← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

لهم في ستة آلاف. وكان في ثغر الروم أبو عبيدة، فشجى [١] بالروم وكثروا عليه، فكتب إلى [٣١٠] أبى بكر يستمدّ، وأمدّهم بخالد بن الوليد من العراق في عشرة آلاف، فكانوا ستة وأربعين ألفا، وكان قتالهم على تساند: كلّ جند وأميرهم، ولا يجمعهم أمير واحد حتّى قدم عليهم خالد بن الوليد من العراق. تدبير حصيف من خالد فلمّا قدم خالد، وجد الروم في جمع عظيم وقد استمدوا المستعربة ونصارى العرب ومسالح [٢] الفرس، فكانوا في مائتي ألف مقاتل على حنق شديد، وهم يقاتلون بنشاط واجتماع. ورأى المسلمين متساندين يقاتل كل قوم مع أميرهم. فقال لهم: «هل لكم يا معشر الرؤساء في أمر يعزّ الله به الدين، ولا يدخلكم منه نقيصة ولا مكروه؟» قالوا: «وما ذلك؟» قال: - «إنّ هذا يوم من أيّام الله، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي، أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم، فإنّ هذا يوم له ما بعده، ولا تقاتلوا قوما على نظام وتعبئة على تساند وانتشار فإنّ ذلك لا ينبغي ولا يحلّ، وإنّ من وراءكم لو يعلم علمكم، حال [٣١١] بينكم وبين هذا. فاعلموا في ما لم تؤمروا به، بالذي ترون أنه الرأى من واليكم ومحبّته.»

стр. 282

قالوا: «هات ما الرأى؟» قال: - «إنّ [١] أبا بكر لم يبعثنا إلّا وهو يرى أنّا سنتياسر، ولو علم بالذي كان ويكون لقد جمعكم. إنّ الذي أنتم فيه أشدّ على المسلمين ممّا غشيهم، وأنفع [٢] للمشركين من أمدادهم. ولقد علمت أنّ الدنيا فرّقت بينكم، فالله الله في دينكم، فقد أفرد كلّ رجل ببلد من البلدان لا ينتقصه منه أن دان لأحد من أمراء الجنود، ولا يزيده أن دانوا له. إنّ تأمير بعضكم لا ينقصكم عند الله ولا عند خليفة رسول الله، هلمّوا، فإنّ هؤلاء قد تهيّئوا، وهذا يوم له ما بعده، إن رددنا القوم إلى خندقهم اليوم لم نزل نردّهم. وإن هزمونا لم نفلح بعدها. فهلمّوا، فلنتعاور الإمارة، فليكن عليها بعضنا اليوم، والآخر غدا، والآخر بعد غد حتى يتأمّر كلّنا. دعوني ألكم [٣] اليوم.» فأمّروه وهم يرون أنّها كخرجاتهم قبل قدوم خالد [٣١٢] وأنّ الأمر طويل والإمارة تصل إلى كلّ واحد منهم. فخرجت الروم في تعبئة لا يكون أحسن منها، ولم ير المسلمون مثلها قطّ. وخرج خالد في تعبئة لم تعبّ مثلها العرب. وذلك أنّه لمّا رأى كثرة عدد الروم، قال:

стр. 283

- «إنّه ليس في التعبئة تعبئة أكثر في رأى العين من الكراديس [١] . فجعل القلب كراديس كثيرة، وأقام فيها أبا عبيدة، وجعل الميمنة كراديس، وعليها عمرو بن العاص، وجعل الميسرة كراديس، وعليها يزيد بن أبى سفيان، وجميعها ستّة وثلاثون كردوسا. وفي الجماعة ألف رجل من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه- فيهم نحو من مائة من أهل بدر. وكان أبو سفيان يدور ويحرّض الناس. فقال رجل لخالد: «ما أقلّ المسلمين وأكثر الروم!» فقال خالد: «ما أكثر المسلمين وأقلّ الروم، إنّما تكثر الجنود بالنصر، وتقلّ بالخذلان، لا بعدد الرجال. والله، لوددت أنّ الأشقر براء من توجّيه [٢] ، وأنّهم أضعفوا [٣] في العدد.» وكان فرسه قد حفى [٤] في مسيره. ثمّ أنشب القتال والتحم [٣١٣] الناس وتطارد الفرسان. فإنّهم على ذلك، إذ قدم البريد من المدينة. فأخذته الجنود، وسألوه الخبر. فلم يخبرهم إلّا بسلامة، وأخبرهم عن أمداد، وإنّما جاء بموت أبى بكر وتأمير أبى عبيدة، فأبلغوه خالدا، فأخبره الخبر، وأسرّه إليه، وأخبره بما قال للجند، فقال: - «أحسنت، فقف.» وأخذ الكتاب، فجعله في كنانته وخاف- إن أظهر ذلك- أن ينتشر أمر الجند. وجدّ خالد في القتال، وصلى الناس الأولى والعصر إيماء، وتضعضع الروم، ونهد خالد بالقلب، حتى كان بين خيلهم ورجلهم. وكان موضعهم الذي اختاروه للقتال واسع المطّرد، وضيّق المهرب. فلمّا وجدت خيلهم مهربا ذهبوا وتركوا رجلهم في مصافّهم، وخرجت خيلهم تشتدّ

стр. 284

بهم في الصحراء. ولما رأى المسلمون خيل الروم توجّهت للهرب، أفرجوا لها ولم يحرجوها. فذهبت متفرّقة في البلاد، وأقبل خالد والمسلمون على الرجل، ففضّوهم. فكأنّما هدم بهم حائط، فاقتحموا في خندقهم [٣١٤] فاقتحم عليهم فعمدوا إلى الواقوصة [١] حتى هوى فيها المقترنون وغيرهم، فمن صبر من المقترنين للقتال هوى به من جشعت نفسه، فيهوى الواحد بالعشرة لا يطيقونه، كلّما هوى اثنان كانت البقية أضعف. فتهافت في الواقوصة عشرون ومائة ألف [٠٠٠ بن ١٢٠] إنسان منهم ثمانون ألف مقترن وأربعون ألف مطلق، سوى من قتل في المعركة من الخيل والرجل، وتجلّل أخو ملك الروم وأشراف من أشرافهم برانسهم وقالوا: - «لا نحبّ أن نرى يوم السوء، إذ لم نستطع أن نرى يوم السرور، وإذ لم نستطع أن نمنع النصرانية.» فأصيبوا في تزمّلهم. وقد كان عكرمة بن أبى جهل في بعض جولات الروم نزل عن فرسه وقال: - «قاتلت عن رسول الله صلى الله عليه في كلّ موطن وأفرّ اليوم!» ثمّ نادى: - «من يبايع على الموت؟» فبايعه ضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه الناس والفرسان، فقاتلوا قدّام فسطاط خالد، حتّى أثبتوا جميعا جراحا، وقتلوا إلّا من [٣١٥] برأ ومنهم ضرار.

стр. 285

وقاتل النساء يومئذ وجرحت جويرية بنت أبى سفيان، وكانت مع زوجها، بعد قتال شديد، وكان الأشتر ممن شهد هذا اليوم- وهو اليرموك- فأبلى بلاءا حسنا. ولمّا فرغ خالد من حرب القوم نعى إلى الناس أبا بكر وقال: - «الحمد لله الذي قضى على أبى بكر الموت، وكان أحبّ إلىّ من عمر، والحمد لله الذي ولّى عمرو كان أبغض إلىّ من أبى بكر، ثم ألزمنى طاعته.» وانتهت الهزيمة إلى هرقل وهو دون حمص، وبلغه قتل أخيه مع الصناديد وعامّة الخيل والرجل، فارتحل وصار الأمر لأبى عبيدة. من عجيب ما ركبه خالد ومن عجيب ما ركبه خالد بن الوليد في سفرته هذه التي خرج فيها من العراق لمعاونة أبى عبيدة على الروم، أنّه: لمّا هزمت الروم خالد بن سعيد بن العاص، وقتلوا ابنه وقتلوا الجيش الذي معه، واجتمعت الروم باليرموك، قالوا: - «والله لنشغلنّ أبا بكر والعرب في أنفسهم عن تورّد بلادنا.» ثم نزلوا الواقوصة [٣١٦] مستعلين. فبلغ ذلك أبا بكر، فقال: - «والله لأنسينّ الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد.» فكتب إليه أن: - «سر حتى تأتى جموع المسلمين باليرموك، فانّهم قد شجوا بالروم، وإنّه لم يشج الجموع من الناس بعون الله شجاك [١] ، ولم ينزع الشجا من الناس نزعك، فلتهنئك [٢]- أبا سليمان- النية

стр. 286

والحظوة، فأتمم- تمّم الله لك- ولا يدخلنّك عجب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدلّ بعمل، فإنّ الله له المنّ وهو ولىّ الجزاء، فاستخلف المثنّى بن الحارثة بالعراق، فإذا فتح الله على المسلمين الشام فارجع إلى عملك بالعراق.» فقال خالد: «كيف لى بطريق أخرج فيه من وراء جموع الناس.» فجمع الأدلّاء وأهل الخيرة، فكلّهم قالوا: - «لا نعرف إلّا طريقا لا يحمل جيشا، يأخذه الفذّ والراكب [١] .» ونهوه أن يغرّر بالمسلمين. فعزم عليه، ولم يجبه [٣١٧] أحد إلّا رافع بن عميرة على تهيّب شديد. فقام فيهم وقال: - «يا قوم لا يخلفنّ [٢] هديكم، ولا يضعفنّ يقينكم، واعلموا أنّ المؤونة تأتى على قدر النيّة، والأجر على قدر الحسبة.» فأجابه نفر، وقالوا لخالد: - «أنت رجل مصنوع لك، فشأنك [٣] .» فطابقوه ونووا، واحتسبوا. فقال لهم رافع: - «تروّوا للشفة لخمس.» فظمّأ كلّ قائد من الإبل الشرف الجلال ما يكتفى به، ثم سقوها العلّ بعد النهل، ثمّ صرّوا آذان الإبل وكعّموها وخلّوا أدبارها.

стр. 287

ثمّ ركبوا من قراقر مفوّزين إلى سوى [١] وهي إلى جانبها الآخر ممّا يلي الشام. فلما ساروا يوما افتظّوا لكل من الخيل كروش عشر من تلك الإبل فمزجوا ما في كروشها بما كان من الألبان. ثمّ سقوا الخيل وشربوا للشفة جرعا، فعلوا ذلك أربعة أيّام. فلمّا نزلوا بسوى وخشي أن يفضحهم حرّ الشمس نادى خالد رافعا: - «ما عندك يا رافع؟» [٣١٨] قال: «خير، أدركتم الرىّ وأنتم على الماء.» وكان يشجعهم وهو متحيّر به رمد. ثمّ قال: «أيها الناس، انظروا عليمين [٢] كأنّهما ثديان.» فأتوا عليهما وقالوا: «علمان.» فقام عليهما فقال: «اضربوا يمنة ويسرة لعوسجة كقعدة الرجل.» فقالوا: «لا نرى شيئا.» فقال: «إنّا لله، هلكتم وهلكت معكم، انظروا.» فنظروا فوجدوا جذمها، فقالوا: - «جذم [٣] ، ولا نرى شجرة.» فقال: «احتفروا حيث شئتم.» فاستثاروا أوشالا [٤] وأحساء [٥] رواء [٦] . فقال رافع:

стр. 288

- «أيها الأمير، ما وردت هذا الماء منذ ثلاثين سنة، وما وردته إلّا مرّة وأنا غلام مع أبى.» فانحاز خالد من سوى على مضيّح [١] بهراء، وإنّهم لغارّون وناس منهم يشربون خمرا لهم في جفنة قد اجتمعوا عليها ومغنّيهم يقول: ألا علّلانى قبل جيش أبى بكر ... لعلّ منايانا قريب وما ندري أظنّ خيول المسلمين وخالدا ... سيطرقكم قبل الصّباح من البشر [٢] فهل لكم في السّير قبل قتالهم ... وقبل خروج المعصرات من الخدر فيزعمون أنّ مغنيهم قتل، وسال دمه في الجفنة عند الغارة. وقال شاعر المسلمين: [٣١٩] لله عينا رافع أنّى اهتدى ... فوّز [٣] من قراقر [٤] إلى سوى خمسا [٥] إذا ما سارها [٦] الجيش بكى ... ما سارها قبلك إنسىّ أرى فلما انتهى خالد إلى سوى أغار على أهله وقد خلّف ثغور الروم وجنودها ممّا يلي العراق، فصار بينهم وبين اليرموك، ثمّ صمد لهم الطريق حتّى صار إلى

стр. 289

دمشق، ثمّ مرج الصفر. فلقى غسّان وعليهم الحارث بن الأيهم، فانتسف عسكرهم وعيالاتهم وبعث بالأخماس إلى أبى بكر، ثمّ خرج حتى نزل مياه بصرى، فكانت أوّل مدينة فتحها خالد من الشام بمن معه من جنود العراق، فخرج منها فوافى المسلمين بالواقوصة في عشرة آلاف. ولما تراءى العسكران بعث القيقلار [١] أخو ملك الروم- وهو صاحب الجيش- رجلا عربيّا من قضاعة وقال له: - «ادخل في هؤلاء القوم، فأقم فيهم يوما وليلة، ثمّ ائتني بخبرهم.» فدخل في الناس رجل عربىّ لا ينكر، فأقام فيهم، ثمّ أتاه. فقال: «مه، ما وراءك؟» قال: «هم رهبان بالليل فرسان [٣٢٠] بالنهار، لو سرق ابن ملكهم قطعوا يده، ولو زنى رجموه إقامة للحدّ.» فقال القيقلار: «لئن كنت صادقا لبطن الأرض خير من لقاء هؤلاء على ظهرها.» المثنى بن الحارثة وشهربراز قائد الفرس فأمّا المثنى بن حارثة، فكان من حديثه بعد خالد بن الوليد: أنّ الفرس اجتمعوا على شهربراز بن أردشير بن شهريار بن أبرويز، ووجدوه بميسان، فوجّه إلى المثنّى جندا عظيما عليهم هرمز المعروف بجاذويه في عشرة آلاف، ومعه فيل، فكتبت المسالح بإقباله، فخرج المثنى من الحيرة، وضمّ إليه المسالح. وكتب شهربراز إلى المثنّى: - «إنّى قد بعثت إليك جندا من وحش أهل القرى، إنّما هم رعاة الدجاج

стр. 290

والخنازير، ولست أقابلك إلّا بهم.» فأجابه المثنّى: «من المثنّى إلى شهربراز، إنّما أنت أحد الرجلين: إما باغ، فذلك شرّ لك وخير لنا، وإمّا كاذب، فأعظم الكاذبين فضيحة وعقوبة عند الله والناس الملوك، وأمّا الذي يدلّنا عليه الرأى، فانّكم إنّما اضطررتم إليه، فالحمد لله الذي ردّ كيدكم إلى رعاة الدجاج [٣٢١] والخنازير.» فلمّا وقف الفرس على كتابه جزعوا وقالوا: - «إنّما أتى شهربراز من لؤم منشأته [١] .» وقالوا له: «جرّأت علينا عدوّنا بما كتبت إليه، فإذا كاتبت أحدا فاستشر.» ثمّ التقوا ببابل، فاقتتلوا بعدوة الصراة [٢] الدنيا قتالا شديدا. ثمّ إنّ المثنى وناسا من المسلمين اعتوروا الفيل، وكان يفرّق بين الصفوف والكراديس، فأصابوا مقتله، فقتلوه، وهزموا أهل فارس واتّبعهم المسلمون يقتلونهم حتّى جازوا بهم مسالحهم، وطلبوا الفلّ [٣] حتّى بلغوا المدائن. ومات شهربراز منهزم [٤] هرمز جاذويه، واختلف أهل فارس بعده، وأبطأ خبر أبى بكر على المسلمين لمرضه. فخرج المثنى نحو أبى بكر ليخبره خبر المسلمين ويستأذنه في الاستعانة بمن ظهرت توبته من أهل الردّة- وكان أمر أبو بكر ألّا يستعان بهم- وليخبره أنّه لم يخلّف أحدا أنشط لقتال فارس ومعونة المهاجرين منهم. فقدم المدينة واستخلف على عسكره بشير بن الخصاصيّة [٥] [٣٢٢] فوجد أبا بكر- رضى الله عنه-

стр. 291

مريضا مرضه الذي مات فيه، فأخبره الخبر. فدعا أبو بكر عمر- وكان قد عقد له- فقال: - «يا عمر، اسمع ما أقول لك، ثم اعمل عليه. إنّى أظنّ أن أموت من يومى هذا- وذلك يوم الإثنين- فإن أنا متّ، فلا تمسينّ حتى تندب الناس مع المثنى، ولا تشغلنّكم مصيبة- وإن عظمت- عن أمر دينكم، ووصية ربّكم، وقد رأيتنى متوفّى [١] رسول الله- صلى الله عليه- وما صنعت، ولم يصب الخلق بمثله. وبالله لو أنّى أنى عن أمر الله لخذلنا ولاضطرمت المدينة نارا. وإن فتح الله على أمرائنا فاردد أصحاب خالد إلى العراق، فإنّهم أهله وولاة حدّه، وأهل الضراوة بهم، والجرأة عليهم.» ومات أبو بكر رضى الله عنه مع الليل، وندب عمر الناس مع المثنى. وقال عمر: - «كأنّ أبا بكر علم أنّه يسوءنى أن أؤمّر خالدا على العراق حين أمرنى بصرف أصحابه، وترك ذكره.» وتشاغل أهل فارس فيما بينهم عن إزالة المسلمين عن السواد فيما بين خلافة أبى بكر إلى قيام عمر، ورجوع [٣٢٣] المثنى مع أبى عبيد [٢] إلى العراق، وكان جمهور جند العراق بالحيرة بالسيب [٣] والغارات تنتهي بهم إلى شاطئ دجلة، ودجلة حجاز بين العرب والعجم.

стр. 292

أسماء كتّاب أبى بكر رضى الله عنه كتب لأبى بكر رضى الله عنه: عثمان بن عفّان، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن الأرقم، وحنظلة بن الربيع .

стр. 293

مما حدث في خلافة عمر عمر يقاسم خالدا ماله فلمّا استخلف عمر كان أوّل ما تكلّم به عزل خالد بن الوليد. وكتب إلى أبى عبيدة بتأميره عليه، وقال له: - «أدع خالدا، فإن أكذب نفسه في حديث تكلّم به خالد فهو أمير على ما هو عليه، وإن لم يكذب نفسه فأنت الأمير. ثمّ انزع عمامته عن رأسه، وقاسمه ماله نصفين.» [١] فلما ذكر ذلك أبو عبيدة لخالد قال: - «أنظرنى أستشر في أمرى.» [٢] ففعل أبو عبيدة. فدخل خالد على أخته فاطمة بنت الوليد، وكانت عند الحارث بن هشام، فذكر لها الحديث، فقالت: - «والله لا يحبّك عمر أبدا، وما يريد إلّا أن تكذب نفسك ثم ينزعك.» فقبّل رأسها وقال: - «صدقت.» وتمّ على أمره وأبى [٣٢٤] أن يكذب نفسه.

стр. 294

فقام بلال مولى أبى بكر، فقال: - «ما أمرت به في خالد؟» قال: «أمرت أن أنزع عمامته وأقاسمه ماله.» ففعل، وقاسمه ماله حتى بقيت نعلاه. فقال أبو عبيدة: - «إنّ هذا لا يصلح إلّا بهذا.» فقال خالد: «أجل، وما أنا بالذي أعصى أمير المؤمنين، فاصنع ما بدا لك.» فأخذ نعلا وأحذاه نعلا. ثم قدم خالد المدينة على عمر. فكان كلّما مرّ بخالد، قال: - «يا خالد أخرج مال المسلمين من تحت استك.» فيقول: «والله ما عندي مال لهم.» فلمّا أكثر عليه عمر قال له خالد: - «يا أمير المؤمنين، قيمة ما أصبت في سلطانكم أربعون ألف درهم.» قال عمر: «قد أخذت ذلك منك.» قال: «هو لك» . قال: «وأخذته.» ولم يكن لخالد مال إلّا عدّة ورقيق. فحسب ذلك، فبلغت ثمانين ألف درهم، فناصفه عمر على ذلك وأعطاه أربعين ألف درهم وأخذ ماله. فقيل: «يا أمير المؤمنين، لو رددت على خالد ماله.» فقال: «إنّما أنا تاجر للمسلمين، والله لا أردّه عليه أبدا.» فكان عمر يرى أنّه [٣٢٥] قد اشتفى من خالد حين صنع به ذلك. من حديث خالد وفتح دمشق وكان خالد قبل أن ينقضي حرب الروم، على مقدمة خيل أبى عبيدة، وهو

стр. 295

الذي فتح دمشق بيت المملكة. وكان من حديثه أن عمر كاتب المسلمين عند ما هزموا الروم باليرموك: أن يقصدوا لدمشق، فانّها مقرّ عزّ الروم، وأن يشغلوا أهل فحل [١] وفلسطين، وأهل حمص بخيل تكون بإزائهم. فإن فتحها الله قبل دمشق فذاك، وإن تأخّر فتحها حتى تفتح دمشق، فلينصرف أبو عبيدة وخالد الى حمص، وعمرو إلى فلسطين. وكان أبو عبيدة بعث ذا الكلاع ليكون بين دمشق وحمص ردءا. ففعل أبو عبيدة كما أمره، وقدّم خالدا- وهرقل يومئذ بحمص- فحاصر أهل دمشق حصارا شديدا نحوا من سبعين ليلة، وقاتلوهم بالمجانيق وهم معتصمون بالمدينة، يرجون الغياث من هرقل. وجاءت خيول هرقل مغيثة لأهل دمشق، فأشجتها خيول ذى الكلاع وشغلتها عن الناس. فلمّا أيقن أهل [٣٢٦] دمشق أنّ الأمداد لا تصل إليهم فشلوا، وطمع فيهم المسلمون، وكانوا يرون أنّها كالغارات قبل ذلك إذا هجم البرد قفل [٢] الناس، فسقط النّحم [٣] والقوم مقيمون. فعند ذلك انقطع رجاؤهم وندموا على دخول دمشق. اتّفاق جيّد للمسلمين وكان من الاتّفاق الجيّد للمسلمين: أن ولد للبطريق الذي على أهل دمشق مولود. فصنع طعاما، فأكل القوم وشربوا، وغفلوا عن مواقفهم، ولا يشعر بذلك أحد من المسلمين إلّا ما كان من خالد، فإنّه كان لا ينام ولا ينيم، ولا يخفى عليه

стр. 296

شيء من أمورهم، عيونه ذاكية، وجواسيسه مفرّقة، وهو معنىّ بما يليه. وكان كل جانب من المدينة إلى قوم. وكان قد اتّخذ خالد حبالا كهيئة السلاليم وأوهاقا. فلمّا أمسى ذلك اليوم وعرف خبر القوم نهد هو ومن معه من جنده الذين قدم بهم، وتقدّمهم هو والقعقاع بن عمرو ومذعور بن عدىّ [٣٢٧] وأمثاله من أصحابه في أوّل نومه وقالوا: - «إذا سمعتم تكبيرنا على السور فارقوا إلينا وانهدوا للباب.» فلما انتهى إلى الباب الذي يليه هو وأصحابه المتقدمون، رموا بالحبال الشّرف وعلى ظهورهم القرب التي قطعوا بها خندقهم. فلما ثبت لهم وهقان تسلّق فيهما القعقاع ومذعور. ثم لم يدعا أحبولة إلّا أثبتاها والأوهاق بالشّرف، وكان المكان الذي اقتحموا منه أحصن مكان بدمشق، أكثره ماء وأشدّه مدخلا. ولم يبق ممن خرج مع خالد تلك الليلة أحد إلّا رقى أو دنا من الباب، حتى إذا استووا على السور حدر عامة أصحابه وانحدر معهم، وخلّف من يحمى ذلك المكان لمن يرتقى، وأمرهم بالتكبير. فكبّر الذين على السور، فنهد المسلمون إلى الباب، ومال إلى الحبال بشر كثير فوثبوا فيها. وانتهى خالد إلى أوّل من يليه، فأنامهم، وانحدر إلى الباب، فقتل البوّابين، وثار أهل المدينة، وفزع سائر الناس، فأخذوا مواقفهم ولا يدرون [٣٢٨] ما الشأن، وتشاغل كل ناحية بما يليهم، وقطع خالد بن الوليد ومن معه أغلاق الباب بالسيوف، وفتحوا للمسلمين، فأقبلوا عليهم من داخل، حتى ما بقي مما يلي باب خالد مقاتل إلّا أنيم. ولما شدّ خالد على من يليه، وبلغ منهم ما أراد عنوة، وأرز [١] من أفلت إلى أهل الأبواب التي تلى غيره، دعوا المسلمين إلى الصلح. فأجابوهم وقبلوا منهم ولا يدرون بما كان من خالد. ففتحوا لهم الأبواب وقالوا:

стр. 297

- «ادخلوا، وامنعونا من أهل ذلك الباب.» فدخل أهل كلّ باب، بصلح [١] من يليهم، ودخل خالد بما يليه عنوة. فالتقى خالد والقوّاد في وسطها، هذا استعراضا وانتهابا، وهذا صلحا وتسكينا. فأجروا ناحية خالد مجرى الصلح. ولما فرغ المسلمون من فتح دمشق، ساروا إلى فحل وبيسان، ولاقوا حربا شديدا، وافتتحوها بعد شدائد وبأس كثير. عمر وانتداب أبى عبيد للخروج إلى فارس فأمّا خبر فارس، فإن عمر ندب الناس مع المثنى بن حارثة، وقد ذكرنا فيما تقدّم قدوم المثنى على أبى بكر [٣٢٩] ووصاة [٢] أبى بكر عمر به. فلم ينتدب أحد مع المثنى. وذاك أنّ هذا الوجه أعنى فارس كانت أكره الوجوه إلى الناس، لشدّة بأس الفرس وعظم شوكتهم، وقهرهم الأمم. فكان المثنى يحرّض الناس ويقول: «أيها الناس، إنّا قد غلبناهم على نصف السواد، وقد ضرى من قبلنا، واجترأنا عليهم، ولنا من بعد ما ينتظره المسلم من الكافر.» وقام عمر في الناس، وخطبهم، وحضّهم وأذكرهم وعد الله في كتابه أن يورثهم الأرض، وقوله : لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ. ٩: ٣٣ [٣] أين «عباد الله الصالحون؟» [٤]

стр. 298

فكان أوّل من انتدب أبو عبيد ابن مسعود الثقفي، وقال: «أنا لها.» ثم سليط بن قيس. فلما اجتمع ذلك البعث قيل لعمر: - «أمّر عليهم رجلا من المهاجرين والأنصار.» قال: «لا والله لا أفعل. إنّما رفعكم الله بسبقكم إلى الجهاد، وسرعتكم إلى العدو. فإذا جبنتم وكرهتم اللقاء، واثّاقلتم إلى الأرض، فأولى بالرئاسة منكم من سبق إلى الدفع، وأجاب إلى الدعاء. [٣٣٠] لا والله، لا أؤمّر عليهم إلّا أوّلهم انتدابا.» ثم دعا أبا عبيد وقال له: - «اسمع من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه-، وأشركهم في الأمر. ولا تسرعنّ حتى يتبيّن. فإنّها الحرب، والحرب لا يصلح لها إلّا الرجل المكيث الذي يعرف الفرصة.» وقال لأبى عبيد: - «إنّه لم يمنعني أن أؤمّر سليطا إلّا سرعته إلى الحرب، وفي التسرّع إلى الحرب ضياع إلّا عن بيان.» قدوم أبى عبيد مع المثنّى بعد استخراج الفرس يزدجرد وتتويج بوران رستم فقدم أبو عبيد ومعه المثنى بن حارثة، وقد استخرج الفرس يزدجرد. وكانت بوران عدلا [١] في ما بينهم، لما افتتنت الفرس وقتل الفرّخزاذ بن البندوان. وكان سياوخش قدم، فقتل آزرمى دخت. وذلك في غيبة المثنى. وكان شغل الفرس

стр. 299

طول غيبته في ما بينهم. وكانت بوران دعت رستم، وشكت إليه تضعضع فارس، ودعته إلى القيام بأمرهم، وتوّجته. فقال رستم: «أنا عبد سامع مطيع.» فولّته أمر فارس وحربها، وأمرت فارس أن يسمعوا له ويطيعوا. فقتل رستم سياوخش، ودانت له الفرس، وذلك بعد قدوم أبى عبيد. ثمّ إنّ عمر [٣٣١] لما فصل المثنى وأبا عبيد [١] ، استعجلهما، وقال لهما: - «النجا، النجا، بمن معكم، فإنّى ممدّكم بالناس.» ثمّ ندب أهل الردّة، وأذن لهم في الغزو، ورمى بهم العراق والشام. فقدم المثنى قبل أبى عبيد بنصف شهر، ونزل خفّان [٢] لئلّا يؤتى من خلفه بشيء يكرهه. وكتب رستم إلى دهاقين السواد: أن يثوروا بالمسلمين. ودسّ في كل رستاق رجلا ليثور بأهله. وبلغ ذلك المثنى، وعجل جابان، وكان اجتمع إليه بشر كثير، بالنمارق [٣] ، ولحق أبو عبيد، فأجمّ الناس، ثم تعبّى: فجعل المثنى على الخيل، وعبّى الميمنة والميسرة. فنزلوا على جابان بالنمارق، فقاتلهم قتالا شديدا، ثمّ انهزم جابان، فأسر. فكان آمنه من أسره، فخلّى عند أبو عبيد. فأخبروه أنه ملك. فأشاروا بقتله. فأبى أبو عبيد، وقال: - «إنّ المسلمين في التوادّ والتناصر كالجسد الواحد، ما لزم بعضهم فقد لزم كلّهم.» قالوا: «إنّه ملك.» قال: «وإن كان، لا أغدر.» فتركه، وقسم الغنائم، وكان فيها مال وعطر [٣٣٢] كثير، وبعث بالأخماس إلى

стр. 300

عمر. السّقاطيّة بكسكر وثار نرسى بكسكر، وكان رستم أمره بذلك. ونرسى هذا ابن خالة كسرى، وكانت كسكر قطيعة له، وكان النّرسيان له يحميه لا يأكله ولا يشربه ولا يغرسه غير آل كسرى إلّا من أكرموه بشيء منه. فلما انهزمت الفرس يوم النمارق اجتمعت الفالّة إلى نرسى، وهو في عسكره، ونادى أبو عبيد بالرحيل، وقال للمجرّدة: - «اتّبعوا الفالّة حتى تدخلوهم عسكر نرسى أو تبيدوهم.» ومضى أبو عبيد حين ارتحل من النمارق حتى ينزل على نرسى بكسكر- ونرسى يومئذ بأسفل كسكر، والمثنى معه في تعبئته التي قاتل فيها جابان، ونرسى على مجنّبتيه ابنا [١] خاله وهما: ابنا خال كسرى بندويه وتيرويه ابنا بسطام، وأهل باروسما ونهر جوبر والزوابي معه إلى جنده. وكان قد أتى الخبر بوران ورستم بهزيمة جابان. فبعثوا الجالنوس [٢] ، وبلغ ذلك نرسى ومن معه، فرجوا أن يلحق قبل الوقعة، وعاجلهم أبو عبيد، فالتقوا أسفل من كسكر في مكان يدعى السّقاطية، فاقتتلوا في صحارى [٣] ملس قتالا [٣٣٣] شديدا. ثم انهزم نرسى، وقتل أصحابه، وغلب على عسكره وأرضه، وجمع أبو عبيد

стр. 301

الغنائم. وهناك رأى المسلمون من الأطعمة ما لم يروا مثله، وأخذت خزائن نرسى. فلم يكونوا بشيء أفرح منهم بالنّرسيان. لأنّه كان حمى، فاقتسموه، وجعلوا يطعمونه الفلاحين، وبعثوا بخمسه إلى عمر، وكتبوا إليه: «إنّ الله أطعمنا مطاعم كان الأكاسرة يحمونها، وأحببنا أن تروها، وتشكروا إنعام الله وإفضاله.» وأقام أبو عبيد، وسرّح المثنى إلى باروسما، وعاصما إلى نهر جوبر. فأخربوا، وسبوا، وهرب ذلك الجند إلى الجالنوس. وسار أبو عبيد واستقبله الجالنوس، فنهد إليه أبو عبيد في المسلمين على تعبئته. فهزمهم المسلمون، وهرب الجالنوس، وأقام أبو عبيد [١] قد غلب على تلاك البلاد. ولما رجع الجالنوس إلى رستم ومن أفلت معه قال رستم: - «أىّ العجم أشدّ على العرب؟» قال: «بهمن جاذويه.» وهو ذو الحاجب. فوجّهه ومعه فيلة، وردّ معه الجالنوس، وقال له: - «قدّم الجالنوس، فإن عاد لمثلها [٣٣٤] فاضرب عنقه.» فأقبل بهمن جاذويه ومعه «درفش كابيان» . وكانت من جلود النمر، عرض ثماني أذرع، وطول اثنى عشر ذراعا. وأقبل أبو عبيد، ونزل المروحة موضع البرج والعاقول. فبعث إليه بهمن جاذويه: «إمّا أن تعبروا إلينا وندعكم والعبور، وإمّا أن تدعونا نعبر إليكم.» فقال الناس: «لا تعبر يا با عبيد [٢] ! ينهاك عن العبور، قل لهم: فليعبروا!» وكان من أشدّ الناس عليه في ذلك سليط.

стр. 302

فلجّ أبو عبيد، وقال: «لا يكونون أجرأ على الموت منّا، بل نعبر إليهم.» فعبروا إليهم في منزل ضيّق المطّرد. فاقتتلوا يوما، حتى إذا كان آخر النهار، واستبطأ رجل من ثقيف الفتح، ألّف بين الناس، فتصافحوا بالسيوف في أهل فارس، وأصيب منهم ستة آلاف في المعركة ولم يبق إلّا الهزيمة. فحمل أبو عبيد على الفيل، وضربه، فخبط الفيل أبا عبيد، وقام عليه، وجال المسلمون جولة، ثم تمّوا [١] عليها وركبهم أهل فارس. [٣٣٥] خطأ في الرأى فكان من خطأ الرأى والعجلة فيه [٢] أن بادر رجل من ثقيف الجسر فقطعه. فانتهى الناس إليه، والسيوف تأخذهم من خلفهم، فتهافتوا في الفرات. فأصابوا يومئذ من المسلمين أربعة آلاف بين غريق أو قتيل، وحمى الناس المثنى وعاصم ومذعور، وقد كان سليط- كما قدمنا الخبر عنه- يناشد أبا عبيد مع وجوه الناس، ويقولون [٣] : - «إنّ العرب لم تلق مذ كانوا، مثل جنود فارس، وقد حفلوا لنا واستقبلونا من الزهاء والعدّة، بما لم يلقنا به [أحد] قبل، وقد نزلت [٤] منزلا لنا فيه مجال ومرجع من فرّة إلى كرّة.» فقال: لا أفعل، جبنت يا سليط. فقال سليط: «أنا والله أجرأ منك، نفسا، وقد أشرنا عليك بالرأى، فستعلم.»

стр. 303

رؤيا رأتها امرأة أبى عبيد وكانت امرأة أبى عبيد رأت رؤيا وهو [١] في المروحة: أنّ رجلا نزل من السماء بإناء فيه شراب، فشرب أبو عبيد وابنه وجماعة من أهل بيته. فأخبرت أبا عبيد، فقال: - «هذه الشهادة.» وعهد أبو عبيد إلى [٣٣٦] الناس، فقال: - «إن قتلت فعلى الناس فلان، فإن قتل فعليكم فلان.» إلى أن أمّر الذين شربوا من الإناء على الولاء. - ثم قال: «إن قتل أبو القاسم فعليكم المثنى.» ثمّ نهد بالناس وعبر، وعضّلت [٢] الأرض بأهلها، والتحمت الحرب. فلمّا نظرت الخيول إلى الفيلة عليها النخل، والخيل عليها التجافيف، والفرسان [٣] عليهم الشّعر [٤] ، رأت شيئا منكرا لم تر مثله. فجعل المسلمون إذا حملوا لم تقدم خيلهم، وإذا حملوا على المسلمين بالفيلة والجلاجل فرّقت بين كراديسهم لا تقوم لها الخيل إلّا على نفار. وخرقهم الفرس بالنشّاب، وعض المسلمين الألم، وترجّل أبو عبيد، وترجّل معه الناس، فصافحوهم بالسيوف، فصارت الفيلة إذا حملت دفعتهم. فنادى أبو عبيد:

стр. 304

- «احتوشوا الفيلة وقطّعوا بطنها [١] ، واقلبوا عنها أهلها.» وواثب هو الفيل الأبيض، فتعلّق ببطانه فقطّعه، ووقع الذين عليه. وفعل القوم مثل ذلك: فما تركوا فيلا إلّا حطّوا رحله وقتلوا [٣٣٧] أصحابه. وأهوى الفيل لأبى عبيد، فنفح مشفره بالسيف، فاتقاه الفيل بيده ووقع، فخبطه الفيل. وأخذ اللواء، الذي كان أمّره بعده. فقاتل الفيل حتى تنحّى عنه، فاجترّه إلى المسلمين، وأحرزوا شلوه. ثمّ تجرثم الفيل فاتّقاه بيده، دأب أبى عبيد، وخبطه وقام عليه. وتتابع سبعة من ثقيف كلّهم يأخذ اللواء فيقاتل حتى يموت. ثمّ أخذ اللواء المثنى وهرب عنه الناس. فلما رأى عبد الله بن مرثد الثقفىّ ما يصنع الناس، بادرهم الجسر، فقطعه. فلما توافاه الناس تهافتوا في الفرات، فغرق من لم يصبر، وقتل من صبر. وهذا الخبر تصديق لدريد حيث قال: «إنّ المنهزم لا يردّه شيء.» ونادى: - «أيّها الناس! أنا دونكم، فاعبروا.» وعقد لهم الجسر وقال: - «لا تدهشوا اعبروا على هينتكم، فإنّا لن ندع الموضع ولن نزايل حتى نراكم من ذاك الجانب.» وأتى بعبد الله بن مرثد، وكان يمنع الناس من العبور. فضربه المثنى وقال: - «ما حملك على ما فعلت؟» قال: «ليقاتلوا.» فلمّا ضمّت السفن، وعبر الناس كان آخر [٣٣٨] من قتل عند الجسر سليط بن قيس. وعبر المثنى، وحمى جانبه، واضطرب عسكره، وارفضّ عنه أهل المدينة، حتى لحقوا بالمدينة، وتركها بعضهم فنزلوا البوادي، وبقي المثنى في قلّة.

стр. 305

ورامهم ذو الحاجب فلم يقدر عليهم لاعتراض الفرات، وقطع الجسر. وهلك يومئذ من المسلمين أربعة آلاف من بين قتيل وغريق، وهرب ألفان، وبقي مع المثنى ثلاثة آلاف، فكأنّ الجميع كانوا تسعة آلاف. وجرح المثنى جراحة شديدة، وأثبت فيه حلق من درعه هتكهنّ الرمح [١] . ولما بلغ عمر ما صنعه أهل المدينة، وأخبر عمّن سار في البلاد استحياء من الهزيمة اشتدّ عليه، ورحمهم، وقال: «اللهم إنّ كلّ مسلم في حلّ منّى، أنا فئة لكل مسلم، يرحم الله أبا عبيد، لو انحاز إلىّ لكنت فئة له.» فبينا ذو الحاجب يروم أن يعبر إلى المسلمين أتاه الخبر باضطراب الفرس. فرجع بعد أن ارفضّ عنه جنده، وأتاه الخبر أنّ الناس في المدائن ثاروا برستم، ونقضوا ما بينهم وبينه، وصاروا فرقتين: الفهلوج على رستم، وأهل فارس على الفيرزان. [٣٣٩] ثمّ إنّ جابان ومردانشاه خرجا حتى أخذا بالطريق وهم يرون أنّهم سيرفضّون ولا يشعرون بما جاء ذا الحاجب من فرقة أهل فارس. وبلغ المثنى فعلة جابان ومردانشاه. فاستخلف على الناس عاصم بن عمرو، وخرج في جريدة خيل يريدهما وظنّا أنه هارب، فأخذهما أسيرين، وخرج أهل أليس [٢] على أصحابهما، فأتوه بهم أسرى، وعقد المثنى لهم بها ذمّة وقدّمهما وضرب أعناقهما وأعناق الأسرى، ثم رجع إلى عسكره. وكان جرير بن عبد الله البجلي يسأل قديما في بجيلة أن تلتقط من القبائل، وكان النبىّ- صلى الله عليه- وعده ذلك، فلمّا ولى عمر دعاه بالبيّنة، فأقامها. فكتب له إلى عمّاله في العرب

стр. 306

كلّها ممن كان فيه أحد ينسب إلى بجيلة في الجاهلية، وثبت عليه في الإسلام بغير ذلك فأخرجوه إلى جرير. فلما أعطى جرير حاجته في استخراج بجيلة من الناس وجمعهم، أخرجوا إلى المثنى مددا له. وكتب عمر يستنفر الناس من أهل الردّة وغيرهم، فلم يرد عليه أحد إلّا رمى به المثنى. [٣٤٠] يوم البويب ويسمّى يوم الأعشار وبعث المثنى بعد الجسر في من يليه من الممدّين، فتوافوا إليه في جمع عظيم. وبلغ رستم والفيرزان ذلك، وأتتهم العيون به، وبما ينتظرون من الأمداد، فاجتمعا على أن يبعثا بمهران الهمذاني حتى يريا من رأيهما ويجتمع أمرهما. فخرج مهران في الخيول، وأمره [١] بالحيرة. وبلغ المثنى الخبر وهو معسكر بين القادسية وخفّان في الذين أمدّوه من العرب. فاستبطن فرات بادقلى، وأرسل إلى جرير وعصمة، وإلى كلّ قائد أظلّه أنّه: - «جاءنا أمر لم نستطع معه المقام حتى تقدموا علينا، فعجّلوا اللحاق بنا، وموعدكم البويب.» [٢] وسلك المثنى وسط السواد، وسلك جرير على الجوف ومن كان معه، حتى انتهوا إلى المثنى وهو على البويب، ومهران من وراء الفرات بإزائه، وكان عمر عهد إليهم ألّا يعبروا بحرا ولا جسرا إلّا بعد ظفر. فاجتمعوا بالبويب، واجتمع العسكر على شاطئ البويب الشرقىّ. وكان البويب مغيضا للفرات أيام المدود أزمان فارس يصبّ [٣] في الجوف [٣٤١] .

стр. 307

وقدم على عمر غزاة بنى كنانة، والأزد، فأمّر على بنى كنانة غالب بن عبد الله، وعلى الأزد عرفجة بن هرثمة، وأمرهم بالعراق. فقدموا على المثنى، وقدم عليه هلال بن علّفة فيما اجتمع إليه من الرياب [١] . فأمره عمر وسرّحه، فقدم على المثنّى، وكذلك فعل بغزاة كلّ قبيلة من جشم وخثعم وبنى حنظلة وبنى ضبّة وغيرهم. فاجتمعوا عند المثنى. واجتمع رستم والفيرزان معا، واستأذنا بوران- وكذلك كانا يعملان إذا أرادا شيئا استأذنا من حجّابها فكلّماها به- فأخبراها بعدد الجيش وكثرة الذين ينفذون مع مهران، وكانت فارس لا تكثر البعوث. فقالت بوران: «ما بال فارس لا يخرجون إلى العرب كما كانوا يخرجون قبل اليوم؟» قالا: «إنّ الهيبة كانت قبل اليوم مع عدوّنا وإنّها اليوم فينا.» فعرفت رأيهم واستصوبته. ولما نزل مهران في جنده وراء الفرات- والفرات بينهما- قال: - «إمّا أن تعبروا إلينا، وإمّا أن نعبر إليكم.» فقال المسلمون: «اعبروا إلينا.» فعبروا، وأقبلوا إلى المسلمين [٣٤٢] في صفوف ثلاثة مع كلّ صفّ فيل، ورجلهم أمام فيلهم، وجاءوا لهم زجل. فقال المثنى للمسلمين: - «إنّ هذا الزجل وجل!» قالوا: «أجل.»

стр. 308

قال: «فالزموا الصمت وائتمروا [١] همسا.» فدنوا من المسلمين وجاءوهم من قبل نهر بنى سليم اليوم. فلما دنوا زحفوا، وركب المثنى فرسه الشموس، وكان لا يركبه إلّا إذا قاتل. ودعى الشموس [٢] للين عريكته وطهارته. فوقف على الرايات يحضّهم ويذكر أحسن ما فيهم ويقول: - «إنى أرجو ألّا يؤتى العرب اليوم من قبلكم، والله ما يسرّنى اليوم لنفسي شيء إلّا وهو يسرّنى لعامّتكم.» فيجيبونه بمثل ذلك، وأنصفهم المثنى بالقول والفعل، وخلط الناس في المكروه والمحبوب، فلم يستطع أحد منهم أن يعيب له قولا ولا عملا. ثم قال: - «إنى مكبّر ثلاثا، فتهيّأوا، ثم احملوا مع الرابعة.» فلما كبّروا أوّل تكبيرة أعجلهم فارس، فعاجلوهم وخالطوهم مع أوّل تكبيرة. وركدت الحرب مليّا. فرأى المثنى خللا في بعض صفوفه، فأرسل إليهم: - «الأمير يقرأ [٣٤٣] السلام ويقول: لا تفضحوا المسلمين اليوم.» فقالوا: «نعم.» واعتدلوا. وكانوا يرونه قبل ذلك وهو يمدّ بلحيته لما يرى منهم! فلمّا أعتبوه رأوه يضحك فرحا. فلمّا طال القتال، نظر المثنى إلى نفر من الثعلبيّين نصارى وفيهم جلّاب خيل قدموا مع أنس بن هليل. فقال:

стр. 309

- «يا أنس، إنّك امرؤ عربىّ وإن لم تكن على ديننا، فإذا رأيتنى قد حملت على مهران، فاحمل معى.» وقال لابن [مردى] [١] الفهر مثل ذلك. فأجابوه إليه. فحمل المثنى على مهران حتى أزاله، فدخل في ميمنته. ثمّ خالطوهم واجتمع القلبان، وثار الغبار والمجنّبات تقتتل، لا يفرغون لنصر أمرائهم، ولا يستطيعون ذلك، لا المشركون ولا المسلمون. وقتل غلام تغلبىّ نصراني مهران. ووقف المثنى عند ارتفاع الغبار حتى أسفر وقد فنى قلب [٢] المشركين. فأما المجنّبات فهي بحالها، فجعل المثنى يدعو لهم، ويرسل إليهم من يذمرهم ويقول: - «المثنى [يقول] [٣] : عادتكم في أمثالهم!» حتى هزموهم. فسابقهم المثنّى إلى الجسر، فسبقهم وأخذ الأعاجم [٣٤٤] يفترقون بشاطئ الفرات مصعدين ومصوّبين، واعتورتهم خيول المسلمين فجعلهم جثاء. فما كانت بين العرب والعجم وقعة كانت أبقى رمّة منها، كانوا يحرزونها [٤] مائة ألف، وما عفى عليها إلّا ادّفان البيوت [٥] . فيحكى أهل تلك الناحية: أنهم كانوا يأتون البويب، فيرون في ما بين موضع السكون اليوم وبنى سليم عظاما بيضا تلولا تلوح من هامهم وأوصالهم، يعتبر بها. وسمّى يوم البويب يوم الأعشار: أحصى مائة رجل قتل كل واحد منهم عشرة يومئذ.

стр. 310

وندم المثنى على أخذه الجسر، وقال: - «قد عجزت عجزة وقى الله شرّها بمسابقتى القوم إلى الجسر حتى أحرجتهم وإنّى غير عائد. فلا تعودوا ولا تعتدوا بى أيها الناس، فإنّها كانت زلّة، ولا ينبغي إحراج أحد إلّا من لا يقوى على امتناع.» وكان المثنى أصاب نزل مهران غنما، وبقرا، ودقيقا، فبعثوا إلى عيالات الناس، وكانوا خلّفوهنّ بالقوادس مع عمرو بن عبد المسيح بن بقيلة. فلما رفعوا للنساء [٣٤٥] فرأين الخيل، تصايحن وحسبنها غارة. فقمن دون الصبيان بالحجارة والعمد. فقال عمرو: - «هكذا ينبغي لنساء هذا الجيش أن يكنّ.» وبشّرهنّ بالفلح [١] . وعقد المثنى الجسر، وسرّح في طلب المنهزمين أصحاب الجسر، فأصابوا غنائم كثيرة وتبعوهم. وكتب القوّاد والرؤساء منهم إلى المثنى: - «إنّ الله سلّم ووجّه لنا ما رأيت، وليس دون القوم شيء، أفتأذن لنا في الإقدام.» فأذن لهم. فأغاروا حتى بلغوا ساباط، وتحصّن منهم أهل ساباط، واستمكنوا من الغارة على من بينهم وبين دجلة، ومخروها لا يخافون كيدا، وانتقضت مسالح العجم، فرجعت إليهم، واعتصموا بساباط. المثنّى يغير على قرية بغداد غارة ثمّ إنّ المثنى بلغه خبر قرية [٢] يأتيها تجّار مدائن كسرى والسواد، ويجتمعون بها في كل سنة مرّة ومعهم فيها من الأموال كبيت المال، وتلك أيّام سوقهم. فاستدعى المثنى من وثق به من أهل الحيرة فاستشاره.

стр. 311

فقال له: - «إن أنت قدرت أن تغير عليهم وهم لا يشعرون، أصبت فيها مالا فيه غنى المسلمين دهرهم وقووا على أعدائهم أبدا.» قال: «وكم بينها وبين مدائن كسرى؟» [٣٤٦] قال: «بعض يوم أو عامّة يوم.» قال: «فكيف لى بها؟» قالوا: نشير عليك أن تأخذ طريق البرّ حتى تنتهي إلى الخنافس، فإنّ أهل الأنبار يضربون إليها ويخبرونك فيأمنون، وتأخذ دهاقين الأنبار بالأدلّاء، وتسير سواد ليلتك حتى تأتيهم صبحا، فتصبّحهم غارة.» ففعل المثنى ذلك، فلما انتهى إلى الأنبار، تحصّن منه صاحبها وهو لا يدرى من هو، وذلك ليلا. فلمّا عرفه نزل إليه، فأطعمه المثنى واستكتمه وسأله الأدلّاء إلى بغداد حتى يعبر منها إلى المدائن. قال: «أنا أجيء معك.» قال: لا أريدك معى، ابعث معى من هو أدلّ منك.» فزوّدهم الأطعمة والأعلاف، وبعث معهم الأدلّاء، فساروا. فلما كانوا بالنصف، قال المثنى: - «كم بيني وبين هذه القرية بغداد؟» قال: «خمسة فراسخ.» فندب من أصحابه جماعة للحرس، وبعث طلائع فحسبوا الناس لئلّا يسبق الخبر وقال: - «أيّها الناس، أطعموا وتوضّئوا وتهيّئوا.» ثم سرى آخر الليل فصبّحهم في أسواقهم، فوضع فيهم السيف، فأخذوا ما شاءوا.

стр. 312

وقال المثنى: - «لا تأخذوا إلّا الذهب [٣٤٧] والفضة والحرّ من كل شيء.» ثمّ انكفأ راجعا حتى نزل بنهر السّيلحين [١] بالأنبار، فسمع همسا في ما بين الناس: - «ما أسرع القوم في طلبنا.» فخطبهم وقال: «أيها الناس، احمدوا الله وتناجوا بالبرّ والتقوى، ولا تناجوا بالإثم والعدوان، [٢] انظروا في الأمور وقدّروها، ثم تكلّموا. ما بلغ النذير مدينتهم بعد، ولو بلغهم لحال الرعب بينهم وبين طلبكم إنّ للغارات روعات تنتشر عليها يوما إلى الليل. ولو طلبكم المحامير من رأى العين ما أدركوكم وأنتم على العراب، حتى تنتهوا إلى عسكركم وجماعتكم، ولو أدركوكم لقاتلتهم ورجوت النصر والأجر. فثقوا بالله، وأحسنوا به الظنّ، فقد نصركم الله عليهم في مواطن كثيرة وهم أعدّ منكم، وسأخبركم عنّى أنّ أبا بكر أوصانا أن نقلّل العرجة ونسرع الكرّة في الغارات» . ثمّ أقبل بهم ومعهم الأدلّاء حتى انتهى بهم إلى الأنبار. ثمّ إنّ المثنى أغار على حىّ من تغلب على دجلة، وعلى قوم كانوا بتكريت، وأصابوا ما شاءوا [٣٤٨] من النعم.

стр. 313

القادسية وأيّامها [١] فقال أهل فارس لرستم والفيرزان: - «إنّه لم يبرح منكما الاختلاف حتى أوهنتما أهل فارس، وأطمعتما فيهم عدوّهم، ولم يبلغ من خطركما أن نقرّكما على هذا الرأى وأن تعرّضا فارس للهلكة. ما بعد بغداد وساباط وتكريت إلّا المدائن، والله لتجتمعان أو لنبدأنّ بكما قبل أن يشمت شامت، ونشفينّ نفوسنا منكما.» تمليك يزدجرد فاجتمع رستم والفيرزان عند بوران وقالا [٢] لها: - «اكتبى لنا نساء كسرى وسراريّه.» - ففعلت. فأرسلوا في طلبهنّ، فلم تبق امرأة إلّا أتوا بها، فأخذوهنّ بالرجال، ووضعوا عليهنّ العذاب يستدلّون على ذكر من أبناء كسرى. فلم يوجد عندهنّ أحد. فقالت إحداهنّ: - «لم يبق إلّا غلام يدعى يزدجرد من ولد شهريار بن أبرويز، وأمّه من أهل بادوريا [٣] .»

стр. 314

فأرسلوا إليها، فأخذوها به، وكانت قد أنزلته [في أيام شيرى] [١] حين جمعهنّ في القصر الأبيض، وقتل الذكور إلى أخواله وكانت واعدتهم، ثم دلّته إليهم في زبيل [٢] . فلما أخذت أمّه به، دلّتهم عليه، فأرسلوا، فجاؤوا به، فملّكوه وهو ابن إحدى [٣٤٩] وعشرين سنة، واجتمعوا عليه واطمأنّت فارس، واستوسقوا، وتبارى الرؤساء في طاعته ومعونته. فسمّى الجنود لكلّ مسلحة كانت لكسرى أو موضع ثغر. فسمّى جند الحيرة وجند الأنبار والأبلّة والمسالح، وأظهروا الجدّ والنصيحة. وبلغ ذلك من أمرهم واجتماعهم المثنى والمسلمين، فكتبوا إلى عمر بما ينتظرون منهم. فلم يصل الكتاب إلى عمر، حتى كفر أهل السواد كلهم: من كان له عهد ومن لم يكن له عهد. فكتب عمر إليهم: - «فاخرجوا من بين ظهراني الأعاجم، وتفرّقوا في المياه التي تليهم على حدود أرضهم، ولا تدعوا في ربيعة أحدا ولا مضر ولا حلفاءهم من أهل النجدات، ولا فارسا، إلّا اجتلبتموه، فإن جاء طائعا، وإلّا حشرتموه. احملوا العرب على الجدّ إذا جدّ العجم.» فنزل المثنى بذي قار، ونزل الناس بالحلّ، وبشراف إلى غضىّ- وغضىّ جبل [٣] البصرة- فكان في أمواه

стр. 315

العرب [١] من أولها إلى آخرها مسالح ينظر بعضهم إلى بعض ويعين بعضهم بعضا إن كان كون. وذلك في ذى العقدة من سنة ثلاث عشرة [٣٥٠] للهجرة. وكتب عمر إلى عمّال العرب على الكور والقبائل أن: - «لا تدعوا أحدا له سلاح أو فرس أو نجدة إلّا انتخبتموه، ثم وجّهتموهم إلىّ، والعجل العجل [٢] .» فمضت الرسل، ووافاه هذا الضرب من القبائل، وأخبروه عمّن وراءهم بالحثّ والجدّ. وخرج عمر في أول يوم من المحرّم سنة أربع عشرة حتى نزل ما يدعى صرارا، فعسكر به ولا يدرى الناس ما يريد. وكان عثمان أجرأ عليه، فقال له: - «ما بلغك؟ ما الذي تريد؟» فنادى: «الصلوة جامعة.» فاجتمع إليه الناس، فأخبرهم الخبر، ثمّ نظر ما يقول الناس. فقام العامّة: سر وسر بنا معك!» فدخل معهم في رأيهم، وكره أن يدعه حتى يخرجهم منه في رفق، فقال: - «استعدّوا، فانّى سائر، إلّا أن يجيء رأى هو أمثل من ذلك.» ثم جمع أهل الرأى ووجوه أصحاب النبىّ- صلى الله عليه- فقال: - «أحضرونى الرأى.» فأجمع ملأهم أن يقيم، ويبعث رجلا من أصحاب رسول الله، ويرميه بالجنود. فنادى عمر: «الصلوة جامعة.»

стр. 316

فاجتمع إليه الناس. فأرسل إلى علىّ، وكان استخلفه [٣٥١] على المدينة، فأتاه، وإلى طلحة، وكان على مقدمته، فرجع إليه، وإلى الزبير وعبد الرحمان بن عوف، وكانا في المجنّبتين. ثم قام فيهم، فقال: - «إنّ الله جمع على الإسلام أهله، فألّف بين القلوب وجعلهم فيه إخوانا، فالمسلمون فيما بينهم كالجسد، لا يخلو منه شيء مما أصاب غيره، وكذلك يحقّ عليهم أن يكونوا وأمرهم شورى بينهم. فالناس تبع لمن قام لهذا الأمر ما اجتمعوا عليه، ورضوا به، وما رءاه أولوا الرأى لزم الناس، وكانوا له تبعا، فمن قام بهذا الأمر فهو تبع لأولى الرأى. أيّها الناس! إنّى كنت كرجل منكم، حتى صرفني ذوو الرأى عن الخروج، فقد رأيت أن أقيم وأبعث رجلا وقد أحضرت هذا الأمر من قدّمت ومن خلّفت.» فكان طلحة ممن تابع وعبد الرحمان ممن نهاه وقال: - «بأبى أنت وأمّى ... » قال عبد الرحمان: فما فديت أحدا بأبى وأمّى بعد النبي صلّى الله عليه غيره [١] ، وقلت: - «.. اجعل عجزها بى [٢] ، وأقم، وابعث جندا، فقد رأيت قضاء الله لك في جنودك فإن يهزم جيشك [٣٥٢] فليس كهزيمتك، وإنّك إن تقتل أو تهزم في أنف الأمر خشيت على المسلمين.»

стр. 317

قال عمر: - «فأشيروا علىّ برجل!» قال عبد الرحمان: «وجدته.» وكان ورد كتاب سعد بن أبى وقاص وهم في تلك الحال، جوابا عن كتاب عمر: - «إنّى قد انتخبت لك ألف فارس [١] كامل كلّهم له نجدة ورأى وصاحب حيطة يحوط حريم قومه ويمنع ذمارهم، إليه [٢] انتهت أحسابهم ورأيهم فشأنك بهم.» ووافق كتابه مشورتهم. وقال عبد الرحمان: «وجدته لك [٣] .» قال: «من؟» قال: «الأسد عاديا، سعد بن مالك.» فأرسل إليه، فقدم، فأمّره على حرب العراق، وأوصاه، وقال: - «يا سعد سعد بنى وهيب! لا يغرّنّك من الله أن قيل: خال رسول الله! ليس بينه وبين أحد نسب إلّا طاعته. فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء: الله ربّهم وهم عباده، يتفاضلون بالعافية، ويدركون ما عنده بالطاعة. فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله- صلى الله عليه- منذ بعث إلى أن فارقنا- عليه، فالزمه، فإنّه الأمر.

стр. 318

[٣٥٣] [١] هذه [٢] عظتى إياك إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك وكنت من الخاسرين.» فسار سعد، ومات المثنى من انتقاض جراحته قبل أن يصل إليه سعد. وذاك أنّ جرحه كان ينتقض ويبرأ حتى مات. وقدم سعد، فأغار في ما يليه، ولم يزل كذلك، إلى أن ألحّ يزدجرد على رستم، وقال: - «لا بدّ أن تلى حرب العرب بنفسك.» فخرج رستم في العدّة والعديد والخيول والفيول، وراسله سعد بالمغيرة بن شعبة وغيره من دهاة العرب وأصحابه من ذوى الهيئات والآراء، فجرت بينهم مخاطبات، لا تجربة فيها ولا فائدة في المستأنف، فتركنا ذكرها. إلى أن صافّهم رستم وعبر إليهم. وكان في القلب الذي فيه رستم ثمانية عشر فيلا عليها الصناديق والرجال، وفي المجنّبتين ثمانية وسبعة عليها الصناديق والرجال، وأقام الجالنوس بينه وبين ميمنته، والفيرزان بينه وبين ميسرته، وبقيت القنطرة بين خيلين من خيول المسلمين والمشركين. تدبيره دبّره يزدجرد للإسراع في تسلّم أنباء الحرب وكان يزدجرد وضع بينه وبين رستم رجالا: فأوّلهم على باب إيوانه والآخر [٣٥٤] [٣] على دعوة منه، بحيث يسمعه، والآخر كذلك إلى أن انتظم بينه وبين

стр. 319

رستم بالرجال. فلما نزل رستم بساباط قال الرجل الذي بساباط: «نزل!» وقال الذي يليه، ثم الذي يليه، حتى يقوله من يلي الإيوان ويسمعه يزدجرد. فكان كلّما ارتحل، أو نزل، أو حدث أمر، جرى الأمر فيه على ما شرحته، وترك البرد. وكان ذلك شأنه إلى أن انقضى الحرب. وكان بسعد حبون [١] وخراجات يومئذ لا يستطيع أن يركب. فإنّما هو على وجهه، في صدره وسادة وهو مكبّ عليها، مشرف على الناس من القصر، يرمى بالرّقاع فيها أمره ونهيه إلى خالد بن عرفطة، وكان الصف إلى جانب القصر. فشغّب قوم من وجوه الناس على سعد، ولم يرضوا بما صنع خالد. فهمّ بهم سعد وشتمهم. ثم خطبهم، واعتذر إليهم، فرضوا، وأمر الرؤساء حتى خطبوا في من يلونهم، ففعلوا، وتحاضّوا وتواصوا. فأما الفرس فإنّهم تعاهدوا، وتواصوا، واقترنوا بالسلاسل. فكان المقترنون ثلاثين ألفا، وجملتهم مائة وعشرون ألفا، وثلاثون فيلا عليها المقاتلة، [٣٥٥] وفيلة عليها الملوك وقوف لا تقاتل. يوم أرماث وأمر سعد فقرئ سورة الجهاد. وقال سعد: - «إنى مكبّر، فإذا سمعتم التكبيرة الأولى فشدّوا شسوع نعالكم، فإذا كبّرت الثانية فتهيّأوا، فإذا كبّرت الثالثة فشدّوا النواجذ على الأضراس واحملوا.» فلمّا فرغ القرّاء، كبّر سعد وكبّر الناس، ثم ثنّى فتهيّأ الناس، ثمّ ثلّث فبرز أهل النجدات فأنشبوا القتال.

стр. 320

وخرج أمثالهم من أهل فارس، فاعتوروا الضرب والطعن. وخرج هرمز إلى غالب بن عبد الله- وكان هرمز من ملوك الباب متوّجا- فأسره غالب أسرا، وجاء به إلى سعد، فأدخل، وانصرف إلى المطاردة. فبينا الناس ينتظرون التكبيرة الرابعة، قام صاحب رجّالة بنى نهد، فقال: - «يا بنى نهد، إنّما سمّيتم نهدا لتفعلوا.» فبعث إليه سعد خالد بن عرفطة: - «والله لتكفّنّ، أو لأوّلينّ عملك غيرك.» ولما تطاردت الفرسان خرج رجل ينادى: - «مرد ومرد» . [١] فانتدب له عمرو بن معدى كرب، فرماه الفارسي بنشّابة، فما أخطأت سئة [٢] قوسه- وكان متنكّبها- فحمل عليه [٣٥٦] عمرو، فاعتنقه، ثم أخذ منطقته فاحتمله فوضعه بين يديه. ثم جاء به حتى إذا دنا منّا كسر عنقه، ثم وضع سيفه على حلقه فذبحه، ثم ألقاه. ثم قال: «أنا هكذا، فاصنعوا بهم، إنّما الفارسي إذا فقد قوسه تيس!» فقلنا: «يا با ثور [٣] من يستطيع أن يصنع كما تصنع؟» وخرج إلى طليحة عظيم منهم، فبارزه، فما لبّثه طليحة أن قتله. وقام الأشعث بن قيس، فقال: - «يا معشر كندة! لله درّ بنى أسد، أىّ فرى يفرون [٤] ، وأىّ هذّ يهذّون!» وكذلك كانوا، لأنّهم حبسوا الفيلة بالضرب والطعن.
следующие страницы →