب فى ذلك كان السبب فى ذلك أنّ عامل أرمينية وأذربيجان، وهو العلاء بن أحمد، بعث إلى إبراهيم بن المتوكّل المؤيّد بخمسة آلاف دينار ليصلح بها أمره. فبعث ابن فرّخان شاه إليها [٤١٥] فأخذها. فأغرى المؤيّد الأتراك بعيسى بن فرّخانشاه، فشكا ذلك إلى المعتزّ وعرّفه الحال. فبعث المعتزّ إلى أخويه المؤيّد وأبى أحمد فحبسهما فى الجوسق، وقيّد المؤيّد وصيّره فى حجرة ضيّقة وأدرّ العطاء للأتراك والمغاربة وحبس كنجور صاحب [٢] المؤيّد، وتوفّى إبراهيم المؤيّد.

стр. 1971

ذكر سبب وفاة المؤيّد ذكر أنّ امرأة من نساء الأتراك [١] جاءت إلى محمد بن راشد المغربىّ، فأخبرته أنّ الأتراك يريدون إخراج المؤيّد من الحبس فركب محمد بن راشد إلى المعتزّ، فأعلمه ذلك، فدعا بموسى بن بغا وسأله فأنكر وقال: - «يا أمير المؤمنين إنّما أرادوا أن يخرجوا أبا أحمد بن المتوكّل لأنسهم كان به فى الحرب التي كانت، فأمّا المؤيّد فلا.» فلمّا كان يوم الخميس لثمان بقين من رجب، دعا بالقضاة والفقهاء والوجوه فأخرج إليهم إبراهيم المؤيّد ميتا لا أثر به ولا جرح. فذكر أنّه أدرج فى لحاف سمّور، ثمّ أمسك طرفاه حتّى مات. وقيل: إنّه أجلس على الثلج ونضّدت حجارة الثلج عليه، فجمد بردا. وفى شوّال منها قتل المستعين ذكر السبب فى قتله [٤١٦] اختلف فى قتله. [٢] فقال قوم: كوتب محمد بن عبد الله بتسليم المستعين إلى منصور بن حمزة وهو على واسط، ثمّ وجّه أحمد بن طولون التركىّ فى جيش فوافى به القاطول. وقيل بل كان أحمد بن طولون موكّلا بالمستعين، فوجّه سعيد بن صالح فى حمله فصار إليه سعيد فحمله. فيقال: إنّه قتله سعيد بالقاطول. ويقال: بل حمله سعيد إلى منزله بسرّ من رأى فعذّبه حتّى مات. ويقال: بل غرّقه، ويقال: بل قتله. وأتى المعتزّ برأسه وهو يلعب بالشطرنج فقيل:

стр. 1972

- «هذا رأس المخلوع.» فقال: «ضعوه هناك.» ثمّ فرغ من لعبه فدعا به فنظر إليه ثمّ أمر بدفنه وأمر لسعيد بخمسة آلاف درهم وولّاه معونة البصرة. وفى هذه السنة كانت بين المغاربة والأتراك ملحمة ذكر السبب فى ذلك كانت الأتراك وثبت على عيسى بن فرّخانشاه فتناولوه بالضرب وأخذوا دوابّه. فاجتمعت المغاربة وتكلّمت ورئيسهم محمد بن راشد ونصر بن سعيد. فقالوا: - «فى كلّ يوم تقتلون خليفة وتخلعون خليفة وتقتلون وزيرا وتثبون بآخر.» [١] [٤١٧] فغلبوا الأتراك على الجوسق وأخرجوهم منه. ثمّ وثبوا على بيت المال، وأخذوا دوابّ للأتراك وأرسلوا إلى من بالكرخ والدور منهم. فالتقوا مع المغاربة وتقاتلوا، فقتل من المغاربة رجل واحد وأخذت المغاربة قاتله وأعانت العامّة المغاربة. فأصلح جعفر بن عبد الواحد بين الفريقين فاصطلحوا على أن يكون فى كلّ موضع يكون فيه واحد من قبل أحد الفريقين يكون معه آخر من الفريق الآخر. فمكثوا على ذلك مدة مديدة [٢] ثمّ اجتمع الأتراك إلى بايكباك فقالوا: - «نطلب هذين الرأسين، فإن ظفرنا بهما فليس ينطق أحد.» يعنون محمد بن راشد ونصر بن سعيد. فبلغ أمر الأتراك هذين، فصارا

стр. 1973

إلى محمد بن عزّون فغمز بهما إلى بايكباك رجل، وقيل: بل كان ابن عزّون هو الذي دسّ إلى الأتراك من دلّهم عليها فقتلوهما. وبلغ ذلك المعتزّ من فعل ابن عزّون، فهمّ بقتله. ثمّ كلّم فيه فنفاه إلى بغداد ثمّ خاف فخرج إلى ضيعة له بالكوفة لها حصن. فوافاه فيها الأعراب فقتلوه. وذكر أنّ أرزاق الأتراك والمغاربة والشاكرية قدّرت فى هذه السنة، فكان مبلغ [٤١٨] ما يحتاجون إليه فى السنة مائتي ألف ألف دينار وذلك خراج المملكة لسنتين. ودخلت سنة ثلاث وخمسين ومائتين وفيها عقد المعتزّ فى اليوم الرابع من رجب لموسى بن بغا الكبير على الجبل لحرب عبد العزيز بن أبى دلف، ومع موسى يومئذ من الأتراك ومن يجرى مجراهم ألفان وأربعمائة وثلاثة وثلاثون رجلا، منهم مع مفلح ألف ومائة وثلاثون رجلا. فأوقع مفلح- وهو على مقدّمة موسى بن بغا- بعبد العزيز بن أبى دلف لثمان بقين من رجب من هذه السنة، وعبد العزيز فى زهاء عشرين ألفا. وكانت الوقعة بينهما خارج همذان، فهزمه مفلح ثلاث فراسخ يقتلون ويأسرون. ثمّ رجع مفلح موفورا بمن معه وكتب بالفتح. فلمّا كان فى شهر رمضان عبّأ مفلح خيله وتوجّه نحو الكرج [١] ، ووجّه عبد العزيز عسكرا فى أربعة آلاف. وكمن مفلح كمينين، فقاتلهم مفلح وخرج الكمينان فانهزم أصحاب عبد العزيز ووضع فيهم السيف. وأقبل عبد العزيز

