← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

وفيها قوطع صاحب طاهر بن محمّد بن عمرو بن الليث على أموال فارس، ثمّ عقد المكتفي لطاهر على أعمال فارس وخلع على صاحبه وحمل إليه الخلع مع العقد. وفيها ورد الخبر وكتاب قرأ فى جوامع بغداد بأنّ يحيى بن زكرويه قتله المصريّون على باب دمشق بعد أن اتصلت الحروب بينه وبين جند دمشق ومددهم من أهل مصر وكسر لهم جيوشا وقتل منهم خلقا. وكان يحيى هذا يدّعى النبوّة والكهانة. خبر الحسين أخى يحيى بن زكرويه [١] فلمّا قتل يحيى انحاز أصحابه إلى أخيه الحسين بن زكرويه فطلبوا أخاه في القتلى فلم يجدوه. وكان أخوه قد سبق إليه ودعا الحسين [٣٤] إلى مثل ما دعا إليه أخوه، فأجابه أكثر أهل البوادي وغيرهم من سائر الناس واشتدّت شوكته. وظهر وصار إلى دمشق، فصالحه أهلها على خراج دفعوه إليه، فانصرف عنهم وسار إلى أطراف حمص فتغلّب عليها وخطب له على منابرها، ثمّ سار إلى حمص فأطاعه أهلها وفتحوا له بابها خوفا على أنفسهم فدخلها. ثمّ سار إلى حماة ومعرّة النعمان وغيرهما فقتل أهلها وقتل النساء والأطفال. ثمّ سار إلى بعلبك فقتل عامّة أهلها حتّى لم يبق منهم إلّا اليسير. ثمّ سار إلى سلمية فحارب أهلها ومنعوه الدخول. ثمّ أعطاهم الأمان ففتحوا له بابها. فدخلها وبدأ بمن فيها من الهاشميين فقتلهم أجمعين، وقتل بعدهم الرجال أجمعين، ثمّ قتل البهائم، وقتل صبيان الكتاتيب، ثمّ خرج منها وليس بها عين

стр. 2137

تطرف [١] وسار فيما حولها يقتل ويسبى ويخيف السبل. وحكيت عنه حكايات في إباحة الفروج [٢] لأصحابه، وأنّ جماعة منهم كانوا يجتمعون على مرأة واحدة إذا استحسنوها لا يتحاشون ذلك فيما بينهم. المكتفي والتأهّب للشخوص إلى حرب القرمطىّ ولليلتين خلتا من شهر رمضان من هذه السنة أمر المكتفي بالله بإعطاء الجند أرزاقهم والتأهّب [٣٥] للشخوص إلى حرب القرمطى بناحية الشام. فأطلق للجند في دفعة واحدة مائة ألف دينار، وذلك أنّ أهل مصر والشام كتبوا يشكون ما لقوا من ابن زكرويه المعروف بصاحب الشامة، وأنّه قد أخرب البلاد وقتل الناس. وحكوا أشياء عظيمة ممّا لقوه منه ومن أخيه قبله وقتلهم الرجال، وأنّه لم يبق منهم إلّا عدد قليل. فأخرجت مضارب المكتفي فضربت بباب الشمّاسية ومعه قوّاده وغلمانه وجيوشه. ثمّ رحل وسلك طريق الموصل ومضى أبو الأغرّ، فنزل وادي بطنان قريبا من حلب. فلمّا استقرّ ونزل معه جميع من معه نزع أكثرهم ثيابهم ودخلوا الوادي يتبرّدون بمائه وكان يوما شديد الحرّ. فبينا هم كذلك إذ وافاهم جيش القرمطى صاحب الشامة وقد تقدّمهم المطوّق فكبسهم على تلك الحال، فقتل منهم خلقا كثيرا وانتهب العسكر، وأفلت أبو الأغرّ فدخل حلب، وأفلت معه ألف رجل وكانوا عشرة آلاف. وصار القرمطى إلى باب حلب فحاربهم أبو الأغرّ فيمن بقي معه من أصحابه وأهل البلد، فذهبوا وانصرفوا عنه بما أخذوا من عسكره من الكراع

стр. 2138

والسلاح والأموال والمتاع بعد حرب كانت بينهم. [٣٦] ومضى المكتفي بمن معه من الجيش حتّى انتهوا إلى الرقّة فنزلها وسرّح الجيوش إلى القرمطى جيشا بعد جيش. ثمّ ورد كتاب من بدر الحمامي صاحب ابن طولون يخبر فيه، أنّه واقع القرمطى صاحب الشامة فهزمه ووضع في أصحابه السيف ومضى من أفلت منهم نحو البادية، وأنّ أمير المؤمنين وجّه في إثره الحسين بن حمدان بن حمدون. وورد كتاب آخر من البحرين من ابن بانو يذكر فيه أنّه واقع قرابة لأبى سعيد الجنّابى وولىّ عهده من بعده فهزمه وكان مقامه بالقطيف فوجد قتيلا بين القتلى، فاحتزّ رأسه، وأنّه افتتح القطيف فدخلها. وفيها وجّه القاسم بن عبيد الله الجيوش إلى صاحب الشامة، وولّى حربه محمّد بن سليمان الكاتب وكان إليه ديوان الجيش، وضمّ إليه جميع القوّاد وكتب إلى من تقدّمه من القوّاد بالانضمام إليه وأن يسمع الجميع له ويطيعوه. ودخلت سنة إحدى وتسعين ومائتين ولمّا توجّه محمّد بن سليمان مع جيوش المكتفي وتولّى حرب صاحب الشامة، والمكتفي بالرقّة، كتب إليه بمناهضة صاحب الشامة بمن معه فنهض إليه. [٣٧] ذكر مسيره وظفره بالقرمطى [١] فلمّا صار بينه وبين حماة اثنا عشر ميلا لقوا أصحاب القرمطى. وكان

стр. 2139

القرمطى قدّم أصحابه وتخلّف هو فى جماعة من أصحابه لأجل حفظ مال كان جمعه وجعل سواده وراءه. فالتحمت الحرب بين العسكرين واشتدّت، فهزم أصحاب القرمطى فقتلوا وأسر منهم خلق كثير وتفرّق الباقون فى البوادي، وتبعهم السلطان. فلمّا رأى القرمطى هزيمة أصحابه حمّل فيما قيل أخا له يكنّى أبا الفضل مالا وتقدّم إليه أن يلحق بالبوادي إلى أن يظهر فى موضع فيصير. إليه وركب هو وابن عمّه المسمّى: المدّثّر والمطوّق صاحبه وغلام له رومىّ وأخذ دليلا وسار يريد الكوفة عرضا في البرّيّة حتّى انتهى إلى موضع يعرف بالدالية من أعمال الفرات وقد نفد ما كان معهم من الزاد، فوجّه بعض من كان معه ليأخذ لهم بعض ما يحتاجون إليه. فدخل الدالية المعروفة بدالية ابن طوق ليشتري ما يحتاج إليه فأنكر زيّه وسئل عن أمره فجمجم [١] فأعلم المتولّى مسلحة هذه الناحية خبره، وكان يعرف بأبى خبزة خليفة ابن كشمرد عامل [٣٨] المكتفي بالرحبة وطريق الفرات. فركب فى جماعة وسأل هذا الرجل عن خبره وهدّده فأخبره أنّ صاحب الشامة خلف رابية هنالك فى ثلاثة نفر. فمضى إليهم فأخذهم وصار بهم إلى صاحبه. فوجّه بهم ابن كشمرد إلى المكتفي بالرقّة. ورجعت الجيوش من الطلب بعد أن قتلوا وأسروا أكثر أولياء القرمطى وأشياعه. وكتب محمّد بن سليمان بالفتح وكان المباشر للحرب وصاحب الظفر الحسين بن حمدان فقرّظه [٢] محمّد بن سليمان فى كتاب الفتح وأثنى عليه وعلى أصحابه.

стр. 2140

وأدخل صاحب الشامة إلى الرقّة ظاهرا للناس على فالج وعليه برنس حرير ودرّاعة ديباج وبين يديه المدّثّر والمطوّق على جملين. رجوع المكتفي إلى بغداد بالقرمطىّ والمدّثّر والمطوّق وعاقبة أمرهم ثمّ إنّ المكتفي خلّف عساكره مع محمّد بن سليمان وشخص هو فى خاصّته وغلمانه وشخص معه القاسم بن عبيد الله من الرقّة إلى بغداد وحمل معه القرمطى والمدّثّر والمطوّق وحمل من أسر فى الوقعة، وذلك فى أوّل صفر من هذه السنة. وأراد المكتفي أن يدخل القرمطى إلى بغداد على دقل [١] منصوب على ظهر الفيل، فلم يمكن ذلك إلّا بهدم طاقات للأبواب التي يجتاز بها الفيل مثل باب الطاق [٣٩] وباب الرصافة. ثمّ استسمج [٢] الهدم فعمل حينئذ كرسىّ نصب على ظهر الفيل وكان ارتفاع الكرسىّ ذراعين ونصفا ودخل المكتفي بغداد وقدّم الأسرى بين يديه على جمال مقيّدين عليهم دراريع حرير وبرانس حرير والمطوّق وسطهم [٣] غلام ما خرجت لحيته قد جعل فى فيه خشبة مخروطة وشدّت إلى قفاه كهيئة اللجام، وذلك أنّه لمّا دخل الرقّة كان يشتم الناس إذا دعوا عليهم ويبصق عليهم، ففعل ذلك به ببغداد. ثمّ أمر المكتفي ببناء دكّة فى المصلّى العتيق من الجانب الشرقىّ تكسيرها عشرون ذراعا فى عشرين ذراعا، وارتفاعها نحو من عشرة أذرع، وبنى لها درج يصعد إليها.

