وعادت يد ابن البريدي إلى عمالة الأهواز واستقامت الأمور وخلع القاهر على يلبق وطوّقه وسوّره [٤١٠] بطوقين وسوارين مرصّعين بالجواهر.
وخرج أمر القاهر ببيع دار المخرّم التي كانت برسم الوزارة وكانت قديما لسليمان بن وهب فقطعت وبيعت من جماعة من الناس بمال عظيم لأنّ ذرعها يشتمل على أكثر من ثلاثمائة ألف ذراع وصرف ثمنها فى مال الصلة لبيعة القاهر بالله.
وورد الخبر بموت تكين الخاصّة بمصر فأشار الوزير أبو علىّ ابن مقلة بإنفاذ علىّ بن عيسى إليها للإشراف عليها فابتدأ بالاستعداد للخروج، ثم صار إلى أبى علىّ ابن مقلة فى بعض العشايا وصادفه خاليا فعرّفه كبر سنه وضعف حركته ونقصان قوّته وأنّه لا يستشفع إليه بغير كرمه ولا يوسّط بينه وبينه أحدا غيره وحلف على موالاته أيمانا أكّدها وسأله إعفاءه من الشخوص وتذلل له وانكبّ على يده ليقبّلها فمنعه من ذلك وخاطبه بمعرفته بحقّه وعلمه بمكانه فأعفاه من الشخوص فانصرف علىّ بن عيسى شاكرا.
وورد كتاب محمّد بن تكين يخطب مكان أبيه فأجيب إلى ذلك وحمل إليه الخلع والعهد. وكتب القاهر رقعة بخطّه إلى أبى علىّ ابن مقلة بالتكنية وبزيادة فى التشريف والرتبة وأمره [٤١١] أن يكتب بذلك إلى الأمصار والأعمال كلّها، ففعل ذلك ثمّ حمل إليه خلعة بعد خلعة للمنادمة وحمل إليه صينية فضّة مذهّبة فيها ندّ [١] وعنبر وغالية ومسك وصينية أخرى فيها رطلية بلّور فيها شراب مطبوخ عتيق وقدح بلّور وكوز ومغسل فضّة.
وشغب الجند بمصر على محمّد بن تكين فقاتلهم وهزموه [٢] .
стр. 2452
استيحاش مونس ويلبق وابنه وابن مقلة من القاهر
وفى هذه السنة استوحش مونس المظفّر ويلبق وعلىّ ابنه والوزير أبو علىّ ابن مقلة من القاهر بالله فضيّقوا عليه وعلى أسبابه.
ذكر السبب فى ذلك
كان السبب فى ذلك انحراف الوزير أبى علىّ ابن مقلة عن محمّد بن ياقوت فمكّن فى قلب مونس المظفّر ويلبق وعلى ابنه أنّه فى تدبير عليهم مع القاهر بالله وأنّ عيسى المتطبّب يترسّل للقاهر إليه فوجّه مونس بعلىّ بن يلبق إلى دار السلطان وسأل عن عيسى فعرّف أنّه بحضرة القاهر فهجم عليه غلمان علىّ بن يلبق فوجدوه واقفا بحضرة القاهر فقبضوا عليه وأخرجوه إليه فنفاه من وقته إلى الموصل.
واجتمع رأى مونس ويلبق وابنه والوزير أبى علىّ على الإيقاع بمحمّد بن ياقوت والنداء فى أصحابه [٤١٢] ألّا يقيموا ببغداد.
فلمّا كان يوم الأربعاء لليلة خلت من جمادى الآخرة خرج علىّ بن يلبق فى الجيش ومعه طريف السبكرى للإيقاع بمحمّد بن ياقوت وبلغ محمّد ابن ياقوت ذلك فانكشف من معسكره من ميدان الأشنان وطلبه علىّ بن يلبق فلم يقف على خبره وذلك أنّه دخل إلى بغداد واستتر بها وتفرّق رجاله وانصرف علىّ ابن يلبق من فوره إلى دار السلطان وأوقع التشدّد على القاهر ووكّل بالدار أحمد بن زيرك وأمره أن يفتّش كلّ من يدخل ويخرج من الرجال والنساء والخدم ويفتّش كلّ ما يدخل إلى القاهر ففعل أحمد بن زيرك ما أمره به حتّى بلغ الأمر به أن فتّش لبنا حمل إلى القاهر وأدخل يده فيه لئلّا يكون فيه رقعة.
стр. 2453
ونقل علىّ بن يلبق المحبوسين فى دار السلطان إلى داره من والدة المقتدر وغيرها ومنع القاهر أرزاق حشمه وأكثر ما كان يقام له، وطالب علىّ بن يلبق القاهر أن يسلّم إليه ما بقي عنده من الفرش وأمتعة والدة المقتدر وابن الخال، فسلّم ذلك إليه وبيع وحصّل ثمنه فى بيت المال وأطلق للجند.
وباع أبو علىّ ابن مقلة من الضياع وأملاك السلطان لتمام [٤١٣] الصلة للبيعة بألفي ألف وأربعمائة ألف دينار مع ما باعه الكلوذانى أيّام خلافته إيّاه قبل قدومه من شيراز.
ومكثت والدة المقتدر عند والدة علىّ بن يلبق مكرّمة مرفّهة مدّة عشرة أيّام وماتت لستّ خلون من جمادى الآخرة لزيادة العلّة عليها ولما جرى عليها من مكاره القاهر فحملت إلى تربتها بالرصافة ودفنت فيها.
وفيها همّ علىّ بن يلبق والحسن بن هارون كاتبه بلعن معاوية بن أبى سفيان على المنابر فاضطربت العامّة من ذلك وتقدّم علىّ بن يلبق بالقبض على البربهارى [١] رئيس الحنبليّة فنذر به وهرب وقبض على جماعة من كبار أصحابه وجعلوا فى زورق مطبق وأحدروا إلى البصرة.
تدبير ابن مقلة وحيلة القاهر
وفيها نفذت حيلة القاهر على مونس المظفّر وانعكس ما دبّره الوزير أبو علىّ ابن مقلة من القبض على القاهر حتّى قبض على مونس ويلبق وابنه وهرب أبو علىّ بن مقلة والحسن بن هارون.
ذكر انعكاس هذا التدبير
لمّا ضيّق علىّ بن يلبق على القاهر وعومل بما ذكرناه أخذ القاهر فى
стр. 2454
الحيلة على مونس وأصحابه وبلغه فساد نيّة طريف السبكرى وبشرى [١] ليلبق وابنه [٤١٤] ومنافستهما إيّاهما على مراتبهما الجليلة ثمّ علم أنّ مونسا ويلبق أكثر اعتمادهما إنّما هو على الساجيّة وكانا وعداهم بالموصل إذا دخلا بغداد أن يجعلاهم برسم الحجريّة وأنهما ما وفيا لهم بذلك وأنّ نيّاتهم متغيّرة لهما. فراسل القاهر الساجيّة وهزّ بهم على مونس ويلبق وضمن لهما أن ينقلهم إلى رسم الحجريّة- وكان الساجيّة يقبضون فى كلّ ستين يوما برسم المماليك، والحجريّة يقبضون فى كلّ خمسين يوما- وأن يلحقهم فى النزل والعلوفة بالحجريّة.
وكان بين اختيار القهرمانة وبين أبى جعفر محمّد بن القاسم بن عبيد الله معرفة قديمة وبينها وبين والدته مخالطة، فأشارت على القاهر بمكاتبته أن يعده بوزارته ليعاونه على التدبير على مونس وأصحابه وأشارت على محمّد بن القاسم بأن يكاتب القاهر ويصدقه عن تدبير أبى علىّ ابن مقلة وابن يلبق عليه. وكانت اختيار هذه تخرج من دار السلطان إلى دار القاهر القديمة التي فى دار ابن طاهر وتظهر أنّ خروجها فى حوائج حرم القاهر وولده، فإذا كان بالليل صارت إلى محمّد بن القاسم ولقيته.
وبلغ أبا علىّ ابن مقلة أنّ القاهر قد جدّ فى التدبير عليه وعلى مونس ويلبق وابنه [٤١٥] والحسن بن هارون وحملهم على الجدّ والمبادرة إلى خلعه من الخلافة واتّفق رأيهم على تقليدها أبا أحمد ابن المكتفي بالله وواقفوا شاذمروز [٢] حماة إبراهيم بن خفيف صاحب ديوان النفقات وكانت متحققة بأبى أحمد على ما دبّروه وعقدوا الأمر سرّا لأبى أحمد ابن المكتفي بالله وحلف له يلبق وابنه وأبو علىّ ابن مقلة والحسن بن هارون ثمّ كشفوا ما
стр. 2455
فعلوه لمونس فقال لهم مونس:
- «لست أشكّ فى شرّ القاهر وقد أسرفتم فى الاستهانة وبه وأخطأتم فى تقليده الأمر فلا تعجلوا الآن وترفّقوا حتّى تؤنسوه ويأنس وينبسط إليكم ثمّ حينئذ تقبضون عليه.» فقال علىّ بن يلبق والحسن بن هارون:
- «الحجبة إلينا والدار فى أيدينا وما نحتاج أن نستعين بأحد فى القبض عليه لأنّه بمنزلة طائر فى قفص.» وعملوا على معاجلته.
فاتّفق أن ركب يلبق إلى الميدان فصدمه خادم له فسقط واعتلّ ولزم منزله وتمكّن علىّ بن يلبق من متابعة ابن مقلة وحسنوا الأمر عند مونس وهوّنوه عليه وعلى يلبق حتّى أذنا فيه. فلمّا كان يوم السبت سلخ رجب انصرف أبو علىّ ابن مقلة من دار السلطان واجتمع إليه كتّابه وأخوه ومن جرى عادته بمواكلته [٤١٦] وفيهم أبو بكر ابن قرابة فلمّا فرغ من طعامه التفت إلى أبى بكر ابن قرابة فقال له:
- «قد وافى صديقك القرمطى إلى الكوفة فى ثلاثة آلاف راحلة ومعه صاحبه فلان ودخل الكوفة ونادى بأنّه قد آمن الرعيّة سوى أصحاب المعروف بمحمّد المتلقّب بالقاهر.» فقال ابن قرابة:
- «أيّها الوزير هذا باطل لأنّ ابن بسر [١] الكوفي جارى واليوم كان عندي وقد وقعت عليه أطيار بأخبار السلامة.» فقال أبو علىّ:
стр. 2456
- «سبحان الله أنت وابن بسر أعرف من صاحب المعونة بالكوفة وقد سقط من عنده طائر على أبى الحسن ابن يلبق وقد جاءني سعيد بن حمدان ومعه رجل من الأعراب قد قتل نفسه وقطع عدّة من الأفراس فخبر عن معاينة ومشاهدة.» وكان ابن مقلة قد واطأ سعيد بن حمدان على ذلك. ثمّ دعا بالدواة وثلث قرطاس وكتب بخطّه إلى القاهر رقعة يقول فيها:
«إنّ القرمطى الهجري المعروف بأبى طاهر قد وافى الكوفة فى ثلاثة آلاف راحلة فنزلها وسقط علىّ من عامل الخراج وعلى علىّ بن يلبق من عامل المعونة طائران بكتابين بتاريخ يومنا هذا بنزوله ونزول أصحابه بها وأنّى أنا ويلبق سترنا ذلك عن القوّاد [٤١٧] والجند وخواصّ الدولة لئلّا يذيع الخبر وتضعف قلوب الأولياء وقد اتفقت مع مونس على إخراج علىّ بن يلبق مع أكثر قوّاده وقوّاد أبيه إلى نواحي الكوفة ليدفع القرمطى عن الرحيل منها إلى بغداد وهو يخرج فى سحر غد مارّا إلى صرصر من حيث لا يضرب بباب بغداد مضربا حتّى يلحق به الرجال. وقد وجّه النقباء فى عشية يومنا وقد واقفت علىّ بن يلبق على الرواح إلى دار مولانا أمير المؤمنين ليصل إليه ويودّعه وعملت على التأخّر لئلّا يشيع الخبر بحضوري فى غير وقت حضور مثلي الدار ويفسد التدبير فى خروج علىّ بن يلبق بكرة غد، وأنهيت ذلك إلى أمير المؤمنين ليقف عليه ويسكن إلى ما دبّرته وينعم بإيصال علىّ بن يلبق إذا حضر
стр. 2457
العشيّة إن شاء الله.» وأنفذ الرقعة ونام.
فكتب القاهر فى جوابها:
- «وإنّه استصوب فعله وبأنّه يوصل ابن يلبق إذا حضر.» ولمّا انتبه ابن مقلة من النوم لم ينتظر ورود جواب رقعته إلى القاهر وأعاد إليه رقعة ثانية بمثل ما كتب به. فلمّا وصلت الثانية إلى القاهر ولم تكن الحال تقتضيها لنفوذ جوابه عن الأولى استراب وخاف أن تكون حيلة عليه.
ثمّ نمّ إليه [٤١٨] الخبر من جهة طريف السبكرى بما عمل عليه علىّ بن يلبق من القبض عليه إذا أوصله إليه فأخذ القاهر حذره وراسل الساجيّة بالحضور وعرّفهم أنّ علىّ بن يلبق يحضر لحيلة يوقعها، فحضروا متفرّقين.
فلمّا كان بعد العصر حضر علىّ بن يلبق وفى رأسه نبيذ ومعه عدد يسير من غلمانه بسلاح خفيف فى طيّاره، وأنفذ جماعة من غلمانه بسلاح إلى دار السلطان وصعد من طيّاره فى الروشن وراسل القاهر يسأله إيصاله إليه فدافعه القاهر إلى أن حضر الساجيّة كلّهم بالسلاح فبرزوا إليه وشتموه وعملوا على القبض عليه وحامى عنه غلمانه وحاجبه ابن خندقوقى [١] وحالوا بينه وبينهم ونادى بهم وطرح نفسه من الروشن إلى الطيّار وعبر واستتر من ليلته.
وبلغ ابن مقلة الخبر فاستتر من ليلته واستتر الحسن بن هارون وأبو بكر ابن قرابة وانحدر يلبق إلى دار السلطان وانحدر بانحداره جميع من حضر دار مونس من القوّاد وقدّر يلبق أنّه يمسح القاهر ويعتذر لابنه فلمّا حصل
стр. 2458
فى الدار قبض عليه وحبس وقبض على أحمد بن زيرك وعلى يمن الأعور [١] صاحب الشرطة وحصل الجيش [٤١٩] كلّه فى دار السلطان.
فراسل حينئذ القاهر مونسا وسأله الانحدار إليه ليشاوره فيما يعمل وقال له:
- «أنت عندي كالوالد وما أحبّ أن أعمل شيئا ولا أمضى عزما إلّا عن رأيك.» فاعتذر مونس بثقل الحركة عليه وألحّ القاهر فى طلبه وسأله الحمل على نفسه فاستقبح له طريف السبكرى التأخّر وحمله على الانحدار. فلمّا حصل فى الدار قبض [٢] عليه وحبس.
فكانت وزارة علىّ ابن مقلة للقاهر تسعة أشهر وثلاثة أيّام.
وزارة أبى جعفر محمّد بن القاسم
ووجّه القاهر إلى أبى جعفر محمّد بن القاسم بن عبيد الله فاستحضره يوم الأحد مستهلّ شعبان فلقّبه وقلّده وزارته ودواوينه وخلع عليه من غد وهو يوم الإثنين خلع الوزارة، ووجّه القاهر من يومه بمن استقدم عيسى المتطبب من الموصل وطرحت النار فى دار أبى علىّ ابن مقلة بباب البستان وأحرقت ووقع النهب ببغداد.
وظهر محمّد بن ياقوت وصار إلى دار السلطان وخدم فى الحجبة يومه ذاك ثمّ وقف على كراهية طريف السبكرى والساجيّة والحجريّة فاحتال إلى أن تمّ له الهرب واستتر وانحدر إلى أبيه وهو بفارس [٤٢٠] فلم يتجاوز كورة أرّجان ولا لقى أباه.
стр. 2459
وكان جلس فى الماء بزىّ أصحاب المحابر [١] وركب البحر ووافى مهروبان وجاء ليلا إلى أرّجان فنزل على أبى العبّاس ابن دينار وحمل إليه أبوه مالا وكسوة ودوابّ وكانت له على فارس تسبيبات فاستوفاها ولحق به رجاله، وكاتبه القاهر بما يسكّته منه وأعلمه أنّه عجّل على نفسه واستوحش وقلّده المعاون بكور الأهواز فأقام بارجان حتّى اعتلّ وكان يفسد مزاجه ثمّ انتقل إلى رامهرمز.
وكان القاهر قد كاتب مرداويج بالإفراج عن إصبهان ليقلّده الرىّ والجبل ويصير فى جملة الأولياء ويزول عنه العصيان فأتمر [٢] له، وكاتب وشمكير بالانصراف عن إصبهان فانصرف وبقيت شاغرة سبعة عشر يوما خالية من مدبّر. وكاتب القاهر محمّد ابن ياقوت بتقليده إصبهان وأمره أن يسير إليها وكان ذلك بعقب هزيمة المظفّر بن ياقوت وبعد انصراف علىّ بن بويه من إصبهان. فأخذ محمّد بن ياقوت فى التأهّب فبقى هو كذلك إذ ورد عليه الخبر بخلع القاهر فانتكث أمره.
ولمّا استتر علىّ بن يلبق وهرب محمّد بن ياقوت استحجب القاهر سلامة الطولونى وطلب المستترين وقلّد أبا العبّاس أحمد بن [٤٢١] خاقان الشرطة ببغداد وطلب أبا أحمد ابن المكتفي فوجده مستترا فى دار عبد الله بن الفتح فقبض عليه وتقدّم القاهر بأن يقام فى فتح باب ويسدّ عليه بالجصّ والآجرّ وهو حىّ، ففعل، وأمر بنهب دور بنى مقلة ودار الحسن بن هارون ودار أبى بكر ابن قرابة.
ووجد علىّ بن يلبق مستترا بقرب باب المقبرة وكبس وأخذ من تنور كان دخله لمّا أحسّ بالكابس وأطبق على نفسه بغطاء التنور وقد كان خفى أمره
стр. 2460
وخرج من كان يفتّش عنه حين لم يجده. فاتّفق أن تأخّر بعض الرجال لطلب شيء يأخذه من الدار فانتهى إلى التنور وطلب فيه خبزا يابسا، فلمّا كشفه وجد علىّ بن يلبق فصاح حتّى رجع القوم وأخذوه وحملوه إلى دار السلطان وضرب بحضرة القاهر ضربا مبرحا فأقرّ بعشرة آلاف دينار فوجدت وصحّحت فى بيت المال ثمّ أعيد الضرب عليه فلم يوجد له غيرها وحبس.
وكان الحسين بن عبيد الله مستترا فراسله أخوه الوزير محمّد ابن القاسم بن عبيد الله وسأله أن يظهر ويعينه حتّى يقلّده ديوان السواد وديوان الجيش وديوان النفقات ويستخلف له الكلوذانى وإبراهيم بن خفيف وعثمان بن سعيد [٤٢٢] وحلف له بحضرة السفير الذي كان بينهما بالله العظيم وبسائر أيمان البيعة بعتق مماليكه وبطلاق نسائه على صحّة ضميره له وبأنّ باطنه له مثل ظاهره فيما بذله له، وكتب له بذلك رقعة بخطّة أشهد فيها الله على نفسه وتسلّم ذلك السفير وحمله إلى الحسين فأعاد عليه ما جرى ولم يزل محمّد يتوقّع أخاه إلى آخر النهار.
فحكى ابن أخيه القاسم بن الحسين أنّ عمّه الوزير أبا جعفر صار فى الليلة إلى الحسين أخيه وليس معه غلام فخاطبه فى الظهور وسأله معاونته بنفسه وأعاد عليه تلك الأيمان حتّى وعده بالرواح إليه وعرّف الحسين أصحابه فاجتمعوا بالعشىّ له وركبوا بركوبه وصار إلى أخيه وكان الوزير أخوه قد أعدّ له زورقا مطبقا. فلمّا حصل عنده أمر بتحصيله فى الزورق.
فوقفت [١] والدته على خبره فجاءت حتّى وقفت له على شاطئ دجلة فى الموضع الذي ينزل منه إلى طيّارة وهناك خلق من الناس، فاستغاثت إليه وكشفت شعرها بين يديه وأظهرت ثديها [٢] وحلّفته بكلّ حقّ لها عليه أن
стр. 2461
يطلق ابنها، فلم يلتفت إليها ولا يفكر فيها وجلس فى طيّاره وانحدر إلى دار السلطان فلم يبق أحد ممّن حضر [٤٢٣] إلّا استقبح فعله ودعا عليه وذهب.
فحكى للقاهر أنّه إنّما طلب أخاه الحسين ونفاه إلى الرقّة لما كان يعتقد من مذهب إبن أبى العزاقر [١] وأنّه خاف منه على الدولة. فوكّل القاهر بدور بنى بسطام لما كان يذكر عنهما فى اعتقادهما لدين ابن أبى العزاقر.
ذكر مقتل مونس ويلبق وعلىّ ابنه
اضطرب رجال مونس ويلبق وشغبوا وشغب معهم سائر الجيش وخرجوا إلى الصحراء ثمّ قصدوا دار الوزير أبى جعفر محمّد بن القاسم وأحرقوا روشنه ونادوا بذكر مونس فكان ذلك سبب القتل لمونس. ودخل القاهر إلى الموضع الذي كان فيه مونس ويلبق وابنه معتقلين فذبح علىّ بن يلبق بحضرته ووجّه برأسه إلى أبيه [٢] .
فلمّا رءاه جزع وبكى بكاء عظيما ثمّ ذبح يلبق ووجّه برأسه ورأس أبيه إلى مونس. فلمّا رءاهما لعن قاتلهما فأمر به فجرّ برجله إلى البالوعة وذبح كما يذبح الشاة والقاهر يراه وأخرجت الرؤوس الثلاثة فى ثلاث طسّات [٣] إلى الميدان حتّى شاهدها الناس وطيف برأس علىّ بن يلبق فى جانبي بغداد ثمّ ردّ إلى دار السلطان وجعل مع سائر الرؤوس فى خزانة الرؤوس [٤٢٤] على الرسم.
قال ثابت: فحدّثنا سلامة الطولونى الحاجب أنّه لمّا أخرج إليه رأس مونس ليصلحه فرّغ الدماغ منه ووزنه فكان ستّة أرطال وسمعت أنا ذلك من
стр. 2462
الجفنى [١] وكان حاضره.
وممّا جرى فى ذلك أنّه كبس جماعة من الفرسان والرجّالة أبا بكر ابن نباته العدل الدقاق فى درب الريحان وأظهروا أنّ السلطان وجّه بهم لطلب الحسن بن هارون وأخذوا من منزله ثلاثين ألف دينار وطرحوا منديلا على رأس واحد منهم وأخرجوه وأظهروا أنّه الحسن بن هارون. فركب أحمد بن خاقان فى طلب القوم فظفر بواحد منهم وقرّره فأقرّ على جماعة ظفر ببعضهم ووجد اليسير من المال وقتل من وجد من هؤلاء الكبّاسين.
القاهر يأمر بتحريم القيان والخمر
وفيها خرج أمر القاهر بتحريم القيان والخمر وسائر الأنبذة وقبض على من عرف بالغناء من الرجال والمخانيث والجواري المغنّيات فنفى بعضهم إلى البصرة وبعضهم إلى الكوفة وبيع الجواري على أنهنّ سواذج. وكان القاهر مع ذلك مولعا بشرب الخمر ولا يكاد يصحو من السكر ويسمع الغناء ويختار من جواري القيان من يريد.
وسعى بأبى عبد الله ابن مقلة [٤٢٥] فوجد وقبض عليه ووجد عنده خطوط أخيه أبى على فى رقاع، فحمل إلى دار الوزير أبى جعفر فسأله عمّن كان يوصل إليه الرقاع فذكر أنّ أبا عبد الله محمّد بن عبدوس الجهشيارى كان ينفذها إليه فقبض عليه وعلى أخيه وسئلا عمّا يعرفان من خبر أبى علىّ بن مقلة، فحلفا أنّهما لا يعرفان له خبرا منذ استتر وعرّف القاهر أنّهما من قوّاد السلطان وسهّل أمرهما فأطلقا ولم يستترا وكانا يركبان فى أيّام المواكب إلى دار السلطان.
стр. 2463
وقبض الوزير أبو جعفر على أبى جعفر محمّد بن شيرزاد واحتجّ عليه بأنّه قد تقلّد أعمالا جليلة وابتاع من المبيع ضياعا كثيرة وأنّ ارتفاعه قد بلغ ألف ألف درهم فى السنة، فتوسّط بينه وبينه إسحاق بن إسماعيل وأخذ خطّه بعشرين ألف دينار وأطلق إلى منزله من يومه.
ذكر السبب فى تقليد أبى العبّاس الخصيبى الوزارة
كان بنو البريدي بعد استتار ابن مقلة والجماعة استتروا فقلّد الوزير مكانهم على أعمالهم أبا جعفر محمّد بن القاسم الكرخي فتوسّط إسحاق بن إسماعيل أمرهم فأخذ لهم [٤٢٦] أمانا من الوزير حتّى ظهروا. ثمّ أشار إسحاق على الوزير أبى جعفر بأن يخاطب القاهر فى أمر بنى البريدي ويعرّفه أنّ الوجه ردّهم إلى ضمانهم بالبصرة والأهواز، فقبل الوزير مشورته وخاطب الخليفة وعرّفه أنّه ذامّ لمحمّد بن القاسم الكرخي لتقصيره فى أمر استخراج الأموال وحملها وأنّ البريديّين أقوم بذلك، وأطمعه فى أن يزداد عليهم فى مقدار مال الضمان فوعده القاهر وقال:
- «حتّى أنظر فى ذلك.» واستدعى القاهر عيسى المتطبّب وأعاد عليه ما جرى، وكان عيسى كارها للوزير محمّد بن القاسم لأنّه لم يكن له مدخل فى تقليده الوزارة لغيبته بالموصل فطعن على هذا الرأى وعلى الوزير أبى جعفر وأشار بتقليد الخصيبى الوزارة. فأمر القاهر بلقاء الخصيبى ومسألته عمّا عنده فى أمر البريديين وغيرهم، فصار إليه وتقرر الأمر معه وضمن استخراج أموال جليلة.
وكتب إلى القاهر على يد عيسى أنّه متى ظهر أنّه تقلّد الوزارة استتر من عنده الأموال التي وعد باستخراجها وأنّ الوجه أن يتقدّم إلى الوزير بالقبض
стр. 2464
على جماعة سمّاهم على مهل، فإذا قبض عليهم وجّه القاهر فحملهم إلى داره وانتزعهم من يد الوزير فتركهم معتقلين أيّاما ثمّ قبض على الوزير محمّد بن القاسم. ففعل القاهر ذلك [٤٢٧] وتقدّم إلى سابور الخادم بالمصير إلى دار الوزير والقبض على بنى البريدي وإسحاق بن إسماعيل. فوجّه سابور بثقة له إلى دار الوزير لينظر هل يجد فيها بنى البريدي وإسحاق بن إسماعيل فيرجع إليه بالخبر. وكان بنو البريدي قد نصبوا أصحاب أخبار على سابور وسلامة وأصحاب القاهر فبلغهم ما تقدّم به سابور إلى الرجل الذي وجّه به يتعرّف أخبارهم فاستتروا.
وكان سابور قد قال لثقاته:
- «إنّ الخليفة أمرنى بتفتيش دار إسحاق لأنّه قد بلغه أنّ جواريه قد سترن جماعة من جواري القيان.» وأمرهم أن يستعدّوا للركوب معه فبلغ الخبر إسحاق من وقته ولم يقع له أنّ ذلك لمكروه يراد به فقال لجواريه:
- «إن صار إليكم سابور بطلب المغنّيات فلا تمنعوه ودعوه يفتّش.» وانحدر هو إلى دار الوزير وصار سابور إلى دار الوزير أبى جعفر فوجد إسحاق بحضرته فقبض عليه وحمله إلى دار السجّان [١] .
ووجّه القاهر بمن كبس دور البريديين فلم يوجدوا وكبست دور إسحاق فى النوبختيّة وعلى شاطئ دجلة وتهارب حرمه وولده وسلموا وقبض على أحمد بن علىّ الكوفي كاتبه.
واستحضر القاهر علىّ بن عيسى وعرّفه أنه ليس [٤٢٨] لوزيره نظر فى أعمال واسط وسقى الفرات وكانت فى ضمان إسحاق وقلّده هذه الأعمال
стр. 2465
واعتمد فى تدبير المعاون فيها عليه ووقّع [١] له بخطّه فتقلّده علىّ بن عيسى.
وورد الخبر بموت أبى علىّ أحمد بن محمّد بن رستم بإصبهان وأنّ المظفّر بن ياقوت مدّ يده إلى ماله ودوابّه فحازها لنفسه. وكان المظفّر إليه أعمال المعاون بإصبهان فتنكّر القاهر له ولأبيه ولأخيه.
وسعى بأبى يوسف البريدي فكبس عليه وأخذ وحمل إلى دار الوزير محمّد بن القاسم فأجمل عشرته وكتب القاهر إلى الوزير بأن يقرّر معه مصادرته ومصادرة أخويه فأحضره الوزير وخاطبه وسامه أن يقرّر الأمر معه فى مصادرتهم فقال له أبو يوسف:
- «إذا وثقنا بأنّ الأمر لك وأنّك مقرّ على الوزارة فقرّرنا الأمر معك فأمّا ونحن نتحقق أنّ الوزارة لغيرك فلا يجوز فصل الأمر معك.» فلمّا كان يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من ذى القعدة انكسف القمر وقبض القاهر على الوزير محمّد بن القاسم وأنفذ إليه سابور الخادم فأخذه وأخذ من وجد فى داره وفيهم أبو يوسف البريدي وغيره فنقلهم إلى دار السلطان.
فكانت [٤٢٩] مدّة وزارة أبى جعفر محمّد بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان للقاهر ثلاثة أشهر واثنى عشر يوما.
إحضار للوزارة أو للحبس
ووجّه القاهر إلى إسحاق بن علىّ القنّاى [٢] وأحضره وأحضر معه عبد الوهّاب بن عبد الله الخاقاني على أن يقلّد أحدهما الوزارة والآخر
стр. 2466
الدواوين. فلمّا حضرا قبّل القوّاد أيديهما وجلس بين أيديهما سلامة الحاجب فلم يلبث أن خرجت رسالة القاهر بالقبض عليهما وإدخالهما الحبوس [١] الغامضة. ثمّ وجّه القاهر إلى سليمان بن الحسن واستحضره للوزارة وحضر فى طيّاره وتلقّاه القوّاد والناس وقبّلوا يده وجلس الأستاذون بين يديه فى دار السلطان ووجّه القاهر من قبض عليه وأدخله الحبوس الغامضة ووجّه إلى الفضل بن جعفر للوزارة وقد ظهر ما عمله بالخاقانى وبسليمان فاستتر الفضل ولم يتقرّر الوزارة لأحد فى ذلك اليوم.
وزارة الخصيبى
فلمّا كان من الغد تقدّم القاهر إلى عيسى المتطبّب أن يحضر الخصيبى يوم الخميس ويأمره بالتأهّب للوزارة وأن يحضر بسواد وسيف ومنطقة فراسله عيسى بذلك فحضر كما رسم له وخلع عليه خلع الوزارة وركب فيها إلى داره ولقيه الناس فهنّئوه [٤٣٠] ونظر فى الدواوين وقلّدها من استصلحه ونصب ديوانا للمبيع وأحضر الناس وناظرهم وألزمهم لفضل ما بين المعاملتين خمسين ألف دينار وكتب لهم شروطا ووقّع لهم فيها بالإمضاء وصادر الناس وقبض على خلق.
وتوسّط عيسى وسلامة الحاجب أمر البريديين بعد مكاره عظيمة لحقت أبا يوسف على اثنى عشر ألف ألف درهم وكتبت الأمانات لأحمد وعلىّ ابني البريدي بخطّ الخليفة والوزير وأشهدا القضاة والعدول فيها على أنفسهما فظهرا.
فحكى أبو زكريا السوسي وأبو سعيد ابن قديدة أنّ أبا عبد الله البريدي
стр. 2467
حضر عند أبى العبّاس الخصيبى بطيلسان وعمامة وخفّ وهما معه فاستخلاه المجلس فأخلاه له فعاتبه عتابا طويلا وذكّره بحقوق كثيرة وضروب من الخدمة خدمه بها فى أوقات مختلفة عند نكبات كانت للخصيبى وقال له فى آخر كلامه:
- «إنّما أعددتك بجميع هذا للدنيا لا للآخرة وأنت معذور فى أمر المال لأنّك تزعم أنّه بأمر الخليفة وطاعته واجبه وفى ضربك أبا يوسف لأنّه تماتن [١] عليك لم ذكرت أمّ أبى يوسف وهي أمّى ولم استحسنت قذفها [٢] أما استحققت عليك بجميع [٤٣١] حقوقي هذه أن تصونها عن الذكر بالقبيح لأجلى؟» فخجل الخصيبى وقال:
- «صدقت، كان يجب أن أفعل ذلك ولكن لم أضبط نفسي عند الغيظ وأنا معتذر إليك ودع ما مضى. الخليفة مقيم على أنّه لا بدّ من ألف ألف دينار وقد وصفتك لأمير المؤمنين وقلت: أبو يوسف حرج الصدر وأبو عبد الله أخوه رحب الصدر ولا يخالف أمير المؤمنين ولولا ذلك لنقل أبا يوسف إليه ولما أمنت عليه فأحبّ أن تكفيني أمركما فحسبي حيائى ممّا مضى واكتب خطّك بزيادة ألفى ألف درهم.» فقال أبو عبد الله:
- «لقد أغنيتنى أيّها الوزير وما قصّرت وأحسنت العذر والتلافي.» فقال له:
- «بحياتى لمّا كتبت.»
стр. 2468
فقال: «أكتب وأنا آمن أيّها الوزير ممّا أقول والله ما أملك ولا إخوانى هذا المال فإن عطف الله بقلب الخليفة وقلبك علينا تصرّفنا وأدّينا وإن حرمنا ذلك استدفعنا القتل إلى مدّة فإنّ الله قد أجرى عادتنا بالكفاية ونحن نرجو تفضّله.» فقال الخصيبى ولم يكن فى المجلس إلّا أبو زكريا وابن قديدة مستخرج الخصيبى:
- «يا أبا عبد الله وقد قسمت ووفيت الرأى [حقّه] [١] » وضحك وأخذ خطّه بألفي ألف درهم زيادة وانصرف. [٤٣٢] وكان أبو عبد الله البريدي قد تحقق بأبى بكر محمّد بن رائق وتناهى أبو بكر فى إكرامه وواقفه أبو بكر على أن يتنجّز تسبيباته وتسبيبات رجاله على الأهواز ويخرج إليها ويتغلّب عليها. وشخص هو عن البصرة لئلّا يتمّ هذا الرأى بمقامه عنده فينسب إليه فلمّا وافى واسطا وجد بها أبا الحسن علىّ بن عيسى وقد عمر واسطا فعقدها عليه القاهر- لأنّه كان من قبله لا من قبل الوزير- بثلاثة عشر ألف ألف درهم. وأشهد على أبى عبد الله البريدي بالضمان واستخلف أبو عبد الله أبا الحسن محمّد بن حمد بن حمدون الواسطي وأقام مدّة خمسين يوما بالنعمانيّة ينظر فى أعمال الموفقى ثمّ مضى إلى بغداد وركب يوما هو وأخوه إلى سوق الثلاثاء ينتظرون خروج الخصيبى فراسله عيسى المتطبّب بأنّ القاهر قد عزم على القبض عليهم فانحطّوا عن دوابّهم وغيّروا زيّهم واستتروا فما ظهروا حتّى خلع القاهر من الخلافة وتقلّدها الراضي بالله.
стр. 2469
ظهور علىّ بن بويه
وفى يوم الاثنين لأربع خلون من ذى الحجّة من هذه السنة ورد كتاب علىّ بن خلف بن طناب إلى الخصيبى يذكر فيه مصير رجل من وجوه قوّاد الديلم الذين كانوا مع مرداويج إلى نواحي أرّجان يقال له علىّ بن بويه [٤٣٣] وأنّ هذا الرجل كان ضامنا لنواحى ماه البصرة فانكسر عليه مال لمرداويج ففزع منه وعصى عليه وصار فى أربعمائة من الديلم إلى أرّجان [١] وتغلّب عليها.
ذكر السبب فى ظهور علىّ بن بويه والاتّفاقات التي اتّفقت له حتّى ملك ما ملك
كان أبو الحسن على بن بويه وأخوه أبو علىّ الحسن بن بويه من قوّاد ما كان بن كاكى ولم يزل الحال بين ما كان وبين مرداويج جميلا منذ اتفقا على قصد أسفار بن شيرويه وانصرافه عن قلعة سميران بالطرم وكانا يتهاديان ويتلاطفان إلى أن قتل مرداويج أسفار كما كتبنا أخبارهما فيما تقدّم وملك نواحي الرىّ والجبل واستعلى أمره وقوى بالمال والرجال.
وقصد ما كان نواحي آمل وطبرستان فملكها وامتدّ إلى نيسابور عند انصراف نصر بن أحمد صاحب خراسان عنها واشتغاله بأخويه الخارجين عليه. فلمّا فرغ من استصلاح خراسان عاد إلى نيسابور وراسل ما كان يسأله أن يعود إلى مكانه وأن يفرج عن نيسابور ويلطف له ويستبقى الحال بينهما.
ففعل ما كان ذلك وعاد إلى جرجان وطبرستان.
стр. 2470
وابتدأت الحال [١] تنقدح بينه وبين مرداويج على طريق التحاسد والتباغي فاستدعى [٤٣٤] مرداويج خلفاءه بالجبل وإصبهان وسائر نواحيه وجميع جيوشه وسار إلى ما كان فثبت له ما كان واستظهر عليه مرداويج وهزمه وملك طبرستان ورتب فيها بلقسم بن بلحسن [٢] وكان اسفهسلاره ومدبّر جيشه وكان رجلا نجدا جيّد الرأى فى الحرب. ثمّ مضى إلى جرجان وكان فيها من قبل ما كان شير زيل بن سلّار وبأعلى بن تركي، فهربا جميعا وملكها مرداويج ورتّب فيها سرخاب بن بلوس على خلافة بلقسم بن بلحسن لأنّ سرخاب خال ولد بلقسم. فجمع بلقسم جرجان وطبرستان وعاد إلى إصبهان ظافرا غانما. ثمّ قصد ما كان أبا الفضل الثائر مستنجدا له فأكرمه وعظّمه، ثمّ سار معه بنفسه إلى طبرستان وبها بلقسم بن بانجين وكان مستعدّا لهما فبرز إليهما وتحاربوا فانهزم الثائر وما كان جميعا.
فأمّا الثائر فعاد إلى بلده بالديلم وأمّا ما كان فامتدّ على طريق الساحل مفلولا ضعيفا حتّى ورد جرجان ثمّ منها إلى نيسابور قاصدا بها أبا علىّ أحمد بن محمّد بن محتاج صاحب جيش خراسان فدخل فى طاعته واستنجده. وأقام بلقسم بن بالحسن بجرجان إلى أن بلغه مسير أبى على أحمد بن محمّد بن محتاج إليه مع ما كان فكتب إلى مرداويج يستمدّه [٤٣٥] فأمدّه بأكثر عسكره ووجوه أصحابه وبالغ فى تقويته. ووافى ابن محتاج وما كان فبرز إليهما وواقعهما فظهر عليهما وهزمهما فانصرفا إلى نيسابور.
ثمّ كرّ ما كان كرّة أخرى على نواحي الدامغان طامعا فى أن يستولى عليها
стр. 2471
وكان فيها من قبل مرداويج الجيش [١] بن اوميذوار فسار إليه بلقسم بن بانجين حتّى اجتمعا على دفع ما كان، فانهزم ثانيا ويئس من هذه الأعمال فأنفذه صاحب خراسان إلى كرمان وقلّده إيّاها وكان بها أبو علىّ محمّد بن الياس بن اليسع وواقعه وهزم أبا علىّ وملك كرمان على طاعة صاحب خراسان.
فأمّا أبو الحسن علىّ بن بويه وأخوه أبو علىّ الحسن فإنّهما عند هزيمة ما كان الأولى وضعفه انحازا إلى مرداويج بعد أن استأذناه وقالا:
- «إنّ الأصلح لك مفارقتنا إيّاك لتخففّ عنك مؤونتنا ويقع كلّنا على غيرك فإذا تمكنت عاودناك.» فأذن لهما واقتدى بعلىّ بن بويه جماعة من القوّاد لما صار علىّ بن بويه وأخوه أبو علىّ إلى مرداويج فقبلهما وأكرمهما وخلع عليهما وقلّد كلّ واحد من قوّاد ما كان ناحية من نواحي الجبل. أمّا علىّ بن بويه فإنّه تقلّد الكرج، وأمّا اللشكرى بن مردى فإنّه ردّه إلى عمله وكان متقلّدا ... [٢] وأمّا [٤٣٦] سليمان بن سركلة فإنّه قلّده همذان وكذلك سائر القوّاد.
ذكر سبب تمّ به [٣] لعلىّ بن بويه ولايته وصرف الباقون بأجمعهم قبل وصولهم إلى أعمالهم
كان السبب فى ارتفاع علىّ بن بويه وبلوغه ما بلغ سماحة كثيرة كانت فى طبعه وسعة صدره. واقترن بهذا الخلق الشريف خلق آخر أشرف منه وهي شجاعة تامّة كانت له واتّصل بجميع ذلك اتفاقات محمودة ومولد
стр. 2472
سعيد. [١] فمن ذلك أنّه لمّا قلّد الكرج وقلّد الجماعة المستأمنة معه النواحي التي ذكرناها وكتبت لهم العهود ووردوا الرىّ وبها وشمكير وأبو عبد الله الحسين بن محمّد الملقّب بالعميد- وهو والد أبى الفضل ابن العميد وزير ركن الدولة- وكان ناظرا فى الأمور بالرىّ فعرضت عليه بغلة حسنة كانت لعلىّ بن بويه أراد بيعها والاستعانة بثمنها وكان ثمنها ثلاثة آلاف درهم قيمتها مائتا دينار، فاشتراها وحمل المال إليه فظهر لعلىّ بن بويه أنها تشترى لأبى عبد الله العميد فقادها إليه وحلف ألّا يأخذ ثمنها، ثمّ تابع ذلك بملاطفات كثيرة إلى أن غمره بالبرّ ثمّ أوجب [٢] الرأى عند مرداويج أن يتعقّب ما أمر به من تولية [٤٣٧] أولئك القوّاد.
وكتب إلى أخيه وشمكير وإلى أبى عبد الله العميد بمنعهم من الخروج من الرىّ وإن كان بعضهم خرج منع من بقي. وكانت الكتب تصدر أوّلا إلى العميد فيقف عليها ثمّ تعرض على وشمكير جملها. فحين وقف على الكتاب تقدّم إلى علىّ بن بويه سرّا أن يبادر إلى عمله، فسار من وقته وساعته وطوى المنازل. وأصبح العميد من الغد فأظهر الكتب فلمّا عرضها على وشمكير كان قد صار علىّ بن بويه على مسافة بعيدة فمنع من لم يكن خرج من أولئك القوّاد. وفاز علىّ بن بويه بالولاية التي كانت سبب ملكه وتمكّنه وليس يعرف لجميع ذلك بعد قضاء الله سبب إلّا سخاءه وسعة صدره.
فلمّا وصل إلى الكرج ابتدأ بالإحسان إلى الرجال وملاطفة عامل البلد فكان العامل يكتب بشكره وضبطه الناحية وحمايته واتّفق أن افتتح قلاعا
стр. 2473
كانت فى أيدى الخرّميّة فى تلك الأطراف ووقع بين أربابها خلاف فانحاز بعضهم إليه وأظهره على ذخائر جليلة صرفها كلّها إلى استمالة الرجال واستعطاف القلوب. فلمّا عاد مرداويج إلى الرىّ سبّب أموال جماعة من قوّاده [٤٣٨] على ناحية الكرج وفيهم إبراهيم بن سيارهى [١] المعروف بكاسك وجماعة أكبر منهم، فاستمالهم علىّ بن بويه وأفضل عليهم حتّى أوجبت الجماعة طاعته.
فاتّصل ذلك بمرداويج فأوحشه ذلك وندم على إخراج أولئك القوّاد الأكابر إليه وكاتبه بالمصير إليه وكاتب القوّاد بمثل ذلك فدافعه وتعلّل عليه ورفق به إلى أن أخذ العهود والمواثيق عليهم. وعلم استيحاش الجماعة وخوّفهم من غدر مرداويج وسطوته، فحينئذ خرج بهم عن الكرج وجمع أكثر ما قدر عليه من المال واستأمن إليه من جرباذقان شيرزاد أحد قوّاد الديلم فى أربعين رجلا فقويت نفسه وعرض رجاله فكانوا ثلاثمائة رجل وكسرا، لكنّهم أعيان ونخب مستظهرين بالآلات والعدد، وتوجّه إلى إصبهان وبها أبو الفتح ابن ياقوت فى نحو عشرة آلاف وأبو علىّ ابن رستم يلي الخراج، فقدّم إليهما كتبا جميلة وعرّفهما أنّه ينحاز إليهما داخلا فى طاعة السلطان فدافعاه عن ذلك.
وكان أبو علىّ بن رستم أشدّ الناس كرها له وإنكارا لقدومه، واتّفق موت أبى علىّ ابن رستم، وبرز أبو الفتح ابن ياقوت [٤٣٩] حتّى صار من إصبهان على ثلاثة فراسخ. وكان فى أصحاب ابن ياقوت ديلم وجيل [٢] كثير مقدارهم ستمائة رجل وكانوا يسمعون فضل علىّ بن بويه وعطاءه وسعة صدره فاستأمنوا إليه، وواقعه الوقعة وانهزم ابن ياقوت لما ضعف باستئمان
стр. 2474
هؤلاء. ولما ظهر له من ثبات الديلم واضطراب أصحابه ومضى نحو فارس.
وملك علىّ بن بويه إصبهان فقوى شأنه وكبر فى عيون الناس لأنّه هزم بمائتين من أصحابه ألوفا وألوفا من أصحاب السلطان. وبلغ ذلك مرداويج فأقلقه ودبّر فى أمرهم تدبيرا لم يتمّ له.
ذكر حيلة مرداويج التي لم تتمّ له
أشفق مرداويج أن يستأمن أصحابه إلى علىّ بن بويه لما يسمعون من إقباله ولما انتشر من صيته وفيض عطائه، ولأنّ سيرة مرداويج كانت سيرة صعبة لا يسكن إليها أحد ولا يصبر عليها من له نفس أبيّة. فرأى أن يراسل علىّ بن بويه بعتاب وتأنيس ويرفق به ويستدعى جوابه. وضمن ضمانات له يرغب فى مثلها. ووجّه فى أثره أخاه وشمكير فى عسكر عظيم كثيف قوى.
فعلم علىّ بن بويه أنّ الرسالة لا تشبه التأهّب له [٤٤٠] فنذر به فرحل عن إصبهان بعد أن جباها شهرا وتوجّه إلى أرجان وبها أبو بكر ابن ياقوت فانهزم بين يديه إلى رامهرمز من غير حرب ودخلها علىّ بن بويه واستخرج منها أموالا قوى بها.
ووردت عليه كتب أبى طالب زيد بن علىّ النوبندجانى يستدعيه ويشير عليه بالمسير إلى شيراز ويهوّن عنده أمر ياقوت وأصحابه لتهوّره فى جباية الأموال وكثرة مؤونته ومؤنة جنده وثقل وطأتهم على الناس مع فشلهم وخورهم، فأشفق علىّ بن بويه أن يلقى ياقوتا مع صيته وكثرة رجاله وأمواله وحصول ابنه أبى بكر بن ياقوت من ورائه، فأبى علىّ بن أبى طالب وتمنّع عليه ولم يقبل مشورته، فشجّعه أبو طالب وأعلمه أنّه إن توقّف لم يأمن أن يتّفق بين ياقوت ومرداويج أمر يجتمعان له عليه وإنّ أعداءه كثير، ومتى اجتمعوا عليه لم يقم لهم وتمكّنوا بطول الزمان من التدبير عليه، وربّما لحق
стр. 2475
مدد السلطان فتجتمع الجيوش من كلّ وجه، والصواب لمن كان فى مثل صورته أن يبادر ويعاجل من بين يديه ولا ينتظر بهم الاحتشاد وإنشاء التدابير عليه. ولم يزل يراسل علىّ بن بويه ويهوّن عليه الخطب إن بادر ويعظّمه إن توانى [٤٤١] وتأخّر إلى أن سار نحو النوبندجان وسبقه مقدّمة ياقوت وهي فى نحو ألفى رجل وفيهم وجوه أصحابه وشجعانهم مثل المعروف بكورمرد [١] الخراساني وابن خركوش [٢] وكانا شديدين مذكورين بالبأس ومعهما أشباههما من أهل النجدة.
فوافاهم علىّ بن بويه إلى النوبندجان فلم يثبتوا وانهزموا إلى كركان وجاءهم ياقوت وأصحابه إلى هذا الموضع فنصب أبو طالب النوبندجانى وكلاءه وثقاته لخدمة علىّ بن بويه وتنحّى بنفسه إلى ضيعة له مغالطة لياقوت وراسل ياقوتا انّ الخوف الذي شمله والناس ألجأه إلى الهرب والتباعد واستشاره فيما يعمل وهو مع ذلك مجتهد فى نصيحة علىّ بن بويه وإرشاده إلى صواب الرأى وإهداء الأخبار إليه ودلالته على المسالك والطرق. وأقام لمئونته وإنزاله من يزيح علّته فى الجميع حتّى أضافه وجميع عسكره أربعين يوما ولزمته مؤونة عظيمة يذكر أنّ مبلغها مائتا ألف دينار.
وأنفذ علىّ بن بويه أخاه أبا علىّ إلى كازرون وغيرها من أعمال فارس فاستخرج منها أموالا عظيمة وأثار ذخائر جليلة كانت للأكاسرة يتوارثها قوم هناك، فزاد [٤٤٢] استخراجه على استخراج أخيه.
وأنفذ ياقوت عسكرا ضخما إلى الحسن بن بويه فواقعهم بالنفر اليسير الذين معه فهزمهم وصار موفورا إلى أخيه علىّ بن بويه. ثمّ اتّفق أن تمّ عليه مواطأة ياقوت ووشمكير ومرداويج، وبلغه من ذلك ما أوجب أن يسير إلى
стр. 2476
كرمان. فتوجّه من النوبندجان إلى إصطخر ومنها إلى البيضاء وياقوت يتبعه بجميع عسكره ويقفو أثره. وانتهى بعلىّ بن بويه المسير إلى قنطرة كان الطريق عليها إلى كرمان، فسبقه ياقوت إلى القنطرة وحال بينه وبين عبورها واضطرّه إلى الحرب.
ودخلت سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة
وابتدأت الحرب يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين، وأصبحوا يوم الأربعاء على أشدّ ما تكون الحرب. فاستدعى علىّ بن بويه أصحابه ليلة الخميس وأعلمهم أنّه يترجّل معهم ويقاتل كأحدهم ووعدهم ومنّاهم واستوثق منهم الأيمان فى الثبات والجهاد والجدّ.
ذكر اتفاق جيّد اتّفق لعلىّ بن بويه ورديء جدّا على ياقوت مع تدبير سيّئ وتسرّع من ياقوت غير صواب
أمّا التدبير السيّئ الذي استعمله ياقوت وتسرّع فيه فإنّه استأمن إليه من أصحاب علىّ بن بويه [٤٤٣] رجلان من وجوه الديلم فحين وقفت عينه عليهما أمر بضرب أعناقهم وتيقّن الديلم أنّه لا أمان لهم عنده، فشحذ ذلك بصائرهم وجاهدوه جهاد المستقتلين.
وأمّا الاتفاق الذي اتّفق عليه، فإنّه باكر الحرب يوم الخميس وقدّم على مصافه رجّالة كثيرة من أصحابه يحاربون بمزاريق النفط والنيران. فانقلبت الريح واشتدّت للوقت فاحترق شيء من مصافّ ياقوت وأكبّ الديلم على أولئك الرجّالة فقتلوهم وانهزم الفرسان وزحف الديلم على تعبيتهم.
стр. 2477
ذكر تدبير دبّره ياقوت فى حال الهزيمة فلم ينفذ له واحترز منها علىّ بن بويه فظفر
لمّا أشرف الديلم على سواد ياقوت عند هزيمته وهزيمة أصحابه طلب نشزا [١] من الأرض عاليا فى طريقه، فصعد إليها وركّز عليها رايته، فاجتمع إليه نحو من أربعة آلاف رجل. وظنّ أن الديلم يتسرعون إلى خزائنه ويشتغلون بالنهب فيضطرب نظامهم ويكرّ عليهم- وهذه لعمري مكيدة طال ما صارت سببا لظفر قوم بعد هزيمتهم- فقال لأصحابه:
- «لا تفرّقوا وتأهّبوا للكرّة فإنّها الظفر لا محالة.» وأحسّ علىّ بن بويه بذلك فبرز أمام مصافّه ونادى أصحابه وقال لهم:
- «لا تبعدوا ولا تنقضوا تعبيتكم فإن الخصم [٤٤٤] واقف ينتظر اشتغالكم بالنهب ثمّ يعطف عليكم ولم يبق له غير هذه المكيدة.» وأعلمهم أنّ الغنيمة لا تفوت. فلمّا رأى ياقوت ثباتهم وامتناعهم من النهب واحترازهم من مكيدته مضى على وجهه منهزما وملك علىّ بن بويه جميع ذلك السواد. ووجد لياقوت صناديق فيها برانس وقيود وما أشبه ذلك كان أعدّها للأسارى. فأشار جماعة من قوّاد علىّ بن بويه بأن يجعل ذلك لأسارى رجال ياقوت وأن يجعل البرانس على رؤوسهم والقيود فى أرجلهم ويشهّر بهم فى المعسكر ثمّ فى البلد. فأبى ذلك علىّ بن بويه وقال:
- «بل نعدل عن هذا إلى العفو عمّن أظفرنا الله بهم من أعدائنا ونشكر الله على هذه النعمة، فإنّه أدعى للمزيد وأبعد من البغي والطغيان.» ثمّ امتدّ إلى الزرقان [٢] يوم الجمعة وإلى الدينكان يوم السبت وتولّت
стр. 2478
المستأمنة والشحنة وأكابر الناس إليه وتتابعوا فتقبّل الجميع وأحسن إليهم قولا وفعلا وصفح عن كلّ من بلغه عنه فحش فى الخطاب أو إساءة فى عمل، وأحسن فى سيرته حتّى اطمأن إليه الناس وأمنه أعداؤه. وعسكر بظاهر شيراز ونادى فيها ببث العدل [٤٤٥] وأمان الناس من جميع ما يكرهون، وأمر العامّة بالانتشار فى معايشهم والخروج إلى مصالحهم آمنين، ففعل الناس ذلك.
ثمّ اضطرّ بعد ذلك إلى سيرة أخرى لكثرة مطالبات الجند واقتراحاتهم وبلغ من أمره ما سنكتبه فى موضعه بمشيئة الله وعونه.
ورود خبر دخول أصحاب مرداويج إصبهان
وفيها ورد كتاب أبى جعفر محمّد بن القاسم الكرخي وكان يتقلّد أعمال الخراج والضياع بالبصرة والأهواز بتاريخ يوم الثلاثاء لأربع خلون من المحرّم بأنّ الكتب وردت عليه بدخول أصحاب مرداويج إصبهان وأنّه خرج من جملة مرداويج قائد جليل كان يتقلّد ماه البصرة وفاز بمال جليل وهرب إلى أرجان يقال له علىّ بن بويه وأنّه كتب إليه أنّه فى طاعة السلطان وهو يستأذن الوزير فى ورود الحضرة أو النفوذ إلى شيراز لينضمّ إلى ياقوت مولى أمير المؤمنين.
حرق مراكب القرامطة
وفى هذه السنة صار أصحاب أبى طاهر القرمطى إلى نواحي توّج [١] وسينيز [٢] فى مراكب وخرجوا منها إلى البلد. فلمّا بعدوا من المراكب أحرقها
стр. 2479
صاحب لياقوت كان يتقلّد البلد. ثمّ اجتمع مع أهل البلد وأوقع بالقرامطة وقتل منهم وأسر ثمانين رجلا فيهم رجل يعرف بابن الغمر [١] [٤٤٦] فقدم رسول محمّد بن ياقوت بهؤلاء الأسارى فأدخلهم مشهّرين، فوضع على رأس ابن الغمر منهم قرونا وكانوا على جمال بدراريع وديباج وبرانس حتّى دخلوا دار السلطان فاعتقلوا بها.
وفيها قتل القاهر إسحاق بن إسماعيل وأبا السرايا نصر ابن حمدان ذكر السبب فى ذلك
كان السبب فى قتله إسحاق أنّه كان أراد شراء الجارية المعروفة برتبة [٢] قبل الخلافة وكانت موصوفة بالجمال والغناء فزايده إسحاق بن إسماعيل فيها واشتراها. وسبب قتله أبا السرايا أنّه كان أراد شراء جارية أخرى قبل الخلافة فاشتراها أبو السرايا.
فحكى ثابت عن خادم حضر قتلهما قال: جاء القاهر فوقف على رأس بئر كانت فى موضع ذكره ثمّ استحضر إسحاق فأحضر وهو مقيّد فأمر بطرحه فى تلك البئر فرمينا به فيها بقيده وهو حىّ. ثمّ أمر بإحضار أبى السرايا فأحضرناه وهو مقيّد فأمر بطرحه فى تلك البئر فما زال أبو السرايا يتضرّع إليه ويسأله العفو وهو لا يلتفت إليه وتعلّق بسعف نخلة كانت بقرب البئر فأمرنا بضرب يده فضربناها فخلّى عن السعفة [٣] ودفعناه [٤٤٧] فى
стр. 2480
البئر ثمّ أمر بطمّ البئر فطرحنا عليهما التراب حتّى أمتلأت وهو واقف.
فسبحان الله العظيم ما أعجب أمر المقادير أراد مونس لمّا قتل المقتدر أن ينصّب فى الخلافة أبا العبّاس بن المقتدر فما زال إسحاق بن إسماعيل مجتهدا قائما قاعدا إلى أن عدل بها إلى القاهر بالله وهو لا يعلم أنّه إنّما يسعى فى حتف نفسه ليتمّ الأمر المقدور.
وفيها حضر دار سلامة الحاجب أبو بكر بن مقسم وقيل أنّه ابتدع قراءة لم تعرف للقرآن وأحضر ابن مجاهد والقضاة وناظروه فاعترف بالخطإ وتاب فأحرقت كتبه.
وفيها خرج رجل من الصغد يعرف بأبى على محمّد بن إلياس واجتاز بكرمان حتّى بلغ باب إصطخر وأظهر لياقوت أنّه يريد أن يستأمن إليه ثمّ عرف ياقوت أنّ ذلك حيلة منه فخرج إليه ياقوت فلم يثبت له ابن الياس وانكفأ راجعا إلى كرمان وصار إليه من قبل صاحب خراسان ما كان بن كاكى الديلمي فواقعه وانهزم ابن الياس وصار إلى أعمال فارس فواقعه ياقوت وانهزم ابن الياس.
وفيها استوحش الحجريّة والساجيّة من القاهر فدبّروا عليه وتمّ لهم القبض عليه. [٤٤٨] ذكر السبب فى القبض على القاهر
كان السبب فى ذلك أنّ أبا علىّ ابن مقلة كان يراسل الساجيّة والحجريّة فى استتاره ويضرّبهم على القاهر ويوحّشهم منه والحسن بن هارون يفعل
стр. 2481
مثل ذلك ويلقاهم بالليل وهو يتزيّا برىّ السؤال وفى يده زبّيل [١] وفى وقت بزىّ النساء إلى أن شحذ نيّاتهم وجمع كلمتهم على قصد القاهر والفتك به وحذّرهم منه وعرّفهم أنّه قد بنى لهم المطامير. واحتال من جهة منجّم كان لسيما حتّى لقّنه أن يقول لسيما من جهة النجوم أنّه يخاف عليه من القاهر ويحذّره منه. وأعطى الحسن بن هارون هذا المنجّم مائتي دينار فملأ عينه حتّى مكّن فى نفس سيما الخوف من القاهر وكان سيما يقبل منه ويستحسن إصاباته. ثمّ دسّ إليه من جهة منامات يدعيها أشياء حتّى اشتدّ خوف سيما من القاهر.
فلمّا كان يوم الإثنين لأربع خلون من شهر ربيع الآخر وقع بين الغلمان الحجريّة وبين الغلمان الساجيّة خلاف وذكر الساجيّة أنّ القاهر يريد أن يفتك بسيما وهو رئيس الساجيّة وخرج سيما من دار السلطان مبادرا إلى داره واجتمع إليه الساجيّة بأسرهم والقوّاد فى السلاح [٤٤٩] وأقاموا عنده إلى آخر النهار، ثمّ انصرفوا وباكروه فاجتمع قوّاد الساجيّة مع قوّاد الحجريّة وتحالفوا أن تكون كلمتهم واحدة ثمّ استحلفوا باقى الحجريّة والساجيّة. واتّصل ذلك بالقاهر وبالوزير وبالحاجب، فوجّهوا من يسألهم عمّا أوحشهم فقالوا:
- «قد صحّ عندنا أنّ القاهر عزم على القبض على سيما وعلى حبسنا [٢] فى مطامير قد بناها لنا.» وكان الفضل بن جعفر يتولّى بناء مطامير من ماله ويحتسبها من مال مصادرة عليه فعرف القاهر ما يقولونه فتقدّم إلى سلامة بالخروج إليهم وحلف القاهر له على أنّه لم يفعل ذلك ولا همّ به وإنّما بنى حمامات روميّة للحرم، وخرج سلامة لذلك.
стр. 2482
وخلا الخصيبى وعيسى المتطبّب بالقاهر فذكرا له أنّ الآفة فى هذا كلّه الفضل بن جعفر وأنّه هو الذي قال للساجيّة والحجريّة ذلك لأنّه شيء لم يعرفه غيره. وكان سلامة أشار بالفضل حتّى أعفى من المصادرة عناية به واقتصر منه على ما ينفقه على المطامير. فتقدّم القاهر بالقبض على الفضل بن جعفر وطالبه الوزير الخصيبى بحضرة عيسى بثلاثمائة ألف دينار فقال الفضل:
- «لو كنت ذا مال لكانت لى ضياع ودور [٤٥٠] وخدم ومروءة بحسبها.» فاغتاظ الخصيبى وظنّ أنّه قد عرّض به وخاطبه بمخاطبة فيها جفاء فاستوفى الفضل عليه الجواب. فهمّ الوزير الخصيبى أن يوقع به فقال سابور الخادم:
- «أمرت بصيانته وألّا يلحقه مكروه.» وردّه إلى دار السلطان وحبس فى الموضع الذي كان إسحاق بن إسماعيل محبوسا فيه.
وورد يوم الثلاثاء لخمس خلون من جمادى الأولى [١] كتاب أبى جعفر الكرخي وكتاب أبى يوسف عبد الرحمن بن محمّد الذي كان يكتب للسيدة بأنّ أصحاب ابن رائق كبسوا سوق الأهواز وأنّهم استولوا على سائر عمل الأهواز وصار كلّ من يتقلّد المعاون فى أعمال الأهواز من قبله سوى محمّد بن ياقوت فإنّه كان يتقلّد المعاون بالسوس وجنديسابور فلم ينفذ لابن رائق لأنّه نظيره فكتب الخصيبى رقعة بما ورد عليه من ذلك إلى القاهر.
وكان القاهر قد ابتدأ بشرب فدعا بسلامة وأقرأه الكتاب وقال له:
стр. 2483
- «امض إلى الخصيبى واجتمع معه على التدبير فى ذلك.» وعاود شربه فمضى سلامة وعيسى معه إلى الخصيبى وأطالا عنده إلى نصف الليل ولم يتقرر لهم رأى عليه شيء. فانصرف [٤٥١] سلامة إلى منزله لعلمه بأنّ القاهر قد سكر ولا فضل فيه باقى ليلته وصدر نهار [١] الغد، وبكّر سلامة إلى الخصيبى فوجد عنده عيسى المتطبّب وبلغهم خبر الساجيّة والحجريّة واجتماعهم لقصد دار السلطان. فتقدّم الخصيبى إلى عيسى بأن يبادر إلى دار السلطان ويعرّف القاهر الخبر ليتحرّز وإن وجده نائما أنبهه، فمضى عيسى واجتهد فى إنباه القاهر فلم تكن فيه حيلة وقيل له: كان يشرب إلى أن طلعت الشمس وأنّه لو أنبه [٢] لما فهم عنه ما يقوله لشدّة سكره.
وكانت الحجريّة والساجيّة قد اجتمعوا عند سيما وتحالفوا على اجتماع الكلمة فى كبس دار الخليفة والقبض على القاهر فقال لهم سيما:
- «إن كان قد صحّ عزمكم على هذا فقوموا بنا الساعة حتّى نمضيه.» فقالوا:
- «بل نؤخّره إلى غد فهو يوم الموكب ويظهر لنا فنقبض عليه.» فقال لهم سيما:
- «إن تفرّقتم الساعة وأخّرتموه إلى ساعة أخرى اتّصل الخبر به فتحرّز ودبّر علينا فأهلكنا كلّنا.» فقبلوا رأيه وركبوا معه إلى دار السلطان بالسلاح فرتّب سيما على كلّ باب من أبوابها غلاما من الساجيّة وغلاما من الحجرية ومعهما قطعة وافرة [٤٥٢] منهما فلمّا أحكم أمر الأبواب كلّها وقف على باب العامّة وأمر بالهجوم فهجموا كلّهم من جميع الأبواب فى وقت واحد، وبلغ سلامة
стр. 2484
والخصيبى وهما مجتمعان فى دار الخصيبى فخرج الخصيبى فى زىّ امرأة واستتر وانحدر سلامة إلى مشرعة الساج واستتر.
ولمّا دخل الساجيّة والحجريّة الدار لم يدخلها سيما وأقام بمكانه من باب العامّة إلى أن قبض على القاهر فلما قبض عليه دخل.
ولمّا علم القاهر بحصول الغلمان فى الدار انتبه من سكره وأفاق وهرب إلى سطح حمّام فى دور الحرم فاستتر فيه ولمّا دخل الغلمان إلى المجلس الذي كان فيه ولم يجدوه وأخذوا من كان بالقرب [منه] مثل زيرك الخادم وعيسى المتطبّب واختيار القهرمانة فوكّلوا بهم ووقع فى أيديهم خادم صغير فضربوه بالطبرزينات حتّى دلّهم على موضعه فدخلوا فوجدوه على سطح الحمّام على رأسه منديل ديبقي [١] وفى يده سيف مجرّد واجتهدوا به على سبيل الرفق أن ينزل إليهم وقالوا:
- «نحن عبيدك وما نريد بك سوءا وإنّما نتوثق لأنفسنا.» فأقام على الامتناع من النزول إلى أن فوّق إليه واحد منهم بسهم [٤٥٣] وقال:
- «إن لم تنزل وضعته فى نحرك.» فنزل حينئذ وقبضوا عليه- وكان ذلك ضحوة نهار يوم الأربعاء لستّ خلون من جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة- وصاروا به إلى موضع الحبوس وقصدوا البيت الذي فيه طريف السبكرى ففتحوه ووجدوا فيه طريفا [٢] فكسروا قيده وأطلقوه وأدخلوا القاهر إلى [٣] موضعه وحبسوه فيه ووكّلوا بالباب جماعة من الساجيّة والحجريّة ووقع النهب ببغداد وانقضت خلافة القاهر بالله.
стр. 2485
خلافة الراضي بالله أبى العبّاس محمّد بن المقتدر
فى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة
واستدلّ الغلمان الساجيّة والحجريّة حين اقبضوا على القاهر على الموضع الذي فيه أبو العبّاس ابن المقتدر فدلّهم عليه خليفة لزيرك الخادم. ففتحوا عنه الباب ودخلوا عليه وسلّموا عليه [١] بالخلافة وأخرجوه وأجلسوه على السرير وبايع له قوّاد الساجيّة والحجريّة وطريف السبكرى وبدر الخرشنى ولقّب: الراضي بالله.
وتقدّم بإحضار علىّ بن عيسى وأخيه عبد الرحمن وأحضرا، فوصلا إليه وشاورهما واعتمد عليهما فيما يعمل. فعرّفه علىّ بن عيسى أنّ سبيله أن يعقد لواء لنفسه على الرسم فى ذلك [٤٥٤] فاستحضر اللواء وعقده بيده، ثمّ أمر بالاحتفاظ به [٢] وأشار عليه بتسلّم الخلافة، فسلّمها من كان فى يده وهو خاتم فضّة فصّه من حديد صينى وعليه كتابة ثلاثة أسطر:
- «محمّد رسول الله.» وأشار عليه بتسلّم خاتم الخلافة من القاهر بالله. فوجّه إليه الراضي، ثمّ
стр. 2486
فتح عنه الباب وطالبه بخاتمه فسلّمه وكان فصّه ياقوتا أحمر وعليه منقوش:
- «بالله محمّد الإمام القاهر بالله أمير المؤمنين يثق.» وصار به إلى الراضي فأمر أن يسلّم إلى حاذق من حذّاق الخزانة ليمحو ذلك النقش منه، ففعل ذلك ونقش له خاتم آخر عليه:
- «الراضي بالله» وتقدّم علىّ بن عيسى بأن يحضر القاضي أبو الحسين عمر بن محمّد، والقاضي أبو محمّد ابن أبى الشوارب، والقاضي أبو طالب البهلول، وجماعة من الشهود وممّن يقرّب من دار السلطان فحضروا. فحكى القاضي أبو الحسن محمّد بن صالح الهاشمي ابن أمّ شيبان أنّه لمّا استدعى القاضي أبو الحسين عند القبض على القاهر بالله وجم جميع أطرافه وأخذ معه خمسين دينارا فى حجزة سراويله استظهارا واستخلفه فى داره ومضى وانصرف بعد أن مضى أكثر الليل إلى [٤٥٥] منزله قال: فقال لى:
- «أنا أعرف ضيق صدرك وتطلّعك إلى معرفة [١] حديثنا فاسمعه: اعلم أنّى مضيت فأدخلت إلى حجرة فيها القاهر بالله ومعى ثلاثة من الشهود وطريف السبكرى. فقال له طريف: تقول يا سيّدى.» وكرّر ذلك دفعات. فقال له:
- «اصبر.» ثمّ التفت إلىّ فقال:
- «ألست تعرفني؟» فقلت: «بلى.» فقال: «أنا أبو منصور محمّد بن المعتضد بالله رحمة الله عليه ثمّ القاهر
стр. 2487
بالله بيعتي فى عنقك وأعناق أهلى وسائر الأولياء ولست أبرّئكم منها ولا أحلّكم [١] بوجه ولا سبب، فانهضوا.» فقمنا فلمّا بعدنا عذلت طريفا ولمته ملاما كثيرا وقلت:
- «أىّ رأى كان إحضارنا إلى رجل لم يوطّأ ولم يؤخذ خطّه ويشهد عليه الكتّاب والجند؟ كان ينبغي أن تقدّم ذلك ثمّ تحضرنا له.» وعدل بنا إلى علىّ بن عيسى فسألنا عمّا جرى فحدّثناه به فقطّب وجهه ثمّ قال:
- «يخلع ولا يفكّر فيه فإنّ أفعاله مشهورة وأعماله معروفة وما يستحقّه غير خاف.» فقلت له:
- «بنا لا تعقد الدول وإنّما يتمّ بأصحاب السيوف ونصلح نحن ونراد لشهادة واستيثاق وقد سمعت من الرجل ما حدّثتك به ولم يكن الرأى أن يجمع بيننا وبينه إلّا بعد إحكام أمره.» [٤٥٦] فتغاضب وحضر وقت الصلاة فقمنا.
فقال القاضي أبو الحسن محمّد بن صالح:
فسمعت ذلك منه وبكّرنا إلى دار السلطان فقيل له: إنّ القاهر سمل البارحة. فلمّا حضر أبو علىّ ابن مقلة استدعينا وكنت مع القاضي أبى الحسين وثلاثة من الشهود واجتمعنا بحضرة الراضي بالله فأومأ إلى مفلح الأسود فأحضر ثلاثة من إخوته فأجلسهم عن يمينه وأخرج أبو علىّ ابن مقلة قرطاسا من كمّه ونشره فاستحلفهم على البيعة ثمّ أومأ الراضي إلى مفلح إيماء ثانيا فأحضر اثنان آخران من إخوته فأجلسهما عن شماله وأخذت
стр. 2488
البيعة عليهما ثمّ أعطى أبو علىّ القرطاس القاضي أبا الحسين فأخذ عليه البيعة وكتبنا خطوطنا فى ذلك القرطاس على من بايع وانصرفنا.
وكان سيما أشار بسمل القاهر تلك الليلة فستر الراضي ذلك عن علىّ بن عيسى واستحضرا بختيشوع بن يحيى المتطبّب وسأله عمّن يحسن أن يسمل فذكر له رجلا فأحضره وسمل القاهر.
وما زال علىّ بن عيسى يوم الأربعاء إلى الليل يأخذ البيعة للراضى بالله على القضاة والقوّاد وكتّاب الدواوين والغلمان وطالبه الراضي أن يتقلّد الوزارة [٤٥٧] فامتنع وذكر أنّه لا يفي بالأمر، فأشار سيما بأبى على بن مقلة. قال:
- «هو يضمن أن يقوم بسائر الأمور.» فقال علىّ بن عيسى:
- «قد أشرت به على أمير المؤمنين وما يصلح للوقت غيره.» وكان علىّ بن عيسى يسأل فى الفضل بن جعفر فأطلق بمسألته ووقّع الراضي إلى أبى علىّ ابن مقلة [١] فبكّر يوم الخمسين لسبع خلون من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة وحضر علىّ بن عيسى وأخوه عبد الرحمن ووقفا بين يديه يستحلفان من يحضر ويأخذان البيعة عليه وتأخّر الفضل بن جعفر والحسن [٢] بن هارون وخلع على أبى علىّ ابن مقلة خلع الوزارة وركب معه سيما وطريف السبكرى وسائر القوّاد والغلمان والخدم الخاصّة وظهر الحسن بن هارون وأبو بكر ابن قرابة وصاروا إلى أبى علىّ ابن مقلة ثمّ انصرفوا إلى منازلهم.
واستأنف أبو علىّ ابن مقلة سيرة حسنة وقال:
- «قد عاهدت الله فى استتاري ألّا أسىء إلى أحد ونذرت نذورا.»
стр. 2489
فوفى وأطلق كلّ من كان فى حبس القاهر من كاتب وجندىّ وأطلق عيسى المتطبّب وإسحاق بن علىّ القنّائى وكان الراضي أنفذهم إليه. ثمّ تعقّب الرأى فى عيسى المتطبّب فصادره. [٤٥٨] وكان القاهر قد اعترف بوديعة أودعها إيّاه من العين والورق والطيب، فاستخرج كلّه منه. وسأل فى أمر أبى العبّاس الخصيبى فكتب له أمان وقّع الراضي فيه بخطّه وتسلّمه الوزير أبو علىّ وأنفذه فى درج رقعة [١] منه بخطّه إلى الخصيبى وخاطبه أجمل مخاطبة وظهر الخصيبى فقلّده دواوين الضياع الخاصّة والمستحدثة والعبّاسيّة والفراتيّة والمقبوضة عن أمّ موسى ونذير وشفيع اللؤللؤى وضياع المخالفين وضياع البرّ وضياع الجدّة والدة المقتدر وديوانى زمام المشرق والمغرب وأجرى عليه لنفسه سوى أرزاق كتّابه فى هذه الدواوين ألف دينار فى كلّ شهر وقلّد الراضي بدرا الخرشنى الشرطة بمدينة السلام.
ولمّا تقلّد الراضي الخلافة وردت كتب أبى جعفر الكرخي وأبى يوسف كاتب السيّدة بتخلصهما من الأهواز إلى نواحي دور الراسبي هاربين من محمّد بن رائق وكان بنو البريدي يستترون فى أنهار الأهواز نهر بعد نهر.
ووصل الخبر إلى ابن رائق وهو بالباسيان: أنّ القاهر خلع من الخلافة وتقلّدها الراضي بالله وأنّه قد ندب للحجبة. فرجع منكفئا إلى واسط ولم يدخل [٤٥٩] البصرة ورجع الكرخي إلى البصرة ثمّ عاد إلى غيلة [٢] بالأهواز فنظر وعمل إلى أن ضمّن ابن مقلة بنى البريدي أعمال الأهواز.
стр. 2490
ذكر ابتداء أمر أبى الحسن علىّ بن بويه الديلمي
كنّا كتبنا فيما تقدّم أنّ أبا الحسن علىّ بن بويه لحق بمرداويج وهو فى حدود طبرستان فقوّده وضمّ رجالا إليه فلمّا أنفذه إلى الرىّ- وكان أخوه وشمكير بها- اتفق أنّ عامل الكرج طمع فى مالها فأنفذ علىّ بن بويه ليتلافى أمر الكرج [١] ومعه دون مائة رجل من أصحابه فأقام بها وتلفّق إليه من الأطراف ديلم فصار فى نحو ثلاثمائة رجل فأنكر مرداويج أمره وكاتبه بالانصراف فتأخّر، وروسل فتعلّل، وكان قد استخرج من مال الكرج نحو خمسمائة ألف وفوقها فى مدّة يسيرة واستوحش مرداويج وهدّده ففزع وأخذ مرداويج ووشمكير فى تدبير القبض عليه.
وكان علىّ بن بويه قد استخلف بحضرة وشمكير وهو بالرىّ عند خروجه أحمد حاجبه- وهو والد أبى إسحاق الطبري الشاهد- فى هذا الوقت، فكتب إليه أحمد بما فيه مرداويج ووشمكير من الخوض فى سيّئه [٢] . وكان مرداويج قد صار إلى عند أخيه بالرىّ بهذا السبب ولتسريب الجيوش إليه فخرج من الكرج إلى إصبهان خائفا [٤٦٠] ليستأمن إلى المظفّر بن ياقوت وكان عند المظفّر بن ياقوت فى الوقت سبعمائة رجل من الديلم ووجههم فناخسره [٣] والد الحسن الديلمي الذي كان ببغداد ونظر فى الشرطة بها. فلمّا قرب من إصبهان خرج إليه المظفّر ليمنعه ومعه نحو أربعة آلاف رجل فتخاذل أصحابه ووقع بين أصحابه من الديلم خلاف. لأنّ فناخسره كان له