ومضى حسين فى طلب هارون فلقيه وواقعه، فكانت بينهما قتلى وانهزم هارون وأقام وصيف على المخاضة ثلاثة أيّام فقال له أصحابه:
- «قد طال مقامنا بهذا القفر وأضرّ بنا ولسنا نأمن أن يأخذ الحسين الشاري فيكون الفتح له دوننا والصواب أن نمضي فى آثارهم.» فأطاعهم ومضى وجاء هارون منهزما إلى المخاضة فعبر وجاء حسين فى إثره فلم ير وصيفا ولا أحدا من أصحابه ولا عرف لهم خبرا ولا رأى لهم أثرا، وجعل يسأل عن خبر هارون حتّى وقف على عبوره فعبر فى أثره وجاء إلى حىّ من أحياء العرب فسألهم عنه، فكتموا أمره فهمّ بالإيقاع بهم ثمّ. قال:
- «إنّ المعتضد فى إثرى.» فأعلموه أنّه اجتاز بهم فأخذ بعض دوابّهم وترك دوابّه عندهم وكانت قد كلّت وأعيت واتبع أثره فلحقه بعد أيّام والشاري فى نحو من مائة. فناشده الشاري وتوعّده، فأبى إلّا محاربته فحاربه ورمى حسين بن حمدان بنفسه عليه وابتدره أصحاب الحسين، فأخذوه وجاء به إلى المعتضد سليما بغير عقد ولا عهد. فأمر المعتضد حين بلغه الخبر بحلّ قيود حمدان بن حمدون والتوسعة عليه [٥٧٥] إلى أن يقدم ابنه فيطلقه ويخلع عليه.
فلمّا وصل الشاري إلى المعتضد انصرف راجعا إلى بغداد فنزل باب الشماسية، وعبّأ الجيش هناك وخلع على الحسين بن حمدان وطوّقه بطوق ذهب، وخلع على جماعة من أهله وزيّن الفيل وأدخل الشاري عليه مشهرا ببرنس حرير طويل.
غزو الصقالبة الروم
وفيها ورد الخبر من طبرستان أنّ الصقالبة غزت الروم فى خلق عظيم،
стр. 2102
فقتلوا منهم وهزموا ملكهم حتّى وصلوا إلى قسطنطينية وألجئوا الروم إليها، ثمّ وجّه ملك الروم إلى ملك الصقالبة:
- «إنّ ديننا ودينك واحد فعلام نقتل الناس بيننا؟» فأجابه ملك الصقالبة:
- «إنّ هذا ملك آبائي ولست منصرفا عنك إلّا بغلبة أحدنا الآخر.» فلمّا لم يجد ملك الروم مخلصا عنه جمع من عنده من المسلمين، وسألهم معونته على الصقالبة، فأجابوه إليه، فأعطاهم السلاح فهزموا الصقالبة. فلمّا رأى ملك الروم ذلك خافهم على نفسه. فبعث إليهم فردّهم وأخذ منهم السلاح وفرّقهم فى البلدان فرقا من أن يجنوا عليه.
وثوب الجيش فى مصر
وورد الخبر من مصر أنّ الجند وثبوا على جيش ابن خمارويه وقالوا:
- «لا نرضى بك أميرا علينا فتنحّ عنّا حتّى نولّى عمّك.» فكلّمهم [٥٧٦] كاتبه علىّ بن أحمد الماذرائى [١] وسألهم أن ينصرفوا يومهم ذلك فانصرفوا، وعادوا من غد، فعدا جيش على عمّه الذي ذكروا أنّهم يؤمّرونه، فضرب عنقه وعنق عمّ له آخر ورمى برؤوسهما إليهم. فهجم الجند على جيش ابن خمارويه، فقتلوه وقتلوا أمّه وانتهبوا داره وانتهبوا مصر وأحرقوها، ثمّ أقعدوا هارون بن خمارويه مكان أخيه.
وفيها ورد كتاب بدر وعبيد الله بن سليمان وكانا بالجبل قرئ فى مسجد الجامع ببغداد: «انّ عمر بن عبد العزيز بن أبى دلف صار إليهما فى الأمان منقادا لأمير المؤمنين بالطاعة، وانّ عبيد الله بن سليمان تلقّاه وخلع عليه
стр. 2103
وعلى رؤساء أهل بيته وأخذ عليهم البيعة.
وكان بكر بن عبد العزيز قبل ذلك استأمن إليهما، فولّياه عمل أخيه عمر على أن يمضى فيحاربه. فلمّا دخل عمر فى الأمان قالا لبكر:
- «إنّ أخاك قد دخل فى طاعة السلطان وإنّما ولّيناك عمله على أنّه عاص والرأى لكما أن تمضيا إلى باب أمير المؤمنين ليرى رأيه فى أمركما.» وولّى عيسى النوشرى [١] إصبهان على أنّه من قبل عمر، فهرب بكر وكتب إلى المعتضد بخبره. فكتب إلى بدر يأمره بالمقام إلى أن يعرف خبر بكر.
وخرج الوزير عبيد الله بن سليمان إلى الرىّ وبها علىّ بن [٥٧٧] المعتضد ولحق بكر بالأهواز فوجّه المعتضد فى طلبه وصيفا موشكير فخرج إليه.
فلمّا قرب منه رجع بكر ومضى إلى إصبهان ورجع وصيف إلى بغداد. فكتب المعتضد إلى بدر يأمره بطلب بكر وحربه فتقدّم بدر إلى عيسى النوشرى بمحاربته فخرج إليه وحاربه وقتل أصحاب بدر وهزم بكرا.
ودخل عمر بن عبد العزيز [بغداد] [٢] قادما من إصبهان فأمر المعتضد باستقباله فاستقبله القاسم بن عبيد الله والقوّاد وقعد له المعتضد فوصل إليه وخلع عليه وحمله على دابّة بسرج ولجام محلّى بالذهب وخلع على ابنين كانا له وعلى [٣] أخيه أحمد بن عبد العزيز وعلى قوم من قوّاده وأنزل فى دار كانت لعبيد الله بن عبد الله [عند] رأس الجسر وكانت فرشت له.
وفيها ورد كتاب من عمرو بن الليث بأنّه واقع رافع بن هرثمة فهزمه ووجّه فى أثره بقوّاده وكان صار إلى طوس من نيسابور فانهزم ولحق
стр. 2104
بخوارزم فقتل بخوارزم وإنّه يحمل رأسه.
يتلوه فى المجلّدة الخامسة:
«ودخلت سنة أربع وثمانين ومائتين، وفيها قدم رسول عمرو بن الليث برأس رافع بن هرثمة فى المحرّم» .
والحمد لله وصلواته على خير خلقه محمد وعترته الطاهرين وحسبنا الله ونعم الوكيل، طه طسم.
فرغ من انتساخه محمد بن علىّ بن محمد ... [١] البلخي فى السابع عشر من رجب سنة خمس وخمسمائة.
فرغ من انتساخه محمد بن حسن بن منصور فى ... والعشرين من رجب سنة إحدى وخمسين وخمسمائة.
نقله علىّ بن حنظلة.
стр. 2105
[المجلد الخامس]
[تتمة العصر العباسي]
[تتمة خلافة المعتضد]
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله واهب العقل
ودخلت سنة أربع وثمانين ومائتين [١]
قدوم رسول عمرو بن الليث برأس ابن هرثمة
وفيها قدم رسول عمرو بن الليث برأس رافع بن هرثمة فى المحرّم. فأمر المعتضد برفعه ونصبه فى الجانب الشرقىّ، ثمّ تحويله إلى الجانب الغربىّ إلى الليل، ثمّ ردّه إلى دار السلطان. [٢]
أمور قام بها المعتضد
وفى هذه السنة عزم المعتضد على لعن معاوية بن أبى سفيان على المنابر، وأمر بإنشاء كتاب يقرأ على الناس.
فخوّفه عبيد الله بن سليمان ذلك وقال:
- «إنّ العامّة تضطرب.»
стр. 2106
فلم يلتفت إليه.
فكان أوّل ما ابتدأ به من ذلك أن تقدّم [١] إلى العامّة بلزوم أعمالهم، وترك الاجتماع والعصبيّة والشهادات عند السلطان، وأن لا يسألوا عن شهادة إن كانت عندهم، ومنع القصّاص من الجلوس على الطرقات، وعملت بذلك نسخ قرئت [٢] بالجانبين بمدينة السلام وفى الأرباع والمحالّ والأسواق.