стр. 1974

فى جيش ليعين أصحابه، فانهزم بانهزامهم [٤١٩] وترك الكرج ومضى إلى قلعة له فى جبل الكرج يقال لها: الزر [١] ، ونزل مفلح الكرج وأخذ جماعة من آل أبى دلف ونساء من نساءهم. فذكر أنّه وجّه سبعين حملا من الرؤوس إلى سرّ من رأى، وأعلاما كثيرة. وفى هذه السنة قتل وصيف التركىّ ذكر الخبر عن ذلك كان الأتراك والفراغنة شغّبوا. وطلبوا أرزاقهم لأربعة أشهر. فخرج إليهم بغا ووصيف وسيما الشاربى فى نحو مائة إنسان، فكلّمهم وصيف وقال: - «ما تريدون.» قالوا: «أرزاقنا.» فقال: «خذوا ترابا، وهل عندنا مال؟» فقال لهم بغا: - «نعم نسأل أمير المؤمنين ذلك، ثمّ ينصرف عنكم من ليس منكم، ونتناظر فى دار أشناس.» فدخلوا إلى أشناس، ومضى سيما منصرفا إلى سرّ من رأى وتبعه بغا لاستئمار الخليفة فى إعطاءهم، وصار وصيف فى أيديهم. فضرب ضربتين بالسيف واحتمله نوشرى وهو أحد قوّاده إلى منزله، ثمّ أبطأ عليهم. فظنّوا أنّه فى التعبئة عليهم وقصدهم. فاستخرجوه من منزل نوشرى وضربوه بالطبرزينات حتّى كسروا عضديه. ثمّ ضربوا عنقه [٤٢٠] ونصبوا رأسه على محراك تنّور، وقصدت العامّة بسرّ من رأى لانتهاب منازل وصيف وولده،

стр. 1975

فرجع بنو وصيف فمنعوا منازلهم. وجعل المعتزّ ما كان إليه، إلى بغا الشرابي. وفى هذه السنة مات محمد بن عبد الله بن طاهر، ليلة كسوف القمر، وذلك لثلاث عشرة خلت من ذى القعدة، غرق القمر كلّه، ومات محمد مع انتهاء غرقه. وكانت علّته من قروح ذبحته فى حلقه. انهزام الكوكبىّ وفيها لقى موسى بن بغا بقزوين الكوكبيّ الطالبىّ على فرسخ من قزوين، فهزمه، ولحق الكوكبي بالديلم. ذكر الخبر عن ذلك كان أصحاب الكوكبي من الديلم أقاموا تراسهم فى وجوههم. فلمّا نظر موسى ورأى سهام أصحابه لا تصل إليها أمر بما معه من النفط، فصبّ فى الأرض على حشيش كان هناك. ثمّ أمر أصحابه بالاستطراد لهم. فلمّا فعلوا ذلك ظنّ الكوكبي وأصحابه أنّهم قد انهزموا فتبعوهم، فلمّا علم موسى أنّهم قد توسّطوا النفط أمر بالنار فأشعلت فأحدقت النار فيه، وخرجت من تحت أقدامهم، فجعلت تحرقهم وهرب [٤٢١] الباقون، فصارت هزيمة، ودخل موسى قزوين. ودخلت سنة أربع وخمسين ومائتين وفيها كان مقتل بغا الشرابىّ.

стр. 1976

ذكر مقتل بغا الشرابىّ كان بغا يحضّ المعتزّ على المصير إلى بغداد والمعتزّ يأبى ذلك. ثمّ انّ بغا اشتغل مع صالح بن وصيف فى خاصّته لعرس جمعة بنت بغا وكان صالح بن وصيف تزوّجها. فركب المعتزّ ليلا ومعه أحمد بن إسرائيل إلى كرخ سرّ من رأى يريد بايكباك ومن كان على رأيه فى الانحراف عن بغا مستخفيا منه. فلمّا وافى المعتزّ بمن معه الكرخ اجتمع مع بايكباك أهل الكرخ والدور، ثمّ أقبلوا مع المعتزّ إلى الجوسق [١] بسرّ من رأى، وبلغ ذلك بغا فخرج فى غلمانه وهم زهاء خمسمائة ومثلهم من ولده وأصحابه وقوّاده. فصار إلى نهر نيزك ثمّ تنقّل إلى مواضع، ثمّ صار إلى السنّ ومعه من العين تسع عشرة بدرة ومائة بدرة دراهم أخذها من بيت ماله وبيوت أموال السلطان، فأنفق منها يسيرا إلى أن قتل. ولمّا بلغه أنّ المعتزّ قد صار إلى الكرخ مع أحمد بن إسرائيل، خرج فى خاصّته [٤٢٢] إلى تلّ عكبر [٢] ، ثمّ مضى إلى السنّ فشكا أصحابه بعضهم إلى بعض ما هم فيه من العسف، وأنّهم لم يخرجوا معهم مضارب ولا ما يتدثّرون به من البرد وإنّهم فى شتاء. وكان بغا فى مضرب له صغير على دجلة فكان يكون فيه، فأتاه أساتكين فقال: - «أصلح الله الأمير، قد تكلّم أهل العسكر وخاضوا فى كذا وأنا رسولهم إليك.» فقال: «كلّهم يقولون مثل قولك؟» قال: «نعم وإن شئت فابعث إليهم حتّى يقولوا مثل قولي.»

стр. 1977

قال: «دعني حتّى أنظر ويخرج إليكم أمرى بالغداة.» فلمّا جنّه الليل دعا بزورق فركبه مع خادمين معه وحمل معه شيئا من المال ولم يحمل معه سلاحا ولا سكّينا ولا عمودا، ولا يعلم أهل عسكره بذلك من أمره، والمعتزّ فى غيبة بغا لا ينام إلّا فى ثيابه وعليه السلاح ولا يشرب نبيذا وجميع جواريه على رجل. فصار بغا إلى الجسر فى الثلث الأوّل. فلمّا قرب الزورق من الجسر بعث الموكلون به من ينظر من فى الزورق. ثمّ صاحوا بالغلام فرجع إليهم وخرج بغا فى البستان الخاقاني، فلحقه عدّة منهم، فوقف لهم وقال: - «أنا بغا.» ولحقه وليد المغربىّ فقال له: - «ما لك جعلت فداك؟» [٤٢٣] قال: «إمّا أن تذهب بى إلى منزل صالح بن وصيف وإمّا أن تصيروا معى حتّى أحسن إليكم.» فوكّل به وليد المغربي، ثمّ مرّ يركض إلى الجوسق فاستأذن على المعتزّ، فأذن له فقال: - «يا سيدي هذا بغا قد أخذته وقد وكّلت به.» قال: «ويلك جئني برأسه.» فرجع الوليد إليه فقال للموكّلين: - «تنحّوا عنّى حتّى أبلغه الرسالة.» وضربه ضربة على جبهته ثمّ على يده فقطعها. ثمّ ضربه حتّى صرعه وذبحه وحمل رأسه فى بركة [١] قبائه، وأتى به المعتزّ، فوهب له عشرة آلاف

стр. 1978

دينار، وخلع عليه. ونصب رأس بغا بسرّ من رأى ثمّ ببغداد، ووثبت العامّة على جسده فأحرقوه بالنار. وكان عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قد جعل مكان محمد بن عبد الله بن طاهر بوصيّته، فتتبع بنيه وكانوا صاروا إليها هرّابا مع قوم يثقون بهم. فأثارهم وحبس قوما فى المطبق وقوما فى قصر الذهب، وكان سبب انحدار بغا إلى سرّ من رأى مستترا أنّه أشير عليه أن يصير إلى دار صالح بن وصيف، فإذا قرب العيد دخل أهل العسكر وخرج هو وأصحابه فوثبوا بالمعتزّ. وفى هذه السنة وافى الأهواز دلف بن عبد العزيز بن أبى دلف العجلى بتوجيه والده [٤٢٤] عبد العزيز إيّاه، فجبى منها ومن جنديسابور وتستر مائتي ألف دينار وانصرف. ودخلت سنة خمس وخمسين ومائتين وفيها دخل مفلح طبرستان وواقع الحسن بن زيد الطالبىّ، فهزم مفلح الحسن فلحق بالديلم فى طلب الحسن بن زيد. وقعة بين يعقوب بن الليث وطوق بن المغلّس وفيها كانت بين يعقوب بن الليث وطوق بن المغلّس وقعة خارج كرمان أسر فيها يعقوب طوقا. [١]

