وبمن رتّب فيها من الزنج وإن أتاه مستأمن قبله وأحسن إليه والخبيث ينفذ أصحابه ويبثّ رجاله فى اقتطاع ما يرد المدينة من السفن وغيرها. فربّما أصاب من ذلك حاجته فيعوّض أبو أحمد التجّار ويشحن المواضع التي يقصد منها بالرجال. وندب لحفظ الطرق أبا العباس فكان يوقع بأصحاب الخبيث ويحمل رؤوسهم إلى الموفّقية ويرتّب الرجال فى الماء والبرّ حتّى ضاق الأمر بالخبيث، فعزم على كبس الموفّق.
فاستأمن بعض قوّاد الزنج وأخبر الموفّق بذلك فأعدّ له قوما، فلمّا أتاه البيان كان مستعدا، فظهر على الزنج وأصابه مثل ذلك مرّات فى كلّ مرّة يجيئه من ينذره [٥٣٤] فيستعدّ لهم حتّى ظفر يوما برجال بيّتوه وأسر وقتل من السودان نحوا من خمسة آلاف ونصب الرؤوس على سور الموفّقية.
فأشاع الخبيث فى أصحابه أنّ ذلك زور وأنّ تلك رؤوس المستأمنة. فأمر الموفّق برمي تلك الرؤوس إليهم بالمنجنيقات والعرّادات التي كانت منصوبة فى السفن معمولة لأوقات الحرب فتبيّن لأصحابه كذبه، وصار سببا لضعف نيّاتهم.
ثمّ زحف الموفّق بنفسه إلى المدينة المختارة ذكر السبب فى خروجه
كان السبب فى خروجه أنّ قوّاد الخبيث كاتبوا أبا أحمد الموفّق يعلمونه أنّهم على الخروج إليه فى الأمان وأنّهم ليس يجدون السبيل إلى ذلك وأنّه لو قدّم قوما إلى الحرب لخرجوا ووجدوا بهم سبيلا إلى مفارقة الخبيث. [١] فأنهض الموفّق أبا العباس فى آلات الماء والشذاءات وانتخب له الرجال
стр. 2067
الشجعان وأهل النجدة والبأس وقدّمه. ثمّ سار بنفسه مع نصير [٥٣٥] ورشيق وزيرك واستقبلهم أصحاب الخبيث فى أكثر من معدّاتهم وآلاتهم وخرج ابن الخبيث انكلانى [١] ومعه علىّ بن أبان وسليمان بن جامع مع السفن التي فيها المجانيق والعرّادات والقسّى الناوكية.
فلمّا التقى الجمعان أمر الموفّق أصحابه بالحملة والدنو من الركن الذي فيه الجمع الأكثر وبينه وبينهم نهر يعرف بنهر الأتراك وهو نهر عريض غزير الماء. فلمّا انتهوا إليه أحجموا، فصيح بهم وحرّضوا على العبور فعبروا سباحة والزنج يرمونهم بما استطاعوا من المجانيق والعرّادات والمقاليع والسهام وحجارة الأيدى فصبروا على جميع ذلك حتّى عبروا النهر وانتهوا إلى السور، ولم يكن لحقهم من الفعلة ما كان أعدّ لهدمه. فتولّى الغلمان تشعيث السور بما كان معهم من السلاح وتسنّموه وحصرهم بعض السلاليم بعد أن قتل فيهم مقتلة عظيمة ونصب هناك علم وأسلم الزنج سورهم وأحرق ما كان عليه من منجنيق وعرّادة وآلة حرب واستلحقوا الفعلة حتّى وسّعوا المدخل فى عدّة مواضع وملكوا السور [٥٣٦] الأوّل بعد مدافعات هلك فيها من الفريقين خلق ولا يعدم كلّ يوم مستأمنة يحسن إليهم فيتنصّحون ويأتون بالأخبار والتدابير التي يدبّرها الخبيث فينتقض عليه أمره.
ودخلت سنة ثمان وستين ومائتين
استئمان جعفر السجّان وهروب ريحان إلى أبى أحمد
وفيها استأمن جعفر السجّان وهرب ريحان بن صالح المغربىّ من عسكر الخبيث إلى أبى أحمد. فأمر لهما بجوائز وصلات وأقيمت لهما الأنزال وحملا
стр. 2068
حتّى ظهرا لأصحاب الخبيث وعليهم الخلع فاستأمن ذلك اليوم خلق كثير.
ثمّ وقعت وقعات كثيرة بعد ذلك بعضها للزنج وبعضها للموفّق، إلى أن منع من ميرة السمك الذي كان يأتيه من البطيحة ومنع العرب من حمل الميرة من جهة البادية وقتل منهم خلق وسلبوا ما كان معهم ومن ظفر به ممّن يسفر أو يعين عليه أخذ وعوقب وعذّب ثمّ قتل حتّى ضاق على الزنج الأمر وانقطعت عنهم كلّ مادّة وضعفوا جدا. فكان الأسير أو المستأمن إذا سئل عن الخبر تعجّب ويزعم بعضهم أنّ عهدهم به سنتين وأقلّ وأكثر. فولى الموفّق أن يتابع الإيقاع بهم ليزيدهم ضرا وجهدا.
وأمر الموفّق [٥٣٧] بعرض الزنج لمّا كثروا وصاروا أكثر من جنده فمن كان لا يستصلح للقتال مثل الشيخ الضعيف والمجروح والزمن ومن أشبه هؤلاء أن يوهب لهم شيء ويردّوا إلى عسكر الزنج فلمّا عادوا وصفوا خصب عسكر الموفّق وإحسانه إلى المستأمنة فخرج أيضا بهذا السبب خلق فى الأمان.
ثمّ إنّ بهبوذ أخال بحيلة حتّى ظفر بخيل للموفّق فقتلهم وأخذ شذاءات كثيرة ونقل ميرة كبيرة.
ذكر حيلته هذه
احتال بأن أخذ شذاءات كثيرة فنصب عليها أعلاما كأعلام الموفّق وحمل فيها فوجا فى زىّ قومه ورجاله. ثمّ اجتهد فى أن وقع إلى معترض يؤدّى إلى نهر اليهودي. ثمّ سلك نهر نافذ حتّى خرج إلى نهر الأبلّة فانتهى إلى الشذاءات والسميريّات المرتّبة لحفظ النهر وهم غارّون، فأوقع بهم وقتل قتلا ذريعا وأسر الباقون وجمع شيئا كبيرا من الميرة وأتى أصحابه فى معترضات وأنهار غامضة.
стр. 2069
ثمّ إنّه طمع فى المعاودة.
ذكر طمعه هذا
فأمره لصاحبه أن يسلك [٥٣٨] فى مواضع غامضة إلى أن يوافى القندل والبرشان. [١] ففعل ذلك فوقع على سميريّة فيها طعام فقصدها بهبوذ فحاربه أهلها فأصابته طعنه فى بطنه هلك منها. فعظمت فجيعة الخبيث وأحضر الموفّق الغلام فوصله وطوّقه وزاد فى أرزاقه، وأمر لمن كان معه فى سميرية بجوائز وصلات.
ودخلت سنة تسع وستين ومائتين
ولمّا قتل بهبوذ طمع صاحبه فى كنوزه وأمواله وكان قد صحّ عنده موضع مائتي ألف دينار وجواهر وضياعات ذهب لها قدر. فطلب أمواله وذخائره وحبس أولياءه وأصحابه وضربهم بالسياط وأباد دورا له وهدم أبنية من أبنيته طمعا فى شيء يجده من دفائنه. فكان ذلك أحد ما أفسد قلوب أتباعه ودعاهم إلى الهرب [٢] منه والزهد فى صحبته.
فأمر أبو أحمد بالنداء فى أصحاب بهبوذ بالأمان فسارعوا إليه ووصلهم.
ورأى أبو أحمد أنّ هدم السور الذي يفضى إلى الخبيث قد امتنع عليه فأزمع أن يباشره بنفسه ليكون ذلك أدعى إلى جدّه أصحابه. فباشر الحرب حتّى وصل إلى السور [٥٣٩] وأحرق قناطر كانت تحول بين أصحابه وبين السور ويعتصم بها الزنج، واستظهر ذلك اليوم.
فبينا هو فى جدّه وتشميره وقد ولج أصحابه السور وهدموا المسجد
стр. 2070
الجامع الذي بناه الخبيث ووصلوا إلى دواوينه وخزائنه وظهرت تباشير الفتح، إذ أتاه سهم غلام رومىّ كان مع الخبيث يقال له: قرطاس، فأصاب صدر الموفّق فستر ذلك عن أصحابه وانصرف إلى موضعه من الموفّقية وعولج تلك الليلة.
فلمّا كان من الغد غادي الحرب على ما به ليشدّ من قلوب أوليائه ولئلّا يدخلهم وهن. فزاد ما حمله نفسه من الحركة فى قوّة الجراحة فعظم أمرها حتّى خيف عليه واضطرب العسكر والجند والرعيّة وخافوا قوّة الخبيث عليهم. فأشار الأطباء وأهل الشفقة بأن يرجع إلى مدينة السلام، فأبى وأشفق أن ينتظم أمر الخبيث بعد ما وهن، وبلغ الغاية. ولم يبق فى أمره إلّا اليسير فأقام على صعوبة علّته وغلظ الحادثة فى سلطانه إلى أن عوفي فظهر لخاصّته وقد كان أطال الاحتجاب عنهم والخبيث فى تلك الأيّام يعد أصحابه العدات ويمنّيهم الأمانى الكاذبة.
