← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

فاجتمع عبد الله بن علىّ والحسن بن هارون على التدبير على محمّد بن خلف ونصبا عليه أصحاب الأخبار إلى أن وقفا [٢٨٣] على ما عمله فى السعى فى تقلّد الوزارة للمقتدر وسعايته بصاحبه. فاطلع عبد الله بن علىّ ابن أبى الساج على ذلك وتقرّب إليه فنصب يوسف بن أبى الساج أصحاب أخبار على محمّد بن خلف إلى أن وقف على أنّ خادما له يثق به قد أنفذه دفعات إلى بغداد وأظهر أنّه إنّما ينفذه لابتياع كسوة وفرش ودوابّ وغلمان له وأنّه هو السفير بينه وبين نصر الحاجب فى التدبير على ابن أبى الساج فتقدّم ابن أبى الساج إلى عبد الله بن علىّ فى أخذ الطرق على هذا الخادم وإلى الحسن بن هارون بمراعاة الوقت الذي ينفذ فيه الخادم. فلمّا نفذ من واسط عرّفه الحسن ذاك فوجّه بثقاته وأمرهم أن يرصدوا الخادم فى الطريق، فإذا عاد من بغدا قبضوا عليه وسلّموه إلى صاحب عبد الله بن علىّ بجرجرايا. وتقدّم إلى عبد الله بن علىّ بأن يوجّه بمن ينتظره بجرجرايا وأنفذت الكتب التي معه إلى ابن أبى الساج فوجدها بخطّ كاتب نصر جوابات عن كتب محمّد بن خلف إليه تدلّ على إشارات ورموز وتراجم وفيها كلّ مكروه وسعى على دم [١] ابن أبى الساج وحاله وإطماع فى ماله وحاله [٢٨٤] وتحذير من تأخّر القبض على علىّ بن عيسى. فبادر ابن أبى الساج فى إنفاذ الحسن بن هارون إلى الحضرة بكتب ورسائل إلى علىّ بن عيسى على رسمه ووجّه بتلك الكتب بعينها وقال له: - «تقول للوزير عنّى: قد سعى هذا الرجل على دمى ودمك ودماء أصحابك وأريد أن أقبض عليه وأكثر ذنوبه عندي سعيه عليك.» فلمّا وقف علىّ بن عيسى على جميع كتبه ورسائله تعجّب وقال له:

стр. 2347

- «تقول لأخى أبى القاسم: إن كنت تريد أن تفعل ذلك لتريح نفسك من هذا الرجل الخائن المستحلّ فالله يوفّقك ويحسن معونتك. وإن كنت تفعل هذا بسببي فو الله ما أشكر أحدا كما أشكر من يسعى فى صرفى عن الوزارة، فالحبس والنفي أسهل ممّا أقاسيه منها.» وزوّر عبد الله بن علىّ عن الخادم كتبا على أنّها من بغداد إلى محمّد بن خلف بأنّه: قد أحكم أكثر ما تحتاج إليه وأنّه سريع العود إلى واسط. فسكنت نفس محمّد بن خلف إلى ذلك. وصار عبد الله بن علىّ إلى محمّد بن خلف وترضّاه وبذل له أن يحمل إليه من ماله مائة ألف درهم مرفقا ليزول ما فى نفسه عليه. فظنّ محمّد بن خلف أنّ ذلك صحيح ودعا عبد الله بن علىّ وواكله وشاربه. [٢٨٥] ولم يلبث الحسن بن هارون أن عاد من بغداد فبدأ بدار محمّد بن خلف ووقف بين يديه فقال محمّد بن خلف: - «يا عاضّ [١] ، قد بلغني أنّك شنّعت علىّ عند علىّ بن عيسى وذكرت له أنّى أطلب الوزارة مكانه وأنّك مع ذلك قد ضرّبت علىّ حاشية الأمير وغلمانه. وو الله يا كلب لأضربنّك خمسمائة سوط ولآخذنّ منك ثلاثين ألف دينار قد أبطرتك.» والحسن بن هارون لا يزيد على أن يقول له: - «الله بيني وبين من أغرى مولاي ومن أنا عبده وغرسه.» ومحمّد بن خلف يشتمه إلى أن قال له: - «لقيت الأمير؟» فقال الحسن بن هارون:

стр. 2348

- «ما لقيته بعد.» فقال له: - «فامض إلى لعنة الله فالقه وعد إلىّ.» فمضى إلى ابن أبى الساج وشرح له جميع ما وقف عليه من سعى محمّد بن خلف عليه وما خاطبه به لمّا لقيه بعد قدومه من بغداد. فقال ابن أبى الساج لخازنه الذي يتسلّم من محمّد بن خلف الأموال المحمولة إليه التي ينفقها فى رجاله وغلمانه ونفقاته: - «قد كنت أحضرتنى منذ مدّة مالا نصفه غلّة ودراهم بهرجة [١] وخراسانيّة، وذكرت أنّ ابن خلف حمله إليك لتنفقه فى الأولياء [٢٨٦] وغيره، وذكرت أنّ الأمر [٢] مسرف فى فضل الصرف وأنّه كثير فعرّفنى الآن الحال فيما يحمله إليك؟» فقال: «الذي يحمله الآن شرّ من كلّ ما تقدّم وقد أخرجت من مائة ألف درهم حملها اليوم ألف وخمسمائة درهم جديد وألفى درهم صحاح لا سيّئة [٣] واثنين وأربعين ألف درهم غلّة رديّة.» وعظم عليه الأمر فى فضل الصرف فى ذلك فقال له: - «فإذا حضر محمّد بن خلف العشيّة فادخل إلىّ واحمل المال كهيئته وعرّفنى أنّ جميع غلماني ورجالي قد فسدت نيّاتهم بهذا السبب.» ففعل الخازن ذلك. فقال ابن أبى الساج: - «يا أبا عبد الله أنت تعلم أنّ هذا المال لا يجوز لأحد أن يقبض مثله وإذا فوّت رجالي شهرا وأعطيتهم مالا جيّدا أو مقاربا للجودة كان أصلح من

стр. 2349

هذا.» فغضب محمّد بن خلف وقال له: - «ما جرّأ هذا الكلب على خطابي بحضرتك فى هذا الباب إلّا لأنّه قد وقف على فساد رأيك فىّ، وإنّما أفسدك علىّ من قدّر أن يتولّى كتابتك وهو هذا العلج الحسن بن هارون وأهون به وبهذا الخازن وبجميع غلمانك ورجالك علىّ، وأنا عقدت لك هذه الحال وهذا الأمر [٢٨٧] والآن فو الله لا نظرت فى شيء من أمرك، فاعمل ما شئت.» ونفض يده فى وجهه وخرج من مجلسه. فجعل ابن أبى الساج يحلف له أن يعود فلا يفعل ويحلف إنّه لا يرجع. فلمّا طال ذلك بينهما وبلغ أن يعطف إلى دهليز يغيب به عن عينه قال ابن أبى الساج لغلمانه: - «ضعوا أيديكم فى قفا الكلب اللاحد الخنزير [١] فأسمعونى صوته بالصفع.» فصفع نحو من مائة صفعة وأخذ سيفه ومنطقته. واستدعى ابن أبى الساج عبد الله بن علىّ وأحضر للوقت فوجّه به إلى دار محمّد بن خلف ليحفظها ويقبض على سائر غلمانه وأسبابه وخزائنه، وكان عبد الله بن علىّ مشهورا بالعفاف والثّقة. وتقدّم إلى الحسن بن هارون بأن يتقلّد كتابته مكانه واستحلفه أن يدخل إلى الحجرة التي اعتقل فيها ويقيّده بخمسين رطلا ويلبسه قميص بايباف ففعل به الحسن بن هارون ذلك فقال له: - «يا محمّد بن خلف أخبرنى أغرّك أنّى أقول لك: يا مولاي؟ إنّما كنت أسخر منك، أيّنا كان أبعد غورا وتدبيرا، أنا أم أنت؟»

стр. 2350

وأخذ الحسن بن هارون خطّه بستمائة ألف دينار بعد أن أهانه وصفعه وضربه بالمقارع، فأدّى نحو خمسين ألف دينار [٢٨٨] إلى أن رحل ابن أبى الساج من واسط إلى الكوفة لمحاربة الهجري وحمله معه مقيّدا وشغل عنه بالحرب وأسر، فأفلت محمّد بن خلف. ذكر وقعة ابن أبى الساج مع القرمطى وما استعمله من ترك الحزم واستهانته بالعدوّ حتّى أسر وما اتفق عليه بعد الأسر حتّى قتل كتب يوسف بن ديوداذ من واسط إلى الوزير أبى الحسن علىّ بن عيسى يلتمس منه حمل مال إليه ليصرفه فيما يحتاج من إعداد الأنزال [١] والعلوفات بين واسط والكوفة ويحتجّ بأنّ أموال المشرق [٢] متأخّره عنه وأنّ الأمر ليس يحتمل مع قرب موافاة الهجري بأن ينتظر ورود مال من الجبل ويقول إنّه لا يقنعه لذلك أقلّ من مائة ألف دينار. فعرض علىّ بن عيسى كتابه على المقتدر، فتقدّم بأن يحمل من بيت المال الخاصّة سبعون ألف دينار وينفذ إليه. وورد الخبر بخروج أبى طاهر من هجر بنفسه يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان، فنزل فى الموضع المعروف بالحس وبينه وبين الاحساء مسيرة يومين وأقام به إلى يوم السبت ورحل من غد وكتب [٢٨٩] السلطان إلى ابن أبى الساج بما ورد من خبره ويأمره بالمبادرة إلى الكوفة. وكتب علىّ بن عيسى إلى عمّال الكوفة باعداد الميرة والعلوفات ليوسف.