стр. 1979

ذكر السبب فى ذلك كان السبب فى ذلك أنّ علىّ بن الحسين بن قريش بن شبل كتب إلى السلطان يخطب كرمان، وكان قبل من عمّال آل طاهر، ثمّ كتب إلى السلطان يذكر ضعف آل طاهر وقلّة ضبطهم ما إليهم من البلاد، وأنّ يعقوب بن الليث قد غلبهم على سجستان، وتباطأ على السلطان بتوجيه خراج فارس. فكتب السلطان إليه بولايته كرمان وكتب أيضا إلى يعقوب بولايتها يلتمس بذلك إغراء كلّ واحد منهما بصاحبه لتسقط مؤونة الهالك منهما عنه ويتفرّد بمؤونة الآخر، إذ كان كلّ واحد منهما عنده حربا له وفى غير طاعته. [٤٢٥] فلمّا فعل ذلك بهما زحف يعقوب من سجستان يريد كرمان ووجّه علىّ بن الحسين طوق بن المغلّس وقد بلغه خبر يعقوب وفصوله من سجستان. فصار من كرمان على مرحلة وبقي فى معسكره ذلك شهرا أو أكثر يتجسّس أخبار طوق ويسأل عن أمره كلّ من مرّ به خارجا من كرمان إلى ناحيته، ولا يدع أحدا يجوز بعسكره من ناحيته إلى كرمان. فلا يزحف طوق إليه ولا هو إلى طوق. ثمّ أظهر يعقوب الارتحال عن عسكره إلى ناحية سجستان فارتحل عنه مرحلة وبلغ طوقا ارتحاله. فظنّ أنّه قد بدا له فى حربه وترك عليه كرمان وعلى علىّ بن الحسين، فوضع آلة الحرب وقصّر وقعد للشرب ودعا بالملاهي ويعقوب فى كلّ ذلك لا يغفل عن البحث عن أخباره. فاتّصل به وضع طوق آلة الحرب وإقباله على الشرب واللهو لارتحاله، فكرّ راجعا وطوى المرحلتين إليه فى يوم واحد فلم يشعر طوق وهو فى لهوه وشربه فى آخر يومه إلّا بغبرة قد ارتفعت من خارج المدينة التي هو فيها من كرمان. فقال لأهل القرية:

стр. 1980

- «ما هذه الغبرة.» فقيل: «هذه غبرة مواشى أهل القرية منصرفة إلى أهلها.» ثمّ لم يكن إلّا كلّا ولا [١] حتّى [٤٢٦] وافاه يعقوب فى أصحابه فأحاط به وبأصحابه. فذهب أصحاب طوق لمّا أحيط بهم يريدون المدافعة عن أنفسهم. فقال يعقوب لأصحابه: - «أفرجوا عن القوم.» فأفرجوا لهم فمرّوا هاربين على وجوههم وخلّوا كلّ شيء لهم، وأسر يعقوب طوقا. وكان علىّ بن الحسين وجّه طوقا وحمّله صناديق فى بعضها أطوقة وأسورة وفى بعضها أموال وفى بعضها قيود وأغلال ليطوّق ويجوّز ويسوّر من أبلى وأحسن وليقيّد من أسر وأخذ من أصحاب يعقوب. فلمّا أسر يعقوب طوقا ورؤساء جيشه أمر بحيازة كلّ من كان مع طوق وأصحابه من المال والأثاث والكراع والسلاح، فحيز ذلك كلّه وجمع إليه. فلمّا أتى بالصناديق أمر بفتح بعضها فإذا فيه قيود وأغلال فقال لطوق: - «يا طوق ما هذه القيود والأغلال؟» قال: «حمّلنيها علىّ بن الحسين على رسم العساكر لأقيّد بها الأسرى وأغلّهم.» فقال يعقوب: «يا فلان اجعل أكبرها وأثقلها فى رجل طوق وعنقه، والباقية فى أرجل أصحابه وأعناقهم.» ولم يزل يفتح الباقية من الصناديق حتّى فتحت صناديق الأطواق والأسورة فقال: - «يا طوق ما هذه؟»

стр. 1981

قال: «حمّلنيها علىّ [٤٢٧] لأطوّق وأسوّر أهل البلاء والإحسان.» فقال: «يا فلان خذ هذه الأطواق والأسورة فطوّق فلانا وسوّره، وفلانا وفلانا.» حتّى فرّق تلك الأطواق كلّها ثمّ نظر إلى ذراع طوق وعليها عصابة فقال: - «يا طوق ما هذا؟» قال: «أصلح الله الأمير، كنت وجدت حرارة ففصدت.» فدعا يعقوب بعض من معه فأمر بمدّ خفّه، فتناثر من خفّه كسر خبز يابسة فقال: - «يا طوق هذا خفّى لم أنزعه من رجلي منذ شهر وكسر خبزى فى خفّى، ما وطأت فراشي ولا تودعت وأنت جالس فى الشرب والملاهي. أفبهذا التدبير أردت حربى وقتالي.» ثمّ دخل يعقوب كرمان فحازها وصارت من عمله مع سجستان. دخول يعقوب بن الليث فارس وفيها دخل يعقوب بن الليث فارس فملكها وأسر علىّ بن الحسين بن قريش. ذكر الخبر عن ذلك ورد على علىّ بن الحسين خبر وقعة يعقوب بن الليث بصاحبه طوق بن المغلّس ودخول يعقوب كرمان واستيلائه عليها ورجع أهل الفلّ. فأيقن بإقبال يعقوب إلى فارس وعلىّ يومئذ بشيراز من أرض فارس. فضمّ إليه جيشه والفلّ وغيرهم [٤٢٨] وأعطاهم السلاح ثمّ برز من شيراز فصار إلى الكرّ خارج شيراز بين آخر طرقه عرضا ممّا يلي أرض شيراز وبين عرض