فلمّا استقل الموفّق وتماثل وقوى على [٥٤٠] النهوض للحرب جعل [١] يحلف على منبره أنّ ذلك باطل لا أصل به وأنّ الذي ظهر لهم فى الشذاءة مثال مموّه. وكان أعاد بناء ما خرّب من مدينته ودواوينه ودوره.
فركب الموفّق وعاود الموضع بالحرب ووصل إلى تلك المواضع فهدمها ثانية ووصل أصحابه إلى قصر من قصوره فانتهبوا ما كان فيه وأخربوه وأحرقوه واستنقذوا عددا من النساء المسلمات اللواتي كان سباهنّ وأخذوا خيلا له، ولم يبق إلّا الوصول إلى قصره.
فصعب مرام ذلك على الموفّق وكثر المحامون عليه، ووافت الحرب ودامت حتّى وصل إلى الفريقين من القتل والجراح أمر عظيم، وحتّى لقد عدّ
стр. 2071
الجرحى فى بعض الأيّام فوجدوا زهاء ألفى جريح فى أصحاب الموفّق وذلك لتقارب الفريقين فى وقت القتال، ومنع الخنادق كلّ واحد من الفريقين من الدنو من صاحبه، وكانت الشذاءات إذا قربت من قصره رموا من سوره ومن أعلى القصر بحجارة المنجنيقات وغيرها وبالنشّاب، وأذيب الرصاص وأفرغ عليهم، حتّى أعدّ الموفّق للشذاءات أغطية طلاها بعقاقير تمنعها من الاحتراق وأحكمها وحمل فيها شجعان أصحابه وفتّاكهم، وأمر ابنه أبا العباس بقصد دار على شاطئ [٥٤١] دجلة من نهر أبى الخصيب كانت بإزاء دار الخبيث ليشغل من فيها عن منعه من دار الخبيث، وأمر أصحاب الشذاءات المطليّة بما وصفنا أن يلصقوا شذاءاتهم بحائط القصر. فحاربهم الفسقة أشدّ حرب بالنيران وغيرها وصبر لهم من فيها حتّى أزالوهم عن الرواشن وأحرقها غلمان الموفّق وسلم من كان فيها من الحجارة والرصاص المذاب، وتمكّنوا من دار الخبيث وأحرقوا البيوت التي كانت تشرع إلى دجلة من قصر الفاسق واتصلت النار بالستائر فقويت وأعجلت الخبيث ومن معه عن التّوقف على شيء من أمواله وذخائره وخرج هاربا على وجهه واستنقذ جماعة من النساء اللواتي استرقّهنّ.
وانصرف الموفّق وأبو العباس وقت المغرب بأجمل ظفر وغرق نصير فى هذا اليوم. ذكر الخبر عن ذلك وسببه
وكان سبب غرقه أنّه كان دخل فى أوّل المدّ نهر أبى الخصيب فحمل الماء شذاءته فألصقها بالقنطرة ودخلت خلفه عدّة شذاءات فيها غلمان الموفّق ممّن لم [٥٤٢] يكن أمر بالدخول. فحملهم الماء فألقاهم على شذاة
стр. 2072
نصير فصكّت بعضها ببعض حتّى لم يكن للاشتيامين [١] والجذّافين فيها عمل، ورأى الزنج ذلك فأحاطوا بها من جانبي النهر فألقى الجذّافون أنفسهم فى الماء ذعرا ودخل الزنج الشذاءات فقتلوا المقاتلة وغرق بعضهم وحاربهم نصير فى شذاءته حتّى خالف الأسر فقذف نفسه فى الماء فغرق.
وأصاب الموفّق علّة فاشتغل بها عن الخبيث فأعاد القنطرة التي لجّج فيها نصير وأحكم ما كان هدم من قصره، وأفاق الموفّق من علّته فعاود الحرب وخرج الخبيث بنفسه للقتال مع ابنه انكلائى وعلى بن أبان وسليمان بن جامع واشتبكت الحرب وقاتلوا أشدّ قتال رئي، وقطعت القنطرة وأحرقت واستعلى عند ذلك أصحاب الموفّق ونشط غلمانه فوسّعوا المسلك وظفروا بدوره وقصوره فأحرقوها. وانتقل الخبيث من غربىّ نهر أبى الخصيب إلى شرقيّه وجمع عياله وولده حوله وضعف أمره ضعفا شديدا.
تفاقم الجوع وأكل بعضهم بعضا
وتهيّب الناس جلب الميرة إليهم. فبلغ الرطل من الخبز عشرة دراهم فأكلوا أصناف الحبوب ثمّ لم يزل يتفاقم الأمر بهم [٥٤٣] إلى أن أكلوا لحوم الناس فكان الزنج يتبعون الناس فإذ خلا أحدهم بامرأة أو صبي وثب عليه فأكله، ثمّ قوى ذلك فصار بعضهم يأكل بعضا، ثمّ أكلوا لحوم أولادهم، ثمّ كانوا ينبشون الموتى فيبيعون أكفانهم ويأكلون لحومهم.
فقصدهم الموفّق وأحرق الشرقىّ من جانب النهر كما أحرق الغربىّ وقصده من ثلاثة أوجه. فطرحوا فيها النيران فاحترق الناس من أصحاب الخبيث مع منازلهم وأسواقهم وهرب من أطاق ذلك فأخذته السيوف وهرب الخبيث
стр. 2073
وحاز أصحاب الموفّق جميع ما كان فى نهر أبى الخصيب من الشذاءات والمراكب البحرية والسفن الصغار والحرّاقات والزلّالات وغيرها. [١] وصار بعد ذلك رؤساء أصحاب الخبيث إذا وكّلهم بحراسة موضع أسلموه واستأمنوا حتّى استأمن الشعراني وشبل وكانا من قدماء أصحابه وذوى البصائر فى طاعته، وأمرهما الموفّق لمحاربة الخبيث لما علم أنّه لا وجه لهما عنده وضمّ إليهما قوما فكانا يأتيانه من الوجوه التي يأمنها حتّى كثر القتل فى أصحابه وذعره أمرهما ومنع ذلك أصحابه النوم ودخلهم له وحشة [٥٤٤] .
هزيمة الزنج وهروب صاحبهم
عظيمة ثمّ جمع الموفّق السفن وفيها عشرة آلاف من الملّاحين وعرض الجند وحرّضهم حتّى شحذ نيّاتهم وهجم على مدينة الخبيث واستقبله الخبيث فى جميع أصحابه فاشتدّ القتال وحامى الخبثاء عن ديارهم وعيالاتهم فمنح الله الموفّق النصر، وهزم الزنج وقتلوهم مقتلة عظيمة لم يقتلوا مثلها وأسروا منهم جمعا كبيرا وأتى الموفّق بالأسرى فضرب أعناقهم.
وقصد دار الخبيث فدافع عنها ثمّ لم يغنه ذلك شيئا فأسلمها فانتهب ما كان فيها من الأموال والأثاث وأخذوا حرمه وأولاده فبلغ عدّتهم أكثر من مائة امرأة وصبي، وتخلّص الخبيث ومضى هاربا نحو دار المهلّبى لا يلوى على أهل ولا مال وأحرقت داره، وأتى الموفّق بنسائه وأولاده، فوكّل بهم وأمر بالإحسان إليهم فحملوا إلى الموفّقيّة.
وفى ذى الحجّة من هذه السنة وافى صاعد بن مخلد كاتب الموفّق
стр. 2074
حضرته منصرفا إليه من سرّ من رأى ووافى معه بجيش كثيف بلغ عدد الفرسان والرجّالة فيها عشرة آلاف. فأمر الموفّق بإزاحة عللهم فى أرزاقهم وأمرهم بتجديد أسلحتهم والتأهّب لحرب الزنج. فهم فى ذلك إذ ورد [٥٤٥] عليه كتاب لؤلؤ صاحب ابن طولون [١] وكان فارق صاحبه يسأله فيه الإذن له فى القدوم عليه ليشهد حرب الفاسق فأجابه وأذن له وأخّر ما كان عزم عليه من مناجزة الخبيث انتظارا للؤلؤ وكان لؤلؤ بالرقّة فى جمع عظيم من نخبة أصحاب ابن طولون.
