الحقوق.» وظهر فيه من الكآبة أمر عظيم.
فبينا هو كذلك إذ ارتفعت ضجّة فشغل عن أمر أبى الهيجاء وقال:
- «ما هذا؟» فجاءه خادم يعدو وقال:
- «محمّد» - يعنى القاهر بالله.
وقد أخذ وجيء به.
فأحضر القاهر بالله فأجلسه بين يديه واستدناه ثمّ جذبه إليه وقبّل جبينه وقال له:
- «يا أخى أنت لا ذنب لك وقد علمت أنّك قهرت.» والقاهر بارك يقول: «نفسي نفسي الله الله يا أمير المؤمنين.» فلمّا كرّر ذلك قال له:
- «وحقّ رسول الله ﷺ لا جرى [١] عليك سوء منّى أبدا ولا وصل أحد إلى مكروهك وأنا حىّ، ولأحرصنّ على انصرافك إلى منزلك من دار ابن طاهر فى هذه الليلة، فطب نفسا ولا تجزع.» وأخرج رأس نازوك ورأس أبى الهيجاء وشهرا [٣٢٧] فى الشوارع ونودى عليهما:
- «هذا جزاء من عصى مولاه وكفر نعمته.»
سكون الهيج ورجوع الخلافة إلى المقتدر
وسكن الهيج وعاد أبو علىّ ابن مقلة إلى وزارته وكتب عن المقتدر بالله
стр. 2382
برجوع الخلافة إليه وتجديد البيعة له إلى الولاة فى النواحي.
ولمّا تمكّن المقتدر من دار الخلافة وأقرّ أبا علىّ ابن مقلة على وزارته أطلق للجند البيعة. أمّا للرجّالة فستّ نوائب وزيادة دينار لكلّ راجل، وأمّا الفرسان فثلث رزق وزيادة ثلاثة دنانير لكلّ فارس. ولمّا نفذت الأموال فى ذلك أخرج ما فى الخزائن من الكسوة وغيرها فباع ذلك ثمّ أطلق لهم بها العهد بالأشرية [١] على وكيل نصبه المقتدر وهو علىّ بن العبّاس النوبختي وأشهد على نفسه بتوكيله إيّاه فى البيع، وشرط للمبتاعين فى كتب الأشرية أن يحملوا فى حقّ بيت المال فيما اشتروه على معاملة القطائع المعشورة، ثمّ بيع منهم بالصلة فضل ما بين المعاملتين فى أملاك الرعيّة وهو فضل ما بين الأستان [٢] والقطيعة ووقعت لهم الشهادة بذلك على علىّ بن العبّاس وحسبت عليهم الضياع والأملاك بأرخص الأثمان.
فحكى ثابت بن سنان أنّه حضر مجلس [٣٢٨] الوزير أبى علىّ ابن مقلة ولم يكن له شغل غير التوقيع للجند ببيع الضياع وفضل ما بين المعاملتين بالصلة ولا كان لأصحاب الدواوين عمل غير إخراج العبر لما يباع. وكان الناس مجتمعين عليه وهو يوقّع إذ استؤذن لعلىّ بن عيسى عليه فأذن له، فلمّا رآه قام له قياما تامّا وأجلسه معه على دسته وأقبل عليه وترك ما كان فيه، فلمّا سأله عن خبره رأى الناس منكبّين عليه فقال له:
- «يشتغل الوزير أيّده الله بشغله.» وأقبل أبو على ابن مقلة على الناس يوقّع لهم، فلمح علىّ بن عيسى خرجا قد أخرج بعبرة ضياع جبريل والد بختيشوع فوجد الثمن بالإضافة إلى ما اشترى نزرا يسيرا فقال:
стр. 2383
- «لا إله إلّا الله، بلغ الأمر إلى هذا؟» فترك ابن مقلة ما كان فى يده وأقبل عليه فقال:
- «حدّثنى شيخنا أبو القاسم ﵀ يعنى عيسى بن داود- أنّ المتوكّل على الله لمّا غضب على بختيشوع المتطبّب أنفذ إلى داره لإحصاء ما فى خزائنه فوجد فى خزانة كسوته رقعة فيها ثبت ما اشتراه من الضياع وهو ببضعة عشر آلاف ألف درهم فقد آل أمرها إلى أن تباع بهذا القدر النزر، فعجبا جميعا من ذلك وعاد ابن مقلة إلى شغله وقام علىّ بن عيسى لينصرف [٣٢٩] فقام له الوزير أبو علىّ كما قام لدخوله.
وفى هذه السنة خلع على أبى على ابن مقلة وكنّى وكتب إلى جميع النواحي.
وفيها قلّد أبو عمر قضاء القضاة وكتب عهده.
وفيها أوقع القرمطى بالحاجّ فى البيت الحرام بمكّة وقتل أميرها.
ذكر الخبر عن إيقاع القرمطى بالحاجّ وتخريبه مكّة
كان منصور الديلمي بذرق بالحاجّ فى هذه السنة فسلموا فى طريقهم فلمّا وصلوا إلى مكّة وافاهم أبو طاهر الهجري إلى مكّة يوم التروية فقتل الحاجّ فى المسجد الحرام وفى فجاج [١] مكّة وفى البيت قتلا ذريعا، وقلع الحجر الأسود، وقتل ابن محلب [٢] أمير مكّة وعرّى البيت وقلع الباب وأصعد رجلا من أصحابه ليقلع المرزاب فتردّى الرجل على رأسه ومات، وأخذ أموال
стр. 2384
الناس وطرح القتلى فى بئر زمزم ودفن باقيهم فى مصارعهم فى المسجد الحرام وغيره من غير أن يصلّى عليهم، وأخذ أسلاب أهل مكّة وانصرف إلى بلده وحمل معه الحجر الأسود.
وفيها قلّد ابنا رائق شرطة بغداد مكان نازوك.
ودخلت سنة ثماني عشرة وثلاثمائة [٣٣٠]
وشغّب الفرسان وتهدّدوا بأمور عظيمة، فأحضر المقتدر قوّادهم وخاطبهم بجميل ووعدهم بإطلاق أرزاقهم فى الشهر الجديد، فانصرفوا وسكنوا، وشغّب الرجّالة فأطلقت أرزاقهم.
وفى شوّال منها خلع المقتدر على الأمير هارون ابنه وركب معه الوزير والجيش وكانت ولاية فارس وكرمان وسجستان ومكران إليه.
وفى ذى القعدة منها خلع المقتدر على ابنه الأمير أبى العبّاس وركب معه الوزير، مونس المظفّر وجميع الجند وكان مرسوما بولاية المغرب ومونس يخلفه عليه.
وفيها صرف ابنا رائق عن الشرطة وقلّدها أبو بكر محمّد بن ياقوت.
وفى هذه السنة كان هلاك الرجّالة المصافيّة. ذكر السبب فى هلاكهم
كان قد عظم الأمر فى تسحّب [١] الرجّالة المصافيّة وأدلوا بأنّهم كانوا
стр. 2385
السبب فى ردّ المقتدر إلى الخلافة بعد ما خلع وثقل مالهم واحتدّت مطالبتهم وكثر شغبهم وزاد تعدّيهم وبلغ ما لهم فى كلّ شهر من شهور الأهلّة مائة وثلاثين ألف دينار. فاتّفق أن شغّب الفرسان وطالبوا بأرزاقهم وناوشهم [١] الرجّالة فقتل منهم جماعة واحتجّ [٣٣١] السلطان على الفرسان بأنّ المال منصرف إلى الرجّالة، فحاربوهم حتّى طردوهم من دار السلطان، وركب محمّد بن ياقوت فنادى فيهم ألّا يقيموا ببغداد وكان من وجد منهم بعد النداء قبض عليه وأودع حبس الجرائم.
وهدمت دور عرفاء الرجّالة وركب فى ذلك ابن ياقوت وجدّد النداء فيهم ثمّ ظفر بنفر منهم فضربوا وشهّروا وقبضت أملاك الرجّالة المصافيّة وهدمت دورهم.
ثمّ هاج السودان بباب عمّار فركب محمّد بن ياقوت والقوّاد الحجريّة فأوقعوا بهم وضربوا الصقع بالنار. وكانت لأبى سعيد بن حمدان فيهم نكاية مشهورة وهربوا متفرّقين ثمّ اجتمع منهم جماعة من البيضان من رجّالة المصافيّة وغيرهم فكثر عددهم وانحدروا إلى واسط ورأّسوا على أنفسهم رجلا من الفرسان يعرف بنصر الساجي وطردوا عمّال السلطان بواسط، فانحدر إليهم مونس وأوقع بهم بواسط وقتلهم فلم يرتفع لهم راية بعد ذلك.
وفيها قبض على الوزير أبى علىّ ابن مقلة ذكر السبب فى القبض عليه
كان المقتدر متّهما لابن مقلة لممايلة [٣٣٢] مونس المظفّر وكان مستوحشا من مونس يظهر له الجميل، وانحرف عنه ياقوت لميل مونس
стр. 2386
إليه. واتفق أن خرج مونس المظفّر إلى أوانا [١] متنزّها وانحدر أبو علىّ ابن مقلة إلى دار السلطان فتغنّم المقتدر بالله فيه غيبة مونس فقبض عليه. وكان محمّد بن ياقوت معاديا له، فلمّا قبض عليه أنفذ إلى داره بالليل من أحرقها [٢] .