стр. 2351

وسار يوسف من واسط يوم الأربعاء لليلة بقيت من شهر رمضان نحو الكوفة وعاد سلامة الطولونى منصرفا من عنده وكان حمل إليه المال. ولمّا قرب أبو طاهر الهجري من الكوفة أطلق جميع من كان معه من أسارى الحاجّ وهرب عمّال السلطان من الكوفة فأخذ أبو طاهر جميع ما أعدّ ليوسف من المير والعلوفات وهو مائة كرّ دقيقا وألف كرّ شعيرا وقد كان خفّ ما مع أبى طاهر من الميرة، ولحقه وأصحابه [١] شدّة فقوى ومن معه بما صار إليهم. ووافى يوسف إلى ظاهر الكوفة يوم الجمعة لثمان خلون من شوّال وقد سبقه أبو طاهر إليها بيوم واحد فحال بينها وبينه. وحكى عن أبى طاهر أنّه قال: إنّ عسكره قرب من عسكر يوسف فى الطريق بين واسط والكوفة، وكان يوم ضباب، فلم ير أحدهما صاحبه وانّه أحسّ به [٢] ولو شاء لأوقع به. ووجّه يوسف إلى أبى طاهر يدعوه [٢٩٠] إلى الطاعة، فإن أبى فإنّ الوعد للحرب يوم الأحد. فحكى الرسول: انّه لمّا صار إليه حمل إلى موضع فيه جماعة متشاكلو الزىّ وقيل له: - «تكلّم فإنّ السيّد يسمع.» ولم يعرف من هو منهم. فأدّى الرسالة فأجيب بأنّه غير مستجيب لما دعاه إليه ولا لتأخير المناجرة. فكانت الحرب بينهما يوم السبت لتسع خلون من شوّال سنة خمس عشرة وثلاثمائة على باب الكوفة. فيقال إنّ ابن أبى الساج لمّا عاين عسكر أبى طاهر ووقف على عزّته أزرى عليه واحتقره [٣]

стр. 2352

وقال: - «من هؤلاء الكلاب؟ هؤلاء بعد ساعة فى يدي.» وتقدّم بأن يكتب كتاب الفتح قبل اللقاء تهاونا به وزحف كلّ واحد منهما إلى صاحبه. فلمّا سمع الهجري صوت البوقات والدّبادب والزّعقات عن عسكر ابن أبى الساج- وكانت عظيمة جدّا- التفت رجل منهم إلى رفيق له وهو يسايره فقال له: - «ما هذا الزجل؟» فقال له رفيقه: «فشل.» فقال له: «أجل.» ما زاده لفظة. ورسم عسكر أبى طاهر أن لا تكون فيه بوقات ولا دبادب ولا صياح. وعبّأ ابن أبى الساج رجاله وانفرد هو مع غلمانه على عادة له فى الحرب وكان ابتداء الحرب بينهما مذ ضحوة نهار يوم السبت إلى وقت غروب [٢٩١] الشمس. وما قصّر ابن أبى الساج فى الثبات وأثخن أصحاب أبى طاهر بالنشّاب وجرح منهم خلقا. فلمّا رأى أبو طاهر ذلك وكان واقفا فى عمّاريّة له مع من يثق به من أصحابه نحو مائتي فارس بالقرب من حيطان الحيز نزل من العمّاريّة فركب فرسا له وحمل بنفسه مع ثقاته وحمل يوسف بنفسه وغلمانه عليه واشتبكت الحرب بينهما فأسر ابن أبى الساج آخر النهار وبه ضربة على جبينه بعد أن اجتهد به غلمانه أن ينصرف فامتنع عليهم وحصل أسيرا فى يد أبى طاهر مع جماعة من غلمانه بعد أن قتل من أصحابه عدد كثير وانهزم الباقون. ولمّا أسر يوسف وقت المغرب حمل إلى معسكر أبى طاهر وضربت له خيمة وفرش له فيها ووكّل به وأحضر رجل معالج يعرف بابن السبيعي. فقال

стр. 2353

ابن السبيعي هذا: لمّا دخلت إليه إلى الخيمة التي حبس فيها وجدته جالسا وعليه درّاعة ديباج فضّى وجرّبانها [١] ولبّتها [٢] من ديباج أحمر وقد تلوّنت [٣] بالدم الذي سال من الضربة التي فى جبينه، ووجدت الدم قد جمد على وجهه، فالتمست ماء حارّا. فقال لى بعض أصحاب أبى طاهر: - «والله ما ذاك عندنا، ولا عندنا ما يسخن فيه.» وكانوا [٢٩٢] خلّفوا سوادهم بالقرب من القادسيّة وتجردوا للقتال، فغسلت وجهه بماء بارد وغسلت موضع الضربة وعالجته وسألنى عن اسمى وبأىّ شيء أعرف، فذكرت له ذلك فوجدته يعرف أهلى أيّام كان بالكوفة وهو صبىّ مع أخيه الأفشين وكان يتقلّد الكوفة، فعجبت من ذكره وفهمه وقلّة اكتراثه بما هو فيه. وورد خبر الوقعة وأسر ابن أبى الساج على علىّ بن عيسى، فراح إلى دار السلطان واجتمع مع نصر الحاجب ومونس المظفّر على إنهاء الخبر إلى المقتدر بالله وانتشر الخبر، فدخلت الخاصّة والعامّة لأبى طاهر هيبة عظيمة ورهبة شديدة، وعملت الجماعة على الهرب إلى واسط ثمّ إلى الأهواز، وابتدأ المنهزمون بالدخول إلى بغداد، وأخرج مونس المظفّر مضربه إلى ميدان الأشنان وخرج على أن يمضى إلى الكوفة. وورد كتاب العامل بقصر ابن هبيرة على علىّ بن عيسى بأنّ أبا طاهر وأصحابه رحلوا عن الكوفة يوم الثلاثاء لاثنى عشرة خلت من شوّال قاصدين عين التمر، وورد كتابه بعد ذلك بنزولهم عين التمر، فبادر علىّ بن عيسى باستئجار خمسمائة سميريّة وجعل فيها ألف رجل ومعها عدّة [٢٩٣]

стр. 2354

من شذاءات وطيّارات وحوّلها من دجلة إلى الفرات وفيها جماعة من الغلمان الحجريّة لمنع الهجري من عبور الفرات، وتقدّم إلى جماعة من القوّاد بالمسير على الظهر من بغداد إلى الأنبار لضبطها. فلمّا كان يوم الجمعة رأى أهل الأنبار ومن بها من القوّاد خيل أبى طاهر مقبلة من الجانب الغربي فبادروا إلى قطع جسر الأنبار وأقام أبو طاهر إلى أن أمكنه العبور بالسفن فعبر يوم الثلاثاء نحو مائة رجل ولا يعلم بهم أصحاب السلطان إلى ان حصلوا بالأنبار ونشبت الحرب بينهم وبين جماعة من القوّاد. فلمّا خلا البلد من أصحاب السلطان عقد أبو طاهر جسر الأنبار وعبر وخلّف سواده فى الجانب الغربي وفيه ابن أبى الساج، ولمّا علم من فى الشذاءات من أصحاب السلطان أنّ أبا طاهر قد عقد الجسر ساروا إليه بالليل فضربوه بالنار فبقى أبو طاهر فى جماعة من أصحابه فى الجانب الشرقي من الفرات وسواده فى الجانب الغربي منه وحالت الشذاءات والطيّارات بينهم. ولمّا ورد الخبر بعبور أبى طاهر إلى الأنبار وقتله من بها من القوّاد خرج نصر الحاجب ومعه [٢٩٤] الحجريّة والرجّالة المصافيّة وجميع من كان بقي ببغداد من القوّاد وبين يديه علم الخلافة وهو شبيه باللواء أسود وعليه كتابة بياض: - «محمّد رسول الله.» وكان مونس قد صار بباب الأنبار واجتمع مع نصر وكان عدد من معهما من الفرسان والرجّالة وغيرهم يزيد على أربعين ألف رجل، وخرج أبو الهيجاء ومن إخوته أبو الوليد وأبو العلاء وأبو السرايا فى أصحابه وأعرابه وسار نصر وسبق مونسا على قنطرة النهر المعروف بزبارا بناحية عقرقوب [١]

