← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

فتح عنه الباب وطالبه بخاتمه فسلّمه وكان فصّه ياقوتا أحمر وعليه منقوش: - «بالله محمّد الإمام القاهر بالله أمير المؤمنين يثق.» وصار به إلى الراضي فأمر أن يسلّم إلى حاذق من حذّاق الخزانة ليمحو ذلك النقش منه، ففعل ذلك ونقش له خاتم آخر عليه: - «الراضي بالله» وتقدّم علىّ بن عيسى بأن يحضر القاضي أبو الحسين عمر بن محمّد، والقاضي أبو محمّد ابن أبى الشوارب، والقاضي أبو طالب البهلول، وجماعة من الشهود وممّن يقرّب من دار السلطان فحضروا. فحكى القاضي أبو الحسن محمّد بن صالح الهاشمي ابن أمّ شيبان أنّه لمّا استدعى القاضي أبو الحسين عند القبض على القاهر بالله وجم جميع أطرافه وأخذ معه خمسين دينارا فى حجزة سراويله استظهارا واستخلفه فى داره ومضى وانصرف بعد أن مضى أكثر الليل إلى [٤٥٥] منزله قال: فقال لى: - «أنا أعرف ضيق صدرك وتطلّعك إلى معرفة [١] حديثنا فاسمعه: اعلم أنّى مضيت فأدخلت إلى حجرة فيها القاهر بالله ومعى ثلاثة من الشهود وطريف السبكرى. فقال له طريف: تقول يا سيّدى.» وكرّر ذلك دفعات. فقال له: - «اصبر.» ثمّ التفت إلىّ فقال: - «ألست تعرفني؟» فقلت: «بلى.» فقال: «أنا أبو منصور محمّد بن المعتضد بالله رحمة الله عليه ثمّ القاهر

стр. 2487

بالله بيعتي فى عنقك وأعناق أهلى وسائر الأولياء ولست أبرّئكم منها ولا أحلّكم [١] بوجه ولا سبب، فانهضوا.» فقمنا فلمّا بعدنا عذلت طريفا ولمته ملاما كثيرا وقلت: - «أىّ رأى كان إحضارنا إلى رجل لم يوطّأ ولم يؤخذ خطّه ويشهد عليه الكتّاب والجند؟ كان ينبغي أن تقدّم ذلك ثمّ تحضرنا له.» وعدل بنا إلى علىّ بن عيسى فسألنا عمّا جرى فحدّثناه به فقطّب وجهه ثمّ قال: - «يخلع ولا يفكّر فيه فإنّ أفعاله مشهورة وأعماله معروفة وما يستحقّه غير خاف.» فقلت له: - «بنا لا تعقد الدول وإنّما يتمّ بأصحاب السيوف ونصلح نحن ونراد لشهادة واستيثاق وقد سمعت من الرجل ما حدّثتك به ولم يكن الرأى أن يجمع بيننا وبينه إلّا بعد إحكام أمره.» [٤٥٦] فتغاضب وحضر وقت الصلاة فقمنا. فقال القاضي أبو الحسن محمّد بن صالح: فسمعت ذلك منه وبكّرنا إلى دار السلطان فقيل له: إنّ القاهر سمل البارحة. فلمّا حضر أبو علىّ ابن مقلة استدعينا وكنت مع القاضي أبى الحسين وثلاثة من الشهود واجتمعنا بحضرة الراضي بالله فأومأ إلى مفلح الأسود فأحضر ثلاثة من إخوته فأجلسهم عن يمينه وأخرج أبو علىّ ابن مقلة قرطاسا من كمّه ونشره فاستحلفهم على البيعة ثمّ أومأ الراضي إلى مفلح إيماء ثانيا فأحضر اثنان آخران من إخوته فأجلسهما عن شماله وأخذت

стр. 2488

البيعة عليهما ثمّ أعطى أبو علىّ القرطاس القاضي أبا الحسين فأخذ عليه البيعة وكتبنا خطوطنا فى ذلك القرطاس على من بايع وانصرفنا. وكان سيما أشار بسمل القاهر تلك الليلة فستر الراضي ذلك عن علىّ بن عيسى واستحضرا بختيشوع بن يحيى المتطبّب وسأله عمّن يحسن أن يسمل فذكر له رجلا فأحضره وسمل القاهر. وما زال علىّ بن عيسى يوم الأربعاء إلى الليل يأخذ البيعة للراضى بالله على القضاة والقوّاد وكتّاب الدواوين والغلمان وطالبه الراضي أن يتقلّد الوزارة [٤٥٧] فامتنع وذكر أنّه لا يفي بالأمر، فأشار سيما بأبى على بن مقلة. قال: - «هو يضمن أن يقوم بسائر الأمور.» فقال علىّ بن عيسى: - «قد أشرت به على أمير المؤمنين وما يصلح للوقت غيره.» وكان علىّ بن عيسى يسأل فى الفضل بن جعفر فأطلق بمسألته ووقّع الراضي إلى أبى علىّ ابن مقلة [١] فبكّر يوم الخمسين لسبع خلون من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة وحضر علىّ بن عيسى وأخوه عبد الرحمن ووقفا بين يديه يستحلفان من يحضر ويأخذان البيعة عليه وتأخّر الفضل بن جعفر والحسن [٢] بن هارون وخلع على أبى علىّ ابن مقلة خلع الوزارة وركب معه سيما وطريف السبكرى وسائر القوّاد والغلمان والخدم الخاصّة وظهر الحسن بن هارون وأبو بكر ابن قرابة وصاروا إلى أبى علىّ ابن مقلة ثمّ انصرفوا إلى منازلهم. واستأنف أبو علىّ ابن مقلة سيرة حسنة وقال: - «قد عاهدت الله فى استتاري ألّا أسىء إلى أحد ونذرت نذورا.»

стр. 2489

فوفى وأطلق كلّ من كان فى حبس القاهر من كاتب وجندىّ وأطلق عيسى المتطبّب وإسحاق بن علىّ القنّائى وكان الراضي أنفذهم إليه. ثمّ تعقّب الرأى فى عيسى المتطبّب فصادره. [٤٥٨] وكان القاهر قد اعترف بوديعة أودعها إيّاه من العين والورق والطيب، فاستخرج كلّه منه. وسأل فى أمر أبى العبّاس الخصيبى فكتب له أمان وقّع الراضي فيه بخطّه وتسلّمه الوزير أبو علىّ وأنفذه فى درج رقعة [١] منه بخطّه إلى الخصيبى وخاطبه أجمل مخاطبة وظهر الخصيبى فقلّده دواوين الضياع الخاصّة والمستحدثة والعبّاسيّة والفراتيّة والمقبوضة عن أمّ موسى ونذير وشفيع اللؤللؤى وضياع المخالفين وضياع البرّ وضياع الجدّة والدة المقتدر وديوانى زمام المشرق والمغرب وأجرى عليه لنفسه سوى أرزاق كتّابه فى هذه الدواوين ألف دينار فى كلّ شهر وقلّد الراضي بدرا الخرشنى الشرطة بمدينة السلام. ولمّا تقلّد الراضي الخلافة وردت كتب أبى جعفر الكرخي وأبى يوسف كاتب السيّدة بتخلصهما من الأهواز إلى نواحي دور الراسبي هاربين من محمّد بن رائق وكان بنو البريدي يستترون فى أنهار الأهواز نهر بعد نهر. ووصل الخبر إلى ابن رائق وهو بالباسيان: أنّ القاهر خلع من الخلافة وتقلّدها الراضي بالله وأنّه قد ندب للحجبة. فرجع منكفئا إلى واسط ولم يدخل [٤٥٩] البصرة ورجع الكرخي إلى البصرة ثمّ عاد إلى غيلة [٢] بالأهواز فنظر وعمل إلى أن ضمّن ابن مقلة بنى البريدي أعمال الأهواز.

стр. 2490

ذكر ابتداء أمر أبى الحسن علىّ بن بويه الديلمي كنّا كتبنا فيما تقدّم أنّ أبا الحسن علىّ بن بويه لحق بمرداويج وهو فى حدود طبرستان فقوّده وضمّ رجالا إليه فلمّا أنفذه إلى الرىّ- وكان أخوه وشمكير بها- اتفق أنّ عامل الكرج طمع فى مالها فأنفذ علىّ بن بويه ليتلافى أمر الكرج [١] ومعه دون مائة رجل من أصحابه فأقام بها وتلفّق إليه من الأطراف ديلم فصار فى نحو ثلاثمائة رجل فأنكر مرداويج أمره وكاتبه بالانصراف فتأخّر، وروسل فتعلّل، وكان قد استخرج من مال الكرج نحو خمسمائة ألف وفوقها فى مدّة يسيرة واستوحش مرداويج وهدّده ففزع وأخذ مرداويج ووشمكير فى تدبير القبض عليه. وكان علىّ بن بويه قد استخلف بحضرة وشمكير وهو بالرىّ عند خروجه أحمد حاجبه- وهو والد أبى إسحاق الطبري الشاهد- فى هذا الوقت، فكتب إليه أحمد بما فيه مرداويج ووشمكير من الخوض فى سيّئه [٢] . وكان مرداويج قد صار إلى عند أخيه بالرىّ بهذا السبب ولتسريب الجيوش إليه فخرج من الكرج إلى إصبهان خائفا [٤٦٠] ليستأمن إلى المظفّر بن ياقوت وكان عند المظفّر بن ياقوت فى الوقت سبعمائة رجل من الديلم ووجههم فناخسره [٣] والد الحسن الديلمي الذي كان ببغداد ونظر فى الشرطة بها. فلمّا قرب من إصبهان خرج إليه المظفّر ليمنعه ومعه نحو أربعة آلاف رجل فتخاذل أصحابه ووقع بين أصحابه من الديلم خلاف. لأنّ فناخسره كان له