وكان المقتدر قد عمل على أن يستوزر الحسين بن القاسم بن عبيد الله فرحل مونس من أوانا ودخل بغداد وراسل المقتدر بالله بكراهته للحسين ابن القاسم وسأله ردّ أبى علىّ ابن مقلة، فاغتاظ المقتدر وعزم على قتل ابن مقلة. وكان السفير علىّ بن عيسى. فكان يداريه إلى ان سكّنه وقال:
- «ما ذنب وزيرك فى شفاعة مونس له؟» ولم يزل به حتّى انصرف عن رأيه.
وكان المقتدر من محبته لأن يستوزر [٣] الحسين بن القاسم، استحضره وبيّته عنده وخلع عليه ووعده أن يصل فى غد تلك الليلة بحضرة الناس ويخلع عليه الوزارة. فلمّا اتصل ذلك بمونس غلظ عليه أن يتفرّد المقتدر بهذا التدبير ولا يشاوره فيه وقد كان طعن عليه قديما وقال:
- «لا يصلح للوزارة.» فترددت الرسائل بينه وبين [٣٣٣] المقتدر على لسان علىّ بن عيسى، فاستشار المقتدر علىّ بن عيسى. فأشار بردّ أبى علىّ ابن مقلة موافقة لمونس وذلك بعد أن سأله أن يتقلّدها هو فامتنع فقال المقتدر:
- «هذا غير ممكن، فاذكر سواه.» فذكر سليمان بن الحسن وأشار به أو عبد الرحمن بن عيسى. فمال
стр. 2387
المقتدر إلى سليمان لما كان قدّمه من الطعن على ابن مقلة وما ظهر من عداوته له، فأمره بإحضاره وانصرف الحسين بن القاسم من دار السلطان واستتر.
وكانت مدّة وزارة أبى علىّ محمّد ابن علىّ ابن مقلة سنتين وأربعة أشهر.
ذكر ما جرى فى أمر الوزارة بعد أبى علىّ وتقلّد سليمان بن الحسن لها
أحضر سليمان بن الحسن يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى دار السلطان ولم يوصله المقتدر بالله إليه فى ذلك اليوم وعاد من غد وهو يوم الخميس فوصل وخلع عليه. وتقدّم المقتدر إلى علىّ بن عيسى بالإشراف على سائر الأمور من الأعمال والدواوين وبمعاضدة سليمان وألّا يتراخى فى ذلك فصار يصل مع سليمان إلى المقتدر ولا يقلّد سليمان أحدا ولا يصرفه ولا يعمل شيئا إلّا بموافقة علىّ بن عيسى. [٣٣٤]
وفيها قبض على البريديين وصودروا ذكر الخبر عن ذلك
حكى أبو الفرج ابن أبى هشام قال: كان أبى يكتب لأحمد بن نصر القشوري وكان أحمد يطمع أن يجعل مكان أبيه نصر ويستحجب. قال:
فبينا [١] نحن بين يدي أحمد بن نصر بالأهواز- وكان يتولّى أعمال المعاون بها- إذ ورد عليه توقيع من المقتدر بالله بخطّه مع ركابىّ يعرفه سرّا يقول فيه:
стр. 2388
- «يا أحمد قد عرفت ذنبك الذي جنيته وحرمت به نفسك رأيى، وقد تيسّر لك تلافيه بامتثال أمرى فيما أضمّنه توقيعى هذا، اقبض على البريديين الثلاثة وحصّلهم فى دارك، وإيّاك أن تفرج عنهم إلّا بتوقيع يرد عليك بخطّ كهذا الخطّ الذي فى هذا التوقيع وثق منّى بالعود لك إذا فعلت ذلك إلى ما يرفع منك ويصلح حالك ويعيد منزلتك.» قال: فأقرأنى أحمد بن نصر هذا التوقيع وسجد شكرا لله على ثقة المقتدر به وعبر فى الوقت إلى دار أبى عبد الله وأنفذ حاجبه أبا يعقوب إلى دار أبى يوسف وأنفذ أحمد بن مقبل إلى دار أبى الحسين فوجدوهم قد خرجوا قبل ركوبه بلحظة وركبوا طيّاراتهم. وكان الخبر قد سبق إليهم فأظهروا أنّهم يريدون مسجد [٣٣٥] الرضا المتصل بالشاذروان بالأهواز فاتبعهم وعرف أنّهم ساروا إلى البصرة، فقامت قيامته من ذلك.
وأنفذ أبا يعقوب والغلمان وراءهم، فاتّفق أن عصفت الريح على البريديين فمنعتهم عن السير ولحقهم الطلب فأخذوا.
وبذل أبو عبد الله لأبى يعقوب خمسين ألف دينار على أن يفرج عنهم فما أجابه، ثمّ سأله أن يفرج عن أحد أخويه ويقبل منه عشرين ألف دينار فأبى، وردّهم وحصلوا فى دار أحمد بن نصر ولم تمض خمسة أيّام حتّى ارتفعت ضجّة. فقال لى أحمد بن نصر:
- «اخرج فاعرف ما سبب هذه الضجّة.» قال: وكان سلّم إليهم داره الشطيّة واعتزل فى حجرة، فخرجت مبادرا فرءانى أبو عبد اله فقال:
- «قل له وبشّره أنّ الفرج قد أتى وأنّ هذا كتاب الوزير بالإطلاق وإقرارى وأن أنظر فى الأعمال.» وأعطانى الكتاب وبادرت به إلى أحمد بن نصر فقرأه وخرج إليه وإلى
стр. 2389
أخويه وقال:
- «هذه نعمة يلزمني فيها الشرك والصدقة والوفاء بالنذر ولكن هذا خطّ أمير المؤمنين إلىّ بما رسمه وأريد خطّا مثله بما ينقضه.» فتغيّرت وجوه الأخوة من ذلك واضطربوا حتّى ظهر على وجوههم ما فى قلوبهم ثمّ أخذوا فى مداراته ومسألته الرفق. [٣٣٦] فلمّا كان من الغد شغّب الرجّالة بالأهواز تعصّبا لهم وقالوا:
- «لا بدّ من إطلاقهم.» وحملوا السلاح وكان مع أحمد بن نصر طوائف من البصريّة وعدّة كثيرة من السودان والغلمان والحجريّة فجمعهم ثمّ حلف بالطلاق أنّه إن هجم على داره أحد منهم قتلهم وأخذ رؤوس الثلاثة وحملها إلى الخليفة. وقال:
- «هذا كتاب مزوّر وإلّا فلم لا يقع [١] تثبّت وإنّما ضرّبتم علىّ الرجّالة وراسلتموهم فى حمل السلاح وأخذكم من منزلي لئلّا [٢] يظهر ما زوّرتموه وتتعجّلون الخروج والهرب.» فلمّا رأوا المصدوقة اعتذروا ووضعوا جنوبهم له وأرسلوا الرجّالة فى الانصراف بعد أن حلفوا أنّهم تبرّعوا بالتعصّب لهم وأقاموا بمكانهم.
ووافى بعد عشرة أيّام ابن موسى دانجو بتوقيع مثل ذلك التوقيع وذلك الخطّ فتسلّمهم وحملهم وعلم أنّهم كانوا زوّروا واحتالوا وتأكّدت الوحشة بينهم وبين أحمد بن نصر القشوري ولم يزالوا عليها حتّى فرّق بينهم الدهر.
ولمّا ورد البريدون الحضرة نوظروا على المصادرة فقال أبو زكريا يحيى بن سعيد السوسي وكان فى الوقت عدوّا لهم:
- «بكرت إلى أبى جعفر محمّد بن القاسم الكرخي وقلت له: الأهواز
стр. 2390
[٣٣٧] خطّة القاسم أبيك وهي دارك ودار أخيك وأنتم تتصرّفون فيها منذ ستين سنة فلم تركتموها لهؤلاء الفعلة الصنعة [١] وهلّا سعيت على سحقهم وسحبهم حتّى لا يبقى لهم جناح يطيرون به؟» فقال: «يا أبا زكريا ما الذي تقدّره فى مصادرتهم التي تؤدّيهم إلى هذه الحال؟» فقلت معظما [٢] : «ثلاثمائة ألف دينار يزهق الله به نفوسهم.» فقال لى:
- «يا أخ قم بنا حتّى نعبر إلى دار الوزير.» وكان يومئذ أبو القاسم سليمان بن الحسن. فخرجت معه فنزلنا الطيّار فلمّا وصلنا وتوسّطنا الدار وجدنا أبا القاسم الكلوذانى فى جانب منها والبريديّين بين يديه والكتّاب. فقال لى أبو جعفر:
- «ترى أن نقضي حقّه ونعرّج عليه ونعرف الصورة من أمرهم فنبنى ما نخاطب الوزير به بحسبه [٣] ؟» فقلت: «صواب.» فعدلنا إلى أبى القاسم وجلسنا عنده فقال لأبى جعفر:
- «قد فصلنا أمر أصحابنا وأنت وجه الحضرة وتاجها وحرّها وهم إخوتك وما أحقّك بمعونتهم؟» فقال: «إنّ أيسر ما يكون لهم أيّدهم الله مشاركتهم فى المحنة فأمّا المعونة فما أقنع من نفسي بها فعلام انفصل أمرهم؟» فقال: «على تسعة آلاف ألف درهم.»