ثمّ منع يوم الجمعة أهل الجانبين من أهل الحلق والفتيا وغيرهم من القعود فى المسجد الجامع، ومنع الباعة [٣] من القعود فى رحابها، ونودى فى المسجد الجامع بنهي الناس عن الاجتماع على قاصّ وغيره، ثمّ نودى فى الجانبين والجامعين بأنّ الذمّة بريئة [٣] ممّن اجتمع على مناظرة أو جدل، وأنّ من فعل ذلك أحلّ بنفسه. [٤] وتقدّم إلى من يسقى الماء وأمثالهم فى الجامعين ألّا يترحّموا على معاوية ولا يذكروه.
إخراج كتاب اللعن
ثمّ تقدّم المعتضد بإخراج الكتاب الذي كان المأمون أمر بإنشائه وفيه مثالب معاوية، ولعنه بعد ذلك فأخرج وهو كتاب طويل [٥] .
فحكى أنّ عبيد الله بن سليمان أحضر يوسف بن يعقوب القاضي وأمره أن يعمل الحيلة فى إبطال ما عزم عليه المعتضد خوفا من فتنة تقع. [٦]
стр. 2107
فمضى القاضي يوسف فكلّم المعتضد وقال:
- «إنّى أخاف أن تضطرب العامّة عند سماع هذا الكتاب، وتكون لها حركة.» فقال: «إن تحركت العامّة أو نطقت، وضعت سيفي فيها.» فقال: «يا أمير المؤمنين فما تصنع بالطالبيّين الذين هم فى كلّ ناحية يخرجون ويميل إليهم خلق كثير ومآثرهم [١] فى هذا الكتاب، وإذا سمع الناس هذا كانوا إليهم أميل أو كانوا هم أبسط ألسنة وأثبت حجّة [٤] منهم اليوم.» .
فأمسك عنه المعتضد فلم يردّ عليه جوابا ولم يأمر بعد ذلك فى الكتاب بشيء.
لحوق بكر بمحمد بن زيد العلوي بطبرستان
وفيها لحق بكر بن عبد العزيز بمحمّد بن زيد العلوي بطبرستان وبدر مقيم بالجبل [٢] ينتظر أمر بكر إلى ماذا يؤول. فورد الخبر بعد زمان أنّه مات بطبرستان.
وثوب أبى ليلى على شفيع الخادم وقتله
وورد الخبر من إصبهان بوثوب أبى ليلى الحارث بن عبد العزيز على شفيع الخادم الموكّل به وقتله.
стр. 2108
ذكر الخبر عن ذلك كان أخوه عمر أخذه فقيّده وحمله إلى قلعة لأبى دلف بالزّز [١] وحبسه فيها وكلّ ما كان لأبى دلف من مال ومتاع نفيس وجوهر كان فى هذه القلعة، وشفيع مولاهم يحفظ القلعة وكلّ ما فيها [٢] ومعه جماعة من غلمان عمر وثقاته. فلمّا استأمن عمر إلى السلطان وهرب بكر عاصيا للسلطان بقيت القلعة بما فيها فى يد شفيع وأبو ليلى مقيّد مسلّم إليه.
فكلّمه أبو ليلى فى إطلاقه فأبى وقال:
- «لا أخون صاحبي عمر.» فحكت جارية لأبى ليلى فى الحبس، أنّه كان معه غلام صغير يخدمه وآخر يخرج فى حوائجه ولا يبيت عنده، فأمّا الصغير فيبيت عنده. فقال أبو ليلى [٥] لغلامه الذي يدخل ويخرج فى حوائجه:
- «احتل لى فى مبرد كيف شئت.» ففعل الغلام وأدخله فى شيء من طعامه. وكان شفيع يجيء فى كلّ ليلة إذا أراد أن ينام إلى البيت الذي فيه أبو ليلى، حتّى يراه، ثمّ يقفل عليه باب البيت هو بنفسه ويمضى فينام وتحت فراشه سيف مسلول. وكان أبو ليلى قد سأل أن تدخل إليه جارية، فأدخلت إليه جارية صغيرة السن.
فذكر عن دلفاء [٣] جارية أبى ليلى عن هذه الجارية الصغيرة أنّها قالت:
برد أبو ليلى مسمار قيده، حتّى كان يخرجه من رجله إذا شاء ويردّه.
стр. 2109
قالت: وجاء شفيع عشيّة من العشايا إلى أبى ليلى فقعد معه يحدّثه، فسأله أبو ليلى أن يشرب معه أقداحا، ففعل. ثمّ قام الخادم لحاجته، فأمرنى أبو ليلى ففرشت فراشه فجعل عليه ثيابا فى موضع الإنسان من الفراش، وصيّره كهيئة الرجل النائم وغطّاه، وأمرنى أن أقعد عند رجل ذلك الشيء المعمول من الثياب كأنّى أغمّزه [١] . وقال:
- «إذا جاء شفيع لينظر إلىّ فقولي: هو نائم. ليقفل الباب على عادته، ويظنّ أنّى فى الفراش.» ثمّ خرج أبو ليلى واختفى فى موضع فيه [٦] متاع فى صفّة فيها باب هذا البيت، وجاء شفيع فنظر إلى الفراش وسأل الجارية عن خبر أبى ليلى، فأخبرته أنّه نائم وأقفل الباب. فلمّا [٢] نام الخادم ومن معه فى الدار التي فى القلعة خرج أبو ليلى، فأخذ السيف من تحت فراش شفيع وضربه به حتّى برد. ووثب الغلمان الذين كانوا حوله نياما فزعين، فاعتزلهم أبو ليلى والسيف بيده، وقال لهم:
- «أنا أبو ليلى وقد قتلت شفيعا ولئن تقدّم إلىّ واحد منكم لأقتلنّه، وأنتم آمنون، فاخرجوا من هذه الدار حتّى أكلّمكم بما أريد.» ففتحوا باب القلعة واجتمع كلّ من كان فى القلعة فكلّمهم ووعدهم بالإحسان وأخذ عليهم الأيمان. فلمّا أصبح نزل ووجّه إلى الأكراد وأهل الرموم [٣] فجمعهم وفرّق فيهم مالا وخرج مخالفا على السلطان.
ثمّ مضى إلى إصبهان، فواقعه عيسى النّوشرى، فأصاب أبا ليلى سهم فى
стр. 2110
حلقه فنحره، فسقط إلى الأرض، وانهزم أصحابه فحمل إلى إصبهان.
ودخلت سنة خمس وثمانين ومائتين
خروج صالح بن مدرك على الحاجّ
وفيها خرج صالح بن مدرك على الحاجّ فى جماعة من طىّ بالأجفر [١] فى المحرّم. فحاربه الجنّى [٢] [٧] وكان أمير القافلة فهزمه الأعراب وظفروا بالقافلة فأخذوا جميع ما فيها وأخذوا جماعة من النساء الحرائر. وبلغ قيمة ما أخذوا من الناس ألفى ألف دينار.
حمل رأس أبى ليلى إلى بغداد
وحمل رأس أبى ليلى المقتول بإصبهان إلى بغداد، فاستوهبه أخوه عمر من المعتضد، فوهبه له، فدفنه، وخلع على عمر [٣] فى هذا اليوم.
ورود الخبر بوفاة ابن عيسى
وفيها ورد الخبر بوفاة محمّد بن عيسى بن شيخ، وقام ابنه أحمد [٤] بن محمّد بن عيسى بما كان فى يد أبيه [٥] بآمد على سبيل التغلّب. فخرج إليه المعتضد قاصدا لحربه.
стр. 2111
هارون بن خمارويه يوجّه رسلا إلى المعتضد
وفيها وجّه هارون بن خمارويه بن أحمد ومن معه رسلا إلى المعتضد، يلتمسون مقاطعتهم على ما فى أيديهم من مصر والشام، ويسألونه إجراء هارون على ما كان يجرى عليه أمر أبيه. [١] فردّ المعتضد رسله مع رسول له بمشافهات وشروط.
ودخلت سنة ستّ وثمانين ومائتين
توجيه محمد بن أبى الساج ابنه إلى بغداد رهينة
وفيها وجّه محمّد بن أبى الساج ابنه المعروف بأبى المسافر إلى بغداد رهينة، بما ضمن له من الطاعة والمناصحة. فقدم فى المحرّم منها ومعه هدايا والمعتضد غائب. [٨] وكان المعتضد فى السنة المتقدمة قد حمل إليه الخلع وكتب الولاية على ما كان تغلّب عليه من بلاد أذربيجان.
وصول المعتضد إلى آمد
وفيها وصل المعتضد إلى آمد، فأناخ بجنده عليها وأغلق محمّد بن أحمد بن شيخ أبواب مدينة آمد وعلى من فيها من أشياعه. ففرّق المعتضد جيوشه حولها وحاصرهم وذلك لأيّام بقيت من شهر ربيع الأوّل.