стр. 2491

عدوّ من الديلم يضادّه فتقاعد المولّدون أيضا وافترقت كلمتهم وانهزم المظفّر بن ياقوت إلى فارس وبها أبوه ياقوت واستأمن إلى علىّ بن بويه نحو من أربعمائة رجل من الديلم فصارت عدّته سبعمائة رجل وملك إصبهان وهو فى ثلاثمائة رجل. وبلغ الخبر مرداويج فسيّر أخاه وشمكير لطلبه فى الوقت فلمّا قرب إصبهان رحل عنها علىّ بن بويه وصار إلى أرجان وكان قد تهيّبها لحصوله بين ياقوت وهو بفارس وبين ابنه محمّد وهو برامهرمز فصوّر [١] عنده بالمهانة واضطراب الرأى والرجال. فدخل أرجان واستوطنها وكاتب ياقوت واستخرج من مال أرجان خراجا نحو ألفى ألف درهم ووصل مع ذلك إلى ودائع ونظّم أمره للمسير إلى كرمان وبها ما كان بن كاكى الديلمي ليستأمن إليه فلم يجبه ياقوت عن كتابه ولم يقبله [٤٦١] فكاتبه علىّ بن بويه وخاطبه بالإمارة والتعبّد وعرّفه أنّه يسأله أحد الأمرين: إمّا أن يقبله، أو يأذن له فى المصير إلى باب السلطان. فلمّا لم يقبله ياقوت وسار إليه مع ابنه المظفّر ليحاربه سار علىّ بن بويه إلى النوبندجان وقدّر أن تكون الحرب بها وقدّم كتبه إليه وطلب منه الأمان واستعفاه من الحرب فحذّره ياقوت وخشي أن يغتاله وكان قيل له: إنّ علىّ بن بويه يريد الحيلة عليه ليحصل بفارس ويخدعه عنها. وكان علىّ بن بويه قد حصل أيّام مقامه بكازرون وبلد سابور- وذلك عند خروجه من أرجان- نحو خمسمائة ألف دينار مع كنوز كثيرة وجدها فقويت شوكته وزاد رجاله. فلمّا صار إلى النوبندجان قام بأمره أبو طالب زيد بن علىّ وتكفّل بنفقاته فلزمه عليه فى كلّ يوم خمسمائة دينار وأقام

стр. 2492

عنده مدّة. فلمّا خرج إليه ياقوت تهيّبه هيبة شديدة وذلك أنّ جيش ياقوت كانوا سبعة عشر ألف رجل من جميع الأصناف ساجيّة وحجريّة والرجّالة المصافية وغيرهم من الديلم وأصناف العسكر وعلىّ بن بويه فى ثمانمائة رجل، فسأله أن يفرج له عن الطريق لينصرف عنه ويجتاز إلى حيث يجتاز. فمنعه [٤٦٢] ياقوت وطمع فيه لقلّة عدده ولوفور ما وصل إليه من المال. فلم يثبت له علىّ بن بويه وسار إلى البيضاء فمنعه ياقوت وواقعه على باب إصطخر يومين فكانت لياقوت فاشتدّ طمع ياقوت فيه وزاد تهيّب علىّ بن بويه وحقّق [١] عليه المسألة فى الإفراج له لينصرف عنه فامتنع عليه فلمّا كان يوم الخميس لاثنى وعشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة إثنتين وعشرين وثلاثمائة واقعه مستقتلا. فحدّثنى من شهد الوقعة من الديلم أنّه ترجّل ستّة نفر من الديلم وصفّوا تراسهم وتقدّموا زحفا واستأخر من واجههم من أصحاب ياقوت فاشتملوا وتقدّموا وحمل أبو الحسين أحمد بن بويه فى نحو ثلاثين رجلا فانهزم ياقوت وجميع من معه وذلك وقت الظهر من ذلك اليوم وانصرف إلى شيراز. فقدّر علىّ بن بويه أنّ انصرافه مكيدة منه لا هزيمة فتوقّف فى موضعه ولم يتبعه إلى وقت العصر، فلمّا صحّ عنده أنّها هزيمة سار إلى شيراز فنزل أوّل منزل قرية يقال لها: الزرقان على ستّة فراسخ من شيراز وبكّر منها يوم السبت فنزل قرية يقال لها: الدينكان، وعنده أنّ سيحارب عن البلد ويدفع عنه لأنّ الجيش الذي انهزم عنه كانوا قد انصرفوا [٤٦٣] عنه موفورين لم يحاربوه ولا وقفوا بين يديه، فنزل على فرسخ من شيراز فى مضاربه، وبلغه أنّ ياقوتا وعلىّ بن خلف بن طناب قد خرجا عن شيراز والبلد شاغر خال.

стр. 2493

فوجّه بجماعة من الديلم وأخلاط من الجند إلى شيراز للمقام بها وضبطها فبادر إليهم العامّة بشيراز مع جماعة من الرجّالة السودان ومماليك للتنّاء [١] . وكان الديلم قد تفرقوا فى الأسواق فقتلوا منهم نحو سبعين رجلا. فبلغ علىّ بن بويه ذلك ووجّه بأخيه أبى الحسين أحمد وكان إذ ذاك تسع عشرة سنة وهو أمرد وهو حينئذ صحيح اليدين وأنفذ معه ثمانين رجلا من الديلم فقتل من السودان نحو ألف رجل ونادى فى البلد ألّا يقيم فيه أحد من أصحاب ياقوت ولا من الجند وأنّ من وجد بعد النداء فقد أباح دمه وماله. فلم يبق فى البلد أحد منهم. اتفاقات عجيبة مساعدة لعلىّ بن بويه بعد دخوله شيراز وانفتاح وجوه الذخائر والودائع له ودخل علىّ بن بويه شيراز واتفقت له بها ضروب من الاتفاقات عجيبة كانت سببا لثبات ملكه. فمنها أنّ أصحابه اجتمعوا وطالبوه بالمال ونظر فإذا القدر الذي معه لا يرضيهم وأشرف أمره على الانحلال فاشتغل قلبه واغتمّ غمّا شديدا فبينا [٤٦٤] هو مفكّر قد استلقى على ظهره فى مجلس ياقوت من داره وقد خلا فيه للفكرة والتدبير، إذ رأى حيّة قد خرجت من موضع من سقف ذلك المجلس ودخلت موضعا آخر منه وخاف أن تسقط عليه وهو نائم فدعا بالفرّاشين وأمرهم بإحضار سلّم وإخراج تلك الحيّة ففعلوا. ولمّا صعدوا وبحثوا عنها، وجدوا ذلك السقف يفضى إلى غرفة بين سقفين، فعرّفوه ذلك، فأمرهم بفتحها ففتحت ووجد فيها عدّة صناديق من المال والصياغات

стр. 2494

خمسمائة ألف. فاستوى جالسا وحمل إلى بين يديه ذلك المال فسرّ به وأنفقه فى رجاله وثبت أمره بعد أن أشفى على الانحلال. وحكى أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي أنّ علىّ بن بويه أراد قطع ثياب وسأل عن خيّاط حاذق فوصف له خيّاط لياقوت فأمر بإحضاره وكان أطروشا ووقع له أنّه قد سعى به إليه فى وديعة كانت لياقوت وأنّه طلبه بهذا السبب. فلمّا خاطبه حلف أنّه ليس عنده إلّا اثنا عشر صندوقا لا يدرى ما فيها. فعجب علىّ بن بويه من جوابه ووجّه معه بمن حملها. فوجد فيها أمرا عظيما من المال والثياب. والذي كان يكتب لعلىّ بن بويه فى ذلك الوقت رجل نصراني [٤٦٥] من أهل الرىّ يعرف بأبى سعد إسرائيل بن موسى ثمّ قتله بعد مدّة بسبب سنفرد له خبرا، واستكتب مكانه أبا العبّاس أحمد بن محمّد القمّى المعروف بالحنّاط. وسفر الأمير أبو الحسن علىّ بن بويه بعد تمكّنه من البلد فى أن يقاطع السلطان عنه ويتقلّده من قبل الراضي، فأجيب إلى ذلك وقنع منه بما بذل وهو فى كلّ سنة بعد جميع المؤن والنفقات الراتبة والحادثة ثمانية آلاف ألف درهم خالصة للحمل. وكتب إلى الوزير أبى علىّ ابن مقلة يحلف له بأغلظ الأيمان على موالاة الوزير أبى علىّ ابن مقلة وابنه الحسين ومعاضدتهما وما يقال فى هذا المعنى وأكّده. فأنفذ إليه الوزير أبو علىّ بالخلع واللواء فى شوّال سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ورسم للرسول وهو أبو عيسى يحيى بن إبراهيم المالكي الكاتب ألّا يسلّم اللواء والخلع إلّا بعد أن يتسلّم المال ووقف عليه. فلمّا قرب المالكي من البلد تلقّاه علىّ بن بويه على بعد وسار معه إلى ظاهر شيراز وطالبه بأن يسلّم إليه اللواء والخلع فعرّفه ما رسم له وأنّه لا يمكنه

стр. 2495

من ذلك إلّا بعد تسلّم المال الذي ووقف عليه فخاشنه علىّ بن بويه وأرهبه [١] حتّى سلّم إليه الخلع ولبسها ودخل بها إلى شيراز وبين يديه اللواء. وأقام المالكي مدّة يطالب [٤٦٦] بالمال فلم يدفع إليه شيئا بتّة وحصل على المواعيد والمطل والتوقّف ثمّ اعتلّ المالكي ومات بشيراز وحمل تابوته إلى بغداد فى سنة ثلاث وعشرين. وانفتح لعلىّ بن بويه وجوه الذخائر والودائع ووزير [هـ] [٢] أبو سعد النصراني فضمن له بقايا مال السنة أبو الفضل العبّاس بن فسانجس وابن مرداس وأبو طالب زيد بن علىّ وغيرهم من وجوه البلد بأربعة آلاف ألف درهم، واستخرجت له الذخائر وانفتحت له كنوز وودائع عمرو بن الليث ويعقوب بن الليث وياقوت وابنه وعلىّ بن خلف ورجال السلطان وكثرت أموال علىّ بن بويه وعمرت خزائنه واستأمن إليه رجال ما كان بن كاكى من كرمان وكثر جمعه واستفحل أمره وانتهى خبره إلى مرداويج فقامت قيامته ووافى إصبهان وبها وشمكير أخوه لأنّه لمّا خلع القاهر من الخلافة وتأخّر محمّد بن ياقوت عنها وبقيت سبعة عشر يوما خالية أعاد مرداويج أخاه إليها. فلمّا استقرّ بها وورد مرداويج لتدبير علىّ بن بويه عند استعصائه عليه ردّ أخاه وشمكير إلى الرىّ لخلافته عليها. وأنفذ شيرج بن ليلى اسفهسلّاره مع حاجبه الشابشتى ومعهما ألفان وأربعمائة رجل من الجيل [٣] والديلم ووجوه القوّاد مثل بكران وإسماعيل الجبلي [٤٦٧] إلى الأهواز، وكان غرضه أن يملكها فيأخذ الطريق على علىّ بن بويه ويحجز بينه وبين السلطان حتّى إذا قصده بعد ملكه الأهواز لم يكن