стр. 2391
قال أبو زكريا: [٣٣٨] فنظر إلىّ أبو جعفر وقد بهت. ونهضنا فقال:
- «يا أبا زكريا هذا خلاف ما كان عندك.» فقلت: «هذا الأمر يراد والله ما يملكون هذا المال فإنّى أعرف بمكاسبهم ولكن لأبى [١] عبد الله نفس أبيّة وهمة عليّة فعرفت نفسه على سلطانه فأعطاه أكثر ممّا أطمع فيه وممّا سعى به أعداؤه متربّصا بالأيّام والأوقات ومتوقّعا الدوائر وإن يسمع الخليفة التزامه هذا المال الجليل فيستكثر قدره ويرغب فى تجديد الصنيعة عنده وما كلّ أحد يغرّر هذا التغرير وما هذا آخر أمره وسيكون له شأن عظيم كفافا الله شرّه.» قال أبو زكريا: وعدلت مذ ذلك اليوم إلى مداراته وخدمته واستصلاحه.
مناظرة أبى على بن مقلة
وتقدّم المقتدر بالله إلى سليمان بن الحسن وأبى الحسن علىّ بن عيسى بمناظرة أبى علىّ ابن مقلة فاختارا لذلك أحمد بن محمّد بن صالح العكبري وأنفذه إلى دار السلطان فناظره ولم يزد على توبيخه ومواقفته على قبيح آثاره.
فالتمس أبو علىّ ابن مقلة أن يكون المناظر له علىّ بن عيسى. فاجتمع الوزير سليمان وعلىّ بن عيسى على مناظرته فى دار الحجبة بحضرة ياقوت الحاجب، فاغلظ له سليمان فى الخطاب [٣٣٩] والتخطئة والاحتقار ونسبه إلى التضريب بين السلطان وأوليائه إلى أن قرّر علىّ بن عيسى أمره على مائتي ألف دينار على جمل [٢] ، يعجّل منه النصف ويؤدّى الباقي فى نجوم المصادرات، وكانت تلك النجوم إنّما هي رسم لا يطالب من يؤخذ خطّه بها.
стр. 2392
فكتب مونس المظفّر إلى المقتدر يشفع لابن مقلة ويسأله أن يعفيه من المصادرة وأن يكون معتقلا فى يد مرشد الخادم فأجابه إلى ذلك.
ودخلت سنة تسع عشرة وثلاثمائة
وفى هذه السنة استوحش مونس المظفّر زيادة استيحاش. ذكر السبب فى استيحاش مونس وخروجه
كان محمّد بن ياقوت منحرفا عن سليمان ومائلا إلى الحسين بن القاسم ومونس المظفّر، وأسبابه [١] يميلون إلى سليمان لمكان علىّ بن عيسى وثقتهم به وينحرفون عن الحسين بن القاسم. وقوى أمر محمد بن ياقوت وقلّد مع الشرطة الحسبة [ببغداد] [٢] واستضمّ رجالا وقويت بهم شوكته فشقّ ذلك على مونس وسأل المقتدر صرفه عن [٣٤٠] الحسبة وتقليد ابن بطحاء ففعل ذلك.
وتقدّم مونس إلى أصحابه بالاجتماع إليه، فلمّا فعل ذلك جمع ياقوت وابنه الرجال فى دار السلطان وفى دار محمّد بن ياقوت. وقيل لمونس إنّ محمّد بن ياقوت قد عمل على كبس داره بالليل وما فارقه أصحابه حتّى أخرجوه إلى باب الشمّاسيّة وخرجوا معه وصار إليه علىّ بن عيسى فعرّفه خطأ هذا الرأى وأشار عليه بأن يعود إلى داره فلم يقبل منه وأقام على أمره.
وطالب بصرف محمّد بن ياقوت عن الحسبة والشرطة وياقوت عن الحجبة وإبعادهما عن الحضرة، فوجّه المقتدر قاضى القضاة أبا عمر وابنه الحسن وابن أبى الشوارب وجماعة من شيوخ الهاشميين أصحاب المراتب
стр. 2393
إلى مونس برسالة يرفق فيها ويسأله الرجوع إلى داره، فقال قاضى القضاة:
- «الوجه أن يكتب رقعة بما حمّلناه من الرسالة نرجع إليها ونثنى الكلام على معانيها، فإنّا جماعة والقول يختلف والنسيان غير مأمون.» فقال الوزير:
- «وما معنى هذا؟» فقال علىّ بن عيسى:
- «هذا هو الصواب.» وكتب بذلك رقعة.
وقعد الوزير وعلىّ بن عيسى فى دار السلطان ينتظران عود الجماعة، فعادوا وذكروا أنّهم [٣٤١] لم يصلوا إلى مونس وأنّهم أجلسوا فى الحديدى وراسلهم مونس فى إعلامه بما وردوا فيه فذكروه له فصار إليهم كتّابه يخاطبونهم خطابا جميلا عنه.
فبينا [١] هم كذلك إذا هجم الجيش على الحديدى فكادوا يغرقونه وقالوا:
- «لا نرضى إلّا بإخراج ياقوت وابنيه.» وتكلّموا بكلام قبيح فراح فى آخر النهار الوزير سليمان بن الحسن وعلىّ بن عيسى ومن معهما من الخدم الخاصّة إلى باب الشمّاسيّة فشافهوا مونسا بالرسالة فلم يبعد [٢] عليهم وخرجوا من عنده فقبض عليهم عند مغيب الشمس وحبسهم فى الحديدى.
فخرج ياقوت فى تلك الليلة ونزل المدائن ومعه ابناه فلمّا كان من غد ذلك اليوم وعرفت المونسيّة انّ ياقوتا وابنيه قد خرجوا عن الحضرة أفرجوا
стр. 2394
عن الوزير والجماعة وانصرفوا إلى منازلهم.
وقلّد المقتدر ياقوتا أعمال الخراج والمعاون بفارس وكرمان وكتب إلى أبى طاهر محمّد بن عبد الصمد بالانضمام إليه وانضمّ إليه وخاطبه بالأستاذيّة، وقلّد المظفّر بن ياقوت إصبهان وتقلّد ابنا رائق: إبراهيم ومحمّد، مكان ياقوت وأقام ياقوت بشيراز مدّة وكان علىّ بن خلف [٣٤٢] بن طيّاب [١] متضمنا أموال الضياع والخراج بها فتظافروا وتعاقدوا فقطعا الحمل عن السلطان إلى أن ملك علىّ بن بويه الديلمي فارس يوم السبت سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة.
وفيها دخلت قوافل الحاجّ من مكّة سالمين مع مونس الورقائى فاستبشر الناس بتمام الحجّ وانفتاح الطريق وضربت له القباب ببغداد.
وفيها قبض على الوزير سليمان بن الحسن ذكر السبب فى ذلك
كان السبب فى ذلك أنّ سليمان أضاق إضافة شديدة وكثرت عليه المطالبات وبلّح واتصلت الرقاع ممّن يلتمس الوزارة بالسعاية فقبض على سليمان بن الحسن وأبى القاسم عبيد الله بن محمّد الكلوذانى فشقّ [٢] من ذلك وجزع جزعا عظيما وحملا إلى دار السلطان.
وكان المقتدر شديد الشهوة لتقليد الحسين بن القاسم الوزارة فامتنع عليه مونس وأشار بتقليد الكلوذانى فاضطرّ المقتدر إلى تقليده. وكانت مدّة وزارة سليمان سنة واحدة وشهرين وأيّاما.
стр. 2395
استحضار الكلوذانى لتقليده الوزارة
واستحضر المقتدر أبا القاسم عبيد الله بن محمّد الكلوذانى من دار مونس يوم السبت لخمس بقين من رجب وخرج إليه [٣٤٣] مفلح برسالة المقتدر بأنّه قد قلّده وزارته ودواوينه ولم يوصله إليه وتقدّم إليه بأن ينحدر إليه يوم الإثنين ليخلع عليه. فخاف الكلوذانى من حيلة تتمّ للحسين بن القاسم فى تقلّده الوزارة لأنّه بلغه أنّ الحسين قد جدّ بعد القبض على سليمان وراسل مونسا المظفّر وقال:
- «لا يؤمن أن يحتجّ الخليفة فى تأخّر الخلع على الكلوذانى بأنّه لم تعدّ له الخلع.» وأشار بأن يوجّه مونس بخلع من عنده إلى دار السلطان ليخلعها عليه، ففعل مونس ذلك وخلع المقتدر على أبى القاسم عبيد الله بن محمّد الكلوذانى يوم الإثنين وخاطبه بتقليده الوزارة والدواوين وتقدّم إليه بأن يقلّد الحسين بن القاسم ديوانا جليلا ليظهر ويزول عنه الأراجيف بالوزارة.
ووصل علىّ بن عيسى بوصول الكلوذانى فأمره المقتدر بحضرة الكلوذانى بأن يجرى على عادته فى الإشراف على الأمور والحضور معه وعرّفه أنّه قد أفرده بالنظر فى المظالم دون الكلوذانى فركب الكلوذانى فى الخلع من دار السلطان إلى داره فأخذ خطّ سليمان بن الحسن بمائتي ألف دينار.
وقدم أبو الفتح الفضل بن جعفر [٣٤٤] من الشام وأبو جعفر محمّد بن القاسم بن عبيد الله من نواحي جند قنّسرين والعواصم وكان أبو الفتح منصرفا إلى ناحية قومس فأشار مونس بتقليده ديوان السواد فقلّده الكلوذانى مكرها وانقطعت بتقليده موادّ كانت تصل إلى الكلوذانى وأبى الفياض من أرزاق قوم
стр. 2396
لا يحصرون [١] وتسبيبات بأسماء قوم لم يخلقوا وما كان يسبّب للغلمان والوكلاء فى الدار والحاشية برسم الفقهاء والكتّاب وما كان يستطلق لهم من الورق والقراطيس ويبتاع ببعضه ما يحتاج إليه وأشياء تشبه هذه ولم تنبسط يد [٢] الكلوذانى على قوم لعناية مونس المظفّر بهم.