ثمّ جرت بينهم حروب، ونصب أهل آمد على سورهم المجانيق، ونصب المعتضد عليها المجانيق وتراموا بها.
стр. 2112
وفى يوم السبت لإحدى عشرة بقيت من جمادى الأولى، توجّه [١] محمّد بن أحمد بن شيخ فى هذا اليوم ومن معه من أصحابه وأوليائه، فوصلوا إلى المعتضد فخلع عليه وعلى رؤساء أصحابه وانصرفوا إلى مضرب قد أعدّ [٢] لهم، وتحوّل المعتضد من معسكره إلى منازل ابن عيسى بن شيخ ودوره، وكتب بذلك كتابا إلى مدينة السلام.
ورود كتب هارون بن خمارويه إلى المعتضد
ووردت كتب هارون بن خمارويه يبذل أعمال قنّسرين والعواصم ويحمل إلى بيت المال بمدينة السلام فى كلّ سنة أربعمائة وخمسين ألف دينار، ويسأل أن يحدّد له ولاية مصر والشام، وأن يوجّه المعتضد بخادم من خدمه إليه بذلك. فأجابه إلى ما [٩] سأل وتسلّم المعتضد أعمال قنّسرين والعواصم من أصحاب هارون، وارتحل نحو الرقّة، وخلّف ابنه عليّا بآمد مع جيوش ضمّهم إليه، ليضبط الناحية وأعمال قنّسرين والعواصم وديار ربيعة ومضر.
وكان كاتب علىّ بن المعتضد يومئذ الحسين بن عمرو النصراني، وأمر المعتضد بهدم سور آمد فهدم.
موافاة هديّة من عمرو بن الليث من نيسابور
وفيها وافت هديّة عمرو بن الليث من نيسابور. فكان مبلغ ما أنفذه أربعة آلاف ألف درهم وعشرين من الدوابّ بالسروج واللجم المغرقة بالجلال المشهرة وكسوة وطيب وبزاة.
стр. 2113
ظهور أبى سعيد الجنّابى بالبحرين على مذهب القرامطة
وفيها ظهر أبو سعيد الجنّابى بالبحرين على مذهب القرامطة فاجتمع إليه القرامطة والأعراب. فقوى أمره وكثر عيثه وأظهر أنّه يريد البصرة. وكتب عامل البصرة إلى المعتضد بذلك، فكتب إليه بعمل سور على البصرة فقدّرت النفقة عليه أربعة عشر ألف دينار، فأمر ببنائه. [١]
ودخلت سنة سبع وثمانين ومائتين
غلظة أمر القرامطة
وفيها غلظ أمر القرامطة بالبحرين وأغاروا على نواحي هجر وقرب بعضهم من نواحي البصرة. وولّى المعتضد العبّاس بن عمرو الغنوي اليمامة والبحرين ومحاربة [١٠] أبى سعيد الجنّابى والقرامطة وضمّ إليه زهاء ألفى رجل فشخص العبّاس إلى البصرة ومنها إلى البحرين واليمامة. [٢]
أسر عمرو بن الليث الصفّار
وفيها ورد الخبر على المعتضد بأنّ إسماعيل بن أحمد أسر عمرا الصفّار واستباح عسكره. [٣]
стр. 2114
ذكر الخبر عن ذلك كان عمرو سأل المعتضد أن يولّيه ما وراء النهر، فولّاه ذلك، ووجّه إليه وهو بنيسابور بالخلع واللواء، فخرج عمرو لمحاربة إسماعيل بن أحمد، فكتب إليه إسماعيل:
- «إنّك قد ولّيت دنيا عريضة، وإنّما فى يدي ما وراء النهر وأنا فى ثغر، فاقنع بما فى يدك واتركني بهذا الثغر.» فأبى إجابته، فذكر له أمر نهر بلخ وشدّة عبوره فقال:
- «لو شئت أن أسكره ببدر الأموال وأعبره لفعلت.» فلمّا يئس إسماعيل من انصرافه عنه جمع من معه من الجند والتّنّاء [١] والدهاقين وعبر النهر إلى الجانب الغربي. وجاء عمرو فنزل بلخ وأخذ إسماعيل عليه النواحي فصار كالمحاصر، وندم على ما فعل وطلب المحاجزة، فأبى إسماعيل عليه ذلك. فلم يكن بينهما كثير قتال حتى هزم عمرو فولّى هاربا ومرّ بأجمة فى طريقه [١١] قيل له: إنّها أقرب. فقّال لعامّة من معه:
- «امضوا فى الطريق الواضح.» ومضى فى نفر يسير فدخل الأجمة، فوحلت دابّته ولم يكن له فى نفسه حيلة. ومضى من معه ولم يلووا عليه، وجاءت أصحاب إسماعيل فأخذوه أسيرا.
وبلغ المعتضد خبرهما فمدح إسماعيل وذمّ عمرا.
стр. 2115
ورود الخبر بهروب وصيف
وفيها ورد الخبر على المعتضد بأنّ وصيفا خادم ابن أبى الساج هرب من برذعة [١] ومضى إلى ملطية مراغما لمحمّد بن أبى الساج فى أصحابه. وكتب إلى المعتضد يسأله أن يولّيه الثغور ليقوم بها فكتب المعتضد إليه: يأمره أن يصير إليه، فتباطأ، وكان رسله بحضرة المعتضد.
فذكر أنّ المعتضد أمر بتقرير الرسل ليخبروه عن السبب الذي من أجله فارق وصيف صاحبه ابن أبى الساج وقصد الثغور فأقرّوا بالضرب.
وذكروا أنّه فارقه على مواطأة بينه وبين صاحبه على أنّه إذا استقرّ فى موضعه الذي هو به لحق به صاحبه فصارا جميعا الى مصر وتغلّبا عليها، وشاع ذلك فى الناس وتحدّثوا به.
وفيها ولّى حامد بن العبّاس أعمال فارس الخراج والضياع، وكانت فى يد العبّاس بن عمرو الغنوي.
خروج العباس بن عمرو الغنوي
وفيها خرج العبّاس بن عمرو الغنوي [١٢] عن البصرة بمن ضمّ إليه من الجند مع من خفّ معه من مطوّعة البصرة نحو أبى سعيد الجنّابى، فلقيتهم طلائع أبى سعيد، فخلّف العبّاس سواده وسار نحوهم، فلقى أبا سعيد وأصحابه مساء، فتناوشوا ثمّ حجز الليل بينهم، فانصرف كلّ فريق منهم إلى موضعهم.
فلمّا كان الليل انصرف من كان مع العبّاس من الأعراب والمطوّعة وأصبح
стр. 2116
العبّاس، فغادى القرامطة الحرب، فاقتتلوا قتالا شديدا.
ثمّ إنّ صاحب ميسرة العبّاس حمل فى زهاء مائة من أصحابه على ميمنة أبى سعيد، فوغلوا فيهم فقتل هو وجميع من معه، وحمل الجنّابى وأصحابه على العبّاس فانهزم أصحابه واستأسر العبّاس وأسر من أصحابه زهاء سبعمائة رجل، واحتوى الجنّابى على ما فى عسكر العبّاس.
فلمّا كان الغد من يوم الوقعة أحضر الجنّابى من أسر من أصحاب العبّاس، فقتلهم جميعا ثمّ أمر بحطب فطرح عليهم وأحرقهم.
وصار الجنّابى إلى هجر وآمن أهلها وانصرف فلّ العبّاس يريدون البصرة ولم يكن أفلت منهم إلّا القليل بغير أزواد. فخرج إليهم جماعة من البصرة بنحو من أربعمائة راحلة عليها [١٣] الأطعمة والكسى والماء فخرج عليهم بنو أسد فأخذوا تلك الرواحل بما عليها، وقتلوا جماعة ممّن كان مع تلك الرواحل ممّن أفلت من أصحاب عمرو، فاضطربت البصرة لذلك اضطرابا شديدا وهمّوا بأن ينتقلوا عنها وخافوا هجوم القرامطة عليهم.
ثمّ وردت على السلطان خريطة من الأبلّة بموافاة العبّاس بن عمرو فى مركب من مراكب البحر، وأنّ أبا سعيد أطلقه خادما له. [١] ثمّ ورد العبّاس بن عمرو مدينة السلام وصار إلى دار المعتضد بالثريّا.
فذكر أنّه بقي عند الجنّابى أيّاما بعد الوقعة ثمّ دعا به فقال:
- «أتحب أن أطلقك؟» قال: «نعم.» قال: «امض وعرّف الذي وجّه بك ما رأيت.» وحمله على رواحل وضمّ إليه قوما من أصحابه وحمّلهم ما يحتاجون إليه
стр. 2117
من الزاد والماء وأمر الرجال الذين وجّههم معه أن يردّوه إلى مأمنه فساروا به إلى بعض سواحل [١] البحر فصادف به مركبا فحمله حتّى صار إلى الأبلّة فخلع عليه المعتضد وصرفه إلى منزله.
