← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

فأصبت مفلحا وكانت الهزيمة.» قال محمد بن الحسن: - «وكذب، فإنّى كنت حاضرا وما زال عن فرسه [٤٨٨] حتّى أتاه خبر الهزيمة وأتى بالرؤوس.» أسر يحيى بن محمد وقتله وادعاء صاحب الزنج فى نبوّته وفيها أسر يحيى بن محمد البحرانىّ قائد الزنج. وذلك أنّه وافى نهر العباس فلقيه بفوهة النهر ثلاثمائة وسبعون فارسا من أصحاب العامل بالأهواز فاستقلّهم وكان هو فى جمع عظيم فترك الاستعداد لهم، فرشقوهم حتّى أكثروا فيهم الجراح. وكان بلغ أبا أحمد خبره فأنفذ طاشتمر [١] التركىّ فى جيش، فلمّا أشرفوا عليهم ألقى الزنج نفوسهم فى الماء وبقي يحيى فى بضعة عشر رجلا، فنهض يحيى عند ذلك فأخذ درقته وسيفه واحتزم بمنديل وتلقّى القوم بمن معه، فرشقهم أصحاب طاشتمر بالسهام فجرح البحراني بثلاثة أسهم. ولمّا رآه أصحابه جريحا تفرّقوا عنه ولم يعرف. فرجع حتّى دخل سفينة وعبر به إلى ناحية أصحابه. فلمّا راه الزنج مثقلا بالجراحات ضعفت قلوبهم فتركوا القتال وهربوا وقتل منهم خلق كثير وحاز أصحاب السلطان الغنائم التي كانت فى السفن. ومشى يحيى البحرانىّ وهو مثخن حتّى ألقى نفسه فى موضع وبات ليلته ومعه عبّاد المتطبّب، فنهض عبّاد لمّا أصبح وجعل يمشى متشوّفا لأن يرى

стр. 2032

إنسانا، فرأى بعض أصحاب السلطان [٤٨٩] فأشار فأخبرهم بمكان يحيى وأتاه بهم حتّى سلّمه إليهم. وانتهى خبره إلى صاحب الزنج فاشتدّ جزعه عليه وعظم عليه توجّعه. ثمّ حمل يحيى البحرانىّ إلى ابى أحمد الموفّق فحمله إلى سرّ من رأى إلى المعتمد. فأمر المعتمد ببناء دكّة بالحير فى مجرى الحلبة، ثمّ رفع للناس حتّى أبصروه، ثمّ ضرب مائتي سوط بثمارها [١] ، ثمّ قطعت يداه ورجلاه، ثمّ خبط بالسيوف، ثمّ ذبح وأحرق. ولمّا بلغ خبره صاحب الزنج قال: - «كان عظم علىّ ما أصابه واشتدّ اهتمامي به، فخوطبت وقيل لى: قتله خير لك، إنّه كان شرها.» ثمّ حكى عنه حكايات فى غنائم خان فيها فاطّلع عليها، فوهبها له. وكان أصحابه يحكون عنه أنّه كان يقول: - «عرضت علىّ النبوّة فأبيتها.» فقيل له: - «ولم؟» قال: «لأنّ لها عبئا خفت ألّا أطيقها.» وفى هذه السنة انحاز أبو أحمد الموفّق من قرب الزنج إلى واسط ذكر السبب فى ذلك كان السبب فى ذلك انّ الموفّق لمّا صار إلى نهر أبى الأسد كثرت العلل

стр. 2033

فى أصحابه وفشا فيهم الموت. فلم يزل مقيما حتّى أبلّ [١] من نجا من الموت. ثمّ انصرف إلى باذآورد [٢] [٤٩٠] فعسكر به وأمر بتجديد الآلات وإعطاء من معه الأرزاق، وأصلح الشذاءات والمعابر وشحّنها بالقوّاد، ونهض يريد عسكر الخبيث وأنفذ قوما إلى نهر أبى الخصيب، فمال أكثر الناس حين وقعت الحرب إلى نهر أبى الخصيب. وتأمّل الزنج قلّة مع من هو فى جانب أبى أحمد الموفّق، فأكبّوا عليه وكثر القتل فى الجانبين. ثمّ صار أبو أحمد الموفّق إلى شذاءة وتوسّط الحرب وحرّض أصحابه فكثر عليه الزنج وعلم أنّه لا طاقة له بهم، وانقطع عنه جماعة حجز الزنج بينه وبينهم واقتطعوهم عنه. فقاتلوا قتالا شديدا، ثمّ قتلهم الزنج بأسرهم وانصرف القوم إلى باذاورد وحملت الرؤوس إلى صاحب الزنج فوقعت نار فى طرف من أطراف عسكره وذلك فى عصوف الرياح، فاحترق العسكر، ورحل أبو أحمد الموفّق إلى واسط. فلمّا صاروا إلى واسط تفرّق عنه من بقي معه وتشتّت ذلك الجمع العظيم. ودخلت سنة تسع وخمسين ومائتين [٤٩١] انصراف أبى أحمد واستخلاف أحمد المولّد لحرب صاحب الزنج وفيها انصرف أبو أحمد بن المتوكّل من واسط إلى سرّ من رأى واستخلف على حرب الخبيث أحمد المولّد. وكان خفى على صاحب الزنج أمر الحريق الذي كان فى أصحاب أبى

стр. 2034

أحمد فلم يعرف خبره إلّا بعد ثلاثة أيّام فوجّه على بن أبان وضمّ إليه أكثر الجيش الذي كان مع يحيى بن محمد إلى الأهواز وبها رجل يعرف باصغجور [١] يتولّى حربها ومعه نيزك فى جماعة من القوّاد. فلمّا التقى العسكران لم يثبت القوم للزنج، إنّما استشعروه من الرعب فانهزم اصغجور وقتل نيزك وأسر خلق من القوّاد فيهم الحسن بن هرثمة، وقتل من الجند عدد كثير وحملت الرؤوس إلى صاحب الزنج. وكتب علىّ بن أبان بالفتح وحمل أعلاما كثيرة وأسرى ودخل علىّ بن أبان الأهواز وأقام فيها يعيث ويجيء إلى أن ندب السلطان موسى بن بغا لحرب الخبيث. فلمّا شخص موسى شيّعه المعتمد وأخرج عبد الرحمن بن صالح إلى الأهواز وأشخص إسحاق بن كنداجيق إلى البصرة وإبراهيم بن سيما إلى باذاورد، كلّهم من قبل موسى لحرب صاحب الزنج. فأمّا عبد الرحمن بن مفلح فإنّه وافى قنطرة ارمق وأقام عشرة أيّام [٤٩٢] ثمّ واقع المهلّبى فهزمه المهلّبى فانصرف واستعدّ ثمّ عاد لمحاربته فأوقع به وقتل من الزنج قتلا ذريعا وانهزم علىّ بن أبان بمن معه من الزنج إلى بيّان. وكان إبراهيم بن سيما بالباذاورد فقصده وكان المهلّبى قد سار يريد الموضع المعروف بالأوكر [٢] فواقعه إبراهيم فهزمه وانتهى خبر هزيمته إلى عبد الرحمن فوجّه إليه طاشتمر فى جمع من الموالي فلم يصل إلى المهلّبى لأنّه كان سلك طريق الآجام والأدغال والقصب فأضرمه عليهم نارا فخرجوا منه هاربين وأسر معهم قوما. وصار المهلّبى إلى نهر السدرة وكتب إلى صاحبه يستمدّه ويسأله التوجيه إليه بالشذاءات، فوجّه إليه ثلاث عشرة شذاة فيها جمع كثير من المقاتلة.

стр. 2035

فسار المهلّبى حتّى وافى عبد الرحمن فلم يكن بينهما قتال وتواقف الجيشان يومهما. فلمّا كان الليل انتخب المهلّبى جماعة يثق بهم وبجلدهم وصبرهم وترك عسكره بمكانه ليخفى أمره ومضى حتّى صار من وراء عبد الرحمن ثمّ بيّته فقتل وانتهب وهرب عبد الرحمن على وجهه حتّى وافى الدولاب. ثمّ أعدّ رجالا وولّى عليهم طاشتمر [٤٩٣] فوافوه وأوقعوا به وهزموه إلى نهر المدرة. ثمّ صار إليه طاشتمر بنهر المدره فأوقع به وانهزم علىّ إلى الخبيث مغلولا قد أخذت شذاءاته وغنم عسكره. وكان عبد الرحمن بن مفلح وإبراهيم بن سيما يتناوبان المصير إلى الخبيث وإسحاق بن كنداجيق يومئذ بالبصرة مقيم، وأقاموا كذلك بضعة عشر شهرا إلى أن صرف موسى بن بغا عن حرب الخبيث وولّى مسرور البلخي. وفيها دخل يعقوب بن الليث نيسابور. ذكر دخول يعقوب نيسابور ذكر أنّ يعقوب بن الليث صار إلى هراة. ثمّ قصد نيسابور، فلمّا قرب منها وجّه إليه محمد بن طاهر بن محمد يستأذنه فى تلقّيه فلم يأذن له، فبعث بعمومته وأهل بيته يتلقّونه. ثمّ دخل نيسابور فنزل طرفا من أطرافها يعرف بداودآباذ فركب إليه محمد بن طاهر فدخل إليه فى مضربه فساءله ثمّ أقبل على توبيخه وتفريطه فى عمله وقال: - «مثلك لا يكمل لتدبير خراسان.» وأمر بالتوكيل به وصرفه وحبسه. وولّى عزيزا نيسابور وقبض على أهل بيت طاهر. وورد الخبر بذلك على السلطان. ووردت [٤٩٤] رسل يعقوب على المعتمد فجلس له جعفر المعتمد وأبو