وكان أبو بكر ابن قرابة متحققا بمفلح الأسود فأوصله مفلح إلى المقتدر وجعله واسطة للمرافق التي أخلق بها الخلافة. وكان ابن قرابة ذكر له أنّ الوزراء كانوا يرتفقون بها وأنّ الضمناء قد بذلوا أن يرفقوا به الخليفة ليصرفه فى مهمّ نفقاته لشدّة الإضافة.
وكان ابن قرابة يظهر للمقتدر ولمفلح الأسود أنّه يمشّى أمر الوزارة وأنّ الوزراء لا يتمّ أمرهم من دونه وكان يلزم دار الكلوذانى ويقرضه عن [٣٤٥] بنى البريدي وغيرهم بربح درهم فى كلّ دينار فأقرضه مائتي ألف دينار مشّى بها أمر الكلوذانى وبمال المصادرات.
مرداويج يملك الجبل بأسره
وفيها ورد الخبر بوقعة كانت بين هارون بن غريب وبين مرداويج بنواحي همدان وأنّ هارون انهزم وملك مرداويج الجبل بأسره إلى حلوان [٣] ونزل هارون بدير العاقول.
قصد لشكرى الديلمي إصبهان
وفيها قصد لشكرى الديلمي إصبهان وحاربه أحمد بن كيغلغ فانهزم أحمد
стр. 2397
وملك لشكرى إصبهان وهذا لشكرى من أصحاب أسفار بن شيرويه، فلمّا قصد هارون بن غريب ابن الخال أسفار استأمن إليه لشكرى، ثمّ لمّا انهزم ابن الخال انهزم لشكرى بانهزامه إلى قنسرين، فلمّا تأهّب ابن الخال ثانيا وجهزت إليه العساكر من بغداد لحرب مرداويج أنفذ لشكرى إلى نهاوند من الدينور مع جماعة من الغلمان لحمل مال إليه ورسم أن يحمل المال إلى همذان ويقيم بها حتّى يلحقه هناك فلمّا صار لشكرى إلى نهاوند رأى يسار أهلها وكثرة أموالها وطمع فيهم وصادرهم على نحو ثلاثة آلاف ألف درهم واستخرجها فى مدّة أسبوع وأثبت جندا ثمّ خرج إلى الكرج ففعل مثل ذلك.
[٣٤٦] واتّصل الخبر بابن الخال فطلبه فرحل من بين يديه وسار حتّى وقع إلى إصبهان والوالي عليها أبو العبّاس أحمد بن كيغلغ.
ذكر اتّفاق حسن لأحمد بن كيغلغ بعد هزيمته ودخول أصحاب لشكرى إصبهان
حكى أبو الحسن المافرّوخى أنّه كان بإصبهان فى الوقت وأنّ أحمد بن كيغلغ انهزم أقبح هزيمة ثمّ لجأ إلى بعض القرى فى ثلاثين نفسا معه وراء حصنها.
ودخل أصحاب لشكرى إصبهان ونزلوا فى الدور والخانات [١] والحمّامات وتأخّر لشكرى بنفسه عن العسكر ثمّ سار قليلا ونزل عن دابّته لإهراق ماء فرأى كوكبة أنكرها وقال:
- «ما هذه؟»
стр. 2398
فقيل: «شرذمة من الكيغلغية.» فركب فى الوقت يريدها فلمّا قرب منها أسرع أحمد بن كيغلغ إليه بعد أن علم أنّه هو فتناوشا وكاد لشكرى يستأسره فخرج أهل تلك القرية فزعقوا به فضعفت نفس لشكرى وتقارب وهو أحمد فضربه أحمد بسيفه ضربة قدّ المغفر والخوذة ونزل السيف فى رأسه فقتله وخرّ لشكرى ساقطا فنزل أحمد إليه وحزّ رأسه وعرف أصحابه الخبر فطاروا [٣٤٧] هاربين وكان فتحا طريفا واتفاقا عجيبا. وكانت سنّ [١] أحمد بن كيغلغ يومئذ تجاوز سبعين سنة.
وفيها صرف الكلوذانى عن الوزارة وقلّدها الحسين بن القاسم.
ذكر السبب فى تقلّد الحسين بن القاسم الوزارة وما تمّ له من الحيلة فيها
كان أبو القاسم ابن زنجى يحكى فى توصّل الحسين بن القاسم إلى الوزارة خبرا طريفا ويقول: كان أبو علىّ الحسين بن القاسم يعرف بأبى الجمال وكان لى صديقا يسكن [٢] إلىّ ويستدعينى إلى الموضع الذي كان مستترا فيه ويشاورني فالزمنى بذلك حقّا وحرمة فاجتهدت فى السعى له والتوصّل بكلّ سبب وحيلة إلى أن تقلّد الوزارة.
فكان من أنجع ما عملته أنّ رجلا بمدينة السلام يعرف بالدانيالى كان يلزمني ويبيت عندي ويخرج إلىّ بسرّه [٣] ويحدّثنى أنّه يظهر كتبا ينسبها إلى دانيال بخطّ قديم ويودع تلك الكتب أسماء قوم من أرباب الدولة على حروف مقطّعة إذا جمعت فهمت واستوى له بذلك جاه وقامت له به سوق.
стр. 2399
ووصلت إليه جملة من القاضي أبى عمر وابنه أبى حسين ووجوه الدولة وغلب على مفلح واختصّ به [٣٤٨] لأنّه عرّفه أنه وجد فى الكتب أنّه من ولد جعفر بن أبى طالب فجاز ذلك عليه ووصل إليه منه برّ كثير.
فانفتح لى أن سألته إثبات فصل فى كتب يكتبها بشرح ما أسأله فأجابنى إلى ذلك فوصفت له الحسين بن القاسم واقتصرت من وصفه على ذكر قامته وآثار الجدري فى وجهه والعلامة التي فى شفته العليا وخفة الشعر هناك وأنّه إن وزر للثاني عشر من خلفاء بنى العبّاس استقامت أموره كلّها وعلا على أعدائه وانفتحت البلاد على يده وعمرت الدنيا فى أيّامه.
ودفعت النسخة إلى الدانيالى وواقفنى على عمل دفتر يذكر فيها أشياء ويجعل هذا الباب فى تضاعيفها فسألته تقديم ذلك ولم أزال أطالبه حتّى أعلمنى أنّه لا يستوى على ما يريد حتّى لا يشكّ فى قدمه وعتقه فى أقلّ من عشرين يوما وأنّه يحتاج أن يجعله فى التبن أيّاما ثمّ يجعله فى الخفّ ويمشى فيه أيّاما وأنّه يصفرّ ويعتق.
فلمّا بلغ المبلغ الذي قدّر صار إلىّ وهو معه وأرانيه فوقفت على الفصل ورأيت دفترا لولا ما عرفته من الأصل فيه لحلفت على أنّه قديم [٣٤٩] لا شكّ فيه.
ومضى بذلك إلى مفلح فقرأه عليه فى جملة أشياء قرأها، فقال له مفلح:
- «أعد علىّ هذا الفصل.» فأعاده. ومضى مفلح إلى المقتدر بالله فذكر له ذلك فطلب الدفتر منه فأحضره إيّاه فقال له:
- «من تعرف بهذه الصفة؟» وأقبل المقتدر يكرّرها فذكر مفلح أنّه لا يعرف أحدا بها وحرص المقتدر على أن يعرف إنسانا يوافق هذه الصفة صفته. فقال مفلح:
стр. 2400
- «لست أعرف بهذه الصفة إلّا الحسين بن القاسم الذي يقال له: أبو الجمال.» فقال له المقتدر:
- «إن جاءك صاحب له برقعة فخذها منه وإن حمّلك رسالة فعرّفنيها واكتم [١] ما يجرى فى أمره ولا تعلم أحدا به.» وخرج مفلح إلى الدانيالى فقال له:
- «هل تعرف أحدا بهذه الصفة؟» فأنكر أن يعرف ذلك وقال:
- «إنّما قرأت ما وجدته فى كتب دانيال ولا علم لى بغير ذلك.» وانصرف إلىّ فحدّثنى بهذا الحديث فقمت من فورى إلى الحسين بن القاسم فأعدته عليه فسرّ به غاية السرور وابتهج نهاية الإبتهاج وظهر فى وجهه استبشار عظيم وقال لى:
- «اعلم أنّ أبا بشر الكاتب [٣٥٠] كان أمس عند مفلح برسالة لى إليه فانصرف كاسف البال ظاهر الانخزال مغموما بما شاهده من إعراضه عنه.» فغمّنى ذلك. فقلت:
- «الآن يتبيّن لنا صدق الدانيالى من كذبه. ابعث بأبى بشر فى غد إلى مفلح برسالة منك فإنّه سيتبيّن له فيما يعامله به صحّة ما حكاه من بطلانه.» فدعا أبا بشر النصراني كاتبه وحمّله إليه رسالة ووكّد عليه فى البكور إليه. فلمّا كان من غد آخر النهار مضيت إليه أتعرّف خبره وما جرى، فدعا أبا بشر وقال له:
- «أعد عليه خبرك.»