стр. 1982

جبل بها من الفضاء، قدر ممرّ رجل أو دابّة، لا يمكن أن يمرّ فيه أكثر من واحد من ضيقه. فأقام فى ذلك الموضع وضرب عسكره على شاطئ الكرّ ممّا يلي شيراز، وأخرج معه السوقة والتجّار من مدينة شيراز إلى معسكره وقال: - «إن جاء يعقوب لم يجد موضعا يجوز فيه الفلاة إلينا لأنّه لا طريق له إلّا ذلك الفضاء الذي بين الجبل والكرّ وإنّما هو ممرّ رجل إذا قام عليه رجل واحد منع من يريد أن يجوزه وإذا لم يقدر أن يجوز إلينا بقي فى البرّ بحيث لا طعام له ولا لأصحابه ولا علف لدوابّهم.» فأقبل يعقوب حتّى قرب من الكرّ، فأمر أصحابه بالنزول أول يوم على نحو ميل من الكرّ ممّا يلي كرمان. ثمّ أقبل هو وحده بيده رمح عشاري، ما معه إلّا رجل واحد. فنظر إلى الكرّ والجبل والطريق، وتأمّل عسكر علىّ بن الحسين، فجعل أصحاب علىّ يشتمونه ويقولون: - «لنردنّك إلى تشعيب [١] القماقم والمراجل يا صفّار.» وهو ساكت لا يردّ عليهم شيئا. فلمّا تأمّل كلّ ما أراد [٤٢٩] ورآه انصرف راجعا إلى أصحابه. فلمّا كان من الغد عند الظهر أقبل بعسكره ورجاله حتّى صار إلى شاطئ الكرّ ممّا يلي برّ كرمان فأمر أصحابه فنزلوا عن دوابّهم وحطّوا أثقالهم. ثمّ فتح صندوقا كان معه والناس ينظرون إليه فأخرجوا منه كلبا ذئبيّا، ثمّ ركبوا دوابّهم أعراء وأخذوا رماحهم بأيديهم. قال: وقيل ذلك ما قد عبّأ علىّ بن الحسين أصحابه وأقاموا صفوفا على الممرّ الذي بين الجبل والكرّ، وهم يرون أنّه لا سبيل ليعقوب ولا طريق له يمكنه أن يحوزه غيره، ثمّ جاءوا

стр. 1983

بالكلب فرموا به فى الكرّ وأصحاب علىّ ينظرون إليه ويضحكون منه ومنهم. فلمّا رموا بالكلب فيه جعل الكلب يسبح فى الماء إلى جانب عسكر علىّ بن الحسين، واقتحم أصحاب يعقوب دوابّهم خلف الكلب، وبأيديهم رماحهم يسيرون فى أثر الكلب. فلمّا رأى علىّ بن الحسين أنّ يعقوب قد قطع عامّة الكرّ إليه انتقض عليه تدبيره وتحيّر فى أمره. ولم يلبث أصحاب يعقوب إلّا أيسر ذلك حتّى خرجوا من الكرّ من وراء أصحاب علىّ بن الحسين. فلم يكن بأسرع من أن خرج أوائلهم منه حتّى هرب أصحاب علىّ يطلبون [٤٣٠] الهرب إلى مدينة شيراز. لأنّهم كانوا إذا خرج أصحاب يعقوب من الكرّ بين جيش يعقوب وبين الكرّ، فلا يجدون ملجأ. فلمّا أن هزموا تقطّر بعلىّ دابّته فسقط إلى الأرض، ولحقه بعض السجزية، فرفع عليه سيفه ليضربه فصاح عليه غلام لعلىّ: - «الأمير، الأمير.» فنزل إليه السجزىّ فوضع عمامته فى عنقه، ثمّ جرّه إلى يعقوب. فلمّا أتى به أمر بتقييده وأمر بما كان فى عسكر علىّ من آلة الحرب من السلاح والكراع وغير ذلك، فجمع إليه. ثمّ أقام بموضعه حتّى أمسى وهجم عليه الليل. ثمّ رحل من موضعه ودخل مدينة شيراز ليلا وأصحابه يضربون بالطبول، فلم يتحرّك أحد. فلمّا أصبح أنهب أصحابه دار علىّ بن الحسين ودور أصحابه، ثمّ نظر إلى ما اجتمع فى بيت المال من مال الخراج والضياع، فاحتمله ووضع الخراج فجباه. ثمّ شخص متوجّها إلى سجستان وحمل معه علىّ بن الحسين بن قريش ومن أسر معه من قوّاده. ووجّه يعقوب بن الليث إلى المعتزّ بدوابّ وبزاة ومسك وثياب هدية.

стр. 1984

وفيها ورد سليمان بن عبد الله بن طاهر [٤٣١] سرّ من رأى من خراسان ودخل على المعتزّ، فخلع عليه وانصرف، ثمّ ولّاه شرطة بغداد والسواد. وفيها أخذ صالح بن وصيف أحمد بن إسرائيل والحسن بن مخلد وأبا نوح عيسى بن إبراهيم، وهرب أحمد بن صالح بن شيرزاد إلى بغداد، فاستخفى عند كاتب له يقال له: ابن واضح، فقيّدهم وطالبهم بالأموال. ذكر السبب فى ذلك كان هؤلاء الكتّاب اجتمعوا على شراب لهم يوم الأربعاء. فلمّا كان من الغد ركب أحمد بن إسرائيل فى جمع عظيم إلى دار السلطان التي يقعد فيها، وركب ابن مخلد إلى دار قبيحة [١] أمّ المعتزّ وهو كاتبها. وحضر أبو نوح الدار والمعتزّ نائم. فانتبه قريبا من نصف النهار وأذن لهم. فحمل صالح بن وصيف على أحمد بن إسرائيل فى الكلام فقال للمعتزّ: - «يا أمير المؤمنين ليس للأتراك عطاء ولا فى بيت المال مال، وقد ذهب ابن إسرائيل وأصحابه بأموال الدنيا.» فقال له أحمد: - «يا عاصي بن العاصي.» وتراجعا الكلام. وكان الأتراك قد شغبوا قبل ذلك وطلبوا أرزاقهم. فقال أبو نوح لصالح عند مراجعته أحمد بن إسرائيل وقول أحمد: يا عاصي بن العاصي: - «هذا الشغب أيضا تدبيرك على الخليفة.» فغشى على صالح وسقط [٤٣٢] إلى الأرض ممّا داخله من الغيظ

стр. 1985

والغضب، حتّى رشّوا على وجهه الماء وأفاق، وجرى بينهم كلام كثير وبلغ ذلك أصحابه وهم على الباب. فصاحوا صيحة واحدة واخترطوا سيوفهم ودخلوا على المعتزّ مصلتين فلمّا رأى ذلك المعتزّ دخل وتركهم فأخذ صالح ابن وصيف بن إسرائيل وابن مخلد وأبا نوح عيسى فقيّدهم وثقّلهم بالحديد وحملهم إلى داره. فقال المعتزّ لصالح قبل أن يحملهم: - «هب لى أحمد، فانّه كاتبي وهو ربّانى.» فلم يفعل ذلك صالح ثمّ ضرب ابن إسرائيل حتّى كسرت أسنانه وبطح ابن مخلد فضرب مائة مقرعة. وكان عيسى بن إبراهيم محتجما فلم يزل يصفع حتّى جرت الدماء من محاجمه وأخذت خطوطهم بمال جليل قسّط [١] عليهم. وبعث المعتزّ إلى أبى عبد الله بن محمد بن يزداذ المروزي فحمل ليستوزره. وبعثت قبيحة أمّ المعتزّ إلى صالح بن وصيف فى ابن إسرائيل: - «إمّا حملته إلى المعتزّ وإمّا ركبت إليك فيه.» ثمّ قدم جعفر بن محمود ومال إليه الأتراك، ولم يكن للمعتزّ فيه أرب فولى الأمر والنهى. خلع المعتزّ وموته ولثلاث بقين من رجب خلع المعتزّ ولليلتين خلتا من شعبان أظهر موته. [٢] [٤٣٣]

