← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

فانّى أفصله وأعمل فيه ما يرضيك.» وكان على مائدة أبى بكر ابن قرابة أبو عبد الله وأبو يوسف ابنا البريدي. فلمّا فرغوا من الأكل قرب البريديّان من القاضي أبى الحسين كالمتوجّعين له ووصفا مشاركتهما إيّاه واستصوبا قصده أبا بكر وإفطاره معه وقالا له: - «أنت مقبل.» وعرض عليه أبو يوسف ثلاثة آلاف دينار وقال: - «إن احتجت إليها فخذها وافتد نفسك وإن أوجبت الصورة أن تستتر [٣٧٠] فأنفقها فى استتارك فلن ينفذ حتّى يأتيك الفرج.» ولم يحتج أبو الحسين إلى الاستتار وتعطّف عليه المقتدر بالله وعاونه البريديون وإخوانه أحسن معاونة فقلّده قضاء القضاة فقويت نفسه ومشى أمره. ثمّ إنّ المقتدر وصف لابن قرابة الإضاقة [١] ، فقال له: - «يا أمير المؤمنين لم لا يعاونك هارون بن الخال وعنده آزاج مملوءة مالا؟» فأعاد المقتدر ذلك على ابن الخال فقال: - «يا أمير المؤمنين إن كنت أملك ما قال فلست أبخل عليك به لأنّى أسلم بسلامتك وفى جيشك أنفقه وإليك معاده، وابن قرابة معه من المال ما لا يحتاج أبدا إليه وأنا أستخرج لك منه خمسمائة ألف دينار وليس بينه وبين أمير المؤمنين الذي يجمعني وإيّاه، فلم يترك عليه وأنا أؤدّيها [٢] من ماله إليك؟» فقال له:

стр. 2417

- «اذهب فتسلّمه.» فقبض عليه وجرى عليه من المكروه ما أشفى به على التلف حتّى قتل المقتدر بالله فتخلّص ولا عجب من أمر الله. وكان قد وقّع الوزير أبو الفتح بأن يعمل لابن قرابة عمل بما صار إليه من الربح فى الأموال التي قدّمها عن الضمناء وبقايا مصادرته فى أيّام عبد الله الخاقاني وما يجب عليه من الفضل فيما ابتاعه من الضياع فأخرج عليه من هذه الجهات [٣٧١] ألف ألف دينار فصحّ له من هذه الجملة تسعون ألف دينار. ثمّ شغل الوزير وهارون بورود الخبر عليهما بانحدار مونس من الموصل وكان هارون قيّده وسلّمه إلى حاجبه وعدّة من غلمانه ليخرجوه إلى واسط فقتل المقتدر فى ذلك اليوم فهرب من كان موكّلا به وبقي معه غلامان كان هو اشتراهما لابن الخال فعنيا به وصارا معه إلى فرضة جعفر وأدخلاه إلى مسجد وأحضرا حدّادا وحلّا قيوده وأطلقاه فمشى إلى منزله بسويقة غالب [١] ووهب لهما خمسمائة دينار. استشارة فى الأمر الواضح وعاقبة المستشير وحكى ثابت بن سنان فى كتابه أنّ أباه سنان بن ثابت كانت بينه وبين أبى بكر ابن قرابة مودّة فصرنا إليه لنهنّئه بخلاصه فقال لوالدي: - «يا أبا سعيد قد اجتمع لى فيك المحبّة والعقل وجودة الرأى وأريد أن أستشيرك فى أمرى.» فقال له أبى:

стр. 2418

- «قل فانّى أمحضك [١] النصيحة.» فقال: «أنت تعلم أنّى كنت فى بحار من التخليط وكانت علىّ تبعات فيما كنت أدخل فيه وأقدّمه من مالي عن الضمناء لم يكن على أحد مثلها، وقد غسلت هذه النكبة وما أدّيت [٢] فيها من المصادرة دون ما كنت فيه وقد حصل لى الآن ما يرتفع منه عشرون ألف دينار خالصة وحصل لى من البساتين [٣٧٢] والمستغلات بعد ذلك ما ليس لأحد مثله ولى من الفرش والآلات والبلور والمخروط والصيني والجوهر والطيب والكسوة ما ليس لأحد مثله ومن الرقيق والخدم الروقة [٣] والغلمان والكراع ما ليس لأحد مثله، ولى بعد ذلك كلّه ثلاثمائة ألف دينار صامت لا أحتاج إليها وبيني وبين هذا الوزير- يعنى أبا علىّ ابن مقلة وقد كان القاهر استوزره وهو بفارس- مودّة وكيدة فهل ترى لى إذا قدم أن أقتصر على لقائه فى الأوقات لعمارة الحال بيني وبينه ولا أداخله ولا أعاود ما كنت فيه أو أعاود وأرجع إلى التخليط.» فقال له والدي: - «ما رأيت أعجب من هذه المشاورة وإنّما يشاور فى المشكل من الأمر فأمّا الواضح فيستغنى فيه عن الرأى. انظر- أعزّك الله- فإن كان ذلك التخليط أثمر لك ما تحبّ فارجع إليه وإن كان إنّما أثمر ما تكره وعرضك لزوال المهجة وزوال النعمة فلا تعاوده ومع هذا فإنّ الإنسان إنّما يكدّ ويكدح ويتعرّض للمكاره ليحصل له بعض ما حصل لك فاحمد الله وتمتّع بالنعمة وقد حصل لك من الجاه ما يحرسها واربح [٤] الصيانة وحسن

стр. 2419

العافية [١] .» فسمع ذلك كلّه [و] قال: - «قد علمت والله أنّك قد نصحت وبالغت ولكنّ لى نفسا مشؤومة لا تصبر [٣٧٣] وسأعاود ما كنت فيه.» فقال له والدي: - «خار الله لك.» وانصرفنا فقال لى والدي: - «يا بنىّ ما رأيت قطّ أجهل من هذا الرجل ولا يموت مثله إلّا مقتولا أو فقيرا بأسوأ حال.» فكان الأمر على ما قدّر وأدّاه التخليط إلى أن قبض عليه القاهر فأزال نعمته وقبض أملاكه وهدّمت داره وأراد قتله حتّى زال أمر القاهر. ثمّ عاد أيضا إلى التخليط ومضى إلى البريديين لمّا خالفوا السلطان، ثمّ مضى إلى أبى الحسين أحمد بن بويه لمّا غلب على الأهواز، ثمّ وقع أسيرا لمّا انصرف الأمير أبو الحسين من نهر ديالى وصودر حتّى لم يبق له بقية واضطرّ إلى أن يخدم ناصر الدولة أبا محمّد ابن حمدان برزق مائة دينار فى كلّ شهر فكثرت فى عينه وكان ينفق مثلها كلّ يوم. ومات بالموصل، ونعوذ بالله من الجهل والإدبار. ودخلت سنة عشرين وثلاثمائة وفيها انحدر مونس من الموصل إلى بغداد وقتل المقتدر بالله ذكر السبب فى ذلك كان السبب فى ذلك ما ذكرناه من استيحاش مونس. فلمّا تمّ له الانصراف إلى الموصل كتب الحسين بن القاسم إلى داود وسعيد ابني [٣٧٤] حمدان

стр. 2420

والحسن بن عبد الله بن حمدان بمحاربة مونس ودفعه عن الموصل فإنّه عاص. وكان مونس يكتب فى طريقه إلى رؤساء العرب فى ديار ربيعة بأنّ السلطان أنفذه لمحاربة بنى حمدان يريد بذلك أن يقعدهم عنهم فامتنع داود من لقاء مونس لإحسانه إليه فإنّه كان عظيما جدّا، فما زال أهله به حتّى فثؤوا [١] رأيه وقالوا له: - «نحن بعد ما غسلنا قبيح ما عمله الحسين بن حمدان ثمّ ما عمله أبو الهيجاء بالأمس نريد أن نعمل لنا حديثا ثالثا.» وما زالو به حتّى استجاب على تكرّه شديد وقال: - «يا قوم! بأىّ وجه ألقى مونسا مع إحسانه العظيم إلىّ؟» وكان يعدّدها ثم يقول: - «والله ما آمن أن يجيئني سهم عائر [٢] فيقع فى هذا الموضع منّى- يعنى حلقه- فيقتلني.» قال: فو الله ما هو إلّا أن لقيه مونس حتّى أتاه السهم العائر فوقع فى موضع إصبعه فذبحه ولم يقتل غيره. وكان بنو حمدان فى ثلاثين ألفا ومونس فى ثمانمائة رجل فانهزموا وقتل داود. وكان مونس إذا قيل له: - «قد أقبل داود لمحاربتك.» يعجب ويقول:

стр. 2421

- «يا قوم يلقاني داود وفى حجري طهّر [١] ولى عليه من الحقّ ما ليس لوالده.» خروج مونس وقصده بغداد فلمّا ملك مونس أموال بنى حمدان وغلّاتهم وضياعهم [٣٧٥] واستولى على أعمال الموصل خرج إليه الناس من الأولياء إرسالا وكثروا عنده فحملوه على الخروج من الموصل وقصد [٢] بغداد وكان أقام بالموصل تسعة أشهر. فانحدر مونس وبلغ الجند بالحضرة ذلك فشغبوا وطالبوا بالرزق فأطلق المقتدر المال وجلس فى الجوسق وأنفق فيهم وأخرج مضربا ليه يسمّى مضرب الدم إلى باب الشمّاسيّة. ووافى مونس وأصحابه إلى باب الشمّاسيّة وكان المقتدر قد وجّه أبا العلاء سعيد بن حمدان وصافيا البصري فى خيل إلى سرّ من رأى ثمّ أنفذ أبا بكر محمّد بن ياقوت فى ألفى فارس ومعه الغلمان الحجريّة [إلى المعشوق] [٣] . ثم أنفذ مونسا الورقائى على سبيل الطلائع، فلمّا قرب مونس أقبلوا يراجعون حتّى اجتمعت الجماعة بعكبرا، فلمّا قرب مونس من عكبرا انكفأت الجماعة مع محمّد بن ياقوت إلى البردان، فلمّا نزل مونس عكبرا انكفأت [٤] الجماعة إلى باب الشمّاسيّة فعسكروا هناك. واضطربت الأمور وتقاعد الضمناء

стр. 2422

والعمّال بحمل الأموال. واجتهد المقتدر بهارون أن يشخص إلى حرب مونس فتقاعد واحتجّ بأنّ معظم أصحابه ممّن انضمّ إليه من رجال مونس أو ممّن كان معه فى وقت محاربته مرداويج [٣٧٦] فى المشرق أو من استأمن إليه من عسكر الديلم وقد عرف محاربتهم وأنّهم ينهزمون ولا يثبتون للحرب وليس يثق بأحد منهم لأنّه يعلم أنّهم يستأمنون ويسلّمونه ودافع بالخروج إلى أن صار أصحاب مونس بباب الشمّاسيّة بإزاء عسكر محمّد ابن ياقوت. فجاء محمّد بن ياقوت إلى الوزير الفضل بن جعفر فانحدر [١] إلى المقتدر ومعهما ابنا رائق ومفلح فشرح محمّد بن ياقوت الصورة وقال له: - «إنّ الرجال لا يقاتلون إلّا بالمال وإن أخرج استغنى عن القتال واستأمن أكثر رجال مونس ودفعت الضرورة مونسا إلى الهرب أو الاستتار.» وقال له: - «إنّ الوزير أطلق مالا لم يعمّ.» وسألوه أن يحتال مائتي ألف دينار من جهته وجهة والدته ليصرف فى المهمّ. فعرّفه أنّه لم يبق له ولا للسيّدة حيلة فى مال يطلق وتقدّم الشذاءات والطيّارات لينحدر هو وحرمه إلى واسط ويسلّم البلد إلى مونس ويكتب من واسط إلى من بالبصرة والأهواز وفارس يستنجدهم ويستحضرهم لقتال مونس ودفعه. فقال له محمّد بن ياقوت: - «اتّق الله يا أمير المؤمنين فى جماعة غلمانك وخدمك ولا تسلّم بغداد بغير حرب.»

стр. 2423

وجعل يفثأه [١] عن رأيه [٣٧٧] ويشير بأن يخرج بنفسه إلى المعسكر حتّى يراه الناس ويقاتلون وقال له: - «إن رآك رجال مونس وأحجموا عن محاربتك.» فقال له المقتدر: - «أنت والله رسول إبليس.» ثمّ أمر هارون على لسان الوزير الفضل بن جعفر أن يخرج ووبّخه فمضى إليه ووافقه [٢] على أن يخرج يوم الأربعاء لثلاث بقين من شوّال إلى دار السلطان. وركب المقتدر وهم معه وعليه البردة التي توارثها الخلفاء وبيده القضيب وبين يديه الأمير أبو علىّ بن المقتدر والأنصار ومعهم المصاحف المنشورة والقرّاء يقرأون القرآن وحوله جميع رجاله بالسلاح وخلفه جميع القوّاد مع الوزير واشتقّ بغداد إلى الشمّاسيّة وكثر دعاء الناس له جدّا وسار فى الشارع الأعظم إلى المعسكر، فلمّا وصل إليه أشير عليه أن يقوم إلى موضع عال بعيد عن موضع الحرب. واشتدّت الحرب بين أصحاب مونس وأصحاب المقتدر بالله وكان مونس مقيما بالراشديّة لم يحضر الحرب وثبت محمّد بن ياقوت وهارون بن غريب واشتبكت الحرب، وصار أبو العلاء سعيد بن حمدان إلى المقتدر بالله برسالة هارون بن غريب ومحمّد بن ياقوت بأن يحضر الحرب. وقال له: - «إنّ [٣٧٨] رآك أصحاب مونس استأمنوا.» فلم يبرح من موضعه ومضى أبو العلاء ووافاه صافى البصري فقال له مثل هذا القول فلم يسمع منه.

стр. 2424

ثمّ حضر محمّد بن أحمد القرايطى كاتب محمّد بن ياقوت فاستدعى الوصول إلى المقتدر بالله فأوصل إليه وهو واقف على ظهر دابّته فقبّل الأرض وقال له: - «يا أمير المؤمنين، القوّاد وعبدك محمّد بن ياقوت يقول: يا مولانا أمير المؤمنين الله الله سر بنفسك إلى الموضع فإنّ الناس إذا رأوك انفلّوا.» فلم يبرح وبقي واقفا على دابّته وخلفه الوزير أبو الفتح ومفلح الأسود وجماعة من الغلمان الخاصّة. فهم على تلك الحال إذ وافت رسالة القوّاد المحاربين فتقدّم بعضها بأن ينادى بين يديه: - «من جاء بأسير فله عشرة دنانير ومن جاء برأس فله خمسة دنانير.» فنودي بذلك. ثمّ جاءته رقعة فسلّمت إليه فقرأها ثمّ استدعى مفلحا والقراريطى فسارّهما [١] ثمّ استدعى الوزير فسارّه وأجابه بشيء ما سمع به. ثمّ وردت رقعة أخرى فقرأها ثمّ وافته الرسائل علانية من القوّاد تؤدّى إليه ويسمع الناس أنّ الرجال فى الحرب يقولون: - «نريد أن نرى مولانا حتّى نرمي بأنفسنا على هؤلاء الكلاب.» ولم يزل [٣٧٩] القراريطى وغيره يسهّلون عليه ويسألونه المسير حتّى سار مع مفلح ومن بقي معه. وتخلّف الفضل بن جعفر عنه وسار نحو الشطّ [٢] وانكشف أصحاب المقتدر وانهزموا من قبل أن يصل المقتدر إلى موضع المعركة وكان آخر من ثبت وحارب حربا شديدا محمّد بن ياقوت واستؤسر أحمد بن كيغلغ وجماعة من القوّاد.

стр. 2425

ولقى علىّ بن يلبق المقتدر وهو فى الطريق لم يصل إلى المعركة فى صحراء منبسطة، فلمّا وقعت عينه عليه ترجّل وعليه سلاحه وقال: - «مولاي أمير المؤمنين.» بربرىّ من أصحاب مونس يقتل المقتدر وقبّل الأرض ثمّ قبّل ركبته، ووافى البربر من أصحاب مونس فأحاطوا بالمقتدر وضربه رجل منهم من خلفه ضربة سقط منها إلى الأرض وقال: - «ويحكم أنا الخليفة.» فقال البربري: - «إيّاك أطلب.» وأضجعه فذبحه بالسيف. وكان معه رجل من خلفاء الحجّاب طرح نفسه عليه فذبح أيضا ووقع رأس المقتدر على سيف ثمّ على خشبة وسلب ثيابه حتّى سراويله وترك مكشوف العورة إلى أن مرّ به رجل من الأكرة فستر عورته بحشيش ثمّ حفر له فى الموضع ودفن حتى عفا أثره. [٣٨٠] ونزل يلبق وعلىّ ابنه فى المضارب وأنفذ للوقت إلى دار السلطان من يحفظها وانحدر مونس من الراشديّة إلى الشمّاسيّة فبات [١] بها ومضى عبد الواحد بن المقتدر ومفلح وهارون بن غريب ومحمّد بن ياقوت وابنا رائق على الظهر إلى المدائن. فكان ما فعله مونس من ضربه وجه المقتدر بالسيف وقتله إيّاه ودخوله بغداد على تلك السبيل سببا لجرأة الأعداء وطمعهم فيما لم تكن أنفسهم تحدّثهم [٢] به من الغلبة على الحضرة، وانخرقت الهيبة وضعف أمر الخلافة مذ

стр. 2426

ذلك وتفاقم حتى انتهى إلى ما نشرحه فيما بعد إن شاء الله. تبذير المقتدر وحكى ثابت حكاية فى تبذير المقتدر للأموال ما رأيت أن أثبته مشروحا لئلّا يغترّ أحد من الملوك ومدبّرى أمر المملكة بكثرة الأموال فيترك تثميره ويعدل عن التعب به إلى الراحة اليسيرة فإنّه حينئذ يتبدّد [١] ولا يلحق ويكون مثله مثل البثق الذي ينفجر بمقدار سعة الدرهم ثمّ يتّسع فلا يضبط. قال صاحب الكتاب: ولقد ووعظت أنا بذلك بعض مدبّرى الملك فأكثرت عليه فتبسّم تبسّم المدلّ بكثرة الذخائر والأموال [٣٨١] فما أتت عليه سنتان [٢] حتّى رأيته فى موضع الرحمة لا ينفعه الرحمة، وسأشرح خبره وحاله إذا انتهيت إليه بمشيئة الله. [٣] فأمّا المقتدر فإنّه أتلف نيّفا وسبعين ألف ألف دينار سوى ما أنفقه فى موضعه وأخرجه فى وجوهه وهذا أكثر ممّا جمعه الرشيد وخلّفه. ولم يكن فى ولد العبّاس من جمع أكثر ممّا جمعه الرشيد، فإنّ القاسم بن عبيد الله قال للمعتضد وقد سأله عن مقدار ما خلّفه واحد واحد [٤] من ولد العبّاس من المال: - «إنّه لم يكن فيهم من خلّف أكثر ممّا خلّفه هارون الرشيد فإنّه خلّف فى بيت المال ثمانية وأربعين ألف ألف دينار.» وهذه نسخة لما أثبته بعض كتّاب أبى الحسن ابن الفرات لمّا وزّره