стр. 2141

وكان محمّد بن سليمان لمّا خلّفه المكتفي بالرقّة يلقط من كان فى تلك النواحي من قوّاد القرمطى وقضاته وأصحاب شرطه فأخذهم وقيّدهم وانحدر مع من معه من الجيش إلى بغداد على طريق الفرات، وأمر القوّاد الذين ببغداد بتلقى محمّد بن سليمان والدخول معه. فدخل بغداد وبين يديه الأسراء حتّى صار إلى الثريّا فخلع عليه وطوّق بطوق من ذهب وسوّر بسوارين من ذهب وخلع على جميع القوّاد وسوّروا. [٤٠] ثم إنّ صاحب الشامة أخذ وهو فى الحبس سكرّجة عن المائدة التي تدخل إليه فكسرها وأخذ شظيّة منها فقطع بها بعض عروقه من يد نفسه فخرج منه دم كثير ثمّ شدّ يده فلمّا وقف المتولّى خدمته على ذلك منه سأله: - «لم فعل ذلك؟» فقال: «هاج بى الدم فأخرجته.» فترك حتّى صلح ورجعت إليه قوّته. ثمّ أمر المكتفي القوّاد والغلمان بحضور الدكّة التي أمر ببنائها، وخرج من الناس خلق كثير لحضورها فحضروها. فحمل الأسرى وقوم كانوا ببغداد على رأى القرامطة وقوم من الرفوع [١] من سائر البلدان من غير القرامطة، فجيء بهم على جمال ووكّل بهم على كلّ رجل اثنان. ويقال إنّهم كانوا ثلاثمائة وستين. وجيء بالقرمطى الحسين بن زكرويه المعروف بصاحب الشامة وابن عمّه المعروف بالمدّثّر على بغل عماريّة وقد أسبل عليهما الغشاء ومعهما جماعة من الفرسان والرجّالة. فصعد بهما إلى الدكّة وأقعدا، ثمّ قدّم بين يديه جماعة

стр. 2142

فقطعت أيديهم وأرجلهم وضربت أعناقهم كان يؤخذ الواحد فيبطح على وجهه فتقطع يمنى يديه ويحلّق بها إلى أسفل ليراها الناس، ثمّ رجله اليسرى ثمّ يده اليسرى ثمّ رجله اليمنى، ويحلّق بما يقطع إلى أسفل، ثمّ يقعد [٤١] فيمدّ رأسه فيضرب عنقه ويرمى برأسه وجثّته. وكانت جماعة قليلة من الأسرى يضجّون ويستغيثون ويزعمون أنّهم ليسوا من القرامطة. ثمّ قدّم المدّثّر ففعل به ذلك ثمّ قدّم القرمطى فضرب مائتي سوط ثمّ قطعت يداه ورجلاه وكوى فغشى عليه ثمّ أخذ خشب فأضرمت عليه النار ووضع فى خواصره وبطنه فجعل يفتح عينيه ثمّ يغمضهما. فلمّا خافوا أن يموت ضربت عنقه. وانصرف القوّاد وأكثر النظّارة وأقام صاحب الشرطة إلى وقت العشاء الآخرة حتّى ضربت أعناق باقى الأسرى ثمّ انصرف. فلمّا كان الغد حملت الرؤوس إلى الجسر، وصلب بدن القرمطى هناك، أعنى الجسر وحفرت لأجساد القتلى آبار إلى جانب الدكّة فطرحت فيها وطمّت، ثمّ هدمت الدكّة عليها. ثمّ استأمن قوم من القرامطة إلى القاسم بن سيما خوفا من القاسم [١] فقتلوا وأجريت لهم الأرزاق. فلمّا أمنوا همّوا بالغدر فوضعت فيهم السيوف وقتلوا كلّهم. ثمّ ذلّوا وارتدع قوم من بنى العليص ولزموا أرض السماوة مدّة حتّى راسلهم الخبيث زكرويه وأعلمهم أنّ ممّا أوحى إليه أنّ المعروف بالشيخ وأخاه يقتلان، فإنّ إمامه الذي يوحى إليه يظهر [٤٢] بعدهما ويظفر. وفيها خلع المكتفي على محمّد بن سليمان كاتب الجيش وعلى جماعة من القوّاد منهم محمّد بن إسحاق بن كنداجيق وأبو الأغرّ خليفة ابن المبارك وابن كيغلغ وغيرهم وأمرهم بالسمع والطاعة لمحمّد بن سليمان فخرجوا

стр. 2143

معسكرين نحو دمشق ومصر لقبض الأعمال من هارون بن خمارويه لما تبيّن من ضعفه وذهاب رجاله بقتل من قتل القرمطى. وكان عدّة من مع محمّد بن سليمان لمّا دخل من باب الشمّاسية عشرة آلاف رجل. ودخلت سنة اثنتين وتسعين ومائتين محمد بن سليمان يخرج لحرب هارون بن خمارويه وفى المحرّم منها صار محمّد بن سليمان إلى حدود مصر لحرب هارون بن خمارويه. ووجّه المكتفي دميانة من بغداد وأمره بركوب البحر والمضىّ إلى مصر ودخول النيل وقطع الموادّ عمّن بمصر. ففعل ذلك وضيّق عليهم. وزحف محمّد بن سليمان إليهم في الجيوش على الظهر حتّى دنا من الفسطاط وكاتب القوّاد الذين بها. فكان أوّل من خرج إليه بدرا الحمّامىّ [١] ، وكان رئيس القوم، فكسرهم ذلك، ثمّ تتابع من يستأمن إليه من قوّاد المصريّين. فلمّا رأى ذلك هارون وبقية من معه زحفوا إلى محمّد بن [٤٣] سليمان فكانت بينهم وقعات. ثمّ وقع من أصحاب هارون عصبيّة فاقتتلوا وخرج هارون يسكّنهم فرماه واحد برانة [٢] فقتله. وبلغ الخبر محمّد بن سليمان، فدخل بمن معه الفسطاط واحتوى على آل طولون وأسبابهم فقيّدهم واستصفى أموالهم، وكتب بالفتح فكوتب بأن يشخصهم إلى بغداد، ولا يترك أحدا منهم بمصر ولا بالشام ففعل. ثمّ إنّ قائدا من قوّاد مصر يعرف بالخليجى تخلّف عن محمّد بن سليمان فى آخر حدود مصر واستمال جماعة من الجند وعاد إلى مصر وحشر فى طريقه جماعة من محبّي الفتنة حتّى كثر جمعه وواقع عامل السلطان بها، وهو عيسى النوشرى، فانحاز عنه

стр. 2144

وأخلى مصر. فدخلها الخليجي فندب السلطان لمحاربة الخليجي. فاتكأ مولى المعتضد وضمّ إليه بدرا الحمّامى وجعله مشيرا [١] عليه فيما يعمل به وضمّ إليه قوّادا وجندا كثيرا وأمر بسرعة السير. ودخلت سنة ثلاث وتسعين ومائتين وفيها ورد الخبر بأنّ الخليجي المتغلّب على مصر واقع كيغلغ وجماعة من القوّاد بالقرب [٤٤] من العريش فهزمهم أقبح هزيمة. وفيها ورد بغداد قائد من أصحاب طاهر بن محمّد بن عمرو بن الليث الصفّار مستأمنا يعرف بأبى القابوس مفارقا عسكر السجزيّة مع جماعة كثيرة من أصحابه. ذكر السبب فى ذلك كان السبب في ذلك أنّ طاهر بن محمّد بن عمرو بن الليث تشاغل باللهو والصيد ومضى إلى سجستان للصيد والنزهة فاستولى على فارس الليث بن علىّ بن الليث وسبكرى مولى عمرو بن الليث، فدبّر الأمور والإسم لطاهر، فوقع بينهما وبين أبى قابوس خلاف، فصار إلى باب السلطان فقبله وخلع عليه وعلى جماعة معه وأكرمه. وكتب طاهر إلى السلطان يسأله ردّ أبى قابوس إليه ويذكر أنّه كان استكفاه بعض أعمال فارس، وأنّه جبى المال فخرج به معه ويسأله، إن لم يردّ إليه، أن يحتسب له بما ذهب به من مال فارس ممّا صودر عليه. فلم يجبه السلطان إلى شيء من ذلك.