стр. 1986

ذكر سبب خلعه لمّا جرى فى أمر الكتاب وأمر الأتراك ما جرى، لم يرتفع من حصّتهم ما ظنّه الأتراك وتقاعد بهم الكتاب فصاروا إلى المعتزّ يطلبون أرزاقهم. وقال الأتراك: - «وفّنا أرزاقنا حتّى نقتل لك صالح بن وصيف وينتظم أمرك.» فأرسل المعتزّ إلى أمّه يطلب منها مالا يرضى به الأتراك فقالت: - «ما عندي مال.» فلمّا نظر الأتراك إلى امتناع الكتّاب من أن يعطوهم شيئا ولم يجدوا فى بيوت المال شيئا والمعتزّ وأمّه قد امتنعا من أن يسمحا لهم بشيء، صارت كلمتهم واحدة وكلمة الفراغنة والمغاربة معهم، فاجتمعوا على خلع المعتزّ. فصاروا إليه، فلم يرعه إلّا صياح القوم، وإذا صالح بن وصيف وبايكباك ومحمد بن بغا أبو نصر قد دخلوا فى السلاح، فجلسوا على باب المنزل الذي ينزله المعتزّ. ثمّ بعثوا إليه: - «اخرج إلينا.» فبعث إليهم: - «إنّى أخذت أمس دواء وقد أخلفنى اثنى [١] عشر مجلسا، وما أقدر على الكلام من الضعف، فإن كان لا بدّ منه، فليدخل إلىّ بعضكم وليعلمني.» وهو يرى أنّ أمره واقف على حاله. فدخل إليه جماعة من أهل الكرخ والدور [٤٣٤] من خلفاء القوّاد، فجرّوا

стр. 1987

برجله إلى باب الحجرة. قال: وأحسب أنّهم تناولوه بالضرب. فإنّه خرج وقميصه مخرّق فى مواضع وآثار الدم على منكبه. فأقاموه فى الشمس فى الدار فى وقت شدّة الحرّ. فجعل يرفع قدمه ساعة بعد ساعة من حرارة الموضع الذي قد أقيم فيه. ثمّ قام بعضهم إليه وجعل يلطمه وهو يتّقى بيده. وقالوا له: - «اخلعها.» وكان الأتراك قبل مكاشفته التمسوا منه خمسين ألف دينار ليقتلوا صالح بن وصيف ويستقيم أمره. فطلب من أمّه قبيحة هذا المقدار، فتنحّت عليه به ومنعته وقالت: - «ليس عندي مال.» ثمّ وجد لها من المال الصامت من العين والجوهر ثلاثة آلاف دينار سوى الآلات وسنذكر بعض ذلك فى المستأنف. وكانت قبيحة حظيّه المتوكّل، وسمّيت قبيحة لحسنها على طريق الضدّ. ويقال: أنّه لم ير مثلها حسنا. ثمّ إنّ الأتراك أحضروا ابن أبى الشوارب مع جماعة من أصحابه. فقال له صالح: - «اكتب عليه كتاب الخلع.» - يعنى المعتزّ. فقال: «لا أحسنه.» وكان معه رجل إصبهانى فقال: - «أنا أكتب ويتخلّص الرجل.» فكتب وشهدوا عليه. فقال ابن أبى الشوارب: - «إنّهم شهدوا [٤٣٥] على أنّ له ولأخيه ولابنه وأمّه الأمان.»

стр. 1988

فقال صالح بكفّه: - «أى نعم.» ووكّلوا به وبأمّه نساء، وكانت أمّه قد اتخذت فى الدار سربا تنفذ إلى حيث تأمن وتخرج منه، فدخلت السرب وفرّت هي وأخت المعتزّ. ثمّ عذّب المعتزّ بعد الخلع، فلم يوجد له شيء. فمنعه المعذّب الطعام والشراب ثلاثة أيّام فطلب حسوة من ماء البئر فمنعوه. ثمّ جصّصوا له سردابا بالجصّ الثخين [١] وأدخلوه فيه وأطبقوا عليه بابه، فأصبح ميّتا. فكانت خلافته أربع سنين وستّة أشهر وأربعة عشر يوما وكان عمره كلّه أربعا وعشرين سنة. وكان أبيض، أسود الشعر كثيفه، حسن الوجه والعينين، ضيّق الجبين، أحمر الوجنتين، حسن الجسم طويلا.

стр. 1989

خلافة المهتدى بالله ابن الواثق وفى يوم الأربعاء لليلة بقيت من رجب بويع محمد بن الواثق وسمّى المهتدى بالله، وكنيته أبو عبد الله. ولم يقبل بيعة أحد حتّى أتى بالمعتزّ فخلع نفسه وبايع محمد بن الواثق. وكانت نسخة الرقعة بخلع المعتزّ نفسه: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما شهد عليه الشهود المسمّون فى هذا الكتاب، شهدوا جميعا: أنّ أبا عبد الله بن أمير المؤمنين المتوكّل على الله أقرّ عندهم [٤٣٦] وأشهدهم على نفسه فى صحّة من عقله وبدنه وجواز من أمره طائعا غير مكره، وأنّه نظر فيما كان تقلّده من الخلافة والقيام بأمور المسلمين، فرأى أنّه لا يصلح لذلك ولا يكمل له، وأنّه عاجز عن القيام بما يجب عليه فيها، ضعيف عنه. فأخرج نفسه من الخلافة وبرّأ منها وخلع نفسه وبرّأ [١] كلّ من كانت له فى عنقه بيعة من جميع أوليائه وسائر الناس ممّا كان له فى رقابهم من البيعة والعقود والمواثيق والأيمان بالطلاق والعتاق والصدقة وسائر الأيمان، وحلّلهم من جميع ذلك، وجعلهم فى سعة منه فى الدنيا والآخرة بعد أن تبيّن له أنّ الصلاح له وللمسلمين فى خروجه عن الخلافة والتبرّؤ منها. وأشهد على نفسه بجميع ما فى هذا الكتاب جميع الشهود من