فتحدّث القاضي أبو الحسين محمّد بن عبد الواحد الهاشمي قال [٢] :
سمعت العبّاس بن عمرو الغنوي يقول: لمّا أسرنى أبو سعيد الجنّابى القرمطى وكسر العسكر الذي كان أنفذه [١٤] المعتضد لقتاله وجعلت أسيرا فى يده، يئست من الحياة. فإنّى يوما على ذلك إذ جاءني رسوله فأخذ قيودي وغيّر ثيابي وأدخلنى إليه فسلّمت وجلست فقال:
- «أتدرى لم استدعيتك؟» قلت: «لا.» قال: «أنت رجل عربي ومن المحال أن أستودعك أمانة فتخفرها ولا سيما مع منّى عليك بنفسك.» فقلت: «هو كذلك.» قال: «إنّى فكّرت فى قتلك فلم أر فيه طائلا وفى نفسي رسالة إلى المعتضد لا يجوز أن يؤدّيها غيرك فرأيت إطلاقك وتحميلك إيّاها فإن حلفت لى إنّك تؤدّيها سيّرتك إليه.» فحلفت له، فقال:
- «تقول للمعتضد: يا هذا لم تخرق [٣] هيبتك وتقتل رجالك وتطمع أعداءك فى نفسك بإنفاذ الجيوش إلىّ، وإنّما أنا
стр. 2118
رجل فى فلاة لا زرع عندي ولا ضرع، ولا لى بلد وقد رضيت بخشونة العيش والأمن على المهجة والعزّ بأطراف الرماح.
- «وانظر فإنّى ما اغتصبتك بلدا كان فى يدك ولا أزلت سلطانك عن عمل جليل ومع هذا فوالله لو أنفذت إلىّ جيشك كلّه ما جاز أن تظفر بى ولا تنالني. لأنّى رجل نشأت فى هذا القشف فتعوّدته أنا ورجالي، فلا مشقّة علينا فيه ونحن فى أوطاننا مستريحون [١٥] وأنت تنفذ جيشك من الحموش [١] والثلج والرياحين والندّ ثمّ يجيئون من مسافة بعيدة وطريق شاقّ وقد قتلهم السفر قبل قتالنا، وإنّما غرضهم أن يبلوا عذرا فى قتالنا ومواقعتنا ساعة ثمّ يهربون. فإن حقفوا مع ما قد لحقهم من وعثاء السفر وشدّة الجهد كان أكبر أعوانى عليهم، فما هو إلّا أن حققت عليهم حتّى ينهزموا،- «وتقول وأكثر ما يقدرون عليه أن يجيئوا فيستريحوا ثمّ تكون عدّتهم كثيرة وبصيرتهم قويّة، فحينئذ لا تكون لى بهم قبل فانهزم، فلا يقدر جيشك أن يتبعوني إلّا مسافة قريبة، فما هو [إلّا] [٢] أن أبعد عشرين فرسخا أو ثلاثين وأجول فى الصحراء شهرا أو شهرين، ثمّ أكبسهم على غرّة حتّى أقتل جميعهم. وإن لم يتمّ لى هذا وكانوا متحرزين فما يمكنهم أن
стр. 2119
يطوفوا حولي وخلفي فى البراري ولا يتبعني الطلب فى البوادي.
- «ثمّ لا يحملهم البلد فى المقام ولا الزاد إن كانوا كثيرين، فلا بدّ أن ينصرف الجمهور ويبقى الأقلّ فهم قتلى سيوفى أوّل يوم نلتقي فيه. هذا إن سلموا من وباء هذه الناحية ورداءة ماءها وهواءها الذي نشأوا فى غيره وضدّه.
- «ففكّر فى هذا ونحوه وانظر هل يفيء [١٦] تعبك وتغريرك بعسكرك وجيشك وإنفاقك الأموال وتجهيزك الرجال وتكلّفك هذه الأخطار بطلبي وأنا مع هذا خالي الذرع منها سليم النفس والأصحاب من جميعها. فأمّا هيبتك فتنخرق، وأمّا الأطراف فتنتقض، وأمّا الملوك من الأعداء فتتجاسر. ثمّ لا تظفر من بلدي بطائل ولا تصل إلى حال ولا مال. فإن اخترت بعد هذا محاربتى فأقدم على بصيرة وأنفذ من شئت واضطرب كيف أحببت، وإن أمسكت فذاك إليك.» قال: ثمّ جهّزنى وأنفذ معى عشرة من أصحابه إلى الكوفة، فسرت منها إلى الحضرة ودخلت على المعتضد [١] فتعجّب من سلامتي، وسألنى عن خبري سؤالا حفيّا فقلت:
- «أخبرك يا أمير المؤمنين سرّا.» فتشوّق إليه وخلا بى. فلم أزل أقصّ عليه الخبر وهو يتمعّط [٢] غليظا
стр. 2120
حتّى ظننت أنّه سيسير إليه بنفسه وخرجت من بين يديه، فما رأيته بعد ذلك ذكره بحرف.
ورود الخبر بقتل محمد بن زيد العلوىّ
وفيها ورد الخبر على السلطان بأنّ محمّد بن زيد العلوي قتل. [١] ذكر مقتله ذكر أنّ محمّد بن زيد العلوي لمّا اتصل به أسر إسماعيل بن أحمد عمرو بن الليث، خرج فى جيش [١٧] كثيف نحو خراسان طامعا فيها، ظنّا منه أنّ إسماعيل لا يتجاوز عمله الذي كان يتولّاه وأنّه لا دافع له عن خراسان إذ كان عمرو قد أسر ولا عامل للسلطان بها.
فلمّا صار إلى جرجان، واستقرّ بها كتب إليه يسأله الرجوع إلى طبرستان وترك جرجان فأبى ذلك محمّد بن زيد فندب [٢] إسماعيل له محمّد بن هارون خليفة كان لرافع، وضمّ إليه جيشا كثيفا، فشخص نحو ابن زيد فالتقيا على باب جرجان فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم عسكر محمّد بن هارون.
ثمّ رجع محمّد بن بكر وقد انتقضت صفوف العلوي فانهزم عسكر محمّد بن زيد وقتل منهم بشر كثير وأصابت محمّد بن زيد ضربات وأسر ابنه زيد، وحوى محمّد بن هارون عسكره. ثمّ مات محمّد بن زيد من تلك الضربات وحمل ابنه إلى إسماعيل. ودخل محمّد بن هارون جرجان ثمّ شخص إلى طبرستان.
стр. 2121
ودخلت سنة ثمان وثمانين ومائتين ذكر حوادث حدثت فيها
وفيها توفّى محمّد بن أبى الساج فاجتمع غلمانه وجماعة أصحابه فأمّروا عليهم ديوداذ بن محمّد واعتزلهم يوسف بن أبى الساج مخالفا لهم.
وفيها جيء بعمرو بن الليث. وذكر أنّ إسماعيل بن أحمد خيّره بين المقام عنده وبين توجيهه إلى باب أمير المؤمنين، فاختار توجيهه، فوجّهه [١٨] وأرسل المعتضد برسول إسماعيل مع رسوله وحمل معه إليه بدنة [١] وتاجا وسيفا من ذهب مركّب على جميع ذلك الجواهر وهدايا وثلاثة آلاف ألف درهم يفرّقها فى جيوش خراسان. وقيل كان المال عشرة آلاف ألف وجّه بعض ذلك من بغداد وكتب بباقيه على عمّال الجبل وأمروا أن يدفعوا ذلك إلى الرسل.
وفيها أوقع يوسف بن أبى الساج وهو فى نفر يسير بابن أخيه ديوداذ، فهزم عسكره وبقي ديوداذ فى جماعة قليلة فعرض عليه يوسف بن أبى الساج المقام معه فأبى وقال:
- «أمضى إلى باب السلطان.» فجعل يسايره مدّة ويسأله المقام معه، فأبى وأخذ طريق الموصل حتّى وافى بغداد.
ودخلت سنة تسع وثمانين ومائتين
انتشار القرامطة بسواد الكوفة
وفيها انتشر القرامطة بسواد الكوفة فوجّه إليهم شبل غلام أحمد بن محمّد
стр. 2122
الطائي فشخص إليهم فظفر بجماعة منهم وظفر برئيس لهم يعرف بابن أبى القوس [١] فوجّه به وبهم فدعا به المعتضد وساءله ثمّ أمر به فقلعت أضراسه ثمّ خلّع مدّت إحدى يديه ببكرة وعلّق فى الأخرى صخرة وترك على حاله تلك ثلاثة ساعات ثمّ قطعت يداه ورجلاه [١٩] من غد هذا اليوم وضربت عنقه وصلب.