стр. 2401
فأعلمنى أنّه دخل إليه وفى مجلسه جماعة فرفعه عليهم فأجلسه إلى جانبه وأقبل عليه يحدّثه ثمّ استدناه وسأله سرّا عن خبر الحسين بن القاسم واستمع رسالته وقال:
- «تقرأ عليه سلامي وتعرّفه تكفّلى بأمره وقيامي به.» وكلاما فى هذا المعنى، وأن ينفذ إليه رقعة [١] ليوصلها وينوب معه.
قال لى أبو بشر: وانصرفت وأنا فى نهاية قوّة النفس والثقة بالله وبتمام ما يسفر فيه. فأعلمت الحسين أنّ الرجل قد صدق فيما ذكره وقد بان لنا أثره.
قال: [٣٥١] ثمّ إنّ الدانيالى طالبني بالمكافأة فطيّبت نفسه واستمهلته إلى أن تقلّد الحسين الوزارة فأذكرته حقّ الرجل فقلّده الحسبة ببغداد وأجرى له مائة دينار فى كلّ شهر واختصّ به وكان يحضر مجلسه فيجلسه إلى جانب مسورته. ثمّ مضت أيّام فقال:
- «لا يقنعني ما أجرى لى.» وسأله زيادة. فكلّمت الحسين بن القاسم فى أمره فأجرى له مائة دينار أخرى تسبّب برسم الفقهاء.
وكان ما ذكرته من حديث الدانيالى من أوكد الأسباب فى تقليد الحسين الوزارة مع كثرة الكارهين له والمعارضين فى أمره.
وانضاف إلى هذا الخبر [٢] الذي أخبر به أبو القاسم ابن الزنجي أنّ الكلوذانى عمل عملا لما يحتاج إليه من مهمّ النفقات وأخذ خطّ صاحبي ديوان الجيش والنفقات بأعمال أخر مفردة عملوها لما يحتاج إليه بزيادة
стр. 2402
مائتي ألف دينار على ما عمل هو حتّى تبيّن [١] للمقتدر بالله وقوع الاحتياط منه فيما عمل واقتصر عليه فكان العجز سبعمائة ألف دينار وعرض ذلك على المقتدر وقال له:
- «ليس لى معوّل إلّا على ما يطلقه أمير المؤمنين [٣٥٢] لأنفقه.» فعظم ذلك على المقتدر. فلمّا بلغ الحسين بن القاسم خبر العمل الذي عمله الكلوذانى كتب رقعة إلى المقتدر يضمن فيها القيام بجميع النفقات من غير أن يطلب منه شيئا وانّه يستخرج سوى ذلك ألف ألف دينار يكون فى بيت مال الخاصّة.
فأنفذ المقتدر رقعته إلى الكلوذانى وقال:
- «هذه رقعة فلان ولست أسومك الاستظهار بالمال وما أريد منك إلّا القيام بالنفقات فقط.» فقال الكلوذانى:
- «قد يجوز أن يتمّ لهذا الرجل ما لم يتمّ لى.» وسأله تقليد من [٢] ضمن هذا الضمان فأعفاه من الأمر. فلمّا وقف المقتدر على تبلّح الكلوذانى وحصل فى نفسه ما بذله الحسين بن القاسم عمل على أن يستوزره وعلم شدّة كراهية مونس المظفّر لذلك فراسله على يد مفلح بأن يجتهد فى إصلاح أعدائه فابتدأ الحسين بنى رائق فكان [٣] يمضى بنفسه إلى كاتبهم إبراهيم النصراني ويضمن لهم الضمانات حتّى صلحوا له ثمّ فعل ذلك بأبى نصر الوليد بن جابر كاتب شفيع ثمّ فعل مثله باصطفن بن يعقوب كاتب مونس وقال له:
стр. 2403
- «إن تقلّدت الوزارة فأنت قلّدتنيها.» فأشار عليه بملازمة أبى علىّ يحيى بن عبد الله الطبري كاتب يلبق ففعل ذلك. وكان يلبق قد سمع أنّه متّهم فى دينه شرير فجمع أبو علىّ الطبري بينه وبين يلبق حتّى حلف له الحسين بكلّ يمين يحلف مسلم ومعاهد إنّه مكذوب عليه فى كلّ ما يطعن به عليه فى ديانته أوّلا ثمّ فى عداوته لمونس وخاصّته وأصحابه لا ينوي لأحد من الناس سوء ولا يأخذ الأموال إلّا من بقايا صحيحة على تجار ملاء [١] كسروا مال السلطان من أثمان الغلّات ومن ضمناء قد ربحوا ربحا عظيما.
وضمن الحسين ليلبق ضياعا جليلة كذلك لكاتبه فسعى له يلبق وسأل مونسا فى أمره وسأل مونس المقتدر فتقرّرت الوزارة له وبلغ ذلك الكلوذانى فواصل الاستعفاء.
واتّفق أن دخل خمسمائة فارس كانوا مقيمين بالجبل فى ماه الكوفة وحلوان وهذه نواح لم يتغلّب عليها مرداويج وكانت أرزاقهم قد تأخّرت فطالبوا الكلوذانى وأمرهم الكلوذانى بالرجوع لينفق فيهم هناك فلم يسمعوا ورجموه بالآجر وهو منصرف فى طيّاره فجعل ذلك حجّة وأغلق بابه وحلف على أنّه لا ينظر فى أعمال [٣٥٤] الوزارة.
فكانت مدّة وزارته شهرين وثلاثة أيّام.
وزارة الحسين بن القاسم
وكتب المقتدر إلى الحسين بن القاسم توقيعا بتقليد الوزارة وركب إليه وجوه الكتّاب والعمّال والقوّاد وبلغ ذلك أبا الفتح الفضل بن جعفر فصار إليه
стр. 2404
مع قاضى القضاة أبى عمر محمّد بن يوسف وابنه والقاضي ابن أبى الشوارب وكتب عن المقتدر بخبر تقليده الوزارة إلى خراسان وجميع النواحي والأطراف وكان تقلّده للوزارة يوم الجمعة لليلتين بقيتا من شهر رمضان فعدل عن الجلوس للتهنئة وتشاغل بالنظر فى أمر المال وما يحتاج إليه فى نفقة العيد ولزمه الفضل بن جعفر وهشام بن عبد الله لأنّهما كانا يتولّيان ديوان المشرق وزمامه وديوان بيت المال وأخذ خطوط عدة من العمّال [١] والضمناء بسبعين ألف دينار.
وصار إليه علىّ بن عيسى آخر النهار فهنّأه وقد كان الحسين شرط لنفسه ألّا ينظر علىّ بن عيسى فى شيء من الأمور ولا يجلس للمظالم فأجيب إلى ذلك. وتبسط كاتب بنى رائق وكلّ من كان سعى له فى الوزارة فى طلب الأموال حتّى قبضوا على شذاءة وردت من الأهواز [٣٥٥] فيها مال الأهواز وإصبهان وفارس. فكتب الحسين الوزير إلى المقتدر يشكو هذه الحال فلم ينكر كلّ الإنكار. فوقع الاتفاق بين الحسين وبين ابني رائق على أن يأخذوا من المال النصف ويفرجوا عن الباقي ففعلوا ذلك.
وكانت دمنة جارية المقتدر حظيّة عنده وكانت توصل رقاع الحسين إلى مولاها وتقوم بأمره فحمل إليها جملة عظيمة من المال وبعث إلى ابنها وهو الأمير أبو أحمد إسحاق أيضا جملة. واستأذن المقتدر أن يستكتب له ابنه القاسم بن الحسين فأذن له فى ذلك وضمن لدمنة أن تحمل إلى ابنها [٢] فى كلّ يوم مائة دينار وتدفع عن صرفه.
واختصّ به بنو البريدي وأبو بكر ابن قرابة وقدّم له جملة من المال عن الضمناء بربح درهم فى كلّ دينار على رسمه. واختصّ به من القوّاد جعفر
стр. 2405
بن ورقاء وأبو عبد الله محمّد بن خلف النيرمانى وقلّده أعمال الحرب والخراج والضياع بحلوان ومرج القلعة وماه الكوفة وألبسه القباء والسيف والمنطقة وتسمّى بالأمارة وخوطب بها وضمن أن يجمع الرجال ويفتح أعمال كور [٣٥٦] المشرق وينتزعها من يد مرداويج.
وكان قد احتجن أموال السلطان من بقايا ضمان كانت [١] عليه فى أيّام سليمان بن الحسن لأعمال الضياع والخراج الخاصّة والعامّة وكانت جملة عظيمة. وكان تقلّد كرمان فى بعض الأوقات واستخرج من مالها شيئا كثيرا فحملها وانصرف فكتب صارفه أنّه ما أنفق منها درهما واحدا وأنفقت له أشياء تجرى هذا المجرى.
وتجرّد الحسين بن القاسم لإخراج علىّ بن عيسى وأخيه عبد الرحمن إلى مصر والشام فراسل المقتدر علىّ بن عيسى فى ذلك ودفع عنه مونس المظفّر وقال:
- «هذا شيخ يرجع إلى رأيه ويعتضد بمكانه.» إلى أن تقرّر أمره على أن يخرج إلى الصافية فخرج.
وابتدأ مونس فى الاستيحاش والتنكر فى يوم السبت لثلاث خلون من ذى الحجّة.
ذكر السبب فى ذلك
كان السبب فى ذلك ما بلغه من اجتماع الوزير الحسين بن القاسم مع جماعة من القوّاد على التدبير عليه.
وبلغ الحسين تنكّر مونس له وأنّه عزم على كبسه بجماعة من خواصّه
стр. 2406
فى الليل للقبض عليه [٣٥٧] فتنقّل فى مدّة عشرة أيّام فى نحو عشرة مواضع وكان لا يعرف له دار ولا موضع يلقاه فيه أحد وكان لا تلقاه أصحاب الدواوين إلّا إذا طلبهم ثمّ ختم الأمر بأن أقام فى دار الخليفة.