стр. 1990

حضر بعد أن قرأ عليه حرفا حرفا، فأقرّ بفهمه ومعرفة ما فيه طائعا غير مكره. وذلك يوم الإثنين لثلاث بقين من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين.» فوقّع المعتزّ فى ذلك. أقرّ أبو عبد الله بجميع ما فى هذا الكتاب وكتب بخطّه. وكتب محمد بن الواثق المهتدى بالله إلى سليمان بن عبد الله بن طاهر بمدينة السلام، أنّ الناس [٤٣٧] قد بايعوه. وكان هناك أبو أحمد بن المتوكّل، فبعث سليمان إليه فأحضره داره، وسمع من ببغداد من الجند والغوغاء بالخبر، فاجتمعوا إلى باب سليمان وضجّوا فخوطبوا أنّه لم يرد علينا خبر نثق به. فانصرفوا إلى يوم الجمعة وخطبوا للمعتزّ. فلمّا كان يوم السبت اجتمعوا وهجموا على دار سليمان فى داره وسألوه أن يريهم أبا أحمد بن المتوكّل فأظهره لهم. ثمّ وعدهم أن يصير إلى محبّتهم إن تأخّر عنهم ما يحبّونه فأكّدوا عليه فى حفظه وانصرفوا عنه. ثمّ قدم بارجوخ ومعه ثلاثون ألف دينار لإعطاء الجند. فضجّ الناس ورجع بارجوخ ووقعت الفتنة والعصبية ببغداد، وقصد دار سليمان وكان قد شحنها بمن يحفظها. فحاربهم أهل بغداد فى شارع دجلة وعلى الجسر، فقتل خلق وغرق خلق. ثمّ وجّه إلى بغداد مال رضوا به، وبايع الناس واستقامت الأمور وسكنت الفتنة. وفى شهر رمضان من هذه السنة ظهرت قبيحة ودلّت على الأموال التي لها والذخائر والجواهر. ذكر سبب ظهور قبيحة [٤٣٨] كانت قبيحة قدّرت الفتك بصالح بن وصيف وواطأت على ذلك النفر من

стр. 1991

الكبار الذين أوقع بهم صالح. فلمّا حصلوا فى يد صالح وعذّبوا، علمت أنهم لا يطوون عن صالح شيئا من الخبر بسبب ما نالهم به من العذاب. فأيقنت بالهلاك وكانت قد أطلعت الكتّاب على ما تبذله فى قتل أولئك الأتراك فعملت فى التخلّص. فبادرت إلى صالح بن وصيف ووسّطت بينها وبينه العطّارة وكانت تثق بها وكان لها مال ببغداد. فكتبت فى حمله فاستخرج وحمل قدر خمسمائة ألف وخمسين ألف دينار ووقعوا على خزائن لها ببغداد، فحمل إلى السلطان منها متاع عظيم. ولم تزل خزائنها وأموالها متصلة والبيع منها دائما وحوالة الجند عليها ببغداد وسرّ من رأى عدّة شهور. ثمّ وقف صالح على خزانة قبيحة فأرسل إلى رجل جوهرى قال الرجل: فدخلت إليه فقال: - «إنّ لقبيحة [١] خزانة فى موضع يرشدك إليها هذا. فامض ومعك أحمد بن خاقان وصر إلىّ معه.» قال: فمضينا إلى الصفوف بحضرة المسجد الجامع وجاء بنا ذلك الرجل إلى دار صغيرة معمورة نظيفة فدخلناها وفتّشنا كل موضع [٤٣٩] فيها فلم نجد شيئا. وجعل ذلك يغلظ على أحمد بن خاقان ويتهدّد الرجل ويتوعّده ويشتمه. فأخذ الرجل فأسا وجعل ينقر به الحيطان يطلب موضعا قد صيّر فيه المال. فلم يزل كذلك حتّى وقع الفأس على موضع من الحائط استدلّ بصوته على أنّ فيه شيئا. فهدمه وإذا من ورائه باب ففتحناه ودخلنا فأدّانا إلى سرب، وصرنا إلى دار تحت الدار التي دخلناها على بنائها وقسمتها. فوجدنا من المال على رفوف فى أسفاط ألف ألف دينار. فأخذ أحمد ومن كان معه قدر ثلاثمائة ألف دينار.

стр. 1992

ووجدنا ثلاثة أسفاط: سفطا فيه مقدار مكّوك زمرّدا لم أر للمتوكّل ولا لغيره مثله، وسفطا دونه فيه نصف ملوك حبّا كبارا ما ظننت والله أنّ مثله يكون، وسفطا دونه فيه مقدار كيلجة ياقوتا أحمر لم أر مثله ولا ظننت أنّ مثله يوجد فى الدنيا. فقوّمت الجميع على البيع ألفى ألف دينار، فحملناه كلّه إلى صالح. فلمّا رآه جعل لا يصدّق ولا يوقن حتّى أحصى بحضرته ووقف عليه. فقال عند ذلك: - «فعل الله بها وصنع، عرّضت ابنها للقتل فى خمسين ألف دينار وعندها مثل هذا فى خزانة واحدة من خزائنها» . [٤٤٠] ولم تزل قبيحة مقيمة إلى أن حضر وقت الحجّ، فسيّرت إلى مكّة مع أصحاب المهتدى بالله. فحكى من سمعها فى طريقها وهي تقول أتدعو الله على صالح بن وصيف بصوت: - «اللهم أخز صالح بن وصيف كما هتك سترى وقتل ولدي وبدّد شملي وأخذ مالي وغرّبنى عن بلدي وركب الفاحشة منى.» ولمّا انصرف الناس عن الموسم احتبست بمكّة. وفى هذه السنة قتل أحمد بن إسرائيل وأبو نوح. ذكر السبب فى قتلهما إنّ صالح بن وصيف لمّا استصفى أموالهما وأموال الحسن بن مخلد عذّبهم وقرّب كوانين الفحم المشعلة منهم فى شدّة الحرّ ومنعهم كلّ راحة، ولم يعارضه المهتدى، وكان عبد الله بن محمد بن يزداذ يقول لصالح: - «اقتلهم فإنّهم إن أفلتوا لم تؤمن بوائقهم فى الأعقاب فضلا عمّا وترهم.» فحكى الحسن بن مخلد قال: كان داود بن أبى العبّاس الطوسي يحضرنا

стр. 1993

عند صالح بجميل فيقول: - «وما هؤلاء- أعزّك الله- حتّى يبلغ منك الغضب بسببهم هذا المبلغ، فنظنّه يرفقه [١] علينا حتّى يقول، على أنّى والله أعلم [٤٤١] أنّهم إن تخلّصوا انتشر منهم شرّ كثير وفساد فى الإسلام عظيم، فينصرف والله وقد أفتى بقتلنا وأشار عليه بإهلاكنا فيزداد علينا برأيه وكلامه غيظا.» ثمّ وكّل بأحمد بن إسرائيل وأبى نوح، عيسى أحمد بن محمد بن حمّاد دنقش فأسرف فى تعذيبهما ثمّ أقام أحمد بن إسرائيل يضرب وابن دنقش يقول: - «أوجع.» فكان كلّ جلّاد يضربه سوطين يتنحّى، حتّى وفّوه خمسمائة سوط. ثمّ أقاموا أبا نوح فضربوه كذلك أيضا ضرب التلف. ثمّ حملا على بغلين من بغال السّقائين على بطونهما منكّسة رؤوسهما ظاهرة ظهورهما للناس، فتلفا فى الطريق. وأمّا الحسن بن مخلد فتخلّص بخصلتين إحداهما أنّه صدقه عن جميع ما سأله عنه والآخر أنّ المهتدى كلّمه فيه وقال: - «لأهله حرمة وأنا أحبّ صلاح شأنه.» فنجا من بينهم. انصراف مفلح من طبرستان وفيها انصرف مفلح من طبرستان بعد أن كان دخلها، وأخرج الحسن بن زيد.