سياسة المعتضد فى الشيخ والمرأة المغصوبة والرجل الغاصب
ومن سياسة المعتضد التي تستفاد منها تجربة ما حدّث به أبو الحسين محمّد بن عبد الواحد الهاشمي أنّ شيخا من التجار كان له على بعض القوّاد مال جليل، فماطله ثمّ جحده. قال: فعملت على التظلّم إلى المعتضد لأنّى كنت تحمّلت عليه وتظلّمت إلى عبيد الله بن سليمان فلم ينفعني ذلك فقال لى بعض إخوانى:
- «علىّ أن آخذ المال لك ولا تحتاج إلى الظلامة إلى الخليفة، قم معى الساعة.» قال: فقمت معه فجاء بى إلى خيّاط فى سوق الثلاثاء وهو جالس يخيط ويقرأ القرآن فى مسجد. فقصّ عليه قصّتى، فقام معنا. فلمّا مشيت تأخّرت وقلت لصديقى:
- «إنّك قد عرّضت هذا الشيخ ونفسك وإيّاى لمكروه عظيم.» قال: «كيف؟» قلت: «لأنّه قد استخفّ بى مرارا وبجماعة من شفعائي مرارا كثيرة ولم
стр. 2123
يلتفت إلى مثل فلان وفلان ولا إلى الوزير، وأخاف أن يصفعنا صفعا [١] وجيعا ويطردنا.» فضحك الرجل وقال:
- «لا عليك، امش واسكت.» فجئنا إلى باب القائد فحين رآه غلمانه أعظموه وأرادوا تقبيل يده فمنعهم، وقالوا:
- «ما جاء بك أيّها الشيخ فإنّ صاحبنا راكب؟» فقال: «أدخل وأجلس إلى أن [٢٠] يحضر.» فبادروا إلى الإذن له وأجلسوه فى أرفع موضع. فقويت نفسي وجاء الرجل، فلمّا رأى الخيّاط أعظمه إعظاما شديدا وقال:
- «لا أنزع ثيابي حتّى تأمر بأمرك.» فخاطبه فى أمرى فقال:
- «والله ما عندي إلّا خمسة آلاف درهم.» فسأله أن يأخذها فى الوقت ويأخذ رهنا بباقي ماله إلى أن تجيئني غلّتى.
فبادرت إلى الإجابة فأحضر الدراهم وخرجنا. فلمّا بلغنا موضع الخيّاط طرحت المال بين يديه وقلت:
- «يا شيخ إنّ الله قد ردّ المال علىّ لسعيك وبركتك، فأحبّ أن تأخذ من المال نصفه أو ثلثه حتّى تطيب نفسي.» فقال: «ما أسرع ما كافأتنى على الجميل بالقبيح. انصرف بمالك، بارك الله لك فيه.» فقلت: «قد بقيت لى حاجة.»
стр. 2124
قال: «قل.» قلت: «تخبرني عن سبب طاعته لك مع تهاونه بأكثر أهل هذه الدولة؟» فقال: «يا هذا، قد بلغت مرادك، فلا تقطعني عن شغلي ومعاشي.» تفألححت عليه.
قال: «أنا رجل أؤمّ وأقرأ [١] فى هذا المسجد منذ أربعين سنة، ومعاشي من هذه الخياطة، وكنت منذ دهر قد صلّيت المغرب، وخرجت أريد منزلي، فاجتزت برجل تركىّ كان فى هذه الدار وقد تعلّق بامرأة مجتازة وكانت جميلة، وأدخلها إلى داره وهي تستغيث وليس أحد يغيثها.» [٢١] قال: «فرفقت بالتركىّ وسألته تركها، فضرب رأسى بدبّوس وشجّنى وشتمني، ويئست من المرأة وخلاصها، وصرت إلى المنزل وغسلت الدم وشددت الشجّة واستروحت، وخرجت أصلّى العشاء الآخرة. فلمّا فرغنا قلت لمن حضر: قوموا معى إلى عدوّ الله، هذا التركىّ، لننكر عليه ولا نبرح حتّى نخرج المرأة. فقاموا معى وجئنا وصحنا على بابه فخرج إلينا فى عدّة من غلمانه، وقصدني من بين الجماعة فضربني ضربا مبرّحا كدت أتلف منه.
فحملني الجيران إلى منزلي وعالجنى أهلى ونوّمت فلم أنم إلى نصف الليل.
فقلت فى نفسي هذا قد شرب إلى الآن ولا يعرف الأوقات، فلو أذّنت لوقع له أنّه الفجر، فلعلّه يطلق عن المرأة. وكانت المرأة لمّا تعلّق بها قالت: إنّ زوجي قد حلف بطلاقى ألّا أبيت عن منزلي وأعظم ما علىّ أن أطلّق وأبين منه فطمعت أن تلحق المرأة بمنزلها قبل الفجر وتسلم من أحد المكروهين.
فخرجت متحاملا حتّى صعدت المنارة، فأذّنت وجلست أتطلّع منها إلى الطريق أرقب خروج المرأة، فإن خرجت وإلّا أقمت الصلاة لئلا يشكّ فى
стр. 2125
الصبح ويخرجها. فما مضت إلّا ساعة فإذا الشارع قد امتلأ خيلا ورجلا ومشاعل وشموعا وهم يصيحون:
- «من هذا [٢٢] الذي أذّن الساعة، أين هو.» ففزعت وسكتّ ثمّ قلت أخاطبهم لعلّى أستعين بهم على إخراج المرأة.
فصحت من المنارة:
- «أنا أذّنت.» فقالوا: «انزل فأجب أمير المؤمنين.» فقلت: قد دنا الفرج، ونزلت فإذا بدر مع الجماعة فحملني وأدخلنى إلى المعتضد. فلمّا رأيته هبته وارتعدت فسكّن منّى وقال:
- «ما حملك على أن تغزّ المسلمين بأذانك فى غير وقته فيخرج ذوو الحاجة فى غير حينها، ويمسك المريد للصوم فى وقت قد أتيح [١] له الإفطار، وينقطع العسس عن الطوف والحرس؟» فقلت: «يؤمنني أمير المؤمنين لأصدق؟» قال: «أنت آمن.» فقصصت عليه قصّة التركىّ والمرأة وأريته الشجّة وآثار الضرب بى.
فقال:
- «يا بدر، علىّ بالغلام والمرأة الساعة.» فعزلت فى موضع. ومضى بدر وأحضر الغلام والمرأة فسألها المعتضد عن الصورة فأخبرته بمثل ما قلته. فقال لبدر:
- «بادر بها الساعة إلى زوجها مع ثقة من الخدم يدخلها دارها ويشرح لزوجها خبرها ويأمره عنّى بالتمسك بها والإحسان إليها.» ثمّ استدعاني فوقّفت، فجعل يخاطب الغلام وأنا قائم أسمع. وكان فيما
стр. 2126
خطبه به أن قال:
- «كم جرايتك؟» فقال: «كذا.» قال: «وكم عطاؤك؟» قال: «كذا.» [٢٣] قال: «أفما كان لك فى جواريك وجاريك وفى هذه النعمة الواسعة كفاية عن معصية الله تعالى، وعن خرق هيبة السلطان، حتّى استعملت القحة وتجاوزت ذلك إلى الوثوب على من أمرك بالمعروف؟» فأسقط الغلام فى يده ولم يحر جوابا. فقال:
- «هاتوا جوالقا وقيدا وغلّا ومداقّ الجصّ.» فأتى بها كلّها. فأدخله الجوالق وأمر الفرّاشين بدقّه، وأنا أرى ذلك كلّه، وهو يصيح. ثمّ انقطع صوته ومات. وأمر به فغرّق فى دجلة وتقدّم إلى بدر بحمل ما فى داره، ووصلني بألف درهم. ثمّ قال لى:
- «يا شيخ أىّ شيء رأيت من أجناس المنكر ولو على هذا- وأشار بيده إلى بدر- فإن لم يقبل منك، فالعلامة بيننا أن تؤذّن فى هذا الوقت، فإنّى أسمع صوتك وأستدعيك وأفعل مثل هذا بمن لا يقبل منك أو يؤذيك.» قال: فدعوت له وانصرفت.
وانتشر الخبر فى غلمان الدار والحاشية ثمّ الأولياء والجند والعامّة. فما خاطبت أحدا منهم بعدها فى إنصاف لأحد أو كفّ عن القبيح، إلّا طاوعنى- كما رأيت- خوفا من المعتضد وما احتجت أن أؤذن فى غير وقت الأذان إلى الآن. [١]
стр. 2127
خلافة المكتفي بالله
وفيها توفّى المعتضد [١] ليلة الإثنين من ربيع الآخر. وفى صبيحتها أحضر دار السلطان عبد الحميد بن عبد العزيز [٢٤] أبو حازم ويوسف بن يعقوب وأبو عمر محمّد بن يوسف، فتولّى غسل المعتضد محمّد بن يوسف، وتولّى الصلاة عليه يوسف بن يعقوب، وحضر الصلاة عليه الوزير القاسم بن عبيد الله وأبو حازم وأبو عمر والخدم والخاصّة.
وجلس القاسم بن عبيد الله بن سليمان فى دار السلطان، وأذن للناس، فعزّوه [٢] بالمعتضد، وهنّأوه بالمكتفى، وتقدّم فى تجديد البيعة للمكتفى بالله، ففعلوا.
وكتب بالخبر إلى المكتفي وكان بالرقّة فتقدّم إلى كاتبه بأخذ البيعة على من فى عسكره، ووضع العطاء لهم. ففعل وشخص إلى بغداد فدخلها وكنّى بلسانه القاسم بن عبيد الله وخلع عليه.
وفى اليوم الثاني من مقدمه هذا هلك عمرو بن الليث الصفّار.
стр. 2128
هلاك عمرو بن الليث الصفّار ذكر الخبر عن هلاكه
وكان المعتضد لمّا امتنع من الكلام عند موته أمر صافيا الحرمي بقتل عمرو بالإشارة والإيماء، ووضع يده على عينه وعلى رقبته، أى: اذبح الأعور. فلم يفعل ذلك صافى لقرب وفاة المعتضد وكره قتله. فلمّا دخل المكتفي سأل القاسم بن عبيد الله عن عمرو:
- «أحيّ هو؟» قال: «نعم.» فسرّ بحياته وقال:
- «أريد أن أحسن إليه.» وكان عمرو يهدى إلى المكتفي ويبرّه برّا [٢٥] كثيرا فأراد مكافأته. فكره القاسم ذلك، ودسّ إلى عمرو من قتله. [١] وفيها كان مقتل بدر غلام المعتضد.
مقتل بدر غلام المعتضد ذكر السبب فى ذلك
كان سبب ذلك [٢] أنّ القاسم بن عبيد الله كان همّ بنقل الخلافة عن ولد المعتضد- وناظر بدرا فى ذلك بعد أن استكتمه واستحلفه. فامتنع بدر وقال:
- «ما كنت لأصرفها عن ولد مولاي وولىّ نعمتي.» فلمّا علم القاسم ألّا سبيل له إلى مخالفة بدر- إذ كان بدر صاحب
стр. 2129
الجيش والمستولى على أمر المعتضد والمطاع فى خدمه- اضطغنها على بدر.
فلمّا حدث بالمعتضد حدث الموت، كان بدر بفارس لأنّه أخرج إلى محاربة طاهر بن محمّد بن عمرو بن الليث، وكان طاهر قد تغلّب على فارس فعقد القاسم للمكتفى عقد الخلافة وبايع له وهو بالرقّة، لما كان بين المكتفي وبين بدر من التباعد والتباغض فى حياة والده.
فقدم المكتفي، وبدر بعد بفارس. فلمّا قدم عمل القاسم فى هلاك بدر حذرا على نفسه أن يطلع بدر المكتفي إذا قدم على ما كان همّ به القاسم.
فوجّه المكتفي جماعة من القواد برسائل وكتب إلى القوّاد الذين مع بدر يأمرهم أن يفارقوا بدرا ويصيروا إلى حضرته وذلك فى السرّ من بدر.
فأوصلت [٢٦] الكتب إليهم. ثمّ وجّه إليه بياسر خادم الموفّق ومعه عشرة آلاف ألف ليفرّقها فى عطاء أصحابه للبيعة للمكتفى، فخرج بها ياسر. فلمّا كان بالأهواز وجّه إليه بدر من قبض المال منه، فرجع ياسر إلى بغداد.
ولمّا وصلت الكتب إلى القوّاد من المكتفي فارق بدرا جماعة منهم وانصرفوا عنه إلى مدينة السلام. فلمّا دخلوا بغداد وصلوا [١] إلى المكتفي وخلع على نيّف وثمانين رجلا وأجاز جماعة من رؤساءهم كلّ واحد بمائة ألف، وأجاز قوما بدون ذلك، وخلع على بعضهم ولم يجزه بشيء. وانصرف بدر قاصدا واسط، واتّصل الخبر بالمكتفى بإقبال بدر. فوكّل بدار بدر وقبض على جماعة من أصحابه وقوّاده فحبسوا مثل نحرير الكبير وعريب الجبلي وغيرهما، وأمر بمحو اسم بدر من الأعلام والتراس، وكان عليها أبو النجم مولى المعتضد بالله.
ودعا المكتفي القوّاد وقال لهم:
стр. 2130
- «لست أؤمّر عليكم أحدا، فمن كانت له حاجة فليلق الوزير، فقد تقدّمت إليه فى قضاء حوائجكم.» وكتب بدر إلى المكتفي كتابا على يد الرنداق [١] وحمله على الجمّازات.
فلمّا وصل إلى المكتفي قبض عليه ووكّل به وأشخص جيشا إلى واسط وقيل: إنّه قدّمهم مقدمة له.
وكان المكتفي أرسل إلى بدر [٢٧] حين فصل من أرض فارس فعرض عليه ولاية [٢] أىّ النواحي شاء إن أحبّ إصبهان أو الرىّ أو الجبل، ويأمره بالمصير إلى أىّ موضع أحبّ من هذه النواحي مع من أحبّ من الفرسان والرجّالة، فيقيم بها واليا عليها معهم. فأبى بدر وقال:
- «لا بدّ لى من المصير إلى باب مولاي.» فوجد القاسم مساغا للقول فيه وقال للمكتفى:
- «قد عرضنا عليه الولايات، فأبى إلّا المجيء.» ثمّ خوّفه غائلته وحرّض المكتفي على محاربته وقال:
- «قد أظهر العصيان واتصل ببدر أنّه قد وكّل بداره وحبس غلمانه.» - «فأيقن بالشرّ فوجّه من تحتال فى تخليص ابنه هلال وحدره إليه.
فوقف القاسم بن عبيد الله على ذلك، فأمر بالتحفّظ به، ودعا أبا خازم القاضي على الشرقيّة، وأمره بالمصير إلى بدر ولقاءه وتطييب نفسه وإعطاءه الأمان من أمير المؤمنين على نفسه وماله وولده. فقال أبو خازم:
- «أحتاج إلى سماع ذلك من أمير المؤمنين حتّى أؤدّيه عنه.» فقال له: «انصرف حتّى أستأذن فى ذلك أمير المؤمنين.»
стр. 2131
ثمّ دعا بأبى عمر محمّد بن يوسف وأمره بمثل الذي أمر به أبا خازم.
فسارع إلى إجابته. ودفع القاسم إلى أبى عمر كتاب أمان عن المكتفي، فمضى به نحو بدر. فلمّا فصل بدر عن واسط ارفضّ عنه أصحابه وأكثر غلمانه [٢٨] وصاروا إلى المكتفي فى الأمان.
وخرج المكتفي إلى مضربه بنهر ديالى ومعه جميع جيوشه فعسكر هناك ولقى أبو عمر محمّد بن يوسف بدرا بالقرب من واسط. فدفع إليه الأمان وخبّره عن المكتفي ثمّ ما قال [١] له القاسم وصاعد معه فى حرّاقة بدر، واستقرّ الأمر بين بدر وبين أبى عمر على أن يدخل بغداد سامعا مطيعا. وعبر بدر دجلة وصار إلى النعمانيّة وأمر أصحابه وغلمانه الذين بقوا معه أن ينزعوا [٢] سلاحهم ولا يحاربوا أحدا وأعلمهم ما ورد عليه به أبو عمر من الأمان. فبينا هو يسير إذ وافاه محمّد بن إسحاق بن كنداجيق [٣] فى شذاءة ومعه جماعة من الغلمان فتحوّل إلى الحرّاقة وسأله بدر عن الخبر فطيّب بنفسه وقال قولا جميلا وهم فى ذلك يؤمّرونه وكان القاسم وصّاه وقال له:
- «إذا اجتمعت مع بدر [٤] فى موضع واحد فأعلمنى.» فوجّه إلى القاسم فأعلمه. فدعا القاسم لؤلؤا أحد غلمان السلطان النجباء، فقال له:
- «قد ندبتك لأمر» .
فقال له:
- «سمعا وطاعة.»
стр. 2132
قال له:
- «امض فتسلّم بدرا من ابن كنداجيق وجئني برأسه.» فمضى فى طيّار حتّى استقبل بدرا ومن معه بناحية سيب بنى كوما.
فتحوّل من الطيّار إلى الحرّاقة وقال لبدر:
- «قم.» قال: «وما الخبر؟» قال: «إنّه لا بأس عليك.» [٢٩] فحوّله إلى طيّاره ومضى به إلى جزيرة، ونحّى الناس ودعا بسيف فاستلّه.
فلمّا أيقن بدر بالقتل سأله أن يمهله حتّى يصلّى ركعتين. فأمهله فصلّاهما، ثمّ قدّمه فضرب عنقه وذلك يوم الجمعة قبل الزوال لستّ خلون من شهر رمضان. ثمّ أخذ رأسه ورجع إلى طيّاره وترك جثّته هناك فبقيت أيّاما ثمّ وجّه عياله من أخذ جثّته سرّا فجعلوها فى تابوت وحملوها أيّام الموسم إلى مكّة فدفنوها بها، وكان أوصى بذلك. وأعتق قبل أن يقتل مماليكه كلّهم وتسلّم السلطان ضياع بدر ودوره ومستغلاته.
وورد الخبر على المكتفي بقتل بدر لتسع خلون من شهر رمضان، فرحل منصرفا إلى مدينة السلام، وجيء برأس بدر، فأمر به فنظّف ووضع فى خزانة الرؤوس. ورجع أبو عمر القاضي إلى داره حزينا كئيبا. فتكلّم الناس فيه، وقالوا أشعارا كثيرة. فممّا قيل فيه:
قل لقاضى مدينة المنصور ... بم أحللت أخذ رأس الأمير
بعد إعطاءه المواثيق والعهد ... وعقد الأمان فى منشور
أين أيمانك الّتى شهد الله ... على أنّها يمين فجور [٣٠]
يا قليل الحياء يا أكذب الأم ... مة يا شاهدا شهادة زور
стр. 2133
ليس هذا فعل القضاة ولا يحسن أمثاله ولاة الجسور
في أبيات كثيرة. [١] وفيها ظهر بالشام رجل جمع جموعا كثيرة من الأعراب وغيرهم، فأتى بهم دمشق وبها طغج بن جفّ من قبل هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون فكانت بينه وبين طغج وقعات وقتل بينهما خلق كثير.
ذكر خبر القرامطة ومبدأ أمرهم ومآله
[٢] كان زكرويه بن مهرويه داعية لقرمط. فلمّا تتابعت من المعتضد توجيه الجيوش إلى سواد الكوفة وألحّ فى طلب القرامطة وأثخن فيهم القتل ورأى أنّه لا مدفع عن أنفسهم عند أهل السواد ولا غناء [٣] سعى فى استغواء من قرب من الكوفة من أعراب أسد وطىّ وتميم وغيرهم ودعاهم إلى رأيه وزعم أنّ من بسواد الكوفة من القرامطة يطابقونهم على أمره إن استجابوا له، فلم يستجيبوا له.
وكانت جماعة من كلب تخفر الطريق على البرّ بالسماوة فيما بين الكوفة ودمشق على طريق تدمر وغيرها. فأرسل زكرويه [٣١] أولاده إليهم فبايعوهم وخالطوهم وانتموا [٤] إلى علىّ بن أبى طالب، وإلى محمّد بن
стр. 2134
إسماعيل بن جعفر، منهم، [١] وذكروا أنّهم خائفون من السلطان وأنّهم لجأوا إليهم. فقبلوهم على ذلك ثمّ دبّوا فيهم بالدعاء إلى رأى القرامطة، فلم يقبل ذلك أحد منهم إلّا الفخذ المعروفة ببني العليص ومواليهم خاصّة، فبايعوا فى آخر سنة تسع وثمانين ومائتين ناحية السماوة ابن زكرويه المسمّى: يحيى والمكنّى: أبا القاسم ولقّبوه: الشيخ على مامويه، وزعم لهم:
أنّه أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل بن جعفر بن محمّد، وأنّ له بالسواد والمشرق والمغرب مائة ألف تابع، وأنّ ناقته التي يركبها مأمورة، وأنّهم إذا اتّبعوها فى مسيرها ظفروا، وتكهّن لهم.
وانحازت إليه جماعة من بنى الإصبع، وأخلصوا له وتسمّوا بالفاطميين، ودانوا بدينهم.
فقصدهم سبك الديلمي مولى المعتضد بناحية الرصافة فى غربىّ الفرات وديار مضر. فاغترّوه وقتلوه وحرّقوا مسجد الرصافة، واعترضوا كلّ قرية اجتازوا بها حتّى صعدوا إلى أعمال الشام، فأناخ عليها وهزم كلّ عسكر لقيه لطغج حتّى حصره فى مدينة دمشق. فأنفذ المصريّون إليه بدرا الكبير وواقعوهم قريبا من دمشق، فقتل يحيى بن زكرويه.
ثمّ دارت الحرب [٣٢] على المصر فانحازت واجتمعت موالي بنى العليص ومن معهم من الأصبعيين على نصب الحسين بن زكرويه أخى المقتول، وزعم لهم أنّه أحمد بن عبد الله بن محمّد، بن إسماعيل بن جعفر بن محمّد وهو ابن نيّف وعشرين سنة. فبايعوه بعد أخيه، وأظهر له شامة فى وجهه ذكر أنّها آيته. وطرأ إليه ابن عمّه عيسى فلقّبه بالمدّثّر، وعهد إليه، وذكر أنّه
стр. 2135
المعنىّ فى السورة التي ذكر فيها المدّثّر، وقلّد غلاما له قتل أسرى المسلمين، ولقّبه المطوّق، وظهر على جند حمص وغيرها من أرض الشام وتسمّى بأمير المؤمنين على منابرها.
وفيها أوقع إسماعيل بن أحمد بمحمّد بن هارون بالرىّ فهزمه وكان فى ثمانية آلاف، فمضى نحو الديلم، ودخل إسماعيل الرىّ وصار ألف رجل من المنهزمة إلى باب السلطان. [١]
ودخلت سنة تسعين ومائتين
وفيها ورد كتاب علىّ بن عيسى من الرقّة يذكر فيها أنّ القرمطى ابن زكرويه وافى في جمع كثير، فخرج إليه جماعة من أصحاب السلطان وبينهم سبك غلام المكتفي، فواقعوه فقتل سبك وانهزم أصحاب السلطان. [٢] ثمّ إنّ طغج بن جفّ أخرج من دمشق [٣٣] جيشا إلى القرمطى عليهم غلام يقال له: بشير، فواقعه القرمطى فهزم الجيش وقتل بشيرا.
ثمّ خلع السلطان على أبى الأغرّ وبعث به لحرب القرمطى بناحية الشام، فمضى في عشرة آلاف إلى حلب. ووردت كتب التجار من دمشق إلى بغداد أنّ القرمطى قد هزم من طغج غير مرّة وقتل أصحابه إلّا القليل وأنّه بقي فى قلّة وامتنع من الخروج وإنّما تجتمع العامّة ثمّ تخرج للقتال وأنّهم قد أشرفوا على الهلكة فاجتمع التجار ومضوا إلى يوسف بن يعقوب فأقرأوه الكتاب وسألوه أن يخبر الوزير ذلك.
стр. 2136
وفيها قوطع صاحب طاهر بن محمّد بن عمرو بن الليث على أموال فارس، ثمّ عقد المكتفي لطاهر على أعمال فارس وخلع على صاحبه وحمل إليه الخلع مع العقد.
وفيها ورد الخبر وكتاب قرأ فى جوامع بغداد بأنّ يحيى بن زكرويه قتله المصريّون على باب دمشق بعد أن اتصلت الحروب بينه وبين جند دمشق ومددهم من أهل مصر وكسر لهم جيوشا وقتل منهم خلقا.
وكان يحيى هذا يدّعى النبوّة والكهانة.
خبر الحسين أخى يحيى بن زكرويه
[١] فلمّا قتل يحيى انحاز أصحابه إلى أخيه الحسين بن زكرويه فطلبوا أخاه في القتلى فلم يجدوه. وكان أخوه قد سبق إليه ودعا الحسين [٣٤] إلى مثل ما دعا إليه أخوه، فأجابه أكثر أهل البوادي وغيرهم من سائر الناس واشتدّت شوكته.
