← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

وراءهم وغلبة الطالبىّ وأتباعه من الديلم عليه. فشخص الهاشميّان مع جماعة من الوجوه والموالي وأقبل موسى يسير وصالح بن وصيف يعظّم ذلك على المهتدى وينسبه إلى العصيان والخلاف. وكان المهتدى قد هجر الشرب وكسر آلات الشراب، وكان ينسك ويجلس على اللبود ويجلس للمظالم ويشتغل بالصوم والصلاة ودرس القرآن. فذكر أنّ كتاب صاحب البريد بهمذان ورد عليه بفصول [١] موسى عنها. فرفع المهتدى يده إلى السماء وقال بعد حمد الله والثناء عليه: - «اللهم إنّى أبرأ إليك من فعل موسى بن بغا وإخلاله بالثغر وإباحته العدوّ وقد [٤٤٥] أعذرت إليه فيما بيني وبينه اللهم تولّ [٢] من كاد المسلمين. وانصر جيوش المسلمين حيث كانوا. اللهم إنّى شاخص نفسي إلى حيث نكب فيه المسلمون ناصرا لهم ودافعا عنهم، فاجزني اللهم بنيّتى إذ فقدت صالح الأعوان وعدمت الناصرين.» ثمّ تحدّرت دموعه يبكى. فذكر عمّن حضر مجلس المهتدى، أنّه رأى سليمان بن وهب فى ذلك اليوم يقول: - «يا أمير المؤمنين، أتأذن لى أن أكتب إلى موسى بما أسمع منك؟» فقال: «نعم أكتب بما تسمع منّى وإن أمكنك أن تنقشه فى الصخر فافعل.» ولمّا تلقّاه الهاشميّان والرسل لم يغنيا، وضجّ الموالي وكادوا يثبون بالرسل وردّ موسى فى جواب الرسالة يعتذر بما عاين الرسل الموجّهون إليه، وأنّه ليس يرضى القوم إلّا بورود باب أمير المؤمنين، وإن رام التخلّف عنهم لم

стр. 1997

يأمنهم على نفسه. وأوفد موسى مع الرسل وفدا من عسكره. وكان كنجور نفى أيّام المعتزّ إلى فارس ثمّ لحق بأبى دلف وأثّر بالأهواز آثارا قبيحة. فلمّا أقبل موسى انضمّ إليه فبلغ ذلك صالحا فكتب عن المهتدى فى حمل كنجور مقيّدا، فأبى ذلك الموالي. ووجّه المهتدى أخاه إبراهيم لامه فى كنجور يعلمه أنّ [٤٤٦] الموالي لا يقارّون كنجور ويأمره بتقييده وحمله إلى بغداد. فكان جوابهم أن قالوا: - «إذا دخلنا سرّ من رأى امتثلنا رأى أمير المؤمنين فى كنجور وغيره.» وفى شوّال من هذه السنة ظهر فى فرات البصرة رجل علوىّ فجمع زنج البصرة الذين [كانوا] [١] يكسحون السّباخ ثمّ عبر إلى دجلة. ذكر خبر العلوىّ صاحب الزنج ومبدأ أمره وسبب خروجه هذا الرجل مولده قرية من قرى الرىّ يقال لها ورزنين وقد شكّ قوم فى نسبه [٢] وسمعت من لا أرتاب بخبره أنه صحيح النسب. وهو علىّ بن محمد بن أحمد بن علىّ بن عيسى بن زيد بن علىّ بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب ﵈. واتصل بقوم من حاشية المنتصر وغيرهم من كتّاب السلطان فكان يمدحهم ويستميحهم بشعره. ثمّ شخص إلى البحرين ودعا قوما إلى طاعته، فاتبعه جماعة من أهلها ووقعت بسببه عصبيّة قتل فيها جماعة. فانتقل إلى الأحساء. فحدث مثل ذلك بها فانتقل إلى البادية وادّعى النبوّة ومعجزات

стр. 1998

ذكرها عن نفسه. أحدها أنّه زعم أن سحابة أظلّته [٤٤٧] بالبادية، فبرقت ورعدت، فاتصل صوت الرعد بسمعه قال: فخوطبت فقيل: - «اقصد البصرة.» فقلت لأصحابى وهم مطيفون بى: - «أمرت بكذا. وكان سبب خروجي إلى البصرة.» فتبعه قوم بالبصرة منهم علىّ بن أبان المهلّبى وأخوه محمد بن الخليل وغيرهم وعامل البصرة يومئذ محمد بن رجاء الحضارى من قبل السلطان ووافق [ذلك] [١] فتنة البلاليّة والسعديّة. فطمع فى أحد الفريقين ووافى برنجل قصرا فعرف بقصر القرشىّ. وأظهر أنّه وكيل لولد الواثق فى بيع السباخ، وأقام أيّاما. فذكر عن ريحان وهو أحد غلمان الشورجيّين [٢] وهو أوّل من صحبه أنّه قال: كنت موكّلا بغلمان مولاي، أنقل الدقيق إليهم من البصرة وأفرّقه فيهم. فحملت إليهم يوما الرسم فمررت به وهو مقيم ببرنجل فى قصر القرشىّ. فأخذنى أصحابه فصاروا بى إليه، وأمرونى بالتسليم عليه بالإمرة. ففعلت فسألنى عن الموضع الذي جئت منه، فقلت: - «من البصرة.» قال: «هل سمعت لنا بالبصرة خبرا؟» فقلت: «لا.» قال: «فما خبر البلاليّة والسعديّة؟» قلت: «لا أعرف خبرهم.»

стр. 1999

فسألنى عن أخبار الشورجيّين وما يجرى لكلّ غلام منهم من الدقيق والتمر، وعمّن يعمل فى الشورج [٤٤٨] من الأحرار والعبيد، فأعلمته ذلك. فدعاني إلى ما هو عليه فأجبته. فقال لى: - «احتل فيمن قدرت عليه من الغلمان فأقبل بهم إلىّ.» ووعدني أن يقوّدنى على من آتيه به منهم وأن يحسن إلىّ، واستحلفني ألّا أعلم أحدا بموضعه وأن أرجع إليه، فخلّى سبيلي فأتيت بالدقيق الذي معى إلى الموضع الذي كنت قصدته، وأقمت فيه يومى، ثمّ رجعت إليه من غد فوافيته وقد قدم عليه غلمان كان وجّههم إلى البصرة فى حوائج له وفيما حمل له حريرة يتّخذها لواء [١] فأمر أن يكتب عليها بحمرة وخضرة: «إِنَّ الله اشْتَرى من الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ.» ٩: ١١١ إلى آخر الآية. [٢] وكتب اسمه واسم أبيه وعلّقها فى رأس مردىّ [٣] وخرج فى السحر من ليلة السبت لليلتين بقيتا من شهر رمضان. فلمّا صار فى مؤخّر القصر الذي كان فيه لقيه غلمان رجل من الشورجيّين متوجّهين إلى أعمالهم. فأمر بأخذهم فأخذوا وكتف وكيلهم وأخذه معهم، وكانوا خمسين غلاما، وكان أهل البصرة فى ذلك الزمان يشترون الزنوج ويخرجونهم إلى السباخ فيكسحونها حتّى يصلوا إلى التربة الطيّبة فيعمرونها، وكسوح الزنج [٤٤٩] بالبصرة معروفة تشاهد فيها تلال كالجبال وكان فى أنهار البصرة منهم عشرات ألوف يعذّبون بهذه الخدمة، وتجرى عليهم أقواتهم من الدقيق والتمر. ثمّ إنّ هذا الرجل العلوىّ سار من موضعه الذي ذكرنا، فصار إلى الموضع

стр. 2000

الذي يعمل فيه البستاني، فأخذ منه خمسمائة غلام وأخذ وكيلهم فكتفه، ثمّ إلى موضع السيرافىّ فأخذ منه خمسمائة غلام، ولم يزل يومه يفعل ذلك حتّى اجتمع له خلق من غلمان الشورجيّين، ثمّ جمعهم وقام فيهم خطيبا. فمنّاهم ووعدهم أن يقوّدهم ويملّكهم الأموال. وحلف لهم بالأيمان الغلاظ ألّا يغدر بهم ولا يخذلهم ولا يدع ممكنا من الإحسان إلّا أتى إليهم. ثمّ دعا مواليهم فقال: - «أردت أن أضرب أعناقكم لإساءتكم إلى هؤلاء الغلمان الذين استضعفتموهم وفعلتم بهم ما حرّم الله عليكم وحمّلتموهم ما لا يطيقون فكلّمنى أصحابى فيكم فرأيت إطلاقكم.» فقالوا: «إنّ هؤلاء الغلمان أبّاق وهم يهربون منك، فلا يبقون عليك ولا علينا. فخذ منّا مالا وأطلقهم لنا.» فأمر غلمانه فأحضروا شطبا، ثمّ بطح كلّ قوم مولاهم، فضرب كلّ رجل خمسمائة شطب، وأحلفهم بطلاق [٤٥٠] نسائهم ألّا يعلموا أحدا بموضعه ولا بعدد أصحابه. فأطلقهم. ثمّ سار حتّى عبر دجيلا وصار إلى نهر ميمون فى سفن سماد وجدها، وأقام بجمع السودان إلى يوم الفطر. فلمّا أصبح نادى فى أصحابه بالاجتماع لصلاة الفطر فاجتمعوا وركّز المردىّ الذي عليه لواءه وصلّى وخطب خطبة ذكر فيها ما كانوا عليه من سوء الحال، وأنّ الله قد استنقذهم من ذلك وأنّه يريد أن يرفع أقدارهم ويملّكهم العبيد والأموال والمنازل ويبلغ بهم أعلى الأمور، ثمّ حلف لهم على ذلك. فلمّا فرغ من صلاته وخطبته أمر الذين فهموا عنه قوله أن يفهّموه من لم يفهم من عجمهم لتطيب بذلك أنفسهم ففعلوا ذلك ودخل القصر. ثمّ إنّ الحميري قصد جماعة من أصحابه فأخرجوهم إلى الصحراء.