стр. 2496

له منفذ إلّا إلى تخوم كرمان والتيز [١] ومكران وأرض خراسان. ولمّا نزلت عساكر الجيل ايذج خاف ياقوت أن يحصل بينهم وبين علىّ بن بويه، فوافى الأهواز ومعه ابنه وقلّده السلطان أعمال الحرب والمعاون بها وارتسم أبو عبد الله أحمد بن محمّد البريدي بكتابة ياقوت مضافة إلى ما إليه من أعمال الخراج والضياع بالأهواز وصار أخوه أبو الحسين يخلف أخاه وياقوتا بالحضرة. وحصل رجال مرداويج برامهرمز فى غرّة شوّال من سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة وصلّوا العيد بها وخطبوا لمرداويج وساروا إلى الأهواز فعسكر ياقوت بقنطرة أربق وقطعها والماء الذي تحت هذه القنطرة حاد الجرية فأقام رجال مرداويج بإزاء ياقوت أربعين يوما لا يمكنهم العبور إليه وسار ياقوت إلى بغداد على طريق دور الراسبي وسار علىّ بن خلف بن طناب فى البحر من ساحل مهروبان إلى البصرة. ورحل جيش مرداويج عن قنطرة أربق وضمن لهم طائفة من العيّارين أن يعبروا بهم نحو المسرقان بعسكر مكرم حتّى يصير الطريق بينهم وبين الأهواز جددا فعدلوا إليها. واجتمع البريدي [٤٦٨] وياقوت فتشاوروا وقرّر الرأى على إنفاذ مونس غلام ياقوت فى أربعة آلاف رجل إلى عسكر مكرم لدفعهم عن عبور المسرقان وكانا حسبا أنّ القوم بعد منازلة [٢] أربعين يوما قد ضجروا وانصرفوا وأنّهم لا يلبثون بعسكر مكرم إلّا يومين أو ثلاثة فلمّا حصلوا بها عملوا أطوافا [٣] من خشب وشاشا [٤] من قصب وعبر منهم خمسون رجلا

стр. 2497

عليها فانهزم مونس لوجهه وعاد إلى مولاه فأخبره الخبر. وكان قد ورد إليه مدد من بغداد وخيل عظيمة فرحل لوقته من قنطرة أربق بعد اجتماع الجيل إليه بيومين وصاروا بأجمعهم إلى قرية الريح وهم بالحقيقة قد حصلوا من أمرهم على الريح. وصار ياقوت ومن تبعه وهم عدّة وافرة كثيرة إلى باذاورد ومنها إلى واسط فأفرج له محمّد بن رائق عن غربيها فنزله بعسكره وعرف علىّ بن بويه حصول عسكر مرداويج بالأهواز وشرح ما جرى وتملّق لكاتب مرداويج واستصلحه وأقام الخطبة وواقفه [١] على مال وأنفذ إليه رهينة فسكن مرداويج وقلّد علىّ بن بويه أرجان بعد انصراف ياقوت وعلىّ بن خلف عنها إبراهيم بن كاسك. واستقرّت كتابة ياقوت لأبى عبد الله البريدي [٤٦٩] فورد الخبر وهو بالبصرة فى بستان المؤمّا يريد المسير فى طيّاره إلى واسط بقتل مرداويج فى الحمّام بإصبهان فأنفذ للوقت أبا عبد الله بن جنى الجرجرائى إلى الأهواز بخلافته عليها وقال له: - «اقصد ظاهر البلد بل أقم على فرسخ منه فإذا صحّ عندك خروج الجيل والديلم فادخله واثبت عند دخولك الفرسان والرجّالة فإنّى أنفذ من واسط أبا الفتح ابن أبى طاهر وأبا أحمد السجستانى فى ألف رجل لضبط البلد وكور الأهواز.» ثمّ وافى أبو علىّ غلام جوذاب كاتب البريدي فى طريق الماء وترتب ابن أبى طاهر بالأهواز وأبو أحمد السجستانى [٢] بعسكر مكرم. ووافى إبراهيم بن كاسك من أرجان إلى رامهرمز طمعا فى الأهواز لما خلت فكاتبه علىّ بن بويه بالتوقف وألّا يبرحها حتّى يمدّه بالجيش فمن قبل ورود الجيش عليه

стр. 2498

من فارس ما وافى ياقوت إلى عسكر مكرم على طريق السوس فلمّا بلغ إبراهيم بن كاسك خبره رحل من رامهرمز إلى أرجان. وكانت مع ياقوت قطعة من الديلم والأتراك والخراسانيّة فظنّ أنّهم يثبتون وأنّه مستظهر بهم ووافاه أبو عبد الله البريدي والتقيا بعسكر مكرم وأنفق فيه وفى رجاله ثلاثمائة ألف دينار على يد ابن بلوى وابن سريج [١] المنفقين وسيّرهم إلى أرجان [٤٧٠] ووافاه علىّ بن بويه وحاربه بها فانهزم ياقوت هزيمة ثانية لم يفلح بعدها ولا شدّ منها حزاما ولم ينفعه عدد العجم والديلم ولا عجب من أمر الله وتبعه علىّ بن بويه إلى رامهرمز وخيف على الأهواز منه فراسله أبو عبد الله البريدي فى الصلح فاستجاب له وكاتب الوزير أبا علىّ ابن مقلة فيما قرره من الصلح فعرضه على الراضي بالله فأمضاه فانصرف علىّ بن بويه [٢] إلى شيراز وعقدت فارس على علىّ بن بويه بما ذكرناه ونفذ إليه أبو عيسى المالكي باللواء والعهد وكان من أمره ما قدّمت ذكره. وقتل أبو الحسن علىّ بن بويه أبا سعد إسرائيل كاتبه ذكر السبب فى ذلك كان السبب فى ذلك أنّ أبا سعد كان مكينا عند علىّ بن بويه يتبرّك به ويكرّمه جدا وكان يقود الجيش وله غلمان أتراك ولبس القباء والسيف والمنطقة وكان قد حارب فى وقت ياقوتا فهزمه. فكان أبو العبّاس الحنّاط القمّى يضرّب عليه دائما ويجتهد فى إفساد رأى صاحبه فيه فلا يقبل منه وينهاه عن ذكره فلا ينتهى إلى أن قال يوما وقد أكثر عليه فى الإغراء به:

стр. 2499

- «يا هذا إنّ هذا الرجل صحبني وحالي صغيرة وقد بلغت ما ترى ولست أدرى هل [٤٧١] ما وصلت إليه بدولته أم بدولتى وليس إلى تغيير أمره طريق فإيّاك أن تعاودني فيه.» فما أغنى ذلك منه ولا انتهى عن الوقيعة فيه وثلبه. وكان بين أبى سعد هذا وبين حاجب لعلىّ بن بويه يقال له: خطلخ- وإليه مع الحجبة رئاسة الجيش- عداوة فاتفق أن دعى أبو سعد دعوة عظيمة دعا فيها علىّ بن بويه والقوّاد وأنفق فيها فى الخلع والحملان ما له قدر كثير ودعا خطلخ فلم يستجب إلى المصير إليه واجتهد به فلم يكن فيه حيلة وأصبح أبو سعد من غد يوم الدعوة فأقام على أمره ودعا من يأنس به وانتبه خطلخ من نومه وهو مغتاظ يزعم أنّه لا بدّ له من أن يركب إلى أبى سعد فيقتله لأنّه رأى فى نومه أبا سعيد يريد قتله فاجتهد به خواصّه فى أن يؤخّر ذلك فامتنع وحمل فى خفّه دشنيا وركب وقيل لأبى سعد أنّ خطلخ قد ركب على أن يجيئه فأنكر ذلك لأنّه كان دعاه فامتنع فلم يعرف لمجيئه إليه بغير استدعاء وجها، فاستعدّ ليستظهر وقال لغلمانه: - «تأهّبوا بالطبرزينات وكونوا مستترين فى المجالس حوله فإن أنكر من خطلخ أمرا صاح بهم فخرجوا ووضعوا عليه.» وحضر خطلخ فتلقّاه أبو سعد وجاء حتّى جلس [٤٧٢] وأخذ يتجنّى ويعربد إلى أن ضرب يده إلى خفّه وأخرج الدشنى فصاح أبو سعد بالغلمان فخرجوا بالدبابيس والطبرزينات ووضعوا على خطلخ ووقع فى رأسه دبّوس فدوّخه وسقط وقدّر أنّه مات وحمل إلى منزله فعاش يومين ومات. فبادر أبو العبّاس الحنّاط إلى الأمير فى الوقت فوجده نائما فقال للغلمان: - «أنبهوه» .

стр. 2500

فلم يجسروا، [١] فصاح وجلب إلى أن أنبهه ودخل إليه وقال له: - «إنّ أبا سعد قتل حاجبك خطلخ.» فلم يصدّقه وانتهره فقال: - «وجّه وانظر.» فورد عليه الخبر بصدقه فاستعظم ذلك ووجم ساعة ودخل أبو سعد فلم يظهر له أنّه أنكر شيئا ولا أنّه استوحش وسأله عن السبب فيما فعله فعرّفه الصورة واستشهد من حضر فاستصوب ما فعله. وخاف أبو سعد ووجد أبو العبّاس الحنّاط فرصته وأقبل يقول: - «هو ذا يأخذ البيعة على القوّاد وهو خارج عليك لا محالة.» فوجّه الأمير إلى أبى سعد فأنسه غاية التأنيس وحلف له أيمانا مؤكّدة على ثقته به وأنّه لا يلحقه سوء من جهته. واتّفق أن أخرج أبو سعد صناديقه من البيوت إلى صحن داره ليسترها استظهارا وخلا بموسى فياذه يشاوره [٢] فمضى الحنّاط إلى الأمير علىّ بن بويه [٤٧٣] فقال له: - «قد استحلف أبو سعيد قوّادك وآخر من استحلفه موسى فياذه وها هو قد أخرج صناديقه وهو خارج الساعة.» فوجّه بالأمير بمن عرف خبره فرأى الرسول الصناديق وموسى فياذه خارجا من عنده فعاد إليه بالخبر فلم يشكّ الأمير حينئذ فى صحّة قول الحنّاط فقبض عليه وعلى جميع ماله من سائر الأصناف واعتقله. وكان فى الاعتقال إلى أن ورد بعض قوّاد الأتراك من بعض أعمال فارس فواطأه الحنّاط على الدخول مع أصحابه وهم خمسون رجلا مخرّقى الثياب مسودّى

стр. 2501

الوجوه يضجّون بما جرى على خطلخ من أبى سعد ويتهددون إن لم يقتل أبو سعد. ففعل القائد ذلك ودخل والأمير على شرب فأمر بقتل أبى سعد ثمّ وقعت الندامة عند الصحو وبعد فوت الأمر واستكتب الأمير بعده أبا العبّاس الحنّاط وبقي معه إلى أن مات الأمير علىّ بن بويه. عود إلى ذكر الأحوال الجارية بمدينة السلام ونعود إلى ذكر الأحوال الجارية بمدينة السلام. لمّا حصل محمّد بن ياقوت بالحضرة وحصلت له الحجبة ورئاسة الجيش أدخل يده فى تدبير أعمال الخراج والضياع ونظر فيما ينظر فيه الوزراء وطالب أصحاب الدواوين بحضور مجلسه وألّا يقبلوا توقيعا بولاية [٤٧٤] ولا صرف ولا غير ذلك من سائر الأحوال إلّا بعد أن يوقّع فيه بخطّه. وتجلّد أبو علىّ واحتمل ذلك وألزم نفسه المصير إليه فإذا صار إليه دفعتين صار هو إليه دفعة واحدة فكان أبو على كالمتعطّل لا يعمل شيئا ملازما لمنزله ويجيئه أبو إسحاق القراريطى كاتب محمّد ابن ياقوت فيطالعه بما يجرى وما يعمل. وفى هذه السنة قتل هارون بن غريب الخال. ذكر السبب فى قتله كان سبب ذلك أنّه لمّا بلغ هارون بن غريب تقليد الراضي بالخلافة وكان مقيما بالدينور- وهي قصبة أعمال ماه الكوفة- وهو متقلّد أعمال المعاون بها وبما سبذان [١] ومهرجانقذق وحلوان وتدبّر أعمال الخراج والضياع بها- وهي النواحي التي كانت بقيت فى يد السلطان من نواحي المشرق بعد

стр. 2502

الذي غلب عليه مرداويج- رأى أنّه أحقّ بالدولة من كلّ أحد. فكاتب جميع القوّاد بالحضرة وأنّه إن صار إلى الحضرة وتقلّد رئاسة الجيش وتدبير الأمور أطلق لهم أرزاقهم على التمام ولم يؤخّر عنهم شيئا منها. وسار إلى بغداد حتّى وافى خانقين فغلظ ذلك على الوزير أبى علىّ ابن مقلة وعلى محمّد ابن ياقوت وعلى الحجريّة والساجيّة والمونسيّة وخاطبوا [٤٧٥] بأجمعهم فقال الراضي: - «أنا كاره له، فامنعوه من دخول الحضرة وحاربوه إن أحوج إلى ذلك.» فلمّا كان يوم السبت لسبع خلون من جمادى الآخرة استحضر أبو بكر ابن ياقوت أبا جعفر بن شيرزاد وأوصله إلى الراضي بالله حتّى حمّله رسالة إلى هارون بن غريب بأن يرجع إلى الدينور وكتب معه كتابا فنفذ من وقته ووجد هارون قد صار إلى جسر النهروان وأدّى الرسالة وأوصل الكتاب فأجاب هارون بأنّه قد انضمّ إليه من الرجال من لا يكفيهم مال عمله. وعاد أبو جعفر بالجواب وأدّاه إلى الراضي بالله بحضرة الوزير أبى علىّ والحاجب أبى بكر محمّد بن ياقوت، فبذلوا له أن يقلّدوه أعمال طريق خراسان كلّها ويكون مالها مصروفا إليه زائدا على ما يأخذه. وقال الراضي بالله: - «سبيله أن يقتصر على بعض من معه من الرجال.» فنفذ أبو جعفر ومعه أبو إسحاق القراريطى بهذا الجواب. فلمّا أدّيا إليه الرسالة امتنع وقال: - «إنّ الرجال لا يقنعون بهذه الزيادة.» ثمّ قال: - «ومن جعل ابن ياقوت أحقّ بالحجبة والرئاسة منّى؟ الناس يعلمون أنّه كان فى آخر أيّام المقتدر يجلس بين يدىّ ويمتثل أمرى. ومن جعله أخصّ

стр. 2503

بالخليفة منّى؟ وأنا نسيب أمير المؤمنين وقريبه [١] وابن ياقوت ابن غلام من غلمانه.» [٤٧٦] فقال القراريطى: - «لو كنت تراعى ما بينك وبينه من القرابة لما عصيته» فقال: «لولا أنّك رسول لأوقعت بك. قم فانصرف.» ووضع هارون يده فى الاستخراج، فاستخرج أموال طريق خراسان وقبض على عمّال السلطان وجبى المال بعسف وخبط وظلم وتهوّر وكان الوقت قريبا من الافتتاح. فلمّا اشتدّت شوكته شخص محمّد بن ياقوت من بغداد فى سائر الجيوش بالحضرة ونزل فى المضارب بنهربين بإنفاذ أبى جعفر محمّد بن شيرزاد دفعة ثانية برسالة جميلة ووعده أن يواقفه [٢] على عدّة الرجال الذين يتقرر الأمر معه على كونهم فى جملته وينظر فى جرائدهم وأرزاقهم لسنة خراجيّة. فإن وفى مال أعماله بماله ومالهم رجع إلى الدينور وإلّا سبّب له بالباقي على أعمال طساسيج النهروانات ونفذ إليه بهذه الرسالة يوم الإثنين. وقد وقعت طلائع عسكر هارون على طلائع عسكر محمّد بن ياقوت وأصحاب هارون هم المستظهرون وكثر مضىّ الجند من عسكر محمّد ابن ياقوت إلى هارون بن غريب مستأمنة إليه فتبيّن أبو جعفر من هارون أنّه اتّهمه بالميل إلى محمّد بن ياقوت وابن مقلة. فلمّا رأى منه ذلك استأذنه فى الانصراف بالجواب فقال: - «إنّى أخاف عليك [٤٧٧] منه أن يعتقلك وإنّما بيننا وبين الوقعة وانكشاف الأمر بيننا ليلة واحدة.»

стр. 2504

تزاحف العسكرين فلمّا كان فى يوم الثلاثاء لستّ بقين من جمادى الآخرة تزاحف العسكران وكان المبدأ من أصحاب هارون واشتدّ القتال واستظهر أصحاب هارون لأنّ عددهم أضعاف عدد ابن ياقوت وانهزم أكثر أصحاب ابن ياقوت وقطعة من الغلمان الحجريّة ونهب أصحاب هارون أكثر سواد ابن ياقوت ونكّسوهم عن دوابّهم وأثخنوا فيهم الجراحات وقتلوا منهم عدّة. فركب حينئذ محمّد بن ياقوت وسار حتّى عبر قنطرة نهربين ولم تزل الحرب غليظة إلى أن قارب انتصاف النهار وركب هارون بن غريب مبادرا وسار منفردا عن أصحابه على شاطئ نهربين يريد قنطرته لمّا بلغه أنّ ابن ياقوت قد عبر القنطرة وقدّر أنّه يقتله أو يأسره فتقطّر به فرسه فسقط منه فى ساقيه فلحقه يمن غلامه فضربه حتّى أثخنه بالطبرزينات ثمّ سلّ سيفه ليذبحه فقال له هارون: - «يا عبد السوء أنت تفعل هذا وتتولى بيدك [١] قتلى أىّ شيء أذنبت به إليك؟» فقال له: - «نعم أنا أفعل بك هذا.» وحزّ رأسه ورفعه وكبّر، فتبدّد رجال هارون ودخل بعضهم من طرق آخر إلى بغداد ونهب سواد هارون وأصحابه وأسر قوم. [٤٧٨] وسار محمّد بن ياقوت إلى موضع جثة هارون فأمر بحملها إلى مضربه فحملت وأمر بتكفينه ودفنه وأنفذ بمن يحفظ دار هارون من النهب ودخل بغداد وبين يديه رأس هارون وعدّة من قوّاده. فأمر الراضي بنصب الرؤوس على باب العامّة وخلع على ابن ياقوت وطوّق وسوّر.

стр. 2505

ودخلت سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة تقليد الراضي ابنيه المشرق والمغرب وفيها قلّد الراضي ابنيه الأمير أبا جعفر وأبا الفضل المشرق والمغرب واستكتب لهما أبا الحسين علىّ بن أبى علىّ ابن مقلة وخلع على أبى الحسين لذلك يوم الإثنين لخمس خلون من المحرّم واستخلف أبو الحسين على كتابتهما أبا الحسن سعيد بن عمرو بن سنجلا وكتبت به الكتب. قتل مرداويج فى الحمّام بإصبهان وفيها ورد الخبر بغداد بأنّ غلمان مرداويج بن زيار الجبلي قتلوه فى الحمّام بإصبهان فتبجّح محمّد بن ياقوت وزعم أنّ التدبير فى ذلك كان له وأنّه كاتب غلاما كان له واستأمن إلى مرداويج بضعة عشر كتابا مع فيوج ذكرهم وسمّاهم من حيث لا يعلم أحد وأظهر كتبا من الغلام إليه فى هذا المعنى وأنشأ كتبا قرئ بعضها فى المسجد الجامع بهذا الخبر والشرح وكتب إلى أصحاب الأطراف وأعلمهم [٤٧٩] أنّ التدبير كان له وكلّ ذلك كذب فإنّا سمعنا من شرح الصورة ما اقتضاه الأمر من أوّله إلى آخره ما نعلم أنّه لم يكن من تدبير بشرىّ. ذكر السبب فى قتل مرداويج وذكر ليلة الوقود المعروفة بالسّذق قال الأستاذ أبو علىّ أحمد بن محمّد مسكويه [١] أدام الله نعمته: حدّثنى

стр. 2506

الأستاذ الرئيس حقّا أبو الفضل ابن العميد ﵀ أنّه لمّا حضرت ليلة الوقود التي تعرف بالسّذق كان تقدّم [١] مرداويج قبل ذلك بمدّة طويلة أن تجمع له الأحطاب من الجبال والنواحي البعيدة وأن ينقل له فى الوادي المعروف روذ وما قرب من الغياض والمحتطب. فكان يجمع ذلك من كلّ وجه وأمر بجمع النفط والنفّاطين والزرّاقات ومن يحسن معالجتها واللعب بها وتقدّم بإعداد الشموع العظام المجلّسة ولم يبق جبل مشرف على جرين إصبهان ولا تلّ ظاهر إلّا عبّئت عليه الأحطاب والشوك وعمل على مسافة بعيدة من مجلسه بحيث لا يمكن أن يتأذّى بالوقود كهيئة قصور عظيمة من الأجذاع وضبّبت [٢] بالحديد الكثير حتّى تماسكت وحشيت بالشوك والقصب وصيدت له الغربان والحدأ وعلّق [٤٨٠] بمناقرها وأرجلها الجوز المحشوّ مشاقة ونفطا وعمل بمجلسه الخاصّ تماثيل من الشمع وأساطين عظام منه لم ير مثلها ليكون الوقود فى ساعة واحدة على الجبال ورؤوس اليفاعات وفى الصحراء وفى المجلس على الطيور التي تطلق. ثمّ عمل له سماط عظيم فى الصحراء التي يبرز إليها من داره وجمع فيه من الحيوانات والبقر والغنم ألوف كثيرة وزيّن واحتشد له بما لم تجر العادة بمثله فلمّا فرغ من جميع ذلك وضربت مضاربه قريبا من السماط وحضر الوقت الذي ينبغي أن يجلس فيه مع القوم للطعام ثمّ للشرب خرج من منزله وطاف على سماطه وعلى الآلات التي ذكرتها للوقود فاستحقرها كلّها واستصغر شأنها وذلك [٣] لأجل سعة الصحراء ولأنّ البصر إذا امتدّ فى فضاء واسع ثمّ انقلب عنه إلى هذه الأشياء المصنوعة استحقرها وإن كانت عظيمة.

стр. 2507

فاغتاظ وتداخله من النخوة والجبريّة ما سكت معه ولم يتكلّم بحرف ودخل إلى خركاه فى خيمة عظيمة واضطجع ثمّ حوّل وجهه إلى خلاف الباب والتفّ بكسائه لئلّا يكلّمه أحد. واجتمع الأمراء والكبار والقوّاد وسائر الجند والنظّارة ولم يجسر على خطابه أحد ولا على [٤٨١] تحريكه وأبطأ على الناس خروجه حتّى فات الوقت. وأخذ الناس فى الإرجاف به فتحدّثوا سرّا وهمسا وخيفت الفتنة. فحينئذ مشى العميد حول الخركاه ودمدم بكلامه المقتضى للجواب فلم يتكلّم بحرف ولم يزل يدارى فى الكلام ويدعو له إلى أن اضطرّه إلى الجلوس ثمّ دخل إليه فقال: - «أيّها الأمير ما هذا الكسل فى وقت النشاط وحضور الأولياء وفرح الصديق وانخزال العدوّ؟» فقال: «يا أبا عبد الله وأىّ نشاط يحضرني مع الاستخفاف والاستهانة وقصور الأمر؟ والله لقد افتضحت فضيحة لا يغسلها عنّى شيء أبدا.» قال [العميد] [١] : ودهشت ساعة ثمّ قلت: - «أيّها الأمير وما ذلك؟» فقال: «أما ترى نزارة ما أمرت به من الاستكثار منه وقلّته ووتاحته [٢] من الطعام والسماط [٣] ثمّ من جميع آلات الوقود والأشياء المتصلة بها.» فقلت: «والله أيّها الأمير لقد عمل من هذه الأشياء ما لم يسمع بمثله فضلا عن أن يرى، فقم إلى مجلس أنسك وعاود النظر.»

стр. 2508

فأبى ولجّ إلى أن قلت: - «فإنّ الأعداء يرجفون بكيت وكيت، فاتقّ الله اركب وطف طوفة لتزول الأراجيف ثمّ اعمل ما بدا لك فإنّا سنعتذر عنك.» فزاده ما حكيته له من [٤٨٢] أراجيف الناس به غيظا وحنقا. ثمّ قام فركب كارها متحاملا وطاف مغضبا مغتاظا بقدر ما رآه الناس وانصرف إلى موضعه ولزم حالته الأولى وجمع الناس الذين دعوا على خبط [١] فأبى أكثرهم وانصرف من كان حاضرا وقالوا: - «لا نأنس [٢] إلّا يأنس الأمير.» وبقي فى معسكره ثلاثا لا يظهر ولا يرى إلّا أنّه يعلم أنّه حاصل فى قصر أبى علىّ ابن رستم، فلمّا كان اليوم الثالث تقدّم بإسراج الدوابّ ليعود من جرين إلى داره وهي التي كانت لأبى علىّ ابن رستم بالمدينة ولها باب إلى الصحراء وباب إلى المدينة. فأسرج الغلمان واجتمعوا بالباب وذلك بعد الظهر فنعس نعسة ونام فأبطأ ودخل وقت العصر واتفق أن شغبت دوابّ الغلمان وارتفعت أصواتها وأصوات من يزجرها ولم يمكن أن يفرّق بينها لازدحامها بالباب ولأنّ أكثرها بأيدي غلمان الغلمان. [٣] ينتظرون ركوب الأمير فركب الغلمان بركوبه. فانتبه مرداويج مذعورا لما كان فى نفسه من إقدام الناس عليه بالأراجيف وسأل من يليه عن السبب فلم يعرفوا صورة الأمر. فقام بنفسه واطّلع على الدوابّ والشاكريّة وإذا هم بأسرهم يصيحون لزجر الدوابّ والدوابّ قد سقط بعضها على بعض ولها [٤٨٣] أصوات هائلة منكرة فارتاع

стр. 2509

ساعة حتّى عرف حقيقة الأمر. ثمّ سكن فسأل عن أصحاب الدوابّ فقيل: هم الغلمان الأتراك. فأمر أن تحطّ السروج عن ظهور الدوابّ وتجعل على ظهور الغلمان مع جميع آلتها ويدفع الدوابّ بأرسانها إليهم ليقودوها بأنفسهم إلى الاصطبلات. ففعلوا ذلك وكانت صورة قبيحة يتطيّر من مثلها ويتشاءم بها. ثمّ ركب هو بنفسه مع خاصّته وهو يتوعّد الغلمان حتّى صار إلى منزله قرب العشاء وكانت طشّة من مطرة بلّته. فلمّا دخل داره كانت كالخالية ليس فيها إلّا صبيان أصاغر [١] وخادم أسود كان أستاذ أولئك الغلمان. فدخل الحمّام يغيّر ثيابه وقد كان قبل ذلك بطش بغلمان أتراك كبار فحقدوه ولكن لم يكونوا يجدون أعوانا. فلمّا فعل بالجماعة ما فعل اغتنموا الصورة وانتهزوا الفرصة وقال بعضهم لبعض: - «ما وجه صبرنا على هذا الشيطان؟» فاتفقوا على الفتك به. ولمّا دخل الحمّام سألوا الغلام الذي يلي خدمته فى الحمّام ألّا يحمل معه سلاحه- وكان رسمه أن يدخل معه إلى الحمّام دشنيّا ملفوفا فى منديل- فقال الغلام: - «لا أجسر أن أتقدّم بين يديه وليس معى الدشنىّ. فاتفقوا على أن يكسروا حديدته [٤٨٤] ويتركوا النصاب فى الجفن ثمّ يلفّ فى المنديل حتّى لا ينكر الصورة ويتركه فى زاوية الحمّام على الرسم. ثمّ هجم عليه جماعة والخادم الأسود جالس على كرسىّ بباب الحمّام. فلمّا رآهم ثار فى وجوههم وصاح بهم فضربه بعضهم بسيفه فاتقاه بيده فطاحت من الذراع وسقط، وهجم القوم وارتفعت الضجّة فأحسّ مرداويج بالشرّ فبادر فسند [٢]

стр. 2510

الباب من داخل بسرير- وكان يجلس عليه- بعد أن طلب الدشنىّ فلم يجده ودفع الغلمان الباب فتعذّر عليهم فصعد نفر منهم إلى قبّة الحمّام فكسر الجامات ورموه بالنشّاب فدخل البيت الحار وأخذ فى مداراتهم وضمن لهم كل جميل فكأنّهم تهيّبوه ساعة ثمّ علموا أنّ الغاية التي بلغوها منه ليس يجوز أن يكون بعدها صلح. فحمل بعضهم على ناحية الباب الذي وراءه السرير حتّى كسروه ودخلوا عليه، فشقّ بعضهم جوفه بسكين معه وضرب هو وجه بعضهم بكرنيب فضّة فى يده فأثّر فيه أثرا قبيحا وخرجوا من عنده وعندهم أنّه قد فرغوا منه. فقال لهم رفقاؤهم الذين كانوا خارج الحمّام: - «ما صنعتم؟» قالوا:- «شققنا جوفه.» فقال أحدهم: - «عودوا إليه [٤٨٥] فحزّوا رأسه.» وإنّما فعلوا ذلك لأنّه كان اتّفق فى تلك الأيّام أنّ بعض الفرّاشين فى الدار شقّ بطنه بجراحة فخيط الجرح وعولج فسلم فخافوا أن يجرى ذلك المجرى فحزّوا رأسه. وقيل: إنّه لمّا عاودوه قد جمع حشوة بطنه وردّها وقبض عليها بشماله وقاتل بكرنيبه ساعة حتّى فرغ منه. فلمّا طرحوا رأسه فى الدار بادروا إلى الإصطبلات فأسرجوا الدوابّ وأوكفوا البغال واحتملوا من الخزائن ما أمكنهم من المال والسلاح ورحلوا. وفى خلال ذلك تهيّأ لبعض من فى الدار تسوّر الحيطان، فدخلوا المدينة وقد جنّهم [١] الليل، فخبّروا الجند والقوّاد بما جرى وهم سكارى متفرقون

стр. 2511

واجتمع بعضهم وأوقدوا النيران وضربوا بالبوقات وأسرجوا الدوابّ وأخذوا السلاح وساروا إلى الصحراء لينقلبوا إلى الباب الذي منه المدخل فإلى أن يفعلوا ذلك فاتهم الغلمان ولم يجدوا غير غليمة أصاغر لا ذنب لهم فقتلوا منهم عدّة ثمّ كفّوا عنهم. وخشي أهل الرأى من حشمه أن تنتهب الخزائن. فأشار العميد بإحراقها وهدم البنيان عليها فسلم [٤٨٦] المال وأكثر الذخائر لأنّ المتهمين حضروا والنار والدخان ثائره فى الموضع فلم يصلوا إلى شيء. هروب ركن الدولة وكان ركن الدولة أبو علىّ الحسن بن بويه رهينة عند مرداويج من جهة أخيه علىّ بن بويه عماد الدولة. فلمّا أحسّ بالصورة دارى الموكلين به وضمن لهم ضمانات كثيرة فساعدوه حتّى هرب بعد ليلة من قتل مرداويج. اتّفاق عجيب اتّفق له فى هربه لمّا خرج بقيوده إلى الصحراء وجلس ليكسرها أقبلت بغال عليها تبن وعليها أصحابه فنكسهم وركب هو ومن معه البغال وحثّها حتّى سلم وفات الطلب. افتراق الأتراك فرقتين فأمّا الأتراك فافترقوا فرقتين: أمّا فرقة فسلكوا نحو فارس مستأمنين إلى علىّ بن بويه وفيهم خجخج الذي سملة توزون لمّا ملك العراق. وأمّا فرقة فسلكت الجبل وهي الأكثر عددا وفيهم بجكم الذي ملك الأمر بالعراق وتقلّد إمارة الأمراء بها فى أيّام الراضي وسنذكر من أخباره ما يليق بهذا الكتاب.

стр. 2512

ما كان من أمر أصحاب مرداويج فأمّا ما جرى عليه أمر أصحاب مرداويج فانّ أبا مخلد كان يتحدّث- وكان من خدم مرداويج وصاحب دولته- أنّ تابوت مرداويج حمل إلى الرىّ. وقال: [٤٨٧] فما رأيت يوما أعظم من اليوم الذي دخل فيه تابوته الرىّ وذاك أنّ الجيل والديلم بأجمعهم ساروا مشاة حفاة معه أربعة فراسخ. وذكر أنّه كان أخوه وشمكير ماشيا معهم ثمّ مضوا من إصبهان على بكرة [١] أبيهم معه إلى الرىّ وكان الناس لا يشكون أنّهم يستأمنون إلى علىّ بن بويه فبطل هذا الظنّ وقال: - «لم أر قطّ عسكرا هلك صاحبه فوفى له رجاله وجنده بغير درهم ولا دينار ذلك الوفاء فإنّهم صاروا إلى أخيه وشمكير على هذه الحال.» وعرف شيرج أن إصبهان خالية- وكان بالأهواز من قبله- فسار للوقت إلى عسكر مكرم وستر الخبر وكان بها هرجام الجيلىّ فأسرّ إليه بالخبر وأخذه معه ثمّ سار إلى تستر وبها جيلىّ وكان وجها كبيرا فحدّثه وأخذه معه وقصد جنديسابور وبها إسماعيل الجيلي وكلّ واحد من هؤلاء نظير لشيرج، فأطلعه على الأمر وسار بمسيره فصارت الجماعة إلى السوس وبها عبد الله بن وهبان القصباني البصري عامل كور الأهواز من قبل مرداويج والشابشتى الحاجب وكان ثقة مرداويج وكان رتّبهم مرداويج على ما ذكر أبو مخلد على أن يتوجّه [٤٨٨] شيرج إلى واسط ثمّ إلى بغداد وكان مرداويج ينتظر خروج الشتاء فى سنة ثلاث وعشرين فيقصد أرجان أوّلا ثمّ يناجز علىّ بن بويه. فإذا فرغ منه عدل إلى الأهواز ثمّ منها إلى السوس وينفذ معظم خيله إلى

стр. 2513

شيرج ليتقدّمه إلى واسط. نوايا مرداويج وكان فى نفسه أن يملك بغداد ويعقد التاج على رأسه ويعيد ملك الفرس فعوجل بالقتل. فسار عسكره كلّه كما ذكرنا مع شيرج والشابشتى وابن وهبان من السوس إلى الرىّ على طريق شابرخواست والكرج يريدون وشمكير أخاه ما عارضهم معارض ولا أقدم أحد على منابذتهم والإفساد عليهم. ولمّا حصلوا بها بايعوه واستوزر وشمكير ابن وهبان وشكر له حسن تصرّفه لأخيه بالأهواز. وكان مرداويج يوم قلّده الأهواز أرزقه ألفى دينار فى الشهر وقال له: - «إن نصحت وأدّيت الأمانة استوزرتك بالحضرة ونصّبت الرايات بين يديك إلى باب نصيبين، وإن خنتني وشرهت نفسك فإنّ كركرتك كبيرة ومعدتك عظيمة والحلاوات بالأهواز كثيرة فهذا دشنى ترى انبساطه وحدّه والله لاشقنّ به بطنك هذه [٤٨٩] الكبيرة.» فقال له: - «ستعلم أيّها الأمير كيف أنصح وأؤدّى الأمانة وأنّى مستحقّ لاصطناعك.» وكان هذا الرجل من أهل البصرة وله أب قصبانى وإنّما تقلّد فى أيّام ابن الخال همذان. فلمّا انهزم ابن الخال من وقعة مرداويج وقصد الحضرة لانتزاع الرئاسة من محمّد بن ياقوت وجرى عليه ما جرى حصل مرداويج بهمذان ووقع فى يده ابن وهبان فعفا عنه واستعمله فنفق عليه. وكانت كتب مرداويج ترد على ابن وهبان أن يعدّ له ايوان كسرى منزلا إذا تقدّمه إلى الحضرة ويعمّره ويعيده كهيئته قبل الإسلام وأنّه معتقد للمقام

стр. 2514

بواسط إلى أن يستتمّ ذلك وأنّه يراه وشيرج مع من معهما أكفاء لمن بالحضرة من ابن ياقوت والحجريّة والساجيّة وسائر الأصناف وأنّه مستغن عن أن يلقاهم بنفسه. وكان قد صاغ تاجا عظيما ورصّعه بالجوهر. وذكر أبو مخلد أنّه رآه قبل الحادثة بأيّام جالسا على سرير ذهب قد جعل عليه منصّة عظيمة وتفرّد بالجلوس عليه وجعل دونه سرير فضّة وعليه فرش مبسوط ودون ذلك كراسي كبار مذهّبة [٤٩٠] وغير ذلك ليرتّب أصحاب الأقدار [١] مراتبهم فى الإجلاس. قال: وكان الكافّة من الناس بالبعد قياما ينظرون إليه ما ينطقون إلّا همسا إعظاما له وإكبارا لقدره. وفيها وقع بين أصحاب ياقوت ومحمّد بن رائق شرّ فاقتتلوا وقتل بينهم خلق. وفيها قبض على المظفّر ومحمّد ابنىّ ياقوت بتدبير أبى علىّ بن مقلة ذكر السبب فى ذلك كان السبب فى ذلك أنّ أبا علىّ كان قلقا من غلبة محمّد بن ياقوت على سير الأمور ونظره فى جباية الأموال وحضور أصحاب الدواوين مجلسه وتفرّده بما يعمله الوزراء وعطلته هو، إلى أن تمّ تدبيره عليه. فلمّا كان يوم الإثنين لستّ خلون من جمادى الأولى ركب القوّاد إلى دار السلطان على رسمهم فى أيّام المواكب وحضر الوزير أبو علىّ ابن مقلة وأظهر الراضي أنّه يريد أن يقلّد جماعة من القوّاد عدّة نواح من المملكة ويخلع عليهم. وحضر

стр. 2515

محمّد بن ياقوت للخدمة وأبو إسحاق القراريطى كاتبه معه وجلسوا على رسمهم فى الصحن التسعينى. ثمّ خرج الخدم إلى محمّد بن ياقوت فعرّفوه أنّ الخليفة يطلبه فقام مبادرا. [٤٩١] فلمّا دخل عدل به إلى حجرة قد أعدّت له وأخذ سيفه ومنطقته ووكّل به. ثمّ خرج الخدم إلى أبى إسحاق القراريطى فعرّفوه أنّ صاحبه يطلبه. فلمّا دخل عدل به إلى حجرة أخرى وحبس [١] . ووجّه بقوم إلى دار المظفّر بن ياقوت فقبض عليه وحمل إلى دار السلطان وحبس مع أخيه وكان وجد قريبا من السكر لأنّه كان يشرب ونفذت حيلة الوزير أبى علىّ عليهم وتقدّم إلى الغلمان الحجريّة والساجيّة أن يصيروا إلى دار السلطان وأن يضربوا مضاربهم فى بابى الخاصّة والعامّة ليحفظوا الدار وأمر مفلح الأسود أن يصير إلى دار محمّد بن ياقوت.. [٢] وخلع عليه وسلّم القراريطى إلى الوزير أبى علىّ فأخذ خطّه بخمسمائة ألف دينار ثمّ تقرّر أمره على ثلاثة آلاف ألف درهم. وانحدر ياقوت من واسط إلى السوس بجميع أصحابه وكتب إلى الراضي بالله كتابا فى أمر ابنيه يستعطفه فيه لهما ويرقّق قلبه عليهما ويسأله الإحسان إليهما وتجديد الصنيعة عندهما وعنده فيهما وأن يلحقهما ليعاوناه على أمره ويكونان [٣] معه فى حروبه. ولمّا زال أمر محمّد بن ياقوت وتفرّد أبو علىّ بالتدبير استخلف ابنه أبا الحسين [٤٩٢] على جميع الدواوين والأعمال وصارت مكاتبة جميع أصحاب الدواوين له وإنفاذهم الأعمال إليه. فصار يعزل ويولّى ويحلّ ويعقد وصار إليه أبو عبد الله أحمد بن على الكوفي وطرح نفسه عليه وارتسم