стр. 2145

ظهور أخ للحسين بن زكرويه صاحب الشامة وفيها ظهر أخ للحسين بن زكرويه صاحب الشامة فى طريق الفرات، واجتمع إليه نفر من الأعراب فسار إلى ناحية دمشق [٤٥] على طريق البرّ، فعاث وسلك سبيل أخيه فندب للخروج إليه الحسين بن حمدان، فخرج فى جماعة من الجند. ثمّ ورد الخبر بمصير هذا القرمطى إلى طبريّة وأنّ أهلها امتنعوا عليه فحاربهم فقتل عامّة من بها من الرجال والنساء ونهبها. وكان لهم داعية بنواحي اليمن فصار إلى مدينة صنعاء فحاربه أهلها فظفر بهم وقتلهم ولم يفلت منهم إلّا القليل وتغلّب على سائر مدن اليمن. ثمّ إنّ زكرويه بن مهرويه [١] بعد ما قتل ابنه صاحب الشامة أنفذ صاحبا له معلّما كان يعلّم الصبيان يسمّى: عبد الله بن سعيد ويكنّى: أبا غانم فتسمّى: نصرا ليعمّى أمره. فاستغوى طائفة من بطون كلب وقوم من بنى العليص، فقصد دمشق وأحمد بن كيغلغ يحارب ابن الخليجي الذي ذكرنا أمره. فاغتنم ذلك عبد الله وسار إلى مدينتي بصرى وأذرعات من كور حوران والبثنيّة، [٢] فحارب أهلها ثمّ آمنهم. فلمّا استسلموا له قتل مقاتلتهم وسبى ذرارّيهم وأخذ أموالهم. فقصدوا طبريّة فواقعهم عامل أحمد بن كيغلغ فكسروه، ثمّ بذلوا الأمان، فلمّا سكن إليهم [٤٦] غدروا به وقتلوه وانتهبوا مدينة الأردن وسبوا النساء والصبيان وقتلوا الرجال. واتصل بهم مسير الحسين بن حمدان نحوهم فخرجوا نحو السماوة وتبعهم الحسين فى برّيّة السماوة وهم ينتقلون من ماء إلى ماء ويعورونه حتّى انقطع الحسين عن اتباعه لعدم الماء فعاد إلى الرحبة وأسرى القرامطة إلى هيت،

стр. 2146

فنهبت ربضها وقتلت وأحرقت وانتهبت السفن التي فى الفرات، فأوقرت ثلاثة ألف راحلة كانت معها زهاء مائتي كرّ حنطة ومن البزّ والعطر والسّقط جميع ما احتاجوا إليه وأقاموا بها يومين. ثمّ رحلوا عنها ولمّا أصابوا ما أصابوا من الربض وتحصّن منهم أهل المدينة بسورها وندب لهم محمّد بن إسحاق بن كنداجيق ثمّ اتبع بمونس الخازن فهرب القرامطة وكتب إلى الحسين بن حمدان أن يقصدهم من ناحية الرحبة ليجتمع هو وابن كنداجيق على الإيقاع بهم. فلمّا أحسّ الكلبيّون بالجند قد قصدوهم ائتمروا بينهم، فوثبوا على المسمّى: نصرا وقتلوه وتقرّبوا به إلى السلطان ورئيسهم رجل يعرف بالذئب فأسنيت له الجائزة وكفّ [٤٧] عن طلب قومه فمكث أيّاما ثمّ هرب. فكتب السلطان إلى الحسين بن حمدان فى معاودتهم واجتثاث أصولهم. فبعث إليهم زكرويه داعية له يعلمهم أنّ الذئب قد نفّره عنهم وثقّل قلبه عليهم وأنّهم قد ارتدّوا عن الدّين، وأنّ وقت ظهورهم قد حضر وقد بايع له بالكوفة أربعون ألفا، وأنّ يوم موعدهم اليوم الذي ذكره الله تعالى وهو يوم الزينة [١] وأنّ زكرويه يأمرهم أن يخفوا أمرهم ويظهروا الانقلاع نحو الشام، ثمّ يسيروا إلى الكوفة حتّى يصبّحوها يوم النحر، فإنّهم لا يمنعون منها وأنّه يظهر لهم وينجز وعده الذي كانت رسله تأتيهم به وأن يحملوا داعيتهم وهو القاسم بن أحمد معهم. فامتثلوا أمره ووافوا باب الكوفة وقد انصرف الناس عن مصلّاهم. وكان إسحاق بن عمران عامل السلطان بها فأوقعوا بمن لحقوه وسلبوهم وبادر الناس إلى الكوفة وتنادوا بالسلاح ونهض إسحاق بن عمران فى

стр. 2147

أصحابه، فدخل مدينة الكوفة من القرامطة نحو مائة فارس من الباب المعروف بباب كندة، فاجتمعت العوامّ وأصحاب السلطان [٤٨] فرموهم بالحجارة وألقوا عليهم السّتر فقتل منهم جماعة وأخرجوهم عن المدينة ثمّ صافّهم إسحاق خارج المدينة وأمر أهل المدينة بالتحارس فلم تزل الحرب قائمة إلى العصر وانهزمت القرامطة وأصلح أهل الكوفة السور والخندق. وكتب إسحاق يستمدّ السلطان فأمدّه بجماعة من القوّاد فيهم وصيف بن صوراتكين والفضل بن موسى بن بغا وجنى الصفواني وجماعة أمثالهم، فشخصوا إلى زكرويه وخلّفوا إسحاق بن عمران بالكوفة لضبطها وصاروا إلى قريب من القادسيّة إلى موضع يعرف بالصوان [١] وهو فى العرض، فلقيهم زكرويه هناك فصافّوه واشتدّت الحرب فكانت الدبرة فى أوّل الأمر على القرمطى. وكان زكرويه قد كمن لهم كمينا فخرج الكمين عليهم فانهزم أصحاب السلطان أقبح هزيمة ووضع القرمطى فيهم السيف فقتلوهم كيف شاءوا وصبر جماعة من غلمان الحجر، فقتلوا عن آخرهم بعد أن نكوا فى القرامطة نكاية عظيمة. وأخذ للسلطان من الجمّازات التي عليها السلاح والآلة ثلاثمائة جمّازة ومن البغال خمسمائة بغل، فقتل من أصحاب السلطان نحو ألفىّ رجل. فقوى القرمطى ثمّ تطرّق البيادر فأخذ من الغلّات ما حملت البغال. ووافى قوم [٤٩] من العرب باب الكوفة فدخلوا أبياتها وكانوا ضربوا على الداعية الذي يقال له: القاسم بن أحمد قبّة ودعوا: - «يا لثارات الحسين.» يعنون الحسين بن زكرويه المصلوب وشعارهم:

стр. 2148

- «يا أحمد يا محمّد.» يعنون ابني زكرويه المقتولين، وأظهروا أعلاما بيضا وقدّروا أنّهم يستغوون الرعاع بالكوفة لما أظهروه. فأسرع إسحاق بن عمران ومن معه نحوهم فدفعهم وقتل من ثبت له منهم وعاونه أهل البلد فانصرف عنهم القرامطة وما تمّت حيلتهم. وكان زكرويه قد ظهر فى أهل قرية الصوان ينقلونه على أيديهم ويسمّونه: ولىّ الله، فلمّا رأوه سجدوا له فقال لهم: - «إنّ القاسم بن أحمد أعظم الناس منّة عليهم، فإنّه ردّكم إلى الدين بعد خروجكم منه.» وتقدّم إليهم بأن يمتثلوا أمره، فإنّه حينئذ ينجز مواعيده [١] ويبلّغهم آمالهم. وتلا عليهم آيات من القرآن رمزها لهم، فاغترّوا به وقويت قلوبهم وأيقنوا بالنصر وبلوغ الأمل. وسار بهم وهو محجوب عنهم يدعونه: السيّد، ولا يبرزونه لمن فى عسكره والقاسم يتولّى الأمور دونه ويمضيها على رأيه. وكان عنده أنّ أهل الكوفة وسوادها يخرجون إليه، فأعلم أصحابه ذلك وأقام نيّفا وعشرين سنة يبثّ رسله فى السواد فلم يلحق به [٥٠] إلّا خمسمائة رجل ممّن لحقته الشهوة بنسائهم وأولادهم. [٢] وسرّب إليه السلطان الجنود وتسرّع إليه جماعة من القوّاد منهم جنى الصفوانىّ وبشر الأفشينى ورائق فتى أمير المؤمنين والحجريّة من الغلمان، فأوقعوا بالقرامطة وقتلوا جماعة من فرسانهم ورجّالتهم فأسلموا بيوتهم فانهزموا، ودخلوا البيوت وتشاغلوا بها. فعطفت القرامطة عليهم فهزموهم. وأعظم الناس ما جرى على أصحاب السلطان بالصوان وغيرها، وأهمّ

стр. 2149

السلطان أمر مصر بسبب ابن الخليجي. فأمر المكتفي بإخراج مضاربه إلى باب الشمّاسيّة ثمّ وردت خريطة من قبل فاتك يذكر أنّهم رجعوا إلى ابن الخليجي، فكانت بينهم وقعات وحروب. وفى آخرها هزم ابن الخليجي وقتل أصحابه وإنّه هرب إلى مصر ودخل الفسطاط فاستتر بها عند رجل من أهل البلد، ودخل أصحاب السلطان الفسطاط فاستثاروه [١] وجمع من كان بالبلد. فكتب إلى فاتك بحمل ابن الخليجي ومن أسر معه إلى بغداد. وردّت مضارب المكتفي بالله إلى بغداد فحمل ابن الخليجي إلى بغداد مع أحد وعشرين رجلا على الجمال مشهرين ببرانس ودراريع حرير. وخلع المكتفي على وزيره العبّاس بن الحسن خلعا [٥١] لحسن تدبيره فى هذا الفتح. [٢] ثمّ حمل رأس القرمطى المسمّى نصرا الذي انتهب هيت منصوبا على قناة فطيف به فى الجانبين. ودخلت سنة أربع وتسعين ومائتين زكرويه وقصده قافلة الحجيج وفيها ورد الخبر بأنّ زكرويه بن مهرويه القرمطى ارتحل من موضعه يريد الحاجّ. فذكر أنّه مضى فى البرّ من جهة المشرق قريبا من الواقصة ووافت القافلة واقصة لسبع خلون من المحرّم. فأنذرهم أهل المنزل وأخبروهم أنّ بينهم وبين القوم أربعة أميال فلم يقيموا وارتحلوا فنجوا. فأمعنت القافلة فى السير وصار القرمطى إلى واقصة فسألهم عن القافلة، فأخبروه أنّها لم تقم بواقصة، فاتّهمهم بإنذارهم فقتل من العلّافين بها جماعة وأحرق العلف وتحصّن أهلها فى حصنهم. ثمّ ارتحل نحو زبالة وسارت العساكر فى طلب

