← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فاجتمع إليه الناس. فأرسل إلى علىّ، وكان استخلفه [٣٥١] على المدينة، فأتاه، وإلى طلحة، وكان على مقدمته، فرجع إليه، وإلى الزبير وعبد الرحمان بن عوف، وكانا في المجنّبتين. ثم قام فيهم، فقال: - «إنّ الله جمع على الإسلام أهله، فألّف بين القلوب وجعلهم فيه إخوانا، فالمسلمون فيما بينهم كالجسد، لا يخلو منه شيء مما أصاب غيره، وكذلك يحقّ عليهم أن يكونوا وأمرهم شورى بينهم. فالناس تبع لمن قام لهذا الأمر ما اجتمعوا عليه، ورضوا به، وما رءاه أولوا الرأى لزم الناس، وكانوا له تبعا، فمن قام بهذا الأمر فهو تبع لأولى الرأى. أيّها الناس! إنّى كنت كرجل منكم، حتى صرفني ذوو الرأى عن الخروج، فقد رأيت أن أقيم وأبعث رجلا وقد أحضرت هذا الأمر من قدّمت ومن خلّفت.» فكان طلحة ممن تابع وعبد الرحمان ممن نهاه وقال: - «بأبى أنت وأمّى ... » قال عبد الرحمان: فما فديت أحدا بأبى وأمّى بعد النبي صلّى الله عليه غيره [١] ، وقلت: - «.. اجعل عجزها بى [٢] ، وأقم، وابعث جندا، فقد رأيت قضاء الله لك في جنودك فإن يهزم جيشك [٣٥٢] فليس كهزيمتك، وإنّك إن تقتل أو تهزم في أنف الأمر خشيت على المسلمين.»

стр. 317

قال عمر: - «فأشيروا علىّ برجل!» قال عبد الرحمان: «وجدته.» وكان ورد كتاب سعد بن أبى وقاص وهم في تلك الحال، جوابا عن كتاب عمر: - «إنّى قد انتخبت لك ألف فارس [١] كامل كلّهم له نجدة ورأى وصاحب حيطة يحوط حريم قومه ويمنع ذمارهم، إليه [٢] انتهت أحسابهم ورأيهم فشأنك بهم.» ووافق كتابه مشورتهم. وقال عبد الرحمان: «وجدته لك [٣] .» قال: «من؟» قال: «الأسد عاديا، سعد بن مالك.» فأرسل إليه، فقدم، فأمّره على حرب العراق، وأوصاه، وقال: - «يا سعد سعد بنى وهيب! لا يغرّنّك من الله أن قيل: خال رسول الله! ليس بينه وبين أحد نسب إلّا طاعته. فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء: الله ربّهم وهم عباده، يتفاضلون بالعافية، ويدركون ما عنده بالطاعة. فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله- صلى الله عليه- منذ بعث إلى أن فارقنا- عليه، فالزمه، فإنّه الأمر.

стр. 318

[٣٥٣] [١] هذه [٢] عظتى إياك إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك وكنت من الخاسرين.» فسار سعد، ومات المثنى من انتقاض جراحته قبل أن يصل إليه سعد. وذاك أنّ جرحه كان ينتقض ويبرأ حتى مات. وقدم سعد، فأغار في ما يليه، ولم يزل كذلك، إلى أن ألحّ يزدجرد على رستم، وقال: - «لا بدّ أن تلى حرب العرب بنفسك.» فخرج رستم في العدّة والعديد والخيول والفيول، وراسله سعد بالمغيرة بن شعبة وغيره من دهاة العرب وأصحابه من ذوى الهيئات والآراء، فجرت بينهم مخاطبات، لا تجربة فيها ولا فائدة في المستأنف، فتركنا ذكرها. إلى أن صافّهم رستم وعبر إليهم. وكان في القلب الذي فيه رستم ثمانية عشر فيلا عليها الصناديق والرجال، وفي المجنّبتين ثمانية وسبعة عليها الصناديق والرجال، وأقام الجالنوس بينه وبين ميمنته، والفيرزان بينه وبين ميسرته، وبقيت القنطرة بين خيلين من خيول المسلمين والمشركين. تدبيره دبّره يزدجرد للإسراع في تسلّم أنباء الحرب وكان يزدجرد وضع بينه وبين رستم رجالا: فأوّلهم على باب إيوانه والآخر [٣٥٤] [٣] على دعوة منه، بحيث يسمعه، والآخر كذلك إلى أن انتظم بينه وبين

стр. 319

رستم بالرجال. فلما نزل رستم بساباط قال الرجل الذي بساباط: «نزل!» وقال الذي يليه، ثم الذي يليه، حتى يقوله من يلي الإيوان ويسمعه يزدجرد. فكان كلّما ارتحل، أو نزل، أو حدث أمر، جرى الأمر فيه على ما شرحته، وترك البرد. وكان ذلك شأنه إلى أن انقضى الحرب. وكان بسعد حبون [١] وخراجات يومئذ لا يستطيع أن يركب. فإنّما هو على وجهه، في صدره وسادة وهو مكبّ عليها، مشرف على الناس من القصر، يرمى بالرّقاع فيها أمره ونهيه إلى خالد بن عرفطة، وكان الصف إلى جانب القصر. فشغّب قوم من وجوه الناس على سعد، ولم يرضوا بما صنع خالد. فهمّ بهم سعد وشتمهم. ثم خطبهم، واعتذر إليهم، فرضوا، وأمر الرؤساء حتى خطبوا في من يلونهم، ففعلوا، وتحاضّوا وتواصوا. فأما الفرس فإنّهم تعاهدوا، وتواصوا، واقترنوا بالسلاسل. فكان المقترنون ثلاثين ألفا، وجملتهم مائة وعشرون ألفا، وثلاثون فيلا عليها المقاتلة، [٣٥٥] وفيلة عليها الملوك وقوف لا تقاتل. يوم أرماث وأمر سعد فقرئ سورة الجهاد. وقال سعد: - «إنى مكبّر، فإذا سمعتم التكبيرة الأولى فشدّوا شسوع نعالكم، فإذا كبّرت الثانية فتهيّأوا، فإذا كبّرت الثالثة فشدّوا النواجذ على الأضراس واحملوا.» فلمّا فرغ القرّاء، كبّر سعد وكبّر الناس، ثم ثنّى فتهيّأ الناس، ثمّ ثلّث فبرز أهل النجدات فأنشبوا القتال.

стр. 320

وخرج أمثالهم من أهل فارس، فاعتوروا الضرب والطعن. وخرج هرمز إلى غالب بن عبد الله- وكان هرمز من ملوك الباب متوّجا- فأسره غالب أسرا، وجاء به إلى سعد، فأدخل، وانصرف إلى المطاردة. فبينا الناس ينتظرون التكبيرة الرابعة، قام صاحب رجّالة بنى نهد، فقال: - «يا بنى نهد، إنّما سمّيتم نهدا لتفعلوا.» فبعث إليه سعد خالد بن عرفطة: - «والله لتكفّنّ، أو لأوّلينّ عملك غيرك.» ولما تطاردت الفرسان خرج رجل ينادى: - «مرد ومرد» . [١] فانتدب له عمرو بن معدى كرب، فرماه الفارسي بنشّابة، فما أخطأت سئة [٢] قوسه- وكان متنكّبها- فحمل عليه [٣٥٦] عمرو، فاعتنقه، ثم أخذ منطقته فاحتمله فوضعه بين يديه. ثم جاء به حتى إذا دنا منّا كسر عنقه، ثم وضع سيفه على حلقه فذبحه، ثم ألقاه. ثم قال: «أنا هكذا، فاصنعوا بهم، إنّما الفارسي إذا فقد قوسه تيس!» فقلنا: «يا با ثور [٣] من يستطيع أن يصنع كما تصنع؟» وخرج إلى طليحة عظيم منهم، فبارزه، فما لبّثه طليحة أن قتله. وقام الأشعث بن قيس، فقال: - «يا معشر كندة! لله درّ بنى أسد، أىّ فرى يفرون [٤] ، وأىّ هذّ يهذّون!» وكذلك كانوا، لأنّهم حبسوا الفيلة بالضرب والطعن.

стр. 321

- «.. يا معشر كندة! أراكم تنتظرون من يكفيكم الناس. العرب منذ اليوم يقاتلون وأنتم جثاة على الرّكب تنتظرون.» فوثب إليه عدّة، وقالوا: - «عثر جدّك إنّك لتؤبّخنا [١] ونحن أحسن الناس موقفا، ها نحن معك.» فنهد ونهدوا فأزالوا من بإزائهم. ولما رأى فارس ما تلقى الفيلة من كتيبة أسد، رموهم بحدّهم كلّه، وبدروا الشدّة على المسلمين عليهم ذو الحاجب والجالنوس والمسلمون ينتظرون [٣٥٧] التكبيرة الرابعة من سعد. فاجتمعت حلبة فارس على أسد ومعهم الفيلة قد ثبتوا لهم. وكبّر سعد الرابعة، فزحف إليهم المسلمون ورحى الحرب تدور على أسد، وحملت الفيول على الميمنة والميسرة على الخيول، فكانت الخيول تحجم عنها وتحيد. فأرسل سعد إلى عاصم بن عمر، فقال: - «يا معشر بنى تميم. ألستم أصحاب الإبل والخيل، أما لكم لهذه الفيلة من حيلة؟» قالوا: «بلى والله.» ثم نادى في رجال من قومه رماة، وآخرين أهل ثقافة، فقال لهم: - «يا معشر الرماة، ذبّوا ركبان الفيلة بالنّبل.» وقال: «يا معشر أهل الثقافة استدبروا الفيلة، فقطعوا وضنها.» وخرج يحميهم والرحى تدور على أسد وقد جالت الميمنة والميسرة غير بعيد. وأقدم أصحاب عاصم بن عمرو على الفيلة، فأخذوا بأذنابها وأذناب توابيتها، فقطّعوا وضنها وارتفعت عن ظهورها. فما بقي لهم يومئذ فيل إلّا عرّى وقتل أصحابها، ونفّس عن أسد، فردّوا عنهم فارس إلى مواقفهم، ولم يزالوا [٣٥٨]

стр. 322

يقتتلون حتى غربت الشمس، ثم حتى ذهب هدأة من الليل. ثم رجع هؤلاء ورجع هؤلاء، وأصيب في أسد تلك العشيّة خمسمائة، وكانوا ردءا للناس. وكان عاصم عادية الناس وحاميتهم. فهذا يومها الأوّل وهو يوم أرماث. يوم أغواث [١] ولما أصبح القوم على تعبئة من غد وقفوا. ووكّل سعد رجالا بنقل الشهداء إلى العذيب، وإسلام الرثيث إلى النساء، يقمن عليهم، والناس ينتظرون بالجملة نقل الرثيث. فلمّا استقلّت بهم الإبل، وتوجّهت بهم نحو العذيب، طلعت بوادي الخيل من الشام، الذين صرفهم عمر بعد دمشق إلى العراق. وكان أبو عبيدة، لما قدم عليه كتاب عمر: أن يصرف أهل العراق أصحاب خالد بن الوليد ولم يذكر خالدا، ضنّ بخالد، واحتبسه عنده، وسرّح الجيش- وهم ستّة آلاف-[٣٥٩] وأمّر عليهم هاشم بن عتبة بن أبى وقّاص، وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو. فعجّله أمامه، فانجذب القعقاع وطوى وتعجّل، فتقدّم على الناس يوم أغواث، وقد عهد إلى أصحابه وهم ألف، أن يتقطّعوا أعشارا: فكلما بلغ عشرة مدى البصر، سرّحوا في آثارهم عشرة. فتقدّم القعقاع أصحابه في عشرة، فأتى الناس، فسلّم عليهم، وبشّرهم بالجنود، وقال: - «أيها الناس! إنّى قد جئتكم في قوم والله لو كانوا بمكانكم ثمّ أحسّوكم، لحسدوكم بحظوتها، وحالوا أن يظفروا [٢] بها دونكم. فاصنعوا كما أصنع.» فنادى: «من يبارز؟» فسكن الناس، وتذاكروا قول أبى بكر فيه: «لا يهزم جيش فيه مثل هذا.» فخرج إليه ذو الحاجب، فقال له القعقاع:

стр. 323

- «من أنت؟» قال: «أنا بهمن جاذويه.» فنادى: «يا لثارات أبى عبيد وسليط وأصحاب الجسر.» ثم اجتلدا، فقتله القعقاع. وجعلت خيل القعقاع ترد قطعا إلى الليل وينشط الناس، فكأن لم يكن بالأمس [٣٦٠] مصيبة، وكأنّها استقبلوا قتالهم بقتل الحاجبي وللحاق القطع، وانكسرت الفرس لذلك. ونادى القعقاع أيضا: «من ينازل؟» فخرج إليه رجلان أحدهما الفيرزان والآخر البندوان. فانضمّ إلى القعقاع الحارث بن ظبيان، فبادر القعقاع الفيرزان فضربه، فإذا رأسه مطروح، وبادر ابن ظبيان البندوان فضربه، فإذا رأسه كذلك، وتورّدهم فرسان المسلمين، وجعل القعقاع يقول: - «يا معشر المسلمين باشروهم بالسيوف فإنّما يحصد الناس بها.» فتواصى الناس واجتلدوا بها حتى المساء. فلم ير أهل فارس في هذا اليوم شيئا مما يعجبهم، وأكثر المسلمون فيهم القتل، ولم يقاتلوا في هذا اليوم على فيل، لأنّ توابيتها تكسّرت بالأمس، فاستأنفوا علاجها حين أصبحوا، فلم ترتفع حتى كان من الغد. وفي هذا اليوم حمل بنو عمّ القعقاع عشرة عشرة من الرجّالة على إبل قد ألبسوها، فهي مجلّلة مبرقعة، [٣٦١] وأطافت بهم خيولهم فحموهم، وأمرهم أن يحملوها على خيلهم بين الصفّين يتشبّهون بالفيلة، ففعلوا بهم يوم أغواث كما فعلت فارس يوم أرماث. فجعلت الإبل لا تصمد لقليل ولا كثير إلّا نفرت خيلهم، وركبتهم سيوف [١] المسلمين. فلمّا رأوا ذلك استنّوا بهم، فلقى أهل

стр. 324

فارس من الإبل يوم أغواث أعظم مما لقى المسلمون من الفيلة يوم أرماث. وجعل رجل من بنى تميم يتعرّض للشهادة، فأبطأت عليه حتى تعرّض لرستم يريده، فأصيب دونه. وخرج رجل من فارس ينادى: «من يبارز؟» فبرز له علباء [١] ، فأسجده ونفحه الفارسي فأمعاه، فلم يستطع القيام، فعالجها، فلم يتأتّ له حتى مرّ به رجل من المسلمين، فقال: - «يا هذا أعنّى على بطني.» فأدخله له، فأخذ بصفاقيه، ثم زحف نحو صفّ فارس ما يلتفت على المسلمين، فأدركه الموت على رأس ثلاثين ذراعا من مصرعه إلى صفّ فارس، وقال: أرجو بها من ربّنا ثوابا ... قد كنت [ممّن] [٢] أحسن الضّرابا [٣٦٢] وخرج رجل من أهل فارس ينادى [٣] : «من يبارز؟» فبرز له الأعرف بن الأعلم العقيلي فقتله، ثم برز له آخر من فارس فقتله، ثم برز آخر فقتله، فأحاطت به فوارس منهم، فصرعوه، وندر سلاحه عنه، فأخذوه، فجعل يغبّر في وجوههم بالتراب حتى رجع إلى أصحابه وقال: [و] [٤] إن تأخذوا بزّى، فإنّى مجرّب [٥] ... خروج من الغمّاء، محتضر النّصر

стр. 325

وإنّى لحام من وراء عشيرتي ... ركوب لآثار الهوى محفل الأمر وحمل القعقاع يومئذ ثلاثين حملة، كلّما طلعت قطعة من الخيل حمل حملة فيصيب فيها. فقتل في يوم أغواث ثلاثين فارسا، وكان آخرهم بزرجمهر الهمداني، وقال القعقاع فيه: حبوته جيّاشة بالنّفس ... هدّارة مثل شعاع الشّمس في يوم أغواث قليل [١] الفرس ... أنخس بالقوم أشدّ النّخس حتى تفيظ [٢] معشرى ونفسي [٣٦٣] واقتتل الناس صتيتا حتى انتصف الليل. فكانت ليلة أرماث تدعى «الهداة» ، وليلة أغواث تدعى «السواد» . ولم يزل المسلمون يرون الظفر يوم أغواث في القادسية، وقتلوا عامّة أعلامهم، وجالت فيهم خيل القلب، وثبت رجلهم، فلولا أنّ خيلهم كرّت، لأخذ رستم أخذا. وانتمى المسلمون لدن [٣] أمسوا. فلمّا أمسى سعد وسمع ذلك نام، وقال لبعض من عنده: - «إن تمّ الناس على الانتماء فلا توقظنى، فإنّهم أقوياء على عدوّهم، فإن سكتوا ولم ينتم الآخرون فلا توقظنى، فإنّهم على السواء، وإن سمعتهم ينتمون، فأيقظنى، فإنّ انتماءهم لشرّ.»

стр. 326

قصّة أبى محجن مع سلمى وسعد فلمّا اشتدّ القتال بالسواد، سأل أبو محجن سلمى بنت خصفة، وكان محبوسا مقيّدا في القصر. فقال: - «يا ابنة خصفة، هل لك إلى خير؟» قالت: «وما ذاك؟» قال: «تخلّين عنّى وتعيريننى البلقاء. فلله علىّ، إن سلّمنى الله أرجع إليك حتى أضع رجلىّ في قيدي.» ! فقالت: «وما أنا وذاك؟» فجعل يرسف في قيده وقال: [٣٦٤] كفى حزنا أن تردى الخيل بالقنا ... وأترك مشدودا علىّ وثاقيا إذا قمت عنّانى [١] الحديد وغلّقت ... مصاريع من دوني تصمّ المناديا قالت سلمى: «إنّى استخرت الله، ورضيت بعهدك.» فأطلقته وقالت: - «أمّا الفرس فلا أعيرها.» فرجعت. «فاقتادها رويدا، وأخرجها من باب القصر، فركبها. ثم دبّ عليها حتى إذا كان بحيال الميمنة. ثم حمل على الميسرة ميسرة الفرس، يلعب برمحه وسلاحه بين الصفّين- وقد حكى أنّ الفرس كانت عريا، وحكى أنّها كانت بسرجها- ثم رجع من خلف صفّ المسلمين إلى الميسرة، فكبّر، وحمل على ميمنة القوم، يلعب بين

стр. 327

الصّفين برمحه وسلاحه. ثم رجع من خلف المسلمين إلى القلب، فبدر أمام الناس، فحمل على القوم يلعب بين الصفّين برمحه وسلاحه. فكان يقصف الناس ليلتئذ قصفا منكرا، وتعجّب الناس منه وهم لا يعرفونه ولم يروه بالنهار. فقال بعض الناس: «هذا من أوائل أصحاب هاشم، أو هاشم نفسه.» [٣٦٥] وانتبه سعد وهو منكبّ مشرف من فوق القصر، فقال: - «والله لولا محبس أبى محجن لقلت: إنّه هو وهذه البلقاء.» وقال بعض الناس: «إن كان الخضر يشهد الحروب فهذا الخضر.» وقال بعضهم: «لولا أنّ الملائكة لا تباشر [القتال] [١] لقلنا: ملك بيننا!» فلما انتصف الليل حاجز أهل فارس، وتراجع المسلمون، وأقبل أبو محجن حتى دخل القصر من حيث خرج منه، ووضع عن نفسه وعن دابّته، وأعاد رجليه في قيده، وقال في أبيات: لقد علمت ثقيف غير فخر ... بأنّا نحن أكرمهم سيوفا وأكثرهم دروعا سابغات ... وأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا وأنّا وفدهم في كلّ يوم ... فإن عميوا فسل بهم عريفا [٢] وليلة قادس لم يشعروا بى ... ولم أشعر بمخرجى الزّحوفا فإن أحبس فذلكم بلائي ... وإن أترك أذيقهم الحتوفا وإنّما حبس في أبيات قالها وهي:

стр. 328

إذا متّ، فادفنّى إلى أصل كرمة............... [١] فلمّا أصبحت سلمى أتت سعدا، وكانت مغاضبة له، وصالحته وأخبرته [٣٦٦] خبرها مع أبى محجن. فدعا به، وأطلقه، وقال: - «اذهب، فما أنا مؤاخذك بشيء تقوله، حتى تفعله.» قال: «لا جرم والله، لا أجيب لساني إلى صفة قبيح أبدا.» يوم عماس أصبح الناس اليوم الثالث على مواقفهم وبينهم كالرّجلة الحمراء ميل في عرض الصفّين، وقد قتل من المسلمين ألفان، ومن المشركين عشرة آلاف، وكان أهل الدين يجمعون القتلى يحملونهم إلى المقابر ويبلّغون الرثيث إلى النساء والصبيان، و [النساء و] [٢] الصبيان يحرفون القبور في اليومين: يوم أغواث ويوم أرماث. وبات القعقاع ليلته كلها يسرّب أصحابه إلى المكان الذي فارقهم بالأمس. ثم قال لهم: - «إذا طلعت الشمس فأقبلوا مائة مائة، كلّما توارت مائة فليتّبعها مائة. فإن جاء هاشم فذاك، وإلّا جدّدتم للناس رجاء وجدّا.» ففعلوا ولا يشعر بذلك أحد.

стр. 329

فأصبح الناس على مواقفهم قد أحرزوا قتلاهم: فأمّا [٣٦٧] قتلى المشركين فقد أضيعوا، لأنّهم لا يعرضون لأمواتهم، وكان ذلك مما صنع الله للمسلمين مكيدة ليشدّ بها أعضادهم. فلمّا ذرّ قرن الشمس والقعقاع يلاحظ الخيل طلعت نواصيها. فكبّر، وكبّر الناس وقالوا: «جاء المدد» وقد كان عاصم بن عمرو أمر أن يصنع مثلها. فجاؤوا من قبل خفّان. فما جاء آخر أصحاب القعقاع حتى انتهى لهم هاشم في سبعمائة، فأخبروه برأى القعقاع وما صنع في يوميه، فعبّى أصحابه سبعين سبعين. فلما نجز [١] أصحاب القعقاع خرج هاشم في سبعين معه، فيهم قيس بن هبيرة، حتى إذا خالط القلب كبّروا، وقد أخذ المسلمين الفرح [٢] ، فكبّروا جميعا وقد أصلح المشركون توابيت الفيلة معها الرجّالة يحمونها أن تقطع وضنها ومع الرجّالة فرسان يحمونهم، إذا رأوا كتيبة دلفوا إليها بفيل واتباعه لينفروا به الخيل. فلم يكن ذلك منهم كما كان بالأمس، لأنّ الفيل إذا كان وحده ليس معه أحد، كان أوحش [٣٦٨] وأهول، وإذا طاف به الناس كان آنس. فكان القتال كذلك. وكان يوم عماس من أوّله إلى آخره شديدا، العجم والعرب فيه سواء، ولا يكون بينهم لفظة [٣] إلّا تعاورها الرجال حتى تبلغ يزدجرد، فكان يبعث إليهم بأهل النجدات ممن بقي عنده فيقوون بهم، وتجيئهم الأمداد على البرد. فلولا الذي صنع القعقاع في اليومين، ومجيء هاشم بعقبه كسر ذلك المسلمين، وما كان عامّة جنن المسلمين إلّا براذع الرحال، قد أعرضوا فيها الجريد، ومن لم تكن له وقاية

стр. 330

لرأسه، عصّب رأسه بالأنساع. وأبلى يومئذ قيس بن هبيرة بن مكشوح. وقال عمرو بن معدى كرب: - «إنى حامل على الفيل بازائهم، فلا تدعوني أكثر من جزر جزور، فإن تأخّرتم فقدتم أبا ثور، وأين لكم مثل أبى ثور، وإن أدركتمونى وجدتمونى وفي يدي السيف.» ! فحمل، فما انثنى حتى ضرب فيهم، وستره الغبار. فقال أصحابه: - «ما تنتظرون؟ ما أنتم بخلقاء أن تدركوه، وإن فقدتموه فقد المسلمون فارسهم.» فحلموا، فأفرج [٣٦٩] المشركون عنه بعد ما صرعوه وطعنوه وإنّ سيفه لفي يده يضاربهم به، وقد طعن فرسه. فلمّا انفرج عنه أهل فارس أخذ برجل فرس عليه فارسي، فحرّكه الفارسي، فاضطرب الفرس، فالتفت إلى عمرو، فهمّ به، فغشيه المسلمون. فنزل عنه، وحاضر إلى الفرس [١] ، وقال عمرو لأصحابه: - «أمكنونى من لجامه.» فأمكنوه منه فركبه. اتّفاق جرى يوم عماس ويحذر أن يقع مثله ومن الاتفاق الذي جرى في يوم عماس ويحذر أن يقع مثله: أنّ رجلا من الفرس خرج بين الصفّين فهدر وشقشق ودعا إلى البراز. قال: فبرز رجل منّا يقال له: شبر بن علقمة، وكان قصيرا دميما، وقال: - «يا معشر المسلمين! قد أنصفكم الرجل.» فلم يجبه ولم يخرج إليه أحد.

стр. 331

فقال: «أما والله، لولا أن يزدرونى لخرجت إليه.» فلمّا رأى أنّ المسلمين لا يمنعونه أخذ سيفه وحجفته، وتقدّم. فلمّا رآه الفارسي نزل إليه، فاحتمله، وجلس على صدره وأخذ سيفه ليذبحه وقد كان شدّ مقود فرسه بمنطقته. فلمّا سلّ السيف [٣٧٠] حاص الفرس حيصة، فجذبه المقود، فقلبه عنه. فأقبل عليه وهو يسحب، فافترشه. وجعل أصحابه يصيحون به، فقال: - «صيحوا ما بدا لكم، فوالله لا أفارقه حتى أقتله وأسلبه.» فذبحه وسلبه، ثم أتى به سعدا، فقال: - «إذا كان حين الظهر فائتني.» فوافاه، فحمد سعد الله، وأثنى عليه، ثم قال: - «إنى قد رأيت أن أنفّله إيّاه، وكلّ من سلب سلبا فهو له.» فباعه باثنى عشر ألفا. ما جرى في يوم عماس أيضا ولما عادت الفيلة لفعلها يوم أرماث تفرّق بين الكتائب، راسل قوما ممن أسلموا من الفرس، فدخلوا عليه، فسألهم عن الفيلة: «هل لها مقاتل؟» قالوا: «نعم! المشافر والعيون. لا ينتفع بها بعدها.» فأرسل إلى القعقاع وعاصم ابني مذعور: «اكفياني الأبيض.» وذاك أنّ الفيلة كانت تألفه، وكان بإزائهما، وأرسل إلى حمّال والربّيل: «اكفيانى الأجرب» - وكان بازائهما. فأما القعقاع وعاصم فانّهما أخذا رمحين أصمّين ليّنين، ثم دبّا في خيل ورجل، وقالا: - «اكتنفوه لتحيّروه.»

стр. 332

فنظر الفيل يمنة ويسرة وهما يريدان أن يخبط [١] . فحمل القعقاع وعاصم- والفيل متشاغل بمن حوله- فوضعا رمحيهما [٣٧١] في عيني الفيل الأبيض، فقبع، ونفض رأسه، فطرح ساسته، ودلّى مشفره، فبادره القعقاع، فنفحه بالسيف، فرمى به، وأقعى الفيل، فقتلوا من كان عليه. وأما حمّال والربّيل فانّهما قالا: - «يا معشر المسلمين، أىّ الموت أشدّ؟» قالوا: «أن تشدّا على هذا الفيل.» قال: «فنزّقا فرسيهما حتى إذا قاما على السنابك ضرباهما على الفيل الذي بازائهم. فطعن أحدهما عينه فوطئ الفيل من خلفه، ويضرب الآخر مشفره، فيضربه سائس الفيل ضربة شانئة في وجهه بالطبرزين، فأفلت بها هو والربّيل [٢] ، فبقى الفيل متلدّدا بين الصفّين كلّما أتى صفّ المسلمين وخزوه، وإذا أتى صفّ المشركين نخسوه، وصاح الفيلان صياحا عظيما. ثم ولّى الأجرب الذي عوّر، فوثب في العتيق فاتّبعته الفيلة فخرقت صفّ الأعاجم، وعبرت العتيق في إثره، فبيّتت [٣] المدائن في توابيتها، وهلك من فيها، وخلص المسلمون بأهل فارس، ومال الظلّ، فتزاحفوا، واجتلدوا بالسيوف حتى أمسوا. فلمّا طعنوا في الليل اشتدّ القتال [٣٧٢] وصبر الفريقان، ولم يسمع إلّا الغماغم من هؤلاء وهؤلاء، فسمّيت «ليلة الهرير» لم يكن بعدها قتال بليل بالقادسيّة. ثمّ إنّ سعدا وجّه طليحة وعمرو بن معدى كرب إلى مخاضة كانت أسفل منهم، وخشي أن يؤتى المسلمون منها بعبور الفرس، ووصّاهما أن يقفا هناك، فإن أحسّا بكيد أنذرا المسلمين. فانتهيا إلى هناك، فلم يجدا أحدا. فأمّا طليحة فرأى

стр. 333

أن يعبر، وأمّا عمرو فقال: «ما أمرنا بذلك.» فعبر طليحة حتى إذا صار وراء صفّ المشركين كبّر ثلاث تكبيرات، فدهش القوم، وكفّوا عن الحرب لينظروا ما هو، وطلبوه فلم يدروا أين سلك! وسفل حتى غاص، وأقبل إلى العسكر فأتى سعدا خبره، فاشتدّ ذلك على الفرس، وفرح المسلمون. وقال طليحة للفرس: - «لا تعدموا أمرا ضعضعكم.» ثم إنّهم عادوا، وجدّدوا تعبئة، وأخذوا في أمر لم يكونوا عليه في الأيام الثلاثة والمسلمون على تعبيتهم، فطاردهم فرسان العرب، فإذا القوم لا يشدّون، ولا يريدون إلّا الزحف [٣٧٣] فقدّموا صفا له أذنان، وأتبعوا آخر وآخر حتى تمّ صفوفهم ثلاثة عشر صفّا في القلب والمجنّبتين. فرماهم فرسان العسكر فلم يعطفهم ذلك. ثم لحقت بالفرسان الكتائب، فحمل القعقاع على ناحيته التي رمى بها مزدلفا. فقاموا على ساق والناس على راياتهم، بغير إذن سعد. فقال سعد: «اللهمّ اغفرها له وانصره، وا تميماه سائر الليلة.» ثم قال: «إنّ الرأى ما رءاه القعقاع. فإذا كبّرت ثلاثا فاحملوا.» فلمّا كبّروا [١] واحدة حملت أسد، فقال: اللهمّ اغفرها لهم وانصرهم. وا أسداه سائر الليلة.» ثم حمل الناس وعصوا سعدا. فقام قيس بن المكشوح في من يليه- ولم يشهد شيئا من لياليها إلّا تلك الليلة، لأنّه كان آخر من ورد مع هاشم- فقال: - «إنّ عدوّكم قد أبى إلّا المزاحفة، والرأى رأى أميركم، وليس بأن تحمل الخيل ليس معها الرجل.» قال القوم: «إذا زحفوا وطاردهم عدوّهم على الخيل لا رجال معهم عفّروا [٢]

стр. 334

بهم، ولم يطيقوا أن يقدموا عليهم. تيسّروا للحملة، وانتظروا التكبير.» - وإنّ نشّاب الأعاجم لتجوز [٣٧٤] صفّ المسلمين.» فتكلّم الرؤساء. فقال دريد بن كعب النخعي- وكان معه لواء النخع-: - «إنّ المسلمين قد تهيّئوا للمزاحفة، فاستبقوا المؤمنين الليلة إلى الله والجهاد، نافسوهم الشهادة، وطيبوا نفسا بالموت، فإنّه أنجى من الموت إن كنتم تريدون الحياة، وإلّا فالآخرة ما أردتم.» وتكلّم الأشعث بن قيس، فقال: - «لا ينبغي أن يكون هؤلاء أجرأ على الموت منّا، ولا أسخى نفسا عن الدنيا، لا تجزعوا من القتل، فإنّه أمانىّ الكرام، ومنايا الشهداء.» وترجّل وتكلّم طليحة فقال مثل ذلك، وتكلّم غالب وحمّال وأهل النجدات، فقالوا قريبا من ذلك، وفعلوا فعلهم. وقامت حربهم على ساق، حتى الصباح. فتلك ليلة الهرير. وحكى أنس بن الحليس، قال: شهدت ليلة الهرير، فكان صليل الحديد فيها كصوت القيون ليلتهم حتى الصباح، أفرغ عليهم الصبر إفراغا، وبات سعد بليلة لم يبت بمثلها، ورأى العرب والعجم أمرا لم يروا مثله قطّ، وانقطعت الأصوات عن رستم وسعد. فبعث سعد نجّارا [١]- وهو [٣٧٥] غلام- إلى الصفّ لم يجد رسولا، فقال: - «أنظر ما ترى من حالهم.» فرجع، فقال: «ما رأيت يا بنىّ؟» قال: «رأيت قوما يلعبون ويجدّون.» فأوّل شيء سمعه سعد ليلتئذ مما يستدل به على الفتح في نصف الليل الأخير،

стр. 335

صوت القعقاع بن عمرو، وهو يقول: نحن قتلنا معشرا وزائدا ... أربعة وخمسة وواحدا تحسب [١] فوق اللّبد [٢] الأساودا ... حتى إذا ماتوا دعوت شاهدا [٣] الله ربّى واحتردت [٤] جاهدا وأصبحوا ليلة القادسية- وهي ليلة الهرير. سمّيت بليلة القادسية من بين تلك الليالي والأيّام- والناس حسرى لم يغمّضوا ليلتهم كلّها. فسار القعقاع في الناس، فقال: - «إنّ الدبرة بعد ساعة لمن بدأ اليوم، فاصبروا فإنّ النصر مع الصبر.» فاجتمع إليه جماعة من الرؤساء، فصمدوا لرستم حتى خالطوا الذين دونه. ولمّا رأت ذلك القبائل قام فيها رجال، فقام قيس بن عبد يغوث المكشوح، والأشعث بن قيس، وعمرو بن معدى كرب، وأشباههم، فحضّوا الناس وحرّضوا. [٣٧٦] فكان أوّل من زال حين قام قائم الظهيرة الهرمزان والبندوان [٥] ، فتأخّرا وثبتا حيث انتهيا. وانفرج القلب، وركد عليهم النقع، وهبّت ريح عاصف، فقلعت طيارة رستم عن سريره، فهوت في العتيق وهي دبور، ومال الغبار عليهم. وانتهى القعقاع وأصحابه إلى السرير، فعبروا به، وقد قام رستم حين طارت الريح بالطيارة إلى

стр. 336

بغال قدمت عليه بمال يومئذ فهي واقفة. فاستظلّ في ظلّ بغل وحمله. فقصده هلال بن علّفة، وولّى عنه رستم، فاتبعه هلال، فرماه رستم، فشكّ قدمه في الركاب، وقال بالفارسية: - «بباى [١] .» - يقول: «كما أنت ارفق.» فحمل عليه هلال، فضربه ضربة نفحت مسكا. ومضى رستم نحو العتيق، فرمى بنفسه فيه، واقتحمه هلال عليه، فتناوله وقدم عام وهلال قائم. فأخذ رجله، ثم خرج به، وضرب جبينه بالسيف حتى قتله، ثم جاء به حتى رمى به بين يدي رحله وأرجل البغال، وأخذ سلبه، ثم صعد السرير، ونادى: - «قتلت رستم وربّ الكعبة، إلىّ إلىّ!» فأطافوا به، وكبّروا وما يحسون السرير، ولا يرونه، وانهزم المشركون. [٣٧٧] وقام الجالنوس على الردم ونادى أهل فارس إلى العبور، وأسفر الغبار. فأما المقترنون فإنّهم جشعوا. فتهافتوا في العتيق، فوخزهم المسلمون برماحهم، فما أفلت منهم مخبر وهم ثلاثون ألفا. درفش الكابيان وغيره من الأسلاب وأخذ ضرار بن الخطّاب درفش الكابيان، فعوّض منها ثلاثين ألفا، [٠٠٠، ٣٠] وكانت قيمتها ألفى ألف ومائتي ألف [٠٠٠، ٢٠٠، ٢] . وجمعت الأسلاب والأموال، فجمع منها شيء لم يجمع قبله ولا بعده. وأرسل سعد إلى هلال، فدعى، فقال:

стр. 337

- «أين صاحبك؟» قال: «رميت به تحت أبغل كانت هنالك.» قال: «اذهب، وجئ به.» فأمضى له سلبه. وبعث زهرة بن الحويّة [١] يتبع الجالنوس ومن لحق به، وأمر القعقاع بمن سفل، وشرحبيل بمن علا. وأمر بدفن الشهداء. فخرج زهرة بن الحويّة في آثارهم. فلمّا انتهى إلى الردم وجده مبثوقا، ليمنعوهم من الطلب. فقال زهرة: - «يا بكير- وكان معه- أقدم فرسك!» وكان بكير يقاتل على الإناث، وقال: - «ثبى أطلال!» فتجمّعت ووثبت. وأوثب زهرة فرسه [٣٧٨]- وكان على حصان- فاتبعه وتتابع على ذلك ثلاثمائة فارس. ونادى زهرة حين كاعت [٢] الخيل: - «خذوا أيها الناس على القنطرة فعارضونا!» ففعل الناس ذلك ومضى زهرة، فلحق الفرس، وقد نزلوا الخرّارة وطمعوا، وهم يتعجّبون من رميهم وأنّه لم يعمل في العرب. وكان الجالنوس قد رفع له كرة [٣] ، فهو يرميها ويشكّها بالنشّاب. فشدّ زهرة على الجالنوس، فقتله، وانهزمت الفرس. وقد قيل: إنّ الجالنوس كان راكبا يحمى الفرس حين لحقهم زهرة، فشاوله، واختلفا ضربتين سبقه زهرة، فقتله. وأمّا القعقاع وشرحبيل فإنّهما خرجا في طلب من ارتفع وسفل، فقتلوهم في كلّ قرية وأجمة وشاطئ نهر، وراجعوا. فتوافوا عند صلاة الظهر، وهنّأ الناس

стр. 338

بعضهم بعضا، وأثنى سعد على كلّ حىّ، وذكر خيرا. وتدرّع زهرة ما كان على الجالنوس، فبلغ بضعة وسبعين ألفا. فلمّا رجع إلى سعد نزع سلبه وقال: - «ألا انتظرت إذنى؟» فكتب عمر إلى سعد: - «تعمد إلى مثل زهرة وقد صلى بما صلى به [٣٧٩] وقد بقي من حربك ما بقي، تكسر قوّته [١] ، وتفسد قلبه! أمض له سلبه، وفضّله عند العطاء بخمسمائة.» وقد حكى أنّ عامة من شهد القادسية فضّلوا عند العطاء بخمسمائة. وأمّا أهل الأيّام، فإنّهم فضّلوا على أهل القادسية، فإنّهم فرض لهم على ثلاثة آلاف. فقيل لعمر: - «لو ألحقت بهم أهل القادسية، أو فضّلت من بعدت داره على من قاتلهم بفنائه.» فقال: «كيف أفضّلهم وهم شجى [٢] العدوّ، فهلّا فعل المهاجرون بالأنصار إذ قاتلوهم بفنائهم مثل هذا.» فحكى عن رجل من عبس قال: أصاب أهل فارس يومئذ بعد ما انهزموا ما لم يصب الناس قبلهم. لقد كان الرجل من المسلمين يدعو الفارس منهم وعليه السلاح التامّ، فيأتيه حتى يقوم بين يديه فيضرب عنقه ويأخذ سلاحه، وربما قتله بسلاحه، وربما أمر الرجلين أحدهما بصاحبه، وكذلك في العدّة. وكان ممن هرب: الهرمزان، وقارن، وأهود. وكان ممن استقتل: شهريار بن كنارا، وابن الهربذ، والفرّخان، وخسروشنوم [٣] . [٣٨٠] وباع هلال بن علّفة سلب رستم- وكان تخفّف لما وقع في الماء- بسبعين

стр. 339

ألفا، وكانت قيمة قلنسوته مائة ألف [٠٠٠، ١٠٠] لو ظفر بها. وجاء نفر من العباد حتى دخلوا على سعد، فقالوا: - «أيها الأمير، رأينا جسد رستم على باب قصرك، وعليه رأس غيره.» وكان الضرب قد شوّهه، فضحك. ومن أنباء الشام وأما جند الشام فإنّ حمص افتتحت، وتوجّه علقمة إلى غزّة، وتوجّه معاوية إلى قيساريّة، وصمد عمرو بن العاص إلى الأرطبون [١] بأجنادين، وكان الأرطبون أدهى الروم، أبعدها غورا، وأذكاها فعلا، وكان على الروم، وقد وضع بالرملة جندا عظيما [٢] ، وكتب عمرو إلى عمر [بالخبر] [٣] . فقال عمر: - «قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، فانظروا عمّا تنفرج.» ذكر خديعة عمرو لأرطبون وجعل عمرو ينفذ إلى الأرطبون رسلا فلا يشفونه [٤] . ولا يقدرون من أرطبون على سقطة. فعزم على أن يتولّاه بنفسه، فدخل عليه كأنّه رسول. فأبلغه ما [٣٨١] يريد، وسمع كلامه، وتأمّل حصونه حتى عرف ما أراد. وقال أرطبون في نفسه: - «والله إنّ هذا لعمرو، أو الذي يأخذ عمرو برأيه، وما كنت لأصيب القوم بأعظم عليهم من قتله.»

стр. 340

ثمّ دعا حرسيّا، فسارّه بقتله، وقال: - «اخرج بمكان كذا وكذا، فإذا مرّ بك هذا فاقتله.» وفطن له عمرو فقال: - «قد سمعت منّى وسمعت منك. فأمّا ما قلت فقد وقع منّى موقعا، وأنا واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطّاب مع هذا الوالي لنكاتفه ويشهدنا أموره. فأرجع، فآتيك بهم الآن. فإذا رأوا في الذي عرضت مثل رأيى فقد رآه أهل العسكر والأمير، وإن لم يروه رددتهم إلى مأمنهم، وكنت على رأس أمرك.» فقال: «نعم.» ودعا رجلا، فسارّه وقال: - «اذهب إلى فلان فردّه إلىّ.» فرجع الرجل. وقال لعمرو: - «انطلق، فجئ بأصحابك.» فخرج عمرو ورأى ألّا يعود لمثلها، وعلم الرومي أنّه قد خدعه. فقال: - «خدعني الرجل. هذا أدهى الخلق.» فبلغت عمر فقال: - «خدعه عمرو وغلبه. لله عمرو. [١] » سعد بن أبى وقّاص يقدّم زهرة إلى بهرسير ثم إنّ سعد بن أبى وقاص [٣٨٢] قدّم زهرة بهرسير [٢] . فمضى زهرة من كوثى في المقدّمات حتى نزل بهرسير، فتلقاه شيرزاد بساباط بالصلح وتأدية الجزى.

стр. 341

فأمضاه إلى سعد، فأقبل معه وتبعته المجنّبات. وخرج هاشم وخرج سعد في إثره وقد فلّ زهرة كتيبة كسرى بوران [حول] [١] المظلم [٢] ، وانتهى هاشم إلى مظلم ساباط، ووقف لسعد حتى لحق به، وكانت به كتائب كسرى تدعى: «الأسود» ، يحلفون بالله كلّ يوم: - «لا يزول ملك فارس ما عشنا.» فتنادوا ورئيسهم المقرّط. وقال المقرّط: - «إلىّ إلىّ.» وذلك لما انتهى إليه. فنزل إليه هاشم فقتله. فقبّل سعد رأس هاشم، وقبّل هاشم قدم سعد. وقدم سعد إلى بهرسير، فنزل إلى المظلم وقرأ: أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ من قَبْلُ ما لَكُمْ من زَوالٍ. ١٤: ٤٤ [٣] ثم ارتحل فنزل بهرسير. وجعل المسلمون كلّما قامت طائفة على بهرسير، وقفوا، ثمّ كبّروا كذلك، حتى انجرّ [٤] آخر من مع سعد، فكان مقامه على بهرسير شهرين. وعبروا في الثالث، وذلك أنّهم أقاموا شهرين يرمونهم بالمجانيق، ويدبّون إليهم بالدبابات، ويقاتلونهم بكلّ عدّة. وكان [٣٨٣] سعد استصنع شيرزاد عشرين منجنيقا، فشغلوهم بها. وكانت العرب مطيفة ببهرسير والعجم متحصّنة فيها. وربما خرج الأعاجم يمشون على المسنّيات المشرفة على دجلة في العدّة والعديد لقتال المسلمين، فلا يقومون لهم. فكان آخر ما خرجوا في رجّالة، وناشبة تجرّدوا للحرب، وتبايعوا على الصبر، فقاتلهم المسلمون ولم يلبّثوهم [٥] ، فكذبوا وتولّوا.

стр. 342

ذكر استهانة في الحرب عادت بهلكة هكذا وجدت في التاريخ وهو سهو، لأنّ زهرة بن الحويّة عاش بعد هذا، وشهد مواقف كثيرة، وسيرد جميعه على الأثر. ولعلّ هذا زهرة بن خالد، فلينظر في ذلك. كان في ذلك اليوم على زهرة بن الحويّة درع مفصومة، فقيل له: - «لو أمرت بهذا الفصم فسرد.» فقال: «ولم؟» قال: «نخاف عليك منه.» قال: «إنّى لكريم على الله، إن ترك سهم فارس [١] الجند كلّهم، ثمّ أتانى من هذا الفصم حتى يثبت في.» فكان أول رجل من المسلمين يومئذ أصيب هو [٣٨٤] بنشّابة ثبتت فيه من ذلك الفصم. فقال بعضهم: «انزعوها عنه.» فقال: «دعوني، فإن نفسي معى ما دامت في، لعلّى أصيب منهم بطعنة، أو ضربة، أو خطوة.» فمضى نحو العدوّ، فضرب بسيفه شهربراز من أهل إصطخر، فقتله، وأحيط به فقتل، وانكشفوا. وتنادى أهل بهرسير، فعبروا. فلمّا رآهم سعد والمسلمون يعبرون، زحفوا إلى السور والمجانيق تأخذه. فناداهم رجل: - «الأمان» . فآمنوه، فقال:

стр. 343

- «أىّ شيء ترمون؟ ما بقي في المدينة أحد.» فتسوّروا، ودخلوا بهرسير، وفتحوا أبوابها، وتحوّل العسكر إليها، وحاولوا العبور، فوجدوهم قد ضمّوا السفن إليهم في ما بين البطائح وتكريت. بهرسير [١] وأبيض كسرى ولما دخل المسلمون بهرسير لاح لهم الأبيض. فقال ضرار بن الخطّاب: - «الله أكبر، هذا ما وعد الله ورسوله: أبيض كسرى.» والله لتتابعوا بالتكبير حتى أصبحوا. وخبّرهم ذلك الرجل الذي نادى بالأمان: أنّكم حصرتم القوم حتى أكلوا الكلاب والسنانير. ولمّا نزل سعد بهرسير- وهي المدينة التي كان فيها منزل كسرى- طلب السفن [٣٨٥] ليعبر بالناس إلى المدينة القصوى، فلم يقدر على شيء، وأقام أيّاما يصعّد ويصوّب. فأتاه أعلاج يدلّونه على مخاضة تخاض إلى صلب الوادي، فأبى وأبقى على المسلمين وفجئهم المدّ، فرأوا أمرا هائلا في سنة جود صيفها [٢] متتابع. فجمع سعد الناس وخطبهم وقال بعد حمد الله: - «إنّ عدوّكم قد اعتصم منكم بهذا البحر، فلا تخلصون إليه معه، وهم يخلصون إليكم إذا شاءوا فيناوشونكم في سفنهم، وليس وراءكم شيء تخافون أن تؤتوا منه، وقد كفاكموهم أهل الأيام، وعطّلوا ثغورهم، وأفنوا ذادتهم. وقد رأيت أن تبادروا جهاد العدوّ

стр. 344

بنيّاتكم قبل أن تحصدكم [١] الدنيا، ألا إنّى قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم.» فقالوا جميعا: - «عزم الله لنا ولك على الرشد.» فندب سعد الناس إلى العبور، فقال: - «من يبدأ ويحمى لنا الفراض حتى لا يتلاحقوا [٢] ويلحق الناس، فلا يمنعوا من الخروج من الماء؟» . فانتدب له عاصم بن عمرو وجماعة من ذوى البأس. ثمّ انتدب بعدهم ستمائة من أهل [٣٨٦] النجدات. فاستعمل عليهم عاصما، فسار فيهم حتى وقف على شاطئ دجلة، وقال: - «من ينتدب معى لمنع الفراض من عدوّكم لنحميكم حتى تعبروا؟» فانتدب له ستون، فجعل نصفهم على خيول إناث، ونصفهم على ذكورة. ثمّ اقتحموا دجلة، واقتحم بقيّة الستمائة على أثرهم. فكان أول من فصل من الستمائة، رجل يعرف بأصمّ التيم وشرحبيل وعدّة من معه. فلمّا رآهم الفرس وما صنعوا، أعدّوا للخيل التي عبرت مثلها، فاقتحموا دجلة فأعاموها إليهم. فقال عاصم وقد لقوه في السرعان وقد دنا من الفرضة: - «الرماح، الرماح أشرعوها، وتوخّوا بها العيون» . فالتقوا، وتوخّى المسلمون عيونهم. فولّوا بأجمعهم والمسلمون يشمّصون [٣] بهم خيلهم ما يملك رجالها منع شيء منها، فلحقوهم في الجدّ فقتلوا عامّتهم، ونجا من نجا منهم عورانا، وتزلزلت بهم الخيل، وتلاحق الستمائة بأوائلهم الستين

стр. 345

غير متعتعين، وأذن سعد للناس في الاقتحام وأمرهم بالاقتران، فتلاحق عظم الجند، فركبوا من دجلة اللجّة وإنّها لترمى بالزبد [٣٨٧] وهي مسودّة، وإنّ الناس ليتحدّثون في عومهم، وقد اقترنوا ما يكترثون، كما يتحدّثون في مسيرهم على الأرض. ففجئوا [١] أهل فارس بما لم يكن في حسابهم، فأعجلوهم عن جمهور أموالهم. وكان يزدجرد قد قدّم عياله وما خفّ من ذخائره معهم حين نزل المسلمون بهر سير إلى حلوان. وبلغ ذلك سعدا. جاءه بالخبر بعض الأعلاج [٢] وقال: - «ما تنتظر إذا كان بعد ثلاث لم يبق بالمدائن مال لكسرى، ولا لأهله» . فكان ذلك مما هيّج سعدا وحمله على ما فعل. فكان قرين سعد الذي يسايره في الماء سلمان الفارسىّ، وكان سفيرهم، والمترجم لهم وعنهم. وحكى: أنّ ذلك الخيل عبر بأجمعه، وقد اسودّت منه دجلة حتى ما يرى الماء، فسلموا بأجمعهم، ما فقدوا رجلا واحدا، ولا أداة. غير أنّ رجلا كانت له علاقة في قدح رثّة، فانقطعت، وذهب القدح في الماء، والتقطه رجل من الماء كان أسفل، تناوله برمحه، وجاء به إلى العسكر يعرّفه، فأخذه صاحبه. وزال رجل من بارق يومئذ [٣٨٨] يدعى غرقدة عن ظهر فرس له شقراء، فنظر إليها المسلمون عريا [٣] تنفض أعرافها والغريق طاف، فثنّى القعقاع بن عمرو عنان فرسه إليه، فأخذ بيده، وجرّه حتى عبر، وكان البارقىّ من أشدّ الناس، فقال: أعجزت الأخوات [٤] أن يلدن مثلك يا قعقاع؟» - وكان للقعقاع فيهم

стр. 346

خؤولة. وما زالت حماة فارس يقاتلون على الفراض حتى أتاهم آت فقال: - «علام تقاتلون، ولم تقتلون أنفسكم؟ فوالله ما في المدائن أحد.» مبادرة يزدجرد إلى حلوان وبادر يزدجرد إلى حلوان، وخلّف مهران الرازي والنخيرجان [١]- وكان على بيت المال بالنهروان- وخرجت الفرس بما قدرت عليه من حرّ المتاع وخفيفه وبالنساء والذرارىّ، وتركوا في الخزائن من الثياب، والأمتعة والآنية، والفضول، والألطاف، والعطر، ما لا يدرى: ما قيمته. وخلّفوا ما كانوا أعدّوا للحصار من الأطعمة، والأشربة، وأصناف المأكول والحيوان من البقر، والغنم. دخول المدائن فدخل المسلمون المدائن، وأخذوا في سككها لا يلقون فيها أحدا ولا يحسّونه، إلّا من كان في القصر الأبيض. فأحيط بهم [٣٨٩] ودعوهم. وكانوا قد اتعظوا بأهل بهرسير. وذلك أنّ المسلمين لما نزلوا عليهم أجّلوهم ثلاثا، ودعوهم إلى ثلاث خصال: إمّا الإسلام، وإمّا الجزية، وإمّا الحرب. فلما لم يجيبوا في [اليوم] الثالث أبادوهم. ولما دعوا أهل القصر الأبيض إلى مثل ذلك اختاروا الجزية. وكان المخاطب لهم سلمان الفارسي. وملك المسلمون الغنائم، واحتوى سعد على بيوت المال، فوجد فيها ثلاثة آلاف ألف ألف [٠٠٠، ٠٠٠، ٣٠٠٠] . فنزل سعد القصر الأبيض، واتّخذ الإيوان مصلّى. وقدّم جيشا إلى النهروان، عليهم زهرة، وتراجع إلى المدائن أهلها على

стр. 347

الأمان والرضا بالجزية. ووجدوا بالمدائن قبابا تركية مملوءة سلالا مختمة بالرصاص، قالوا: فما حسبناها إلّا طعاما من حلواء، فإذا هي آنية الذهب والفضّة! وقسمت بعد في الناس. قال حبيب: لقد رأيت رجلا يطوف ويقول: - «من معه بيضاء بصفراء.» ولقد أتينا على كافور كثير. فما حسبناه إلّا ملحا، فجعلنا نعجّن به الدقيق حتى وجدنا مرارته في الخبز! ولما انتهى زهرة في المقدمة إلى النهروان [٣٩٠] وجدهم قد ازدحموا، فوقع بغل في الماء كلبوا عليه. فقال زهرة: - «إنى أقسم بالله انّ لهذا البغل لشأنا ما كلب عليه القوم، ولا صبروا للسيوف بهذا الموقف الضنك إلّا لأمر.» وإذا الذي عليه خرزات كسرى ووشائحه، وعليها من الجواهر ما لا تعرف قيمته، وكان يجلس فيها يوم المباهاة. فترجّل زهرة يومئذ حتى أزاحهم عن البغل، فاحتمله هو وأصحابه، وجاءوا بما عليه إلى صاحب الأقباض، لا يدرون ما عليه حتى فتح هناك. تاج كسرى وأدراعه وحكى هبيرة بن الأشعث عن جدّه قال: كنت ممن خرج في الطلب، فإذا ببغلين فذاد راكباهما عنهما بالنشّاب [١] ، ونظرت، وإذا لم يبق معهما غير نشّابين. فألححت بهما، فاجتمعا، فقال أحدهما

стр. 348

لصاحبه: - «على ما أرى، ارمه وأحميك، أو أرميه واحمنى!» فحمى كلّ واحد منهما صاحبه حتى رميا بهما. ثمّ إنّى حملت عليهما، فقتلتهما، وجئت بالبغلين ما أدرى ما عليهما، حتى أتيت بهما صاحب الأقباض وإذا هو يكتب ما يأتى به الناس وما يجمع من الخزائن والدور، فقال: - «على [٣٩١] رسلك حتى ننظر ما معك!» فأطلت الوقوف بعد ما حصلت عنهما، فإذا سفطان على أحد البغلين فيهما تاج كسرى مفسّخا [١] ، وكان لا يحمله إلّا أسطوانتان، وفيهما الجوهر، وإذا على الآخر سفطان فيهما ثياب كسرى منسوجة بالذهب المنظوم بالجوهر. وخرج القعقاع بن عمرو يومئذ في الطلب، فلحق بفارسىّ يحمى الناس، فاقتتلا، فقتله، وإذا مع المقتول جنيبة عليها عيبتان وغلافان، وفي أحد الغلافين خمسة أسياف [٢] ، وفي الآخر ستة أسياف [٣] ، وإذا في إحدى العيبتين أدراع: درع كسرى، ومغافره، وساقاه، وساعده، ودرع هرقل، وفي الآخر درع سياوخش، ودرع خاقان، ودرع داهر [٤] ، ودرع بهرام شوبين، ودرع النعمان، وكان الفرس استلبوها من أربابها أيام خالفوا كسرى. وحكى عاصم بن الحارث قال: خرجت في الطلب. فأخذت طريقا مسلوكا، وإذا حمار. فلمّا رآني صاحبه حثّه، فلحق بآخر أمامه، فمالا، وحثّا حماريهما، فانتهيا إلى جدول قد كسر [٣٩٢] جسره، فثبتا حتى أتيتهما، ثمّ تفرّقا ورمانى أحدهما، فألظظت [٥] حتى

стр. 349

قتلته، وأفلت الآخر، ورجعت إلى الحمارين، فأتيت بهما صاحب الأقباض. فنظرنا، فإذا على أحدهما سفطان، في أحدهما فرس من ذهب مسرج بسرج من فضّة، على ثفره ولببه الياقوت والزمرّد منظوما على الفضّة، ولجامه كذلك، وفارس من فضّة مكلّل بالجوهر، وإذا في الآخر ناقة من فضّة عليها شليل من ذهب، وبطان من ذهب، ولهما [١] شناق أو زمام من ذهب، وكلّ ذلك منظوم بالجوهر، وإذا عليها رجل من ذهب مكلّل بالياقوت كان كسرى يضعهما إلى أسطوانتى التاج. وحكى غيره: أنّ رجلا أقبل بحقّ معه، فدفعه إلى صاحب الأقباض، فقال هو والذين معه: - «ما رأينا مثل هذا قطّ، ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه.» ثمّ سألوه عن نفسه، فأبى أن يخبرهم، وقال: - «لا والله، لا أخبركم لتحمدونى، ولا لتقرّظونى، ولكنّى أحمد الله وأرضى بثوابه.» وقال سعد: - «لولا ما سبق به أهل بدر [٢] ، لقلت: إنكم أفضل منهم وأكرم [٣٩٣] وأيم الله، لقد تتبّعت من أهل بدر هنات وهنات فيما أحرزوا، وما أحسّها [٣] ولا أسمعها من هؤلاء القوم. وقال جابر بن عبد الله: - «والله الذي لا إله إلّا هو، ما اطّلعنا على أحد من أهل القادسية أنّه يريد الدنيا مع الآخرة. ولقد اتّهمنا ثلاثة أنفس فما رأينا كأمانتهم وزهدهم وورعهم: طليحة

стр. 350

بن خويلد، وعمرو بن معدى كرب، وقيس بن المكشوح.» عمر وتاج كسرى ولما قدم على عمر بن الخطّاب بتاج كسرى وبزّته، وزبرجه، ومنطقته، وسلاحه، قال: - «إنّ قوما أدّوا هذا لذو أمانة.» فقال علىّ صلوات الله عليه: - «إنّك عففت فعفّت الرعيّة.» ولما قسم سعد الفيء أصاب الفارس اثنا عشر ألف درهم، وكلّهم كان فارسا يوم المدائن، وليس فيهم راجل، وكانت الجنائب كثيرة. ولما نزل سعد المدائن بعث إلى العيالات، فأنزلهم الدور وفيها المرافق، فأقاموا بالمدائن حتى فرغوا من جلولاء، وحلوان، وتكريت، والموصل. ثم تحوّلوا إلى الكوفة. بساط يساوى جريبا ولما قسم سعد الفيء أخذ يسأل بعد القسم وإخراج الخمس [٣٩٤] [عن] [١] القطف، فلم تعدل قيمته، فقال للمسلمين: - «هل لكم في أن نطيب نفسا عن أربعة أخماسه ونبعث به إلى عمر، فيضعه حيث يرى، فانّا لا نراه ينفق بيننا؟» فقالوا: «نعم، هاء [٢] الله إذا.» فبعث. وكان ستّين ذراعا في ستّين ذراعا، بساطا واحدا مقدار جريب، فيه: طرق كالصور، وفصوص كالأنهار، وخلال ذلك كالدير، وفي حافاته كالأرض

стр. 351

المزروعة المبقلة بالنبات، وعليه ما كانوا يعدّونه في الشتاء، إذا ذهبت الرياحين، وكانوا إذا أرادوا الشرب شربوا عليه، وكأنّهم في رياض، لأنّ الأرض- أرض البساط- مذهّب، ووشيه فصوص، وعليه قضبان الذهب، عليها أنوار من الذهب والفضة، وأوراق كذلك من حرير قد أجرى فيه ماء الذهب، وكانت العرب تسميه القطف [١] . فلما قدم به على عمر جمع الناس، وخطبهم، واستشارهم في البساط، وأخبرهم خبره. فاختلف عليه الناس، فمن مشير بقبضه وآخر مفوّض إليه، وآخر مرقّق. فقام علىّ ﵇ فقال:- «لم تجعل [٣٩٥] علمك جهلا، ويقينك شكّا؟ إنّك إن تقبله على هذا، اليوم، لم تعدم في غد من يستحلّ به ما ليس له.» فقال: «صدقتني ونصحتني.» فقطعه وقسمه. وأصاب عليّا قطعة منه باعها بعشرين ألفا، وما هي بأجود تلك القطع [٢] .

стр. 352

زىّ كسرى على محلّم ولما عرض على عمر- رضى الله عنه- حلىّ كسرى وزيّه في المباهاة- وكانت له عدّة أزياء لكلّ حالة زىّ- قال: - «علىّ بمحلّم.» وكان أجسم عربىّ يومئذ بالمدينة، فألبس تاج كسرى على عمودين من خشب وصبّ عليه أوشحته وقلائده وثيابه، وأجلس للناس. فنظر إليه عمر والناس، فرأوا أمرا عظيما من أمر الدنيا وفتنتها. ثم أقيم عن ذلك، وألبس زيّه الآخر، فنظروا إليه، ثم كذلك في غير نوع حتى أتى عليها كلّها، ثم ألبسه سلاحه، وقلّده سيفه، فنظروا إليه في ذلك. فقال عمر: - «إنّ أقواما أدّوا هذا لذوو أمانة.» قال: «أحمق بامرئ من المسلمين غرّته الدنيا، هل يبلغنّ مغرور منها إلّا دون هذا؟ وما خير امرئ مسلم سبقه كسرى فيما يضرّه ولا ينفعه. إنّ [٣٩٦] كسرى لم يزد على أن تشاغل بما أوتى عن آخرته، فجمع لزوج امرأته، أو زوج ابنته، أو امرأة ابنه، ولم يقدّم لنفسه، فقدّم امرؤ لنفسه، ووضع الفضول مواضعها تحصل له، وإلّا حصلت للثلاثة بعده، وأحمق من جمع لهم أو لعدوّ جارف.» وقعة جلولاء ثمّ إنّ سعدا أتاه الخبر بأنّ مهران قد عسكر بجلولاء [١] وخندق عليه، وأنّ أهل

стр. 353

الموصل قد عسكروا بتكريت. وكتب إلى عمر بذلك. فكتب إليه عمر: - «قدّم هاشما إلى جلولاء في اثنى عشر ألفا من وجوه المهاجرين والأنصار وأعلام العرب ممن ارتدّ، ومن لم يرتدّ، واجعل على مقدمته القعقاع بن عمرو.» وكان الفرس لما انتهوا بعد الحرب من المدائن إلى جلولاء، رأوا الطريق يفترق بأهل آذربيجان والباب وبأهل الجبال وفارس. فتذامروا، وقال بعضهم لبعض: - «يا معشر الفرس، إن افترقتم لم تجتمعوا أبدا، هذا مكان يفرّق بيننا، فهلمّوا، فلنجتمع للعرب به، ولنقاتلهم بجميع عزائمنا. فإن كانت لنا فهو الذي نريد، وإن كانت الأخرى، [٣٩٧] كنّا قد أبلينا العذر.» فاحتفروا الخندق، واجتمعوا فيه، على مهران، ونفذ يزدجرد إلى حلوان، ورماهم بالرجال، وخلّف فيهم الأموال. فأقاموا في خندقهم وقد أحاطوا به الحسك من الخشب إلّا طرقهم. فلمّا قدم هاشم أحاط بهم، وطاولهم أهل فارس، وكانوا لا يخرجون إلّا إذا أرادوا. وزاحفهم المسلمون بجلولاء ثمانين زحفا كلّ ينصر المسلمون، ويغلب المشركون، حتى غلبوهم على حسك الخشب، فاتخذوا حسك الحديد، وتركوا للمجال وجها. فخرجوا على المسلمين منه، واقتتلوا قتالا شديدا لم يقتتلوا مثله ولا ليلة الهرير، إلّا أنّه كان أكمش وأعجل، ولم ير المسلمون ولا المشركون مثله في موطن قطّ حتى أنفذوا النبل، وقصفوا الرماح، وصاروا إلى السيوف والطبرزينات، فكانوا بذلك إلى بين الصلاتين، وصلّى الناس إيماء. ثمّ خنست كتيبة للمشركين وجاءت أخرى، فوقفت مكانها، ثمّ كذلك، فكسر المسلمين ما رأوا. فقال القعقاع بن عمرو:

стр. 354

- «أيها الناس، أهالتكم [٣٩٨] هذه؟» فقالوا: «وكيف لا يهولنا ونحن مكلّون وهم مريحون.» فقال القعقاع: «اصبروا إلى الساعة، فإنّى حامل عليهم، فاحتملوا معى ولا يكذّبنّ [١] أحد حتى يحكم الله بيننا.» ثمّ حمل، وحمل معه الناس، وانتهى بالقعقاع وجهه الذي زاحف فيه إلى باب خندقهم، فأخذه. وأمر مناديا فنادى: - «يا معشر المسلمين، هذا أميركم قد دخل الخندق وأخذ به، فأقبلوا إليه، ولا يمنعكم من بينكم وبينه من دخوله.» وإنّما أمر بذلك ليقوّى المسلمين به، ولئلّا يتحاجزوا. فحمل المسلمون ولا يشكّون إلّا أنّ هاشما في الخندق. فلم يقم لحملتهم شيء، حتى انتهوا إلى باب الخندق فإذا هم بالقعقاع قد أخذ به، والمشركون يمنة ويسرة على المجال الذي بحيال خندقهم. فهلكوا فيما أعدّوا للمسلمين من الحسك، وعقرت دوابّهم وعادوا رجّالة، ويتّبعهم المسلمون. فلم يفلت إلّا من لا يعدّ، وقتل منهم يومئذ مائة ألف أو يزيدون، فجلّلت القتلى المجال وما بين يديه وما خلفه، فسمّيت: «جلولاء الوقيعة» . [٣٩٩] واقتسم الناس في جلولاء مثل ما اقتسموا في المدائن. ويقال: إنّهم اقتسموا على ثلاثين ألف ألف، [٠٠٠، ٠٠٠، ٣٠] وكان الخمس منه ستة ألف ألف [٠٠٠، ٠٠٠، ٦] . واقتسم السبايا، فاتخذن، وولدن في المسلمين. استيذان عمر في الإنسياح ولما بلغت الهزيمة يزدجرد، سار من حلوان نحو الجبل، وقدم القعقاع حلوان.

стр. 355

وكوتب عمر بفتح جلولاء ونزول القعقاع حلوان، واستأذنوه في اتّباعهم، فقال: - «وددت أن بين السواد وبين الجبل سدّا من نار لا يخلصون إلينا ولا نخلص إليهم. حسبنا من الريف السواد. إنى قد آثرت سلامة المسلمين على الأنفال.» وبعث بالأخماس مع جماعة فيهم زياد بن أبى سفيان، وكان هو الذي يكتب للناس ويدوّنهم. فلمّا قدموا على عمر، كلّم زياد عمر فيما جاء له من الاستيذان في التقدّم، ووصف له الحال. فقال عمر: «هل تستطيع أن تقوم في الناس بمثل الذي كلّمتنى به؟» فقال: «والله، ما على الأرض شخص أهيب في صدري منك، فكيف لا أقوى [٤٠٠] على هذا من غيرك!» فقام في الناس بما أصابوا، وبما صنعوا، وبجميع ما يستأذنون فيه من الإنسياح في البلاد. فقال عمر: «هذا الخطيب المصقع.» وقال: «إنّ جندنا بالفعال أطلقوا ألسنتنا بالمقال.» [١] ثمّ إنّ عمر لما نظر إلى الأخماس المحمولة من جلولاء قال: - «والله، لا يحمّنّه سقف بيت حتّى أقسمه.» فبات عبد الرحمان بن عوف، وعبد الله بن الأرقم يحرسانه في سقف المسجد. فلمّا أصبح جاء في الناس، فكشف عنه الأنطاع. فلمّا نظر إلى ياقوته، وزبرجده، وجوهره، بكى. فقال له عبد الرحمان: - «ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فو الله، إنّ هذا لموطن شكر وسرور.»
следующие страницы →