стр. 2355

على نحو فرسخين من بغداد ولحق به مونس واجتمعا على النهر وأشار أبو الهيجاء على نصر الحاجب بقطع قنطرة نهر زبارا وألحّ عليه فى ذلك. فلمّا رآه يتثاقل عن قبول رأيه قال له: - «أيّها الأستاذ اقطعها واقطع لحيتي معها.» فقطعها حينئذ. وسار أبو طاهر ومن حصل معه من أصحابه من الجانب الشرقي من الفرات قاصدين نهر زبارا. فلمّا صار على فرسخ واحد من عسكر السلطان آخر يوم الاثنين لعشر خلون من ذى القعدة بات بموضعه ليلته وباكر المسير إلى قنطرة نهر زبارا. وتقدّم من رجّالته راجل أسود يقال له: صبح، [١] فكان أمام عسكره فما زال نشّاب أصحاب السلطان تأخذه وهو يتقدّم ولا يهوله وقد صار بالنشّاب كالقنفذ، فلمّا صعد القنطرة ورآها مقطوعة رجع، وما زال أصحاب أبى طاهر يمتحنون غور [٢] الماء فى النهر، فلمّا علموا انّه ليس يخيض انصرفوا راجعين القهقرى من غير أن يولّوا ظهورهم وصاروا إلى الحسينية فوجدوا الماء قد أحاط به لأنّ نصرا ومونسا وجّها قبل ذلك بمن بثق هناك بثوقا كبارا فصار الماء المخر محيطا بعسكر أبى طاهر. فأقام هناك يوم الثلاثاء وسار هو وأصحابه إلى الأنبار ولم يجسر أحد من أصحاب السلطان أن يتبعه أو يصلح قنطرة زبارا أو يعبرها. وكان ما أشار به أبو الهيجاء من قطع هذه القنطرة توفيقا من الله فانّها لو كانت صحيحة لعبر أصحاب القرمطى عليها وما هالهم وفور عسكر السلطان ولا نهزم أصحاب السلطان وملك القرمطى بغداد. وذاك انّ أكثر أصحاب

стр. 2356

السلطان كرّوا إلى بغداد منهزمين لمّا بلغهم وصول أبى طاهر إلى النهر من غير أن يروهم أو يقع عين عليهم لعظيم ما تداخل القلوب من الرعب بعد الحادث بابن أبى الساج. [٢٩٦] ولم يحدّث أحد نفسه بعد ذلك أن يجوز له أن يثبت فى وجهه. وكان مع أبى طاهر جماعة من الأولاد فعدلوا به عن المخر وسار نحو الأنبار ولمّا ولّى أبو طاهر وأصحابه عن موضع العسكر بزبارا ارتفع التكبير والتهليل من أصحاب السلطان ليذيع الخبر به وبادر أصحاب الأخبار إلى علىّ بن عيسى بالسلامة وبانصراف أبى طاهر ورجوعه إلى الأنبار وبأنّه لا طريق له ولا مخاضة ولا حيلة فى الوصول إلى معسكر عسكره ولا إلى نواحي بغداد. وطمع مونس فى الظفر بسواده وباقى رجاله الذين خلّفهم فى الجانب الغربي من الأنبار وفى تخليص ابن أبى الساج فأنفذ يلبق حاجبه وجماعة من القوّاد ومن غلمان ابن أبى الساج فى ستّة آلاف رجل وظنّوا أنّه لا يتم لأبى طاهر العبور إلى خيله وسواده. وبلغ أبا طاهر ذلك فاحتال حتّى انفرد عن رجاله ومشى مشيا طويلا حتّى خرج عن الأنبار إلى الصحراء التي تتّصل بالفرات، ثمّ عبر فى زورق صيّاد يقال: إنّه دفع إليه ألف دينار حتّى عبر به إلى سواده. فلمّا حصل فى سواده واجتمع مع أصحابه حارب يلبق ومن معه [٢٩٧] فلم يثبت له يلبق وانهزم ومن معه وقتل جماعة من أصحابه. وبصر أبو طاهر فى الوقت بابن أبى الساج وقد خرج من خيمته التي كان معتقلا فيها متطلّعا إلى الطريق لينظر ما يكون من حال الوقعة فوقع له انّه أراد أن يهرب فدعا به إلى حضرته وقال: - «أردت الهرب؟»

стр. 2357

ويقال: إنّ غلمانه كانوا نادوه فقال له القرمطى: - «طمعت أن يخلّصك غلمانك؟» فأمر به فضربت عنقه بحضرته وضرب أعناق جماعة كانوا فى الأسر. واحتال بعد ذلك أبو طاهر حتّى عبر جميع أصحابه الذين كانوا معه فى الجانب الشرقي من الفرات بالأنبار فحصلوا معه فى الجانب الغربي الذي يلي البرّيّة وعاد يلبق منهزما مفلولا إلى مونس المظفّر. وحكى أبو القاسم ابن زنجى أنّه كان عدّة أصحاب أبى طاهر ألف وخمسمائة رجل منهم سبعمائة فارس وثمانمائة راجل وأنّه عرف ذلك من رجل أنبارىّ كان يقيم له ولرجاله الخبر. وقد قيل: إنّهم كانوا ألفى وسبعمائة. قال: وسمعت بعض مستأمنة أبى طاهر وقد سئل عن السبب فى سرعة هزيمة أصحاب السلطان وثباتهم هم [٢٩٨] فقال: - «السبب فى ذلك انّ أصحاب السلطان يقدّرون أنّ السلامة فى الهرب فيقدّمونه ونحن نقدّر أنّ السلامة فى الصبر فنثبت ولا نبرح.» ورتب علىّ بن عيسى بين بغداد ونهر زبارا [١] المرتبين وسلم إليهم مائة طير إلى مائة رجل منهم يكتبون على أجنحتهم كتبا بخبر العدوّ فى كلّ ساعة. وكان السبب فى سلامة بغداد وأهلها يوم قصد القرمطى زبارا مع كثرة العيارين والمتشبّهه بالجند وتشوّقهم إلى النهب أنّ علىّ بن عيسى تقدّم إلى نازوك بمواصلة الركوب والتطواف فى جميع جيشه كلّ يوم غدوة وعشيّة فى الجانبين ففعل ذلك. ثمّ تقدّم إليه فى يوم موافاة أبى طاهر إلى نهر زبارا أن

стр. 2358

يبكّر إلى باب حرب بجميع جيشه ويقيم فيه إلى وقت العتمة وأن يواصل النداء فى الجانبين بأنّه: - «من ظهر من العيّارين والمتشبّهه بالجند ومن وجد معه حديد ضرب عنقه.» فانجحر العيارون وأغلق أهل باب المحوّل ونهر طابق والقلائين وغيرهم دكاكينهم وتحرّز الناس فنقلوا أمتعتهم إلى منازلهم. وأمّا وجوه الناس فأكثروا والزواريق وجعلوها فى [٢٩٩] الشوارع فى دجلة ونقلوا إليها أمتعتهم ومنهم من حدرها إلى واسط. ونقل قوم من المهجّرين أمتعتهم إلى حلوان لتحمل إلى خراسان مع الحاجّ ولم يكن عند أحد من الخواصّ والعوامّ شكّ فى أنّ القرمطى يملك بغداد. وأقام نازوك فى ذلك اليوم كما رسم له علىّ بن عيسى، على ظهر دابّته من أوّل النهار إلى أن مضى صدر من الليل لا ينزل [١] هو ولا أحد من أصحابه عن دوابّهم إلّا للصلاة وضربت له ولهم الخيم فنزلوها بالليل وكان ذلك سببا لسلامة البلد. وقصد القرمطى إلى هيت وبادر هارون بن غريب وسعيد بن حمدان إلى هيت لدفعه عنها فسبقا القرمطى إلى هيت وصعدا إلى سورها وقويت بهما قلوب أهل هيت. فلمّا وصل القرمطى إليها قاتلوه بالمنجنيقات فقتل من القرامطة جماعة وانصرف أبو طاهر عنها. وورد الخبر بذلك إلى بغداد فسكنت النفوس واطمأنّت القلوب وتصدّق المقتدر والسيّدة لمّا بلغهما خبر انصرافه بمائة ألف درهم. وكان مونس ونصر أحضرا جرائد جميع الرجال الذين اجتمعوا على نهر

стр. 2359

زبارا ممّا يلي بغداد سوى [٣٠٠] الأعراب فوجدوهم إثنين وأربعين ألف رجل سوى غلمانهم وأسبابهم فانّهم كانوا أضعاف هذه العدّة. وكان علىّ بن عيسى لمّا بلغه أسر ابن أبى الساج بادر فى الوقت إلى المقتدر وقال له: - «إنّما جمع الخلفاء المتقدّمون الأموال ليقمعوا بها أعداء الدين والخوارج وليحفظوا بها الإسلام والمسلمين ولم يلحق المسلمين منذ قبض النبي- ﷺ شيء أعظم من هذا الأمر، لأنّ هذا الرجل كافر وقد أوقع بالحاجّ فى سنة اثنتي وثلاثمائة ما لم يعهد مثله وقد تمكّنت له هيبة فى قلوب الأولياء والخاصّ والعامّ. - «وانّما جمع المعتضد والمكتفي فى بيت مال الخاصّة ما جمعوا لمثل هذه الحوادث والآن فلم يبق فى بيت مال الخاصّة كبير شيء، فاتّق الله يا أمير المؤمنين.» - «وتخاطب السيّدة فانّها ديّنة فاضلة فإن كان عندها مال قد ذخرته لشدّة تلحقها أو تلحق الدولة فهذا وقت إخراجه، وإن تكن الأخرى فاخرج أنت وأصحابك إلى أقاصى خراسان فقد صدّقتك ونصحتك.» فدخل إلى والدته ثمّ عاد فأخبر أنّ السيّدة استرأته وأمرت بإخراج خمسمائة ألف دينار من مالها إلى بيت [٣٠١] مال العامّة لينفق فى الرجال. وسأل علىّ بن عيسى عن مقدار ما بقي فى بيت مال الخاصّة من المال فعرّفه علىّ بن عيسى أنّ فيه خمسمائة ألف دينار. وتجرّد علىّ بن عيسى لحفظ الأموال وتقدّم ألّا يضيّع منها درهم واحد فى قضاء الذّمامات، وجمع أموال النواحي وأنفذ المستحثين إلى العمّال فاجتمعت له جملة أخرى. وتنصّح إلى علىّ بن عيسى رجل من التجّار بأنّه وقف على خبر رجل