وراسل مونس المظفّر المقتدر بالله فى صرف الحسين بن القاسم عن الوزارة فأجابه إلى صرفه والتقدّم إليه بلزوم منزله فلم يقنع مونس بذلك وطالب بالقبض عليه ونفيه إلى عمان فامتنع المقتدر من ذلك وتردّدت بينهما فيه رسائل.
وأوقع الحسين بن القاسم للمقتدر أنّ مونسا قد عمل على أخذ الأمير أبى العبّاس من داره بالمخرّم والخروج به إلى مصر والشام ليعقد له الأمر فى الخلافة هناك وأشار بردّ الأمير أبى العبّاس إلى داره من دار الخلافة ففعل المقتدر ذلك. ووقف الأمير أبو العبّاس على ما فعله الحسين ابن القاسم فحقد عليه فى نفسه إلى أن أفضت إليه الخلافة فأنزل به من المكروه ما سنشرحه فى موضعه إن شاء الله.
وكتب الحسين بن القاسم إلى هارون بن غريب وهو بدير [١] العاقول بعد هزيمته من بين يدي مرداويج بالمبادرة إلى الحضرة فزادت وحشة مونس بهذه الأحوال وصحّ عنده أنّ الحسين بن القاسم [٣٥٨] فى تدبير عليه فخرج من داره لخمس خلون من المحرّم وجلس فى حديدي وامتدّ إلى باب الشمّاسيّة وخرج أكثر رجاله وضربوا مضاربهم هناك.
وكتب مونس إلى المقتدر بأنّ مفلحا الأسود مطابق للحسين بن القاسم فى التدبير عليه وأنّ نفسه لا تسكن إلّا بإنفاذ مفلح إليه ليقلّده أجلّ الأعمال ويخرج. فكتب المقتدر بأنّ مفلحا خادم يثق به فى خدمته وأنّه ليس ممّن
стр. 2407
يدخل نفسه فيما ظنّه به وبلغ مونسا أنّ الحسين قد جمع الرجال والغلمان الحجريّة فى دار السلطان وأنّه قد ابتدأ بالنفقة فيهم وأنّ هارون بن غريب قد قرب من بغداد فأظهر الغضب وسار إلى الموصل ووجّه ببشرى خادمه ليؤدّى رسالة إلى المقتدر. فلمّا حصل بشرى فى دار السلطان بحضرة الحسين ابن القاسم قال له الحسين:
- «هات الرقعة التي معك.» فقال له:
- «ليس معى رقعة وانّما معى رسالة.» قال: «فتذكرها.» فقال: «قد أمرت ألّا أذكرها إلّا للخليفة.» فوجّه الحسين إلى المقتدر بالله وعرّفه ذلك فوجّه المقتدر إلى بشرى يأمره أن يؤدّى الرسالة إلى الحسين فقال بشرى:
- «حتّى أمضى وأستأذن صاحبي [٣٥٩] فى ذلك وأعود.» فشتمه الحسين وشتم صاحبه وأمر به فقبض عليه وضربه بالمقارع وقال:
- «لا أرفع عنك الضرب أو تكتب خطّك بثلاثمائة ألف دينار.» فكتب وأمر به إلى الحبس ثمّ وجّه للوقت إلى داره وقبض على امرأته وصادرها وحمل ما فيها.
ولمّا بلغ مونسا ما جرى على خادمه بشرى امتدّ وأصعد ومعه من كان برسمه من قوّاده وأصحابه، وكتب الحسين بن القاسم إلى من كان معه من القوّاد والغلمان بالانصراف عنه والمصير إلى باب السلطان، فانصرف عنه جماعة منهم ومضى مونس فى خواصّه وغلمانه مسرعا إلى الموصل ووقّع الحسين بقبض أملاك مونس وضياعه وضياع أسبابه وأفرد لها ديوانا سمّاه
стр. 2408
ديوان المخالفين وردّه إلى محمّد بن جنّى [١] .
وزاد محلّ الحسين بن القاسم عند المقتدر وأنفذ إليه طعاما من بين يديه وأمر بأن يكنّى ويلقّب عميد الدولة وأن يضرب لقبه على الدنانير والدراهم، ففعل ذلك وخلع عليه يوم الاثنين لأربع بقين من المحرّم وأنشأ فى ذلك كتابا نفذ إلى جميع الأعمال والأطراف.
وصرف قوما وقلّد قوما فكان فيمن قلّد [٣٦٠] أبو يوسف يعقوب بن محمّد البريدي وذلك بمسألته فقلّده أعمال البصرة من الخراج والضياع والمراكب وسائر وجوه الجبايات بها فضمنه ذلك بمقدار نفقات البصرة وفضل له بعده ثلاثون ألف دينار وقّع بتسبيبها على مال الأهواز.
فلمّا وقف أبو الفتح الفضل بن جعفر على ذلك استعظم ألّا يفي ارتفاع البصرة بنفقاتها حتّى يحتاج إلى أن يسبّب على غيرها وتقدّم بإخراج الجماعات والحسبانات إليه وتقدّم إلى كلّ واحد من أصحاب المجالس أن يخرج إليه ما عنده من ارتفاع البصرة لثلاث سنين وأخرجت الجماعات إليه وهو ينظر فيها وفى أعمال كتّاب المجالس ويضيف من عمل إلى عمل ويعمل بيده من صلاة الغداة إلى بعد العتمة إلى أن انتظم العمل على ما أراد.
ثمّ أحضر أبا يوسف البريدي وواقفه [٢] عليه ولم يتهيأ له انكار شيء ممّا أخرجه فأعطاه خطّه بالقيام بجميع ما يجب للأولياء وأن يثبت لحفظ السور ألف رجل زيادة على رسم من يحفظه ومن ينضمّ إليه وسائر النفقات الراتبة ويحمل إليه بعد ذلك كلّه ستين ألف دينار إلى بيت المال [٣٦١] بالحضرة.
فصار الفضل بن جعفر بالخطّ إلى الوزير الحسين بن القاسم متبجّحا به وعرضه عليه وعرّفه ما جرى بينه وبين ابن البريدي حتّى تقرّر على ما كتب
стр. 2409
به خطّه. فلم يقع ذلك من الحسين بن القاسم الموقع الذي قدّره الفضل وتبين منه تكرّها له وظنّ أنّه كالتوبيخ والتقريع وكالزيادة على عمله. فلمّا تبيّن الفضل الصورة راسل المقتدر بما فعله فوقع ذلك عنده أحسن موقع وشاع [١] ما عمله فى الدواوين وتناقلته الرؤساء والكتّاب بينهم.
واتّصل ذلك بالحسين فغلظ عليه وأراد أن يضع منه، فواقف ابن جبير على مهاترته فى المجلس والغضّ منه ففعل ابن جبير ذلك حتّى تكلّم بما لم تجر العادة بمثله والحسين ممسك عن الجميع لا يكفّ أحدهما عن الآخر، فلمّا تبيّن أبو الفتح ذلك وعرف الغرض نهض عن المجلس وقال:
- «ليس المكلّم لى أنت بل المكلّم غيرك.» فلمّا ولّى خارجا عرف الحسين الخطأ فيما جرى فقال لأبى عبد الله بن زنجى:
- «إنّ أبا الفتح صديقك وهو يطيعك وما أحبّ أن يخرج على هذه الجملة فأحبّ أن تلحقه وترضيه وتردّه.» فبادر إليه أبو عبد الله وما زال يرفق به حتّى [٣٦٢] ردّه واعتذر إليه الحسين من خطاب ابن جبير له. وانصرف وهو مستوحش واستتر عند أبى بكر ابن قرابة وبقي ديوانه شاغرا إلى أن يئس الحسين من ظهوره فقلّد أبا القاسم الكلوذانى الديوان ولم يزل أبو الفتح يسعى له فى طلب الوزارة حتّى تمّ له كما سنذكره.
ولمّا لم يعد [٢] مونس إلى بغداد وجّه الحسين إلى ابن مقلة فصادره وكان معتقلا فأعطى خطّه بمائتي ألف دينار وأنفذ إلى علىّ بن عيسى وهو بالصافية
стр. 2410
يستحضره وأطمع المقتدر من [١] جهته فى مائتي ألف دينار. فلمّا وصل الرسول إلى الصافية وجد بها هارون بن غريب وكان هارون شديد العناية بعلىّ بن عيسى فمنعه من حمله وقال:
- «أنا أخاطب أمير المؤمنين فى أمره.» فلمّا وقف الحسين على عناية هارون بعلىّ بن عيسى أمسك عنه. ولمّا وصل هارون بن غريب إلى دار السلطان وصل إليه فى خلوة وانصرف إلى داره فقصده الوزير وابنا رائق [٢] ومحمّد بن ياقوت ومفلح وشفيع وعظم أمره فخاطب المقتدر فى أمر علىّ بن عيسى فأعفاه من المصادرة وخاطبه فى أمر أبى علىّ ابن مقلة فحطّ من مصادرته خمسين ألف دينار وأمر بحمله إليه.
ثمّ لم يستصوب ذلك [٣٦٣] وخاف أن يكاتب مونسا أو يراسله فسأل ابن مقلة هارون أن يعاود الخطاب فى بابه ويستحلفه بأيمان مغلّظة ألّا يكاتب ولا يراسل مونسا ولا أحدا من أسبابه ففعل ذلك وحمل إليه.