وظهر وصار إلى دمشق، فصالحه أهلها على خراج دفعوه إليه، فانصرف عنهم وسار إلى أطراف حمص فتغلّب عليها وخطب له على منابرها، ثمّ سار إلى حمص فأطاعه أهلها وفتحوا له بابها خوفا على أنفسهم فدخلها. ثمّ سار إلى حماة ومعرّة النعمان وغيرهما فقتل أهلها وقتل النساء والأطفال. ثمّ سار إلى بعلبك فقتل عامّة أهلها حتّى لم يبق منهم إلّا اليسير. ثمّ سار إلى سلمية فحارب أهلها ومنعوه الدخول. ثمّ أعطاهم الأمان ففتحوا له بابها. فدخلها وبدأ بمن فيها من الهاشميين فقتلهم أجمعين، وقتل بعدهم الرجال أجمعين، ثمّ قتل البهائم، وقتل صبيان الكتاتيب، ثمّ خرج منها وليس بها عين
стр. 2137
تطرف [١] وسار فيما حولها يقتل ويسبى ويخيف السبل.
وحكيت عنه حكايات في إباحة الفروج [٢] لأصحابه، وأنّ جماعة منهم كانوا يجتمعون على مرأة واحدة إذا استحسنوها لا يتحاشون ذلك فيما بينهم.
المكتفي والتأهّب للشخوص إلى حرب القرمطىّ
ولليلتين خلتا من شهر رمضان من هذه السنة أمر المكتفي بالله بإعطاء الجند أرزاقهم والتأهّب [٣٥] للشخوص إلى حرب القرمطى بناحية الشام.
فأطلق للجند في دفعة واحدة مائة ألف دينار، وذلك أنّ أهل مصر والشام كتبوا يشكون ما لقوا من ابن زكرويه المعروف بصاحب الشامة، وأنّه قد أخرب البلاد وقتل الناس. وحكوا أشياء عظيمة ممّا لقوه منه ومن أخيه قبله وقتلهم الرجال، وأنّه لم يبق منهم إلّا عدد قليل.
فأخرجت مضارب المكتفي فضربت بباب الشمّاسية ومعه قوّاده وغلمانه وجيوشه.
ثمّ رحل وسلك طريق الموصل ومضى أبو الأغرّ، فنزل وادي بطنان قريبا من حلب. فلمّا استقرّ ونزل معه جميع من معه نزع أكثرهم ثيابهم ودخلوا الوادي يتبرّدون بمائه وكان يوما شديد الحرّ. فبينا هم كذلك إذ وافاهم جيش القرمطى صاحب الشامة وقد تقدّمهم المطوّق فكبسهم على تلك الحال، فقتل منهم خلقا كثيرا وانتهب العسكر، وأفلت أبو الأغرّ فدخل حلب، وأفلت معه ألف رجل وكانوا عشرة آلاف.
وصار القرمطى إلى باب حلب فحاربهم أبو الأغرّ فيمن بقي معه من أصحابه وأهل البلد، فذهبوا وانصرفوا عنه بما أخذوا من عسكره من الكراع
стр. 2138
والسلاح والأموال والمتاع بعد حرب كانت بينهم. [٣٦] ومضى المكتفي بمن معه من الجيش حتّى انتهوا إلى الرقّة فنزلها وسرّح الجيوش إلى القرمطى جيشا بعد جيش.
ثمّ ورد كتاب من بدر الحمامي صاحب ابن طولون يخبر فيه، أنّه واقع القرمطى صاحب الشامة فهزمه ووضع في أصحابه السيف ومضى من أفلت منهم نحو البادية، وأنّ أمير المؤمنين وجّه في إثره الحسين بن حمدان بن حمدون.
وورد كتاب آخر من البحرين من ابن بانو يذكر فيه أنّه واقع قرابة لأبى سعيد الجنّابى وولىّ عهده من بعده فهزمه وكان مقامه بالقطيف فوجد قتيلا بين القتلى، فاحتزّ رأسه، وأنّه افتتح القطيف فدخلها.
وفيها وجّه القاسم بن عبيد الله الجيوش إلى صاحب الشامة، وولّى حربه محمّد بن سليمان الكاتب وكان إليه ديوان الجيش، وضمّ إليه جميع القوّاد وكتب إلى من تقدّمه من القوّاد بالانضمام إليه وأن يسمع الجميع له ويطيعوه.
ودخلت سنة إحدى وتسعين ومائتين
ولمّا توجّه محمّد بن سليمان مع جيوش المكتفي وتولّى حرب صاحب الشامة، والمكتفي بالرقّة، كتب إليه بمناهضة صاحب الشامة بمن معه فنهض إليه. [٣٧]
ذكر مسيره وظفره بالقرمطى
[١] فلمّا صار بينه وبين حماة اثنا عشر ميلا لقوا أصحاب القرمطى. وكان
стр. 2139
القرمطى قدّم أصحابه وتخلّف هو فى جماعة من أصحابه لأجل حفظ مال كان جمعه وجعل سواده وراءه. فالتحمت الحرب بين العسكرين واشتدّت، فهزم أصحاب القرمطى فقتلوا وأسر منهم خلق كثير وتفرّق الباقون فى البوادي، وتبعهم السلطان.
فلمّا رأى القرمطى هزيمة أصحابه حمّل فيما قيل أخا له يكنّى أبا الفضل مالا وتقدّم إليه أن يلحق بالبوادي إلى أن يظهر فى موضع فيصير. إليه وركب هو وابن عمّه المسمّى: المدّثّر والمطوّق صاحبه وغلام له رومىّ وأخذ دليلا وسار يريد الكوفة عرضا في البرّيّة حتّى انتهى إلى موضع يعرف بالدالية من أعمال الفرات وقد نفد ما كان معهم من الزاد، فوجّه بعض من كان معه ليأخذ لهم بعض ما يحتاجون إليه.
فدخل الدالية المعروفة بدالية ابن طوق ليشتري ما يحتاج إليه فأنكر زيّه وسئل عن أمره فجمجم [١] فأعلم المتولّى مسلحة هذه الناحية خبره، وكان يعرف بأبى خبزة خليفة ابن كشمرد عامل [٣٨] المكتفي بالرحبة وطريق الفرات. فركب فى جماعة وسأل هذا الرجل عن خبره وهدّده فأخبره أنّ صاحب الشامة خلف رابية هنالك فى ثلاثة نفر. فمضى إليهم فأخذهم وصار بهم إلى صاحبه. فوجّه بهم ابن كشمرد إلى المكتفي بالرقّة.
ورجعت الجيوش من الطلب بعد أن قتلوا وأسروا أكثر أولياء القرمطى وأشياعه.
وكتب محمّد بن سليمان بالفتح وكان المباشر للحرب وصاحب الظفر الحسين بن حمدان فقرّظه [٢] محمّد بن سليمان فى كتاب الفتح وأثنى عليه وعلى أصحابه.
стр. 2140
وأدخل صاحب الشامة إلى الرقّة ظاهرا للناس على فالج وعليه برنس حرير ودرّاعة ديباج وبين يديه المدّثّر والمطوّق على جملين.
رجوع المكتفي إلى بغداد بالقرمطىّ والمدّثّر والمطوّق وعاقبة أمرهم
ثمّ إنّ المكتفي خلّف عساكره مع محمّد بن سليمان وشخص هو فى خاصّته وغلمانه وشخص معه القاسم بن عبيد الله من الرقّة إلى بغداد وحمل معه القرمطى والمدّثّر والمطوّق وحمل من أسر فى الوقعة، وذلك فى أوّل صفر من هذه السنة.
وأراد المكتفي أن يدخل القرمطى إلى بغداد على دقل [١] منصوب على ظهر الفيل، فلم يمكن ذلك إلّا بهدم طاقات للأبواب التي يجتاز بها الفيل مثل باب الطاق [٣٩] وباب الرصافة. ثمّ استسمج [٢] الهدم فعمل حينئذ كرسىّ نصب على ظهر الفيل وكان ارتفاع الكرسىّ ذراعين ونصفا ودخل المكتفي بغداد وقدّم الأسرى بين يديه على جمال مقيّدين عليهم دراريع حرير وبرانس حرير والمطوّق وسطهم [٣] غلام ما خرجت لحيته قد جعل فى فيه خشبة مخروطة وشدّت إلى قفاه كهيئة اللجام، وذلك أنّه لمّا دخل الرقّة كان يشتم الناس إذا دعوا عليهم ويبصق عليهم، ففعل ذلك به ببغداد. ثمّ أمر المكتفي ببناء دكّة فى المصلّى العتيق من الجانب الشرقىّ تكسيرها عشرون ذراعا فى عشرين ذراعا، وارتفاعها نحو من عشرة أذرع، وبنى لها درج يصعد إليها.