стр. 2360

شيرازى يتخبر للقرمطى ويكاتبه. فأنفذ معه جماعة فقبض عليه وحمل إلى دار السلطان وناظره علىّ بن عيسى بحضرة القاضي أبى عمر والقوّاد وقال: - «أنا صاحب أبى طاهر وما صحبته إلّا على انّه على حقّ وأنت وصاحبك ومن يتبعكم كفّار مبطلون ولا بدّ لله فى أرضه من حجّة وإمام عدل وإمامنا المهدىّ فلان بن فلان بن إسماعيل بن جعفر الصادق وليس نحن مثل الرافضة الحمقى الذين يدعون إلى غائب منتظر.» فقال له علىّ بن عيسى: - «اصدقنى عمّن يكاتب القرمطى من أهل بغداد والكوفة.» قال: «ولم أصدقك عن قوم مؤمنين حتّى أسلّمهم إلى قوم كافرين فيقتلونهم؟ [٣٠٢] لا أفعل ذلك أبدا.» فأمر بصفعه بحضرته وضربه بالمقارع وقيّده وغلّه بغلّ ثقيل [١] وجعل فى فمه سلسلة وسلّمه إلى نازوك وحبسه فى المطبق فمات بعد ثمانية أيّام لأنّه امتنع من أن يأكل ويشرب حتّى مات وشغب الجند. ودخلت سنة ستّ عشرة وثلاثمائة ودخل مونس المظفّر بغداد من الأنبار ودخل بعد نصر وذلك يوم الخميس لثلاث خلون من المحرّم وكان الجند قد شغبوا بالأنبار لطلب الزيادة فى أرزاقهم فأقاموا ببغداد على مطالبتهم، فزيد كلّ واحد منهم دينارا وأنفق فيهم على الزيادة. وورد الخبر بدخول أبى طاهر القرمطى الدالية من طريق الفرات فلم يجد فيها شيئا وقتل من أهلها جماعة ثمّ سار إلى الرحبة فدخلها بعد أن حارب

стр. 2361

أهلها ووضع السيف فيهم بعد أن ملكهم وندب مونس المظفّر للخروج إليهم بالرقّة، وكان أهل قرقيسيا وجّهوا إلى القرمطى يطلبون الأمان منهم ووعدهم بجميل. ثمّ أنفذ إليهم من نادى بقرقيسيا ألّا يظهر بها أحد بالنهار فلم يجسر أحد بها أن يظهر [٣٠٣] فعبرت سريّة له إلى الأعراب على جسر عقده بالرحبة فأوقع بهم وقتل منهم مقتلة عظيمة وأخذ جمالهم وأغنامهم فرهبه الأعراب رهبة شديدة، وصاروا لا يسمعون بذكره إلّا تطايروا، وجعل عليهم أتاوة إلى هذه الأيام وهي من كلّ بيت دينار فى السنة. ثمّ أصعد من الرحبة إلى الرقّة. وسار مونس المظفّر إلى الموصل ومنها إلى الرقّة فانصرف أبو طاهر عن الرقّة على طريق الفرات ووصل إلى الرحبة فحمل ما معه من الزاد وغيره فى زواريق وانحدر فى الماء وعلى الظهر ليعاود هيتا. وكان أهلها قد نصبوا على سورها عرّادات ومنجنيقات، فحاربوه وقتلوا من أصحابه، فانصرف عنها إلى ناحية الكوفة، وورد [١] الخبر بذلك فأخرج بنىّ بن نفيس وهارون بن غريب على مقدّمة نصر. وجاءت خيل القرمطى ومعها ابن سنبر إلى قصر ابن هبيرة وعبروا الفرات بمخاضة فقتلوا جماعة من أهل القصر. فخرج نصر الحاجب ومعه القوّاد والرجّالة المصافيّة يريدون مواقعة أبى طاهر وحمّ نصر حمّى حادّة فلم يمنعه ذلك من المسير إلى سورا. ووافى [٣٠٤] أبو طاهر إلى شاطئ سورا وقت المغرب، فلم يكن فى نصر نهوض للركوب لشدّة علّته، فاستخلف أحمد بن كيغلغ وأنفذ معه الجيش فانصرف القرمطى قبل أن يلقاه أحمد بن كيغلغ. واشتدّت علّة نصر وجفّ لسانه من شدّة الحمّى فردّ إلى بغداد فى عمارية

стр. 2362

ومات فى الطريق. فخرج شفيع المقتدري برسالة المقتدر إلى الجيش الذي كان مع نصر بأنّه قد جعل الرئيس عليهم مكان نصر هارون ابن غريب فدخل هارون بن غريب مع الجيش بغداد. ذكر الحال التي أدّت إلى صرف علىّ بن عيسى وتقليد أبى علىّ ابن مقلة لمّا رأى علىّ بن عيسى اختلال النواحي فى أيّام وزارة الخاقاني والخصيبى ونقصان الارتفاع وزيادة النفقات وما لحق من زيادة الرجّالة بعد انصرافهم من الأنبار من حرب القرمطى وأنّ زيادتهم بلغت مائتي وأربعين ألف دينار فى السنة مضافة إلى النفقات المفرطة هاله ذلك واستعظمه ووجد رجال السلطان قد ضعفوا عن القرمطى وتبيّن انحراف نصر الحاجب عنه، وذلك لميل مونس إليه، استعفى [٣٠٥] المقتدر من الوزارة فأمره بالصبر وقال له: - «أنت عندي بمنزلة المعتضد بالله ولى عليك حقوق.» فواصل الاستعفاء فشاور المقتدر مونسا المظفّر وأعلمه أنّه قد سمّى له ثلاثة: الفضل بن جعفر ابن حنزابة فلم يشر به لأجل من قتل [١] من آل الفرات، وأبو علىّ ابن مقلة فلم يشر به لحداثته وقال: - «لا يصلح للوزارة إلّا شيخ له ذكر وفيه فضل.» ، ومحمّد بن خلف النيرمانى فلم يشر به، وعرّفه أنّه جاهل لا يحسن [٢] أن يتهجّى اسمه وأنّه متهوّر، وأشار بمداراة علىّ بن عيسى.

стр. 2363

ثمّ لقى مونس علىّ بن عيسى ورفق به وداراه فقال له علىّ بن عيسى: - «لو كنت مقيما بالحضرة لاستعنت بك وعملت ولكنّك خارج إلى الرقّة.» وبلغ أبا علىّ ابن مقلة ذلك فجدّ فى السعى، وشاور المقتدر نصر الحاجب فى أمر الثلاثة فقال: - «أمّا الفضل بن جعفر فلا يدفع عن صناعة ومحلّ ولكنّك بالأمس قتلت عمّه وبنو الفرات يدينون بالرفض، وأمّا ابن مقلة فلا هيبة له.» وأشار بمحمّد بن خلف لما كان بينهما ممّا ذكرناه فيما تقدّم. فنفر المقتدر منه لما عرفه من جهله وتهوّره، وواصل ابن مقلة [٣٠٦] مداراة نصر الحاجب فأشار على المقتدر به وقال: - «يقلّد، فإن قام بالأمر كما يجب وإلّا فالصرف العاجل بين يديه.» واضطرّ المقتدر إلى أن استوزر أبا علىّ بن مقلة. وكان ما مال به المقتدر إلى أبى علىّ أنّ أبا طاهر القرمطى لمّا قرب من الأنبار تشوّف إلى علم خبره ولم يكن يكاتب بشيء من خبره غير الحسن بن إسماعيل الإسكافى عامل الأنبار. فلمّا عرف أبو علىّ ابن مقلة الصورة طلب أطيارا وأنفذها إلى الأنبار وكوتب عليها أخبار القرمطى وقتا بعد وقت فكان ينفذها إلى نصر لوقته ويعرضها نصر على المقتدر ووجد بذلك نصر السبيل إلى تقريظ [١] ابن مقلة وقال للمقتدر: - «إن كان هذه مراعاته لأمورك ولا تعلّق له بخدمتك فكيف يكون إذا اصطنعته؟»

стр. 2364

ذكر القبض على علىّ بن عيسى وتقليد ابن مقلة فلمّا كان يوم الثلاثاء للنصف من شهر ربيع الأوّل سنة ستّ عشرة وثلاثمائة أنفذ هارون ابن غريب للقبض على علىّ بن عيسى فصار هارون إلى دار علىّ بن عيسى ومعه أبو جعفر بن شيرزاد وكان أبو جعفر متعطّلا فى الوقت فوجّه بأبى جعفر إليه لأنّه [٣٠٧] استحيا منه وعرّفه ما أمر فيه. فلمّا أدّى إليه الرسالة قال له: - «أنا جالس متوقّع له.» وكان قد لبس علىّ بن عيسى خفّا وعمامة وطيلسانا وفى كمّه مصحف ومقراض وسأل هارون أن يصون حرمه وولده ففعل، وحمله مع أخيه أبى علىّ عبد الرحمن إلى دار السلطان فسلّم علىّ بن عيسى إلى زيدان القهرمانة واعتقل عبد الرحمن عند نصر فكانت وزارته هذه سنة واحدة وأربعة أشهر ويومين. فلمّا كان فى آخر نهار يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر أحدر أبو علىّ ابن مقلة الحاجب فى دار السلطان ولم يصل إلى المقتدر وأقام عند نصر الحاجب فى دار السلطان. وجدّ محمّد بن خلف فى طلب الوزارة وضمن ثلاثمائة ألف دينار [١] معجّلة غير أموال النواحي. فقلق أبو علىّ ابن مقلة لذلك وحضر من غد دار السلطان ولم يصل أيضا. واجتمعت الألسن على المقتدر بإمضاء أمره وبالذمّ لمحمّد بن خلف، فأمضاه وحضر يوم الخمسين للنصف من الشهر ووصل وخلع عليه وحمل