قال: فحدّثنا أبو علىّ ابن مقلة فى وزارته للراضى [٣] أنّه أخذ فى استماحة الناس وأدّى المال كلّه بما وصل إليه من المال من الجهات وفضل له عشرون ألف دينار وأنّه اشترى بها ضياعا باسم عبد الله بن علىّ النّفّرى [٤] ووقفها على الطالبيين.
وكتب الحسين إلى ياقوت بالقبض على الخصيبى وحمله وكان بشيراز فبادر خليفته علىّ بن محمّد بن روح بالخبر إليه فخرج من يومه من شيراز
стр. 2411
مستترا حتّى وافى بغداد واستتر عند أبى بكر ابن قرابة وكان الفضل بن جعفر مستترا عنده أيضا فلم يعلم أحدهما خبر صاحبه وقدم محمّد بن ياقوت من الأهواز وقبض على محمّد بن المعتضد بالله وعلى أبى أحمد ابن المكتفي بالله وحدرا إلى دار السلطان واعتقلا فيها ولم تقصر السيّدة فى التوسعة على محمّد بن المعتضد وفى إكرامه وأهدت إليه عدّة من الجواري.
وابتدأ أمر الحسين الوزير بالاضطراب [٣٦٤] ذكر السبب فى ذلك
اشتدّت الإضافة فباع الحسين من الضياع نحو خمسمائة ألف دينار واستسلف من مال سنة عشرين وثلاثمائة شطره قبل افتتاحها بشهور ولم يبق له وجه حيلة لتمام نفقات سنة تسع عشرة وثلاثمائة الخراجيّة. وعرف هارون بن غريب ذلك فصدق المقتدر عنه فعزم على تقليد الخصيبى الوزارة وكتب له أمانا، فظهر فخوطب فى تقلّد الوزارة فذكر أنّه لم يبق للسلطان فى النواحي من مال سنة تسع عشرة شيء وقد بقي منها نحو ثلاثة أشهر وأنّ الحسين قد استسلف من مال سنة عشرين قطعة وافرة وأنّه لا يغرّ السلطان من نفسه فأشار عليه هارون أن يتقلّد أزمّة الدواوين من قبل المقتدر وتكون دواوين الأصول فى يد الحسين ليضبط الأموال مستأنفا فرضي الحسين بذلك وتقلّد الخصيبى دواوين الأزمّة وأجرى عليه وعلى كتّابه ألفى وسبعمائة دينار فى كلّ شهر. وخلع المقتدر على الحسين ليزول عنه الأرجاف [١] .
ثمّ إنّ الحسين بن القاسم عمل أعمالا أخذ فيها [٣٦٥] خطوط أصحاب الدواوين الأصول والأزمّة بصحّتها وفيها ارتفاع الأموال من النواحي وما
стр. 2412
يرجى حصوله منها وقدّر النفقات تقديرا متقاربا للارتفاع، فسكن بذلك قلب المقتدر فسلّم المقتدر ذلك العمل إلى الخصيبى وأمر بتتبّعه، فوجد الخصيبى الحسين بن القاسم قد احتال بأن أضاف إلى ما يقدّر حصوله من النواحي أموال نواح قد خرجت عن يد السلطان بتغلّب من تغلّب عليها مثل الديلم على أعمال الرىّ والجبل ومونس على أعمال الموصل والشام منذ أربع سنين وذلك جملة عظيمة، وأسقط من النفقات الزيادات التي زادها هو للجند والحاشية وغيرهم ولم يسقط من الأموال التي يقدّر حصولها من النواحي ارتفاع ما باع من الضياع، فعمل الخصيبى عملا عرضه على المقتدر فأمر المقتدر أن يواقف عليه الوزير [١] فاجتمع الكتّاب وأمره المقتدر بمناظرتهم فلمّا خاطبوه أخذ فى التشنيع عليهم وأنّهم سعوا به وقال:
- «فى أىّ شيء غالطت السلطان؟ أليس هذه خطوط الضمناء؟» فقالوا: «معاذ الله أن يقول [٣٦٦] أحد فى الوزير ذلك ولكن العمل أخرج بما اضطر الوزير أيّده الله إلى التسبيب به على مال سنة عشرين وثلاثمائة من الأموال المستحقّة فى سنة تسع عشرة وقد رفع الضمناء إلى ديوان الزمام أعمالا لما أطلقوه من مال سنة عشرين وما كانوا ضمنوا إطلاقه من مال هذه التسبيبات عند إدراك الغلّات ولهذا أحضرنا.» فقال الحسين:
- «أفتعلم كم مبلغه؟» فقال: «نعم.» وأحضر عملا كان عمله بمبلغ ذلك فوجد أنّ الذي سبّب على مال السواد والأهواز وفارس لسنة عشرين وثلاثمائة قبل افتتاحها بشهور، أربعون ألف
стр. 2413
ألف درهم وأنّ الذي يبقى إلى آخر سنة عشرين على الضمناء إلى افتتاح سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وعشرون ألف ألف درهم وقد كان قيل فى العمل:
إنّ هذا ما لم يجر به فى قديم الدهر ولا حديثه رسم بمثله.
فلمّا وقف الحسين على ذلك استعظمه وأراد أن يقطع المجلس بالمشاغبة [١] وقال:
- «يكتب فى الأعمال التي عملت ما لم يعمله أحد من الوزارء قطّ ثمّ يعرض علىّ.» فقال هشام:
- «هذا غلط كتب على سبيل السهور وليس ممّا يزيد فى المال ولا ينقص منه.» وضرب على تلك الحكاية وقال:
- «إنّما أحضرنا لننظر فى أمر المال [٣٦٧] ونصدق الوزير عنه.» فعدل إلى الخصيبى يهاتره فترك الحجّة فنهض الخصيبى عن المجلس لمّا ظهرت الحجّة على الحسين وصار مع الضمناء ومع أبى جعفر ابن شيرزاد إلى هارون بن غريب فشرحوا له ما جرى. وأعيد المجلس كهيئته [٢] إلى المقتدر ثمّ شافه الخصيبى بمثله الحسين بحضرة المقتدر فانحلّ أمر الحسين وقبض عليه فكانت وزارته سبعة أشهر.
وزارة أبى الفتح الفضل بن جعفر
واستوزر أبو الفتح الفضل بن جعفر وخلع عليه يوم الاثنين لليلتين بقيتا من شهر ربيع الآخر فركب فى الخلع وركب معه القوّاد وخواصّ المقتدر
стр. 2414
وسلّم المقتدر الحسين بن القاسم إلى الوزير أبى الفتح الفضل بن جعفر فأجمل عشرته وقرر أمره على أربعين ألف دينار فلمّا أدّاها استأذن الوزير أبو الفتح المقتدر فى تقليد الإشراف على مصر والشام فأذن له فى ذلك.
ثمّ ظهر أنّه أراد أن ينقب الموضع الذي كان فيه. وقال الخصيبى [١] :
- «هذا رجل فى جنبه للسلطان مال عظيم وليس يصلح أن يخرج وأن يدبّر شيئا من الأعمال.» فتأخّر أمره وصودر أيضا ثمّ تسلّمه الوزير فبقى عنده مدّة ثمّ أبعده إلى البصرة وأقام له فى كلّ شهر خمسة آلاف درهم.
مناظرة عن مرداويج
وفى هذه السنة حضرت من ناظر عن مرداويج بن زيار [٢] والتمس [٣٦٨] أن يقاطع عن الأعمال التي غلب عليها من أعمال المشرق وتكفّل هارون بن غريب بأمره فقرّره على أن يسلّم إلى السلطان أعمال ماه الكوفة وهمذان ويقلّد باقى الأعمال ويحمل عنها مالا وكتب له العهد وأنفذ إليه اللواء ومعه خلع.
المقتدر يهمّ بتقليد ابن مقلة الوزارة
ثمّ إنّ المقتدر همّ بتقليد أبى على ابن مقلة الوزارة وبلغ ذلك هارون بن غريب فكره ذلك لميل أبى على إلى مونس فاجتمع مع الوزير أبى الفتح وألزما أبا عبد الله البريدي مائة ألف دينار وسلّم ابن مقلة إليه فمشى أمر الوزير أبى الفتح وحمل ابن مقلة إلى شيراز مع رشيق الأيسر.
стр. 2415
موت أبى عمر القاضي
وفيها مات أبو عمر القاضي فأغرى أبو بكر ابن قرابة بورثته إغراء شديدا وقال للمقتدر:
- «ينبغي لابنه أن يحمل مائة ألف دينار فانّه من ورائها وإلّا حضر من يتقلّد قضاء القضاة ويوفّر هذا المال من جهته.» فرسم المقتدر لهارون بن الخال أن ينفذ كاتبه وللوزير أن يضمّ إليه ثقته حتّى يصيرا مع ابن قرابة إلى أبى الحسين ابن أبى عمر ويخاطبه بحضرتهما.
فمضى أبو بكر ابن قرابة ومعه أبو جعفر ابن شيرزاد وأبو على أحمد بن نصر البازيار. فلمّا حصلوا عند أبى الحسين القاضي وجدوا عنده عالما من الناس معزّين له فعزّوه وجلسوا وأمسكوا [٣٦٩] كما يحسن أن يعمل فى المصائب.