стр. 2427

المقتدر بالله. - «بسم الله الرحمن الرحيم. الذي كان فى بيت مال [١] الخاصّة لمّا تقلّد المقتدر الخلافة أربعة عشر ألف ألف دينار، وافتتح أبو الحسن ابن الفرات أعمال فارس وكرمان سنة تسع وتسعين ومائتين فارتفع من مال الخراج والضياع العامّة والمعروف بالأمراء فى كلّ سنة ثلاثة وعشرون ألف ألف درهم وثمانمائة ألف درهم، منها من مال فارس ثمانية عشر ألف ألف درهم، ومن مال كرمان خمسة آلاف ألف درهم، [٣٨٢] يكون ذلك فى مدّة احدى وعشرين سنة آخرها سنة عشرين وثلاثمائة الخراجيّة بعد وضع ثمانمائة ألف درهم كانت تنكسر فى كلّ سنة من مال البقايا أربعمائة ألف ألف درهم وثلاثة وثمانين ألف درهم. «وإذا وضع من ذلك ما كان يحمله من يتغلّب [٢] على فارس وكرمان إلى بيت مال العامّة بالحضرة وهو نحو أربعة آلاف ألف درهم فى السنة ومبلغه فى هذه السنين ثلاثة وثمانين ألف ألف درهم وكان الباقي بعد ذلك أربعمائة ألف ألف درهم قيمتها ثمانية وعشرون ألف ألف دينار. «ومن أموال مصر والشام فى هذه السنين زيادة على ما كان يحمل منها فى أيّام المعتضد: ثلاثة آلاف ألف وستمائة ألف دينار.

стр. 2428

«وأخذ المقتدر من أموال علىّ بن محمّد بن الفرات فى مصادرته ومصادرات كتّابه وأسبابه: أربعة آلاف ألف وأربعمائة ألف دينار، منها فى الدفعة الأولى: ألفى ألف وثلاثمائة ألف دينار، وفى الدفعة الثانية: ألف ألف ومائة ألف دينار، وفى الثالثة مع ما أخذ من زوجة المحسّن دولة: تسعمائة ألف دينار. «وما حصل من ارتفاع ضياع ابن الفرات الملك سوى الإقطاع والإيغار [١] فى مدّة سبع عشرة سنة مع ما انصرف فى ذلك من المبيع والمقطع والموغر للحاشية حسابا [٣٨٣] فى السنة مائتي وخمسين ألف دينار: أربعة آلاف ألف ومائتي وخمسون ألف دينار. «وما صحّ ممّا أخذ لأبى عبد الله الجصّاص الجوهري دون ما كان يذكره وهو يتكثّر به من العين: ألفى ألف دينار. - «وما حصل من ضياع العبّاس بن الحسن بعد قتله فى مدّة أربع وعشرين سنة حسابا فى السنة مائة وعشرين ألف دينار: ألفى ألف وثمانمائة ألف دينار. - «وما أخذ من أموال حامد بن العبّاس وأسبابه ومع ما يرتفع من ضياعه إلى أن ردّت على ولده ألفى ألف ومائتي ألف دينار. «وما أخذ من أموال الحسين بن أحمد ومحمّد بن علىّ المادرائيين فى أيّام وزارة أبى علىّ الخاقاني ووزارات ابن

стр. 2429

الفرات الثلاث وأيّام أبى القاسم الخاقاني وأبى العبّاس الخصيبى [١] وأبى الحسن علىّ بن عيسى الثانية وأبى علىّ ابن مقلة: ألف ألف وثلاثمائة ألف دينار. «وما أخذ من أموال علىّ بن عيسى وابن الحوارىّ وسائر الكتّاب ووجوه العمّال المصادرين: ألفى ألف دينار. «وما أخذ من تركة الراسبي، خمسمائة ألف دينار. «وما أخذ من تركة إبراهيم المسمعي: ثلاثمائة ألف دينار. «وما حصل من ثمن المبيع فى أيّام الوزراء وازداده الفضل بن جعفر: ثلاثة ألف ألف دينار. «وما حصل من أموال أمّ موسى [٣٨٤] وأخيها وأختها وأسبابها: ألف ألف دينار. «فصار الجميع من العين: ثمانية وستين ألف ألف وأربعمائة وثلاثين ألف دينار. وضع [٢] من ذلك لارتفاع ما خرج من المبيع منذ سنة سبع عشرة وثلاثمائة إلى آخر سنة عشرين وثلاثمائة حسابا فى السنة على التقريب تسعمائة ألف دينار: ثلاثة ألف آلاف وستّمائة ألف دينار.» الباقي بعد ذلك ممّا حصل فى خزانة المقتدر زائدا على ما كان يحمل إلى بيت مال الخاصّة فى أيّام المعتضد والمكتفي من أموال الضياع والخراج بالسواد والأهواز والمشرق والمغرب: أربعة وستين ألف ألف وثمانمائة وثلاثين ألف دينار.

стр. 2430

وقد كان كلّ واحد من المعتضد والمكتفي يستفضل فى كلّ سنة من سنى [١] خلافته من أموال النواحي بعد الذي يصرف فى أعطيات الرجال والغلمان والخدم والحشم وجميع النفقات الحادثة مع ما كان يحصّله فى بيت مال الخاصّة: ألف ألف دينار. وكان سبيل المقتدر أن يستفضل مثلها فيكون مبلغه فى خمسة وعشرين سنة: خمسة وعشرين ألف ألف دينار. فيكون جملة ما يجب أن يحضر فى بيت مال الخاصّة للمقتدر بالله فى هذه السنين إلى آخر سنة عشرين: [٣٨٥] تسعة وثمانين ألف ألف دينار وثمانمائة ألف وثلاثين ألف دينار. خرج من ذلك ما ليس يجرى مجرى التبذير وهو ما أطلق فى البيعة ثلاث [٢] دفعات وما أنفق على فتح فارس وكرمان: بضعة عشر ألف [٣] ألف دينار. وبقي [٤] بعد ذلك ما بذّر وأتلف: نيّف وسبعون ألف ألف دينار.» وكانت مدّة وزارة أبى الفتح الفضل بن جعفر للمقتدر خمسة أشهر وتسعة وعشرين يوما.

стр. 2431

خلافة القاهر بالله أبى منصور محمّد بن المعتضد سنة عشرين وثلاثمائة لمّا قتل المقتدر بالله وحمل رأسه إلى بين يدي مونس بكى وقال: - «قتلتموه والله لتقتلنّ [١] كلّنا فأقلّ ما يكون أن تظهروا بأن ذلك جرى بغير قصد منكم ولا أمر به وأن تنصبوا فى الخلافة ابنه أبا العبّاس فإنّه تربيتي وإذا جلس فى الخلافة سمحت نفس جدّته والدة المقتدر وإخوته وغلمان أبيه بإخراج المال.» فعارض هذا الرأى أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختي لحينه [٢] وما سبق له فى حكم الله تعالى وقال: - «بعد الكدّ استرحنا ممّن له والدة وخالة وخدم فنعود إلى تلك الحالة؟» وما زال بمونس [٣٨٦] وأسبابه حتّى فثأ رأيهم [٣] عن أبى العبّاس وعدل به إلى محمّد بن المعتضد بالله ليتمّ المقدار من جرى [٤] قتله على يده. وحضر فائق وجه القصعة الحرمي فذكر لمونس أنّ والدة المقتدر لمّا بلغها

стр. 2432

قتل ابنها أرادت الهرب وأنّه وكّل بها وتوثّق منها. وذكر أنّ محمّد بن المعتضد ومحمّد بن المكتفي معتقلان فى يده. فوجّه به مونس وأمره بإحضارهما وأصعد بهما إلى دار مونس بعد أن أطلق بشرى خادمه. وابتدأ مونس بخطاب محمّد بن المكتفي فامتنع من قبول الأمر وقال: - «عمّى أحقّ به.» فخاطب حينئذ محمّد بن المعتضد فاستجاب واستحلف لمونس المظفّر وليلبق ولعلىّ ابنه وليحيى بن عبد الله الطبري كاتب يلبق. فلمّا توثقوا منه بالأيمان والعهود بايعوه وبايعه من حضر من القضاة والقوّاد ولقّب: «القاهر بالله» . وكان ذلك سحر يوم الخميس لليلتين بقيتا من شوّال. وأشار مونس بأن يستوزر له علىّ بن عيسى ووصف سلامته واستقامة أموره ومذهبه ودينه فقال يلبق وابنه: - «الحال الحاضرة لا تحتمل أخلاق علىّ بن عيسى وأنّه يحتاج إلى من هو أسمح منه وأوسع أخلاقا.» فأشار بأبى علىّ ابن [٣٨٧] مقلة وبأن يستخلف له إلى أن يقدم من فارس أبو القاسم الكلوذانى. فأمضى مونس ذلك وكتب إلى أبى على ابن مقلة بالإسراع، وإلى ياقوت بحمله وتعجيله. وانحدر القاهر إلى دار الخلافة وصعد الدرجة. وانحدر مونس وأسبابه إلى دورهم وصرف محمّد بن المكتفي إلى داره فى دار ابن طاهر واستحجب القاهر بالله علىّ بن يلبق واستكتب علىّ بن يلبق أبا علىّ الحسن بن هارون. ووجّه مونس المظفّر فاستقدم علىّ بن عيسى من الصافية فراسله القاهر على يد الحسن بن هارون واستدعاه فلقى مونسا ثمّ انحدر إلى القاهر فوصل إليه وخاطبه بجميل وذلك قبل ورود ابن مقلة. واستحضر مونس أبا القاسم الكلوذانى وانحدر معه إلى دار السلطان