стр. 2150

زكرويه مدّة ثمّ انصرفت عنه. ومرّ زكرويه فى طريقه بطوائف من بنى أسد فأخذها معه وقصد الحاجّ المنصرفين عن مكّة وقصد الجادّة، ثمّ اعترضهم يوم الأحد لإحدى عشرة خلت من المحرّم من هذه السنة بالعقبة [٥٢] من طريق مكّة فحاربوه حربا شديدة فسايلهم وقال: - «أفيكم السلطان؟» قالوا: «نعم معنا سلطان ونحن الحاجّ.» فقال لهم: - «فامضوا فلست أريدكم.» فلمّا سارت القافلة تبعها فأوقع بهم وجعل أصحابه ينخسون الجمال بالرماح ويبعجونها بالسيوف، فنفرت واختلطت القافلة وأكبّ أصحاب زكرويه على الحاجّ يقتلونهم كيف شاءوا فقتلوا الرجال والنساء وسبوا من النساء من أرادوا واحتووا على ما فى القافلة. وقد كان لقى بعض من أفلت من هذه القافلة علّان بن كشمرد وكان فى قطعة من فرسان جيش السلطان أعدّ لقصد القرامطة، فسأله عن الخبر فأعلمه ما نزل بقافلة الخراسانية وقال: - «ما بينك وبين القوم إلّا قليل، والليلة أو فى غد توافى القافلة الثانية، فإن رأوا علما للسلطان قويت نفوسهم والله الله فيهم.» فرجع علّان من ساعته وأمر من معه بالرجوع وقال: - «لا أعرّض أصحاب السلطان للقتل.» ثمّ أصعد زكرويه ووافته القافلة الثانية والثالثة ومن كان فيها من القوّاد والكتّاب مع جماعة من الرسل تنكّبوا طريق الجادّة وكتبوا بخبر الفاسق وفعله بالحاجّ ويعلمهم بالتحرّز منه والعدول عن الجادّة نحو واسط [٥٣]

стр. 2151

والبصرة أو الرجوع إلى فيد [١] أو المدينة [٢] إلى أن تلحق بهم الجيوش. ووصلت الكتب إليهم فلم يسمعوا ولم يتلبّثوا، وتقدّم أهل القافلة الثانية وفيها المبارك القمّى وأحمد بن نصر العقيلي فوافوا الفجرة وقد رحلوا عن الواقصة وعوّروا مياهها وملأوا بركها وآبارها بجيف الإبل والدوابّ التي كانت معهم مشقّقة بطونها، ووردوا منزل العقبة لاثنتي عشرة خلت من المحرّم فحاربهم أهل القافلة الثانية. وكان أبو العشائر مع أصحابه فى أوّل القافلة ومبارك القمي فيمن معه فى ساقتها. فجرت بينهم حرب شديدة حتّى كشفوهم وأشرفوا على الظفر بهم، فوجد الفجرة من ساقتهم غرّة فركبوهم من جهتها ووضعوا رماحهم فى جنوب إبلهم وبطونها فطحنتهم الإبل فتمكّنوا منهم فوضعوا السيف فيهم فقتلوهم عن آخرهم إلّا من استعبدوه. ثمّ أنفذوا إلى ما دون العقبة فوارس لحقوا من كان أفلت من السيف، فأعطوهم الأمان، فرجعوا فقتلوهم عن آخرهم وسبوا من اختاروا من النساء وحملوا الأموال والأمتعة، وقتلوا مباركا القمّى والمظفّر ابنه وأسر أبو العشائر وجمع القتلى فوضع بعضهم على بعض [٥٤] حتّى صاروا كالتلّ العظيم ثمّ قطعت يدا أبى العشائر ورجلاه وضربت عنقه. وأطلقوا من النساء ما لم يرغبوا فيه وأفلت من الجرحى قوم، ووقعوا بين القتلى، فتحاملوا فى الليل ومضوا. فمنهم من مات فى الطريق ومنهم من نجا وهم قليل. وكانت نساء القرامطة مع صبيانهم يطفن فى القتلى يعرضون عليهم الماء، فمنهم من كلّمهم فأجهزوا عليه. وكان فى القافلة زهاء عشرين ألف رجل قتل جميعهم غير نفر يسير ممّن

стр. 2152

قوى على العدوّ بغير زاد ومن وقع فى القتلى وهو مجروح فأفلت يعدو أو من استعبدوه لخدمتهم. وكانت كتب الضرّابين بمصر إلى الضرّابين بالعراق فى هذه السنة ترد أنّهم يستغنون وذاك أنّ آل طولون والقوّاد المصريّين الذين شخصوا إلى مدينة السلام ومن كان فى مثل حالهم، قد وجّهوا فى حمل مالهم من مصر إلى مدينة السلام وقد سبكوا أوانى الفضّة والذهب والحلي نقارا [١] وحمل إلى مكّة ليوافوا مدينة السلام مع الحاجّ فحمل فى القوافل الشاخصة إلى بغداد فذهب ذلك كلّه. ولمّا فرغ القرمطى من الحاجّ وأخذ الأموال واستباح الحرم، رحل من وقته من العقبة بعد أن ملأ البرك والآبار بالجيف من الناس والدوابّ. [٥٥] ورود خبر القافلة على السلطان وورد الخبر بذلك على السلطان فاستعظم الناس جميعا ذلك. وندب السلطان أيّوب بن محمّد بن داود صاحب الخراج والضياع بالمشرق وديوان الجيش للخروج إلى الكوفة والمقام بها لإنفاذ الجيوش إلى القرمطى. فخرج وحمل أموالا كثيرة لإعطاء الجند. ثمّ سار زكرويه إلى زبالة [٢] فنزلها وبثّ الطلائع أمامه ووراءه خوفا من أصحاب السلطان المقيمين بالقادسيّة أن يلحقوه ومتوقّعا ورود القافلة الثالثة التي فيها الأموال والتجار. ثمّ ساروا إلى الثعلبيّة ثمّ إلى الشقوق وأقام هناك ينتظر القافلة وفيها جماعة من القوّاد: نفيس وصالح ومعه الشمسة. وكان المعتضد جعل فى

стр. 2153

الشمسة جوهرا نفيسا. وكان فى القافلة جماعة من وجوه الكتّاب وغيرهم. فلمّا صار أهل هذه القافلة إلى فيد بلغهم خبر زكرويه وأصحابه، فأقاموا بفيد أيّاما ينتظرون تقوية لهم من قبل السلطان. وصار زكرويه إلى فيد وبها عامل السلطان. فلجأ منه إلى أحد حصنيها مع مائة رجل وشحن الحصن الآخر بالرجال. فجعل زكرويه يراسل أهل فيد فى أن يسلّموا عاملهم ومن فيهم من الجند وأنّهم إن فعلوا ذلك آمنهم [٥٦] فلم يجيبوه إلى ما سأل، فحاربهم فلم يظفر منهم بشيء. فتنحّى إلى النّباج ثمّ إلى حفر أبى موسى. ثمّ أنهض المكتفي وصيف بن صوراتكين ومعه من القوّاد جماعة إليه، فلقيه يوم السبت لثمان بقين من شهر ربيع الأوّل. فاقتلوا يومهم ثمّ حجز بينهم الليل، فباتوا ليلتهم يتحارسون. ثمّ عاودهم القتال فظفر بهم جيش السلطان فقتل منهم مقتلة عظيمة وخلصوا إلى زكرويه فضربه بعض الجند بالسيف، وهو مولّ على قفاه، ضربة اتصلت بدماغه. فأخذ أسيرا وخليفته وجماعة من أقربائه وخاصّته فيهم ابنه وكاتبه وزوجته. وعاش زكرويه خمسة أيّام ثمّ مات، فشقّ [١] ثم حمل بهيئته. وانصرف وصيف بمن كان حيّا فى يده من الأسرى ثم التقطت القرامطة واستأمن قوم منهم. [٢] ودخلت سنة خمس وتسعين ومائتين وفيها خرج عبد الله بن إبراهيم المسمعي عن إصبهان فى نحو عشرة آلاف من الأكراد وغيرهم مظهرا الخلاف على السلطان. وفيها توفّى أبو إبراهيم إسماعيل بن أحمد عامل خراسان وما وراء النهر

стр. 2154

وقام أحمد بن إسماعيل ابنه مقامه. [٥٧] وفيها عقد المكتفي بيده لواء لأحمد بن إسماعيل وحمله إليه. وفيها روسل المسمعي وخوّف عاقبة الخلاف وأرعب فصار إلى باب السلطان. فرضي عنه المكتفي ووصله وخلع عليه. وفاة المكتفي وفيها توفّى المكتفي، فكانت خلافته ستّ سنين وستّة أشهر وتسعة عشر يوما وله اثنتان وثلاثون سنة، ويكنّى: أبا محمّد، وكان ربعة جميلا رقيق اللون حسن الشعرة وافر اللحية، وامتدّت [١] علّته شهورا ودفن فى دار ابن طاهر.

стр. 2155

خلافة المقتدر بالله وبويع [١] جعفر بن المعتضد بالله وهو ابن ثلاث عشرة سنة وكنيته أبو الفضل ذكر ما جرى فى ذلك لمّا ثقل المكتفي فى علّته فكّر العبّاس بن الحسن وهو الوزير فى من يقلّده الخلافة وترجّح رأيه، وكان يركب من داره إلى دار السلطان ويسايره واحد من الأربعة الذين يتولّون الدواوين، وهم: أبو عبد الله محمّد بن داود بن الجرّاح، وأبو الحسن محمّد بن عبدون، وأبو الحسن بن الفرات، وأبو الحسن علىّ بن عيسى. فركب معه محمّد بن داود فشاوره العبّاس، فأشار بأبى العبّاس عبد الله بن المعتزّ بالله [٢] فقرّظه [٣] ووصفه. ثمّ ركب معه فى اليوم الثاني أبو الحسن علىّ بن محمّد بن الفرات

стр. 2156

فشاوره. فقال له: - «هذا شيء ما جرت به عادتي.» [٥٨] واستعفاه وقال: - «إنّما أشاور فى العمّال.» فأظهر العبّاس غضبا وقال: - «هذه محاجزة وليس يخفى عليك [١] .» وألحّ عليه فقال له: - «إن كان رأى الوزير قد تقرّر على إنسان بعينه فليستخر الله ويمضى عزمه.» قال ابن الفرات: فعلم أنّى قد عنيت ابن المعتزّ لاشتهار الخبر به فقال لى: - «ليس أريد منك إلّا أن تمحضنى النصيحة.» فقلت له: - «إذا أراد الوزير ذلك فإنّى أقول: اتق الله ولا تنصب فى هذا الأمر من قد عرف دار هذا ونعمة هذا وبستان هذا وجارية هذا وضيعة هذا وفرس هذا، ومن لقى الناس ولقوه وعرف [٢] الأمور وتحنّك وحسب حساب نعم الناس.» قال: فاستعاد ذلك منّى الوزير دفعات، ثمّ قال: - «فى من تشير؟» فقلت: «بجعفر بن المعتضد.» فقال: «ويحك جعفر صبىّ.»

стр. 2157

قلت: «إلّا أنّه ابن المعتضد ولم تجيء برجل يأمر وينهى ويعرف ما لنا، وبمن يباشر التدبير بنفسه ويرى أنّه مستقلّ ولم لا تسلّم هذا الأمر إلى من يدعك [١] تدبّره أنت.» ثمّ شاور أبا الحسن علىّ بن عيسى فى اليوم الثالث واجتهد به أن يسمّى له أحدا، فامتنع وقال: - «أنا لا أشير بأحد، ولكن ينبغي أن يتّقى الله وينظر للدين.» فمالت نفس العبّاس بن الحسن إلى رأس أبى الحسن ابن الفرات [٥٩] ووافق ذلك ما كان المكتفي عهد به من تقليد أخيه جعفر الخلافة. فلمّا مات المكتفي آخر نهار يوم السبت الثاني عشر من ذى القعدة، نصب الوزير العبّاس جعفرا [٢] فى الخلافة على كراهية منه لصغر سنه. ومضى صافى الحرمي فحدره من دار ابن طاهر. فلمّا اجتازت الحراقة التي حدر فيها وانتهت إلى [دار] [٣] العبّاس بن الحسن صاح غلمان العبّاس بالملّاح أن: ادخل. [٤] فوقع لصافى الحرمي أنّ العبّاس إنّما يريد أن يدخله إلى داره لتغيّر [٥] رأيه فيه وأشفق أن يعدل عنه إلى غيره، فمنع الملّاح من الدخول وجرّد سيفه وقال للملّاح: - «إن دخلت رميت برأسك.» فانحدر وجها واحدا إلى دار السلطان.

стр. 2158

وثمّ أمر جعفر ولقبّ: المقتدر بالله. وأطلق السلطان يد العبّاس فأخرج المال للبيعة. وحكى القاضي أبو الحسن محمّد بن صالح الهاشمي: أنّ القاضي أبا عمر محمّد بن يوسف حدّثه أنّ العبّاس بعد إتمامه أمر المقتدر استصباه، وكثر كلام الناس. فعمل على أن يحلّ أمره ويقلّد أبا عبد الله محمّد بن المعتمد على الله. وكان أبو عبد الله بن المعتمد حسن الفعل جميل المذاهب، فوسّط الوزير أمره بينه وبينه [١] القاضي أبا عمر وسامه اليمين، فقال [٦٠] ابن المعتمد: - «إن لم تصحّ نيّته لم تغن فيه اليمين وإن صحّت استغنى عنها وله الله [٢] راع وكفيل، على أنى لا أغدر به ولا أنكبه.» وكان العبّاس ينتظر بأمره قدوم بارس الحاجب غلام إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان، فإنّه كان ورد كتابه وقدّر أنّه يستظهر به وبمن معه على غلمان المعتضد. فتمادت الأيّام بقدوم بارس ووقع بين ابن عمرويه صاحب الشرطة ببغداد وبين أبى عبد الله محمّد بن المعتمد منازعة فاجتمعا يوما [٣] فى مجلس الوزير العبّاس بن الحسن وجرى بينهما خطاب فأربى عليه ابن عمرويه فى الكلام، ولم يكن علم بما رشّح له، ولم يمكن أبا عبد الله أن ينتصف منه لمحله، فاغتاظ غيظا شديدا كظمه فغشى عليه وفلج فى المجلس. فاستدعى العبّاس عمارية [٤] وأمر بحمله فيها إلى داره، فحمل ولم يلبث أن مات. فعمل العبّاس على تقليد أبى الحسين من ولد المتوكّل على

стр. 2159

الله مكانه. فمات أيضا وتمّ أمر المقتدر. ودخلت سنة ستّ وتسعين ومائتين وفيها كانت فتنة عبد الله بن المعتزّ ذكر الخبر عن ذلك كان التدبير وقع [١] بين محمّد بن داود بن الجرّاح مع الحسين بن حمدان على إزالة أمر المقتدر [٦١] بالله ونصب عبد الله بن المعتزّ مكانه، [٢] وواطأ على ذلك جماعة من القوّاد والكتّاب والقضاة. [٣] فركب يوما العبّاس بن الحسين يريد بستانه المعروف ببستان الورد، فاعترضه الحسين بن حمدان وعلاه بالسيف وقتله. وكان إلى جانبه فاتك المعتضدي يسايره فصاح بالحسين منكرا عليه، فعطف عليه الحسين وقتله. واضطرب الناس، وركض الحسين بن حمدان قاصدا إلى الحلبة مقدّرا أن المقتدر هناك يضرب بالصوالجة فيقتله فلمّا سمع المقتدر الضجّة بادر بالدخول إلى داره وغلّقت الأبواب دون الحسين، فانصرف إلى الدار المعروفة بسليمان بن وهب بالمخرّم، وبعث إلى عبد الله ابن المعتزّ يعرّفه تمام التدبير فنزل عبد الله من داره التي على الصراة وعبر إلى المخرّم، وحضر القوّاد والجند وأصحاب الدواوين وفيهم علىّ بن عيسى ومحمّد بن عبدون، وحضر القضاة ووجوه الناس سوى أبى الحسن ابن الفرات وخواص المقتدر فبايع من حضر عبد الله بن المعتزّ وخوطب بالخلافة وانعقد له الأمر ولقّب: المرتضى بالله.

стр. 2160

واستوزر أبا عبد الله محمّد بن داود بن الجرّاح وقلّد علىّ بن عيسى الدواوين والأصول ومحمّد بن عبدون دواوين [٦٢] [١] الأزمّة، ونفذت الكتب إلى الأمصار كلّها عن عبد الله بن المعتزّ، ووجّه إلى المقتدر بالله يأمره بالانصراف إلى دار ابن طاهر مع والدته لينتقل هو إلى دار الخلافة، فأجيب بالسمع والطاعة. وعاد الحسين بن حمدان من غد إلى دار الخلافة فقاتله من فيها من الخدم والغلمان والحشم ومن كان هناك من الرجّالة من وراء السور، ودفعوه عن الدار. فانصرف فى آخر النهار وحمل ما قدر عليه من ماله وحرمه وولده، وسار بالليل إلى الموصل، ولم يكن بقي مع المقتدر من رؤساء القوّاد غير مونس الخادم ومونس الخازن وغريب الخال [٢] والحاشية. فلمّا راسل ابن المعتزّ المقتدر بالانصراف إلى دار ابن طاهر، قالت هذه الجماعة بعضها لبعض: - «يا قوم، نسلّم الأمر هكذا، لم لا نجرّد أنفسنا فى دفع ما قد أظلّنا؟ فلعلّ الله أن يكشفه عنّا.» فأجمع رأيهم على أن يصعدوا فى شذاءات ومعهم جماعة، ففعلوا ذلك وألبسوا الجماعة الجواشن والخوذ والسلاح وصاروا إلى دار المخرّم. فلمّا قربوا منها ورآهم من كان فيها على شاطئ دجلة قالوا: - «شذاءات مصعدة من دار السلطان.» ووقع الرعب فى قلوبهم [٣] فتطايروا [٦٣] على وجوههم قبل أن تجرى بينهم حرب وقبل وصول الشذاآت إلى الدار. وخرج عبد الله بن المعتزّ ومعه

стр. 2161

وزيره محمّد بن داود وحاجبه يمن وقد شهر يمن سيفه وهو ينادى: - «معشر العامّة ادعوا الله لخليفتكم.» وأخذوا طريق الصحراء تقديرا منهم أن يتبعهم الجيش ويصيروا إلى سرّ من رأى فيثبت أمرهم فلم يتبعهم أحد، فلمّا رأى محمّد بن داود نزل عن دابّته لمّا حاذى داره ودخلها واستتر ونزل عبد الله بن المعتزّ فى موضع آخر ومشى إلى دجلة وانحدر إلى دار أبى عبد الله بن الجصّاص ودخلها واستجار به، ففرّ الناس على وجوههم ووقعت الفتنة والنهب والغارة والقتل ببغداد. وكان محمّد بن عمرويه صاحب الشرطة فركب وقاتله العامّة لأنّه كان من أكبر أعوان عبد الله بن المعتزّ فهزموه، وقلّد المقتدر مكانه من يومه مونسا الخازن. وكان خرج فى الوقت الذي خرج فيه ابن المعتزّ من داره أبو الحسن علىّ بن عيسى ومحمّد بن عبدون مع من خرج من دار عبد الله بن المعتزّ، واستتروا فى منزل رجل يبيع البقل، ونذر بهما العامّة، فكبسوهما وأخرجوهما وسلّموهما إلى بعض خدم المقتدر [٦٤] المجتازين فى الطرق، فأركبهما جميعا على بغل أكاف [١] كان معه، ولحقهما فى الطريق من العامّة أذى شديد حتّى حصلا فى الدار ووكّل بهما. وقبض فى ذلك اليوم على وصيف بن صوراتكين وخرطامش ويمن وفاتك وجماعة ممّن كان حاضرا دار ابن المعتزّ وفيهم القاضي أبو عمر محمّد بن يوسف والقاضي أبو المثنّى أحمد بن يعقوب والقاضي محمّد بن خلف بن وكيع واعتقل الكلّ فى دار الخلافة وسلّموا إلى مونس الخازن. ثمّ أمر بقتلهم أجمعين. فقتلهم تلك الليلة سوى علىّ بن عيسى ومحمّد بن

стр. 2162

عبدون والقاضي أبو عمر والقاضي محمّد بن خلف فإنّ هؤلاء سلموا. وزارة أبى الحسن علىّ بن محمد بن الفرات وأنفذ المقتدر مونسا الخازن إلى دار أبى الحسن علىّ بن محمّد بن الفرات التي كان ينزلها بسوق العطش بعد أن أعطاه خاتمه وأعلمه أنّه يريد أن يستوزره. وكان ابن الفرات مستترا بالقرب من داره. فلم يظهر له فأعيد إليه مرّة أخرى، فرفق بالجيران وأعلمهم أنّه يستوزر فظهر له وقت العصر من ذلك اليوم وصار به إلى دار السلطان ووصل إلى المقتدر وقلّده وزارته ودواوينه وعاد إلى داره بسوق العطش. وبكّر يوم الإثنين وهو غد ذلك اليوم، فخلع عليه خلع الوزارة وسار بين يديه [٦٥] القوّاد بأسرهم، وخلع فى ذلك اليوم على مونس الخازن بسبب تقلّده الشرطة، وأطلق ابن الفرات للجند مالا لصلة ثانية وجدّد البيعة للمقتدر. ذكر الخبر عن الظفر بعبد الله بن المعتزّ صار خادم لأبى عبد الله بن الجصّاص يعرف بسوسن إلى صافى الحرمي يسعى بأنّ عبد الله بن المعتزّ مستتر فى دار مولاه فأنفذ المقتدر بالله صافيا الحرمي فى جماعة حتّى كبس منزل ابن الجصّاص واستخرج منه عبد الله بن المعتزّ، فحمله وحمل معه أبا عبد الله بن الجصّاص [١] إلى دار السلطان. ثمّ صودر ابن الجصّاص على مال بذله وأطلقه إلى منزله بعد أن تكفّل به الوزير أبو الحسن ابن الفرات. وسلّم علىّ بن عيسى ومحمّد بن عبدون إلى أبى الحسن ابن الفرات

стр. 2163

وناظرهما بمراسلة وصادرهما، وخفّف عن علىّ بن عيسى ونقلها على محمّد بن عبدون لعداوة كانت بينهما وقال للمقتدر: - «لم يكن لهذين فى أمر ابن المعتزّ صنع وتكفّل بهما وبالقاضي محمّد بن خلف بن وكيع وخلّصهم.» ثمّ نفى محمّد بن عبدون إلى الأهواز وأمر بتسليمه إلى محمّد بن جعفر العبرتاى ونفى علىّ بن عيسى إلى واسط بعد أن افتداه من ماله بخمسة آلاف دينار دفعها [٦٦] إلى سوسن الحاجب واستكفّه بها عنه فإنّه كان يغرى به ويقول: كان مطابقا لعمّه. موت عبد الله بن المعتزّ وثبات أمر المقتدر وظهر موت عبد الله بن المعتزّ فى دار السلطان ودفع إلى أهله ملفوفا فى زلىّ برذون [١] وتمّ ما كان فى سابق علم الله وحكم به من ثبات أمر المقتدر وبطل اجتهاد المخلوقين وحيلهم فى إزالته. قتل محمد بن داود فأمّا محمّد بن داود فحكى أبو علىّ محمّد بن علىّ بن مقلة قال: كنّا بحضرة الوزير أبى الحسن فى يوم هو فيه متخلّ، [٢] ودخل إليه بعض غلمانه فسارّه فظهر منه غمّ شديد وإذا هو قد أبلغ قتل محمّد بن داود وقال: - «كان مع عداوته لى رجلا عاقلا كثير المحاسن يجمع إلى صناعته كتابة الخراج والجيش والبلاغة والفقه والأدب والشعر، وكان كريما سخيّا وقد جرى عليه من القتل أمر عظيم.»

стр. 2164

ثمّ لعن علىّ بن الحسين القنّاى النصراني وقال: - «هو غرّ هذا الرجل، فإنّ ما كان بينه وبينه من المودّة مشهور، فخلّص نفسه وقتل صديقه.» ذكر ما عمله القنّاى فى أمر محمّد بن داود كان سوسن عدوّا لمحمّد بن داود وكذلك صافى الحرمي. فأغريا المقتدر بالله وقالا له: [٦٧]- «إنّ علىّ بن الحسين القنّاى يعرف موضعه.» فقبض عليه وهدّد بالقتل فحلف أنّه لا يعرف الموضع الذي استتر فيه محمّد بن داود وإنّما تأتيه رقاعه يد [١] امرأة تجيء إلى امرأة نصرانية تجيئه بها، وضمن أنّه يحتال فى إثارته فأطلق. وكاتب محمّد بن داود وأعلمه أنّه قد سفر له مع سوسن فى أمر يكون به خلاصه، وأنّ ما جرى فى ذلك لا تحتمله المكاتبة، وأنّ الوجه أن يأذن له فى المصير إليه فى الموضع الذي هو فيه مستتر. فإن لم يأذن فى ذلك صاحب داره خرج متنكّرا وصار إليه. فكتب إليه محمّد بن داود أنّه يصير إليه فى ليلة ذكرها. فمضى علىّ بن الحسين برقعته إلى سوسن وصاف، فأقرأهما إيّاها، فترصّدا تلك الليلة وأمرا صاحب الشرطة أن يتقدّم إلى أصحاب الأرباع وأصحاب المسالح بترصّده. فلمّا خرج تلك الليلة ظفر به وسلّم إلى مونس الخازن، فقتله ثمّ طرحه على الطريق، حتّى أخذه أهله فدفنوه.

стр. 2165

وحكى أبو علىّ ابن مقلة وأبو عبد الله زنجى [١] الكاتب: أنّ محمّد بن داود [٢] كتب إلى ابن الفرات رقعة وصلت إليه، فلم يقدر أن يكتب الجواب بخطّه وقال لموصلها وكان ثقة عنده: - «تقرأ ﵇ وتقول له: ليس جرمك يسيرا [٦٨] والعهد به قريب والاستتار صناعة، فينبغي أن تصبر على استتارك أربعة أشهر حتّى تنسى قصّتك، ثمّ دعني والتدبير فى أمرك، فإنّى بإذن الله أسفر بعد هذه المدّة فى صلاحك وآخذ لك أمان الخليفة بخطّه وأقول: إنّه دخل فيما دخل فيه القوّاد وكتّابهم، وقد دعت الضرورة إلى الصفح عنهم، ولهذا بهم أسوة، وأشير عليه بما يصلح أمرك.» فلم يصبر محمّد بن داود فجرى ما حكيته. وحكى أيضا ابن زنجى: أنّه كان بحضرة أبى الحسن ابن الفرات إذ كتب إليه صاحب الخبر، بأنّ متنصّحا حضر وذكر أنّ عنده نصيحة لا يذكرها إلّا للوزير، فتقدّم الوزير إلى حاجبه أن [٣] يخرج إليه ويسأله عنها. فخرج وسأله فأبى أن يخبره بها وقال: - «أريد أن أشافه بها الوزير.» قال: وكنّا بين يديه جماعة فأومأ إلينا، فقمنا وخلا به. ثمّ دعا بحاجبه العبّاس الفرغاني وقال له: - «اجمع الرجال الذين برسم الدار.» ثمّ دعا أبا بشر ابن فرحويه [٤] وقال له سرّا:

стр. 2166

- «إنّ هذا الرجل تنصّح إلىّ فى أمر محمّد بن داود، وذكر أنّه يعرف موضعه وأنّه بات البارحة عنده والتمس أن أنفذ معه من يسلّمه إليه، وقد بذلت على ذلك ألف دينار إن كان صحيحا، أو نيله [١] بالعقوبة إن كان باطلا. فصر على ذلك فاكتب [٦٩] إليه الساعة أن ينتقل عن موضعه، فإنّى أبعث إلى مكانه من يكبسه ويلتمسه.» ولم يزل يستعجل الحاجب فى جمع الرجال فيقول: - «قد فرّقت النقباء فى طلبهم فإنّهم فى أطراف البلد منهم من ينزل فى قصر عيسى ومنهم من ينزل بباب الشمّاسية.» ولم يزل يدافع بالأمر إلى أن عاد الجواب إلى أبى بشر بشكره، وأنّه قد انتقل من موضعه إلى غيره. فتقدّم حينئذ إلى المتنصّح أن يمضى إلى الموضع مع القوم، وتقدّم بالاحتياط عليه وعلى ما يليه. وكبسه بعد ذلك وحمله، فإن لم تجده فتّش الدور التي تلى الموضع، وأن يستظهر بحفظ أفواه الدروب حتّى لا تفوته الحرم [٢] ويأخذ معه السلاليم. فمضى العبّاس الحاجب والمتنصّح والرجال ووكّل بأفواه الدروب والدور المجاورة للموضع، ودخل الدار التي ذكرها المتنصّح فلم يجده. فقال المتنصّح: - «فى هذا الموضع والله العظيم خلّفته وهاهنا كان بائتا.» وأقبل يسير إلى موضع موضع وما عمله فيه. ثمّ التمسه فى الدار المجاورة فلم يجده. وعاد به إلى حضرة الوزير فأنكر على المتنصّح سعايته بالباطل، وأمر بحمله إلى باب العامّة وضربه مائتي مقرعة وأن يشهر على جمل وينادى عليه:

стр. 2167

- «هذا جزاء من يسعى بالباطل.» [٧٠] وكتب إلى المقتدر وعرّفه الصورة، وأنّه كبس على محمّد بن داود عدّة دور فلم يجده، فأوقع العقوبة بالساعى حتّى لا يقدم نظراؤه على السعاية بالباطل. فلمّا عاد الساعي إلى داره، تقدّم بأن يحمل إليه مائتي دينار وأن يحدر [١] إلى البصرة، وقال لنا: - «قد صدق الرجل فيما حكاه وقد عاقبناه ولو لم أفعل ما فعلته، لم آمن أن يمضى إلى دار السلطان.» وكان أبو بشر يعرف موضع محمّد بن داود بن الجرّاح وعرف الوزير موضعه فكتمه الوزير ولم يظهره. وهذا ممّا لا ينكر من أبى الحسن ابن الفرات مع كرمه وجلالة قدره ونبل أفعاله. وفيها قبض على محمّد بن عبدون وسوسن الحاجب وقتلا ذكر السبب فى ذلك كان السبب فى ذلك أن سوسن الحاجب كان مع ابن المعتزّ فى تدبيره، وظنّ أنّه يقرّره على الحجبة، فلمّا عدل عنه إلى يمن [٢] استوحش وصار إلى دار السلطان. وكان سوسن يدخل مع العبّاس بن الحسن فى التدبير بحضرة المقتدر بالله. فلمّا تقلّد أبو الحسن ابن الفرات الوزارة تفرّد بالتدبير دون [٣] سوسن فظهرت الوحشة بين سوسن وبين أبى الحسن [٧١] ابن الفرات لأجل

стр. 2168

ذلك. وذاع الخبر بصحة عزم سوسن على الفتك بابن الفرات بمواطأة عدّة من الغلمان الحجريّة على ذلك، ودبّر أن يكون الوزير محمّد بن عبدون، وأشار بذلك على المقتدر بالله، وبذل على ذلك مالا عظيما، وأنفذ بنىّ بن نفيس [١] إلى الأهواز لإحضار محمّد بن عبدون بغير مواقفة ابن الفرات وأظهر بنىّ أنّه إنّما أنفذ لأخذ أموال كانت مودعة للعبّاس بن الحسن بالبصرة. ولم يصل محمّد بن عبدون إلى واسط حتّى ظهر الخبر لابن الفرات. فقرّر ابن الفرات فى نفس المقتدر أنّ سوسنا عمل على الإيقاع به أوّلا ثمّ به، وأنّه كان من أكبر أعضاد عبد الله بن المعتزّ، وإنّما خالفه أخيرا لما علم أنّه قد استحجب غيره. وواقف [٢] المقتدر على القبض عليه فقبض عليه وقتله من يومه. وكان المتولّى لذلك تكين الخاصّة وكان تكين هذا مرشّحا للحجبة ومدبّرا لها. ثمّ أنفذ الوزير إلى محمّد بن عبدون من أزعجه فى الطريق واعتقله فى دار السلطان وصادره مصادرة مجدّدة، ثمّ سلّم إلى مونس الخازن فقتله. وقلق أبو الحسن علىّ بن عيسى لذلك وهو بواسط، فكتب إلى الوزير كتابا يحلف فيه أنّه على قديم عداوته لمحمّد بن عبدون، إلّا أنّه لا يدع الصدق من فعله، وأنّ محمّد بن عبدون لم يكن ليسعى [٧٢] على دم نفسه بتضمّنه الوزارة، بل كان راضيا بالسلامة بعد فتنة عبد الله بن المعتزّ، وأنّ سوسنا عمل ذلك بغير رأيه ولا مواقفته، وسأل فى أمر نفسه أن يبعده إلى مكّة ليسلم من الظنّة ولينسى السلطان ذكره. فأجابه ابن الفرات إلى ذلك وأخرجه من واسط إلى مكّة على حال جميلة. فشخص إليها على طريق البصرة.

стр. 2169

وكتب علىّ بن عيسى هذا الكتاب مقدّرا أن يتخلّص به محمّد بن عبدون من القتل، ويسلم هو. فوقاه [١] الله فى نفسه بجميل نيّته، وحضر أجل محمّد بن عبدون، فلم ينفعه اجتهاد علىّ بن عيسى فى خلاصه. استقرار أمر المقتدر وتفويضه الأمور إلى أبى الحسن بن الفرات ولمّا استقرّ أمر المقتدر بالله فى الخلافة فوّض الأمور إلى أبى الحسن ابن الفرات فدبّرها أبو الحسن كما يدبّرها الخلفاء. وتفرّد المقتدر على لذاته متوفّرا واحتشم الرجال واطّرح الجلساء والمغنين وعاشر النساء فغلب على الدولة الحرم والخدم فما زال أبو الحسن ينفق الأموال من بيت مال الخاصّة ويبذّر تبذيرا مفرطا إلى أن أتلفها. ومن محاسن ابن الفرات أنّه افتتح أمره بإخراج أمر المقتدر بمكاتبة العمّال فى جميع النواحي بإفاضة العدل فى الرعيّة وإزالة الرسوم الجائرة عنهم وإخراج أمره لجماعة [٧٣] بنى هاشم بجار [٢] ثمّ أخرج أمره بزيادة جميعهم ثمّ أخرج أمره بالصفح عن جميع من كان خرج عن طاعته ووالى ابن المعتزّ وإلحاقهم فى الصلة بمن لم تكن له جناية وتلطّف فى أمر الحسين بن حمدان وإبراهيم بن كيغلغ حتّى رضى المقتدر عنهما وقلّدهما الأعمال وفعل ذلك بابن عمرويه. ذكر التدبير الصواب فى ذلك إنّه عرّف المقتدر بالله أنّه متى عاقب جميع من دخل فى أمر ابن المعتزّ

стр. 2170

فسدت النيّات وكثر الخوارج ومن يخشى على نفسه فيطلبون الحيل للخلاص بإفساد المملكة، وأشار بإحراق جميع الجرائد التي وجد فيها أسماء المتابعين [١] لابن المعتزّ فاستجاب إلى ذلك، وأمر ابن الفرات بتغريق الجرائد فى دجلة ففعل ذلك وسكن الناس وكثر الشاكرون. ذكر ما جرى فى أمر القاضي أبى عمر كان القاضي يوسف بن يعقوب شيخا كبير السن يلزم ابن الفرات ويبكى بحضرته ويسأله تخليص ابنه أبى عمر من القتل. فيذكر له أبو الحسن أنّه لا يتمكّن من ذلك إلّا بإطماع المقتدر بالله فى مال جليل من جهته. فبذل أبوه أن يفقر نفسه وابنه طلبا للحياة. فسأل [٧٤] ابن الفرات المقتدر بالله الصفح عنه وأطمعه فى ماله ومال ولده. فسلّمه المقتدر إليه فصادره على مائة ألف دينار، واعتقله فى ديوان بيت المال ليؤدّى المال، فأدّى أكثره ودخل فيما أدّاه وديعة. قيل إنّها كانت عنده للعبّاس بن الحسن، مبلغها خمسة وأربعون ألف دينار فلمّا أدّى تسعين ألف دينار أمر ابن الفرات بإطلاقه إلى منزله وترك له العشرة الآلاف الدينار وأمره بملازمة منزله وأن لا يخرج منه. ذكر خيانة واتفاق سيىء اتّفق فيه كان سليمان بن الحسن بن مخلد متحقّقا بأبى الحسن ابن الفرات ومدلّا [٢] بأحوال كانت بين أبيه وبين والد الوزير أبى جعفر محمّد بن موسى بن الفرات. وكان سليمان يختصّ لذلك بأبى الحسن ابن الفرات. ووجد أبو الحسن كتبا فى البيعة لعبد الله بن المعتزّ بخطّ سليمان لتحقّقه كان بمحمّد بن