فقال ابن قرابة:
- «ما لهذا حضرنا، قم يا أبا الحسين معنا حتّى نخلو.» فنهض واستوفى عليه ابن قرابة استيفاء شديدا فقال أبو الحسين:
- «إنّ نعمت ونعمة والدي من أمير المؤمنين المقتدر ولست أدّخر دونه شيئا.» وسأل أن يمهل يومه حتّى يحصّل أمره ويبكّر فيصدق عنه. وكان شهر رمضان فلمّا جنّة الليل قصد أبا بكر ابن قرابة وقت الإفطار فاستأذن عليه ودخل والمائدة بين يديه فدعاه إلى الإفطار فغسل يده وسمّى وأكل ومصيبته طرية وأنّها ليومه ولكنّه ليستكفى شرّه. فلمّا انقضى الإفطار قال له:
- «يا سيدي قد جئتك مستسلما إليك فدبّرنى بما تراه.» فقال له:
- «قم فامض بسلام وما بك حاجة إلى أن توصيني ولا تفكّر فى أمرك
стр. 2416
فانّى أفصله وأعمل فيه ما يرضيك.» وكان على مائدة أبى بكر ابن قرابة أبو عبد الله وأبو يوسف ابنا البريدي.
فلمّا فرغوا من الأكل قرب البريديّان من القاضي أبى الحسين كالمتوجّعين له ووصفا مشاركتهما إيّاه واستصوبا قصده أبا بكر وإفطاره معه وقالا له:
- «أنت مقبل.» وعرض عليه أبو يوسف ثلاثة آلاف دينار وقال:
- «إن احتجت إليها فخذها وافتد نفسك وإن أوجبت الصورة أن تستتر [٣٧٠] فأنفقها فى استتارك فلن ينفذ حتّى يأتيك الفرج.» ولم يحتج أبو الحسين إلى الاستتار وتعطّف عليه المقتدر بالله وعاونه البريديون وإخوانه أحسن معاونة فقلّده قضاء القضاة فقويت نفسه ومشى أمره.
ثمّ إنّ المقتدر وصف لابن قرابة الإضاقة [١] ، فقال له:
- «يا أمير المؤمنين لم لا يعاونك هارون بن الخال وعنده آزاج مملوءة مالا؟» فأعاد المقتدر ذلك على ابن الخال فقال:
- «يا أمير المؤمنين إن كنت أملك ما قال فلست أبخل عليك به لأنّى أسلم بسلامتك وفى جيشك أنفقه وإليك معاده، وابن قرابة معه من المال ما لا يحتاج أبدا إليه وأنا أستخرج لك منه خمسمائة ألف دينار وليس بينه وبين أمير المؤمنين الذي يجمعني وإيّاه، فلم يترك عليه وأنا أؤدّيها [٢] من ماله إليك؟» فقال له:
стр. 2417
- «اذهب فتسلّمه.» فقبض عليه وجرى عليه من المكروه ما أشفى به على التلف حتّى قتل المقتدر بالله فتخلّص ولا عجب من أمر الله.
وكان قد وقّع الوزير أبو الفتح بأن يعمل لابن قرابة عمل بما صار إليه من الربح فى الأموال التي قدّمها عن الضمناء وبقايا مصادرته فى أيّام عبد الله الخاقاني وما يجب عليه من الفضل فيما ابتاعه من الضياع فأخرج عليه من هذه الجهات [٣٧١] ألف ألف دينار فصحّ له من هذه الجملة تسعون ألف دينار.
ثمّ شغل الوزير وهارون بورود الخبر عليهما بانحدار مونس من الموصل وكان هارون قيّده وسلّمه إلى حاجبه وعدّة من غلمانه ليخرجوه إلى واسط فقتل المقتدر فى ذلك اليوم فهرب من كان موكّلا به وبقي معه غلامان كان هو اشتراهما لابن الخال فعنيا به وصارا معه إلى فرضة جعفر وأدخلاه إلى مسجد وأحضرا حدّادا وحلّا قيوده وأطلقاه فمشى إلى منزله بسويقة غالب [١] ووهب لهما خمسمائة دينار.
استشارة فى الأمر الواضح وعاقبة المستشير
وحكى ثابت بن سنان فى كتابه أنّ أباه سنان بن ثابت كانت بينه وبين أبى بكر ابن قرابة مودّة فصرنا إليه لنهنّئه بخلاصه فقال لوالدي:
- «يا أبا سعيد قد اجتمع لى فيك المحبّة والعقل وجودة الرأى وأريد أن أستشيرك فى أمرى.» فقال له أبى:
стр. 2418
- «قل فانّى أمحضك [١] النصيحة.» فقال: «أنت تعلم أنّى كنت فى بحار من التخليط وكانت علىّ تبعات فيما كنت أدخل فيه وأقدّمه من مالي عن الضمناء لم يكن على أحد مثلها، وقد غسلت هذه النكبة وما أدّيت [٢] فيها من المصادرة دون ما كنت فيه وقد حصل لى الآن ما يرتفع منه عشرون ألف دينار خالصة وحصل لى من البساتين [٣٧٢] والمستغلات بعد ذلك ما ليس لأحد مثله ولى من الفرش والآلات والبلور والمخروط والصيني والجوهر والطيب والكسوة ما ليس لأحد مثله ومن الرقيق والخدم الروقة [٣] والغلمان والكراع ما ليس لأحد مثله، ولى بعد ذلك كلّه ثلاثمائة ألف دينار صامت لا أحتاج إليها وبيني وبين هذا الوزير- يعنى أبا علىّ ابن مقلة وقد كان القاهر استوزره وهو بفارس- مودّة وكيدة فهل ترى لى إذا قدم أن أقتصر على لقائه فى الأوقات لعمارة الحال بيني وبينه ولا أداخله ولا أعاود ما كنت فيه أو أعاود وأرجع إلى التخليط.» فقال له والدي:
- «ما رأيت أعجب من هذه المشاورة وإنّما يشاور فى المشكل من الأمر فأمّا الواضح فيستغنى فيه عن الرأى. انظر- أعزّك الله- فإن كان ذلك التخليط أثمر لك ما تحبّ فارجع إليه وإن كان إنّما أثمر ما تكره وعرضك لزوال المهجة وزوال النعمة فلا تعاوده ومع هذا فإنّ الإنسان إنّما يكدّ ويكدح ويتعرّض للمكاره ليحصل له بعض ما حصل لك فاحمد الله وتمتّع بالنعمة وقد حصل لك من الجاه ما يحرسها واربح [٤] الصيانة وحسن
стр. 2419
العافية [١] .» فسمع ذلك كلّه [و] قال:
- «قد علمت والله أنّك قد نصحت وبالغت ولكنّ لى نفسا مشؤومة لا تصبر [٣٧٣] وسأعاود ما كنت فيه.» فقال له والدي:
- «خار الله لك.» وانصرفنا فقال لى والدي:
- «يا بنىّ ما رأيت قطّ أجهل من هذا الرجل ولا يموت مثله إلّا مقتولا أو فقيرا بأسوأ حال.» فكان الأمر على ما قدّر وأدّاه التخليط إلى أن قبض عليه القاهر فأزال نعمته وقبض أملاكه وهدّمت داره وأراد قتله حتّى زال أمر القاهر. ثمّ عاد أيضا إلى التخليط ومضى إلى البريديين لمّا خالفوا السلطان، ثمّ مضى إلى أبى الحسين أحمد بن بويه لمّا غلب على الأهواز، ثمّ وقع أسيرا لمّا انصرف الأمير أبو الحسين من نهر ديالى وصودر حتّى لم يبق له بقية واضطرّ إلى أن يخدم ناصر الدولة أبا محمّد ابن حمدان برزق مائة دينار فى كلّ شهر فكثرت فى عينه وكان ينفق مثلها كلّ يوم. ومات بالموصل، ونعوذ بالله من الجهل والإدبار.
ودخلت سنة عشرين وثلاثمائة
وفيها انحدر مونس من الموصل إلى بغداد وقتل المقتدر بالله ذكر السبب فى ذلك
كان السبب فى ذلك ما ذكرناه من استيحاش مونس. فلمّا تمّ له الانصراف إلى الموصل كتب الحسين بن القاسم إلى داود وسعيد ابني [٣٧٤] حمدان
стр. 2420
والحسن بن عبد الله بن حمدان بمحاربة مونس ودفعه عن الموصل فإنّه عاص.
وكان مونس يكتب فى طريقه إلى رؤساء العرب فى ديار ربيعة بأنّ السلطان أنفذه لمحاربة بنى حمدان يريد بذلك أن يقعدهم عنهم فامتنع داود من لقاء مونس لإحسانه إليه فإنّه كان عظيما جدّا، فما زال أهله به حتّى فثؤوا [١] رأيه وقالوا له:
- «نحن بعد ما غسلنا قبيح ما عمله الحسين بن حمدان ثمّ ما عمله أبو الهيجاء بالأمس نريد أن نعمل لنا حديثا ثالثا.» وما زالو به حتّى استجاب على تكرّه شديد وقال:
- «يا قوم! بأىّ وجه ألقى مونسا مع إحسانه العظيم إلىّ؟» وكان يعدّدها ثم يقول:
- «والله ما آمن أن يجيئني سهم عائر [٢] فيقع فى هذا الموضع منّى- يعنى حلقه- فيقتلني.» قال: فو الله ما هو إلّا أن لقيه مونس حتّى أتاه السهم العائر فوقع فى موضع إصبعه فذبحه ولم يقتل غيره.
وكان بنو حمدان فى ثلاثين ألفا ومونس فى ثمانمائة رجل فانهزموا وقتل داود.
وكان مونس إذا قيل له:
- «قد أقبل داود لمحاربتك.» يعجب ويقول: