← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

وسألونا الإمساك عنه وانتهى الأمر فيما بيننا وبينهم الى أن تصححوا ذنبه. قال أبو الحسن: - فلم أتجاسر على مكاتبة عضد الدولة بذلك. وكتب به أبو العلاء وعنده أنّه قد أثر أثرا منه فعاد الجواب اليه بإنكار ما كان منه فى قبول ما قبله من المال وإطماع القوم فى الرضاء [١] عنهم وأنّ الغرض حسم مواد الفساد فى الطرق وقيل له فيما خوطب به: - «لولا أنّها أول جناية لك لأنفذنا من يحسن تقويمك وتأديبك.» وكوتبت أنا بالتماس الأعرابى وأخذ المسيب بتسليمه وإطماعه واطماع بنى عمّه فى الصفح عنه إذا سلّموه فاعدتّ خطاب المسيب والقوم فى إحضار الرجل فأحضروه وسلّموه فاعتقلته وكتبت بحصوله. فورد الكتاب بأن أطالبه بالشاروفة التي أخذها فإذا أحضرها خنق بها فى الموضع الذي أخذها منه وصلب ففعلت ذلك. ثم راسل عضد الدولة المسيب ووجوه بنى عقيل بأنّه: متى لم يضمن أكابركم أصاغركم ويلزموا عهدتهم ويضبطوا الطرق [٨٦] ويحموا مواد الفساد صرفناكم من ممالكنا. فحملهم الخوف على العبور الى الجانب الشامي وأوغلوا فى البرية.» ومن العجب من حسن سياسة عضد الدولة إطماع المطلوب فى الصفح عنه إذا حضر وإطماع بنى عمه فى مثل ذلك إذا أحضروه ثم الغدر به بعد تسليمه. قال الله تعالى: «إِلَّا الَّذِينَ تابُوا من قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ» ٥: ٣٤ [٢] . واستجابة الرجل الى الحضور طمعا فى الأمان قبل القدرة عليه هو توبة

стр. 3117

فالغدر به بعد بذل الأطماع فى العفو قبيح إن كان ما ذكر فى هذه القصة صحيحا. قتل القطّاع بالحلاوات المسمومة ومن بعض توصله ما وجدنا فى عين التاريخ وهو أنّ عضد الدولة أنفذ أحمالا من الأمتعة الى مكة مع تجار أو حاج. فلمّا انتهوا الى بعض الطريق عند بعض أحياء العرب خرج عليهم قوم منهم فقطعوا عليهم فقال المأخوذ: - «هذه الأحمال لعضد الدولة الملك.» فسبّوه عند ذكره وعاد المأخوذ الى حضرة عضد الدولة وحكى ذلك. فتقدّم بعمل شيء كثير من الحلاوات المسمومة وأعاد المأخوذين وأصحبهم أمتعة وجعل تلك الحلاوة المسمومة فى جملتها وقال: - «تعمدوا لقاء القوم فإذا وقعوا [٨٧] عليكم فقولوا: إنّ هذه الامتعة والحلاوات أنفذها عضد الدولة لفقراء مكة. فإذا أخذوا الأحمال فعودوا لوقتكم. ففعلوا ذلك وصادفوا القوم فأخذوا ما صحبهم وأكلوا من تلك الحلاوات فهلكوا. [١] فإن كان هذا الخبر صحيحا فإنّه كيد يأباه كلّ ذى دين ويأنف منه كل سلطان مكين. فذو الدين يراه من أعظم الآثام وذو السلطان يراه عجزا وضعفا فى الانتقام. وفيه تغرير نفوس من لا ذنب له. فهل كان يأمن أن يأكل من ذلك النساء والولدان ومن عسى أن ينزل بالحىّ من ضيف بريء الساحة؟ قال الله تعالى:

стр. 3118

«وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ٦: ١٦٤. [١] واستفتى رجل ابن عباس رضوان الله عليه فى قتل أولاد المشركين فقال: - «ان علمت منهم ما علمه الخضر ﵇ من الغلام الذي قتله فاقتلهم» إيجابا عليه بأنّه لا يجوز له قتل من لم يبلغ الحلم منهم. ومن غريب مكايد عضد الدولة ومن غريب مكايده التي تتداولها الألسن ما كاد به طائفة من القفص والبلوص حين أوغل فى بلاد كرمان لتنظيفها منهم [٢] فإنّه انتهى اليه أنّ قوما منهم بيوتهم من وراء جبل بحيث لا يمكن الوصول إليهم إلّا بعد سلوك مضيق، إذا وقف فيه عدد قليل [٨٨] منع عسكرا كثيرا. فلمّا أيس من الوصول إليها بالقوة أعمل الفكر فى الحيلة وراسلهم: بأنّى لا أنصرف عنكم إلّا باتاوة. فقالوا: «ما لنا مال نؤديه إليك.» فقال: «أنتم أصحاب صيد وأريد من كل بيت كلبا.» فهان عليهم ذلك فأنفذ من عدّ بيوتهم فأخذ منهم كلابا بعددها. ومن شأن الكلب أن يلوذ بصاحبه ويبصبص له وحوله، ويحتكّ به ويألف بيته حتى إنّه إذا أفلت من فراسخ كثيرة عاد الى مربضه. فأمر بأن يشدّ فى أعناقها حلق النفط الأبيض وتجتمع عند مضيق الجبل ثم تضرب النار فى النفط ويخلّى سبيلها ويتبعها العسكر. ففعلوا ذلك وأسرعت الكلاب عدوا وأحس القوم بركوب العسكر فلقوهم فى المضيق وطلب كل كلب صاحبه لائذا به من حرق النار. فكلّما احتكّ بالرجل أسرت

стр. 3119

النار اليه وأفرجوا عن الطريق والكلاب تتبعهم، وتعدّت النار إليهم فاحترق عدد كثير منهم. وهجمت الكلاب على البيوت فخلا أهلها وأسرع العسكر وراءهم ووضعوا السيف فيهم واستأصلوا شأفتهم. إيداع الرهبة فى صدور الرعيّة فأمّا ما أقامه من الهيبة وأودعه [٨٩] صدور الرعية من الرهبة فإنّه كان قد منع كل واحد من حمل السلاح بالحضرة إلّا من كان مستخدما فى المعونة أو مرتبطا فى جملة الرجالة المرتزقة، فإن وجد مع غيرهم سلاح أخذ وحبس وألزم جناية. وحظر أيضا أن يضرب واحدا أو يمدّ اليه يده، فمن فعل ذلك أخذ وعوقب وحبس واغرم فكانت أيدى الناس مقبوضة. قال صاحب التاريخ: وإنّنى لأذكر فى درب أبان من الجانب الشرقي وأبو اسحق جدّى [١] إذ ذاك فى الاعتقال وكان فى هذا الدرب رجل شيرازى رث البزّة يذهب فى أمره مذهب التطايب ويضحكنا إذا جلس معنا. فبينما هو فى بعض الأيام قاعد مع والدي على باب دارنا ومعنا رجل يعرف بابن مواتة من أولاد الشهود والجيران إذ اجتاز بائع رمان، فدعاه ابن مواتة وسامه وجرى بينهما ما رفع له ابن مواتة يده فلطمه. فقبض الرجل الشيرازي يده على كمّ ابن مواتة وقال: - «قم الى دار الملك.» قال له: - «أصنع ماذا؟»