стр. 1994

ذكر السبب فى ذلك كان السبب فى ذلك أنّ قبيحة كتبت إلى موسى بن بغا- لمّا رأت من الأتراك اضطرابا [٤٤٢] وأنكرت أمرهم- تسأله القدوم إلى ما قبلها وأمّلت بوروده فرجا لها ولابنها. فعزم موسى على الانصراف إليها وكتب إلى مفلح وهو بطبرستان يأمره بالانصراف إليه وهو بالرىّ. فورد عليه كتاب موسى وقد توجّه نحو أرض الديلم فى طلب الحسن بن زيد. فلمّا ورد عليه الكتاب انصرف راجعا. فعظم ذلك على رؤساء طبرستان ومن كان هاربا قبل قدوم مفلح، وكانوا قد رجوا [١] بقدومه الرجوع إلى منازلهم وأموالهم. وذلك أنّ مفلحا كان يعدهم اتّباع الحسن بن زيد حتّى يظفر به أو يخترم [٢] دونه، فلمّا رأى الناس انصرافه من غير عسكر للحسن بن زيد ولا أحد من الديلم، سألوه عن السبب الذي صرفه وجعلوا يكلّمونه وهو كالمسبوت [٣] لا يجيبهم فلمّا أكثروا عليه قال لهم: - «ورد علىّ كتاب موسى بعزيمة منه أن لا أضع كتابه من يدي حتّى أقبل إليه، وأنا مغموم بأمركم، ولكن لا سبيل إلى مخالفة الأمير.» ولم يتهيّأ لموسى الشخوص من الرىّ إلى سرّ من رأى حتّى وافاه الكتاب بهلاك المعتزّ وقيام المهتدى بعده بالأمر. ففثاه ذلك عمّا عزم عليه من الشخوص، لفوت ما كان قدّر إدراكه من أمر المعتزّ. [٤٤٣] ثمّ إنّ الموالي الذين فى عسكر موسى بلغهم ما استخرج صالح بن وصيف من أموال الكتّاب وأسباب المعتزّ والمتوكّل، فحسدوا المقيمين بسرّ من رأى.

стр. 1995

فدعوا موسى إلى الانصراف بهم إلى سرّ من رأى. فأمر موسى أن يستخرج من أهل الري خراج سنة ستّ وخمسين ومائتين. فأصبح الخراج فى شهر رمضان فجبى فى يوم واحد خمسمائة ألف درهم فاجتمع أهل الرىّ وقالوا: - «أصلح الله الأمير ما سبب انصرافك عن هذا الثغر؟» فقال: «إنّ الجند والموالي أبوا أن يقيموا، وإذا انصرفوا فما أقلّ غنائى عنكم.» فقالوا: «أصلح الله الأمير. إنّ الموالي يرجعون لما يقدّرون هناك من كثرة العطاء وأنت وأصحابك ها هنا فى أكثر وأوسع ممّا فيه أولئك هناك. فإن رأيت أن تقيم وتسدّ هذا الثغر وتحتسب فى أهله الأجر والثواب وتلزمنا من خراجنا فى خاصّ أموالنا لمن معك ما ترى أنّنا نحتمله فعلت.» فلم يجبهم إلى ما سألوا. فقالوا: «أصلح الله الأمير فإذا كان الأمير على تركنا و [١] الانصراف عنّا، فما معنى أخذنا بالخراج لسنة لم نبدأ بعمارتها بعد، وأكثر غلّة سنة خمس وخمسين التي قد استوفى الأمير خراجها منا فى الصحراء لا يمكننا [٤٤٤] الوصول إليها، إن خرج الأمير عنّا.» فلم يلتفت إلى كلامهم وخرج. واتصل خبر انصرافه بالمهتدى، فكتب إليه فى ذلك كتبا كثيرة فلم يؤثّر شيئا. فلمّا نظر [٢] المهتدى أنّ موسى يسير ويخلّ بموضعه وأنّ كتبه إليه لا تعنى شيئا، وجّه إليه رسولين من بنى هاشم وحمّلهما رسائل إلى موسى ووجوه قوّاده وإلى سائر عسكره يصدّهم فيها عن الحركة ويصدّقهم عن الحال بالحضرة وعن ضيق الأموال بها وما يحاذر من ذهاب ما يخلّفونه

стр. 1996

وراءهم وغلبة الطالبىّ وأتباعه من الديلم عليه. فشخص الهاشميّان مع جماعة من الوجوه والموالي وأقبل موسى يسير وصالح بن وصيف يعظّم ذلك على المهتدى وينسبه إلى العصيان والخلاف. وكان المهتدى قد هجر الشرب وكسر آلات الشراب، وكان ينسك ويجلس على اللبود ويجلس للمظالم ويشتغل بالصوم والصلاة ودرس القرآن. فذكر أنّ كتاب صاحب البريد بهمذان ورد عليه بفصول [١] موسى عنها. فرفع المهتدى يده إلى السماء وقال بعد حمد الله والثناء عليه: - «اللهم إنّى أبرأ إليك من فعل موسى بن بغا وإخلاله بالثغر وإباحته العدوّ وقد [٤٤٥] أعذرت إليه فيما بيني وبينه اللهم تولّ [٢] من كاد المسلمين. وانصر جيوش المسلمين حيث كانوا. اللهم إنّى شاخص نفسي إلى حيث نكب فيه المسلمون ناصرا لهم ودافعا عنهم، فاجزني اللهم بنيّتى إذ فقدت صالح الأعوان وعدمت الناصرين.» ثمّ تحدّرت دموعه يبكى. فذكر عمّن حضر مجلس المهتدى، أنّه رأى سليمان بن وهب فى ذلك اليوم يقول: - «يا أمير المؤمنين، أتأذن لى أن أكتب إلى موسى بما أسمع منك؟» فقال: «نعم أكتب بما تسمع منّى وإن أمكنك أن تنقشه فى الصخر فافعل.» ولمّا تلقّاه الهاشميّان والرسل لم يغنيا، وضجّ الموالي وكادوا يثبون بالرسل وردّ موسى فى جواب الرسالة يعتذر بما عاين الرسل الموجّهون إليه، وأنّه ليس يرضى القوم إلّا بورود باب أمير المؤمنين، وإن رام التخلّف عنهم لم

стр. 1997

يأمنهم على نفسه. وأوفد موسى مع الرسل وفدا من عسكره. وكان كنجور نفى أيّام المعتزّ إلى فارس ثمّ لحق بأبى دلف وأثّر بالأهواز آثارا قبيحة. فلمّا أقبل موسى انضمّ إليه فبلغ ذلك صالحا فكتب عن المهتدى فى حمل كنجور مقيّدا، فأبى ذلك الموالي. ووجّه المهتدى أخاه إبراهيم لامه فى كنجور يعلمه أنّ [٤٤٦] الموالي لا يقارّون كنجور ويأمره بتقييده وحمله إلى بغداد. فكان جوابهم أن قالوا: - «إذا دخلنا سرّ من رأى امتثلنا رأى أمير المؤمنين فى كنجور وغيره.» وفى شوّال من هذه السنة ظهر فى فرات البصرة رجل علوىّ فجمع زنج البصرة الذين [كانوا] [١] يكسحون السّباخ ثمّ عبر إلى دجلة. ذكر خبر العلوىّ صاحب الزنج ومبدأ أمره وسبب خروجه هذا الرجل مولده قرية من قرى الرىّ يقال لها ورزنين وقد شكّ قوم فى نسبه [٢] وسمعت من لا أرتاب بخبره أنه صحيح النسب. وهو علىّ بن محمد بن أحمد بن علىّ بن عيسى بن زيد بن علىّ بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب ﵈. واتصل بقوم من حاشية المنتصر وغيرهم من كتّاب السلطان فكان يمدحهم ويستميحهم بشعره. ثمّ شخص إلى البحرين ودعا قوما إلى طاعته، فاتبعه جماعة من أهلها ووقعت بسببه عصبيّة قتل فيها جماعة. فانتقل إلى الأحساء. فحدث مثل ذلك بها فانتقل إلى البادية وادّعى النبوّة ومعجزات