стр. 2433

وأوصله إلى القاهر فعرّفه أنّه قد استوزر أبا علىّ ابن مقلة واستخلفه له إلى أن يقدم وأمره أن ينتقل [١] إلى دار مفلح ليقرب عليه إذا طلبه ففعل ولقيه أصحاب الدواوين وهنّأوه وأمر ونهى. تشاغل القاهر بالبحث عمّن استتر وتشاغل القاهر بالبحث عمّن استتر من أولاد المقتدر وحرمه وبمناظرة والدته وكانت فى علّة عظيمة من فساد مزاج وابتداء [٣٨٨] استسقاء ولمّا وقفت على ما لحق ابنها من القتل وأنّه لم يدفن جزعت جزعا شديدا ولطمت رأسها ووجهها وامتنعت من المطعم والمشرب حتّى كادت تتلف ورفق بها رفقا كثيرا إلى أن اغتدت بيسير من الخبز والملح وضربت الماء. ثمّ دعاها القاهر فقررها بالرفق مرّة وبالتهديد مرّة فحلفت له على أنّه لا مال لها ولا جوهر إلّا صناديق فيها صياغات وثياب وفرش وطيب وأنّ هذه الصناديق فى دار تتصل بالدار التي كانت تسكنها من دار السلطان ووقفته على تلك الدار وتلك الصناديق وقالت: - «لو كانت عندي مال لما سلّمت ولدي للقتل.» فضربها حينئذ بيده وعلّقها بفرد رجل وأسرف فى ضربها على المواضع الغامضة من بدنها [٢] ولم يرع لها إحسانها وقت اعتقال المقتدر إيّاه ولمّا أوقع بها المكروه لم يجد زيادة على ما اعترفت به طوعا. فلمّا كان مستهلّ ذى القعدة حضر يلبق وعلىّ ابنه ومعهما أبو القاسم الكلوذانى دار السلطان فأوصلهم إلى حضرته فطالبوه بحمل مال إلى مونس المظفّر لينفق فى صلة البيعة فحدّثهم بما فعله بوالدة المقتدر [٣٨٩] وأنّه

стр. 2434

ضربها بيده مائة مقرعة ضرب التقرير على المواضع الغامضة من بدنها فما أقرّت بدرهم واحد غير ما كانت أقرّت به عفوا وقال لهم: - «هي بين أيديكم.» ثمّ أدخلهم إلى الدار التي فيها الصناديق فإذا فيها ثياب وشى وديباج رومي [١] وتسترىّ مثقّلة بالذهب وفرش أرمنىّ [٢] وخزّ رقم وديباج وصناديق فيها ثياب فاخرة وصياغات يسيرة ذهب وصياغات كثيرة فضّة وطيب كثير من عود هندىّ وعنبر ومسك وكافور وتماثيل كافور [٣] قيمة ذلك نحو مائة وثلاثين ألف دينار وقيمة التماثيل نحو ثلاثمائة ألف درهم فتسلّم أكثر ذلك مونس المظفّر ليباع فتركوا بعضه ليخدم به القاهر. وصودر جميع أسباب المقتدر وظهر الفضل بن جعفر فعنى به مونس ويلبق وابنه وخاطبوا فيه القاهر فقال: - «هذا كان وزير المقتدر ولا بدّ من مصادرته.» فبذل عشرين ألف دينار عاجلة فقال مونس: - «أنا أزن هذا المال عنه فإنّه ثقة عفيف كاتب ديّن.» ورسم أن يقلّد ديوان الضياع المقبوضة عن والدة المقتدر وديوان أولاد المقتدر وما قبض عنهم وعن سائر الأسباب وأكرم كل إكرام وصار إلى [٣٩٠] الكلوذانى فقام له لمّا حضر ولمّا انصرف ووقّع له القاهر بجميع تلك الدواوين التي ذكرتها فتسلّم الدواوين ولم يؤثر فيها شيئا لأنّه لم يستحسن وكان بالأمس وزير المقتدر أن يتقلّد اليوم ديوان المقبوضات عن والدته وأولاده وأسبابه فاستحضر الكلوذانى هشاما وقلّده ذلك أزمّة وقلّد أبا محمّد

стр. 2435

المادرائى ديوان الأصول فكانت مدّة ولاية الفضل هذه الدواوين سبعة عشر يوما. وكانت مصادرة أبى بكر ابن ياقوت قد اشتهرت وأنّه لم يؤدّ منها إلّا تسعين ألف دينار فطولب بتمامها. وأخرج القاهر والدة المقتدر لتشهد على نفسها القضاة والعدول بأنّها قد حلّت وقوفها ووكّلت فى بيعها علىّ بن العبّاس النوبختي ونوظرت على ذلك فامتنعت منه وذكرت أنّها وقفته على مكّة والثغور على الضعفى [١] والمساكين ولا أستحل حلها فأمّا أملاكى الطلق فقد وكّلت علىّ بن العبّاس فى بيعها. فنهض القاضي عمر بن محمّد والشهود إلى حضرة القاهر فأشهدهم على نفسه بأنّه قد حلّ وقوفها ووكّل فى بيعها علىّ بن العبّاس النوبختي وفى بيع سوى ذلك من الضياع الخاصّة والفراتيّة والعبّاسية [٣٩١] والمستحدثة والمرتجعة وما يجرى مجراها فى سائر النواحي ووكّل أبا طالب النوبختي وإسحاق بن إسماعيل وأبا الفرج جلخت فى بيع المستغلات بالحضرة المقبوضة وما أمكنهم بيعة من فضل ما بين المعاملتين. ورأى أسباب مونس أنّه لا يتمّ البيع إلّا بأن يبتدءوا بالشراء منهم فابتاعوا أشياء بنحو خمسمائة ألف دينار. وزارة ابن مقلة وقدم أبو على ابن مقلة من شيراز فى يوم النحر وكان كتب إلى القاهر بالله ويسأله أن يجلس له فى الليل لأنّه كان اختار لنفسه أن يلقاه بطالع الجدى وفيه أحد السعدين والآخر فى وسط السماء فوصل فى الوقت الذي

стр. 2436

قدّره وصادف القاهر ينتظره فلقيه وخرج من عنده وقد أعدّت له دار هارون بن المقتدر وفرشت فدخلها ووقّع فيها بتقليد قوم وخلع عليه من الغد خلع الوزارة وصار إلى مونس المظفّر فسلّم عليه وانصرف إلى داره. وحضر الناس للتهنئة وراح إليه فى آخر النهار علىّ بن عيسى فلم يقم له واستقبح الناس له ذلك وصار إليه أبو بكر ابن قرابة ووفى بوعده فى مداخلته إيّاه والعود إلى التخليط كما كنّا شرحناه من أمره. ودخلت سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة [٣٩٢] كان أبو علىّ ابن مقلة عاتبا على الكلوذانى وذاك أنّه لم يعرف خبر أحد من إخوته وولده وحرمه وأسبابه بعد تقليده خلافته ولا صار إلى داره ولا قلّد أحدا من أسبابه شيئا من الأعمال ولا تفقّد حرمه وولده بشيء، وأعظم من هذا كلّه أنّ أبا عبد الله ابن ثوابة استأذن أبا القاسم الكلوذانى فى وقت خلافته أبا علىّ فى ذكر كنيته على الكتب النافذة إلى العمّال فلم يأذن له فقبض على الكلوذانى وأسبابه وكان هذا أوّل ما وبّخه به وأخذ خطّه بمائتي ألف دينار ونقله مع كاتبه وأسبابه إلى أبى بكر ابن قرابة ثمّ قبض على جماعة من العمّال وكتّاب الدواوين وقبض على إسحاق بن إسماعيل النوبختي وعلى بنى البريدي وضمن أعمالهم من محمّد بن خلف النيرمانى بما كانت عليهم وزيادة ثلاثمائة ألف دينار وضمن أيضا أن يصادرهم على ستمائة ألف دينار وتسلّمهم وحملهم إلى داره وجميع ذلك بتوسط ابن قرابة فاعتقلهم محمّد بن خلف فى داره وفرّق بينهم. وجمع أبو على ابن مقلة لمحمّد بن خلف مع هذه الأعمال أعمال المعاون فخاف إسحاق بن إسماعيل وبنو البريدي على أنفسهم لما يعرفونه من شدّة