стр. 2365

إليه من دار السلطان طعام على رسم الوزراء إذا تقلّدوا. وكان أبو الحسن [٣٠٨] علىّ بن عيسى قبل صرفه عن الوزارة بعشرين يوما كتب إلى أبى عبد الله البريدي يأمره باستخراج ما كتب به ابن ما بنداذ [١] أنّه قد اجتمع فى بيت مال الأهواز من مال الأهواز وهو ألف ألف وخمسون ألف درهم وانضاف إلى ذلك ما حمله القاسم بن دينار من مال فارس وكرمان على الظهر وهو سبعمائة ألف درهم سوى ما حمله أبو على ابن رستم من مال إصبهان وهو أربعمائة وخمسون ألف درهم فيصير الجميع ألفى ألف ومائتي ألف درهم. وكان فى أبى عبد الله البريدي حركة ورجلة يحتاج إليهما فى ذلك الوقت. فكتب إلى ابن مابنداذ يطالبه بالمال فكتب بأنّ المال حاصل. وكان ابن مابنداذ بتستر، فوجّه إليه يستعجله ولم ينتظره واستحضر كاتبه فحمل فى الشذاءات ألفى ألف ومائتي ألف درهم، وكتب أنّه إن عادت الشذاءات حمل فيها باقى المال، فصرف علىّ بن عيسى قبل موافاة بقية المال. وقد كنّا ذكرنا انحراف نصر الحاجب عن علىّ بن عيسى لميل مونس المظفّر إليه، فلمّا نكب علىّ بن عيسى ادّعى نصر الحاجب أنّه وجد رجلا يعرف بالجوهرى أقرّ أنّه صاحب القرمطى [٣٠٩] وأنّه جعل سفيرا بينه وبين علىّ بن عيسى. وحكى عنه أنّ علىّ بن عيسى كان يكاتب القرمطى على يده وجمع بينه وبين علىّ بن عيسى حتّى واجهه بذلك فقال له علىّ بن عيسى: - «بهتني وما خلق الله لما يقوله أصلا.» وعاون أبو علىّ ابن مقلة نصرا الحاجب فى هذه القصّة إلى أن كاد يتمّ

стр. 2366

المكروه على علىّ بن عيسى وهمّ المقتدر أن يضربه بالسوط على باب العامّة بحضرة الفقهاء والقضاة وأصحاب الدواوين، فاحتالت السيّدة واستكشفت الحال فيما ادّعى عليه فوقفت على بطلانه وقررت ذلك فى نفس ابنها وأزالت ما كان أمره به فيه. وأخذ أبو علىّ ابن مقلة خطوط العمّال والضمناء بنحو مائة ألف دينار وبلغ أبا عبد الله البريدي وهو بالأهواز تقلّد أبى على ابن مقلة الوزارة وكان بينهما مودّة فأنفذ إليه من وقته سفاتج بثلاثمائة ألف دينار من حمله الباقي بالأهواز بعد ما كان حمله. وكان القاسم بن دينار وأحمد بن محمّد بن رستم قد حملا إلى علىّ بن عيسى سفاتج بستمائة ألف درهم، فوصلت بعد صرفه [١] فقبضها ابن مقلة فمشى أمر أبى علىّ ابن مقلة بهذه الاتفاقات. وكتب [٣١٠] أبو علىّ ابن مقلة كتابا برفع كلّ الجبايات [٢] والمصادرات وسكّن من الناس لينبسطوا فى أعمالهم. وفى هذه السنة وقعت حرب بين نازوك وهارون بن غريب خال ذكر السبب فى ذلك كان السبب فى ذلك أنّ سوّاس هارون بن غريب وسوّاس نازوك تغايروا على غلام أمرد ووقع الشّر بينهم وأخذ نازوك سوّاس هارون بن غريب وأودعهم حبس الجرائم بعد أن ضربهم، فصار أصحاب هارون بن غريب إلى مجلس الشرطة ووثبوا على أبى الجود خليفة نازوك وانتزعوا أصحابهم من

стр. 2367

يده. وركب نازوك إلى المقتدر وشكا إليه هذه الحال فلم يكن من المقتدر إنكار رضيه [١] نازوك فانصرف محفظا وجميع رجاله وجمع هارون ابن غريب رجاله وباتا جميعا مستعدين. فلمّا أصبحوا زحف أصحاب نازوك إلى دار هارون بن غريب وأغلق هارون بابه دونهم وخارج الباب جماعة من غلمان هارون وأصحابه فقتل منهم قوم وفتح باب هارون حينئذ وخرج أصحابه واستحكمت الحرب بينهم واشتدّت. فوجّه نازوك إلى أصحابه بمن صرفهم، ثمّ ركب [٣١١] الوزير أبو علىّ ومعه مفلح الأسود لتوسط القصّة، فبدأ بابن الخال وأدّى إليه رسالة المقتدر بالكفّ. ثمّ صار الى نازوك فأدّى إليه مثل ذلك فسكنت القصّة. واستوحش نازوك وأقام فى داره وفيها غلمانه وأصحابه ورجاله وظهر فى ساقه توتة [٢] وقلعها وجعلها سببا فى ترك الركوب وبعد ثلاثة أيّام صار إليه هارون بن غريب بدرّاعة فاصطلحا وأقام نازوك فى داره وصار هارون بن غريب إلى البستان النجمى فأقام فيه ليبعد عن نازوك وكثر الناس عليه وأرجفوا له بإمرة الأمراء فاشتدّ ذلك على أسباب مونس المظفّر وكتبوا به إليه وهو بالرقّة فأسرع الشخوص منها على طريق الموصل إلى بغداد ووصل إليها ولم ينحدر إلى المقتدر ولا لقيه وصاعد إليه الأمير أبو العبّاس والوزير أبو علىّ فسلّما عليه وانحدر نازوك. ظهور الوحشة بين مونس والمقتدر وأقام هارون بن غريب فى دار السلطان منابذا لمونس المظفّر ودخل أبو

стр. 2368

الهيجاء عبد الله بن حمدان من الجبل وصار إلى مونس المظفّر وما زالت المراسلات تتردد بين مونس والمقتدر. [٣١٢] ودخلت سنة سبع عشرة وثلاثمائة ذكر فتنة نازوك وأبى الهيجاء التي أدّت إلى خلع المقتدر وذكر قتلهما ورجوع المقتدر بالله إلى الخلافة لمّا كان يوم السبت لثمان خلون من المحرّم خرج مونس المظفّر إلى الشمّاسيّة وخرج الجيش معه وركب نازوك من داره فى غلمانه وأصحابه فى السلاح. فلمّا وصل إلى الجسر وجده مقطوعا فأقام بمكانه إلى أن أصلح وعبر هو وأصحابه عليه وصاروا إلى مونس وخرج أبو الهيجاء ابن حمدان إليه وسائر القوّاد، ثمّ انتقلوا من باب الشمّاسيّة إلى المصلّى وشحن المقتدر داره بهارون بن غريب وأحمد بن كيغلغ والحجريّة والرجّالة المصافيّة. فلمّا كان آخر النهار انفضّ أكثر من كان فى دار السلطان وصاروا إلى مونس وصرف مونس نحرير الصغير عن الدينور وردّها إلى أبى الهيجاء مضافة إلى أعماله. وراسل مونس المقتدر بأنّ الجيش عاتب منكر للسرف فيما يصير إلى الخدم والحرم من الأموال والضياع ولدخولهم فى الرأى والتدبير ويطالبون بإخراجهم من الدار [٣١٣] وإبعادهم وأخذ ما فى أيديهم. فكتب المقتدر إلى مونس رقعة نسختها: - «بسم الله الرحمن الرحيم، أمتعنى الله بك ولا أخلانى منك ولا

стр. 2369

أرانى سوء فيك. تأمّلت الحال التي خرج أولياؤنا [١] وصنائعنا وشيعتنا إليها وتمسّكوا بها وأقاموا عليها، فوجدتهم لم يريدوا [٢] إلّا صيانة نفسي وولدي وإعزاز أمرى وملكي واجتلاب الخير والمنفعة من كلّ جهة وتطلبها بكلّ سبيل، بارك الله عليهم وأحسن إليهم وأعاننى على صالح ما أنويه فيهم. - «وأمّا أنت يا أبا الحسن المظفّر- لا خلوت منك- فشيخى وكبيرى ومن لا أزول ولا أحول عن الميل إليه والتوفّر عليه والتحقق به والإيجاب له اعترض ما بيننا هذا الحادث أم لم يعترض. وانتقض الأمر الذي يجمعنا أم لم ينتقض، وأرجو ألّا تشكّ فى ذلك إذا صدقت نفسك وحاسبتها وأزلت الظنون السيّئة عنها أدام الله حراستها والقوّة بالله والذي خاض لأصحابنا فيه من أمر الخدم والحرم الذين يخرجون من الدار ويباعدون عنها وتسقط رسومهم فى الخدمة ويمنعون منها ويبرّءون من نعمهم ويحال بينهم وبينها إلى أن يفرجوا عمّا فى أيديهم من المال [٣١٤] والضياع ويردّوها إلى حقوقها قول إذا تبيّنوه حقّ تبيّنه وتصفّحوه كنه تصفّحه علموا أنّه قول جاف والبغي علىّ فيه غير مستتر ولا خاف. - «ولإيثارى موافقتهم واتّباعى مسرّتهم ما أجبتهم إلى المتيسّر فى أمر هذه الطبقة خاصّة، فأتقدم بقبض بعض

стр. 2370

إقطاعاتهم وحظر تسويغاتهم وبسط إيغاراتهم وإخراج من يجوز إخراجه من دارى ولا أطلق للباقين الدخول فى تدبيري ورأيى وأوعز بمكاتبة العمّال فى استيفاء [١] حقّ بيت المال فى ضياعهم الصحيحة الملك دون ما يقال إنّه قد لابسه [٢] الريب والشكّ. - «وأنظر بنفسي فى أمر الخاصّة والعامّة وأبلغ فى إنصافها والإحسان إليها الغاية، ولا أعتمد فى ذلك على وزير ولا سفير البتّة وانتصب لإثارة الأموال وجمعها ووضعها فى مواضعها وأحميها من كلّ ما يثلمها وينتقصها وأشمّر فى ذلك وأبلغ فى مناهضة الأعداء قربا وبعدا وهذا إنّما قعدت عنه اعتمادا عليكم وتفويضا إليكم وثقة بأنّكم شركائى وسهمائى والمخصوصون بخير أيّامى شرّها وحلوها ومرّها ولو علمت انّه يجعل ذلك ذنبا لى وجرما يتجنّى به علىّ لكنت أوّل شاخص إلى كلّ [٣١٥] تعب وأوّل مبادر نحوه من غير إبطاء عنه ولا ريث. - «فأمّا أنتم فمعظم نعمكم منّى وما كنت لأغور عليكم فى شيء سمحت به لكم ورأيته فى وقته وأراه الآن زهيدا فى جنب استحقاقكم وأنا بتثميره أولى وبتوفيره أحرى والله المطّلع على جميل معتقدي للجماعة فيها والشاهد على محبّتى لإيصالها إلى أقصى أمانيها. - «ونازوك، فلست أدرى من أىّ شيء عتب ولا لأيّة حال

стр. 2371

استوحش واضطرب لأنّى لم ألمه على محاربة هارون بن غريب الخال ولم أمنعه من الإنتصار منه والأخذ بثأره عنده ولا أمرت بمعاونة هارون عليه ولا قبضت يده عمّا كانت طويلة إليه منبسطة فيه متمكّنة منه ولا غيّرت له حالا ولا حزت له مالا ولا سمع منّى ولا بلغه عنّى ما يسوء موقعه وينفر منه والله يغفر لنا وله. - «وعبد الله بن حمدان فالذي أحفظه صرفه عن الدينور وقد كان يتهيّأ إعادته إليها إن كان راغبا فيها فيسعف بمسألته وأن يستدعى تعويضه من الأعمال ما هو أعظم خطرا من الدينور فلا نقصر عن إرادته وما عندي له ولنازوك وللعصاة كلّها إلّا التجاوز والإبقاء والإغضاء وقبل هذا وبعده، فلي فى أعناقكم بيعة قد [٣١٦] وكّدتموها على أنفسكم دفعة بعد دفعة، ومن بايعنى فإنّما بايع الله ومن نكث إنّما نكث عهد الله. - «ولى أيضا عليكم نعم وأياد وعندكم صنائع وعوارف آمل أن تعترفوا بها وتلتزموها ولا تكفروها وتشكروها وإن راجعتم الجميل وتلافيتم هذا الخطب الجليل وفرّقتم جموعكم ومزّقتموها وعدتم إلى منازلكم واستوطنتموها وأقبلتم على شئونكم وتشاغلتم بها وأجريتم فى الخدمة على عادتكم فلم تقصروا فيها كنتم بمنزلة من لم يبرح من موضعه ولم يأت بما يعود بتشعث [١] محله وموقعه وكنت الذي تعرفونه فى الثقة بكم والإيثار لكم والسكون إليكم

стр. 2372

والاشتمال عليكم لكم بذلك عهد الله إن عهده كان مسئولا. - «وإن أبيتم إلّا مكاشفة ومخالفة وإثارة فتنة وتجديد محنة فقد ولّيتكم ما تولّيتم وأغمدت سيفي منكم وتبرّأت إلى الله أن أمدّ باعى إلى أحد منكم ولجأت فى نصرى ومعونتى وكفايتي إلى الله ولم أخرج من منزلي ولم أسلّم الحقّ الذي جعله الله لى إلّا كما خرج عثمان بن عفّان عن داره وكما سلّم حقّه لمّا خذله عامّة ثقاته وأنصاره وكان ذلك حجّة فيما بين الله وبيني ومعذرة وسببا [٣١٧] بإذن الله لما أؤمّله من الفوز فى الدنيا والآخرة والله بصير بالعباد وللظالمين بالمرصاد وحسبي الله ونعم الوكيل.» ولمّا وصلت هذه الرقعة إلى مونس ووقف نازوك وأبو الهيجاء على ما تضمّنت عدلوا إلى مكاتبته بإخراج هارون بن غريب عن بغداد، فأجابهم إلى ذلك وقلّد هارون الثغور الشاميّة والجزريّة من يومه ومضى إلى قطربّل [١] فأقام بها. ولمّا كان يوم الاثنين لعشر خلون من المحرّم دخل مونس المظفّر والجيش بغداد وعدلوا عن دار السلطان كراهية لمعرّة الجند وظهر عند الناس ظهورا بيّنا وأرجفوا إرجافا قويّا أنّ نازوك وأبا الهيجاء واقفا مونسا المظفّر على الاستبدال به ونصب غيره فى الخلافة. فلمّا كان يوم الأربعاء لاثنى عشرة ليلة خلت من المحرّم خرج مونس

стр. 2373

إلى باب الشمّاسيّة دفعة ثانية وخرج معه أبو الهيجاء ونازوك وبنىّ بن نفيس وجميع القوّاد والجيش وزحفوا إلى دار السلطان. ذكر الخبر عن خلع المقتدر بالله وتقليد القاهر بالله الخلافة لمّا زحف القوم بأسرهم إلى دار السلطان هرب المظفّر بن ياقوت وسائر الحجّاب والحشم [٣١٨] والخدم والوزير أبو علىّ ابن مقلة منها ودخل مونس من باب الزاوية وحصل الجيش كلّه فى دار السلطان. فلمّا كان بعد عتمة بساعة أخرج المقتدر ووالدته وخالته وخواصّ جواريه من الدار وأصعد بهم إلى دار مونس المظفّر ودخل هارون بن غريب من قطربّل سرّا إلى بغداد واستتر بها. ومضى أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان إلى دار ابن طاهر ليحدر منها محمّد بن المعتضد بالله فلم يفتح له كافور الموكّل بحفظ الدار وطالبه بعلامة من مونس، فلم تكن معه فانصرف، وأصعد ونازوك بعد أن أخذ العلامة وطرح فى طريقه النار فى دار هارون بن غريب وأحدر محمّد بن المعتضد ووصل إلى دار السلطان فى الثلث الأخير من ليلة السبت للنصف من المحرّم وسلّم عليه بالخلافة وبايعه مونس والقوّاد ولقّب القاهر بالله. وزارة على بن مقلة وأخرج مونس علىّ بن عيسى من الحبس فى دار السلطان وأطلقه إلى منزله وأحضر أبا علىّ ابن مقلة وقلّده وزارة القاهر بالله وقلّد نازوك الحجبة مضافة إلى ما إليه من الشرطة بمدينة السلام وأضاف إلى ما كان إلى أبى

стр. 2374

الهيجاء من أعمال طريق خراسان وحلوان والدينور وطريق [٣١٩] سرّ من رأى وبزرج سابور والراذانين ودقوقاء [١] وخانيجان والموصل أعمال المعاون بهمذان ونهاوند والصيمرة والسيروان وماسبذان ومهرجانقذق وأرزن. ووقع النهب فى دار السلطان ومضى بنىّ بن نفيس إلى تربة السيدة بالرصافة فوجد لها هناك ستّمائة ألف دينار فحملها إلى دار السلطان. وخلع المقتدر بالله من الخلافة يوم السبت النصف من المحرّم وأشهد على نفسه بذلك القضاة وسلّم الكتاب بذلك إلى القاضي أبى عمر محمّد بن يوسف. ذكر حزم استعمل وانتفع به فحدّث أبو الحسين ابن أبى عمر أنّ أباه سلّم الكتاب إليه بالخلع وقال له: - «يا بنىّ احفظه واستره ولا يراه أحد من خلق الله عندك.» قال: فقلت له: - «وما الفائدة فى كتمانه وقد علم به الخلق؟» قال: فقال لى: - «وما الفائدة فى إظهاره ومن أين تعلم ما يكون؟» قال: فامتثلت أمره. فلمّا أعيد المقتدر بالله إلى الخلافة بعد يومين أخذ القاضي أبو عمر ذلك الكتاب فسلّمه إلى المقتدر بالله من يده إلى يده وحلف له على أنّه [٣٢٠] ما رآه أحد من خلق الله عنده غيره. فحسن موقع ذلك من المقتدر جدّا وشكره له وقلّده بعد مديدة قضاء القضاة. قال: فقال لى: - «يا بنىّ ما ضرّنا كتمان الكتاب وستره شيئا»

стр. 2375

وانصرف الناس من دار السلطان يوم السبت ولمّا كان من غد وهو يوم الأحد جلس القاهر بالله وحضر الوزير أبو علىّ ابن مقلة ووصل إليه وأمره بالجلوس بين يديه وسكن النهب وكتب أبو علىّ ابن مقلة بخبر تقليد القاهر بالله الخلافة كتابا أنشأه إلى الولاة فى النواحي. وأمر نازوك الرجّالة المصافيّة بقلع خيمهم من دار السلطان وأقام رجّالته مكانهم فاضطربوا من ذلك ثمّ تقدّم إلى خلفاء الحجّاب والبوّابين ألّا يدخل الدار إلّا من كانت له مرتبة فاضطربت [١] الحجريّة من ذلك وتكلّموا وصار ذلك سببا لردّ المقتدر إلى الخلافة. ذكر السبب فى ردّ المقتدر إلى الخلافة فلمّا كان يوم الإثنين السابع عشر من المحرّم بكرّ الناس إلى دار السلطان لأنّه يوم موكب ودولة جديدة، فامتلأت الدهاليز والممرّات والرحاب وشاطئ دجلة [٣٢١] منهم وحضر الرجّالة المصافيّة بالسلاح يطالبون بالبيعة ورزق سنة ولم ينحدر مونس إلى دار السلطان ذلك اليوم وأقام فى منزله. وارتفعت زعقات الرجّالة وسمعها نازوك وأشفق أن يجرى بين أصحابه وبينهم قتال، فتقدّم إلى غلمانه وأصحابه ألّا يعرضوا لهم. وزاد شغب الرجّالة وهجموا يريدون الصحن التسعينى فلم يمنعهم أحد لما كان نازوك تقدّم به إلى أصحابه ودخل منهم من كان على الشطّ من الروشن بالسلاح المشهور وقربت زعقاتهم من مجلس القاهر بالله وكان جالسا فى رواق التسعينى وبين يديه أبو علىّ ابن مقلة ونازوك وأبو الهيجاء، فوجّه نازوك ليخاطبهم وكان نازوك مخمورا كالسكران قد شرب طول ليلته، فلمّا برز إلى الروشن ونظر

стр. 2376

إليه الرجّالة أسرعوا نحوه فخافهم لأنّهم شهروا السلاح عليه، فولّى منهم وعدا وأطمعهم فى نفسه وعدوا خلفه وانتهى به الهرب منهم إلى باب كان هو سدّه أمس ذلك اليوم بالآجر والجصّ ولم يمكنه النفوذ ووصلوا إليه وقتلوه وقد كانوا قتلوا قبله [١] عجيبا وصاحوا: - «مقتدر يا منصور.» فتهارب كلّ من فى الدار من الوزير والحجّاب والحشم وسائر الطبقات حتّى بقيت الدار خالية. وصلب [٣٢٢] الرجّالة نازوك وعجيبا على خشب الستارة التي على شاطئ دجلة [ثمّ صار [٢] الرجّالة إلى] دار مونس يطالبون بالمقتدر بالله، وبادر الخدم فى دار السلطان فغلقوا أبوابا وكان جميعهم خدم المقتدر وحاشيته وصنائعه، وأراد أبو الهيجاء أن يخرج من الدار فتعلّق به القاهر وقال: - «يا أبا الهيجاء تسلّمنى؟» فدخلت أبا الهيجاء الحميّة والأنفة، فرجع معه وقال: - «والله لا أسلمتك.» وعاد فوجد الأبواب مغلقة فدخلا دار السلام وارتفعت ضجّة وتكبير. فقال فائق وجه القصعة، لبعض الخدم الصغار الرسائليّة [٣] : - «أنظر ما هذه الضجّة؟» فمضى وعاد وقال: - «قتل أبو الهيجاء.»

стр. 2377

فقال له: - «أنظر ويلك ما تقول.» فأعاد ذلك ثلاثا فقال أبو الهيجاء: - «هو ذا أنا [١] ويلك.» فقال الخادم: - «غلطت، قتل نازوك.» فقال القاهر لوجه القصعة: - «افتح لى الباب لأخرج إلى الشطّ.» فقال: «إنّ وراءه أبوابا كثيرة يتعذّر منها الوصول إلى الشطّ، ولكن نفتحه على كلّ حال.» ففتح فأفضى بالقاهر المشي إلى درجة الدواليب المنصوبة على دجلة فوق موضع التاج فصعدها ويده فى يد أبى الهيجاء ابن حمدان، وأشرفا على دجلة، فرأيا الرجّالة فى السلاح من نهر المعلّى منتظمين متراصّين إلى التاج وإلى باب الخاصّة لا يحصيهم [٣٢٣] العدد فنزل مبادرا فقال له أبو الهيجاء: - «امض يا مولاي فو تربة حمدان لا فارقتك أو أقتل دونك.» ومضيا حتّى دخلا الفردوس وخرجا من باب الفردوس إلى الرحبة، فلقيا غلاما لمقبل الخادم راكبا فلمّا رآهما ترجّل وقالا له: - «من أين جئت؟» قال:- «من باب النوبى [٢] .» فنزع أبو الهيجاء سواده ومنطقته ودفعها إلى الغلام وقال له: - «أعطنى جبّتك.»

стр. 2378

وكانت عليه جبّة صوف مصرى فأعطاه إيّاها فلبسها وركب دابّة الغلام وترك القاهر مع الخدم وقال: - «يا مولاي قف بمكانك حتّى أعود إليك.» فلم يطل أبو الهيجاء حتّى عاد فقال له القاهر: - «ما وراءك؟» فقال: «صرت إلى باب النوبى [١] فلقيني جعفر البوّاب فقلت له: - «افتح الباب.» فقال: «لا يمكنني لأنّ وراءه من الرجّالة والجيش من لا يحصى لأنّه قد جيء برأس نازوك إلى ها هنا.» ثمّ قال للقاهر: - «هذا أمر من السماء فعد بنا.» ودخلا الفردوس فجالا فيه ثمّ خرجا إلى القرب من القلّاية ثمّ دخلا الصحن الحسنى الصغير ثمّ دخلا إلى دار الأترجّة وخفّ من معهما من الخدم وتأخّر هناك فائق وجه القصعة وقال لمن وقف بوقوفه من الخدم: - «ادخلوا إليهما فافرغوا من عدوّ مولاكم.» فدخل نحو عشرة منهم بعضهم بقسىّ وبعضهم [٣٢٤] بدبابيس. فلمّا رآهم أبو الهيجاء صاح بهم وجرّد سيفه ونزع الجبّة الصوف التي كانت عليه، فلفّها على يده وأسرع نحوهم فانجفلوا من بين يديه ودهشوا وسقط بعضهم فى البركة وغشيهم فرموه ضرورة، فرجع ودخل بيت ساج فى بستان دار الأترجّة. فلمّا حصل فى البيت خرج من كان فى البركة من الخدم وصاروا إلى قرب البيت وأحسّ بهم فخرج إليهم بسيفه فولّوا بين يديه إلى جانب من

стр. 2379

الصحن وفتحوا بابا من زاوية هذا الصحن فدخل منه خمارجويه [١] أحد أكابر الغلمان بسيفين ودرقتين وأقبل على الخدم وقال لهم: - «أين هو يا أصحابنا؟» فقالوا: - «هو فى البيت الساج.» فقال لهم: - «تحرّشوا به حتّى يخرج.» فشتموه فخرج كالجمل الهائج وقال: - «يا آل تغلب أأقتل بين الحيطان، أين الكميت أين الدهماء؟» فرماه خمارجويه بسهم أصابه تحت ثديه وأتبعه بسهم آخر فأصاب ترقوته ورماه بسهم ثالث وقد اضطرب فشكّ فخذيه. قال بشرى وهو الحاكي لهذه الصورة عن مشاهدة: فقد رأيت أبا الهيجاء وقد ضرب السهم الذي [٣٢٥] شكّ فخذيه فقطعه وجذب السهم الذي أصابه تحت ثديه فانتزعه ورمى به ومضى نحو البيت فسقط قبل أن يصل إليه على وجهه فأسرع إليه أحد الأسودين فضرب يده اليمنى فقطعها وفيها السيف وأخذ السيف وغشيه الأسود الآخر فحزّ رأسه فأسرع بعض الخدم فأنتزع الرأس من يد الأسود ومضى مبادرا به. وكان الرجّالة لما انتهوا إلى دار مونس وسمع زعقاتهم قال: - «ما الذي يريدون؟» فقيل له: - «يريدون المقتدر بالله.»

стр. 2380

فقال: «سلّموه إليهم.» فلمّا قيل للمقتدر: - «امض معهم إلى الدار حتّى تعود إلى أمرك.» خاف أن يكون حيلة عليه فامتنع فحمل حملا على رقاب الرجال من دار مونس إلى الطيّار ومن الطيّار إلى درجة الصحن التسعينى فحين وضع رجله فى الدار صار إلى دار زيدان القهرمانة وقال: - «ما فعل أبو الهيجاء؟» فقيل: «هو فى دار الأترجّة.» فدعا بدواة فأبطأ بها الغلمان ولم يزل يطلبها حتّى جاءوه بها فكتب له أمانا بخطّه ودفعها إلى بعض الخدم وقال: - «ويلك بادر به لئلّا يحدث عليه حادثة.» فلقى الخادم الخادم الذي معه الرأس فعاد معه فلمّا رآه قال له: - «ويحك [٣٢٦] ما وراءك؟» قال: «عمر الله أمير المؤمنين.» فقال: «ويلك من قتله؟» فغمزه مفلح الأسود فقال: - «لا أدرى من قتله ولا يعرف قاتله فإنّ أخلاط الرجّالة قاتلوه.» قال: «فإنّا لله.» وأقبل يكرّرها وقال: - «ما كان يدخل إلىّ فى هذه الأيام وأنا فى دار مونس من يسلّينى [١] ويظهر لى الغمّ حتّى كأنّه بعض أهلى سواه. هذا إلى ما له ولأهله من

стр. 2381

الحقوق.» وظهر فيه من الكآبة أمر عظيم. فبينا هو كذلك إذ ارتفعت ضجّة فشغل عن أمر أبى الهيجاء وقال: - «ما هذا؟» فجاءه خادم يعدو وقال: - «محمّد» - يعنى القاهر بالله. وقد أخذ وجيء به. فأحضر القاهر بالله فأجلسه بين يديه واستدناه ثمّ جذبه إليه وقبّل جبينه وقال له: - «يا أخى أنت لا ذنب لك وقد علمت أنّك قهرت.» والقاهر بارك يقول: «نفسي نفسي الله الله يا أمير المؤمنين.» فلمّا كرّر ذلك قال له: - «وحقّ رسول الله ﷺ لا جرى [١] عليك سوء منّى أبدا ولا وصل أحد إلى مكروهك وأنا حىّ، ولأحرصنّ على انصرافك إلى منزلك من دار ابن طاهر فى هذه الليلة، فطب نفسا ولا تجزع.» وأخرج رأس نازوك ورأس أبى الهيجاء وشهرا [٣٢٧] فى الشوارع ونودى عليهما: - «هذا جزاء من عصى مولاه وكفر نعمته.» سكون الهيج ورجوع الخلافة إلى المقتدر وسكن الهيج وعاد أبو علىّ ابن مقلة إلى وزارته وكتب عن المقتدر بالله

стр. 2382

برجوع الخلافة إليه وتجديد البيعة له إلى الولاة فى النواحي. ولمّا تمكّن المقتدر من دار الخلافة وأقرّ أبا علىّ ابن مقلة على وزارته أطلق للجند البيعة. أمّا للرجّالة فستّ نوائب وزيادة دينار لكلّ راجل، وأمّا الفرسان فثلث رزق وزيادة ثلاثة دنانير لكلّ فارس. ولمّا نفذت الأموال فى ذلك أخرج ما فى الخزائن من الكسوة وغيرها فباع ذلك ثمّ أطلق لهم بها العهد بالأشرية [١] على وكيل نصبه المقتدر وهو علىّ بن العبّاس النوبختي وأشهد على نفسه بتوكيله إيّاه فى البيع، وشرط للمبتاعين فى كتب الأشرية أن يحملوا فى حقّ بيت المال فيما اشتروه على معاملة القطائع المعشورة، ثمّ بيع منهم بالصلة فضل ما بين المعاملتين فى أملاك الرعيّة وهو فضل ما بين الأستان [٢] والقطيعة ووقعت لهم الشهادة بذلك على علىّ بن العبّاس وحسبت عليهم الضياع والأملاك بأرخص الأثمان. فحكى ثابت بن سنان أنّه حضر مجلس [٣٢٨] الوزير أبى علىّ ابن مقلة ولم يكن له شغل غير التوقيع للجند ببيع الضياع وفضل ما بين المعاملتين بالصلة ولا كان لأصحاب الدواوين عمل غير إخراج العبر لما يباع. وكان الناس مجتمعين عليه وهو يوقّع إذ استؤذن لعلىّ بن عيسى عليه فأذن له، فلمّا رآه قام له قياما تامّا وأجلسه معه على دسته وأقبل عليه وترك ما كان فيه، فلمّا سأله عن خبره رأى الناس منكبّين عليه فقال له: - «يشتغل الوزير أيّده الله بشغله.» وأقبل أبو على ابن مقلة على الناس يوقّع لهم، فلمح علىّ بن عيسى خرجا قد أخرج بعبرة ضياع جبريل والد بختيشوع فوجد الثمن بالإضافة إلى ما اشترى نزرا يسيرا فقال:

стр. 2383

- «لا إله إلّا الله، بلغ الأمر إلى هذا؟» فترك ابن مقلة ما كان فى يده وأقبل عليه فقال: - «حدّثنى شيخنا أبو القاسم ﵀ يعنى عيسى بن داود- أنّ المتوكّل على الله لمّا غضب على بختيشوع المتطبّب أنفذ إلى داره لإحصاء ما فى خزائنه فوجد فى خزانة كسوته رقعة فيها ثبت ما اشتراه من الضياع وهو ببضعة عشر آلاف ألف درهم فقد آل أمرها إلى أن تباع بهذا القدر النزر، فعجبا جميعا من ذلك وعاد ابن مقلة إلى شغله وقام علىّ بن عيسى لينصرف [٣٢٩] فقام له الوزير أبو علىّ كما قام لدخوله. وفى هذه السنة خلع على أبى على ابن مقلة وكنّى وكتب إلى جميع النواحي. وفيها قلّد أبو عمر قضاء القضاة وكتب عهده. وفيها أوقع القرمطى بالحاجّ فى البيت الحرام بمكّة وقتل أميرها. ذكر الخبر عن إيقاع القرمطى بالحاجّ وتخريبه مكّة كان منصور الديلمي بذرق بالحاجّ فى هذه السنة فسلموا فى طريقهم فلمّا وصلوا إلى مكّة وافاهم أبو طاهر الهجري إلى مكّة يوم التروية فقتل الحاجّ فى المسجد الحرام وفى فجاج [١] مكّة وفى البيت قتلا ذريعا، وقلع الحجر الأسود، وقتل ابن محلب [٢] أمير مكّة وعرّى البيت وقلع الباب وأصعد رجلا من أصحابه ليقلع المرزاب فتردّى الرجل على رأسه ومات، وأخذ أموال

стр. 2384

الناس وطرح القتلى فى بئر زمزم ودفن باقيهم فى مصارعهم فى المسجد الحرام وغيره من غير أن يصلّى عليهم، وأخذ أسلاب أهل مكّة وانصرف إلى بلده وحمل معه الحجر الأسود. وفيها قلّد ابنا رائق شرطة بغداد مكان نازوك. ودخلت سنة ثماني عشرة وثلاثمائة [٣٣٠] وشغّب الفرسان وتهدّدوا بأمور عظيمة، فأحضر المقتدر قوّادهم وخاطبهم بجميل ووعدهم بإطلاق أرزاقهم فى الشهر الجديد، فانصرفوا وسكنوا، وشغّب الرجّالة فأطلقت أرزاقهم. وفى شوّال منها خلع المقتدر على الأمير هارون ابنه وركب معه الوزير والجيش وكانت ولاية فارس وكرمان وسجستان ومكران إليه. وفى ذى القعدة منها خلع المقتدر على ابنه الأمير أبى العبّاس وركب معه الوزير، مونس المظفّر وجميع الجند وكان مرسوما بولاية المغرب ومونس يخلفه عليه. وفيها صرف ابنا رائق عن الشرطة وقلّدها أبو بكر محمّد بن ياقوت. وفى هذه السنة كان هلاك الرجّالة المصافيّة. ذكر السبب فى هلاكهم كان قد عظم الأمر فى تسحّب [١] الرجّالة المصافيّة وأدلوا بأنّهم كانوا

стр. 2385

السبب فى ردّ المقتدر إلى الخلافة بعد ما خلع وثقل مالهم واحتدّت مطالبتهم وكثر شغبهم وزاد تعدّيهم وبلغ ما لهم فى كلّ شهر من شهور الأهلّة مائة وثلاثين ألف دينار. فاتّفق أن شغّب الفرسان وطالبوا بأرزاقهم وناوشهم [١] الرجّالة فقتل منهم جماعة واحتجّ [٣٣١] السلطان على الفرسان بأنّ المال منصرف إلى الرجّالة، فحاربوهم حتّى طردوهم من دار السلطان، وركب محمّد بن ياقوت فنادى فيهم ألّا يقيموا ببغداد وكان من وجد منهم بعد النداء قبض عليه وأودع حبس الجرائم. وهدمت دور عرفاء الرجّالة وركب فى ذلك ابن ياقوت وجدّد النداء فيهم ثمّ ظفر بنفر منهم فضربوا وشهّروا وقبضت أملاك الرجّالة المصافيّة وهدمت دورهم. ثمّ هاج السودان بباب عمّار فركب محمّد بن ياقوت والقوّاد الحجريّة فأوقعوا بهم وضربوا الصقع بالنار. وكانت لأبى سعيد بن حمدان فيهم نكاية مشهورة وهربوا متفرّقين ثمّ اجتمع منهم جماعة من البيضان من رجّالة المصافيّة وغيرهم فكثر عددهم وانحدروا إلى واسط ورأّسوا على أنفسهم رجلا من الفرسان يعرف بنصر الساجي وطردوا عمّال السلطان بواسط، فانحدر إليهم مونس وأوقع بهم بواسط وقتلهم فلم يرتفع لهم راية بعد ذلك. وفيها قبض على الوزير أبى علىّ ابن مقلة ذكر السبب فى القبض عليه كان المقتدر متّهما لابن مقلة لممايلة [٣٣٢] مونس المظفّر وكان مستوحشا من مونس يظهر له الجميل، وانحرف عنه ياقوت لميل مونس
следующие страницы →