стр. 2036

أحمد الموفّق وحضر القوّاد وأذن لرسول يعقوب. فذكر رسول يعقوب ما لا يزال يتناهى إلى يعقوب من حال أهل خراسان فى الشراة والخارجين عليهم حتّى غلبوا عليها وضعف محمد بن طاهر عن ضبطها ومكاتبة أهل خراسان يعقوب ومسألتهم إيّاه أن يقدم عليهم واستعانتهم به وأنّه صار إليها فتلقّاه أهلها على عشرة فراسخ وسلّموها إليه وأحضر رأسا على قناة فيه رقعة مكتوب فيها: - «هذا رأس عدوّ الله الخارجي بهراة ينتحل الخلافة منذ ثلاثين سنة قتله يعقوب بن الليث.» فتكلّم أبو أحمد وعبيد الله بن يحيى وقالا لرسل يعقوب: - «إنّ أمير المؤمنين لا يقارّ يعقوب على ما فعل وهو يأمره بالانصراف إلى العمل الذي ولّاه إيّاه فليرجع، فإنّه إن فعل كان من الأولياء وإلّا لم يكن إلّا ما للمخالفين.» وصرف رسله وخلع عليهم. ودخلت سنة ستين ومائتين وفيها قتل صاحب الزنج صاحب الكوفة علىّ بن زيد العلوي. وفيها واقع [٤٩٥] يعقوب بن الليث الحسن بن زيد بطبرستان فهزمه، وكان ليعقوب بها ظفر ومحنة. محاربة يعقوب بن الليث الحسن بن زيد بطبرستان ذكر السبب فى ذلك وكان السبب فى ذلك أنّه كان بسجستان رجل يعرف بعبد الله رئيس ينافس يعقوب، فقهره يعقوب فهرب منه إلى محمد بن طاهر بنيسابور. فلمّا

стр. 2037

ملك يعقوب نيسابور هرب عبد الله فلحق بالحسن بن زيد وشخص يعقوب فى طلبه. فلمّا صار إلى قرب سارية لقيه الحسن بن زيد وكان يعقوب بعث إليه أن يوجّه إليه بعبد الله السجزىّ حتّى ينصرف عنه فإنّه إنّما قصد طبرستان لأجله لا لحربه. فأبى الحسن تسليمه إليه. فلمّا التقى عسكراهما لم يكن إلّا كلا ولا، حتّى انهزم الحسن إلى أرض الديلم ودخل يعقوب سارية ثمّ مضى منها إلى آمل، فجبى أهلها خراج سنة، ثمّ شخص فى طلب الحسن بن زيد. فلمّا صار فى بعض جبال طبرستان تتابعت عليه الأمطار نحوا من أربعين يوما فلم يتخلّص منه إلّا بمشقة شديدة ولم يمكنه النزول إلّا على ظهور الرجال [١] وهلك ما معه من الظهر. ثمّ رام الدخول خلف الحسن بن زيد [٤٩٦] [إلى الشرز [٢]] فأخبر بعض من شاهده أنّه كان يقدم عسكره وأمرهم بالوقوف ليتأمّل الطريق فلمّا رآه عاد إلى أصحابه وأمرهم بالانصراف وقال: - «إن لم تكن إليه طريق غير هذا فلا طريق إليه.» وكان نساء تلك الناحية قلن لرجالهن: دعوه يدخل فإنّه إن دخل كفيناكم وعلينا أخذه وأخذ من معه.» فانصرف وقد ذهب معظم خيله وإبله وأثقاله ورجاله، وكتب إلى السلطان بفتح طبرستان وهزيمة الحسن بن زيد. وسار يعقوب إلى الرىّ وبها الصلابىّ من قبل موسى بن بغا.

стр. 2038

ذكر السبب فى مسيره كان سبب مسيره إلى الرىّ انّ عبد الله السجزىّ صار بعد هزيمة الحسن بن زيد إلى الرىّ مستجيرا بالصلابىّ. فلمّا صار يعقوب إلى جوار الرىّ كتب إلى الصلابىّ يخيّره بين تسليم عبد الله السجزىّ إليه حتّى ينصرف عنه ويرتحل إلى عمله وبين أن يأذن بحربه. فاختار الصلابىّ تسليم عبد الله فسلّمه إليه فقتله يعقوب وانصرف عن الصلابىّ. ودخلت سنة إحدى وستين ومائتين [٤٩٧] وفيها جمع السلطان [١] حاجّ خراسان والرىّ وطبرستان وجرجان فى صفر وقرئ عليهم كتاب يعلمون فيه أنّ السلطان ما ولّى يعقوب بن الليث خراسان وانّه عاص ويأمرهم بلعنه، وذلك لدخوله خراسان وأسره محمد بن طاهر وآل طاهر. فيها كانت وقعة بين محمد بن واصل وبين عبد الرحمن وطاشتمر برامهرمز فقتل ابن واصل طاشتمر وأسر ابن مفلح. ذكر السبب فى ذلك كان السبب فى ذلك أنّ ابن واصل قتل بفارس الحارث بن سيما عامل السلطان وتغلّب عليهم وضمّ إلى موسى بن بغا فارس والأهواز والبصرة واليمامة إلى ما كان إليه من عمل المشرق. فوجّه موسى عبد الرحمن بن مفلح إلى الأهواز وولّاه إيّاها وفارس وضمّ إليه طاشتمر، فاتصل بابن واصل

стр. 2039

ذلك وكان مقيما بالأهواز على حرب الخارجي بناحية البصرة، فلمّا بلغه أنّ ابن مفلح قد توجّه إلى فارس زحف إليه ابن واصل والتقيا برامهرمز وانضمّ ابو داود الصعلوك إلى ابن واصل معينا له [٤٩٨] فظفر ابن واصل بابن مفلح فأسره وقتل واصطلم [١] عسكره وبعث السلطان إسماعيل بن إسحاق إلى ابن واصل فى إطلاق ابن مفلح فلم يجبه إلى ذلك، ثمّ لم يزل ابن مفلح فى يده حتّى قتله. ولمّا فرغ ابن واصل من ابن مفلح أقبل مظهرا أنّه يريد واسطا لحرب موسى حتّى انتهى إلى الأهواز وبها إبراهيم بن سيما فى جمع كثير، فلمّا رأى موسى بن بغا شدّة الأمر وكثرة المتغلّبين على نواحي المشرق وأن لا قوام له بهم ولا طاقة، سأل حينئذ أن يعفى عن أعمال المشرق، فأعفى عنها وضمّ ذلك إلى أبى أحمد، وانصرف موسى بن بغا إلى باب السلطان وصرف عمّاله عن المشرق. وولّى أبو الساج الأهواز وحرب صاحب الزنج، فقدّم أبو الساج صهره عبد الرحمن فقتل، وانحاز أبو الساج إلى عسكر مكرم ودخل الزنج الأهواز فسبوا أهلها وقتلوا وانتهبوا. ثمّ صرف أبو الساج وولّى إبراهيم بن سيما. وفيها ولّى نصر بن أحمد ما وراء نهر بلخ وكتب إليه بولاية ذلك. وفيها زحف يعقوب بن الليث إلى فارس وابن واصل بالأهواز فانصرف منها إلى فارس [٤٩٩] والتقى هو ويعقوب فهزمه يعقوب وحصر قلعة ابن واصل بخرّمة [٢] فأخذها وحصّل ما فيها- فبلغت قيمة ما أخذه يعقوب منها أربعين ألف ألف درهم- وأسر مرداسا خال ابن واصل وأوقع بالأكراد الذين

стр. 2040

مالئوا [١] ابن واصل. وفيها جلس المعتمد فى دار العامّة فولّى ابنه جعفرا العهد وسمّاه المفوّض إلى الله وولّاه المغرب وضمّ إليه موسى بن بغا وولّاه إفريقية ومصر والشام والجزيرة والموصل وأرمينية وطريق خراسان وحلوان ومهرجانقذق. وولّى أخاه أبا أحمد العهد من بعد جعفر وولّاه المشرق وضمّ إليه مسرور البلخي وولّاه بغداد والسواد والكوفة وطريق مكّة والمدينة واليمن وكسكر وكور دجلة والأهواز وفارس وقم وأصبهان والكرج والدينور والرىّ وزنجان وقزوين وخراسان وجرجان وطبرستان وكرمان وسجستان والسند. ثمّ دخلت سنة اثنتين وستّين ومائتين وفيها وافى يعقوب بن الليث رامهرمز فوجّه السلطان إليه إسماعيل بن إسحاق [٥٠٠] وبغراج وأخرج من كان محبوسا من أسباب يعقوب لأنّه لمّا حبس يعقوب محمد بن طاهر، حبس السلطان صاحبه وصيفا ومن كان قبله من أسبابه، فأطلق عنهم عند موافاة يعقوب رامهرمز، ثمّ قدم إسماعيل بن إسحاق من عند يعقوب برسالته. فجلس أبو أحمد بغداد ودعا بجماعة من التجار وأعلمهم أنّ أمير المؤمنين أمر بتولية يعقوب بن الليث خراسان وطبرستان وجرجان والرىّ وفارس والشرطة ببغداد، وذلك بمحضر صاحب يعقوب. ثمّ انصرف الرسل الذين وجّهوا إلى يعقوب إلى السلطان فأعلموه أنّه يقول: لا يرضيه ما كتب إليه دون أن يصير إلى الباب السلطانىّ. وارتحل يعقوب من عسكر مكرم، فصار إليه أبو الساج فقبله وأكرمه ووصله، ولمّا

стр. 2041

رجع الرسول بجواب يعقوب عسكر المعتمد بخارج سرّ من رأى واستخلف ابنه جعفرا ثم وافى بغداد فاشتقّها [١] وجازها إلى الزعفرانية فنزلها، وقدّم أخاه أبا أحمد الموفّق وسار يعقوب بجيشه حتّى صار من واسط على فراسخ فصادف هناك بثقا بثقه مسرور [٥٠١] البلخىّ من أجله حتى لا يجوزه. فأقام عليه حتّى سدّه وعبره وصار إلى باذبين ووافى واسطا. وسار محمد بن كثير من قبل مسرور البلخىّ فنزل بإزائه بالنعمانية وسار المعتمد حتّى صار إلى سيب بنى كوما وأقام المعتمد حتّى اجتمعت إليه عساكره. وزحف يعقوب من واسط إلى دير العاقول ثمّ زحف إلى عسكر السلطان. فأقام المعتمد ومعه عبيد الله بن يحيى وأنهض أخاه لحرب يعقوب، فجعل يعقوب يعبّئ أصحابه وجعل أبو أحمد موسى بن بغا على ميمنته ومسرور البلخىّ على ميسرته وصار هو فى نخب الرجال فى القلب. فالتقى العسكران بين سيب بنى كوما ودير العاقول. فشدّت ميسرة يعقوب على ميمنة أبى أحمد فهزمتها وقتلت جماعة منها من القوّاد بينهم إبراهيم بن سيما وغيره، وسائر عسكر أبى أحمد ثابت. ثمّ ثابت المنهزمة فحملوا على عسكر يعقوب فثبتوا وحاربوا حربا شديدة، فقتل منهم جماعة وأصاب يعقوب ثلاثة أسهم فى حلقه وبدنه ولم تزل الحرب قائمة بين الفريقين إلى آخر وقت العصر. ثمّ ظهر فى كثير من أصحاب يعقوب كراهة قتال السلطان لمّا رأوه بإزائهم. [٥٠٢] ثمّ حمل جميع أصحاب أبى أحمد على يعقوب ومن ثبت معه فانهزم أصحاب يعقوب وثبت يعقوب فى حامية أصحابه، حتّى مضوا وفارقوا موضع الحرب وغنم عسكر السلطان عسكر يعقوب. فيقال: إنّه أخذ

стр. 2042

من عسكره من الدوابّ والبغال أكثر من عشرة آلاف رأس ومن العين والورق ما يكلّ عن حمله ومن جرب [١] المسك أمر عظيم. وتخلّص محمد بن طاهر وكان مثقلا بالحديد، خلّصه الذي كان موكّلا به، وكتب كتاب الفتح إلى بغداد وقرئ على الناس، ورجع المعتمد إلى المدائن ومضى أبو أحمد الموفّق وقبض على ما لأبى الساج من المنازل والضياع فأقطعها مسرور البلخي، وقدم محمد بن طاهر بن عبد الله بغداد وقد ردّ إليه العمل وخلع عليه على مرتبته، فنزل دار عبد الله بن طاهر فلم يعزل أحدا ولم يولّ، وأمر له بخمسمائة ألف درهم. وفيها وجّه صاحب الزنج جيوشه إلى البطيحة ودست ميسان ذكر الخبر عن طمعه فى ذلك لمّا انصرف موسى بن بغا عن أعمال المشرق وصار النظر لأبى أحمد الموفّق وضمّ أبو أحمد [٥٠٣] كور دجلة إلى مسرور البلخىّ وتشاغلوا بحرب يعقوب، خلت كور دجلة من عمّال السلطان وعساكره سوى المدائن. فوجّه صاحب الزنج أحمد بن مهدى من أهل جبّى فى سميريّات فيها رجال رماة إلى نهر المرأة [٢] ، فجعل الجبّائى يوقع بالقرى. فكتب إلى صاحبه: - «إنّ البطيحة خالية من رجال السلطان، لانصراف مسرور وأصحابه إلى محاربة يعقوب بن الليث.» فأمر صاحب الزنج رجلا من باهلة يقال له عمير بن عمّار- كان عالما

стр. 2043

بطرق البطيحة ومسالكها- إلى أن يسير مع الجبّائى حتّى يستقرّ بالحوانيت. وكاتب سليمان بن جامع أن يسير إلى الحوانيت فسار الجبّائى فى طريق الماذيان فتلقّاه رميس فواقعه الجبّائى فهزمه وأخذ أربعا وعشرين سميرية ونيّفا وثلاثين صاخة [١] وأفلت رميس ووافق خروجه منهزما مع أصحابه خروج سليمان بن جامع من النهر العتيق. فتلقّاه فأوقع به فيمن أفلت معه وانحاز رميس إلى بئر مساور ولحق بسليمان من مذكورى البلالية وأنجادهم جماعة فى نحو من مائة وخمسين سميريّة فاستخبرهم الخبر فقالوا: - «ليس بينك وبين واسط أحد من عمّال السلطان وولاته.» فاغترّ سليمان بذلك وسار حتّى [٥٠٤] انتهى إلى الجازرة [٢] فتلقّاه رجل يقال له أبو معاذ القرشي، فواقعه فانهزم سليمان عنه وقتل أبو معاذ جماعة وأسر جماعة فيهم قائد من قوّاد الزنج يقال له: رباح، وانصرف سليمان إلى موضعه الذي كان معسكرا به فأتاه رجلان من البلالية فقالا: - «ليس بواسط أحد يدافع عنها غير أبى معاذ فى الشذاءات التي لقيتك.» فاستعدّ سليمان وكتب إلى الخبيث مع البلاليّة الذين استأمنوا إليه واحتبس الإثنين اللذين أخبراه عن واسط بما أخبراه، وسار قاصدا لنهر أبان فاعترض له أبو معاذ فى طريقه ونشبت الحرب بينهما وعصفت الريح فاضطربت شذاة أبى معاذ وقوى عليه سليمان وأصحابه فأدبر عنهم. ثمّ مضى سليمان فافتتح نهر أبان فأحرق وانتهب وسبى النساء والصبيان ثمّ وجّه رجلا يعرف له خبر واسط، فأخبره أنّ مسرورا قد توجّه إليه وأنّه بواسط. فتحمّل سليمان من موضعه وطلب موضعا يقرب عليه قصد صاحبه

стр. 2044

منه متى لحقه الطلب. فأشير عليه بطيها [١] فتحصّن فيها وجمع إليه كلّ من ظهر منه مكاشفة للسلطان ويثق به من أهل الطفوف وغيرهم وكاتب صاحبه [٥٠٥] بذلك وبما دبّره، فكتب إليه يصوّب رأيه. ثمّ إنّه وجّه الجبّائى فى عسكر فبلغه أنّ أغرتمش وخشيشا قد أقبلا فجزع منهما وأخذ فى الاستعداد للقائهما. ورجع إليه الجبّائى منهزما وصعد سليمان سطحا فأشرف منه فرأى الجيش فنزل مسرعا وعبر النهر وأمر السودان أن يستتروا حتّى لا يظهر منهم أحد ويتواروا بالأدغال وتدعوا القوم حتّى يتوغّلوا ولا يتحرّك واحد إلى أن يسمعوا أصوات طبوله فإذا سمعوها خرجوا. وقصد أغرتمش لجيشه وشغلهم قائد من قوّاد الزنج عن دخول العسكر يقال له: أبو الندى، وشدّ سليمان من وراء القوم وضرب الزنج بطبولهم وألقوا أنفسهم فى الماء للعبور إليهم فانهزم أصحاب أغرتمش، وخرج إليهم من كان بطميشا من السودان فوضعوا فيهم سيوفهم وانهزم خشيش على أشهب كان تحته يريد الرجوع إلى عسكره. فتلقّاه السودان فصرعوه وأخذته سيوفهم فقتل وحمل رأسه إلى سليمان. وقد كان خشيش حين أسرعوا إليه قال لهم: - «أنا خشيش فلا تقتلوني واذهبوا بى إلى صاحبكم.» فلم يسمعوا قوله. وانهزم أغرتمش وظفر الزنج بعسكره [٥٠٦] وشذاءاته ودوابّه وأسلابه وكتب إليه صاحبه بالفتح وحمل إليه رأس خشيش وخاتمه، فأمر فطيف به فى عسكره ونصب ثمّ حمله إلى علىّ بن أبان وهو يومئذ مقيم بنواحي الأهواز، وأمر بنصبه هناك.

стр. 2045

وفيها كانت وقعة بين أحمد بن ليثويه صاحب مسرور وبين علىّ بن أبان فهزم الزنوج وقتل منهم مقتلة عظيمة وذلك أنّ مسرورا وجّه أحمد بن ليثويه إلى ناحية الأهواز وكان علىّ بن أبان بتستر فقصده ابن ليثويه فزحف علىّ بن أبان إليه وهو يبشّر أصحابه ويعدهم الظفر ويحكى ذلك لهم عن الخبيث. فلمّا وافى الباهليون- وهي قرية تعرف بذلك [١]- تلقّاه ابن ليثويه فى جماعة كثيفه من خيل السلطان واستأمن إليه جماعة من العرب فانهزم علىّ بن أبان ثمّ كرّ عليهم مع جميعة من رجّالته فاشتدّ القتال وترجّل علىّ بن أبان فباشر القتال بنفسه راجلا وبين يديه غلام يقال له فتح، وبصر بعلىّ بن أبان قوم فعرفوه وأنذروا الناس به، فانصرف هاربا حتّى لجأ إلى المسرقان، فألقى نفسه فيه وتلاه فتح فغرق فتح ولحق علىّ بن أبان نصر الرومي فتخلّصه [٥٠٧] من الماء وكان أصاب ساقه سهم، فانصرف مفلولا من أنجاد السودان وأبطالهم عدد كثير. ودخلت سنة ثلاث وستين ومائتين ظفر يعقوب بن الليث بمحمد بن واصل وفيها ظفر يعقوب بن الليث بمحمد بن واصل أخذه ابن عزيز بن السرىّ فجاء به إلى يعقوب أسيرا. وملك يعقوب فارس وسار إلى الأهواز، فلمّا صار إلى النوبندجان انصرف أحمد بن ليثويه عن تستر وارتحل عن بلدان الأهواز كلّ من كان بها من قبل

стр. 2046

السلطان. ثمّ أقام علىّ بن أبان بنهر السدرة إلى أن دخل صاحب يعقوب الأهواز واسمه الخضر. فجعل يغير عليه وأغار صاحب يعقوب عليه ولم يزل كذلك الأمر مدّة. ثمّ تجاسر عليه أعنى علىّ بن أبان على الخضر فسار إليه وأوقع به وقتل من أصحاب يعقوب خلقا وهرب الخضر إلى عسكر مكرم، فلمّا استباح علىّ عسكره والأهواز رجع إلى نهر السدرة وكتب إلى بهبوذ يأمره بأصحاب الصفّار أن يوقع بهم وهم بالدورق. فمضى بهبوذ إلى الدورق وأوقع بأولئك. فكان علىّ يتوقّع بعد ذلك مسير يعقوب إليه فلم يسر. وأمدّ الخضر بأخيه الفضل وأمرهما [٥٠٨] بالكفّ عن قتال أصحاب الخبيث والاقتصار على المقام بالأهواز. فأبى ذلك علىّ دون نقل طعام هناك، فتجافى له الصفّار عن ذلك الطعام وتجافى علىّ للصفّار عن علف كان بالأهواز. فنقل علىّ الطعام وترك العلف وتكافّ الفريقان: أصحاب علىّ وأصحاب الصفّار. ودخلت سنة أربع وستين ومائتين وفيها مات عبيد الله بن يحيى بن خاقان من صدمة خادم له وصلّى عليه أبو أحمد ومشى فى جنازته واستوزر من الغد الحسن بن مخلد، ثمّ قدم موسى بن بغا فهرب الحسن بن مخلد واستوزر مكانه سليمان [١] بن وهب. وفيها توجّه جيش من قبل الصفّار إلى الصيمرة ونفذوا إليها وأخذوا صيغون وحملوه أسيرا.

стр. 2047

وفيها مات موسى بن بغا ببغداد وحمل إلى سرّ من رأى فدفن بها. محاربة محمد المولّد وسليمان بن الجامع وفيها ولى محمد المولّد واسطا فحاربه سليمان بن جامع وهو قريب من تلك الناحية، فهزمه وأخرجه من واسط ودخلها. ذكر السبب فى ذلك كان السبب فى ذلك أنّ علىّ بن أبان لمّا هزم بأغرتمش وجعلان، أشار عليه أحمد بن مهدى [٥٠٩] الجبّائى بتطرّق عسكر البخارىّ وهو على خمسة فراسخ من عسكر تكين فلمّا وافى ذلك الموضع قال له الجبّائى: - «الرأى أن نقيم هاهنا وأمضى أنا فى السميريّات فأحتر القوم وأتعبهم فيأتوك لغبين فتنال حاجتك.» فأقام سليمان وعبّأ خيله ورجّالته بموضعه ومضى الجبّائى فقاتلهم ساعة وأعدّ تكين حيلة وتطارد له الجبّائى وطال على علىّ بن أبان انتظار الجبّائى. فأقبل يقفوا إثر الجبّائى. فأنفذ الجبّائى غلاما له إلى سليمان بن جامع أنّ أصحاب تكين واردون عليك بخيلهم. فتلقّاهم الرسول فردّه إلى معسكره وجعل علىّ كمينا ممّا يلي الصحراء فى ميسرة تكين وقال: - «إذا جاوزتكم خيل تكين فاخرجوا من ورائهم.» فلمّا علم الجبّائى أنّ سليمان قد أحكم أمره رفع صوته وقال لأصحابه ليسمع أصحاب تكين: - «غررتموني وأهلكتمونى، وقد كنت أمرتكم ألّا تدخلوا هذا المدخل، فأبيتم إلّا أن تلقوني وأنفسكم فى هذه الورطة التي لا نرى أنّا ننجو منها.»

стр. 2048

فطمع أصحاب تكين لمّا سمعوا كلامه وجدّوا فى طلبه وجعلوا ينادونه: - «بلبل فى قفص.» وسار الجبّائى سيرا حثيثا واتبعوه بجدّ يرشقونه [٥١٠] حتّى جاوز الكمين وقارب عسكر سليمان، وهو أيضا كامن وراء الجدر فى خيله ورجله. فزحف سليمان وخرج الكمين من وراء الخيل وعطف الجبّائى فأتاهم الروع من الوجوه كلّها فانهزموا. وركبهم الزنج يقتلونهم ويأسرونهم ويسلبونهم حتّى قطعوا ثلاثة فراسخ. ثمّ وقف سليمان وقال للجبّائى: - «نرجع فقد غنمنا وسلمنا والسلامة أفضل من كلّ شيء.» فقال الجبّائى: - «كلّا قد نفذت حيلتنا فيهم ونخبت قلوبهم. والرأى أن نكبسهم فى ليلتهم هذه فلعلّنا أن نفضّ جمعهم ونجتاحهم.» فاتبع سليمان رأى الجبّائى وصار إلى عسكر تكين فقاتلهم تكين قتالا شديدا حتّى انكشف عنه سليمان. ثمّ وقف سليمان وعبّأ أصحابه ثانية ووجّه شبلا فى خيل ورجّالة إلى الصحراء وأمر الجبّائى فسار فى السميريّات فى بطن النهر وسار هو فيمن معه من أصحابه حتّى وافى تكين، فلم يثبت له أحد وانكسفوا فتركوا فى عسكرهم. فغنم ما فيه وأحرق الباقي وانصرف وكان استأذن صاحبه فى الإلمام به فألفى فى منصرفه ورود الإذن له، فاستخلف الجبّائى وحمل الأعلام التي أصابها من عسكر تكين والشذاءات [٥١١] التي كان أخذها من خشيش وأصحابه اغرتمش ومن كان معهم إلى عسكر الخبيث. ثمّ كانت لعلىّ بن أبان والجبّائى وغيرهما من أصحاب الخبيث وقعات منكرات وأمور هائلة ما كتبتها لخلوّها ممّا بنيت عليه كتابي هذا إلى أن

стр. 2049

دخل أصحابه واسطا. وفيها خرج سليمان بن وهب والحسن بن وهب إلى سرّ من رأى فلمّا وصل إليها حبسه المعتمد وقيّده وأنهب داره ودور بنيه واستوزر الحسن بن مخلد. وكان أبو أحمد الموفّق حسن الرأى فى آل وهب فشخص من بغداد ومعه عبيد الله بن سليمان بن وهب. فلمّا قرب الموفّق من سرّ من رأى، تحوّل المعتمد إلى العسكر الغربي فعسكر به واختلف الرسل بينهما. فلمّا كان بعد أيّام صار المعتمد إلى حرّاقة فى دجلة وصار إليه أخوه الموفّق فى زلّال، فخلع على الموفّق وعلى مسرور البلخي وكيغلغ وأحمد بن موسى بن بغا. ثمّ عبر أهل عسكر أبى أحمد إلى عسكر المعتمد يوم التروية من ذى الحجّة فأطلق سليمان بن وهب ورجع المعتمد إلى الجوسق وهرب الحسن بن مخلد وأحمد بن صالح بن شيرزاد وكتب فى قبض أموالهما وأسبابهما ومن يتصل بهما وهرب القوّاد [٥١٢] المقيمون كانوا بسرّ من رأى إلى تكريت. ثمّ شخص إلى الموصل ووضعوا أيديهم فى الجباية. وكان عبيد الله بن سليمان كاتب الموفّق فأصلح بين سليمان بن وهب والحسن بن مخلد. ودخلت سنة خمس وستين ومائتين وفيها كانت بين أحمد بن ليثويه وسليمان بن جامع قائد الزنج وقعة بناحية جنبلاء فقتل من أصحاب سليمان سبعة وأربعون قائدا وخلق من الجند لا يحصى عددهم، واستباح عسكره وأحرق سفنه ومضى مفلولا حتّى

стр. 2050

وافى طميشا [١] . وفيها لحق محمد المولّد بيعقوب بن الليث فصار إليه وقبض السلطان على أمواله وضياعه. وفيها قبض الموفّق على سليمان بن وهب وابنه عبيد الله وأمر بقبض ضياعهما وأسبابهما وصولحا على تسعمائة ألف دينار. واستكتب الموفّق صاعد بن مخلد واستوزر إسماعيل بن بلبل. وفيها مات يعقوب بن الليث بالأهواز وخلفه أخوه عمرو بن الليث وكتب عمرو إلى السلطان بأنّه سامع مطيع. وفيها لحق العباس بن أحمد بن طولون مع من تبعه ببرقة مخالفا لأبيه أحمد وكان [٥١٣] أبوه استخلفه على عمله بمصر لمّا توجّه إلى الشام. فلمّا انصرف أحمد عن الشام راجعا إلى مصر حمل العباس ما فى بيت المال بمصر وما كان لأبيه هناك من مال وأثاث وغير ذلك ومضى إلى برقة. فوجّه إليه أبوه جيشا فظفروا به ووجّهوه إلى أبيه فحبسه عنده وقتل بسببه وما كان منه جماعة كانوا شايعوا ابنه على ذلك. وفيها دخل الزنج جبّل والنعمانية فأحرقوا وسبوا وصاروا إلى جرجرايا ودخل أهل السواد بغداد. وفيها ولّى أبو أحمد، عمرو بن الليث خراسان وفارس وأصبهان وسجستان وكرمان والسند وأشهد له بذلك ووجّه إليه العهد والخلع. وفيها صار مسرور البلخي إلى النيل وكان هناك عبد الله بن ليثويه وكان يظهر الخلاف على السلطان. فلمّا قصده مسرور ومن معه تلقّوه وترجّلوا له وانقادوا له بالسمع والطاعة وعبد الله بن ليثويه قد نزع سيفه ومنطقته وعلّقهما

стр. 2051

فى عنقه وهو يعتذر ويحلف أنّه كان محمولا على ما فعل. فقبل منه وخلع عليه وعلى عدّة من قوّاده. ودخلت سنة ستّ وستين ومائتين [٥١٤] وفيها ولّى عمرو بن الليث عبيد الله بن عبد الله بن طاهر خلافته على الشرطة ببغداد وسرّ من رأى وخلع أبو أحمد عليه. فلمّا صار عبيد الله إلى منزله خلع عليه فيه خلعة عمرو بن الليث. وبعث إليه عمرو مع خلعته عمودا من ذهب. وفيها غلب اساتكين على الرىّ وأخرج العامل كان عليها. ثمّ صار هو وابنه اذكوتكين إلى قزوين وعليها ايزون أخو كيغلغ. فصالحاه وأخذا قزوين ثمّ عادا إلى الرىّ. [١] وفيها مات أبو الساج وكان منصرفا من الأهواز عن عسكر عمرو بن الليث إلى بغداد. وفيها ولّى عمرو بن الليث، أحمد بن عبد العزيز بن دلف أصبهان وولّى محمد بن أبى الساج الحرمين وطريق مكّة. وفيها وجّه مسرور إلى الأهواز أغرتمش ومطر بن جامع وأبا لحرب علىّ بن أبان صاحب الزنج. فكانت بينهم وقعات بنهر السدرة ثمّ ظفر على تكمين كمنه [٢] وأكبّ الزنج على أصحاب السلطان فهزمهم وأسر مطر بن جامع وأتى به علىّ بن ابان فاستبقاه مطر فقال له علىّ: - «لو كنت أبقيت على صاحبنا جعفرويه بتستر لأبقينا عليك.» وكان جعفرويه محبوسا بتستر فلمّا صار إليها مطر أخرجه وقتله فقام

стр. 2052

علىّ [٥١٥] بيده [السيف] [١] إلى مطر فضرب عنقه وأفلت أغرتمش وأبّا ووجّه علىّ بن أبان بالرؤوس إلى الخبيث. وفيها كانت بين الأكراد وبين علىّ بن أبان وقعة، فغلبه الأكراد وقتلوا من الزنج مقتلة عظيمة. ذكر السبب فى ذلك كان السبب فى ذلك أنّه كان بين محمد بن عبيد الله بن آزاذمرد الكردي وبين علىّ بن أبان شحناء، ثمّ تلاقيا على صالح وكان علىّ يرصده بشرّ، وقد عرف محمد بن عبيد الله ذلك فكان يروم النجاة منه. فكاتب ابن الخبيث المعروف بأنكلاى وسأله مسألة أبيه ضمّ ناحيته إليه فأذن له الخبيث فاستعدّ له علىّ وسار إليه وأوقع برامهرمز ومحمد بن عبيد الله يومئذ مقيم بها. فلم يكن بمحمد فيه امتناع. فهرب فاستباح علىّ رامهرمز وكتب محمد إلى علىّ يطلب المسالمة على مال يحمله إليه، فكتب علىّ إلى الخبيث بذلك، فكتب إليه بقبول ذلك وحمل المال، فحمله وأمسك علىّ عن محمد وأعماله. ثمّ كتب إليه يسأله أن يعينه على جماعة من الأكراد بموضع يقال له: الداريان على أن يجعل له ولأصحابه غنائمهم. فكتب علىّ إلى الخبيث يستأذنه فى النهوض إلى ذلك فكتب إليه [٥١٦] أن: - «وجّه الخليل بن أبان أخاك وبهبوذ وأقم أنت لا تنفذ جيشك حتّى تتوثّق من محمد بن عبيد الله برهائن تكون فى يدك تأمن بهم من غدره، فقد وترته وهو غير مأمون.»

стр. 2053

فكتب علىّ إلى محمد بذلك وسأله الرهائن، فأعطاه محمد الأيمان والعهود، ودافعه عن الرهائن. ذكر عجلة وحرص كانا سبب ترك الحزم فدعا عليّا الحرص على الغنائم التي أطمعه فيها محمد إلى أن أنفذ الجيش قبل تحصيل الرهائن. فساروا ومعهم رجال محمد حتّى وافوا الموضع المقصود، فخرج إليهم أهله فنشبت الحرب وظهر الزنج على الأكراد. ثمّ خذلهم أصحاب محمد بن عبيد الله وصدقهم الأكراد فانهزموا، وكان محمد أعدّ لهم قوما فعارضوهم وهم منهزمون، فأوقعوا بهم وسلبوهم وقتلوهم، فرجعوا بأسوإ حال فكتب المهلّبى إلى الخبيث بما ركبه محمد، فكتب إليه يعنّفه ويقول: - «خالفتني وتركت الحزم وتبعت هواك، فذاك الذي أردى جيشك.» وكتب الخبيث إلى محمد أنّه: - «لم يخف علىّ تدبيرك على جيش علىّ بن أبان ولن تعدم المكافأة على ما كان منك.» فارتاع محمد ممّا ورد عليه وكتب إليه بالتضرّع [٥١٧] والخضوع وكتب: - «إنّى ارتجع جميع ما ذهب من عسكر الخليل بن أبان وأتوعّد [١] من فعل ذلك وأقصده بكلّ مكروه.» فأظهر الخبيث غضبا وكتب إليه يتهدّده، فأعاد محمد الكتاب بالاستكانة وكتب إلى بهبوذ يضمن له مالا ولغيره ممّن يقرب من الخبيث فلم يزالوا به حتّى سلّوا سخيمته [٢] على محمد وأظهر الخبيث الرضا عن محمد وقال:

стр. 2054

- «لست أقبل ما يقول أو يخطب لى على منابر أعماله.» فأجابه محمد إلى ما أراد. ثمّ راوعه وقصد علىّ متّوث [١] فلم يطقها لحصانتها فاتّخذ لها سلاليم وآلات الحروب. وكان مسرور عرف قصد علىّ متّوث، فلمّا صار إليها وافاه قبيل المغرب وهو مقيم عليها. فلمّا عاين أصحاب علىّ أوائل خيل مسرور انهزموا وتركوا عسكرهم وجمع الآلات التي أعدّوها وقتل منهم جمع كثير وانصرف علىّ مذعورا مفلولا ولم يلبث حتّى تتابعت الأخبار بإقبال أبى أحمد الموفّق إلى سوق الخميس وطميشا [٢] وفتح أبى أحمد إيّاها. ثمّ ورد عليه كتاب يحفزه حفزا شديدا بالمصير إليه فى عسكره. ودخلت سنة سبع وستين ومائتين [٥١٨] وفيها غلب أبو العباس ابن الموفّق على عامّة ما كان سليمان صاحب الزنج غلب عليه من قرى دجلة ذكر الخبر عن ذلك إنّ الزنج لمّا دخلوا واسطا- وكان منهم ما ذكرنا- واتصل الخبر بأبى أحمد استعظمه، فخفّ للنهوض ابنه أبو العباس. فلمّا استجمع أمره ركب أبو أحمد يعرض أصحابه ووقف على عدّتهم فكان جميع الفرسان والرجّالة عشرة آلاف رجل فى أحسن زىّ وأجمل هيئة وأكمل عدّة ومعهم الشذاءات والسميريّات والمعابر للرجّالة. فنهض أبو العباس وانصرف أبو أحمد من تشييعه وأقام أبو العباس بالفرك حتّى تكامل أصحابه وأقام أيضا بالمدائن، ثمّ رحل إلى دير العاقول. فورد عليه كتاب نصير أبى حمزة صاحب الشذاءات

стр. 2055

والسميريّات وكان أمضاه على مقدّمته يعلمه أنّ سليمان بن جامع قد وافى فى خيله ورجاله وشذاءاته والجبّائى يقدمه حتّى نزل الجزيرة التي بحضرة بردودا، فرحل أبو العباس حتّى وافى جرجرايا ثمّ فم الصّلح ثمّ ركب الظهر حتّى وافى الصّلح ووجّه طلائعه لتعرف الخبر، فأخبروه بموافاة القوم وجمعهم وأنّ أوّل [٥١٩] جيشهم بالصّلح وآخرهم ببستان موسى بن بغا أسفل واسط. فلمّا عرف ذلك عدل عن سنن الطريق وسار معترضا ولقى أصحابه أوائل القوم فتطاردوا لهم وأمعن الزنج فى طلبهم فجعل الناس يقولون: - «اطلبوا أميرا للحرب فإنّ أميركم مشغول بالصيد.» فلمّا قربوا من أبى العباس بالصّلح خرج عليهم فيمن معه من الخيل والرجل وأمر فنودي: - «نصير، إلى أين تتأخّر عن هؤلاء الكلاب؟ ارجع إليهم.» فرجع نصير وركب أبو العباس فى سميرية وحمل الناس من كلّ جهة فانهزم الزنج وأصحاب أبى العباس يقتلونهم إلى أن وافى بهم قرية عبد الله وهي على ستّة فراسخ من الموضع الذي لقوهم. وأخذوا عدّة شذاءات وسميريّات واستأمن قوم وغرق قوم. فكان ذلك أول فتح فتح على أبى العباس. وأشار على أبى العباس قوّاده ونصحاؤه أن يجعل معسكره بالموضع الذي كان انتهى إليه، إشفاقا عليه من مقاربة القوم. فأبى وقال: - «فأين التيقّظ.» فنزل واسطا. ولمّا انهزم سليمان بن جامع وأصحابه توافوا بنهر الأمير. وكان القوم حين لقوا أبا العباس أجالوا الرأى بينهم فقالوا:

стр. 2056

- «هذا فتى حدث لم تطل ممارسته للحروب [٥٢٠] فالرأى أن نرميه بحدّنا كلّه، فإنّه سيرتاع ويكون سببا لانصرافه عنّا أو أسره.» ففعلوا ذلك وحشدوا فكاد يتمّ لهم ما دبّروه، ثمّ كانت الدبرة عليهم. ودخل أبو العباس واسطا من غد يوم الوقعة فى أحسن زىّ واستأمن إليه قوم ثمّ انحدر إلى العمر وهو على فرسخ من واسط فقدّم فيه عسكره وكان الناس أشاروا عليه أن يعسكر فوق واسط فأبى ونزل العمر ثمّ أخذ فى بناء الشذاءات وآلات الماء وجعل يراوح القوم القتال ويغاديهم. ثمّ إن سليمان استعدّ له مرة أخرى وحشد فلقيهم أبو العباس فهزمهم وقتل وأسر. ثمّ أتاه مخبر فأخبره أنّ الزنج قد اجتمعوا واستعدّوا لكبس عسكره من ثلاثة أوجه، وأنّهم قالوا فيما بينهم: «إنّه حدث غرّ قد خاطر وغرّر بنفسه فاتفق له ولا يتمّ له ذلك أبدا.» فلمّا علم بتدبيرهم حذر وكانوا كمنوا له عشرة آلاف فى موضعين وأطمعوه فى أنفسهم فمنع [١] أبو العباس من اتباعهمم. فلمّا علموا أنّ كيدهم لم ينفذ اجتمعوا له وكاثروه فهزمهم وأفلت سليمان راجلا ومضى جيشهم لا يلوى أحد على أحد. ورجع أبو العباس إلى مكانه بالعمر ثمّ إنّ الجبّائى كان يجيئه فى الطلائع فى كلّ ثلاثة أيّام. ذكر حيلة للجبّائى ما تمّت له أمر الجبائي بحفر آبار وصيّر فيها سفافيد [٢] حديد وغشّاها بالبواري وواراها بالتراب وأخفى مواضعها وجعلها على سنن مسير الخيل ليتهوّر فيها المجتازون وكان يوافى متعرّضا ويهيج الناس. فجاء يوما فطلبته الخيل فتقطّر

стр. 2057

فرس قائد فى بئر منها فوقف أصحاب أبى العباس على حيلته فحذروا ذلك السمت ولم يمتحن غير ذلك القائد الواحد. ثمّ عاودوا التعرّض للحرب فى كلّ يوم إلى أن استجرأ عليهم جند أبى العباس فكان أبو العباس يقصدهم ويقتل ويأسر ويستنقذ نساء المسلمين وصبيانهم ويردّهم إلى أهليهم إذ عرض لأبى العباس كركىّ يطير، فرماه بسهم فشكّه فسقط بين أيدى الزنج ورأوا موقع السهم منه، فعلموا أنّه سهم أبى العباس، فاستشعروا الرعب منه فكانوا إذا رأوا علامته انهزموا. ثمّ عزم أبو أحمد الموفّق على المصير إلى الجيش ومباشرة الأمر بنفسه فعزم [٥٢٢] أبو العباس على قصد نهر سوق الخميس قبل موافاة أبيه. فقال له نصير: - «إنّ ذلك النهر ضيق فأقم أنت وأذن لى فى المسير إليه.» فأبى أن يدعه حتى يعاينه [١] فقيل له: إن كنت لا بدّ فاعلا فلا تكثر عدد من يحمل معك فى الشذاءات. فاستعدّ أبو العباس وسار نصير بين يديه واستأذنه رجل من قوّاده يقال له موسى دالحوا [٢] أن يكون بين يديه فأذن له وسار حتّى انتهى إلى فوهة النهر المؤدّى إلى مدينة سليمان بن موسى الشعراني وغاب عنه نصير حتّى خفى خبره وخرج عليه فى ذلك الموضع خلق فتحدّث من كان معه قال: لمّا حالوا بيننا وبين الانتهاء إلى السور- وكان بيننا وبينه مقدار فرسخين- حاربناهم فاشتدّت الحرب وخفى أمر نصير علينا والزنج يهتفون بنا: - «أخذنا نصيرا وأنتم فى قبضتنا.» فاغتمّ أبو العباس لذلك ورحل منه فاستأذنه محمد بن شعيب أن يأتيه

стр. 2058

بخبر نصير فأذن له فمضى فى سميريّة بعشرين جذّافا، فإذا هو بنصير وقد قرب من سكر كانوا سكروه، فأضرمه بالنار وهو يحارب حربا شديدة وقد رزق الظفر. فرجع وأخبر أبا العباس وبشّره بسلامة نصير ومن [٥٢٣] معه وأنّه ظافر غانم فسرّ به سرورا شديدا. وكان الزنج قد علقوا بشذاءة، فركب أبو العباس فى سميريّة حتّى وافى تلك الشذاءة وعلى أبى العباس كبر [١] تحته درع فانتزع الشذاة وخلّصها. قال محمد: فنزعنا من كبر أبى العباس خمسا وعشرين نشّابة ومن لبابيد الملّاحين مثل ذلك وأقلّ وأكثر. وظفر أبو العباس بالزنج وهزمهم وعاد إلى معسكره بالعمر إلى أن وافى الموفّق. خروج الموفّق لحرب صاحب الزّنج وخرج الموفّق من مدينة السلام قاصدا حرب صاحب الزنج وذلك حين بلغه أنّ صاحب الزنج كتب إلى صاحبه علىّ بن أبان المهلّبى يأمره بالمصير بجميع من معه إلى ناحية سليمان بن جامع ليجتمعا على حرب أبى العباس بن أبى أحمد. فأعدّ أبو أحمد الشذاءات وآلات الماء وسار فى فرسانه ورجّالته وغلمانه إلى أن نزل على فرسخ من واسط فأقام هناك يوما وليلة، فتلقّاه أبو العباس ابنه فى جريدة خيل فيها قوّاده ووجوه جنده فسأله أبوه عن خبر أصحابه فأثنى عليهم ووصف نصحهم وبلائهم، فخلع عليه وعليهم. وانصرف أبو العباس إلى معسكره ورحل أبو أحمد من غد ذلك اليوم فى

стр. 2059

الماء وتلقّاه أبو العباس وجميع الجند فى هيئة الحرب [٥٢٤] ثمّ سار أمامه إلى أن نزل أبو أحمد ثمّ سار أبو أحمد وولّى ابنه أبا العباس مقدّمته ووضع العطاء فأعطى الجيش. ثمّ سار على تعبئة وأمامه أبو العبّاس فأتاه بأسرى. وذلك أنّه وافى عسكرا للشعرانى قبل مجيء أبيه فأوقع به وقتل منه مقتلة عظيمة، فأمر الموفّق بضرب أعناق الأسارى. ثمّ رحل أبو أحمد يريد مدينة صاحب الزنج التي سمّاها المنيعة من سوق الخميس بمن معه من الجيش وآلة الماء. فلمّا رأى سليمان ومن معه من الزنج مسير الخيل والرجّالة على حافتي النهر قد ملؤوا الأرض ومسير الشذاءات والسميريّات فى الماء انهزموا، وعلا أصحاب أبى العباس السور ووضعوا فيهم السيوف ودخلوا المدينة وقتلوا خلقا وأسروا خلقا وحووا ما فى المدينة وهرب الشعراني واتبعوهم حتّى وقعوا فى البطائح وغرق منهم خلق ولجأ الباقون إلى الآجام، واستنقذ من المسلمات خمسة آلاف امرأة سوى الزنجيّات، فأمر أبو أحمد بحفظهن ليدفعن إلى أوليائهن. وبات أبو أحمد بإزائها فلمّا أصبح أمر بأخذ جميع ما فيها وهدم سورها وطمّ خندقها واحرق آلاتها وسفنها، وبلغ خبر الوقعة صاحب الزنج فعظمت [٥٢٥] مصيبته واشتدّ جزعه وكتب إلى سليمان بن جامع يحذّره مثل ما نزل بالشعراني ويأمره بالتيقّظ. وتعرّف أبو أحمد خبر الشعراني فقيل: إنّه بالحوانيت [١] ، فأنفذ إليه جيشا فألفوا هناك قوّاده ولم يصادفوه فقتلوا قوّاده وانتهبوا هناك غلّات كثيرة. وتعرّف أبو العباس خبر سليمان بن جامع فأعلم بمكانه من مدينته التي

стр. 2060

سمّاها: المعمورة، فى الموضع الذي يعرف بطميشا [١] فرحل إليها أبو أحمد بعد أن أصلح سفن الجسور واستكثر من الضياع والآلات التي يسدّ بها الأنهار والطرق للخيل وتوطئة الأرض لسلوكها. دفن الجبّائىّ وادّعاء آخر لصاحب الزنج وفى هذه السنة دخل أبو أحمد طميشا وأخرج منها سليمان بن جامع وقتل بها أحمد بن مهدى الجبّائى وذلك بعد حروب كثيرة. ولمّا حمل الجبّائى إلى الخبيث اشتدّ جزعه عليه وصار إليه حتّى ولى غسله وتكفينه والصلاة عليه والوقوف على قبره حتّى دفن ثمّ أقبل على أصحابه وقال: - «قد علمت بوفاته وقت قبض روحه قبل وصول خبره إلىّ، بما سمعت من زجل الملائكة بالدعاء والترحّم عليه.» ثمّ إنّ أبا أحمد أمر أهل عسكره بالتحارس ليلتهم وصحّ سور [٥٢٦] المدينة بكتائب يتلو بعضها بعضا ورتّب غلمانه وأصحابه فى المواضع التي يخشى خروج الزنج منها ورتّب الفرسان فى المواضع التي يخاف خروج الكمناء منها وقدّم ابنه وتبعه بنفسه وحضّ الغلمان على الحرب وجسّرهم على الإقدام. وقد كان حصّن الزنج السور بخمسة خنادق وجعلوا أمام كلّ خندق سورا ووكّلوا بها رجالهم فما أغنى جميع ذلك شيئا عند الجدّ، فهدمت الأسوار وطمّت الخنادق وهجم على الزنج وكلّ ذلك بالمصاولة من غير حيلة، سوى أنّ الموفّق كان إذا أتى بالواحد منهم عفا عنه وخلع عليه وأقامه حيث يراه

стр. 2061

أصحابه حتّى استمالهم وكثر فى أصحابه منهم وكان يفوّقهم على أصحابه ويأمر بالإحسان إليهم حتّى فتح المدينة وهدم أسوارها وحوى ما فيها. ذهاب الموفّق إلى الأهواز للإيقاع بالمهلّبى ثمّ رحل نحو الأهواز بعد أن أحكم ما أراد إحكامه ليوقع بالمهلّبى واستخلف على عسكره بواسط ابنه هارون وشخص فى خفّ من رجاله وتقدّم إلى ابنه هارون فى أن يحدر الجيش الذي خلفه فى السفن إذا كاتبه بذلك وسار حتى أتى وادي السوس وقد عقد له عليه جسر فعبره ووافى [٥٢٧] السوس وكاتب مسرورا فى المبادرة إليه فقدم عليه فى جيشه فخلع عليه وعلى قوّاده وأقام ثلاثا. وصلّت خيل الخبيث وانتقض عليه تدبيره فحمله فرط الهلع على أنّ كاتب المهلّبى وهو يومئذ بالأهواز فى ثلاثين ألفا بترك ما قبله كلّه والإقبال إليه. فترك ما كان جمعه من المير والأموال والأثاث وصار إليه، واستخلف محمد بن يحيى بن سعيد الكرنبائى، فوجل من المقام وخرج يتبع المهلّبى وكان يجبّى والأهواز يومئذ من أصناف الحبوب والتمر والمواشي شيء عظيم. فخرجوا عن ذلك كلّه جبنا وإدبارا فحوى جميعه الموفّق. فصار قوّة على الخبيث ولو أراد جمع ذلك فى ذلك الوقت ما قدر على شيء منه. وكتب أيضا الخبيث إلى بهبوذ وإليه يومئذ عمل الفندم والباسيان وما يتصل بهما من القرى التي بين الأهواز وفارس يأمره بالقدوم عليه. فترك بهبوذ أيضا ما كان قبله من التمر والطعام وكان شيئا عظيما فحوى جميعه أبو أحمد وقوى به على الخبيث. وتخلّف عن المهلّبى قوم من الفرسان والرجّالة وكتبوا إلى أبى أحمد يسألونه الأمان لما انتهى إليهم [٥٢٨] عفوه عن من ظفر به بطميشا فبذله لهم

стр. 2062

وأحسن إليهم. وأمر الموفّق بجباية الأهواز من جميع كورها. ووجّه إلى محمد بن عبيد الله الكردىّ من يؤنسه وعفا عنه وتقدّم إليه فى جمع الأموال وتعجيلها نحوه والمسير إليه، وتأخّرت الميرة عن أبى أحمد بالأهواز وغلظ الأمر فسأل عن السبب فوجد الجند قد قطعوا قنطرة قديمة كانت بين سوق الأهواز ورامهرمز يقال لها: قنطرة أرمق، [١] فامتنع التجّار من حمل الميرة لأجل ذلك. فركب إليها أبو أحمد وهي على فرسخين من سوق الأهواز فجمع من كان فى العسكر من السودان وأمرهم بنقل الصخر وبذل لهم الأموال فلم يرم [٢] حتّى أصلحت القنطرة فى يوم واحد وردّت كما كانت، فسلكها الناس ووافت الميرة والقوافل فعاش أهل العسكر وحسنت أحوالهم. وأمر أبو أحمد بجمع السفن لعقد جسر على دجيل فجمعت من جميع كور الأهواز الآلات. فلما تمّ عقده وتراجعت نفوس الناس والدوابّ باتصال المير والأعلاف سار وقدّم أبا العباس إلى الموضع المعروف بنهر المبارك من فرات البصرة وكتب إلى ابنه هارون بأن يحدّر إليه جميع [٥٢٩] الجيش إلى نهر المبارك لتجتمع العساكر هناك. ونزل أبو أحمد بقورج العباس ثمّ نزل الجعفرية وهذه قرية ليس فيها ماء إلّا ماء الآبار التي كان أبو أحمد تقدّم بحفرها فى عسكره فحفرت له وكان أعدّ بها بئرا، فوافاها والأمور مصلحة معدّة، ثمّ رحل حتّى ورد نهر المبارك، واستأمن قوم إلى أبى أحمد طمعا فيما بلغهم من إحسانه إلى المستأمنه فأبلغوه أنّ صاحب الزنج قد جمع آلات الماء وفيها خلق من السودان

стр. 2063

ليقصدوا نصيرا وهو بنهر المرأة ويسلكوا موضعا يخرجهم من ورائه. فأنفذ إلى نصير وأخبره بذلك فبادر نصير إلى شقّ بئرين، فلقى هناك القوم فزرق الظفر بعد مجاهدة عظيمة، فقتل وأسر وأخذ ثلاثين سميريّة. وانصرف أصحاب أبى أحمد ظافرين إلى واسط واستأمن إلى نصير زهاء ألفى رجل، فكتب بالخبر إلى أبى أحمد فأمره بقبولهم وإجراء الأرزاق عليهم وتفريقهم على أصحابه ومناهضة العدوّ بهم. ثمّ كتب إليه بموافاته إلى نهر المبارك ففعل. كتاب أبى أحمد إلى صاحب الزنج للأمان والتوبة مما ركب وادّعى وكتب أبو أحمد إلى الخبيث كتابا يدعوه إلى الدخول فى الأمان والنزوع عمّا هو عليه [١] من ادعاء النبوّة وسبى المسلمات [٥٣٠] والمسلمين والفساد فى الأرض، فإنّ التوبة مبذولة له. وأطال الكتاب فى هذا المعنى. فلمّا وصل إلى الخبيث رمى بالكتاب من يده ولم يجبه بشيء، وأقام على إصراره فعرض أبو أحمد شذاءاته وجمع آلات الماء ورتب قوّاده ومواليه وتخيّر الرماة منهم فرتّبهم فى الشذاءات وسار إلى مدينة الخبيث المسماة: المختارة، فى نهر أبى الخصيب فأشرف عليها وتأمّلها فرأى من حصانتها وأسوارها وخنادقها ووعورة الطرق المؤدية إليها من كلّ وجه وكثرة من أعدّ عليها من الرماة بالقسّى الناوكيّة والمجانيق والعرّادات وسائر الآلات ما لم ير مثله. فاستغلظ أمره واستعدّ الوصول إليه. ولمّا عاين الزنج أبا أحمد ارتفعت ضجّتهم بما ارتجّت له الأرض وتقدّم

стр. 2064

إلى بعض الشذاءات أن تقرب من السور من قصر الخبيث فتتابعت سهامهم وأحجار منجنيقاتهم وغير ذلك من عرّاداتهم ومقاليعهم حتّى ما كان يقع طرف ناظر من الشذاءات إلّا على سهم أو حجر فأمر أبو أحمد بردّ تلك الشذاءات ومعالجة من أصابه جرح أو وهن. واستأمن فى تلك الحال سميريّتان فيها مقاتلة السودان ومعهما آلات الماء فأمر أبو أحمد [٥٣١] للمقاتلين بخلع ديباج ومناطق محلّاة ووصلهما، وأمر للملّاحين بخلع حرير حمر وثياب بيض وخضر وأمر لهم بصلات وأمر بإدنائهم من الموضع الذي يراه منه نظراؤهم. فكان هذا من أنجع المكائد التي كادهم بها، وذلك أنّهم لمّا رأوا ذلك حسدوهم على ما صاروا إليه من الإحسان مع الدعة والأمن فتنافسوا فيه وابتدروا إليه وحرصوا على المسارعة إليه. فصار إلى أبى أحمد فى يومه ذلك عدّة سميريات فأمر لأصحابها بمثل ما أمر لمن تقدّمهم. فتتابع القوم إلى الأمان رغبة ورهبة ثمّ استأمن أصحاب الشذاءات. وجاءه السودان والبيضان فكان يصلهم ويكتب أسماءهم ويضمّهم إلى ابنه أبى العباس. ثمّ تقدم أبو أحمد إلى موضع يقرب من القصر يعرف بحطى [١] بعد ما أصلح الطرق إليه وعقد القناطر على أنهارها- وعسكر أبى أحمد فى ذلك الوقت زهاء خمسين ألفا وعسكر الخبيث زهاء ثلاثمائة ألف، ممّن يقاتل أو يدافع من بين ضارب بسيف وطاعن برمح ورام عن قوس وقاذف بحجر عن منجنيق أو عرّادة أو مقلاع- وأضعفهم الرماة باليد وهم النظّارة الذين يكثرون السواد [٢] والمعينون بالنعير والصياح [٥٣٢] فأمر أبو أحمد فنودي:

стр. 2065

- «إنّ الأمان مبسوط للناس أسودهم وأحمرهم إلّا الخبيث.» وأمر بسهام فلفت عليها رقاع مكتوب فيها من الأمان مثل الذي نودى به. فأقبل إليه المستأمنة تترى. حصانة مواضع صاحب الزنج ومطاولة أبى أحمد ورأى أبو أحمد من حال الخبيث وحصانة موضعه وكثرة عدّته ما لا بدّ له من المطاولة والمحاصرة. فاستعدّ لذلك وفرّق أصحابه حول الخبيث ووكّل بكلّ ركن قوّادا وقوّاهم بالرجال والآلات وأنفذ إلى عمّاله فى النواحي فى حمل الأموال والمير وسائر الأمتعة، وبنى مدينة سمّاها: الموفّقية، وعمل فيها بيت مال وأمر بحمل الأموال إليه من جميع البلدان. وبنى دور الضرب فضرب فيها دنانير ودراهم وجلب إليها الذهب والفضّة، وأرسل إلى سيراف من يأتيه بآلات الماء ويبنى فيها السفن والشذاءات ويجلب متاع البحر وكان قد انقطع جلب البحر منذ أكثر من عشر سنين لإخافة الخبيث السبل. وكتب بإثبات كلّ من يصلح للجندية إلى عمّاله فى الأمصار، ورغّب فى ذلك والمدينة الموفّقية تبنى والكتب تنفذ بما يعمرها والتجّار يجهزون [١] إليها والأسواق تكثر وأقبلت إليها مراكب البحر. وبنى أبو أحمد المسجد الجامع [٥٣٣] فصارت مدينة كبيرة وحملت إليها الأموال وأدّر العطاء فى أوقاته ورغب الناس فى حلولها والمصير إليها من كلّ أوب، والخبيث يرصد غرّة يصيب فيها فرصته من أبى أحمد فلا يجد لتيقّظ الناس وتحارسهم ولحفظ الموكّلين بالمواضع المخوفة مواضعهم. وكان أبو العباس لا يغفل ليلا ولا نهارا وإذا أمكنه قصد ناحية أوقع بها

стр. 2066

وبمن رتّب فيها من الزنج وإن أتاه مستأمن قبله وأحسن إليه والخبيث ينفذ أصحابه ويبثّ رجاله فى اقتطاع ما يرد المدينة من السفن وغيرها. فربّما أصاب من ذلك حاجته فيعوّض أبو أحمد التجّار ويشحن المواضع التي يقصد منها بالرجال. وندب لحفظ الطرق أبا العباس فكان يوقع بأصحاب الخبيث ويحمل رؤوسهم إلى الموفّقية ويرتّب الرجال فى الماء والبرّ حتّى ضاق الأمر بالخبيث، فعزم على كبس الموفّق. فاستأمن بعض قوّاد الزنج وأخبر الموفّق بذلك فأعدّ له قوما، فلمّا أتاه البيان كان مستعدا، فظهر على الزنج وأصابه مثل ذلك مرّات فى كلّ مرّة يجيئه من ينذره [٥٣٤] فيستعدّ لهم حتّى ظفر يوما برجال بيّتوه وأسر وقتل من السودان نحوا من خمسة آلاف ونصب الرؤوس على سور الموفّقية. فأشاع الخبيث فى أصحابه أنّ ذلك زور وأنّ تلك رؤوس المستأمنة. فأمر الموفّق برمي تلك الرؤوس إليهم بالمنجنيقات والعرّادات التي كانت منصوبة فى السفن معمولة لأوقات الحرب فتبيّن لأصحابه كذبه، وصار سببا لضعف نيّاتهم. ثمّ زحف الموفّق بنفسه إلى المدينة المختارة ذكر السبب فى خروجه كان السبب فى خروجه أنّ قوّاد الخبيث كاتبوا أبا أحمد الموفّق يعلمونه أنّهم على الخروج إليه فى الأمان وأنّهم ليس يجدون السبيل إلى ذلك وأنّه لو قدّم قوما إلى الحرب لخرجوا ووجدوا بهم سبيلا إلى مفارقة الخبيث. [١] فأنهض الموفّق أبا العباس فى آلات الماء والشذاءات وانتخب له الرجال

стр. 2067

الشجعان وأهل النجدة والبأس وقدّمه. ثمّ سار بنفسه مع نصير [٥٣٥] ورشيق وزيرك واستقبلهم أصحاب الخبيث فى أكثر من معدّاتهم وآلاتهم وخرج ابن الخبيث انكلانى [١] ومعه علىّ بن أبان وسليمان بن جامع مع السفن التي فيها المجانيق والعرّادات والقسّى الناوكية. فلمّا التقى الجمعان أمر الموفّق أصحابه بالحملة والدنو من الركن الذي فيه الجمع الأكثر وبينه وبينهم نهر يعرف بنهر الأتراك وهو نهر عريض غزير الماء. فلمّا انتهوا إليه أحجموا، فصيح بهم وحرّضوا على العبور فعبروا سباحة والزنج يرمونهم بما استطاعوا من المجانيق والعرّادات والمقاليع والسهام وحجارة الأيدى فصبروا على جميع ذلك حتّى عبروا النهر وانتهوا إلى السور، ولم يكن لحقهم من الفعلة ما كان أعدّ لهدمه. فتولّى الغلمان تشعيث السور بما كان معهم من السلاح وتسنّموه وحصرهم بعض السلاليم بعد أن قتل فيهم مقتلة عظيمة ونصب هناك علم وأسلم الزنج سورهم وأحرق ما كان عليه من منجنيق وعرّادة وآلة حرب واستلحقوا الفعلة حتّى وسّعوا المدخل فى عدّة مواضع وملكوا السور [٥٣٦] الأوّل بعد مدافعات هلك فيها من الفريقين خلق ولا يعدم كلّ يوم مستأمنة يحسن إليهم فيتنصّحون ويأتون بالأخبار والتدابير التي يدبّرها الخبيث فينتقض عليه أمره. ودخلت سنة ثمان وستين ومائتين استئمان جعفر السجّان وهروب ريحان إلى أبى أحمد وفيها استأمن جعفر السجّان وهرب ريحان بن صالح المغربىّ من عسكر الخبيث إلى أبى أحمد. فأمر لهما بجوائز وصلات وأقيمت لهما الأنزال وحملا

стр. 2068

حتّى ظهرا لأصحاب الخبيث وعليهم الخلع فاستأمن ذلك اليوم خلق كثير. ثمّ وقعت وقعات كثيرة بعد ذلك بعضها للزنج وبعضها للموفّق، إلى أن منع من ميرة السمك الذي كان يأتيه من البطيحة ومنع العرب من حمل الميرة من جهة البادية وقتل منهم خلق وسلبوا ما كان معهم ومن ظفر به ممّن يسفر أو يعين عليه أخذ وعوقب وعذّب ثمّ قتل حتّى ضاق على الزنج الأمر وانقطعت عنهم كلّ مادّة وضعفوا جدا. فكان الأسير أو المستأمن إذا سئل عن الخبر تعجّب ويزعم بعضهم أنّ عهدهم به سنتين وأقلّ وأكثر. فولى الموفّق أن يتابع الإيقاع بهم ليزيدهم ضرا وجهدا. وأمر الموفّق [٥٣٧] بعرض الزنج لمّا كثروا وصاروا أكثر من جنده فمن كان لا يستصلح للقتال مثل الشيخ الضعيف والمجروح والزمن ومن أشبه هؤلاء أن يوهب لهم شيء ويردّوا إلى عسكر الزنج فلمّا عادوا وصفوا خصب عسكر الموفّق وإحسانه إلى المستأمنة فخرج أيضا بهذا السبب خلق فى الأمان. ثمّ إنّ بهبوذ أخال بحيلة حتّى ظفر بخيل للموفّق فقتلهم وأخذ شذاءات كثيرة ونقل ميرة كبيرة. ذكر حيلته هذه احتال بأن أخذ شذاءات كثيرة فنصب عليها أعلاما كأعلام الموفّق وحمل فيها فوجا فى زىّ قومه ورجاله. ثمّ اجتهد فى أن وقع إلى معترض يؤدّى إلى نهر اليهودي. ثمّ سلك نهر نافذ حتّى خرج إلى نهر الأبلّة فانتهى إلى الشذاءات والسميريّات المرتّبة لحفظ النهر وهم غارّون، فأوقع بهم وقتل قتلا ذريعا وأسر الباقون وجمع شيئا كبيرا من الميرة وأتى أصحابه فى معترضات وأنهار غامضة.

стр. 2069

ثمّ إنّه طمع فى المعاودة. ذكر طمعه هذا فأمره لصاحبه أن يسلك [٥٣٨] فى مواضع غامضة إلى أن يوافى القندل والبرشان. [١] ففعل ذلك فوقع على سميريّة فيها طعام فقصدها بهبوذ فحاربه أهلها فأصابته طعنه فى بطنه هلك منها. فعظمت فجيعة الخبيث وأحضر الموفّق الغلام فوصله وطوّقه وزاد فى أرزاقه، وأمر لمن كان معه فى سميرية بجوائز وصلات. ودخلت سنة تسع وستين ومائتين ولمّا قتل بهبوذ طمع صاحبه فى كنوزه وأمواله وكان قد صحّ عنده موضع مائتي ألف دينار وجواهر وضياعات ذهب لها قدر. فطلب أمواله وذخائره وحبس أولياءه وأصحابه وضربهم بالسياط وأباد دورا له وهدم أبنية من أبنيته طمعا فى شيء يجده من دفائنه. فكان ذلك أحد ما أفسد قلوب أتباعه ودعاهم إلى الهرب [٢] منه والزهد فى صحبته. فأمر أبو أحمد بالنداء فى أصحاب بهبوذ بالأمان فسارعوا إليه ووصلهم. ورأى أبو أحمد أنّ هدم السور الذي يفضى إلى الخبيث قد امتنع عليه فأزمع أن يباشره بنفسه ليكون ذلك أدعى إلى جدّه أصحابه. فباشر الحرب حتّى وصل إلى السور [٥٣٩] وأحرق قناطر كانت تحول بين أصحابه وبين السور ويعتصم بها الزنج، واستظهر ذلك اليوم. فبينا هو فى جدّه وتشميره وقد ولج أصحابه السور وهدموا المسجد

стр. 2070

الجامع الذي بناه الخبيث ووصلوا إلى دواوينه وخزائنه وظهرت تباشير الفتح، إذ أتاه سهم غلام رومىّ كان مع الخبيث يقال له: قرطاس، فأصاب صدر الموفّق فستر ذلك عن أصحابه وانصرف إلى موضعه من الموفّقية وعولج تلك الليلة. فلمّا كان من الغد غادي الحرب على ما به ليشدّ من قلوب أوليائه ولئلّا يدخلهم وهن. فزاد ما حمله نفسه من الحركة فى قوّة الجراحة فعظم أمرها حتّى خيف عليه واضطرب العسكر والجند والرعيّة وخافوا قوّة الخبيث عليهم. فأشار الأطباء وأهل الشفقة بأن يرجع إلى مدينة السلام، فأبى وأشفق أن ينتظم أمر الخبيث بعد ما وهن، وبلغ الغاية. ولم يبق فى أمره إلّا اليسير فأقام على صعوبة علّته وغلظ الحادثة فى سلطانه إلى أن عوفي فظهر لخاصّته وقد كان أطال الاحتجاب عنهم والخبيث فى تلك الأيّام يعد أصحابه العدات ويمنّيهم الأمانى الكاذبة. فلمّا استقل الموفّق وتماثل وقوى على [٥٤٠] النهوض للحرب جعل [١] يحلف على منبره أنّ ذلك باطل لا أصل به وأنّ الذي ظهر لهم فى الشذاءة مثال مموّه. وكان أعاد بناء ما خرّب من مدينته ودواوينه ودوره. فركب الموفّق وعاود الموضع بالحرب ووصل إلى تلك المواضع فهدمها ثانية ووصل أصحابه إلى قصر من قصوره فانتهبوا ما كان فيه وأخربوه وأحرقوه واستنقذوا عددا من النساء المسلمات اللواتي كان سباهنّ وأخذوا خيلا له، ولم يبق إلّا الوصول إلى قصره. فصعب مرام ذلك على الموفّق وكثر المحامون عليه، ووافت الحرب ودامت حتّى وصل إلى الفريقين من القتل والجراح أمر عظيم، وحتّى لقد عدّ
следующие страницы →