стр. 2437

إقدام محمّد بن خلف وتهوّره [١] فأمّا أبو عبد الله البريدي [٣٩٣] فإنّه دارى محمّد بن خلف ورفق به وأوهمه أنّه يعمل من قبله ويقوم بمال النواحي وبالزيادة التي بذلها وأن يطيعه فى المال كلّه ويعمل بما يأمره فيه ولا يخالفه فرفّهه من بين الجماعة وأوقع بأخويه وعلّق عليهما الجرار المملوءة ودهقهما [٢] فلم يذعنا بشيء وضيّق على إسحاق بن إسماعيل ولم يوقع به مكروها. وكانت بين أبى جعفر ابن شيرزاد وبين إسحاق بن إسماعيل مودّة وكيدة فخاطب أبو جعفر الوزير أبا علىّ فى لقاء إسحاق وقال: - «أحتاج أن أواقفه على ما سبّب لصاحبي هارون بن غريب عليه فى أيّام المقتدر وما أطلقه حتّى لا يحيل علىّ بما لم يطلقه.» فوجّه معه بحاجب من حجّاب الوزارة فأوصله إلى إسحاق فلمّا وقعت عين إسحاق عليه قال له: - «يا سيدي الله الله فى أمرى بادر إلى الأستاذ المظفّر ولا تفارقه حتّى يخلصني من يد هذا المجنون.» فمضى أبو جعفر إلى مونس ولم يزل يسأله حتّى دعا يلبق وأمره أن يمضى إلى أبى على ابن مقلة ويخاطبه فى أمره فإن أطلقه وإلّا انتزعه من يد محمّد بن خلف وحمله إليه. فمضى يلبق إلى ابن مقلة فخاطبه فلم يجد ابن مقلة بدّا من الاستجابة لتقريب أمر إسحاق. فحكى أبو الفرج ابن أبى هشام عن أبى سعيد ابن قديدة أنّ السبب فيما لحقهم عتب أبى بكر ابن قرابة [٣٩٤] عليهم لتأخيرهم مالا كان له عليهم وهو الذي قدّمه عنهم فتقاعدوا عن الوفاء له فعاهد محمّد بن خلف يوم

стр. 2438

تضمّنهم من أبى علىّ ابن مقلة بستمائة ألف دينار على أن يستوفى له من جماعتهم ما قدّمه عنهم ويردّه عليه. فلمّا حصلوا فى يد محمّد بن خلف استخرج من أبى عبد الله وأخويه عشرين ألف دينار وأنفذ قبض بعض الصيارف بدرب عون إلى أبى بكر ابن قرابة بها وجعل ذلك من دينه عليهم وجدّ بهم. واستسلم له أبو يوسف وأبو الحسين ولحقهما منه مكاره عظيمة وأطمعه أبو عبد الله إطماعا لم يصحّ ورفق به. فلمّا كان فى اليوم الثالث ركب محمّد بن خلف إلى أبى علىّ ابن مقلة فقال له أبو علىّ: - «يا أبا عبد الله غررتنا والقوم فى يدك فنفذت مخاريقهم عليك وذهبت بريحك.» فخجل محمّد واغتاظ وقال: - «قد حملت من جهتهم عشرين ألف دينار وإنّما ضمنت المال فى مدّة ثلاثة أشهر فأىّ عتب للوزير علىّ حتّى يخاطبني بهذا الخطاب البشع.» فقال الوزير: - «ما سمعت بهذا إلّا منك فإلى من سلّمت المال؟» قال:- «إلى ابن قرابة.» فدعا بابن قرابة وسأله [١] عمّا ذكر محمّد بن خلف فقال: - «أنفذ أيّها الوزير هذا الخط وو الله ما قبضت [٣٩٥] ماله من الصيرفي وزعم أنّه من دين لى عليهم ولو قال إنّه من الحمل لأنهيت حاله فى الوقت وإذ قد بدا له فها هي الرقعة بارك الله له فيها.» وسلّمهما إلى محمّد بن خلف فقال محمّد:

стр. 2439

- «ولا والله ما جعلتها من دينك وكيف يجوز أن أقدّم مالك على مال السلطان؟» فاستوحش كلّ واحد منهما من صاحبه وبلغ أبا عبد الله البريدي خبر المجلس فسرّى عنه واجتهد فى أن يكتب رقعة إلى ابن قرابة يسأله فيها المصير إليه فلم يجد دواة ولا من يحملها واتفق أن أنفذ أبو سعيد ابن قديدة غلامه أحمد ليشاهد حاله فاستأمن إليه أبو عبد الله ورغّبه فى الإصطناع والإحسان ووعده أن يغنيه إذا أوصل رقعة له إلى ابن قرابة فاستجاب له الغلام واحتال له فى جوزة جعل فيها كرسفا [١] وأحضره قلما صغيرا وقطعة من كاغذ فكاتب أبا بكر ابن قرابة وحلف له إنّه إن أخذه إليه وفّاه ماله عن آخره وخدمه أحسن خدمة. فبكر أبو بكر ابن قرابة إلى محمّد بن خلف وأظهر له أنّه قد قصده لمعاتبته حتّى استوفى المفاوضة معه. ثمّ قال له: - «أخرج ابن البريدي إلىّ فإنّه يستقيم إلى كلامي حتّى أقرر مصادرته وأعرف ما عنده [٣٩٦] فى ديني.» فأخرج إليه أبا عبد الله فقال أبو عبد الله: - «أوّل إقبالى إن قلت لمحمّد بن خلف: لم يبق من السحر إلّا السرار فيتفضّل الأمير ويخلى لنا مجلسنا.» فنهض محمّد بن خلف من مجلسه وسلّمه إلىّ برقاعته وقال: - «أنا داخل إلى دار الحرم.» فتخاطبنا وجلست مجلسه وقعدت مقعده فتفاءلت وقلت: - «هذا مجلس كان لى فأنتقل إليه وقد عاد إلىّ.»

стр. 2440

فاستصلحت أبا بكر ابن قرابة ووعدني بتخليصى ووفى ومضى ففصل أمرنا وضمن الوفاء عنّا. فلمّا كان فى اليوم الثاني رضى عنّا أبو علىّ ابن مقلة واستدعاني وإخوتى فدعانا محمّد بن خلف وسكّن منّا [١] وأنفذنا إليه فلمّا أردت الخروج قلت لمحمّد ابن خلف: - «أيّها الأمير، أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل خادمك ومونس يعتنى به وسينفذ الساعة من يأخذه فدعني حتّى أستصلحه لك وأعقد بينك وبينه عهدا ويمينا.» فقال: «افعل.» فخلوت بإسحاق بن إسماعيل وقلت له: - «قد سخرت من هذا النفس [٢] وأنا منصرف فعاقده واحلف له ثمّ قل له: بيننا الآن عهد ولا بدّ من صدقك ابن مقلة يبغضك ويتّهمك بأنّك تطلب الوزارة وإنّما أراد أن يستنفر لك الأعداء ويأخذ أموالنا بيدك ثمّ يحملنا على أن نتضمّنك وقد ضمنك أبو عبد الله البريدي [٣٩٧] بثلاثمائة ألف دينار وحدّثنى بهذا فلا تركب أيّاما فإن كان الوزير سأل عنك فقد حماك منه الخليفة وإن طلبك فإنّما يريد أن يسلّمك إليه.» ثمّ انعطفت إلى محمّد بن خلف وقلت: - «قد فرغت من القصّة والرجل يخدم الأمير كما يريد.» وخرجنا فأعاد عليه إسحاق ما سمعه منّى فانصرف قبل العصر بعدي. فلمّا جلس محمّد بن خلف فى منزله ولم يركب إلى أبى علىّ ابن مقلة مضى أبو عبد الله البريدي إلى ابن مقلة وقال له:

стр. 2441

- «قد عرفت من دار محمّد أنّه يطلب الوزارة وأنّ رسله منبثّون إلى أسباب مونس وإلى القاهر فلا تدعه يقيم فى البلد.» وكان ابن مقلة جبانا فطلبه وكان ذلك القول الأوّل قد تقدّم إلى محمّد بن خلف، فوثب بخدم ابن مقلة وغلمانه وحاجبه وضربهم وحصّلهم فى بيت وقفل الباب عليهم وتسوّر السطوح وهرب فلم يظهر إلّا فى وزارة أبى جعفر محمّد بن القاسم بن عبيد الله للقاهر بالله. وكان أبو عبد الله البريدي مقيما بالأهواز وعرف محمّد بن خلف من بعد أنّ الحيلة تمّت عليه، فقال لمن بلّغ أبا عبد الله البريدي: - «ظننت بك ظنّا جميلا ولم أعلم أنّك فى الحيلة علىّ وكنت قد صدقت عنك فلم أقبل.» [٣٩٨] فقال أبو عبد الله البريدي لأبى علىّ الكاتب: - «اكتب إلى فائق الغلام بأن يقول لمحمّد بن خلف: هذه الحيلة يجوز أن تخفى عليك، فقد خفى مثلها على من هو أكبر منك ولكنّ أعظم من ذلك أنّه كان لنا من الموضع الذي حسبنا فيه طرق إلى دور حرمك وذهبت عليك ولم تعرفها فاحترس منها فى المستأنف.» وتوسّط أبو بكر ابن قرابة أمور الجماعة وفصلها مع ابن مقلة فوقّع ابن مقلة بإعادة ابني البريديين إلى أعمالهم فاستقامت أمورهم. ولمّا بطل ضمان محمّد بن خلف ما كان ضمنه من ضمانات البريديين وإسحاق بن إسماعيل صرف أيضا عن أعمال المعاون فى هذه النواحي وطلبه ابن مقلة وكان من وثوبه برسله وحاجبه واستتاره ما ذكرناه. ووجّه ابن مقلة إلى دار محمد بن خلف من [١] فتح الباب عن خدمه