стр. 2171

داود بن الجرّاح وللقرابة بينهما فلم يظهر أبو الحسن ذلك للمقتدر ولا ذكره. ونوّه باسم سليمان وقلّده مجلس العامّة رئاسة. ثمّ إن سليمان جنى على نفسه بالسعي لأبى الحسن أحمد بن محمّد بن عبد الحميد فى الوزارة، وعمل فى ذلك نسخة بخطّه عن نفسه إلى المقتدر بالله [٧٥] يسعى فيها بأبى الحسن وبأمواله وضياعه وكتّابه وأسبابه وكانت الرقعة فى كمّه ودخل دار ابن الفرات وهي معه وقام ليصلّى صلاة المغرب مع جماعة من الكتّاب فى دار ابن الفرات، فسقطت الرقعة من كمّه وظفر بها الصقر بن محمّد الكاتب لأنّه كان يصلّى إلى جنبه. فأقبل بها مبادرا إلى الوزير من وقته، فقبض عليه وأحدره فى زورق مطبق إلى واسط، ووكّل به وصودر وجرى على طبعه وشاكلته، فأحسن إليه وقلّده. وفيها كوتب أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان فى قصد أخيه الحسين ومحاربته وأمدّ بالقاسم بن سيما فى أربعة آلاف، فاجتمعا ولقيا الحسين فانهزما وانحدر إبراهيم بن حمدان لإصلاح أمر أخيه الحسين، فأجيب إلى ما التمس. وكتب للحسين أمان وصار إلى الحضرة ونزل فى الصحراء من الجانب الغربي ولم يدخل دار السلطان، وقلّد أعمال الحرب بقم وحملت إليه الخلع، فلبسها ونفذ إلى قم وانصرف عنها العبّاس بن عمرو. وفيها قدم بارس غلام إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان فى أربعة آلاف غلام أتراك وغيرهم وصار إلى بغداد مستأمنا وكان مولاه اتبعه إلى الرىّ مظهرا الاستيحاش من قبول السلطان غلامه. فكاتبه [٧٦] ابن الفرات بما سكّن منه حتّى عاد إلى خراسان وقلّد بارس دار ربيعة فأنفذه إليها وقلّد يوسف بن أبى الساج أعمال أرمينية وأذربيجان وعقد له عليها وضمّنه إيّاها بمائة ألف وعشرين ألف دينار فى كلّ سنة محمولة إلى بيت مال العامّة بالحضرة، فسار من الدينور إليها.

стр. 2172

ودخلت سنة سبع وتسعين ومائتين وفيها أدخل طاهر ويعقوب ابنا محمّد بن عمرو بن الليث بغداد أسيرين فى قبّة على بغل وقد كشف جلالها وهما بين يدي أبى الفضل عبد الرحمان بن جعفر الشيرازي كاتب سبكرى المتقلّد فارس ووصل إلى حضرة المقتدر ووصلا معه بعد أن حلّت قيودهما وخلع على عبد الرحمن بن جعفر ورتّب فى الفوج الأوّل وركب عبد الرحمان فى الخلع وأنزل فى دار فى مربعة الخرسى [١] وحبس طاهر ويعقوب فى دار السلطان. وكان سبكرى متغلّبا على فارس. فلمّا قدم عبد الرحمن كاتبه قرّر أمر سبكرى مع السلطان على شيء يحمله عن فارس، ثمّ عاد إلى صاحبه. فورد الخبر بعد ذلك بأنّ الليث بن علىّ خرج من سجستان وقصد فارس، فدخلها وخرج سبكرى، فندب مونس الخادم للشخوص [٧٧] إلى فارس وخلع عليه، وسار فوجد سبكرى برامهرمز واجتمع مع مونس وسار بمسيره وسار الليث إلى أرجان ليلقى مونسا. ذكر عجلة واتفاق سيّء ثمّ إنّه بلغ ليثا أنّ الحسين بن حمدان قد سار من قم إلى البيضاء فخاف أن تؤخذ منه شيراز. فوجّه أخاه مع قطعة من جيشه إلى شيراز ليحفظها وأخذ هو دليلا يدلّه على طريق مختصر قريب إلى البيضاء ليوقع بالحسين بن حمدان. فأخذ به الدليل فى طريق الرجّالة وهو طريق صعب ضيق لا يحمل الجيوش، فلقى فى طريقه مشقّة عظيمة حتّى تلفت دوابّه وتلف رجاله فقتل

стр. 2173

الدليل وعدل عن الطريق فخرج إلى خوابذان [١] وقد وصل إليها مونس. فلمّا أشرف الليث على عسكر مونس قدّر أنّه عسكر أخيه الذي أنفذه إلى شيراز. فكبّر أصحابه فخرج إليه مونس فأوقع به وأخذه أسيرا. فلمّا حصل فى يده أشار عليه قوّاده بالقبض على سبكرى. فلم يفعل وألحّ عليه أصحابه فأظهر القبول منهم وقال: - «إذا صار إلينا فى غد قبضنا عليه.» وكان سبكرى كلّ يوم يركب من مضربه إلى مونس. فيسلّم [٧٨] عليه. فوجّه إليه مونس سرّا وعرّفه ما أشار عليه قوّاده وأشار عليه بالمسير إلى شيراز والإسراع. ففعل سبكرى بما أشار به. فلمّا أصبح وتعالى النهار قال: - «يا قوم ما جاءنا سبكرى اليوم فوجّهوا إليه وتعرّفوا خبره.» وعاد الرسول وعرّفه أن سبكرى قد سار إلى شيراز من أوّل الليل. فعاد باللوم على قوّاده وقال لهم: - «من جهتكم شاع الخبر وبلغه فاستوحش.» وسار مونس ومعه الليث راجعا إلى مدينة السلام، وانصرف الحسين إلى قم. ذكر تدبير فاسد وما آل إليه لمّا حصل سبكرى بشيراز كان معه قائد يقال له القتّال، فضرّبه على كاتبه عبد الرحمن بن جعفر وأعلمه أنه فى جنبة [٢] السلطان وأنّه قد أحلف قوّاده كلّهم للسلطان وأخذ له البيعة عليهم، وليس يتعذّر عليه متى شاء أن يورد كتابا من السلطان بالقبض عليه. ففزع سبكرى من هذه الحال وقبض على

стр. 2174

عبد الرحمن بن جعفر واستكتب مكانه رجلا يعرف بإسماعيل بن إبراهيم البمّى، [١] فحمله إسماعيل هذا على الخلاف وقال له: - «قد انصرف عنك عسكر السلطان وليس يمكنه أن يعود إليك سريعا، فاربح ما كنت تحمله إلى السلطان وأصلح أمورك [٧٩] وأرض جندك، ثمّ تنظر.» واحتال عبد الرحمن بن جعفر من محبسه حتّى كتب إلى ابن الفرات بخبره وما جرى عليه وبخلاف سبكرى على السلطان، فكتب ابن الفرات إلى مونس وقد صار إلى واسط كتابا يقول فيه: - «إن كنت فتحت فقد أغلقت، وإن كنت قد أسرت فقد أطلقت، ولا بدّ من أن تعود فتحارب سبكرى.» فعاد مونس إلى الأهواز وأخذ سبكرى فى ملاطفة مونس ومهاداته ومسألته أن يبذل للسلطان عن أعمال فارس وكرمان زيادة على ما كان مقاطعا عليه القاسم بن عبيد الله فى أيّام المكتفي بالله، فإنّه كان مقاطعا على أربعة آلاف ألف. ففعل مونس ذلك وبذل عنه سبعة آلاف ألف، فلم يرض بذلك ابن الفرات. فلم يزل يزيد ألف ألف حتّى بلغ تسعة آلاف ألف خالصة للحمل، وذكر أنّ باقى الارتفاع يحتاج إليه سبكرى لإعطاء الجند بفارس وكرمان وأعلمه كثرة المؤن هناك. فأقام ابن الفرات على أنّه لا يقنع إلّا بثلاثة عشر ألف ألف فأشار مونس على سبكرى بأن يقارب السلطان والوزير، فأبى سبكرى أن يزيد على عشرة آلاف ألف شيئا. فاغتاظ الوزير من تماتن سبكرى، واتّهم مونسا بالميل إليه. [٨٠]

стр. 2175

ودخلت سنة ثمان وتسعين ومائتين ذكر ما جرى على سبكرى من الأسر ثمّ إنّه عدل إلى إنفاذ وصيف كامه [١] مع عدّة قوّاد من مدينة السلام، وإنفاذ محمّد بن جعفر العبرتاى معهم وعوّل عليه فى فتح فارس. وكتب إلى مونس: أنّه لا يثق بأحد سواه فى حفظ الليث، وأنّ سبيله أن يوافى به إلى مدينة السلام ويدع أكثر قوّاده وأصحابه مع محمّد بن جعفر بالقرب من نواحي فارس، لئلّا ينجذبوا بأسرهم إلى بغداد قبل أن يتقرّر الأمر مع سبكرى فى مال المفارقة، فيطمع سبكرى فى السلطان. فخرج مونس عن الأهواز وكتب الوزير حينئذ إلى محمّد بن جعفر العبرتاى والقوّاد بالمبادرة إلى شيراز مع جماعة من بالأهواز من القوّاد، وانضمّ إليه وصيف كامه، [٢] ثمّ أمدّه بسيما الخزري وفاتك المعتضدي ويمن الطولونى. فلمّا تكامل الجيش لمحمّد بن جعفر سار إلى سبكرى وواقعه على باب شيراز فانهزم سبكرى إلى بمّ وتحصّن بها، وتبعه إلى هناك فهزمه أيضا، ودخل مفازة خراسان وأسر القتّال. وورد الكتاب بالفتح، فخلع السلطان على الوزير عند ذلك، وقلّد محمّد بن جعفر العبرتاى فتيحا خادم الأفشين أعمال الحرب والمعاون بفارس وكرمان وكان يميل إلى فتيح [٨١] لحسن وجهه. وفيها ورد كتاب أحمد بن إسماعيل صاحب خراسان بفتحه سجستان وأسره محمّد بن علىّ بن الليث.
следующие страницы →