стр. 3120

قال: «أطالع بما فعلته من لطم الطوّاف ويؤخذ بحقّه منك ثم يجرى [٩٠] حكم السياسة فيك.» لقد مات ابن مواتة خوفا وجزعا وعطف والدي على الشيرازي يسأله الإمساك والطوّاف يقول عند ما شاهده من الحال: - «قد وهبت وسامحت.» وهو يقول له: - «إذا وهبت حقّك وهب السلطان حقّه.» ويقول لوالدي: - «لا أتمكن من الإمساك لأنّ خبرنا قد رفع الساعة الى الحضرة وإذا أمسكت صار لى ذنب أهلك به وتنقطع معيشتي وأنا أرتزق رزقا سلطانيا على نقل هذه الأشياء.» وانتهت الحال الى أن قبّل والدي وابن مواتة يده فخلى عنه وقال: - «قد دخلت معكم فى خطر أسأل الله تعالى السلامة منه.» وصرنا بعد ذلك نخافه ونرهبه. وكان معلمو الصبيان مواقفين على أن يسألوا أولاد الجند الذين فى مكاتبهم عن أمور آبائهم ومتصرفات أحوالهم فى منازلهم ويكتبون بذلك الى ديوان البريد ولهم على ذلك رزق دارّ. ذكر حيلة لطيفة عادت باقامة هيبة عظيمة بين رعية بعيدة خبر الحلاوىّ [٩١] كان أحد جواسيس عضد الدولة العائدين من مصر ذكر لعضد الدولة فى جملة ما أخبر به أنّه تقدّم الى شيخ حلاوي فى زقاق القناديل بمصر فدفع

стр. 3121

اليه درهما تاجيّا ليبتاع به شيئا [١] مما بين يديه، فردّه عليه وتنازعا فيه فشتمه وشتم الآمر بضرب الدرهم وأنّه سأل عن اسم الحلاوى حتى عرفه وسمّاه. قال أبو عبد الله ابن الحسين بن محمد الحلاوى الموصلي: بينما أنا فى منزلي فى بعض الليالي إذ طرق بابى نقيب ومعه نفّاط فجزعت منه وخرجت إليه فقال لى: - «ابن محمان يستدعيك.» فمضيت معه إليه فلمّا حضرت بين يديه وجدت عنده فرّاشا من دار عضد الدولة فقال لى: - «إنّ مولانا سأل عن صانع حاذق فوصفت له ورسم إنفاذك الى الدار فصر مع هذا الفرّاش إليها.» فقلت: «السمع والطاعة.» فنزلنا سمارية من سماريات النوبة كانت مقدمة فى المشرعة وانحدرنا وصعدنا الى الدار فوقّفنى فى الصحن ودخل ثم خرج فأدخلنى الى الحجرة التي فى ظهر القبة الخضراء وإذا عضد الدولة جالس وشكر قائم. فلمّا رأيته قبّلت الأرض مرارا فقال الملك: - «قد أزعجت فلا بأس عليك وما دعوناك إلّا لخير.» [٩٢] فقبّلت الأرض. ثم قال: - «قد احتجنا الى استخدامك فى أمر تنفذ فيه إلى الموصل وتقدّمنا بإطلاق نفقة لك تخلّفها لعيالك فخذها من أبى الثناء (يعنى شكرا) .» فقلت: «السمع والطاعة.»

стр. 3122

فقال: «انصرف وانظر فى أمرك وادفع النفقة الى أهلك ولا تعرّض أنت لأخذ شيء منها فما بك فى طريقك حاجة إليها.» فخرج شكر وأعطانى عشرين دينارا وانصرفت بها إلى أهلى وذكرت لهم الصورة ووصيّتهم بما أريد. فلمّا كان من غد آخر النهار وحضر من يستدعينى فصرت معه إلى الدار ووصلت إلى حضرة عضد الدولة بين العشاء والعتمة فقال لى: - «اخرج فى هذه الساعة مع من نسلّمك إليه إلى مصر فإذا حصلت بها فاقصد باب الجامع وسل عن منير الخادم الأبيض فإنّه يكون هناك يبيع الفراخ المسمنة وهو معروف فإذا رأيته فقل له: صديقك يقرئك السلام. فسيقوم من موضعه ويمشى فاتبعه إلى منزله فإذا دخلت فانزع ثياب سفرك التي عليك والبس الثياب التي يسلّمها إليك وخذ منه ما تريده لنفسك واقصد بعد ذلك زقاق القناديل فإنّك سترى شيخا حلاويا اسمه كذا ويعرف بكذا فاسئل عنه لتتحقق أنّه هو. ثم اجلس عنده فاذكر له صنعتك [٩٣] ومعرفتك بأمر الحلواء وتوصّل إلى أن تعمل عنده من يومك والزمه وخفّف مؤنتك عليه وإن دعاك الى منزله فامض معه فإذا عملت معه خمسة عشر يوما أو أكثر وعرفك الناس واشتهر عنك جودة الصنعة فاستأجر بإزاء دكانه دكانا وابتع ما تريده من آلة ومتاع واستدع ثمن ذلك من منير الخادم فإنّ زبون الحلاوى سيعدل إليك ويقف أمره ويسئلك الشركة فإذا سألكها فأجبه إليها وشاركه وأقم فيها معه شهرا. ثم أظهر له شوقك الى بغداد والى عيالك الذين بها وصفها عنده وعظّم الكسب بها فى عينه وابعثه على الخروج إليها وعده المواعيد الكثيرة فإن احتجّ عليك بأهله وولده فقل له: معى دنانير وأنا أدفعها إليك لتجعلها نفقة لهم مدة غيبتك عنهم. وأعلمه أنّك تفعل ذلك إيثارا لصحبته وأنّه إذا حصل ببغداد أنزلته دارك وجعلته فى دكانك وأعطيته قسما وافرا من

стр. 3123

الربح مما تتجر فيه من مالك فإن أحبّ بعد ما يشاهده المقام أقام وإن آثر العود إلى مصر زوّدته من طريق العراق ما يعود به إلى أهله واجهد فى حمله معك الى حضرتنا واخدم فى ذلك خدمة تحظ [٩٤] بحسن العاقبة فيها وتناول من منير ما تحتاج اليه لنفسك وله واحفظ السر واحترس من حيلة تتمّ عليك واجتز على طريق الموصل فى عودك.» فلمّا سمعت ذلك كلّه قلت: - «السمع والطاعة وأرجو أن يوفّقنى الله لمّا أهّلت له.» فأخذ شكر بيدي وعدل بى الى موضع ونزعت ثيابي وألبست مبطنة ودفعت الىّ عشرون دينارا وقال: «هذه نفقة طريقك.» ثم استدعى أعرابيا اسمه حسّان جالسا فى الصحن وسلّمنى اليه وقال له: - «هذا الرجل فاحفظه وأوصله [١] الى حيث وقفت عليه.» فأخذ الأعرابى بيدي ونزلنا فجلسنا فى سمارية من سماريات النوبة وصعدنا باب خراسان ومشينا الى وجه الجامع فإذا هناك أربعة أجمال ورجلان من العرب وركبا وركب الأعرابى وركبت وسرنا وما زلنا من موضع الى موضع آخر حتى وصلنا إلى مصر فى سبع وعشرين ليلة فحطّنى القوم وقال لى صاحبي منهم: - «امض فى حفظ الله وهات علامة بوصلك.» فقلت: «العلامة أنّ مولانا قال لى: إذا عدت فخذ على طريق الموصل.» ولا والله ما سألونى من أنا ولا فى أىّ شيء توجّهت. وقصدت باب الجامع فإذا الخادم الأبيض فسلّمت عليه وقلت له [٩٥] ما

стр. 3124

وصيّت به فرحب بى ونهض معى فى الحال الى منزله ونزع ثيابي وأعطانى ثيابا نظافا من عنده. وجرى الأمر مع عضد الدولة [١] مدة مقامي بمصر على ما كان مثّله عضد الدولة حتى كأنّه حاضر معنا وما زلت أرفق بالحلاوى وأعده وأمنّيه حتى أجاب الى الخروج. فعدت الى الخادم وودّعته ونزعت الثياب التي أعطانيها ولبست المبطنة التي وصلت بها وأخذت نفقة وتوجّهت أنا والشيخ الحلاوى معى وما زلنا ننتقل من مكان الى مكان حتى وصلنا الموصل وأقاربى بها فنزلنا عند بعضهم. واستأجرنا فى كورة [٢] البريد وما زلنا ننتقل الى أن وصلنا الى بغداد وانحدرنا الى منزلي والشيخ معى لنجدّد الوضوء ونصلى ونعبر. فما استقررت حتى حضر نقيب من الدار يستدعينى ومن معى فعجبت من ذلك وكان صاحب الخبر قد كتب يخبرنا فبادرت ومعى الشيخ وعبرنا الى الدار وجلسنا فى موضع منها الى أن خلا وجه عضد الدولة. ثم أدخلت والشيخ معى وقد طار لبّه وعظم رعبه وهو يحتسب الله علىّ وأنا أسكن منه وقد تداخلني له الرحمة الشديدة وعدل بى الى موضع فيه شكر فنزعت ما كان علىّ من الثياب وأنا أراها قد أخذت [٩٦] وحملت الى حضرة الملك فأعطيت ثيابي التي نزعتها عند خروجي ومثلت بين يديه أنا والشيخ فقال: - «كيف جرى الأمر؟» قلت: «كما مثّله مولانا.» قال للشيخ: - «أأنت فلان بن فلان الحلاوى؟» قال: «نعم.»

стр. 3125

قال: «لا تخف وإن كنت قد أسأت الى نفسك وجشّمتها السفر عن منزلك بالفضول من قولك وفعلك.» فبكى الشيخ بكاء شديدا فتركه قليلا ثم قال: - «يا هذا هبك رددت الدرهم الذي من ضربنا ولم تحبّ أخذه من الرجل الغريب الذي وقف بك فما بالك شتمته وشتمت الذي أمر بضربه؟ ولولا أنّ فى تأديبك والفتك بك، وأنت شيخ غريب ولعلّ وراءك من يتوقعك ومادته منك، بعض الإثم واللوم لأمرنا بتقويمك لكنا نهب جنايتك لمن خلفك من عيالك وقد تقدمنا بإطلاق نفقة لك تردك الى بلدك فلا تعاود مثل ما كان منك وتحدّث فى بلدك بصفحنا عنك وعن جرمك ومنّتنا عليك.» فبكى الشيخ حتى كاد يموت ولم يكن له لسان يجيب به وخرجنا وأعطانى شكر عشرين دينارا وقال: - «اصرفها فى نفقتك.» وأعطى الشيخ دنانير وحملته الى منزلي وأكرمته واستأجرت له ما ركبه فى بعض القوافل الى الموصل [٩٧] . فذكر أنّ الشيخ لمّا عاد الى مصر تحدّث بحديثه وشاع ذلك هناك فكان الغريب إذا جلس الى بعض أهل البلد صاحوا: الحذر الحذر. فتمسك الناس عن ذكر عضد الدولة وقال الحسين الحلاوى: - «كانت فى المبطنة التي لبستها ملطفات وما علمت بها إلّا بعد عودي.» مراعاته للقوانين فى كلّ الأحوال وأما ذكر مراعاته للقوانين وحفظها فى الأحوال جميعا فإنّه كان لا يعوّل فى الأمور إلّا على ذوى الكفايات ولا يقضى فيمن لا غناء عنده حقوق

стр. 3126

ذوى الشفاعات ولا يجعل لمن حوله من ذوى المناصب ولا لأحد من الأقارب والأباعد مساغا فى الجنس المفوض الى كلّ فرقة منهم ويجرى الأمر فى ذلك على أحسن نظام ويزمّه بأحسن زمام. قال أبو محمد الحسن ابن أبى الفرج ابن مسلمة [١] الشاهد قال: - «أحبّ أبو العبّاس محمد بن نصر بن أحمد بن مكرم الشاهد أن تقبل شهادة أبى يعلى محمد ابنه وكان أبو عمر محمد ابن عبد الله بن أيّوب القطّان صهره على ابنته ومعاملا لأبى زهير أسفار [٩٨] ابن كردويه ومختصّا به.» وقال أبو العباس لأبى عمر: - «أنا أعلم نبوك عن [٢] أبى يعلى ابني لما تنكره من أخلاقه وقد أحببت أن تقبل شهادته وشرعت فى أخذ الخطوط بتزكيته وهذا أمر هو فى يدك فإن ساعدتنى عليه مشى وإن وقف فما يقف إلّا بك.» فقال له: - «والله لا تركت ممكنا.» فقال أبو العباس: - «القائد [أبو] زهير كثير القبول منك قليل الخلاف عليك وإن خاطب عضد الدولة على ذلك مع حصول التزكية لم يقع امتناع عليه فيه وأريد أن تجعل هذه الحاجة أكبر حوائجك إليه.» فقال: «أفعل.» قال أبو عمر: - «فدخلت إلى أسفار وقلت له: يا صاحب الجيش قد خدمتك الخدمة التي وجب بها الحقّ لى عليك، ولى حاجة فيها قيام جاهي فى البلد قد

стр. 3127

جعلتها ثمرة أملى فيك.» فقال لى: - «ما هي؟» فقلت: «أبو العباس يريد أن تقبل شهادة أبى يعلى ابنه واستشفع بى إليك فى خطاب عضد الدولة.» فقال: «أفعل، وقد جرت العادة فيما بيني وبين الملك بأن أراسله فيما أريده على لسان ثقة.» وأحضر الرجل الذي أشار اليه، فحمّله فى ذلك رسالة استوفاها فمضى وعاد وقال: «يقول لك الملك: مالك وللخطاب فى مثل هذا الأمر؟ [٩٩] » قال أبو عمر: «فاستدعاني أسفار حتى سمعت الجواب فقلت: يا صاحب الجيش والله ما يقبل منى أبو العباس ذلك ولا يقدّر إلّا أنّى قد قصرت فى مسئلتك مع علمه بموضعي منك وموضعك من الملك وأنك لا ترد فى الكبير فضلا عن الصغير.» فقال: «ما جرت لى عادة بمعاودته ولكنى أعاوده بعد أيام.» ومضت على ذلك مديدة فأعاد الرجل الرسالة وجدد السؤال فعاد مثل الجواب الأول. فأظهرت الوجوم والانكسار ومضت أيام وهو يراني كاسف البال فقال لى: «يا با عمر قد عملت على الركوب الى الدار فى غد.» ووصل الى حضرة عضد الدولة ووقف ساعة ثم قال: قد راسلت مولانا فى أمر أبى يعلى ابن مكرم دفعتين وعاد الجواب يرسم فيه الإمساك ولى فى تمام هذا الأمر جاه والقوم الذين سألونى فى ذلك فى اختلاط وأمل قوىّ

стр. 3128

ومتى وقف انكسر جاهي عندهم وعند الناس.» فضحك وقال: «يا با زهير مالك وللخطاب فى مثل هذا وفى الشهادة والشهود؟ إنّما يتعلق بك الخطاب على زيادة قائد أو تقويد خاصة نقل رتبة الى رتبة. فأما قبول الشهادة فليس لنا ولك قول فيه وهو متعلق بالقضاة ومتى عرفوا من إنسان ما يرون معه قبول [١٠٠] شهادته فعلوا ذلك بغير أمر ولا شفاعة شافع إليهم وإلينا وإذا أقمت عذر نفسك عند من سألك بمثل ما قلنا لك عرف صحّة ذلك.» وانصرف أسفار بهذا الجواب وحدّث أبا عمر به ووقف الأمر فى قبول شهادة أبى يعلى إلى أن توفّى عضد الدولة. وأما ما ذكر من صدقاته ومبرّاته وما تأدى [١] ذلك من فضل احتياطه ومراعاته فإنّه كان يخرج عن افتتاح مال كلّ سنة شيئا كثيرا فى البرّ والصدقة ويكتب إلى العمّال فى النواحي بتسليمه إلى قضاتها ووجوه أهلها ليصرفوه الى ذوى الحاجة والمسكنة. قال أبو نصر خواشاذه: أعطانى عضد الدولة فى بعض الأيام توقيعا على أنّه بثلاثين ألف درهم للصدقة ورسم وزن ذلك وتفرقته بحسب ما جرت به العادة وكان قد غلط وكتب: - «يخرج من الخزانة ثلاثون بدرة للصدقة» فرددته وقلت: - «يا مولانا المال ثلاثون ألف درهم والتوقيع ثلاثون بدرة [١٠١] »

стр. 3129

فقال: «أرنيه.» فقال: «لن أعود فيها فأخرجها.» فأخرجتها فأطلقت فى الصدقات. وقد شوهد فى كثير من تذاكيره وما كان يوقعه فى تقاويمه: - «نذرنا للأمر الفلاني كيت وكيت وكذا وكذا ألف درهم للصدقة» فى مواضع كثيرة. فكان لا يهمّ بعزم ولا يكون فى سرور أو همّ إلّا وهو يقدم نذرا: أمّا فى السرور فلكماله. وأمّا فى الهمّ فلزواله. وذلك مبنىّ على جميل اعتقاد وحسن يقين وصحة إيمان وإقرار بالمعاد. وكان يطلق للكتّاب والعمّال المتعطلين إذا شكوا أحوالهم وقصورهم أو اطلع على ذلك منها ما ينسب إلى الأسلاف التي لا يحاسبون بها عند استعمالهم واستخدامهم. وكان المستخدمون يستسلفون من أبى يعلى سليمان بن الحسن الناظر فى التمور والأمتعة البصرية على ما يسبّب به أرزاقهم ما يأخذون به منه التمر وما يجرى مجراه بفضل فى ثمنه فيرغب الطالب فى الأخذ للحاجة والاتساع بالسلف ويرغب المعطى فى الأسلاف للزيادة فى الأثمان والفائدة مردودة للسلطان. وتوفّى عضد الدولة وعلى المتصرفين والمتعطّلين من هذه الأسلاف مال جزيل كثير. وبازاء ذلك من احتياطه ما [١٠٢] ذكره أبو نصر خواشاذه قال: قباء سقلاطون للجلوس فى نيروز حضر نيروز وأراد أن يقطع عضد الدولة فيه قباء سقلاطون يجلس فيه للتهنئة فقال لى:

стр. 3130

- «أحضر من الخزانة ثوبا يصلح للقباء.» فمضيت فاخترت منها ثوبا حسنا مستعملا فجئته به فلمّا وضعته بين يديه تأمّله وأخذه ورمانى به وقال: - «ليس من هذا طلبت.» فظننت أنّه قد استرذله وأراد ما هو أرفع منه فعدت وأخرجت من بابة أخرى ما هو أجود منه فأحضرته. فلمّا ملا عينه منه قال لى: - «يا أعمى القلب ليس من هذا.» فبقيت متحيّرا لا أدرى ما أصنع ورجعت إلى الخزانة فقال لى أبو نصر بندار: «ما لي أراك ضيق الصدر وقد أخذت ثوبين ورددتهما.» فعرّفته الصورة فضحك وقال: - «لو أعلمتنى لكفيتك ما اشتغل قلبك به.» وقام وفتح سفطا فيه ثياب سقلاطونيات متقاربات يسوى الثوب منها خمسة دنانير وأخذ ثوبا واحدا منها فتركه بين يدىّ وقال: - «احمله اليه فإنّه يرضيه.» فأخذته وحملته فلمّا وضعته بحضرته وشاهده وأدخل يده فيه وقلّبه قال: - «هذا جيّد.» فتقدم بقطعه وإعداده ولبسه فى يوم ذلك الفصل ووهبه لبعض الديلم. [١٠٣] وأمّا حبّه للعلم فأمّا محبّته للعلوم وتقريب أهلها فإنّه كان يكرم العلماء أوفى إكرام وينعم عليهم أهنأ إنعام ويقرّبهم من حضرته ويدنيهم من خدمته ويعارضهم فى