стр. 2442

وغلمانه وحاجبه وانصرفوا. بين ابن مقلة وأبى الخطّاب وكان أبو علىّ ابن مقلة يعادى أبا الخطاب ابن أبى العبّاس ابن الفرات ولم يكن يجد إلى القبض عليه طريقا ديوانيّا لأنّه كان ترك التصرف عشرين سنة ولزم منزله وقنع بدخل ضيعته. وكان سبب عداوة أبى علىّ له أنّه كان استسعفه أيّام نكبته فاعتذر بالإضاقة ولم يسعفه. [٣٩٩] ثمّ إنّ أبا الخطّاب طهّر أولاده فتجمّل كما يتجمّل مثله ودعا أولاد أبى علىّ ابن مقلة فشاهدوا مروّة تامّة وآلات جليلة وصياغات كثيرة وكان بعضها عارية فانصرفوا وحدّثوا أباهم الحديث وعظّموا وكثّروا وصار أبو الخطّاب ابن أبى العبّاس ابن الفرات إلى الوزير أبى علىّ ابن مقلة على رسمه يوم الموكب للسلام عليه فقبض عليه. فحكى أبو الفرج ابن أبى هشام أنّ أبا زكريا يحيى بن أبى سعيد السوسي حدّثه أنّه كان حاضرا حين قبض على أبى الخطّاب وأنّ الوزير أبا علىّ أنفذ إليه وسائط وأنّه كان فيهم وطالب بثلاثمائة ألف دينار وأنّ أبا الخطّاب قال: «بماذا يتعلّق الوزير علىّ وقد تركت التصرف منذ عشرين سنة ولمّا تصرفت كنت عفيفا سليما ما آذيت أحدا ولى على الوزير حقوق وليس يحسن به أن يتناساها مع اشتهاره بالكرم ويقبح

стр. 2443

بى أن أهجّنه بخطوط له عندي قبل هذه الحال الغالية [١] فقولوا له: أيّها الوزير أبو علىّ، ذكّرتك بما لو طالبتك برعايتها أو بالمجازاة على ما أسلفتك فى أوقات انحراف الزمان عنك أو سألتك ولاية أو إماحة أو إحسانا فى معاملة فى ضيعة أو إرفادا [٤٠٠] وهل من الجميل ألّا أجد عندك إذا رفّهتك من هذا كلّه سلامة فى نفسي فيما قد ركبته منّى ممّا إذا صدقت نفسك خفت العقوبة من الله ثمّ قبح الأحدوثة من الناس. - «أما ما ظننته عندي، فما الأمر كما وقع لك لأنّ هذا المال إن كان موروثا عن أبى ﵀ فلست وارثه وحدي ولو كان لاقتسمناه ونحن عدّة فلم يكن بدّ من أن يشيع ويعرف خبره وإن ظننته من كسبي فتصرفى وما وصل إلىّ منه معروف وما خفيت عنك نزارته ومن بحضرتك من أصحاب الدواوين يشهدون لى بأنّى ما حظيت ببعض مؤونتي [٢] وإن ظننته من استغلال فما استغلّه مقسوم بين الورثة وإن رجعت إليهم بالمسألة لم تجد ما يخصّنى فى زمان تصرفى إلّا بعض ما انصرف إلى مئونتي ومروّتى. - «وقد خلف الوزراء والأكابر وأولادا مثلي فى كفايتي ودوني فتعرضوا لمواقف واستشرفوا لرتب وراسلوا وروسلوا فهل رأيتنى إلّا فى طريق التسلّم وراضيا بامتداد ستر الله تعالى والزهد فى هذه الدنيا. فأىّ شيء تقول الله تبارك اسمه، ثمّ لعباده إذا

стр. 2444

أسأت إلىّ؟» فلمّا أعيد هذا الكلام على ابن مقلة من غير جهتنا فإنّه كان [٤٠١] أنفذ من يتسمع، خجل وتبلّد وتحيّر ثمّ قال: - «هذا يدلّ علىّ بالفراتيّة وأمير المؤمنين ليس يمكّننى من رعاية حقوق أمثاله وأنا أنفذه إلى الخصيبى فإنّه أعرف بدوائه.» فقمنا وجئت إلى الخصيبى فحدّثته بما جرى فى المجلس وقلت له: - «أعيذك بالله أن تنتصب للتشرّر [١] على الناس وأن يقال: إنّ النعم تزال بك وأنت وزير ابن وزير وقد رفع الله قدرك من ذلك وأجلّك بصناعتك وعفافك وأبوّتك.» فقال: «أحسن الله جزاءك ستعلم أنّى أردّه إليه بعد أن أعذر باليسير إليه.» ثمّ إنّ أبا علىّ ابن مقلة استدعى الخصيبى وسلّمه إليه بعد أن اضطرّه إلى كتب خطّه بثلاثمائة ألف دينار يصحّحها فى مدّة عشرين يوما. فأحضر له الخصيبى صاحب الشرطة وجرّده وضربه عشر درر وخلّع تخليعا يسيرا، ثمّ ضربه بالمقارع، فأقام على أنّه لا مال له وأنّ ضياعه قد وقفها ولا يمكنه بيعها. فاستعفى الخصيبى منه وردّه إلى دار ابن مقلة فحبسه ثمّ سلّمه إلى المعروف بابن الجعفري النقيب وأحضر له غلاما من غلمان القاهر وذكر له أنّه قد أمر بضرب عنقه إن لم يؤدّ قدرا من المال. فما زال يعلّلهم إلى آخر الوقت ولم يؤدّ [٤٠٢] شيئا. فلمّا حضر الوقت أحضره السيف وشدّ رأسه وعينيه. فقال له أبو الخطّاب: - «وجّهنى رحمك الله إلى القبلة.»

стр. 2445

فوجّهه. ثمّ قال له: - «برفق [١] » . وتشاهد. فبادر بالخبر ابن الجعفري إلى ابن مقلة فقال ابن مقلة: - «لا يجوز أن يكون بعد هذا شيء.» وقال مونس المظفّر لابن مقلة: - «أىّ طريق على رجل لم يعمل عملا منذ آخر سنة تسع وتسعين ومائتين؟» فأخذه ابن مقلة وسلّمه إلى حاجبه وأمره أن يعتقله. فأقام فيه يومين وحضر أبو يوسف البريدي فشكا إليه ابن مقلة ما أقام عليه أبو الخطّاب من التجلّد ووسّطه بينه وبينه. فصار إليه أبو يوسف وقرّر أمره على عشرة آلاف دينار فحلف أبو الخطّاب ألّا يؤدّى منها درهما ولو قتل أو يطلق إلى منزله. فوجّه إليه ابن مقلة بخلعة من ثيابه وحمله على دابّة بمركب واستدعاه ووثب إليه حتّى كاد أن يقوم له ثمّ قال له: - «كثّر على الخليفة فى أمرك وعزيز علىّ ما لحقك فامض مصاحبا إلى منزلك.» فانصرف وأدّى المال فى مدّة عشرة أيّام وأطلق ضياعه وأملاكه. وأحضر ابن مقلة إسحاق بن إسماعيل وأخذ خطّه بأن يحمل [٤٠٣] فى كل شهر من شهور الأهلّة مثل ما كان يحمله إلى المقتدر بالله لخريطته على

стр. 2446

سبيل المرفق وهو ألفا دينار وأخذ خطّ أبى عبد الله البريدي بحمل ثلاثة آلاف دينار فى كلّ شهر على هذه السبيل وخطّ أبى يوسف وأبى الحسين أخويه بألف وخمسمائة دينار فى كلّ شهر. ذكر ما جرى فى أمر الذين هربوا من قوّاد المقتدر وما آل أمرهم إليه كتب هارون بن غريب إلى أبى جعفر محمّد بن يحيى بن شيرزاد من واسط بأن يقطع أمره على مصادرة ثلاثمائة ألف دينار على أن يطلق له ضياعه الملك فى سائر النواحي ومستغلّاته دون الإجارات والوقوف التي كانت فى يده وعلى أن يؤدّى حقوق بيت المال على الرسوم القديمة ويرتجع إقطاعاته. وعنى به مونس المظفّر وأسبابه وكتب له القاهر أمانا وقبلت مصادرته التي بذلها وقلّد أعمال المعاون بماه الكوفة وماسبذان ومهرجانقذق. وخرج عبد الواحد بن المقتدر ومحمّد بن ياقوت الباهلي وابنا رائق وسرور ومفلح من واسط مفارقين [٤٠٤] لهارون بن غريب من واسط إلى السوس وجنديسابور فأفسدوا أمر الأعمال هناك وعاثوا وخرّبوا ومدّوا أيديهم إلى التنّاء والتّجار ثمّ خرجوا على الظهر إلى سوق الأهواز. فلمّا طال مقامهم بالأهواز شخص يلبق والجيش معه نحوهم فلقيه هارون بن غريب بجرجرايا ثمّ نفذ لحرب القوم. فأمّا ما حكاه أبو الفرج ابن أبى هشام عن مشاهدة وعيان فإنّه قال: إنّ الهاربين من قوّاد المقتدر مع عبد الواحد ابنه دخلوا سوق الأهواز من طريق الطيب وما دخلوا السوس ولا جنديسابور واستبدّ محمّد بن ياقوت بالأمور على ابني رائق والجماعة. وقلّد أبا إسحاق القراريطى كاتبه النظر فاستخرج وأمر ونهى وكانت