стр. 2001

فلحقهم صاحب الزنج فيمن معه فأوقع بالحميرى وأصحابه فانهزموا، واستأمن إليه رجل من رؤساء الزنج يكنّى بأبى صالح فى ثلاثمائة من الزنج، فمنّاهم ووعدهم خيرا. وكان ابن أبى عون قد قلّد الأبلّة وكور دجلة، وانتهى إليه أنّ عقيلا والحميري مع خليفة ابن أبى عون قد أقبلوا نحوه ونزلوا نهر طين، فأمر أصحابه بالمصير [٤٥١] إلى الزريقية فوصلوا إليها مع صلاة الظهر فصلّوا بها ثمّ استعدّوا للقتال وليس فى عسكره يومئذ إلّا ثلاثة أسياف ونهض راجعا نحو المحمدية فوافاها، وتلاحق إليه أصحابه وكان جعل علىّ بن أبان فى آخر أصحابه وأمره أن يتعرّف خبر من يأتيه من ورائه. فأتاه وقال له: - «كنّا نرى من ورائنا بارقة ونسمع حسّا لقوم يتبعوننا فلسنا ندري أرجعوا عنّا أم هم قاصدون إلينا.» فلم يستتمّ كلامه حتّى لحق القوم وتنادى الزنج: - «السلاح.» فيبدر مفرّج النوبى وريحان وفتح الحجّام- وكان فتح يأكل- فلمّا نهض تناول طبقا كان بين يديه، وتقدّم أصحابه فلقيه رجل فحمل عليه وحذفه [١] بالطبق الذي كان فى يده، وذهب ليكبّ عليه فرمى الرجل بسلاحه وولّى وانهزم أصحابه، وكانوا أربعة آلاف، رجل فذهبوا على وجوههم وقتل من قتل منهم ومات بعضهم عطشا وأتى منهم بأسرى فأمر بضرب أعناقهم وحملت الرؤوس على بغال كان أخذها من الشورجيّين كانت تنقل الشورج، ومضى حتّى وافى القادسيّة وقت المغرب. فخرج رجل من موالي الهاشميّين فقتل رجلا من السودان وأتاه الخبر [٤٥٢] فقال له أصحابه:

стр. 2002

- «ايذن لنا فى انتهاب القرية وطلب قاتل صاحبنا.» فقال: «لا سبيل إلى ذلك دون أن نعرف ما عند القوم، وهل كان ذلك عن رأيهم، ونسألهم أن يدفعوه إلينا، فإن فعلوا وإلّا ساغ لنا قتالهم.» وأعجلهم المسير حتّى مضى إلى نهر ميمون إلى المسجد الذي كان فيه، فى بدأته، وأمر بالرؤوس التي حملت معه فنصبت، وأمر بالأذان أبا صالح النوبى، فأذّن وسلّم عليه بالإمرة فقام وصلّى بأصحابه العشاء الآخرة وبات بها. ثمّ مضى إلى الكرخ فطواها. ثمّ عبر دجيلا بجبّى [١] فى مخاضة دلّ عليها ولم يدخل القرية وأقام خارجا منها وأرسل إلى من فيها فأتاه رؤساؤهم ورؤساء الكرخ فأمرهم بإقامة الأتراك له ولأصحابه فأقيم لهم ما أراد وبات ليلته. فلمّا أصبح أهدى له رجل من أهل جبّى فرسا كميتا فلم يجد له سرجا ولا لجاما. فركبه بحبل وشنقه [٢] بليف وسار حتّى انتهى إلى العباس فأخذ منه دليلا إلى السيب وهرب أهل القرية فدخلها ونزل دار جعفر بن سليمان وهي فى السوق وتفرّق أصحابه فى القرية، فأتوه برجل فسأله عن وكلاء الهاشميّين فأخبره أنّهم فى الأجمة فوجّه وأحضر رئيسهم [٤٥٣] فسألهم وإيّاه عن المال فقال: - «لا مال عندي.» فأمر بضرب عنقه. فلمّا خاف القتل أقرّ بمال دفنه. فوجّه معه قوما، فأتاه بمائتي وخمسين دينارا وبألف درهم [٣] . فهذا أوّل مال صار إليه. ثمّ سأله

стр. 2003

عن دوابّ وكلاء الهاشميّين فدلّه على ثلاثة براذين فدفعها إلى رؤساء أصحابه. ووجدوا دارا لبعض بنى هاشم فيها سلاح فانتهبوه وصار فى أيدى الزنج سيوف وآلات وزقايات وتراس وبات ليلته. فلمّا أصبح أتاه الخبر أنّ رميسا والحميري وعقيلا قد وافوا السيّب فوجّه يحيى بن محمد فى خمسمائة رجل فيهم سليمان وريحان وصالح النوبىّ الصغير فلقوا القوم فهزموهم وأخذوا سميريّة وسلاحا وهرب من كان هناك ورجع يحيى بن محمد فأخبره الخبر فأقام يومه ثمّ سار يزيد المذار. فلمّا صار ببامداد [١] وهو نهر جاوزه حتّى أصحر فرأى بستانا وتلّا فقصد التلّ فقعد عليه وانبثّ [٢] أصحابه فى الصحراء وجعل لنفسه طليعة فأتاه الطليعة أو أرسل إليه يخبره أنّ رميسا بشاطئ دجلة يطلب رجلا يؤدّى عنه رسالة. فوجّه إليه علىّ بن أبان ومحمد بن سلم وسليمان بن جامع، فلمّا أتوه قال: - «اقرأوا [٤٥٤] على صاحبكم السلام وقولوا له: أنت آمن على نفسك حيث سلكت من الأرض. أردد هؤلاء العبيد على مواليهم وآخذ لك عن كلّ رأس خمسة دنانير.» فأتوه فأعلموه ما قال لهم رميس فغضب وآلى ليرجعنّ فليبقرنّ بطن امرأة رميس وليحرقنّ داره وليخوضنّ الدماء هناك. فذهبوا إليه فأجابوه فانصرف عنه. ثمّ تعرّض له رميس والحميري وصاحب ابن أبى عون مرارا فى كلّ ذلك يهزمهم ويقتل أصحابهم ويأسر منهم ويغنم وكان يجمع الرؤوس ويأمر بالاحتفاظ بها، حتّى إذا رجع إلى موضعه من نهر ميمون نصبها هنالك. ثمّ إنّه صار إلى القرية التي قتل فيها رجل من أصحابه فأمر من يصير إليها

стр. 2004

فيسأل أهلها أن يسلّموا إليه القاتل فى ممرّه كان بهم. فرجع إليه فأخبره أنّهم زعموا أنّه لا طاقة لهم بذلك الرجل لولائه من الهاشميّين ومنعهم له، فصاح بالغلمان وأمرهم بانتهاب القرية فانتهب منها مالا عظيما عينا وورقا وجوهرا وحليّا وأوانى ذهبا وفضّة وسبى يومئذ غلمانا ونسوة، وذلك أوّل شيء سبى. وأتى بمولى الهاشميّين القاتل فضرب عنقه [٤٥٥] وأخذ أصحابه شرابا وجدوه وبلغه ذلك فحرّم النبيذ عليهم وقال لهم: - «أنتم تلاقون الجيوش فدعوا شرب النبيذ.» فأجابوه إلى ذلك. وواقع من غد هذا اليوم أصحاب رميس وأصحاب عقيل على الشطّ والدنبلا [١] فى السفن يرمون بالنشّاب فحمل عليهم الزنج فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وهبّت ريح من غربىّ دجيل فحملت السفن إلى الشطّ فوثب إليها السودان فقتلوا من فيها وهرب رميس فنزل سفينة فأنهبها أصحابه وأحرقها. وقعته مع بعض الأتراك وكثر بعد ذلك عيثه وعظمت شوكته وسبى وأفسد وعظمت نكايته. فمن عظيم ما كان له من الوقائع مع السلطان وقعة كانت مع بعض الأتراك يكنّى أبا هلال فى سوق الريّان أو ذلك أنّ هذا التركىّ وافاهم فى هذه السوق ومعه أربعة آلاف رجل أو يزيدون وفى مقدّمته قوم عليهم ثياب مشهرة وأعلام وطبول. فحمل عليهم السودان حملة صادقة وانتهى بعض السودان إلى صاحب علم القوم فضربه بخشبتين كانتا فى يده فصرعه وانهزم القوم وتلاحق السودان فقتلوا من أصحاب [٤٥٦] ابن هلال ألف وخمسمائة ونجا

стр. 2005

أبو هلال على دابّة عربىّ [١] وحالت ظلمة الليل بينهم. فلمّا أصبح أمر بتتبّعهم ففعلوا وجاءوا بأسرى ورؤوس، فقتل الأسرى كلّهم. وكانت له وقعة أخرى بعد هذه الوقعة شبيهة بهذه ظفر فيها بأصحاب السلطان وكانت له وقعات عظام تركنا ذكرها لأنّنا لم نجد فيها غير إقدام الزنج بجهلهم وطمعهم وسوء ثبات [٢] الجند لهم وأنّهم تهيّبوهم فكانوا كالجزّارين يقعون فى الغنم فيقتلون كيف شاءوا ومثل هذه الحروب لا يستفاد منها تجربة، فلذلك أعرضت عن ذكرها إلى أن أضعف أهل البصرة فلم يبق فيهم من يخرج إليه وقتل أصحاب السلطان فتهيّبه الناس. أشدّ يوم لقيه صاحب الزنج فحكى صاحب الزنج أنّه لم يلق يوما أشدّ من يوم الشذاة وهو يوم استشدّ له أهل البصرة فلم يبق فيها سعدىّ ولا بلالىّ ولا أحد من أصحاب السلطان ولا غيرهم إلّا جمعوا له. وكان هناك رجل يعرف بحمّاد الساجىّ وكان من غزاة البحر فى الشذوات وله علم بالحروب فيها، فجمع فى شذاءاته المطوّعة ورماة الأهداف ولم يبق بالبصرة من يحمل [٤٥٧] السلاح إلّا خرج. إمّا فى الشذاءات وإمّا على الظهر، وانضمّ إليه النظّارة ومن لا سلاح معه ولم يشكّوا فى اصطلام صاحب الزنج وأصحابه، فدخلت الشذاءات والسفن التي معها النهر المعروف بأمّ حبيب، ومرّت الرجّالة والنظّارة على شاطئ النهر وقد سدّوا ما ينفذ فيه البصر تكاثفا وكثرة. فقال بعد ذلك صاحب الزنج: «إنّى لمّا رأيت ذلك الجمع عانيت أمرا هائلا وراعني ذلك وملأ صدري

стр. 2006

رهبة وجزعا وفزعت إلى الدعاء وليس منّا أحد إلّا وقد خيّل إليه مصرعه فجعل مصلح يعجبني من كثرة الجمع وأنا أومئ إليه بالسكوت وعيّنت أصحابى وجعلت لهم كمينين وقلت لمن لقى القوم: - «اجثوا لهم واستتروا بتراسكم ولا يثورنّ أحد منكم حتى يوافيكم القوم ويومئوا إليكم بأسيافهم فحينئذ ثوروا.» وأمرت نساء الزنج بجمع الآجر وإمداد الرجال به. ففعلوا [١] ذلك. فلمّا رأوا أصحابى وخرج الكمينان من جنبتي النهر ومن وراء السفن فصاحوا بهم. رأيت سميريّة قد انقلبت. وتبعها آخر. وانهزم من كان على الشطّ. فقتلت طائفة وهربت طائفة وغرقت طائفة ومن هرب طمعا فى النجاة أدركه السيف والغرق [٤٥٨] فأبير ذلك الجمع ولم ينج منهم إلّا الشريد وكثر المفقودون من البصرة وهذا يوم الشذا الذي عظّمته الناس وذكروا كثرة من قتل فيه. فكان فيهم من ولد جعفر بن سليمان عدّة فى خلق لا يحصى عددهم. وأمر الخبيث بجمع الرؤوس وذهب إليه أولياؤه فعرضها عليهم فأخذوا ما عرفوا منها وعبّأ ما بقي عنده فى سفينة وأخرجها من النهر وأطلقها مع الماء فوافت البصرة فوقفت فى مشرعة تعرف بمشرعة القيّار. فجعل الناس يأخذون ما عرفوا. وقوى الخبيث بعد هذا اليوم وضعف طالبوه بل لم يبق له طالب. فقال له أصحابه: - «إنّا قتلنا مقاتلة البصرة ولم يبق فيها إلّا من لا حراك به فأذن لنا فى تقحّمها.» فزبرهم وهجّن آراءهم وقال:

стр. 2007

- «بل ابعدوا عنهم فقد أرعبناهم وأحفظناهم، والرأى أن تدعوا حربهم حتّى يكونوا هم الذين يطلبونكم.» ثمّ انصرف بأصحابه إلى سبخة أى قرّة، وهي بين نهرين وأمر أصحابه باتّخاذ الأكواخ وهذه السبخة بين النخل والقرى والعمارات فكان أصحابه يغيرون يمينا وشمالا ويسوقون مواشى الأكرة وينتهبون أموالهم. ثمّ دخلت سنة ستّ وخمسين ومائتين [٤٥٩] موافاة موسى بن بغا سرّ من رأى وفيها وافى موسى بن بغا سرّ من رأى واستخفى صالح بن وصيف لمقدمه وعبّأ موسى أصحابه ميمنة وميسرة وقلبا فى السلاح حتّى صار إلى باب الجسر ممّا يلي الجوسق. وكان المهدى ذلك اليوم جالسا للمظالم فأعلم بمكانه فأمسك عن الإذن لهم ساعة ثمّ أذن لهم. فدخلوا فجرى كلام نحو ما جرى يوم قدم الوفد. فلمّا طال الكلام تراطن الترك فيما بينهم وقالوا بالتركيّة: - «هذه المطاولة إنّما هي حيلة حتّى يكبسنا صالح.» فخافوا ذلك فأقاموه من مجلسه وحملوه على دابّة من دوابّ الشاكرية وانتهبوا ما كان فى الجوسق من دوابّ الخاصة ومضوا به إلى دار ياجور. ثمّ أخذوا هناك عليه العهود والمواثيق ألّا يمايل صلحا عليه ولا يضمر لهم إلّا مثل ما يظهره، وجدّدوا البيعة ووجّهوا إلى صالح أن يحضرهم للمناظرة فوعدهم أن يصير إليهم وقال لهم بعض رؤساء الفراغنة: - «ما الذي تطلبون من صالح بن وصيف؟» فقال موسى: - «دماء الكتّاب وأموالهم ودم المعتزّ وأمواله.»

стр. 2008

فاستتر صالح بن وصيف فمضى ياجور فأتى بالحسن بن مخلد من الموضع الذي كان فيه محبوسا من دار صالح بن وصيف، وردّ المهتدى [٤٦٠] إلى الجوسق ودفع عبد الله بن محمد بن يزداذ إلى الحسن بن مخلد وولّى سليمان بن عبد الله بن طاهر بغداد وأظهر النداء على صالح. وفى هذه السنة لثمان بقين من صفر قتل صالح بن وصيف. ذكر السبب فى ظهور صالح وقتل الموالي وموسى إيّاه كان سبب ذلك أنّ امرأة جاءت بكتاب فدفعته إلى كافور الخادم الموكّل بالحرم وقالت [١] : - «فيه نصيحة ومنزلي فى موضع كذا من مكان كذا، فإن أردتمونى فاطلبونى هناك.» فأوصل الكتاب إلى المهتدى وأمر بطلب المرأة فى الموضع الذي وصفت فلم يعرف لها خبر ولم يوقف لها على أثر. فدعا المهتدى بسليمان بن وهب بحضرة جماعة فيهم موسى بن بغا ومفلح وياجور وبايكباك وغيرهم وقال له: - «تعرف هذا الخطّ؟» قال: «نعم هذا خطّ صالح يذكر فيه أنّه مستخف بسرّ من رأى وأنّه إنّما استتر طلبا للسلامة وإبقاء على الموالي وخوفا من اتصال الفتن لحرب إن حدثت بينهم.» ثمّ ذكر ما صار إليه من الأموال للكتّاب وغيرهم وقال:

стр. 2009

- «إنّ علم ذلك عند الحسن بن مخلد وهو [٤٦١] أحدهم.» ثمّ ذكر ما وصل إليه وتولّى تفريقه، وذكر ما صار إليه من أموال قبيحة وأنّ علم ذلك عند أبى صالح بن يزداذ. ثمّ ذكر أشياء فى هذا المعنى بعضها اعتذاراته وبعضها احتجاجاته. فلمّا فرغ سليمان من قراءة الكتاب وصله المهتدى بقول يحثّ فيه على الألفة والصلح ويكرّه إليهم الفرقة والتفانى والتباغض. فدعاهم هذا الكلام منه إلى تهمته وأنّه يعلم بمكان صالح. فكان بينهم فى هذا كلام كثير ومناظرات طويلة. ثمّ أصبحوا من الغد كلّهم فى دار موسى فى داخل الجوسق يتراطنون بالتركية فسمع بعضهم يقول: - «أجمع القوم على خلع المهتدى.» كلام المهتدى للمجمعين على خلعه واتصل الخبر بالمهتدى فخرج إلى مجلسه متقلّدا سيفا وقد لبس ثيابا نظافا وتطيّب ثمّ أمر بإدخالهم إليه فأبوا ذلك مليّا ثمّ دخلوا عليه فقال لهم: - «إنّه قد بلغني ما أنتم عليه ولست كمن تقدّمنى مثل أحمد بن محمد المستعين ولا مثل ابن قبيحة والله ما خرجت إليكم إلّا وأنا متحنّط وقد وصّيت وهذا سيفي فو الله لأضربنّ به ما أستمسك قائمه فى يدي. ويحكم إمّا دين إمّا حياء كم يكون الخلاف على الخلفاء [٤٦٢] والإقدام والجرأة على الله سواء عندكم من أبقى عليكم وأراد صلاحكم ومن إذا بلغه مثل هذا عنكم دعا بأرطال الشراب فشربها سرورا بمكروهكم وحبّا لبواركم. خبّرونى عنكم، هل تعلمون أنّه وصل إلىّ من دنياكم شيء أمّا إنّك لتعلم يا بايكباك أنّ بعض المتصلين بك أيسر من جماعة إخوتى وولدي. وانظروا هل ترون

стр. 2010

فى منزل أحد منهم فرشا أو وصائف أو خدما أو جواري أو لهم ضياع أو مستغلات؟ سوءة لكم، ثمّ تقولون أنّى أعلم علم صالح، وهل صالح إلّا رجل من الموالي كواحد منكم، فكيف أكون معه إذا ساء رأيكم فيه؟ إن آثرتم الصلح كان ذلك ما أهوى لجميعكم وإن أبيتم إلّا ما أنتم عليه فشأنكم. اطلبوا صالحا وابلغوا شفاء أنفسكم منه فأمّا أنا فما أعلم علمه.» قالوا: «فاحلف لنا على ذلك.» قال: «أنا أبذل لكم يميني ولكن أؤخّرها حتّى تكون بحضرة الهاشميين والقضاة والعدول وأصحاب المراتب فى غد إذا صلّيت الجمعة.» فكأنّهم لانوا قليلا ووجّه في إحضار الهاشميين فحضروا فى عشيّته فلم يذكر لهم شيئا وأمروا بالمصير إلى الدار لصلاة الجمعة فانصرفوا وغدا الناس فلم يحدثوا شيئا [٤٦٣] وصلّى المهتدى وسكن الناس وانصرفوا هادئين. وحكى بعضهم ممّن سمع كلام المهتدى مع موسى والجماعة أنّ المهتدى قال: - «إن كان صالح قد أخذ من مال قبيحة والكتّاب شيئا فقد أخذ مثل ذلك بايكباك ومحمد بن بغا، فقد كانا حاضرين وهم شركاء فى جميع ما جرى.» فأحفظ ذلك أبا نصر محمد بن بغا وبايكباك وقد كان القوم من لدن قدم موسى بن بغا مضمرين هذا المعنى من الغلّ وإنّما منعهم من المطالبة قلّة الأموال وخوف الاضطراب. فلمّا ورد عليهم مال فارس ومال الأهواز تحرّكوا وكان ورود ذلك لثلاث بقين من المحرّم ومبلغه سبعة عشر ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم. وانتشر الخبر فى العامّة أنّهم على خلع المهتدى والفتك به وأنّهم أرادوه على ذلك وأرهفوه. فكتبت رقاع وألقيت فى المسجد الجامع والطرقات فذكر بعض من قرأ رقعة منها أنّه كان فيها:

стр. 2011

- «بسم الله الرحمن الرحيم، يا معشر المسلمين، ادعوا الله لخليفتكم العدل الرضا المضاهي لعمر بن الخطّاب أن ينصره على أعدائه ويكفيه مؤونة ظالمه ويتمّ النعمة عليه وعلى هذه الأمّة ببقائه، فإن الموالي قد أخذوه [٤٦٤] بأن يخلع وهو يعذّب والمدبّر لذلك أحمد بن محمد بن ثوابة والحسن بن مخلد. رحم الله من أخلص إليه ودعا.» ثمّ تحرّك الموالي ووجّهوا إلى المهتدى: - «إنّا نحتاج أن نلقى إلى أمير المؤمنين شيئا.» وسألوا أمير المؤمنين أن يوجّه إليهم أحد إخوته فوجّه إليهم أخاه عبد الله أبا القاسم ومحمد بن ياس المعروف بالكرخىّ فمضيا إليهم فسألاهم عن شأنهم فذكروا أنهم سامعون مطيعون لأمير المؤمنين، وأنّه بلغهم أنّ موسى بن بغا وبايكباك وجماعة من قوّادهم يريدونه على الخلع وأنّهم يبذلون دماءهم دون ذلك، وأنّهم قرأوا رقاعا فى المساجد بذلك وشكوا مع ذلك سوء حالهم وتأخّر أرزاقهم وما صار من الإقطاعات إلى قوّادهم التي قد أجحفت بالخراج وغيره وما صار لكبرائهم من المعاون والزيادات على الرسوم القديمة مع الدخلاء فيهم الذين استغرقوا أكثر أموال الخراج وكثر كلامهم. فقال أبو القاسم: - «اكتبوا بذلك كتابا إلى أمير المؤمنين أتولّى إيصاله لكم.» فكتبوه فأوصله إلى المهتدى وكتب جوابه بخطّه وختمه بخاتمه وغدا به أبو القاسم وقد اجتمعوا فقال: - «يقول لكم أمير المؤمنين: هذا كتابي إليكم بخطّى وخاتمي [٤٦٥] فاسمعوه وتدبّروه.» فقرءوه وإذا فيه:

стр. 2012

- «بسم الله الرحمن الرحيم، أرشدنا الله وإيّاكم وكان لنا ولكم وليّا وحافظا. فهمت كتابكم وسرّنى ما ذكرتم من طاعتكم وما أنتم عليه، فأحسن الله جزاءكم وتولّى حياطتكم. فأمّا ما ذكرتم من خلّتكم وحاجتكم فعزيز علىّ ذلك فيكم، ووددت لو أنّ صلاحكم قد تهيّأ بألّا أطعم ولا أطعم ولدي وأهلى إلّا القوت الذي لا شبع دونه ولا ألبس أحدا من ولدي إلّا ما ستر العورة ولا والله حاطكم الله، ما صار إلىّ منذ تقلّدت أمركم، لنفسي وأهلى وولدي ومتقدّمى غلماني وحشمى إلّا خمسة عشر ألف دينار، وأنتم تقفون على ما ورد ويرد وكلّ ذلك مصروف إليكم غير مذخور عنكم. - «وأمّا ما ذكرتم ممّا بلغكم وقرأتم به الرقاع التي ألقيت فى المساجد والطرق وما بذلتم من أنفسكم فأنتم أهل ذلك، وأين تبعدون ممّا ذكرتم، وإنّما نحن نفس واحدة فجزاكم الله عن أنفسكم وعهودكم وأماناتكم خيرا، وليس الأمر كما بلغكم فعلى هذا فليكن عملكم. - «وأمّا ما ذكرتم من الإقطاعات والمعاون وغيرها، فأنا أنظر فى ذلك وأصير منه [٤٦٦] إلى محبّتكم إن شاء الله، والسلام عليكم.» فلمّا قرأوا الكتاب كثر الكلام وقالوا أشياء. فقال لهم أبو القاسم: - «اكتبوا بذلك كتابا ثانيا.» فكتبوا وقالوا: - «إنّ الذي تسألون أن تردّ الأمور إلى أمير المؤمنين، وألّا يعترض عليه معترض وأن تردّ رسومهم إلى ما كانت عليه وهو أن يكون على كلّ سبعة منهم عريف وعلى كلّ خمسين خليفة

стр. 2013

وعلى كلّ مائة قائدا وأن تسقط النساء والزيادات والمعاون وألّا يدخل مولى فى قبالة ولا غيرها وأن يوضع لهم العطاء فى كلّ شهرين على ما لم يزل وأن تبطل الإقطاعات وأن يكون أمير المؤمنين يزيد من يشاء ويرفع من يشاء.» وذكروا أنّهم صائرون إلى باب أمير المؤمنين، فمن خالف أمير المؤمنين فى شيء أخذوا رأسه وإن سقط من رأس أمير المؤمنين شعرة قتلوا موسى بن بغا وياجور وغيرهما، ودعوا الله لأمير المؤمنين. ودفعوا الكتاب إلى أبى القاسم فأوصله وتحرّك الموالي واضطرب القوّاد جدّا وقعد المهتدى للمظالم فسبق أبو القاسم فقرأ المهتدى الكتاب قراءة ظاهرة وخلا بموسى ثمّ وقّع فى كلّ باب بما أحبّوا. فقال أبو القاسم لموسى ومحمد ابني بغا وبايكباك: [٤٦٧]- «وجّهوا معى إليهم رسولا تعتذرون إليهم ممّا بلغهم عنكم.» فوجّه كلّ واحد منهم رجلا وصار أبو القاسم [إليهم] وهم فى زهاء أربعة آلاف رجل وثلاثة آلاف راجل فأقرأهم من أمير المؤمنين السلام ودفع إليهم الكتاب فقرءوه وكتبوا كتابا آخر يلتمسون أن ينفذ إليهم خمس توقيعات: توقيع بحطّ الزيادات وتوقيع بردّ الإقطاعات وتوقيع بإخراج الموالي البرّانيين من الخاصّة وتوقيع بردّ الرسوم إلى ما كانت عليه وتوقيع بردّ التلاجىّ ثمّ يصيّر أمير المؤمنين الجيش إلى أحد أخوته أو غيرهم ممّن يرى ليسفر بينه وبينهم ولا يكون رجلا من الموالي وأن يؤمر أن يحاسب صالح بن وصيف وموسى بن بغا على ما عندهما من الأموال ويعجّل لهم عطاء شهرين ويدرّ ذلك عليهم فى كلّ شهر. وكتبوا كتابا آخر إلى موسى بن بغا ومحمد بن بغا وبايكباك ومفلح

стр. 2014

وياجور وغيرهم من القوّاد يقولون إنّهم قد كتبوا بما كتبوا وإنّ أمير المؤمنين لا يمنعهم ما سألوا إن لم يعترضوا عليه وإنّهم إن فعلوا ذلك وخالفوه لم يصبروا عليهم وإنّ أمير المؤمنين إن شاكته شوكة وأخذ من رأسه شعرة [٤٦٨] أخذوا رؤوسهم جميعا وإنّه ليس يقنعهم إلّا أن يظهر صالح بن وصيف حتّى يجمع بينه وبين موسى فينظر أين مواضع الأموال، فإنّ صالحا وعدهم أن يعطيهم رزق ستّة أشهر. ثمّ دفعوا الكتاب إلى رسول موسى ووجّهوا مع أبى القاسم عدّة منهم ليوصل كتاب أمير المؤمنين وليسمعوا كلامه. فانصرفوا إلى المهتدى فأمر بإنشاء التوقيعات الخمس وأنفذها فى درج كتاب بخطّه إليهم. وكتب القوّاد أيضا جواب كتابهم وأنفذوه إليهم بإجابتهم إلى ما سألوه. وكتب أمان لصالح بن وصيف فيه: إنّ موسى وبايكباك سألا أمير المؤمنين ذلك وأكدّ ذلك غاية التأكيد وحمل إليهم. وقال لهم أبو القاسم: - «علام اجتماعكم وقد أجبتم إلى كلّ ما سألتم؟» فانصرف القوم وتفرّق القوّاد. فلمّا كان يوم السبت ركب ولد وصيف وأصحابهم وتنادى الناس: السلاح، واجتمعوا وعسكروا وركب أبو القاسم يريد دار المهتدى فمرّ بهم فتعلّقوا به وقالوا: - «قل لأمير المؤمنين إنّا نريد صالحا.» فمضى فأدّى ذلك فقال موسى: - «أراهم يطلبون صالحا منّى كأنّى أخفيته أو هو عندي [٤٦٩] إن كان عندهم له خبر فينبغي أن يظهروه.» وصحّ عندهم أنّ القوم قد تواطئوا وأنّ الناس يتحلّبون إليهم، فتهايجوا من

стр. 2015

دار أمير المؤمنين فركبوا فى السلاح واتصل [الخبر] بالأتراك فانصرفوا ركضا وعدوا لا يلوى فارس على راجل ولا كبير على صغير حتّى لحقوا بمنازلهم وزحف [موسى وأصحابه جميعا] [١] فلم يبق بسرّ من رأى قائد يركب إلى دار أمير المؤمنين إلّا ركب معه وكان تقدير الجيش الذين ركبوا مع موسى فى هذا اليوم أربعة آلاف فارس فى السلاح والقسىّ الموتّرة والدروع والجواشن والرماح والطبرزينات يريدون محاربة من يريد صالحا وكان أكثرهم هواة مع صالح. فمضوا إلى الجوسق ونادوا بأنّ من لم يظهر من قوّاد صالح وأهله وأصحابه ويحضر دار أمير المؤمنين أسقط اسمه وخرّب منزله وفعل به وصنع. ثمّ جدّ هؤلاء فى طلب صالح فهجم بسببه على جماعة ممّن كان متصلا به قبل ذلك، إلى أن عثر به غلام من موالي وصيف. فحكى الغلام قال: دخلت دارا فى زقاق أطلب ماء لأشربه، فسمعت قائلا يقول بالفارسية: - «أيّها الأمير تنحّ فقد جاء غلام يطلب ماء.» فلمّا سمعت ذلك جمعت ثلاثة أنفس وهجمت [٤٧٠] عليه فإذا صالح بيده مرآة ومشط وهو يسرّح لحيته. فلمّا رآني بادر فدخل بيتا فخفت أن يكون قصد لأخذ سيف أو سلاح فتلوّمت ثمّ نظرت إلى البيت فإذا هو قد لجأ إلى زاوية فدخلت إليه فاستخرجته فلم يزدني على التضرع شيئا، فقلت له: - «ليس إلى تركك سبيل ولكنّى أمّرتك على أبواب إخوتك وقوّادك وصنائعك فإن اعترض علىّ منهم اثنان أطلقتك فى أيديهم.» قال: فأخرجته فما لقيت أحدا إلّا من أعان على مكروهه. وحمل إلى دار

стр. 2016

موسى فأتاه القوّاد ليذهبوا به إلى الجوسق وهو على بغل باكاف. فلمّا صاروا به إلى حدّ المنارة ضربه رجل من أصحاب مفلح ضربة من ورائه على عاتقه كاد يقذّه ثمّ احتزّوا رأسه فوافوا به المهتدى وهو فى بركة قباء رجل من غلمان مفلح يقطر دما وقد قام لصلاة المغرب فلم يره فلمّا قضى صلاته وجاءوه برأسه لم يزدهم على أن قال: - «واروه.» وأخذ فى تسبيحه. فلمّا كان من الغد طيف به على قناة ونودى عليه: - «هذا جزاء من قتل مولاه وأمر بقتل مولاه.» ونصب بباب العامّة، فعل ذلك [٤٧١] به ثلاثة أيّام. وفى رجب من هذه السنة خلع المهتدى وقتل ذكر سبب خلعه وقتاله الأتراك وظفرهم به وقتلهم إيّاه كان ظهر مساور الشاري بناحية الموصل فكثر اتباعه وعيثه وهزم عدّة جيوش للسلطان. فندب له موسى بن بغا فوضع موسى العطاء لأصحابه وكان على مناجزة الشاري وقصده طريق خراسان. فقال بعضهم: سبب ذلك أنّ المهتدى استمال بايكباك وهو مقيم مع موسى فى وجه مساور الشاري وكتب إليه أن يضمّ العسكر الذي مع موسى إلى نفسه وأن يكون هو الأمير، وأراد منه أن يفتك بموسى ومفلح ويقيّدهما ويحملهما إليه. فمضى بايكباك بالكتاب إلى موسى وقال: - «إنّى لست أفرح بهذا وإنّما هذا تدبير علينا جميعا وإذا فعل بك شيء

стр. 2017

اليوم فعل بى غدا مثله.» فاجتمعوا على خلعه والفتك به. فتوجّه موسى نحو طريق خراسان وقال له بايكباك: - «اذهب إليه وأظهر له الطاعة.» ودبّرا فى ذلك تدبيرا بلغ المهتدى، وظنّ أنّ بايكباك أتاه فى الفتك به. فلمّا دخل إليه أمر بحبسه وأخذ سلاحه. [٤٧٢] وقال بعضهم: كان السبب فى ذلك إنّ المهتدى تكلّم فى موسى ومحمد ابني بغا وقال للموالي: - «قد احتجبنا الأموال.» فتخوّفه أبو نصر وهرب. ثمّ كتب إليه المهتدى وآمنه فرجع وظهر وقعد له المهتدى فوصل إليه هو ومن جاء معه. فسلّم فقال له المهتدى: - «ما تقول فيما يقول الموالي؟» قال: «وما يقولون؟» قال: «إنّهم يقولون إنّكم احتجزتم الأموال واستبددتم بالأعمال فما تنظرون فى شيء من مصالحهم.» قال: «يا أمير المؤمنين وما أنا والأموال ولست كاتب ديوان ولا جرى على يدي عمل.» فقال: «وأين الأموال هل هي إلّا عندك وعند أخيك وكتّابكم.» ودنا الموالي وأخذوا بيد محمد وقالوا: - «هذا عدوّ أمير المؤمنين. لا ينبغي أن تقوم بين يديه بسيف.»

стр. 2018

فأخذوا سيفه. فوثب غلام لأبى نصر كان حاضرا يقال له: تيتك [١] ، فسلّ سيفه وخطا ليمنعهم من أبى نصر، فكانت خطوته تلى الخليفة فسبقه عبد الله بن تكين فضرب رأسه بالسيف فما بقي أحد إلّا سلّ سيفه. وقام المهتدى فدخل بيتا كان يقربه. وأخذ محمد بن بغا فأدخل حجرة وحبس أصحابه وأجمعوا على أن يكتبوا إلى موسى بن بغا بالانصراف وتسليم العسكر إلى من فيه من القوّاد [٤٧٣] وأن يكتبوا إلى القوّاد بتسليم العسكر إليهما ويكتبوا إلى الصغار بمثل ما سأل أصحابهم بسرّ من رأى وما أجيبوا إليه، وأن ينظروا فإن سارع موسى ومفلح إلى ما أمروا به من الإقبال إلى الباب فى غلمانهم وتسليم العسكر إلى من أمر بتسليمه إليه وإلّا شدّوهما وثاقا وحملوهما إلى الباب فى غلمانهم، ووجهوا بهذه الكتب واجتمع فى الدار منهم قوم فأجرى على كلّ واحد منهم درهمان وأخذت عليه بيعة جديدة بالنصرة والثبات. وأصبح الموالي يلتمسون أن يعزل عنهم أمراؤهم وأن يلي عليهم بعض أخوة أمير المؤمنين وأن تؤخذ أمراؤهم وكتّابهم بالخروج ممّا اختانوه من مال السلطان، وذكروا أنّ مبلغه خمسون ألف ألف درهم. فأجابهم إلى ذلك ومضى يومهم على هذا. ثمّ أصبحوا يطالبون بما وعدوا به فقيل لهم: إنّ هذا الذي تريدونه أمر صعب وإخراج الأمر عن أيدى هؤلاء ليس بسهل فكيف إذا جمع إلى ذلك أخذ أموالهم فانظروا فى أموركم فإن كنتم تظنّون أنّكم تصبرون على هذا الأمر حتّى بلغ منه غايته أجابكم أمير المؤمنين وإن تكن الأخرى فإنّ أمير المؤمنين [٤٧٤] يحسن لكم النظر.»

стр. 2019

فأبوا إلّا ما سألوا أوّلا. فأخذت عليهم البيعة وأقبلت الرسل تختلف بين العسكرين والذي يريد موسى بن بغا أن يولّى ناحية ينصرف إليها والذي يريد القوم من موسى أن يقبل فى غلمانه ليناظرهم. فلمّا كان من الغد أخذ موسى ومفلح طريق خراسان ومضى بايكباك- فى هذه الرواية- ومن معه من القوّاد حتّى دخلوا الدار، فأخذت سيوفهم ومناطقهم، وأقبل المهتدى على بايكباك يعدّد ذنوبه من الإسلام وأبطأ خبره على أصحابه فقال لهم حاجبه أحمد بن خاقان: - «اطلبوا صاحبكم قبل أن يحدث به حدث.» فجاشت الترك وأحاطوا بالدار، فاستشار المهتدى صالح بن علىّ بن يعقوب بن أبى جعفر المنصور فقال: - «يا أمير المؤمنين، هو حديث أبى مسلم مع المنصور، فلو فعلت ما فعل لسكتوا.» فأمر المهتدى بضرب عنقه ورمى برأسه إليهم. ففعل ذلك فتناجزوا [١] وجاشوا وشدّ واحد منهم على من رمى بالرأس إليهم فقتله. ووجّه المهتدى إلى الأسروشنية والمغاربة والفراغنة والأتراك الذين بايعوه على الدرهمين فجاءوه وكثر القتلى فيقال: [٤٧٥] إنّه قتل من الأتراك نحو من أربعة آلاف. ثمّ اجتمع الأتراك كلّهم وصار أمرهم واحدا فكانوا نحو عشرة آلاف وكان مع ما اجتمع من الأتراك إلى المهتدى نحو خمسة عشر ألفا. فخرج المهتدى والمصحف فى عنقه، وعبّأ الناس وقاتل ودعا الناس إلى أن ينصروا خليفتهم. فلمّا التحم الشرّ مال الأتراك الذين مع المهتدى إلى

стр. 2020

أصحابهم الذين مع أخى بايكباك وبقي المهتدى فى أصحابه لا أتراك معه. فحمل طغبا [١] أخو بايكباك حملة ثائر موتور فنقض جمعهم وهزمهم وأكثر فيهم القتل وولّوا منهزمين. ومضى المهتدى يركض منهزما فى الأسواق والسيف فى يده مشهور وهو ينادى: - «يا معشر الناس انصروا خليفتكم.» حتّى صار إلى دار أبى صالح محمد بن يزداذ وفيها أحمد بن جميل صاحب المعونة فدخلها ووضع سلاحه ولبس البياض ليعلو الدار وينزل إلى أخرى ويهرب. وجاء أحمد بن خاقان فى ثلاثين فارسا يسأل عنه حتّى وقف على خبره فى دار ابن جميل فبادرهم ليصعد فرمى بسهم وبعج [٢] ، ولم يجد المهتدى لنفسه حيلة فاستسلم فأخذه أحمد بن خاقان على دابّة وأردف خلفه سائسا حتّى صار به إلى داره. وانتهب الجوسق فلم يبق فيه شيء. وأخرجوا [٤٧٦] أحمد بن المتوكّل المعروف بابن فتيان وكان محبوسا فى الجوسق وكتبوا إلى موسى بن بغا وسألوه الانصراف إليهم وجمعوا الهاشميين والخاصّة حتّى بايعوا أحمد بن المتوكّل ابن فتيان وسمّوه: المعتمد على الله. وأرادوا المهتدى على الخلع قبل ذلك فأبى ولم يجبهم فخلعوا أصابع يديه ورجليه ثمّ أمروا من وطى على خصيته حتّى قتله ولمّا أيقن المهتدى بالقتل قال: أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنّزوان

стр. 2021

وكانت خلافته كلّها أحد عشر شهرا وخمسة عشر يوما، وعمره ثمان وثلاثين سنة، وكان رحب الجبهة أجلح [١] ، جهم الوجه، أشهل العينين عظيم البطن عريض المنكبين طويل اللحية قصيرا.

стр. 2022

خلافة المعتمد على الله موافاة جعلان البصرة لحرب صاحب الزّنج وفى هذه السنة وافى جعلان البصرة لحرب صاحب الزنج. فزحف بعسكره حتّى صار بينه وبين صاحب الزنج فرسخ، فخندق على نفسه وأصحابه ووجّه إلى الزينبي وبنى هاشم وكان يواعدهم للقائه فإذا التقوا لم يكن بينهم إلّا الرمى بالنشاب والحجارة لضيق الموضع بما فيه من النخل والدغل، ولم يكن للخيل [٤٧٧] مجال. فبقوا كذلك ستّة أشهر. فلمّا رأى صاحب الزنج ذلك هيّأ من أصحابه جماعة يأخذون على جعلان مسالك الخندق وبيّته فى خندقه فقتل جماعة من رجاله وريع الباقون روعا [١] شديدا فترك جعلان عسكره وانصرف إلى البصرة وظهر عجز السلطان. وازداد أمر صاحب الزنج عظم شأن، فأخذ أربعة وعشرين مركبا بحريّة كانت اجتمعت تريد البصرة. وكانت هذه المراكب تنتظر أن ينفصل أمر السلطان مع صاحب الزنج. فلمّا انهزم السلطان رأوا أن تشدّ المراكب بعضها إلى بعض حتّى تصير كالجزيرة ويتّصل أوّلها بآخرها ثمّ يسيروا بها فى

стр. 2023

دجلة. فندب صاحب الزنج أصحابه وحرّضهم عليها وقال: - «هذه غنيمة لم تروا مثلها.» فانتدب لها الزنج فلم يلبث أن جرّوها وقتلوا مقاتلتها وسبوا ما فيها من الرقيق وغنموا منها أموالا عظاما لا تحصى ولا يعرف قدرها. فأنهب ذلك أصحابه ثلاثة أيّام ثمّ أمر بما بقي فحيز له. ثمّ دخل صاحب الزنج الأبلّة بعد حرب قتل فيها خلقا وأغرقها وكانت مبنيّة بناء متكاثفا بالساج فأسرعت فيه النار ونشأت ريح عاصف فأطارت الشرر إلى شاطئ عثمان [٤٧٨] واحترق وقتل خلق كثير بالأبلّة وغرق خلق وكان ما احترق من الأمتعة أكثر ممّا انتهب. ولمّا جرى ذلك على الأبلّة جزع أهل عبّادان فاستسلموا لصاحب الزنج وسلّموا إليه بلدهم وحصنهم. وفيها ملك أصحابه الأهواز. ذكر دخول الزنج الأهواز لمّا فتح الأبلّة وعبّادان وأخذ مماليكهم وفرّق فيهم السلاح طمع فى الأهواز. فاستنهض أصحابه نحو جبّى فلم يثبت له أهلها فدخلها وانتهب وقتل ووافى الأهواز وبها سعيد بن تكسين وإليه حربها وإبراهيم بن المدبّر وإليه الخراج والضياع فانحاز سعيد بن تكسين [١] فى من معه من الجند وثبت إبراهيم فيمن معه من غلمانه فدخل الزنج المدينة وأسروا إبراهيم بن المدبّر بعد أن ضرب ضربة على وجهه وحووا كلّ ما ملك. فلمّا ملك الأهواز رعب أهل البصرة رعبا شديدا، فانتقل كثير من أهلها [عنها] وكثرت الأراجيف من عوامّها.

стр. 2024

وفى رجب من هذه السنة وافى البصرة سعيد بن صالح الحاجب من قبل السلطان لحرب صاحب الزنج. وفيها ظهر بالكوفة علىّ بن زيد الطالبي فوجّه إليه [٤٧٩] الشاه بن ميكال فى عسكر كثيف فهزمه أصحابه ونجا الشاه. وفيها وثب محمد بن واصل بن إبراهيم التميمي وهو من أهل فارس ورجل من أكرادها يقال له: أحمد بن الليث، بعامل فارس وهو الحارث بن سيما الشاربانى [١] فحارباه وقتلاه وغلب محمد بن واصل على فارس. وفيها غلب الحسن بن زيد على الرىّ وشخص موسى بن بغا إلى الري لحربه وشيّعه المعتمد. وفيها كانت بين باجور وابن لعيسى بن شيخ وقعة على باب دمشق. وكان خرج باجور مرتادا لنفسه معسكرا وابن عيسى بن شيخ وقائد لعيسى فى عسكر لهما بالقرب من دمشق. فاتصل بهما خبر باجور وأنّه فى عدد يسير، فزحفا إليه ولا يعلم باجور بهما حتّى لقياه فقتل القائد الذي مع ابن عيسى وهزم وقتل خلق من أصحابه وكان فى عشرين ألفا باجور فى نحو من مائتين إلى ثلاثمائة. ودخلت سنة سبع وخمسين ومائتين وفيها صار يعقوب بن الليث إلى فارس فبعث إليه المعتمد طغّبا وإسماعيل بن إسحاق وأبا سعيد الأنصارى. وكتب إليه أبو أحمد بن المتوكّل بولاية بلخ وطخارستان إلى ما يلي [٤٨٠] ذلك من كرمان وسجستان والسند وجعل له مال فى كلّ سنة من هذه الأعمال فقبل

стр. 2025

ذلك وانصرف. وعقد المعتمد لأخيه أبى أحمد على الكوفة وطريق مكّة ثمّ، عقد له على بغداد والسواد وواسط وكور دجلة والبصرة والأهواز وفارس فولّى خلفاءه وأمر أن يعقد ليارجوخ [١] على البصرة وكور دجلة واليمامة والبحرين فولّى منصور بن جعفر بن دينار البصرة وكور دجلة. واستحثّ سعيد الحاجب فى المصير إلى دجلة والإناخة على صاحب الزنج ففعل ذلك ومضى إلى نهر معقل وكان هناك جيش لصاحب الزنج بالنهر المعروف بالمرغاب وهو معترض فى نهر معقل فأوقع بهم وهزمهم واستنقذ ما فى أيديهم من النساء وأصاب سعيدا جراحات منها جراحة فى فيه. ثمّ سار سعيد إلى الموضع المعروف بعسكر أبى جعفر واستعدّ للقاء صاحب الزنج بالفرات فقصدهم وهزمهم واستأمن إليه عمران وهو زوج جدّة ابن صاحب الزنج وتفرّق ذلك الجمع. فحكى من حضر ذلك الموضع قال: لقد لقيت المرأة من سكّان الفرات تجد الزنجىّ مستترا بتلك الأدغال [٤٨١] فتخرجه وتحمله إلى عسكر سعيد ما به عنها امتناع. ثمّ أوقع الخبيث وقعات متوالية. ثمّ إنّ الخبيث وجّه إلى يحيى بن محمد البحراني صاحبه وهو مقيم بنهر معقل جيشا وأمره بتوجيه سليمان بن جامع وابن الليث الإصبهانى ليلا مع عسكر قوىّ حتّى يوقعا بسعيد وقت طلوع الفجر، ففعل ذلك فصادفا منهم غرّة وغفلة فأوقعا بهم وقتلا منهم مقتلة عظيمة. وأحرق الزنج عسكر سعيد فضعف سعيد ومن معه ودخل أمرهم خلل لهذا البيات وقد كانت أرزاقهم احتبست عنهم من جهة منصور بن جعفر

стр. 2026

بن الخيّاط وهو يومئذ بالأهواز، إليه حربها وله يد فى الخراج. فلمّا اضطرب أمر سعيد وضعف أمر بالانصراف إلى باب السلطان وتسليم الجيش إلى منصور بن جعفر. وذلك انّ سعيدا ترك بعد ما اتّفق عليه من البيات حرب صاحب الزنج وكان بغرا [١] يحمى البصرة ومنصور يجمع السفن التي تحمل المير، ثمّ يبذرقها إلى البصرة فضاق بالزنج الميرة. ثمّ عبّأ منصور أصحابه وقصد صاحب الزنج فى عسكره وصعد قصرا على دجلة فأحرقه وما حوله ودخل [٤٨٢] عسكر الخبيث من ذلك الوجه ووافاه الزنج وكمّنوا له كمينا فهزموه وقتلوا من أصحابه مقتلة عظيمة وألجئ الباقون إلى الماء فغرقوا وحملت الرؤوس إلى يحيى بن محمد البحراني بنهر معقل فأمر بنصبها هناك. ثمّ أوقع الخبيث شاهين وإبراهيم بن سيما بالأهواز فقتل شاهين وهزم إبراهيم. وكاتب علىّ بن أبان بالمصير إلى البصرة لحرب أهلها. ذكر الخبر عن دخول الزنج البصرة لمّا ضعف منصور لم يعد لقتال الزنج واقتصر على بذرقة السفن لوصول المير إلى البصرة، فامتنع أهل البصرة. فوجّه الخبيث علىّ بن أبان فشغل منصورا عن بذرقة السفن وعاد أهل البصرة إلى الضيق، وألحّ أصحاب الخبيث عليها بالحرب وأحسّ الخبيث بضعف القوم وإضرار الحصار بهم وتخريبه ما حولها من القرى. وكان نظر فى النجوم ولا يفارقه الأصطرلاب وكتب النجوم، فوقف على

стр. 2027

كسوف القمر فقال لأصحابه: ادّعاء له - «إنّى قد ابتهلت إلى الله فى الدعاء على أهل البصرة [٤٨٣] وتعجيل خرابها فخوطبت وقيل لى: إنّما البصرة خبزة لك تأكلها من جوانبها، فإذا انكسر نصف الرغيف خربت البصرة. فأوّلت انكسار الرغيف انكساف القمر فى نصفه.» فكان هذا حديث عسكره كلّ يوم. فكثر على الأسماع. وندب قوما للخروج إلى الأعراب، ففرضوا قوما بينهم. وأتاه خلق عظيم فوجّههم الخبيث إلى ناحية منها وأمرهم بتطرّق البصرة والإيقاع بهم من تلك الجهة. فلمّا ابتدأ القمر بالكسوف انهض علىّ بن ابان فى عسكر ضخم وطائفة من العرب إلى البصرة ممّا يلي بنى سعد وكتب إلى محمد بن يحيى البحراني فى إتيانها ممّا يلي نهر عدىّ وضمّ إليه سائر العرب فواقع بغرا علىّ بن أبان يومين ومال الناس نحوه فدخل علىّ بن أبان من ناحيته ودخل يحيى من ناحيته وتفرّق الجند وانحاز بغرا بمن معه، فلم يكن فى وجهه أحد. ولقيه إبراهيم بن يحيى المهلّبى فاستأمنه لأهل البصرة فآمنهم ونادى منادى إبراهيم بن يحيى: - «من أراد الأمان فليحضر دار إبراهيم.» فحضر أهل البصرة حتّى ملؤوا الرحاب. فلمّا رأى اجتماعهم أمر بأخذ أفواه السكك والطرق لئلّا يتفرّقوا، ثمّ غدر بهم ووضع فيهم السيوف [٤٨٤] فقتلوا بأجمعهم ولم يفلت إلّا الشاذّ. فيقال إنّ أصوات الناس الذين قتلوا

стр. 2028

ارتفعت بالتشهّد لما أخذهم السيف فسمعهم من بالطّفاوة. [١] فلمّا فرغ من قتلهم أتى علىّ بن أبان المسجد الجامع فأحرقه وراح إلى الكلّاء فأحرقه من الحبل إلى الجسر وأخذت النار فى كلّ شيء مرّت به من إنسان وبهيمة ومتاع وآلة. ثمّ ألّحوا على من وجدوا بعد ذلك غدوّا وعشيّا ليسوقونهم إلى يحيى بن محمد البحرانىّ وهو يومئذ بسيحان [٢] . فمن كان ذا مال قرّره حتّى يستخرج ماله ثم يقتله ومن كان فقيرا عاجله بالقتل. ثمّ نادى محمد بن يحيى بالأمان فلم يظهر له أحد. فكتب الخبيث إلى محمد، أن: «استخلف على البصرة شبلا فإنّهم يسكنون إليه ليظهر الناس، فإذا آمنوا وظهروا أخذوا بالدلالة على ما دفنوا وأخفوا من أموالهم.» ففعل ذلك حتّى استنظف أهل البصرة وقتلهم وهرب الباقون على وجوههم فصرف الخبيث جيشه حينئذ عن البصرة. ادّعاء آخر له فحكى قوم عن الخبيث أنّه، لمّا انتهى إليه عظيم ما فعل أصحابه بالبصرة وكثرة ما سفك من الدماء وخرّب وأفسد هاله ذلك- وكان أمرا فظيعا هائلا- ادّعى أنّه [٤٨٥] دعا عليهم فرأى خيلا [٣] بين السماء والأرض وقد خفضوا أيديهم اليسرى ورفعوا أيديهم اليمنى. قال: فعلمت انّ الملائكة تتولّى إخرابها دون أصحابى، ولو كان أصحابى يتولون ذلك لما بلغوا هذا الأمر العظيم المفرط.

стр. 2029

وعقد المعتمد لأخيه أبى أحمد على ديار مضر وقنّسرين والعواصم وخلع عليه وعلى مفلح وشخصا إلى البصرة لقتال الخبيث. وظفر الخبيث بمنصور بن جعفر بعد قتال عظيم وبعد ما جاهد منصور جهادا شديدا فقتله وعامّة من معه. ذكر مقتل مفلح ولمّا شخص أبو أحمد ومفلح لحرب الخبيث تجهّز الجيش وعدّة لم ير مثله وحكى المشايخ من أهل بغداد الذين شاهدوا الجيوش أنّه ما رأوا ولا سمعوا بمثل ذلك الجيش كثرة وقوّة وآلة وسلاحا. وتبعهم خلق عظيم من متسوّقة بغداد وكان أصحاب الخبيث متفرّقين فى النواحي قد استأكلوها. فليس مع الخبيث يومئذ إلّا القليل من أصحابه فهو على ذلك حتّى وافاه أبو أحمد فى جيشه، وهرب من كان من أصحابه بنهر معقل فلحقوا به [٤٨٦] مرعوبين، فدعا الخبيث رئيسين من رؤساء عسكره ممّن هرب من نهر معقل، فقال لهما: - «ما الذي دعا كما إلى الإخلال بموضعكما؟» فقالا: - «رأينا شيئا لم نر مثله.» ووصفا عظم ذلك الجيش وعدّتهم وكثرتهم. فوجّه الخبيث من يأتيه بخبر الجيش وخبر من يقوده. فرجعت رسله بتعظيم الأمر وتفخيمه ولم يقدروا أن يقفوا على خبر من يقوده. فزاد ذلك فى جزعه وبادر بالرسل إلى علىّ بن أبان يستدعيه ومن معه من الجيش وورد العسكر مع أبى أحمد فأناخ بإزائه واستدعى الخبيث دواة وقرطاسا ليكاتب علىّ بن أبان ويستعجله. فإنّه فى ذلك إذ أتاه المكتنى بأبى دلف وهو من قوّاد السودان يخبره أنّ

стр. 2030

القوم قد صعدوا وانهزم عنهم الزنج فليس فى وجوههم من يردّهم فصاح به وانتهره وقال: - «اغرب عنّى، فقد دخلك الجزع وانخلع قلبك فلست تدرى ما تقول.» وقد كان أمر جعفرا السجّان بالنداء فى الزنج وتحريكهم للخروج إلى موضع الحرب، فأتاه السجّان فأخبره أنّه ندب الزنج فخرجوا وظفروا بسميريّتين [١] . فأمره بالرجوع لتحريك الرجّالة. فرجع ولم يلبث إلّا يسيرا حتّى أصيب [٤٨٧] مفلح بسهم غرب لا يعرف الرامي، ووقعت الهزيمة وكرّ الزنج وقووا على محاربتهم فقتلوا منهم مقتلة عظيمة ووافى الخبيث زنجه بالرؤوس قابضين عليها بأسنانهم حتّى ألقوها بين يديه. فكثرت الرؤوس يومئذ حتّى ملأت كلّ شيء. وأتى الخبيث بأسير من أبناء الفراغنة، [٢] فسأله عن الجيش فأعلمه بمكان أبى أحمد الموفّق، ومفلح فارتاع لذكر الموفّق وكان إذا راعه أمر كذّب به، فقال: - «كذبت، ليس غير مفلح ولو كان فى الجيش من ذكر هذا الأسير لكان صوته أبعد ولما كان مفلح إلّا تابعا له، وأنا لست أسمع إلّا باسم مفلح.» ولم يلبث مفلح أن مات. ووافى علىّ بن أبان فى أصحابه وقد استغنى عنه. وهرب أبو أحمد الموفّق إلى الأبلّة، فأخذ يجمع من فرّقت الهزيمة ويجدّد الاستعداد. ثمّ مضى إلى نهر أبى الأسد وكان الخبيث لا يدرى كيف قتل مفلح. فلمّا بلغه أنّه أصيب بسهم ولم ير أحدا ينتحله ادّعى أنّه هو كان الرامي له فسمعه. من يقول: - «سقط بين يدي سهم فأمرت خادمي راحا أن يرفعه إلىّ، فرميت به

стр. 2031

فأصبت مفلحا وكانت الهزيمة.» قال محمد بن الحسن: - «وكذب، فإنّى كنت حاضرا وما زال عن فرسه [٤٨٨] حتّى أتاه خبر الهزيمة وأتى بالرؤوس.» أسر يحيى بن محمد وقتله وادعاء صاحب الزنج فى نبوّته وفيها أسر يحيى بن محمد البحرانىّ قائد الزنج. وذلك أنّه وافى نهر العباس فلقيه بفوهة النهر ثلاثمائة وسبعون فارسا من أصحاب العامل بالأهواز فاستقلّهم وكان هو فى جمع عظيم فترك الاستعداد لهم، فرشقوهم حتّى أكثروا فيهم الجراح. وكان بلغ أبا أحمد خبره فأنفذ طاشتمر [١] التركىّ فى جيش، فلمّا أشرفوا عليهم ألقى الزنج نفوسهم فى الماء وبقي يحيى فى بضعة عشر رجلا، فنهض يحيى عند ذلك فأخذ درقته وسيفه واحتزم بمنديل وتلقّى القوم بمن معه، فرشقهم أصحاب طاشتمر بالسهام فجرح البحراني بثلاثة أسهم. ولمّا رآه أصحابه جريحا تفرّقوا عنه ولم يعرف. فرجع حتّى دخل سفينة وعبر به إلى ناحية أصحابه. فلمّا راه الزنج مثقلا بالجراحات ضعفت قلوبهم فتركوا القتال وهربوا وقتل منهم خلق كثير وحاز أصحاب السلطان الغنائم التي كانت فى السفن. ومشى يحيى البحرانىّ وهو مثخن حتّى ألقى نفسه فى موضع وبات ليلته ومعه عبّاد المتطبّب، فنهض عبّاد لمّا أصبح وجعل يمشى متشوّفا لأن يرى

стр. 2032

إنسانا، فرأى بعض أصحاب السلطان [٤٨٩] فأشار فأخبرهم بمكان يحيى وأتاه بهم حتّى سلّمه إليهم. وانتهى خبره إلى صاحب الزنج فاشتدّ جزعه عليه وعظم عليه توجّعه. ثمّ حمل يحيى البحرانىّ إلى ابى أحمد الموفّق فحمله إلى سرّ من رأى إلى المعتمد. فأمر المعتمد ببناء دكّة بالحير فى مجرى الحلبة، ثمّ رفع للناس حتّى أبصروه، ثمّ ضرب مائتي سوط بثمارها [١] ، ثمّ قطعت يداه ورجلاه، ثمّ خبط بالسيوف، ثمّ ذبح وأحرق. ولمّا بلغ خبره صاحب الزنج قال: - «كان عظم علىّ ما أصابه واشتدّ اهتمامي به، فخوطبت وقيل لى: قتله خير لك، إنّه كان شرها.» ثمّ حكى عنه حكايات فى غنائم خان فيها فاطّلع عليها، فوهبها له. وكان أصحابه يحكون عنه أنّه كان يقول: - «عرضت علىّ النبوّة فأبيتها.» فقيل له: - «ولم؟» قال: «لأنّ لها عبئا خفت ألّا أطيقها.» وفى هذه السنة انحاز أبو أحمد الموفّق من قرب الزنج إلى واسط ذكر السبب فى ذلك كان السبب فى ذلك انّ الموفّق لمّا صار إلى نهر أبى الأسد كثرت العلل

стр. 2033

فى أصحابه وفشا فيهم الموت. فلم يزل مقيما حتّى أبلّ [١] من نجا من الموت. ثمّ انصرف إلى باذآورد [٢] [٤٩٠] فعسكر به وأمر بتجديد الآلات وإعطاء من معه الأرزاق، وأصلح الشذاءات والمعابر وشحّنها بالقوّاد، ونهض يريد عسكر الخبيث وأنفذ قوما إلى نهر أبى الخصيب، فمال أكثر الناس حين وقعت الحرب إلى نهر أبى الخصيب. وتأمّل الزنج قلّة مع من هو فى جانب أبى أحمد الموفّق، فأكبّوا عليه وكثر القتل فى الجانبين. ثمّ صار أبو أحمد الموفّق إلى شذاءة وتوسّط الحرب وحرّض أصحابه فكثر عليه الزنج وعلم أنّه لا طاقة له بهم، وانقطع عنه جماعة حجز الزنج بينه وبينهم واقتطعوهم عنه. فقاتلوا قتالا شديدا، ثمّ قتلهم الزنج بأسرهم وانصرف القوم إلى باذاورد وحملت الرؤوس إلى صاحب الزنج فوقعت نار فى طرف من أطراف عسكره وذلك فى عصوف الرياح، فاحترق العسكر، ورحل أبو أحمد الموفّق إلى واسط. فلمّا صاروا إلى واسط تفرّق عنه من بقي معه وتشتّت ذلك الجمع العظيم. ودخلت سنة تسع وخمسين ومائتين [٤٩١] انصراف أبى أحمد واستخلاف أحمد المولّد لحرب صاحب الزنج وفيها انصرف أبو أحمد بن المتوكّل من واسط إلى سرّ من رأى واستخلف على حرب الخبيث أحمد المولّد. وكان خفى على صاحب الزنج أمر الحريق الذي كان فى أصحاب أبى

стр. 2034

أحمد فلم يعرف خبره إلّا بعد ثلاثة أيّام فوجّه على بن أبان وضمّ إليه أكثر الجيش الذي كان مع يحيى بن محمد إلى الأهواز وبها رجل يعرف باصغجور [١] يتولّى حربها ومعه نيزك فى جماعة من القوّاد. فلمّا التقى العسكران لم يثبت القوم للزنج، إنّما استشعروه من الرعب فانهزم اصغجور وقتل نيزك وأسر خلق من القوّاد فيهم الحسن بن هرثمة، وقتل من الجند عدد كثير وحملت الرؤوس إلى صاحب الزنج. وكتب علىّ بن أبان بالفتح وحمل أعلاما كثيرة وأسرى ودخل علىّ بن أبان الأهواز وأقام فيها يعيث ويجيء إلى أن ندب السلطان موسى بن بغا لحرب الخبيث. فلمّا شخص موسى شيّعه المعتمد وأخرج عبد الرحمن بن صالح إلى الأهواز وأشخص إسحاق بن كنداجيق إلى البصرة وإبراهيم بن سيما إلى باذاورد، كلّهم من قبل موسى لحرب صاحب الزنج. فأمّا عبد الرحمن بن مفلح فإنّه وافى قنطرة ارمق وأقام عشرة أيّام [٤٩٢] ثمّ واقع المهلّبى فهزمه المهلّبى فانصرف واستعدّ ثمّ عاد لمحاربته فأوقع به وقتل من الزنج قتلا ذريعا وانهزم علىّ بن أبان بمن معه من الزنج إلى بيّان. وكان إبراهيم بن سيما بالباذاورد فقصده وكان المهلّبى قد سار يريد الموضع المعروف بالأوكر [٢] فواقعه إبراهيم فهزمه وانتهى خبر هزيمته إلى عبد الرحمن فوجّه إليه طاشتمر فى جمع من الموالي فلم يصل إلى المهلّبى لأنّه كان سلك طريق الآجام والأدغال والقصب فأضرمه عليهم نارا فخرجوا منه هاربين وأسر معهم قوما. وصار المهلّبى إلى نهر السدرة وكتب إلى صاحبه يستمدّه ويسأله التوجيه إليه بالشذاءات، فوجّه إليه ثلاث عشرة شذاة فيها جمع كثير من المقاتلة.

стр. 2035

فسار المهلّبى حتّى وافى عبد الرحمن فلم يكن بينهما قتال وتواقف الجيشان يومهما. فلمّا كان الليل انتخب المهلّبى جماعة يثق بهم وبجلدهم وصبرهم وترك عسكره بمكانه ليخفى أمره ومضى حتّى صار من وراء عبد الرحمن ثمّ بيّته فقتل وانتهب وهرب عبد الرحمن على وجهه حتّى وافى الدولاب. ثمّ أعدّ رجالا وولّى عليهم طاشتمر [٤٩٣] فوافوه وأوقعوا به وهزموه إلى نهر المدرة. ثمّ صار إليه طاشتمر بنهر المدره فأوقع به وانهزم علىّ إلى الخبيث مغلولا قد أخذت شذاءاته وغنم عسكره. وكان عبد الرحمن بن مفلح وإبراهيم بن سيما يتناوبان المصير إلى الخبيث وإسحاق بن كنداجيق يومئذ بالبصرة مقيم، وأقاموا كذلك بضعة عشر شهرا إلى أن صرف موسى بن بغا عن حرب الخبيث وولّى مسرور البلخي. وفيها دخل يعقوب بن الليث نيسابور. ذكر دخول يعقوب نيسابور ذكر أنّ يعقوب بن الليث صار إلى هراة. ثمّ قصد نيسابور، فلمّا قرب منها وجّه إليه محمد بن طاهر بن محمد يستأذنه فى تلقّيه فلم يأذن له، فبعث بعمومته وأهل بيته يتلقّونه. ثمّ دخل نيسابور فنزل طرفا من أطرافها يعرف بداودآباذ فركب إليه محمد بن طاهر فدخل إليه فى مضربه فساءله ثمّ أقبل على توبيخه وتفريطه فى عمله وقال: - «مثلك لا يكمل لتدبير خراسان.» وأمر بالتوكيل به وصرفه وحبسه. وولّى عزيزا نيسابور وقبض على أهل بيت طاهر. وورد الخبر بذلك على السلطان. ووردت [٤٩٤] رسل يعقوب على المعتمد فجلس له جعفر المعتمد وأبو
следующие страницы →