стр. 1998

ذكرها عن نفسه. أحدها أنّه زعم أن سحابة أظلّته [٤٤٧] بالبادية، فبرقت ورعدت، فاتصل صوت الرعد بسمعه قال: فخوطبت فقيل: - «اقصد البصرة.» فقلت لأصحابى وهم مطيفون بى: - «أمرت بكذا. وكان سبب خروجي إلى البصرة.» فتبعه قوم بالبصرة منهم علىّ بن أبان المهلّبى وأخوه محمد بن الخليل وغيرهم وعامل البصرة يومئذ محمد بن رجاء الحضارى من قبل السلطان ووافق [ذلك] [١] فتنة البلاليّة والسعديّة. فطمع فى أحد الفريقين ووافى برنجل قصرا فعرف بقصر القرشىّ. وأظهر أنّه وكيل لولد الواثق فى بيع السباخ، وأقام أيّاما. فذكر عن ريحان وهو أحد غلمان الشورجيّين [٢] وهو أوّل من صحبه أنّه قال: كنت موكّلا بغلمان مولاي، أنقل الدقيق إليهم من البصرة وأفرّقه فيهم. فحملت إليهم يوما الرسم فمررت به وهو مقيم ببرنجل فى قصر القرشىّ. فأخذنى أصحابه فصاروا بى إليه، وأمرونى بالتسليم عليه بالإمرة. ففعلت فسألنى عن الموضع الذي جئت منه، فقلت: - «من البصرة.» قال: «هل سمعت لنا بالبصرة خبرا؟» فقلت: «لا.» قال: «فما خبر البلاليّة والسعديّة؟» قلت: «لا أعرف خبرهم.»

стр. 1999

فسألنى عن أخبار الشورجيّين وما يجرى لكلّ غلام منهم من الدقيق والتمر، وعمّن يعمل فى الشورج [٤٤٨] من الأحرار والعبيد، فأعلمته ذلك. فدعاني إلى ما هو عليه فأجبته. فقال لى: - «احتل فيمن قدرت عليه من الغلمان فأقبل بهم إلىّ.» ووعدني أن يقوّدنى على من آتيه به منهم وأن يحسن إلىّ، واستحلفني ألّا أعلم أحدا بموضعه وأن أرجع إليه، فخلّى سبيلي فأتيت بالدقيق الذي معى إلى الموضع الذي كنت قصدته، وأقمت فيه يومى، ثمّ رجعت إليه من غد فوافيته وقد قدم عليه غلمان كان وجّههم إلى البصرة فى حوائج له وفيما حمل له حريرة يتّخذها لواء [١] فأمر أن يكتب عليها بحمرة وخضرة: «إِنَّ الله اشْتَرى من الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ.» ٩: ١١١ إلى آخر الآية. [٢] وكتب اسمه واسم أبيه وعلّقها فى رأس مردىّ [٣] وخرج فى السحر من ليلة السبت لليلتين بقيتا من شهر رمضان. فلمّا صار فى مؤخّر القصر الذي كان فيه لقيه غلمان رجل من الشورجيّين متوجّهين إلى أعمالهم. فأمر بأخذهم فأخذوا وكتف وكيلهم وأخذه معهم، وكانوا خمسين غلاما، وكان أهل البصرة فى ذلك الزمان يشترون الزنوج ويخرجونهم إلى السباخ فيكسحونها حتّى يصلوا إلى التربة الطيّبة فيعمرونها، وكسوح الزنج [٤٤٩] بالبصرة معروفة تشاهد فيها تلال كالجبال وكان فى أنهار البصرة منهم عشرات ألوف يعذّبون بهذه الخدمة، وتجرى عليهم أقواتهم من الدقيق والتمر. ثمّ إنّ هذا الرجل العلوىّ سار من موضعه الذي ذكرنا، فصار إلى الموضع

стр. 2000

الذي يعمل فيه البستاني، فأخذ منه خمسمائة غلام وأخذ وكيلهم فكتفه، ثمّ إلى موضع السيرافىّ فأخذ منه خمسمائة غلام، ولم يزل يومه يفعل ذلك حتّى اجتمع له خلق من غلمان الشورجيّين، ثمّ جمعهم وقام فيهم خطيبا. فمنّاهم ووعدهم أن يقوّدهم ويملّكهم الأموال. وحلف لهم بالأيمان الغلاظ ألّا يغدر بهم ولا يخذلهم ولا يدع ممكنا من الإحسان إلّا أتى إليهم. ثمّ دعا مواليهم فقال: - «أردت أن أضرب أعناقكم لإساءتكم إلى هؤلاء الغلمان الذين استضعفتموهم وفعلتم بهم ما حرّم الله عليكم وحمّلتموهم ما لا يطيقون فكلّمنى أصحابى فيكم فرأيت إطلاقكم.» فقالوا: «إنّ هؤلاء الغلمان أبّاق وهم يهربون منك، فلا يبقون عليك ولا علينا. فخذ منّا مالا وأطلقهم لنا.» فأمر غلمانه فأحضروا شطبا، ثمّ بطح كلّ قوم مولاهم، فضرب كلّ رجل خمسمائة شطب، وأحلفهم بطلاق [٤٥٠] نسائهم ألّا يعلموا أحدا بموضعه ولا بعدد أصحابه. فأطلقهم. ثمّ سار حتّى عبر دجيلا وصار إلى نهر ميمون فى سفن سماد وجدها، وأقام بجمع السودان إلى يوم الفطر. فلمّا أصبح نادى فى أصحابه بالاجتماع لصلاة الفطر فاجتمعوا وركّز المردىّ الذي عليه لواءه وصلّى وخطب خطبة ذكر فيها ما كانوا عليه من سوء الحال، وأنّ الله قد استنقذهم من ذلك وأنّه يريد أن يرفع أقدارهم ويملّكهم العبيد والأموال والمنازل ويبلغ بهم أعلى الأمور، ثمّ حلف لهم على ذلك. فلمّا فرغ من صلاته وخطبته أمر الذين فهموا عنه قوله أن يفهّموه من لم يفهم من عجمهم لتطيب بذلك أنفسهم ففعلوا ذلك ودخل القصر. ثمّ إنّ الحميري قصد جماعة من أصحابه فأخرجوهم إلى الصحراء.
следующие страницы →