стр. 2516

بكتابته وكان يكتب لأبى إسحاق القراريطى وكان مستوليا عليه فقبله أبو علىّ واختصّ به وبابنه. وشغب الجند وطالبوا بأرزاقهم وصاروا إلى دار الوزير أبى علىّ ونهبوا اصطبلاته وأخذوا من بابه من كان فى مجلسه ونكسوا جماعة ممّن لقيهم من الكتّاب عن دوابّهم وأخذوها منهم فأطلق لهم أرزاقهم وسكنوا. وفيها قوى أمر أبى عبد الله البريدي واستفحل أمره ذكر أسباب ذلك كان أبو عبد الله البريدي ضامنا أعمال الخراج والضياع بالأهواز. فلمّا وافاها شيرج بن ليلى الديلمي من قبل مرداويج خرج إلى البصرة بعد هزيمة ياقوت وغلامه مونس كما كتبناه قبل وأقام يدبّر أسافل الأهواز إلى أن قرر له محمّد كتابة ابنه. فخرج معه إلى واسط فبينا هو معه يدبّر أمره إذ ورد [الخبر] [١] بالقبض [٤٩٣] على محمّد والمظفّر ابني ياقوت فارتاع ياقوت من ذلك ارتياعا شديدا. وكتب أبو علىّ ابن مقلة إلى أبى عبد الله البريدي: أن يسكّنه ويعرّفه أنّ الجند اضطربوا وتطيّروا [٢] لهما وشغبوا مرارا كما بلغك. ثمّ أرسلوا للخليفة بأنّه إن لم يقبض عليهما أحدثوا فى الملك حادثة عظيمة واضطرّ إلى أن يرضيهم بما أمضاه فيهما وأنّه يتلافى أمرهما عن قرب وينفذهما إليه وأنّ الرأى أن يبادر هو لفتح فارس. فخرج ياقوت من واسط على طريق السوس إلى عسكر مكرم وأخرج أبو عبد الله البريدي معه أبا الحسن ابن حميد البصري ليخلفه على كتابته وكان

стр. 2517

صنيعته وأخرج أبا زكريا يحيى بن سعيد السوسي لخدمته فى بلده، فدخل ياقوت عسكر مكرم وهما معه. ثمّ وافى أبو عبد الله البريدي من طريق الماء إلى الأهواز وورد بعده أبو يوسف أخوه وكان إليه السوس وجنديسابور شركة بينه وبين أخيه أبى الحسين. وادّعيا أنّ مال سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة احتمله شيرج بن ليلى وأنّ النواحي معطّلة الارتفاع فى السنة التي بعدها فأنفذ أبو علىّ ابن مقلة ابن عينويه [١] لكشف ذلك [٤٩٤] وطابقهما وكتب يصدّقهما. فكانت هذه الفتنة نعمة على أبى عبد الله وأبى يوسف البريديين فإنّه تحصّل لهما بها وممّا بعدها إلى وقت انهزامهما من الأهواز على ما حدّث به أبو الفرج ابن أبى هشام أربعة آلاف ألف دينار خرجا بها على السلطان ثمّ قصدا عسكر مكرم للاجتماع مع ياقوت فوافياها وتلقاهما فى الموضع المعروف بفوهة النهرين وسيّراه إلى أرجان لفتح فارس. خروج توقيع من الراضي بالله وفيها خرج توقيع الراضي بالله بأن تكون المخاطبة والمكاتبة من جميع الناس لأبى الحسين علىّ بن محمّد بن مقلة بالوزارة وكان سنّة إذ ذاك ثماني عشرة سنة وأن يكون الناظر فى الأمور صغيرها وكبيرها وتقدّم إلى جميع أصحاب الدواوين بذلك وخلع على أبى الحسين خلع الوزارة وخوطب بها وحمل على شهري وانصرف من دار السلطان على الظهر ومعه القوّاد والجيش والخدم وأصحاب الدواوين. وانصرف أبو علىّ فى طيّاره إلى منزله وصار إليه ابنه بالخلع وطرح له

стр. 2518

مصلّى فى مجلس أبيه ودخل الناس معه وهنّئوا أبا علىّ وأنشده الشعراء وأمر أبو الحسين ونهى ووقع [٤٩٥] وصار طرح المصلّى فى مجلس أبيه رسما له. وخرج رسم أبيه إلى جميع أصحاب الدواوين ألّا ينفذوا توقيعا له إلّا بعد عرضهم إيّاه على ابنه أبى الحسين واستيماره فيه وأخذ توقيعه بخطّه فيه بامتثاله. وشغب الفرسان شغبا بعد شغب وكانوا يأخذون دوابّ الناس من باب الوزير. وفيها ركب بدر الخرشنى فنادى فى جانبي بغداد فى أصحاب أبى محمّد البربهارى الحنبليّة ألّا يجتمع منهم نفسان فى موضع واحد وحبس جماعة منهم واستتر البربهارى وكان سبب ذلك كثرة تشرّطهم على الناس وإيقاعهم الفتن المتصلة. وخرج توقيع الراضي بالله إلى الحنبليين بما نسخته: - «بسم الله الرحمن الرحيم. من نافق بإظهار الدين وتوثّب على المسلمين وأكل به أموال المعاهدين كان قريبا من سخط ربّ العالمين وغضب الله وهو من الضالين. وقد تأمّل أمير المؤمنين أمر جماعتكم وكشفت له الخبرة عن مذهب صاحبكم [فوجده كإبليس اللعين ي] [١] زيّن [٢] لحزبه المحظور ويدلّى لهم حبل الغرور. فمن ذلك: تشاغلكم بالكلام فى ربّ العزّة تباركت أسماؤه وفى نبيّه والعرش [٤٩٦] والكرسىّ، وطعنكم

стр. 2519

على خيار الأمّة ونسبكم شيعة أهل بيت رسول الله ﷺ إلى الكفر والضلال، وإرصادهم بالمكاره فى الطرقات والمحالّ، ثمّ استدعاؤكم المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة، والمذاهب الفاجرة التي لا يشهد بها القرآن، ولا يقتضيها فرائض الرحمن، وإنكاركم زيارة قبور الأئمة صلوات الله عليهم، وتشنيعكم على زوّارها بالابتداع، وإنّكم مع إنكاركم ذلك تتلفّقون وتجتمعون لقصد رجل من العوامّ ليس بذي شرف ولا نسب ولا سبب برسول الله ﷺ ، وتأمرون بزيارة قبره والخشوع لدى تربته والتضرّع عند حفرته. - «فلعن الله ربّا [١] حملكم على هذه المنكرات ما أرداه [٢] ، وشيطانا زيّنها لكم ما أغراه، وأمير المؤمنين يقسم الله قسما جهد أليّة يلزمه الوفاء به، لئن لم تنصرفوا عن مذموم مذهبكم ومعوّج طريقتكم ليوسعنّكم ضربا وتشريدا وقتلا وتبديدا وليستعملنّ السيف فى رقابكم، والنار فى محالّكم ومنازلكم فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فقد [٤٩٧] أعذر من أنذر، وما توفيق أمير المؤمنين إلّا بالله، عليه يتوكّل وإليه ينيب.» شغب الجند وفيها شغب الجند وصاروا إلى دار الوزير فوقع النهب فى خزانة له فيها

стр. 2520

زجاج مخروط وبلور وصينى وغير ذلك فدخلوا الدار وشغبوا فيها وخرج الوزيران عن دورهما وصارا إلى الجانب الغربي. وكان الوزير أبو علىّ نفى الخصيبى وسليمان بن الحسن إلى عمان وكاتب صاحب عمان بحبسهما والتضييق عليهما فأطلقهما ووردا بغداد مستترين فورد على الوزير من ذلك ما أقلقه وكبس عليهما عدّة مواضع فلم يظفر بهما. خروج ابن مقلة إلى الموصل وفيها قتل الحسن بن عبد الله بن حمدان عمّه أبا العلاء سعيد بن حمدان وخرج لذلك أبو علىّ ابن مقلة إلى الموصل. ذكر السبب فى ذلك كان أبو العلاء شرع فى تضمّن الموصل وديار ربيعة فضمّن ذلك سرّا وخلع عليه وأظهر أنّه ينفذ [١] إلى الموصل لمواقفة ابن أخيه أبى محمّد على ما عليه من مال الضمان ومطالبته بحمله وشخص فى نحو خمسين غلاما من غلمانه. فدخل الموصل وعرف ابن أخيه خبر موافاته [٤٩٨] فخرج نحوه مظهرا لتلقّيه واعتمد أن يخالفه الطريق فلا يراه ومضى أبو العلاء إلى دار أبى محمّد فنزلها وسأل عن خبره فعرّف أنّه خرج ليتلقّاه فجلس ينتظره. فلمّا علم أبو محمّد أنّ عمّه قد حصل فى داره وجّه بغلمانه فدخلوا إلى أبى العلاء إلى البيت الذي كان فيه فقبضوا عليه وقيّدوه. ثمّ وجّه بقوم علوه بأسيافهم وقتلوه ولم يقع بينه وبين ابن أخيه لقاء. وورد الخبر بذلك إلى الراضي فأنكره وتقدّم إلى الوزير أبى علىّ بالتأهّب

стр. 2521

للخروج إلى الموصل والإيقاع بالحسن بن عبد الله بن حمدان والنائب عنه بالحضرة. فذكر أنّ علىّ بن عيسى كتب إلى الحسن بن عبد الله بن حمدان بخطّه عن أمير المؤمنين الراضي بالله بالانفراج عن ضمانه وألّا يحمل شيئا إلى الحضرة من ماله وأن يمنع من حمل الميرة إلى بغداد فأخذ أبو علىّ ابن مقلة خطّة بذلك وأحضر جماعة من الشهود حتّى شهدوا عليه. وسلّم الوزير الكتاب إلى ابن سنجلا ليعرضه على الراضي بالله. فلمّا كان من غد وهو يوم الأربعاء انحدر الوزير أبو علىّ إلى دار السلطان وانصرف إلى منزله. فوجّه الراضي براغب وبشرى خادميه إلى علىّ بن عيسى فحملاه إلى الوزير [٤٩٩] أبى علىّ فلم يوصله إليه واعتقله فى حجرة من داره وراسله علىّ بن أحمد بن علىّ النوبختي وعرّفه ما أشهد به سهل بن هاشم على نفسه وأنّ الخليفة أنكر فعله. وما زالت المراسلات تتردد بينهما إلى أن ألزمه أبو علىّ مصادرة خمسين ألف دينار على أن يجعل فى باب أبى جعفر بن شيرزاد صاحب ديوان النفقات للأتراك عشرة آلاف دينار وتؤخذ منه عقار وضياع بعشرة آلاف دينار فالتزم أبو الحسن ذلك. فيقال: إنّ طليبا [١] الهاشمي كان قال لعلىّ بن عيسى عن الراضي بالله أن يكاتب الحسن بن عبد الله عنه ويتوسّط بينهما على أن يحمل إليه سرّا سبعين ألف دينار فى نجوم، وشرط عليه الحسين أن يحميه ويمنع منه ومن تشعيث أمره ويقرّه على ضمانه ولا يقبل زيادة عليه فحمل بعض تلك النجوم وأخّر باقيها وأنكر الخليفة كلّ ما جرى فى هذا الباب وذكر أنّه لم يصل إليه شيء. وأخرج مضرب الوزير أبى علىّ وخرج على مقدمته نقيط الصغير وابن بدر الشرابي وجماعة من الحجريّة وغيرهم وخلّف ابنه الوزير أبا الحسين

стр. 2522

بالحضرة فى خدمة السلطان وتدبير الأمور. وقبل شخوصه أطلق [٥٠٠] أبا الحسن علىّ بن عيسى وأخرجه إلى ضيعته بالصافية وأحلفه على أنّه لا يسعى فى مكروهه ولا يتكلّم فيه بما يقدح فى حاله ولا فيما يفسد أمره ولا يسعى فى الوزارة لنفسه ولا لغيره من سائر الناس. فحلف وخرج من وقته إلى الصافية. ولمّا قرب الوزير أبو علىّ من الموصل رحل عنها أبو محمّد وتبعه الوزير إلى أن صعد جبل التنين ودخل بلد الزوزان فعاد حينئذ أبو علىّ إلى الموصل وأقام بها يستخرج مال البلد ويستسلف من التجّار المجهزين للدقيق مالا على أن يطلق لهم به غلّات البلد فاجتمع له من ذلك أربعمائة ألف دينار. ولمّا طال مقام الوزير بالموصل احتال سهل بن هاشم كاتب أبى محمّد بن حمدان فبذل للوزير أبى الحسين ابن الوزير أبى علىّ عشرة آلاف دينار حتّى كتب إلى أبيه بأنّ الأمور بالحضرة قد اضطربت عليه وأنّه متى تأخّر وروده الحضرة لم يأمن حدوث [١] حادثة يبطل بها أمرهم. فانزعج الوزير من ذلك وقلّد علىّ بن خلف بن طناب أعمال الخراج والضياع بالموصل وديار ربيعة وقلّد أعمال المعاون بها ماكرد الديلمي من الساجيّة وتقدّم بتوفية التجّار ما استسلفه منهم من المال، وانحدر [٥٠١] إلى الحضرة وخرج لتلقّيه الأمير أبو الفضل وأصحاب الدواوين والقوّاد ولقى الخليفة وانصرف إلى منزله وخلع عليه من الغد وعلى ابنه خلع منادمة وحمل إليهما ألطاف وشراب وطيب وبلّور. وكان الوزير أبو علىّ كتب إلى الوزير ابنه قبل أن ينحدر من الموصل بإزالة التوكيل عن أبى الحسن علىّ بن عيسى وأن يكتب إليه أجمل خطاب

стр. 2523

ويخيّره بين الانصراف إلى مدينة السلام وبين المقام بالصافية، فكتب إليه الوزير أبو الحسين بذلك. وكان السبب فيما كتب به الوزير أبو علىّ من ذلك أنّه كان كتب إلى أبى محمّد الحسن بن عبد الله بن حمدان كتابا يدعوه فيه إلى الطاعة ويبذل له الأمان فقبل الكتاب وقال للرسول: - «ليس بيني وبين هذا الرجل عمل- يعنى ابن مقلة- ولا أقبل ضمانه لأنّه لا عهد له ولا وفاء ولا ذمّة ولا أسمع منه شيئا. اللهم إلّا أن يتوسّط أبو الحسن علىّ بن عيسى بيني وبينه ويضمن لى عنه فاسكن إلى ذلك وأقبله.» وكان أبو عبد الله أحمد بن على الكوفي مقيما بالحضرة فى وقت خروج أبى على ابن مقلة إلى الموصل ويلزم مجلس الوزير ابى الحسين يظهر له النصيحة والموالاة ويجتهد [٥٠٢] فى التخلّص منه والبعد عنه إلى أن ورد كتاب أبى عبد الله البريدي يوئس [١] فيه من حمل مال إلى الحضرة فى ذلك الوقت. فغلظ على الوزير أبى الحسين ذلك لأنّه كان أعدّ ما يحمله لوجوه فأقرأ أبا عبد الله الكوفي كتاب البريدي فاستعظم ما فيه وأشار بأن يخرج هو إلى الأهواز ليواقف البريدي على أمر الرجال الذين أحال بصرف المال إليهم ويعرضهم ويطلق ما يجب لهم ثمّ يحمل إلى الحضرة مالا عظيما ويحمل ساعة وصوله مائة ألف دينار. فكتب الوزير أبو الحسين إلى أبى عبد الله البريدي بأنّه لا يقبل فى تأخّر المال عنه عذره وقد أحوجه إلى إنفاذ أبى عبد الله أحمد بن علىّ الكوفي لمواقفته على أمر المال ومطالبته بحمله ونفذ الكتاب وتبعه أحمد بن علىّ إلى الأهواز. فلمّا حصل عند أبى عبد الله البريدي لم يمكنه مخالفته على ما

стр. 2524

يريد وكتب أنّه لم يتمكّن من عرض الرجال ولا المواقفة [١] على أمر المال، وأقام عنده إلى أن انظر أبو بكر ابن رائق فى الأمور بالحضرة. واستوحش أبو عبد الله الكوفي من البريدي وخافه وأراد البعد منه وخاف بوادره فأطمعه فى إفساد أمر الحسين بن علىّ النوبختي [٥٠٣] مع ابن رائق. وكان الحسين بن علىّ من أعدى الناس للبريديين فقبل منه وأطلقه وواقفه على ما يعمل به ويبذله من المال لإزالة أمر الحسين بن علىّ النوبختي. وكان أبو عبد الله الكوفي عند مقامه عند أبى عبد الله البريدي يصغّر [٢] فى نفسه أمر الحضرة ويصف له إدبارها بسوء تدبير ابن مقلة وإبطاله مال واسط والبصرة بابن رائق وبإيقاعه ببني ياقوت وما دبّر فى أمر الحسن ابن عبد الله بن حمدان وباجتثاثه أصل الخلافة دفعة واحدة وقال فى ذلك وأكثر وقال فى عرض ذلك: - «هو الذي جرّأ الغلمان الحجريّة على ابن ياقوت فهم بعد أشدّ جرأة عليه وأنّ هلاكه ليس يبعد.» فوقع ذلك من البريدي أحسن موقع واختصّ الكوفي ولم يستكتبه بل كان يشاوره ويكرمه ويعاشره. فذكر أبو الفرج ابن أبى هشام أنّ أبا عبد الله الكوفي قال له بواسط فى أيّام سيف الدولة: - «ما مرّ لى عيش أطيب من عيشي مع البريدي فإنّى أقمت عنده نحو سنة غير متصرّف ولا داخل تحت تبعة ولا تعب بنظر فى عمل ولقد عاشرنى أجمل عشرة ووصل إلىّ منه عينا وورقا ومن [٥٠٤] قيمة العروض التي أنفذها إلىّ خمسة وثلاثون ألف دينار ولم أخرج من الأهواز إلّا وأنا متقلّد

стр. 2525

كتابة ابن رائق وقد كفيت أمر ابن مقلة بالقبض عليه وكان غير مأمون. والحمد لله الذي لم يخرجه من الدنيا حتّى دمّر عليه كتدميره على الدنيا. ألحق الله ابنه به فإنّه شرّ منه لأنّ ما كان فى أبيه فهو فيه من وقاحة وقساوة وخسّة وكان الأب على عيوبه ربّما رحم وأكرم على حاشيته وأهل داره دون الغرباء ولكنّ هذا ناصر الدولة مجتهد فى أن يغرّه ويحصّله وإن حصل رجوت أن يسمله، فإنّ فى نفسه عليه وعلى ابنه العظائم.» وأطلق الكوفي لسانه بهذا كلّه فى مجلسه وليس بين يديه غيرى وغير أبى علىّ ابن صفيّة كاتبه النصراني. وأظهر أبو عبد الله البريدي بالأهواز كتابا من أبى علىّ ابن مقلة بخطّة إليه يقول فيه: - «الويل للكوفىّ العاضّ [١] منّى أنفذته ليصلحك لى فأفسدك علىّ وأطمعك وأصغيت بالشره إليه والله لأقطعنّ يديه ورجليه فأمّا أنت فأرجو ألّا تصرّ على كفر نعمتي وإحسانى إليك وأنت تنيب [٥٠٥] بك الرؤية إلى رعاية حقوق اصطناعى لك فترضينى من نفسك وتعينني فى مثل هذه الحالة الصعبة التي لم يدفع من جلس مجلسي فى دولة من الدول إلى مثلها وأن تجيرني ممّا قد أظلّنى بمال تحمله فتحفظ به نعمتك التي إحداهما فى يدي والأخرى فى يدك إن شاء الله.» ولمّا انحدر أبو علىّ ابن مقلة من الموصل عاد أبو محمّد عن الزوزان إليها وحارب ماكرد الديلمي وانهزم الحسن بن عبد الله ثمّ عاود محاربته وكانت الوقعة بينهما على باب الروم من أبواب نصيبين فانهزم ماكرد إلى الرقّة وانحدر منها فى الفرات إلى بغداد وانحدر علىّ بن خلف بن طناب وتمكّن
следующие страницы →