стр. 2447

الأموال تنصبّ إلى ابن ياقوت ويعطى منها ابنا رائق وغيرهما ما يريد فتغيرت له القلوب واعتقدوا الخلاف عليه. وتحقق أبو عبد الله البريدي بأبى علىّ ابن مقلة. وكانت الكتب ترد عليه من الأهواز بجميع ما يجرى فأشار بأن يتلاحق أمرهم وقال: - «إنّ القوم متخاذلون وابن ياقوت مستبدّ عليهم وقلوبهم شتّى وإنّ ابني رائق صديقاه فإن أخرج إليهم جيش اختلفت كلمتهم [٤٠٥] وإن تركوا قويت شوكتهم بأموال الأهواز وعقدوا لعبد الواحد الخلافة وطلبوا الحضرة.» فأنفذ أبو علىّ إبن مقلة أبا عبد الله البريدي إلى مونس حتّى شافهه بذلك كلّه فقال مونس: - «قد ترى الحيرة فى مال البيعة وقد استحقّ الناس رزقه لأنّ الحادثة المقتدر منذ ثلاثة أشهر فمن أين المال؟» فقال أبو عبد الله البريدي: - «أنا أضمنه ويسبّب علىّ وأقدّم بالحضرة ثلاثين ألف دينار وأصحّح [١] بالسوس خمسين ألف دينار وبتستر عشرين ألف دينار والباقي بالأهواز.» وأحضر صاحب ديوان الجيش وعمل جريدة لمن تجرّد مع يلبق وأجمل ما لهم فبلغ مائتي وخمسين ألف دينار فحمل أبو عبد الله الثلاثين الألف الدينار التي ضمن تعجيلها بالحضرة وخوطب القوّاد وتكاثرت العساكر مع يلبق وأبو عبد الله البريدي معه. وخرج بدر الخرشنى [٢] فى الماء وكوتب أحمد بن نصر القشوري وكان يتقلّد البصرة أن يسير معه فلمّا تحصّلت الجيوش بواسط تغيّرت القلوب على محمّد بن ياقوت وتبيّن ذلك فقال للجماعة:

стр. 2448

- «أنا واحد منكم ولست أخالفكم فى رأى ولكنّ الوجه أن نجتمع بتستر [٤٠٦] فإنّها حصينة منيعة وندبّر أمرنا بما يوفق الله له ولا نحارب.» وواقفهم على مال يعطيهم وساروا للوقت إلى عسكر مكرم وأفرجوا عن قصبة الأهواز فعمل القراريطى بها ما لا يعمله الدمستق وفتح الدكاكين بالليل وبعث إليها البغال وحمل منها أمتعة التجّار وصادر الأسود والأبيض. ولمّا ورد الخبر بنزول يلبق السوس نفذت الجماعة إلى تستر وورد البريدىّ وسلك طريق القراريطى وزاد وما زال يحتال حتّى وفّى الخمسين الألف الدينار ثمّ وافى يلبق والجيوش جسر تستر فوجده مقطوعا وحال بينه وبين تستر دجيل. فحكى عن أبى عبد الله البريدىّ بعد ذلك أنّه قال: هممت بالتغلّب ووضعت فى نفسي الإمرة وتدبير الرجال منذ ذلك لمّا رأيت انحلال يلبق وسقوط ابن الطبري كاتبه لأنّى رأيتهما متخلّفين ساقطين. وكان الشارد قد طار وضجّ يلبق واضطرب رجاله فهمّ بالانصراف فثبّته أبو عبد الله البريدىّ وما زال يتردّد إلى القوّاد ويهزّهم ويهاديهم ويسكّنهم ويكاتب ابني رائق بالمودة ويشير عليهما بمفارقة ابن ياقوت ويذكر لهما سوء أخلاقه وشدّة عجبه وتطاوله [٤٠٧] عليهما حتّى استجابا إلى تقلّد البصرة والانصراف عن تستر. فما عرف ابن ياقوت الخبر حتّى ضربا بالبوق بكرة ورحلا فلم يكن له بهما يدان لأنّه لو كاشفهما لعبر العسكر الذي بازائه إليه وقتل أو أسر. ولمّا توجّه ابنا رائق إلى البصرة استأذن مفلح وسرور فى العبور بعبد الواحد إلى يلبق وقالوا لمحمّد بن ياقوت: - «قد ضعفت نفوسنا وأنت معتصم برجالك ونحن فلا عدّة لنا ولأصحابنا

стр. 2449

إلّا غلماننا.» فردّ الإختيار إليهم، كاتبوا وتوثّقوا لنفوسهم من يلبق وعبروا إليه وتحيّر محمّد بن ياقوت فراسل يلبق فى أن يحلف بسلامة نيّته إذا لقيه ليعبر إليه ويفاوضه ويعود إلى معسكره. فأجابه وحلف له على ذلك وعبر إليه محمّد بن ياقوت بدرّاعة بيضاء وعمامة وجمشك [١] فى رجله ومعه غلام واحد وقت العصر فقام له يلبق وتفرّدا وتطاولا حديثا ما عرف فى الوقت. واشتعلت النيران فى ثياب البريدي وتردّد دفعات إلى ابن الطبري يشير بالقبض على ابن ياقوت وراسل ابن الطبري يلبق بذلك وقال له: - «البريدي خليفة الوزير وثقة الأستاذ مونس يشير بذلك ولست أقول أنا شيئا.» فقال يلبق: - «ما كنت بالذي أخفر أمانتى [٤٠٨] وأحنث فى يميني ولو ذهبت نفسي.» وحضر وقت الصلاة فقام محمّد بن ياقوت تحت الفازة فى موضع فسيح فأذّن وأقام وتقدّم للصلاة يلبق وأكثر العسكر وراءه ولمّا استتمّ المكتوبة انثنى إلى يلبق معانقا له فقام إليه وودّع كلّ واحد منهما صاحبه وعاد محمّد بن ياقوت إلى عسكره [٢] وظهر السرّ وكان تعاتبهما أوّلا ثمّ تحالفا وتعاقدا واصطلحا على أن يسيرا إلى الحضرة بشروط الأمان على أن يكون بينهما فى المسير منزل فمنزل. ورحل محمّد بن ياقوت بعد ثلاثة أيّام من تستر إلى عسكر مكرم ودخل

стр. 2450

يلبق تستر فعمل بها البريدي أعظم ممّا عمل القراريطى بكثير لأنّ الناس توقّوا منه، فلمّا رأوا أصحاب السلطان أنسوا. فأتى البريدي عليهم وكبس اليهود وهم معظم التّجار وتجاوز كلّ قبيح ووفى بالمائة الألف الدينار. وسار يلبق إلى الأهواز وأهلها هاربون من محمّد بن ياقوت فسلّموا لأنّهم مضوا إلى البصرة. وابتلى بالبريدى [١] أهل عسكر مكرم وتستر. فأيسر ما عمل أن ركب إلى دور الصيارف فأخذ ما وجد من الأموال لهم ولمن يضاربهم وخسف بالسواد حتّى صحّح ليلبق مائتي ألف دينار [٤٠٩] وبقيت على البريدىّ خمسون ألف دينار وعنى به ابن الطبري لأنّ البريدىّ خدمه خدمة تامّة حتّى إنّه كان يحضر أبواب البيع فى البلدان ويجلس على غاشيته ينتظر خروجه، فإذا خرج سأله أن يعطيه برشائه فإذا أعطاه قبّله وجعله فى كمّه وأشهد له بضياع ارتفاعها عشرة آلاف دينار فكان ذلك سبب عناية ابن طبرى به. وخاطب له يلبق وقال له: - «أبو عبد الله ثقة ونجعل هذه الخمسين الألف الدينار فيما يخصّ الأمير- وكان ماله فى الجملة- وقد خدم وبيّض وجه الأمير فيما خدم ودبّر وبدّد شمل هؤلاء وإنّه لأحقّ بمجلس أبى علىّ ابن مقلة منه وأنفذ فى التدبير والأمور.» فأجابه يلبق إلى ما سأل وخلّف غلاما عند البريدي يقال له ايتاخ. ورحل ابن ياقوت إلى شابرزان [٢] وتبعه يلبق ودخلوا مدينة السلام. وأطلقت أملاك ابني رائق ومحمّد بن ياقوت ومفلح وسرور دون إقطاعاتهم وأطلق لعبد الواحد بعض أملاكه القديمة وأعفى هو ووالدته من المصادرة

стр. 2451

وعادت يد ابن البريدي إلى عمالة الأهواز واستقامت الأمور وخلع القاهر على يلبق وطوّقه وسوّره [٤١٠] بطوقين وسوارين مرصّعين بالجواهر. وخرج أمر القاهر ببيع دار المخرّم التي كانت برسم الوزارة وكانت قديما لسليمان بن وهب فقطعت وبيعت من جماعة من الناس بمال عظيم لأنّ ذرعها يشتمل على أكثر من ثلاثمائة ألف ذراع وصرف ثمنها فى مال الصلة لبيعة القاهر بالله. وورد الخبر بموت تكين الخاصّة بمصر فأشار الوزير أبو علىّ ابن مقلة بإنفاذ علىّ بن عيسى إليها للإشراف عليها فابتدأ بالاستعداد للخروج، ثم صار إلى أبى علىّ ابن مقلة فى بعض العشايا وصادفه خاليا فعرّفه كبر سنه وضعف حركته ونقصان قوّته وأنّه لا يستشفع إليه بغير كرمه ولا يوسّط بينه وبينه أحدا غيره وحلف على موالاته أيمانا أكّدها وسأله إعفاءه من الشخوص وتذلل له وانكبّ على يده ليقبّلها فمنعه من ذلك وخاطبه بمعرفته بحقّه وعلمه بمكانه فأعفاه من الشخوص فانصرف علىّ بن عيسى شاكرا. وورد كتاب محمّد بن تكين يخطب مكان أبيه فأجيب إلى ذلك وحمل إليه الخلع والعهد. وكتب القاهر رقعة بخطّه إلى أبى علىّ ابن مقلة بالتكنية وبزيادة فى التشريف والرتبة وأمره [٤١١] أن يكتب بذلك إلى الأمصار والأعمال كلّها، ففعل ذلك ثمّ حمل إليه خلعة بعد خلعة للمنادمة وحمل إليه صينية فضّة مذهّبة فيها ندّ [١] وعنبر وغالية ومسك وصينية أخرى فيها رطلية بلّور فيها شراب مطبوخ عتيق وقدح بلّور وكوز ومغسل فضّة. وشغب الجند بمصر على محمّد بن تكين فقاتلهم وهزموه [٢] .

стр. 2452

استيحاش مونس ويلبق وابنه وابن مقلة من القاهر وفى هذه السنة استوحش مونس المظفّر ويلبق وعلىّ ابنه والوزير أبو علىّ ابن مقلة من القاهر بالله فضيّقوا عليه وعلى أسبابه. ذكر السبب فى ذلك كان السبب فى ذلك انحراف الوزير أبى علىّ ابن مقلة عن محمّد بن ياقوت فمكّن فى قلب مونس المظفّر ويلبق وعلى ابنه أنّه فى تدبير عليهم مع القاهر بالله وأنّ عيسى المتطبّب يترسّل للقاهر إليه فوجّه مونس بعلىّ بن يلبق إلى دار السلطان وسأل عن عيسى فعرّف أنّه بحضرة القاهر فهجم عليه غلمان علىّ بن يلبق فوجدوه واقفا بحضرة القاهر فقبضوا عليه وأخرجوه إليه فنفاه من وقته إلى الموصل. واجتمع رأى مونس ويلبق وابنه والوزير أبى علىّ على الإيقاع بمحمّد بن ياقوت والنداء فى أصحابه [٤١٢] ألّا يقيموا ببغداد. فلمّا كان يوم الأربعاء لليلة خلت من جمادى الآخرة خرج علىّ بن يلبق فى الجيش ومعه طريف السبكرى للإيقاع بمحمّد بن ياقوت وبلغ محمّد ابن ياقوت ذلك فانكشف من معسكره من ميدان الأشنان وطلبه علىّ بن يلبق فلم يقف على خبره وذلك أنّه دخل إلى بغداد واستتر بها وتفرّق رجاله وانصرف علىّ ابن يلبق من فوره إلى دار السلطان وأوقع التشدّد على القاهر ووكّل بالدار أحمد بن زيرك وأمره أن يفتّش كلّ من يدخل ويخرج من الرجال والنساء والخدم ويفتّش كلّ ما يدخل إلى القاهر ففعل أحمد بن زيرك ما أمره به حتّى بلغ الأمر به أن فتّش لبنا حمل إلى القاهر وأدخل يده فيه لئلّا يكون فيه رقعة.

стр. 2453

ونقل علىّ بن يلبق المحبوسين فى دار السلطان إلى داره من والدة المقتدر وغيرها ومنع القاهر أرزاق حشمه وأكثر ما كان يقام له، وطالب علىّ بن يلبق القاهر أن يسلّم إليه ما بقي عنده من الفرش وأمتعة والدة المقتدر وابن الخال، فسلّم ذلك إليه وبيع وحصّل ثمنه فى بيت المال وأطلق للجند. وباع أبو علىّ ابن مقلة من الضياع وأملاك السلطان لتمام [٤١٣] الصلة للبيعة بألفي ألف وأربعمائة ألف دينار مع ما باعه الكلوذانى أيّام خلافته إيّاه قبل قدومه من شيراز. ومكثت والدة المقتدر عند والدة علىّ بن يلبق مكرّمة مرفّهة مدّة عشرة أيّام وماتت لستّ خلون من جمادى الآخرة لزيادة العلّة عليها ولما جرى عليها من مكاره القاهر فحملت إلى تربتها بالرصافة ودفنت فيها. وفيها همّ علىّ بن يلبق والحسن بن هارون كاتبه بلعن معاوية بن أبى سفيان على المنابر فاضطربت العامّة من ذلك وتقدّم علىّ بن يلبق بالقبض على البربهارى [١] رئيس الحنبليّة فنذر به وهرب وقبض على جماعة من كبار أصحابه وجعلوا فى زورق مطبق وأحدروا إلى البصرة. تدبير ابن مقلة وحيلة القاهر وفيها نفذت حيلة القاهر على مونس المظفّر وانعكس ما دبّره الوزير أبو علىّ ابن مقلة من القبض على القاهر حتّى قبض على مونس ويلبق وابنه وهرب أبو علىّ بن مقلة والحسن بن هارون. ذكر انعكاس هذا التدبير لمّا ضيّق علىّ بن يلبق على القاهر وعومل بما ذكرناه أخذ القاهر فى

стр. 2454

الحيلة على مونس وأصحابه وبلغه فساد نيّة طريف السبكرى وبشرى [١] ليلبق وابنه [٤١٤] ومنافستهما إيّاهما على مراتبهما الجليلة ثمّ علم أنّ مونسا ويلبق أكثر اعتمادهما إنّما هو على الساجيّة وكانا وعداهم بالموصل إذا دخلا بغداد أن يجعلاهم برسم الحجريّة وأنهما ما وفيا لهم بذلك وأنّ نيّاتهم متغيّرة لهما. فراسل القاهر الساجيّة وهزّ بهم على مونس ويلبق وضمن لهما أن ينقلهم إلى رسم الحجريّة- وكان الساجيّة يقبضون فى كلّ ستين يوما برسم المماليك، والحجريّة يقبضون فى كلّ خمسين يوما- وأن يلحقهم فى النزل والعلوفة بالحجريّة. وكان بين اختيار القهرمانة وبين أبى جعفر محمّد بن القاسم بن عبيد الله معرفة قديمة وبينها وبين والدته مخالطة، فأشارت على القاهر بمكاتبته أن يعده بوزارته ليعاونه على التدبير على مونس وأصحابه وأشارت على محمّد بن القاسم بأن يكاتب القاهر ويصدقه عن تدبير أبى علىّ ابن مقلة وابن يلبق عليه. وكانت اختيار هذه تخرج من دار السلطان إلى دار القاهر القديمة التي فى دار ابن طاهر وتظهر أنّ خروجها فى حوائج حرم القاهر وولده، فإذا كان بالليل صارت إلى محمّد بن القاسم ولقيته. وبلغ أبا علىّ ابن مقلة أنّ القاهر قد جدّ فى التدبير عليه وعلى مونس ويلبق وابنه [٤١٥] والحسن بن هارون وحملهم على الجدّ والمبادرة إلى خلعه من الخلافة واتّفق رأيهم على تقليدها أبا أحمد ابن المكتفي بالله وواقفوا شاذمروز [٢] حماة إبراهيم بن خفيف صاحب ديوان النفقات وكانت متحققة بأبى أحمد على ما دبّروه وعقدوا الأمر سرّا لأبى أحمد ابن المكتفي بالله وحلف له يلبق وابنه وأبو علىّ ابن مقلة والحسن بن هارون ثمّ كشفوا ما

стр. 2455

فعلوه لمونس فقال لهم مونس: - «لست أشكّ فى شرّ القاهر وقد أسرفتم فى الاستهانة وبه وأخطأتم فى تقليده الأمر فلا تعجلوا الآن وترفّقوا حتّى تؤنسوه ويأنس وينبسط إليكم ثمّ حينئذ تقبضون عليه.» فقال علىّ بن يلبق والحسن بن هارون: - «الحجبة إلينا والدار فى أيدينا وما نحتاج أن نستعين بأحد فى القبض عليه لأنّه بمنزلة طائر فى قفص.» وعملوا على معاجلته. فاتّفق أن ركب يلبق إلى الميدان فصدمه خادم له فسقط واعتلّ ولزم منزله وتمكّن علىّ بن يلبق من متابعة ابن مقلة وحسنوا الأمر عند مونس وهوّنوه عليه وعلى يلبق حتّى أذنا فيه. فلمّا كان يوم السبت سلخ رجب انصرف أبو علىّ ابن مقلة من دار السلطان واجتمع إليه كتّابه وأخوه ومن جرى عادته بمواكلته [٤١٦] وفيهم أبو بكر ابن قرابة فلمّا فرغ من طعامه التفت إلى أبى بكر ابن قرابة فقال له: - «قد وافى صديقك القرمطى إلى الكوفة فى ثلاثة آلاف راحلة ومعه صاحبه فلان ودخل الكوفة ونادى بأنّه قد آمن الرعيّة سوى أصحاب المعروف بمحمّد المتلقّب بالقاهر.» فقال ابن قرابة: - «أيّها الوزير هذا باطل لأنّ ابن بسر [١] الكوفي جارى واليوم كان عندي وقد وقعت عليه أطيار بأخبار السلامة.» فقال أبو علىّ:
следующие страницы →