فشخص لؤلؤ حتّى ورد مدينة السلام، ثمّ وافى عسكر أبى أحمد فجلس له أبو أحمد وحضر ابنه أبو العباس وصاعد بن مخلد والقوّاد على مراتبهم وأدخل عليه لؤلؤ فى أحسن زىّ فأمره أبو أحمد أن ينزل معسكرا كان أعدّ له بإزاء نهر أبى الخصيب، فنزله فى أصحابه، وتقدّم إليه فى مباكرة دار الموفّق ومعه قوّاده وأصحابه للسلام. فغدا مع أصحابه فى السواد فوصل وسلّم وقرّبه وأدناه ووعده وأصحابه الإحسان، وأمر أن يخلع عليه وعلى خمسين ومائة قائد من قوّاده وحمله على خيل كثيرة بالسروج واللجم المحلّاة بالذهب والفضّة وحمل بين يديه من أصناف الكسى والأموال فى البدر ما يحمله مائة غلام، وأمر لقوّاده من الصلات والكسوة على قدر محل كلّ إنسان منهم، وأقطعه ضياعا جليلة وصرفه إلى معسكره وأعدّت له ولأصحابه الأنزال [٥٤٦] والعلوفات وأمره برفع جرائد لأصحابه ليعطوا رسومهم عند رفع الجرائد. ثمّ تقدّم إلى لؤلؤ فى التأهّب للعبور إلى غربىّ دجلة لمحاربة الخبيث.
وكان الخبيث لمّا غلب على نهر أبى الخصيب أحدث سكرا فى النهر من
стр. 2075
جانبيه وجعل فى وسط السكر بابا ضيّقا ليتحدّ فيه جرية الماء فيمنع الشذاءات من دخوله فى الجزر ويتعذّر خروجها فى المدّ.
فرأى أبو أحمد الموفّق أنّ الحرب لا تتم إلّا بقلع هذا السكر، فحاول ذلك فرام أمرا صعبا بمحاماة الزنج عليه فهم يزيدون فيه كلّ يوم وهو متوسط دورهم، فالمؤونة تسهل عليهم وتغلظ على من حاوله. فرأى الموفّق أن يحارب بفريق بعد فريق من أصحاب لؤلؤ ليضروا بمحاربة الزنج ولينظر إلى مقدار غنائهم وشدّة بأسهم. فأمر لؤلؤا بأن يحضر فى جماعة من أصحابه للحرب على هذا السكر وأمر بإحضار الفعلة لقلعه. ففعل.
فرأى الموفّق من نجدة لؤلؤ وإقدامه وشجاعة أصحابه وصبرهم على ألم الجراح وثبات العدّة اليسيرة فى وجوه الجمع الكثير من الزنج ما سرّه، وكره أن يبذلهم فيكون الحرّة بهم ثمّ الظفر ألّا خير لهم فيذهبوا باسم الفتح. [٥٤٧] فأمر لؤلؤا أن يصرف أصحابه وأظهر إشفاقا عليهم وضنّا بهم، ووصلهم وردّهم إلى معسكرهم.
ثمّ ألحّ الموفّق على السكر فهو يخرّب وهم يبنون والمستأمنة يكثرون إلى آخر هذه السنة.
وفى هذه السنة أدخل عيال صاحب الزنج وولده بغداد.
وفيها سمّى صاعد ذا الوزارتين.
المعتمد يريد اللحاق بمصر
وفيها شخص المعتمد يريد اللحاق بمصر، وذلك قبل انحدار صاعد إلى الموفّق. وقدم قائدان لابن طولون من الرقّة فى ذلك. فلمّا صار المعتمد إلى عمل إسحاق بن كنداجيق، وهو العامل على الموصل والجزيرة، وثب عليه ابن كنداجيق وعلى جميع من معه، فقيّدهم وأخذ جميع ما صحبهم من مال
стр. 2076
ورقيق.
وكان كتب إليه فى القبض على المعتمد ومن معه وأقطع ضياع فارس بن بغا ومن صحب المعتمد من القوّاد. فاحتال ابن كنداجيق وأظهر أنّه معهم، وفى طاعة المعتمد إذ كان الخليفة ولا يجوز له الخلاف عليه وسار معهم فلمّا نزل موضعا بينه وبين عمل ابن طولون منزلان ارتحل التّبّاع ومن شخص مع المعتمد إلّا القوّاد وأشخص ابن كنداجيق فقال لهم ابن كنداجيق:
- «إنّى أحبّ أن أخلو بكم وأشير عليكم بما فى نفسي.» وقال لهم:
- «قد قربتم من ابن طولون [٥٤٨] والمقيم بالرّقّة من قوّاده وأنتم إذا صرتم إلى ابن طولون فالأمر أمره وأنتم من تحت يده. أفترضون بذلك وقد علمتم أنّه اليوم كواحد منكم؟» وأطال مناظرتهم حتّى تعالى النهار فقال لهم ابن كنداجيق:
- «قوموا بنا، فإنّ الشمس قد ارتفعت حتّى نتمّ حديثنا فى غير هذا الموضع ونكرم مجلس أمير المؤمنين عن ارتفاع الصوت.» وكان المعتمد فى مضربه ومضرب ابن كنداجيق وسائر المضارب قد سارت فأدخلهم إلى مضرب نفسه. وكان قد تقدّم قبل ذلك إلى فرّاشيه وغلمانه وحاشيته فى ذلك اليوم ألّا يبرحوا. فلمّا صاروا إلى مضربه دخل جلد غلمانه وأصحابه على القوّاد ومعهم القيود فقيّدوهم.
فلمّا فرغ منهم مضى إلى المعتمد فعذله على شخوصه عن دار ملكه وملك آبائه وفراقه أخاه على الحال التي هو فيها من حرب من يحاول قتله وقتل أهل بيته وإزالة ملكهم، ثمّ حمله ومن معه مقيّدين إلى سرّ من رأى.
стр. 2077
تسمية كنداجيق بذي السيفين
وفيها خلع على ابن كنداجيق وقلّد سيفين بحمائل أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره وسمّى ذا السيفين وخلع عليه أيضا بعد ذلك بيومين قباء ديباج ووشاحان وتوّج بتاج وقلّد سيفا، [٥٤٩] كلّ ذلك مرصّع بالجوهر.
وشيّعه هارون بن الموفّق وصاعد بن مخلد والقوّاد إلى منزله وتغدّوا عنده.
ودخلت سنة سبعين ومائتين
مقتل صاحب الزنج وأسر سليمان بن جامع وابراهيم بن جعفر الهمداني
وفيها قتل الخبيث وأسر سليمان بن جامع وإبراهيم بن جعفر الهمداني واستريح من أسباب الفاسق، وذلك بعد حروب كبيرة ومنازلات شديدة ومباشرة للحرب منه ومن الموفّق بأنفسهما، ومخاطرات منهما عظيمة لم يكن فى جميعها ما يستفاد منه تجربة سوى احتمال المكاره فى الحروب والصبر على شدائدها وأخطارها.
وحمل رأس هذا الخائن إلى بين يدي الموفّق فى صفر من هذه السنة وهو يحارب مع أهل الشدّة والبأس من أصحابه، فقتل وهو يجاهد على حاله غير مستسلم ولا معط بيده، وكان قد بذل له الأمان مرارا فأباه وأقام على حاله صابرا حتّى أسلمه رجاله وخانه ثقاته وذاب ذوبا [١] حتّى هلك ومضى مقتولا.
стр. 2078
ثمّ تتابع مجيء الزنج [١] الذين كانوا أقاموا مع الخبيث إلى آخر أمره وصبروا معه حتّى وافى ذلك اليوم الذي قتل فيه ألف من الأبطال. فرأى الموفّق أن يبذل لهم الأمان لمّا رأى من كثرتهم وشجاعتهم [٥٥٠] ولئلّا يبقى منهم بقية يخاف معرّتهم ويجتمعون على رئيس يعظم خطبه بهم.
ثمّ وافى من الزنج فى غد هذا اليوم خمسة آلاف زنجى وانقطع منهم نحو ألفى زنجى إلى البرّ فماتوا عطشا، وظفر الأعراب بقوم منهم فاسترقّوهم. فأمّا من قتل وغرق وأسر فى الوقعة فخلق لا يوقف على عددهم.
وانتهى إلى الموفّق خبر المهلّبى وانكلائى ومقامهما بحيث أقاما فيه مع من تبعهما من جلّة قوّادهم ورجالهم فبثّ أبطال أصحابه فى طلبهم فلمّا علموا ألّا ملجأ لهم أعطوا بأيديهم فظفر بهم الموفّق فلم يشذّ منهم أحد وأمر الموفّق بحبس المهلّبى وانكلاى والاستيثاق منهما.
استئمان درمويه
وفيها استأمن درمويه [٢] ، الزنجي وكان أحد الأنجاد الأبطال وكان الخبيث قبل هلاكه بمدّة طويلة وجّهه إلى أواخر نهر الفهرج وهي من البصرة فى غربىّ دجلة.
فلمّا هلك الخبيث أقام درمويه هناك فى موضع وعر كثير الدغل والآجام متصل بالبطيحة فكان يقطع الطريق بمن معه فى زواريق خفاف اتخذوها، فإذا طلبهم الشذاءات ولجوا فى الأنهار الضيّقة واعتصموا بالأدغال وإذا تعذّر
стр. 2079
عليهم مسلك [٥٥١] نهر لضيقه خرجوا من سفنهم وحملوها على ظهورهم ولجؤوا إلى هذه المواضع الممتنعة، وفى خلال ذلك يغيرون على ما قرب منهم من القرى ويسلبون من ظفروا به. فكان ذلك دأب درمويه قبل هلاك الخبيث وبعده.
وقد كان ابتدأ شرار الناس وفسّاقهم يصيرون إليه للمقام معه على مثل ما هو عليه، وكان الموفّق عزم على المقام عليه حتّى وافاه رسوله يطلب الأمان لنفسه وأصحابه، فرأى الموفّق أن يؤمنه ليقطع مادّة الشرّ الذي كان فيه الناس من الخبيث وأتباعه.
ولمّا ورد عليه الأمان وافى قطعة حسنة كثيرة العدد لم يصبهم بؤس الحصار وضرّه لما كان يصل إليهم من أموال الناس. فذكر أنّ درمويه لمّا أؤمن وأحسن إليه وإلى أصحابه أظهر كلّ ما فى يده وأيديهم من أموال الناس وأمتعتهم وردّ كلّ شيء إلى أهله ردّا ظاهرا مكشوفا، فظهرت أمانته، فاستدعاه الموفّق وقرّبه وخلع عليه وعلى وجوه أصحابه ووصلهم وضمّهم إلى ابنه أبى العباس.
وأقام الموفّق بعد ذلك بالموفّقيّة حتّى أنس الناس وعاودوا أوطانهم ووثقوا بالراحة [٥٥٢] من أسباب الخبيث.
وولّى البصرة والأبلّة وكور دجلة من حمد مذهبه ووقف على حسن سيرته وولّى قضاء البصرة والأبلّة وكور دجلة محمد بن حمّاد.
ثمّ قدّم ابنه أبا العباس إلى بغداد ومعه رأس الخبيث فطيف به.
وكان خروج صاحب الزنج سنة خمس وخمسين ومائتين وقتل سنة سبعين ومائتين. [١]
стр. 2080
وفيها مات أحمد بن طولون والحسن بن زيد العلوي.
ودخلت سنة إحدى وسبعين ومائتين وقعة الطواحين
وفيها كانت بين أبى العباس ابن الموفّق وبين خمارويه [١] بن أحمد بن طولون وقعة بالطواحين فهزم أبو العباس خمارويه فركب حمارويه [٢] حمارا وهرب إلى مصر. ووقع أصحاب أبى العباس فى النهب ونزل أبو العباس مضرب خمارويه وهو لا يرى انّه بقي له طالب، فخرج كمين خمارويه كان كمنه وأصحاب أبى العباس قد وضعوا السلاح ونزلوا. فشدّ كمين خمارويه عليهم فانهزموا وتفرّق القوم، ومضى أبو العباس إلى طرسوس منهزما وذهب كلّ ما فى العسكرين: عسكر أبى العباس وعسكر خمارويه من السلاح والكراع والأثاث والأموال، وانتهب الجميع.
ودخلت سنة اثنتين وسبعين ومائتين [٥٥٣]
وفيها أخرج أهل طرسوس أبا العباس ابن الموفّق من طرسوس لخلاف وقع بين يازمار [٣] وبينه فخرج يريد بغداد فقدمها.
وفيها قدم صاعد بن مخلد من فارس ودخل واسطا. فأمر الموفّق جميع أصحابه من القوّاد أن يستقبلوه، فترجّلوا له وقبّلوا يده وكمّه.
стр. 2081
ثمّ قبض عليه الموفّق وعلى أسبابه كلّهم ببغداد وسرّ من رأى فى يوم واحد، فاستكتب الموفّق إسماعيل بن بلبل.
ودخلت سنة ثلاث وسبعين ومائتين قدوم لؤلؤ من مصر
وفيها قيّد أبو العباس لؤلؤا القادم عليه [١] من مصر ووجد له أربعمائة ألف دينار. فذكر لؤلؤ أنّه لا يعرف لنفسه ذنبا إلّا كثرة ماله وأثاثه.
وفيها كانت بين أبى الساج وبين إسحاق بن كنداجيق وقعة فانهزم إسحاق. ثمّ واقعه وقعة أخرى فانهزم إسحاق أيضا.
ودخلت سنة أربع وسبعين ومائتين
ولم يحدث فيها حادثة تكتب.
ودخلت سنة خمس وسبعين ومائتين حبس الموفّق ابنه
وفيها حبس الموفّق ابنه أبا العباس فشغب أصحابه وحملوا السلاح وركب غلمانه واضطربت بغداد فركب أبو أحمد الموفّق حتى بلغ باب الرصافة وقال لأصحاب أبى العباس [٥٥٤] وغلمانه:
- «ما شأنكم، أترونكم أشفق على ابني منّى؟ هو ولدي واحتجت إلى تقويمه.» فانصرف الناس وهدأت بغداد.
стр. 2082
ودخلت سنة ستّ وسبعين ومائتين
شخوص أبى أحمد
وفيها شخص أبو أحمد من بغداد إلى الجبل وكان سبب ذلك انّ المادرائى كاتب اذكوتكين أخبره انّ له هناك مالا عظيما، وأنّه إن شخص صار ذلك إليه. فشخص أبو أحمد، فلم يجد من ذلك شيئا.
فشخص من هناك إلى الكرج ثمّ إلى إصبهان يريد أحمد بن عبد العزيز فتنحّى، له أحمد بن عبد العزيز عن البلد بجيشه وعياله وترك له داره بفرشها وآلتها لينزلها إذا قدم. وكان مع الموفّق محمد بن أبى الساج، وذلك أنّه قدم عليه هاربا من ابن طولون قبل شخوص الموفّق عن بغداد بعد أن كانت بينه وبين ابن طولون وقعات كثيرة ضعف ابن أبى الساج فى آخرها عن مقاومته.
لقلّة من كان معه وكثرة من مع ابن طولون، فلحق بأبى أحمد فخلع عليه أبو أحمد وأخرجه معه إلى الجبل.
انفراج تلّ عن سبعة أقبر
وفيها ورد الخبر [١] بانفراج تلّ بنهر الصلة يعرف بتلّ بنى شقيق عن سبعة أقبر، فيها أبدان صحيحة وعليها أكفان جدد، لها أهداب تفوح منها رائحة المسك، أحدهم شابّ له جمّة وجبهته [٥٥٥] وأذناه وخدّاه وأنفه وشفتاه ورقبته وأشفار عينه صحيحة وعلى شفتيه بلل كأنّه شرب الماء فأخرج الثقات لينظروا إلى ذلك فأخبروا أنّهم شاهدوا ذلك وانّ بعضهم جذب شعر بعضهم فوجده قوىّ الأصل قريبا من شعر الحىّ.
стр. 2083
وكان هذا التلّ انفرج عن شبه حوض من حجر فى لون المسنّ عليه كتاب لا يدرى ما هو. فأحضر أصحاب الأديان فلم يعرف أحد منهم الخطّ.
ودخلت سنة سبع وسبعين ومائتين
ولم يجر فيها ما يكتب.
ودخلت سنة ثمان وسبعين ومائتين
وفيها انحدر وصيف خادم أبن أبى الساج إلى واسط بأمر أبى الصقر ذكر السبب فى ذلك
كان سبب ذلك أنّ أبا الصقر أتلف ما فى بيوت أموال أبى أحمد، حتّى لم يبق فيها شيء، بالهبات والصلات العظام التي كان يجيز بها القوّاد، والخلع التي يخلعها عليهم. فاستدعى وصيفا هذا ليكون عدّة له إن طالبه أبو أحمد، وكان اصطنع وصيفا وأجازه بجوائز كثيرة [٥٥٦] وأدرّ على أصحابه أرزاقهم.
ولما نفد ما فى بيوت الأموال طالب أرباب الضياع بخراج سنة مبهمة عن أرضهم، وحبس بذلك جماعة وكان الذي يتولّى له ذلك المعروف بالزغل [١] .
فعسف الناس وقدم الموفّق قبل أن يسنتظف [٢] أداء ذلك، فشغل عنه بقدومه.
انصراف أبى أحمد من الجبل إلى العراق
وانصرف أبو أحمد من الجبل إلى العراق، فاشتدّ به وجع النقرس حتّى لم يقدر على الركوب. فاتّخذ له سرير عليه قبّة، فكان يقعد فيه ويجلس معه
стр. 2084
خادم يبرّد رجله بالأشياء الباردة وبالثلج. ثمّ صار به داء الفيل وكان يحمل سريره أربعون رجلا يتناوب عشرون عشرون. فإذا اشتدّ به الألم أمرهم أن يضعوه. فقال يوما للذين يحملونه وقد سمع منهم ما يدلّ على ضجر:
- «قد ضجرتم بحملي وبودّى [١] إنّى كواحد منكم أحمل على رأسى وانّى فى عافية.» وقال يوما [٢] :
- «أطبق دفترى على مائة ألف مرتزق ما أصبح فيهم أسوأ حالا منّى.» ولمّا ورد النهروان تلقّاه الناس فركب الماء فى النهروان ثمّ فى نهر ديالى ثمّ فى دجلة، ودخل داره لليلتين خلتا من صفر، فأرجف الناس بموته.
وكان تقدّم فى حفظ أبى العباس فغلّقت عليه أبواب دون أبواب. وانصرف أبو الصقر إلى منزله واعترت أبا أحمد غشية [٥٥٧] فازداد إرجاف الناس بموته.
فحمل المعتمد ولده فجيء بهم إلى داره ولم يصر ابو الصقر إلى الموفّق. فلمّا رأى غلمان أبى أحمد المائلون إلى أبى العباس والرؤساء من غلمان أبى العباس ما نزل بأبى أحمد، كسروا أقفال الأبواب المغلقة على أبى العباس.
فذكر الغلام الذي كان مع أبى العباس فى الحجرة أنّ أبا العباس لمّا سمع صوت الأقفال تكسر قال:
- «إنّا لله، ما يريد هؤلاء إلّا نفسي.» فأخذ سيفا كان عنده وقعد مستوفزا، فلمّا فتح الباب كان أوّل من دخل إليه وصيف موشكير وهو غلامه. فلمّا رآه رمى بالسيف من يده وعلم انّهم لم يقصدوه إلّا بخير، فأخرجوه حتّى أقعدوه عند أبيه، وكان أبوه بعقب علّته.
стр. 2085
فلمّا فتح عينه بعد إفاقته رآه فقرّبه وأدناه.
ووافى المعتمد وقد كان وجّه إليه، فحضر ومعه ابنه جعفر المفوّض إلى الله ولىّ العهد وعبد العزيز ومحمد وإسحاق بنوه فنزل على أبى الصقر.
ثمّ بلغ أبا الصقر أنّ أبا أحمد لم يمت. فوجّه إسماعيل بن إسحاق يتعرّف له الخبر، وجمع أبو الصقر القوّاد والجند وشحن داره وما حولها بالرجال والسلاح. فرجع إسماعيل فأعلم أبا الصقر أنّ أبا أحمد حىّ. فأوّل من مضى إليه من القوّاد محمد بن أبى الساج. [٥٥٨] ثمّ جعل الناس يتسلّلون منهم من يعبر إلى باب أبى أحمد ومنهم من يرجع إلى منزله ومنهم من يخرج إلى بغداد.
فلمّا صحّ عند أبى الصقر حياة أبى أحمد انحدر هو وابناه إلى دار أبى أحمد فما ذاكره أبو أحمد. شيئا ممّا جرى ولا سأله عنه. وأقام هناك فانتهبت دار أبى الصقر وكلّ ما حوته حتّى خرج حرمه حفاة بغير أزر وانتهبت دور كتّابه وأسبابه وكسرت أبواب السجون فأخرج من كان فى المطبق وانتهب مجلسا الجسر. ثمّ خلع أبو أحمد على ابنه أبى العباس وعلى أبى الصقر وركبا جميعا والخلع عليهما من سوق الثلاثاء إلى باب الطاق ومضى أبو الصقر مع أبى العباس إلى دار صاعد. ثمّ انصرف إلى منزله فلم يجد فيه شيئا يجلس عليه حتّى أتوه من دار الشاه بحصير فجلس عليه.
وولّى أبو العباس غلامه بدرا الشرطة على الجانب الشرقىّ وعيسى النوشرى الجانب الغربىّ.
وفاة أبى أحمد الموفّق
وفيها توفّى أبو أحمد الموفّق ودفن فى الرصافة وجلس أبو العباس للتعزية وبايع الغلمان والقوّاد لأبى العباس بولاية العهد بعد المفوّض ولقّب
стр. 2086
بالمعتضد بالله، وأخرج العطاء للجند وخطب يوم الجمعة للمعتمد ثمّ للمفوّض ثم للمعتضد.
وقبض على أبى الصقر وأسبابه [٥٥٩] وطلب بنو الفرات وكان إليهم ديوان السواد فاختفوا.
وخلع على عبد الله [١] بن سليمان بن وهب وولّى الوزارة.
وبعث بمحمد بن أبى الساج إلى واسط ليردّ غلامه وصيفا إلى بغداد. فأبى وصيف ومضى إلى الأهواز فعاث بالسوس وأنهب الطيّب. [٢]
ابتداء امر القرامطة
وفيها وردت الاخبار بحركة قوم يعرفون بالقرامطة بسواد الكوفة. وكان ابتداء أمرهم قدوم رجل من ناحية خوزستان سواد الكوفة. فأظهر الزهد والتقشّف وكان يسفّ الخوص ويأكل من كسبه ويكثر الصلاة، فأقام على ذلك مدّة، فكان إذا قعد إليه إنسان ذاكره أمر الدين وزهّده فى الدنيا وأعلمه أنّ الصلاة المفترضة على الناس خمسون صلاة فى كلّ يوم وليلة، حتّى فشا ذلك عنه.
ثمّ أعلمهم أنّه يدعو إلى إمام من أهل بيت رسول الله، صلى الله عليه، فلم يزل على ذلك، يقعد إليه الجماعة فيخبرهم من ذلك بما يعلّق قلوبهم.
وكان يقعد إلى بقّال فى القرية بموضع يقال له: النهرين، وكان بالقرب من البقّال نخل اشتراه قوم من التجّار واتخذوا حظيرة فجمعوا فيها ما صرموا من النخل. وجاء التجّار إلى البقّال فسألوه أن يطلب لهم رجلا يحفظ ما صرموا من النخل فأومأ لهم إلى هذا الرجل وقال:
стр. 2087
- «إن أجابكم إلى حفظه فإنّه بحيث تحبّون.» [٥٦٠] فناظروه فى ذلك فأجابهم إلى حفظه بدراهم معلومة، وكان يحفظ لهم ويصلّى أكثر نهاره ويصوم ويأخذ عند إفطاره من البقّال رطل تمر فيفطر عليه ويجمع نوى ذلك التمر. فلمّا حمل التجّار تمرهم صاروا إلى البقال فحاسبوا أجيرهم هذا على أجرته فدفعوها إليه فحاسب الأخير البقّال على ما أخذه من التمر وحطّ من ذلك ثمن النوى، ورآه أولياء التجّار فوثبوا عليه وضربوه وقالوا:
- «ألم ترض أن أكلت تمرنا حتّى بعت النوى؟» فقال لهم البقّال:
- «لا تفعلوا فإنّه ما مسّ تمركم.» وقصّ عليهم قصّته، فندموا على ضربهم إيّاه، وسألوه أن يجعلهم فى حلّ، ففعل وازداد بذلك نبلا عندهم لما وقفوا عليه من زهده. ثمّ مرض فمكث مطروحا على الطريق، وكان فى القرية رجل يحمل على ثور له أحمر العينين، فكان أهل القرية يسمّونه كرميثه [١] ، وهو بالنبطية أى حارّ العينين [٢] فكلّم البقّال كرميثه هذا أن يحمل العليل إلى منزله ويوصى أهله بالإشراف عليه. ففعل وأقام عنده حتّى برأ فكان يأوى إلى منزله.
ودعا أهل القرية ووصف لهم مذهبه، فأجابه أهل تلك الناحية. وكان يأخذ من الرجل إذا دخل فى دينه دينارا ويزعم أنّ ذلك [٥٦١] للإمام فلمّا كثر أصحابه اتخذ منهم اثنى عشر نقيبا وأمرهم أن يدعوا الناس إلى دينهم وقال لهم:
- «أنتم كحواريّى عيسى بن مريم.»
стр. 2088
فاشتغل أكرة تلك الناحية بالصلوات الخمسين التي وظّفها عليهم.
وكان للهيصم فى تلك الناحية ضياع فوقف على تقصير أكرته فى العمارة.
فسأل عن سبب ذلك فأخبر بخبر هذا الرجل وأنّه قد شغلهم بالصلاة فشغلهم عن أعمالهم. فوجّه إليه وجيء به فسأله عن أمره فأخبره. فحلف أنّه يقتله وأمر به فحبس فى بيت وأقفل عليه الباب ووضع المفتاح تحت وسادته.
وتشاغل بالشرب. وسمع بعض من فى داره من الجواري يمينه [١] فرقّت له، فلمّا نام الهيصم أخذت المفتاح من تحت وسادته وفتحت الباب وأخرجته وردّت المفتاح إلى موضعه. فلمّا أصبح الهيصم طلب الرجل فلم يجده وشاع الخبر ففتن به أهل تلك الناحية وقالوا:
- «رفع.» ثمّ ظهر فى موضع آخر، فقصده قوم من أصحابه، فسألوه عن قصّته فكتمهم وقال:
- «ليس يمكن أحدا من البشر أن يبدأنى بسوء.» فعظم فى عيونهم.
ثمّ خاف على نفسه فخرج إلى الشام فلم يعرف له خبر. وسمّى باسم الرجل الذي كان فى منزله: كرميثه ثمّ عرّب وخفّف [٥٦٢] فقيل قرمط. ثمّ كثر مذهبه بسواد الكوفة.
ووقف أحمد بن محمد الطائي وكان إليه النظر فى سواد الكوفة على أمرهم فوظّف على كلّ رجل منهم فى كلّ سنة دينارا فكان يجيء ذلك فيجتمع له منه مال جليل.
ثمّ قدم الكوفة قوم من الكوفة، فرفعوا إلى السلطان أمر القرامطة وانّهم قد
стр. 2089
أحدثوا دينا غير الإسلام، وانّهم يرون السيف فى أمّة محمد إلّا من تابعهم على دينهم، وأنّ الطائي يخفى أمرهم عن السلطان فلم يلتفت إليهم.
مذهبهم كما جاء فى كتاب لهم
ثمّ جاءوا بكتاب فيه مذهبهم ونسخته:
- «بسم الله الرحمن الرحيم، يقول الفرج بن عثمان: إنّه داعية إلى المسيح، وهو عيسى وهو الكلمة وهو المهدىّ وهو أحمد بن محمد الحنفية وهو جبرائيل. وحكى أنّ المسيح تصوّر له فى جسم إنسان وقال له: انّك الداعية وانّك الحجّة وانّك الناقة وانّك الدابّة وانّك روح القدس وانّك يحيى بن زكريا. ثمّ يوظّف صلاة ويقرأ فيها شيئا ليس من القرآن، ويذكر قبلة غير قبلة المسلمين، ويحكى أشياء عن لسان الإمام وينسب إلى الله أشياء ويحرّم النبيذ، وألّا غسل من جنابة، ولا صوم إلّا يومين فى السنة: [٥٦٣] يوم النيروز ويوم المهرجان، وكلّ من حاربه وجب قتله.» [١]
مناظرة بين قرمط وصاحب الزنج
وكان مصير قرمط إلى سواد الكوفة قبل قتل صاحب الزنج.
ويحكى عن قرمط أنّه قال: صرت إلى صاحب الزنج وقلت له:
- «إنّى على مذهب وورائي مائة ألف سيف، فناظرني فإن اتفقّنا على
стр. 2090
المذهب ملت بمن معى كلّهم إليك، وإن تكن الأخرى انصرفت عنك.» وطلبت منه الأمان فأعطانيه. فناظرته إلى الظهر فتبيّن فى آخر مناظرتي أنّه مخالف. فقام إلى الصلاة وانسللت وخرجت من عنده إلى سواد الكوفة.
ثمّ دخلت سنة تسع وسبعين ومائتين
وفاة المعتمد
وفيها توفّى المعتمد وكان شرب على الشطّ فى الحسنىّ شربا كثيرا وتعشّى فأكثر، فاختنق ومات ليلا. فكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة. [١]
стр. 2091
خلافة المعتضد
وبويع لأبى العباس المعتضد بالخلافة، فولّى غلامه بدرا الشرطة وعبيد الله بن سليمان الوزارة ومحمد بن الشاه بن ميكال الحرس وصالحا الأمين حجبة الخاصّة والعامّة فاستخلف صالح خفيفا السمرقندىّ.
قدوم رسول عمرو بن الليث بهدايا
وفيها قدم على المعتضد رسول عمرو بن الليث الصفّار بهدايا وسأل ولاية [٥٦٤] خراسان، فوصلوا إليه فى شهر رمضان من هذه السنة فخلع عليه ونصب اللواء فى صحن داره ثلاثة أيّام.
وورد الخبر بموت نصر بن أحمد وقام مكانه وبما كان إليه من العمل وراء نهر [١] بلخ أخوه إسماعيل بن أحمد.
ورود رسول خمارويه من مصر فى تزويج بنت خمارويه من المعتضد
وفيها ورد من مصر الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجصّاص رسولا
стр. 2092
لخماروية بن أحمد بن طولون ومعه هدايا من العين عشرون حملا على بغال فى عشرة من الخدم، وصندوقان فيهما نمران، [١] وعشرون غلاما على عشرين نجيبا بسروج محلاة بحلية فضّة كثيرة ومعهم حراب فضّة وعليهم أقبية الديباج والمناطق المحلّاة، وسبع عشر دابّة بسروج ولجم منها خمسة بذهب والباقي بفضّة، وسبع عشرة دابّة بجلال مشهرة، وخمسة أبغل بسروج ولجم وزرّافة فوصل إلى المعتضد فخلع عليه وعلى سبعة نفر معه. وسفر ابن الجصّاص فى تزويج بنت خمارويه من علىّ بن المعتضد. قال المعتضد:
- «أتزوّجها.» فتزوّجها.
وفيها كتب إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبى دلف بمحاربة رافع بالرىّ.
فزحف إليه أحمد، فالتقوا فانهزم رافع وخرج عن الرىّ ودخلها أحمد بن عبد العزيز.
ودخلت سنة ثمانين ومائتين [٥٦٥]
قبض المعتضد على عبيد الله بن المهدىّ وشيلمة
وفيها قبض المعتضد على عبيد الله بن المهدى ومحمد بن الحسن بن سهل المعروف بشيلمة.
وكان شيلمة هذا من أصحاب صاحب الزنج وكان سبب قبضه عليهما أنّه سعى بهما ساع إلى المعتضد وقال: أنّه يدعو إلى رجل لم يوقف على اسمه وانّه قد استفسد جماعة من الجند وغيرهم. وأخذ معه رجل صيدنانىّ، فقرّره المعتضد فلم يقرّ بشيء وسأله عن الرجل الذي يدعو إليه فلم يظهره عليه
стр. 2093
وقال:
- «لو كان تحت قدمىّ ما رفعتهما عنه ولو جعلتني كردناك [١] ما أخبرتك به.» فأمر بنار فأوقدت، ثمّ شدّ على خشبة من خشب الخيم وأدير على النار حتى تقطّع جلده، ثم ضربت عنقه وصلب عند الجسر. وحبس ابن المهتدى إلى أن وقف على براءته فأطلق.
وقال لشيلمة:
- «بلغني انّك تدعو إلى ابن المهتدى.» قال: «المأثور عنّى غير هذا أنا أتولّى آل أبى طالب.» وكان قرّر ابن أخيه، فأقرّ فقال:
- «قد أقرّ ابن أخيك.» فقال: «هذا غلام حدث، تكلّم بهذا خوفا من القتل، فلا تقبل قوله.» فأطلقهما بعد مدّة.
شخوص المعتضد إلى بنى شيبان
ثمّ شخص المعتضد من بغداد إلى بنى شيبان وكانوا بناحية من الجزيرة اتخذوها معقلا فلمّا بلغه قصده إليهم ضمّوا إليهم أموالهم وعيالاتهم. [٥٦٦] فأسرى إليهم المعتضد فأوقع بهم وقتل منهم مقتلة عظيمة وغرق منهم خلق كثير فى الزابين. فأخذ النساء والذرارىّ وغنم أهل العسكر من أموالهم ما أعجزهم حمله وأخذ من غنمهم وإبلهم حتّى بيعت الشاة بدرهم والجمل بخمسة دراهم، وأمر بحفظ النساء والذرارىّ.
стр. 2094
ثمّ لقيه بنو شيبان وسألوه الصفح عنهم وبذلوا رهائنهم فأخذ منهم خمسمائة رجل.
ووافاه أحمد بن أبى الأصبغ بما فارق عليه أحمد بن عيسى بن شيخ من المال الذي أخذه من مال إسحاق بن كنداجيق وبهدايا وبغال ودوابّ.
وفيها ورد الخبر بأنّ محمد بن أبى الساج افتتح المراغة بعد حصار شديد وحرب عظيمة، وأنّه أخذ عبد الله بن الحسين بعد أن آمنه وأصحابه فقيّده وحبسه وقرّره بجميع أمواله ثمّ قتله.
وفيها ورد الخبر بوفاة أحمد بن عبد العزيز بن أبى دلف، وتنازع الرئاسة عمر وبكر ابنا عبد العزيز، ثمّ قام بالأمر عمر.
وفيها توفّى جعفر بن المعتمد.
وفيها ورد الخبر بغزو إسماعيل بن أحمد بلاد الترك وافتتاحه مدينة ملكهم وأسره إيّاه وامرأته خاتون ونحوا من عشرة آلاف، وقتل خلقا لا يحصى وغنم من الأموال والدوابّ ما لا يوقف على عدده، وأصاب الفارس من المسلمين [٥٦٧] من الغنيمة فى المقسم ألف درهم.
ثمّ دخلت سنة احدى وثمانين ومائتين
شخوص المعتضد إلى الجبل وخروجه الثاني إلى الموصل
وفيها شخص المعتضد إلى الجبل فعقد ناحية الدينور، وقلّد ابنه أبا محمد علىّ بن المعتضد الرىّ وقزوين وزنجان وأبهر وقم والدينور. وقلّد كتبه أحمد بن أبى الأصبغ ونفقات عسكره، وقلّد عمر بن عبد العزيز بن أبى دلف إصبهان ونهاوند والكرج، وتعجّل الانصراف من أجل غلاء السعر.
وفيها خرج المعتضد الخرجة الثانية إلى الموصل قاصدا حمدان بن حمدون. ذلك أنّه بلغه أنّه مائل إلى هارون الشاري داع له، فورد كتابه على
стр. 2095
نجاح الحرمي يذكر الوقعة:
«بسم الله الرحمن الرحيم، كتابي هذا وقت العتمة ليلة الجمعة وقد نصر الله وله الحمد على الأعراب والأكراد وأظفرنا بعالم منهم وبعيالاتهم، ولقد رأيتنا نسوق البقر والغنم كما كنا نسوقها عام أوّل، ولم تزل السيوف والأسنة تأخذهم حتّى حال بيننا وبينهم الليل، ومن غد يومنا يقع الاستقصاء وكان وقاعنا بهم وقتلنا لهم خمسين ميلا. فلم يبق منهم مخبر [٥٦٨] والحمد لله كثيرا وصلّى الله على محمد وآله وسلّم.» وكانت الأعراب والأكراد لمّا بلغهم خروج المعتضد تحالفوا أنّهم يقتلون على دم واحد، واجتمعوا وعبّأوا عسكرهم ثلاثة كراديس فكان من أمرهم ما ذكرت.
قصد المعتضد قلعة ماردين ثمّ الحسينيّة
ثمّ قصد المعتضد قلعة ماردين وكانت فى يد حمدان بن حمدون. فلمّا بلغه خروج المعتضد إليها هرب وخلّف ابنه فيها، فنزل عسكر المعتضد على القلعة ذلك اليوم. فلمّا كان من الغد ركب المعتضد وصعد حتّى وصل إلى باب القلعة ثمّ صاح:
- «يا بن حمدان.» فأجابه فقال:
- «افتح الباب.» ففتحه ولم يجر بينهما غير ذلك فقعد المعتضد فى الباب ولم يدخل، وأمر من دخل فنقل ما فى القلعة من المال والأثاث. ثمّ أمر بهدمها فهدمت، ويشبه أن يكون راسله قبل ذلك.
ثمّ وجّه خلف حمدان بن حمدون فطلب أشدّ الطلب وأخذت أمواله
стр. 2096
وكانت مودعة ثمّ ظفر به بعد.
ثمّ قصد المعتضد مدينة يقال لها الحسنية وفيها رجل يقال له شدّاد فى جيش عظيم يقال انّهم عشرة آلاف وكان له قلعة فى المدينة فظفر به المعتضد فأخذه وهدم قلعته. [٥٦٩]
ودخلت سنة اثنتين وثمانين ومائتين
المعتضد وتغيير موقع النيروز
وفيها أحدث المعتضد النيروز الذي يقع فى اليوم الحادي عشر من حزيران وأنشأت الكتب إلى جميع العمّال فى النواحي والأمصار بترك افتتاح الخراج فى النيروز الذي كان للعجم.
وورد كتابه على يوسف بن يعقوب يعلمه أنّه إنّما أراد بذلك الترفيه على الناس والرفق بهم، وأمر أن يقرأ كتابه على الناس ففعل. [١] وفيها كتب المعتضد من الموصل إلى إسحاق بن أيّوب وحمدان بن حمدون فى المصير إليه. فأمّا إسحاق بن أيّوب سارع إلى ذلك وأمّا حمدان بن حمدون فتحصّن فى قلاعه وغيّب أمواله وحرمه.
فوجّه إليه المعتضد الجيوش، فصادفوا الحسن بن علىّ كوره [٢] وأصحابه منيخين على قلعة لحمدان محاصرين لها وفيها الحسين بن حمدان.
فلمّا رأى الحسين أوائل العسكر مقبلين طلب الأمان، فأومن وسلّم القلعة وصار إلى المعتضد فأمر بهدمها. وأعدّ الجيش فى طلب حمدان وكان قد صار بباسورين من دجلة ونهر عظيم. فكان الماء زائدا فعبر الجيش إليه، فهرب وقتل أكثر أصحابه وألقى حمدان نفسه فى زورق فى دجلة مع كاتبه
стр. 2097
وحمل معه مالا [٥٧٠] وعبر إلى الجانب الغربىّ من دجلة وقدّر اللحاق بالأعراب لمّا حيل بينه وبين أكراده فى الجانب الشرقي، وعبر فى إثره نفر يسير من الجند فاقتصّوا اثره حتّى أشرفوا على دير كان نزله. فلمّا بصر بهم خرج هاربا ومعه كاتبه وألقيا أنفسهما فى زورق وخلّفا المال فى الدير فحمل إلى المعتضد وانحدر أصحاب السلطان فى طلبه على الظهر وفى الماء.
فلحقوه فخرج من الزورق حاسرا [١] إلى ضيعة له فى شرقىّ دجلة فركب دابّة لوكيله وسار ليله أجمع حتّى وافى مضرب إسحاق بن أيّوب فى عسكر المعتضد مستجيرا به.
فأحضره إسحاق مضرب المعتضد فأمر بالاحتفاظ [به] وبثّ الخيل فى طلب أصحابه وظفر بكاتبه وكثير من قراباته وغلمانه وتتابع رؤساء الأكراد وغيرهم فى الدخول فى الأمان.
نقل بنت خمارويه إلى المعتضد
وفيها نقلت بنت خمارويه بن أحمد إلى المعتضد ونودى فى جانبي بغداد ألّا يعبر أحد دجلة وغلقت الأبواب التي تلى الشطّ ومدّ على الشوارع النافذة إلى دجلة الشرائج ووكّل بحافتى دجلة من يمنع الناس من أن يظهروا فى دورهم على الشطّ.
فلمّا صليت العتمة وافت شذاة من دار المعتضد وفيها خدم معهم الشموع فوقفوا [٥٧١] بإزاء دار صاعد، وكانت أعدّت أربع حرّاقات شدّت مع دار صاعد. فلمّا جاءت الشذاة حدرت الحرّاقات وصارت الشذاة بين أيديهم.
وأقامت الحرّة فى يوم الإثنين فى دار المعتضد وجليت عليه [٢] يوم الثلاثاء.
стр. 2098
هروب يوسف بن أبى الساج إلى أخيه بالمراغة
وفيها هرب يوسف بن أبى الساج فى من أطاعه إلى أخيه محمد بالمراغة ولقى مالا للسلطان فى طريقه فأخذه فقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وكتب به إلى المعتضد:
إمام الهدى أنصاركم آل طاهر ... بلا سبب يجفون والدهر يذهب
وقد خلطوا صبرا بشكر ورابطوا ... وغيرهم يعطى ويحبى ويهرب
معاملة المعتضد، محمد بن زيد العلوي
وفيها وجّه محمد بن زيد العلوي من طبرستان إلى محمد بن ورد العطّار باثنين وثلاثين ألف دينار ليفرّقها ببغداد والكوفة والمدينة على أهله. فسعى به وأحضر دار بدر وسئل عن ذلك فاعترف به، وذكر أنّه يوجّه إليه فى كلّ سنة مثل هذا المال فيفرّقه على من يأمره بالتفرقة عليهم من أهله. فأعلم بدر المعتضدي صاحبه المعتضد بذلك وأعلمه أنّ الرجل والمال فى يده. فقال المعتضد:
- «يا بدر أما تذكر الرؤيا التي خبّرتك [٥٧٢] بها؟» فقال: «لا يا أمير المؤمنين.» فقال: «ألا تذكر أنّ الناصر- يعنى الموفّق- دعاني وقال: إنّى أعلم أنّ هذا الأمر سيصير إليك، فانظر كيف تكون مع آل أبى طالب.» ثمّ قال: رأيت فى النوم كأنّى خارج من بغداد أريد ناحية النهروان فى جيش وقد تشوّف الناس إلىّ، إذ مررت على رجل واقف على تلّ يصلّى لا يلتفت إلىّ، فعجبت منه، فلمّا فرغ من صلاته قال لى:
стр. 2099
- «أقبل.» فأقبلت إليه، فقال:
- «أتعرفنى؟» قلت: «لا.» قال: «أنا علىّ بن أبى طالب، خذ هذه المسحاة فاضرب بها الأرض.» لمسحاة [١] بين يديه فأخذتها، فضربت بها ضربات. فقال:
- «إنّه سيلي من ولدك هذا الأمر قدر ما ضربت، فأوصهم بولدي خيرا.» قال بدر: فقلت:
- «بلى يا أمير المؤمنين قد ذكرت.» قال: فأطلق الرجل وأطلق المال، وتقدّم إليه أن يكتب إلى صاحبه بطبرستان أن يوجّه ما يوجّه به إليه ظاهرا وأن يفرّق هذا الرجل ما يفرّقه ظاهرا، وتقدّم بمعونته على ما يلتمسه.
ذبح خمارويه فى مصر
وفيها ورد الخبر على المعتضد من مصر فى أحد عشر يوما على طريق البرّ انّ خمارويه بن أحمد ذبح على فراشه، ذبحه بعض خدمه الخاصّة، وقتل من خدمه الذين [٥٧٣] اتهموا بقتله نيّف وعشرون خادما.
وكان المعتضد بعث ابن الجصّاص إلى خمارويه بهدايا فلمّا بلغ سرّ من رأى اتصل خبر مهلك خمارويه بالمعتضد فكتب إليه يأمره بالرجوع، فرجع.
стр. 2100
ودخلت سنة ثلاث وثمانين ومائتين
وفيها شخص المعتضد بسبب هارون الشاري إلى ناحية الموصل فظفر به. ذكر هذا الظفر
وجّه الحسين بن حمدان بن حمدون فى خيل من الفرسان والرجّالة إليه.
فقال الحسين:
- «نعم يا أمير المؤمنين إن أنا جئت به فلي ثلاث حوائج يقضيها لى أمير المؤمنين.» فقال: «اذكرها.» قال: «أوّلها إطلاق أبى، وحاجتان أسألهما بعد مجيئي به [١] .» فقال المعتضد:
- «لك ذلك، فامض.» فقال الحسين:
- «أحتاج إلى ثلاثمائة فارس أنتخبهم أنا.» فمكّنه من ذلك وأنفذهم مع موشكير فقال:
- «أريد أن يأمره أمير المؤمنين ألّا يخالفني فيما آمره به.» فأمر المعتضد موشكير بذلك. فمضى الحسين حتّى انتهى إلى مخاضة فى دجلة فقدم إلى وصيف ومن معه بالوقوف على المخاضة وقال:
- «ليس لهارون طريق إن هرب غير هذا فلا تبرحنّ [٥٧٤] من هذا الموضع حتّى يمرّ بك هارون أو أجيئك أنا أو يبلغك أنّى قد قتلت.»
стр. 2101
ومضى حسين فى طلب هارون فلقيه وواقعه، فكانت بينهما قتلى وانهزم هارون وأقام وصيف على المخاضة ثلاثة أيّام فقال له أصحابه:
- «قد طال مقامنا بهذا القفر وأضرّ بنا ولسنا نأمن أن يأخذ الحسين الشاري فيكون الفتح له دوننا والصواب أن نمضي فى آثارهم.» فأطاعهم ومضى وجاء هارون منهزما إلى المخاضة فعبر وجاء حسين فى إثره فلم ير وصيفا ولا أحدا من أصحابه ولا عرف لهم خبرا ولا رأى لهم أثرا، وجعل يسأل عن خبر هارون حتّى وقف على عبوره فعبر فى أثره وجاء إلى حىّ من أحياء العرب فسألهم عنه، فكتموا أمره فهمّ بالإيقاع بهم ثمّ. قال:
- «إنّ المعتضد فى إثرى.» فأعلموه أنّه اجتاز بهم فأخذ بعض دوابّهم وترك دوابّه عندهم وكانت قد كلّت وأعيت واتبع أثره فلحقه بعد أيّام والشاري فى نحو من مائة. فناشده الشاري وتوعّده، فأبى إلّا محاربته فحاربه ورمى حسين بن حمدان بنفسه عليه وابتدره أصحاب الحسين، فأخذوه وجاء به إلى المعتضد سليما بغير عقد ولا عهد. فأمر المعتضد حين بلغه الخبر بحلّ قيود حمدان بن حمدون والتوسعة عليه [٥٧٥] إلى أن يقدم ابنه فيطلقه ويخلع عليه.
فلمّا وصل الشاري إلى المعتضد انصرف راجعا إلى بغداد فنزل باب الشماسية، وعبّأ الجيش هناك وخلع على الحسين بن حمدان وطوّقه بطوق ذهب، وخلع على جماعة من أهله وزيّن الفيل وأدخل الشاري عليه مشهرا ببرنس حرير طويل.
غزو الصقالبة الروم
وفيها ورد الخبر من طبرستان أنّ الصقالبة غزت الروم فى خلق عظيم،
стр. 2102
فقتلوا منهم وهزموا ملكهم حتّى وصلوا إلى قسطنطينية وألجئوا الروم إليها، ثمّ وجّه ملك الروم إلى ملك الصقالبة:
- «إنّ ديننا ودينك واحد فعلام نقتل الناس بيننا؟» فأجابه ملك الصقالبة:
- «إنّ هذا ملك آبائي ولست منصرفا عنك إلّا بغلبة أحدنا الآخر.» فلمّا لم يجد ملك الروم مخلصا عنه جمع من عنده من المسلمين، وسألهم معونته على الصقالبة، فأجابوه إليه، فأعطاهم السلاح فهزموا الصقالبة. فلمّا رأى ملك الروم ذلك خافهم على نفسه. فبعث إليهم فردّهم وأخذ منهم السلاح وفرّقهم فى البلدان فرقا من أن يجنوا عليه.
وثوب الجيش فى مصر
وورد الخبر من مصر أنّ الجند وثبوا على جيش ابن خمارويه وقالوا:
- «لا نرضى بك أميرا علينا فتنحّ عنّا حتّى نولّى عمّك.» فكلّمهم [٥٧٦] كاتبه علىّ بن أحمد الماذرائى [١] وسألهم أن ينصرفوا يومهم ذلك فانصرفوا، وعادوا من غد، فعدا جيش على عمّه الذي ذكروا أنّهم يؤمّرونه، فضرب عنقه وعنق عمّ له آخر ورمى برؤوسهما إليهم. فهجم الجند على جيش ابن خمارويه، فقتلوه وقتلوا أمّه وانتهبوا داره وانتهبوا مصر وأحرقوها، ثمّ أقعدوا هارون بن خمارويه مكان أخيه.
وفيها ورد كتاب بدر وعبيد الله بن سليمان وكانا بالجبل قرئ فى مسجد الجامع ببغداد: «انّ عمر بن عبد العزيز بن أبى دلف صار إليهما فى الأمان منقادا لأمير المؤمنين بالطاعة، وانّ عبيد الله بن سليمان تلقّاه وخلع عليه
стр. 2103
وعلى رؤساء أهل بيته وأخذ عليهم البيعة.
وكان بكر بن عبد العزيز قبل ذلك استأمن إليهما، فولّياه عمل أخيه عمر على أن يمضى فيحاربه. فلمّا دخل عمر فى الأمان قالا لبكر:
- «إنّ أخاك قد دخل فى طاعة السلطان وإنّما ولّيناك عمله على أنّه عاص والرأى لكما أن تمضيا إلى باب أمير المؤمنين ليرى رأيه فى أمركما.» وولّى عيسى النوشرى [١] إصبهان على أنّه من قبل عمر، فهرب بكر وكتب إلى المعتضد بخبره. فكتب إلى بدر يأمره بالمقام إلى أن يعرف خبر بكر.
وخرج الوزير عبيد الله بن سليمان إلى الرىّ وبها علىّ بن [٥٧٧] المعتضد ولحق بكر بالأهواز فوجّه المعتضد فى طلبه وصيفا موشكير فخرج إليه.
فلمّا قرب منه رجع بكر ومضى إلى إصبهان ورجع وصيف إلى بغداد. فكتب المعتضد إلى بدر يأمره بطلب بكر وحربه فتقدّم بدر إلى عيسى النوشرى بمحاربته فخرج إليه وحاربه وقتل أصحاب بدر وهزم بكرا.
ودخل عمر بن عبد العزيز [بغداد] [٢] قادما من إصبهان فأمر المعتضد باستقباله فاستقبله القاسم بن عبيد الله والقوّاد وقعد له المعتضد فوصل إليه وخلع عليه وحمله على دابّة بسرج ولجام محلّى بالذهب وخلع على ابنين كانا له وعلى [٣] أخيه أحمد بن عبد العزيز وعلى قوم من قوّاده وأنزل فى دار كانت لعبيد الله بن عبد الله [عند] رأس الجسر وكانت فرشت له.
وفيها ورد كتاب من عمرو بن الليث بأنّه واقع رافع بن هرثمة فهزمه ووجّه فى أثره بقوّاده وكان صار إلى طوس من نيسابور فانهزم ولحق
стр. 2104
بخوارزم فقتل بخوارزم وإنّه يحمل رأسه.
يتلوه فى المجلّدة الخامسة:
«ودخلت سنة أربع وثمانين ومائتين، وفيها قدم رسول عمرو بن الليث برأس رافع بن هرثمة فى المحرّم» .
والحمد لله وصلواته على خير خلقه محمد وعترته الطاهرين وحسبنا الله ونعم الوكيل، طه طسم.
فرغ من انتساخه محمد بن علىّ بن محمد ... [١] البلخي فى السابع عشر من رجب سنة خمس وخمسمائة.
فرغ من انتساخه محمد بن حسن بن منصور فى ... والعشرين من رجب سنة إحدى وخمسين وخمسمائة.
نقله علىّ بن حنظلة.
стр. 2105
[المجلد الخامس]
[تتمة العصر العباسي]
[تتمة خلافة المعتضد]
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله واهب العقل
ودخلت سنة أربع وثمانين ومائتين [١]
قدوم رسول عمرو بن الليث برأس ابن هرثمة
وفيها قدم رسول عمرو بن الليث برأس رافع بن هرثمة فى المحرّم. فأمر المعتضد برفعه ونصبه فى الجانب الشرقىّ، ثمّ تحويله إلى الجانب الغربىّ إلى الليل، ثمّ ردّه إلى دار السلطان. [٢]
أمور قام بها المعتضد
وفى هذه السنة عزم المعتضد على لعن معاوية بن أبى سفيان على المنابر، وأمر بإنشاء كتاب يقرأ على الناس.
فخوّفه عبيد الله بن سليمان ذلك وقال:
- «إنّ العامّة تضطرب.»