стр. 3131

أجناس المسائل ويفاوضهم فى أنواع الفضائل. فاجتمع عنده من كل طبقة أعلاها وجنى له من كل ثمرة أحلاها. وصنفت فى أيامه المصنفات الرائقة فى أجناس العلوم المتفرقة، فمنها: كتاب الحجة فى القراآت السبع، وهو كتاب ليس له نظير فى جلالة قدر واشتهار ذكر، ومنها كتاب الإيضاح فى النحو، وهو مع قلّة حجمه يوفى على الكتب الكبار التي من جنسه فى قوة عبارة وجودة صنعة. وحكى أبو طالب أحمد بن بكر العبدى [١] صاحب كتاب شرح الإيضاح أنّ عضد الدولة كان ضنينا بهذا الكتاب محبّا للاختصاص بقراءته دون كل أحد وإنّ رجلا توصل الى كتبه بخطه بحيلة، فأمر عضد الدولة بقطع يده لنفاسة الكتاب فى نفسه وحلاوته فى قلبه حتى سئل فى أمره فعفى عنه. ومنها الكنّاش [٢] العضدي فى الطب [١٠٤] المؤلف فى أيامه. [٣] الموفى على غيره بيانا وحسن ترتيب وكمالا وغير ذلك من المقالات الرياضية والرسائل الهندسية. وأمّا آثاره الجميلة وأما ما عمله من الآثار الجميلة فإنّه جدّد بفارس وخوزستان، منها ما هو باقى الأثر عند الناظر شائع الخبر عند السامع. وعمد الى مصالح بغداد فأوجدها بعد العدم وأعادها الى ريعانها بعد الهرم، واستدرّ أفاويق الأعمال

стр. 3132

بعد أن كانت متصرّمة واستمدّ ينابيع الأموال بعد أن كانت مستهدمة [١] وفعل فى تجديد العمران وبناء البيمارستان ووقف الوقوف الكثيرة عليه ونقل أنواع الآلات والأدوية من كل ناحية اليه [٢] ما يدرك العيان بعضه إلى الآن، وعمل السكور وأنفق فيها الأموال وأعدّ عليها الآلات ووكّل بها الرجال وألزمهم حفظها بالليل والنهار وراعى ذلك منهم أتمّ مراعاة فى آونة المدود الجوارف وأزمنة الغيوث الهواطل وأوقات الرياح العواصف. فقيل: إنّه لما سدّ المطهر بن عبد الله بثق السهلية رتّب عليه ابراهيم المعروف بالأغرّ، وأمره بالمقام عليه [١٠٥] ومواصلة تعليته الى حين انقضاء المدود. قال ابراهيم: فأقمت على هذا السكر زمانا طويلا والرجال معى وشقيت شقاء طويلا وكان لى منزل بجسر النهروان وبيني وبينه مدى قريب فكنت لا أتجانبه على الإلمام به ولا على دخول الحمام إشفاقا من أن يكتب صاحب الخبر بجسر النهروان بخبري. فلمّا مضت المدة الطويلة على هذه الجملة من حالي عصفت ريح فى بعض الليالي وورد معها مطر شديد فدخلت القبة المبنية على السكر أستتر بها من الريح والمطر واجتهدنا فى أن نشعل سراجا فلم يدعنا عصوف الريح وضجرت وضاق صدري ونازعتني نفسي أن أقوم فأمضى فى الظلمة الى جسر النهروان وأبيت فى منزلي وأعاود بكرة موضعي. فبينما أنا فى ذلك وقد حققت عزمي عليه إذ سمعت كلاما على باب القبّة فقلت لغلامي: - «انظر ما هو.»

стр. 3133

فخرج وعاد وقال: - «انسان على جمل قد أناخ عندنا.» ودخل الرجل وسلّم فرددت عليه وقلت للغلام: - «أشعل سراجا.» فقدح وأشعل وجاء بالنار فى نفاطة فإذا الرجل من خواص عضد الدولة عربي قد ورد من بغداد فقلت له: - «ما تشاء.» فقال: «استدعاني الساعة الأستاذ شكر وقد خرج من حضرة [١٠٦] الملك فقال: أمر مولانا أن تمضى على جمازة وتقصد سكر السهيلة وتدخل الى القبّة التي على ظهر المروحة فإن وجدت ابراهيم الأغرّ هناك فأعلمه أنّنا نجازيه على خدمته وطول ملازمته وادفع إليه هذا الكيس ففيه ألف درهم ليصرفه فى نفقته وإن لم تجده وكان قد دخل إلى داره بجسر النهروان فاقصده واهجم عليه فى منزله وخذ رأسه واحمله.» وترك [١] الكيس بين يدىّ وقال: - «احمد الله على ما كفاك إيّاه.» وعاد من وقته، فبقيت حيران وعزمت على نفسي ألّا أدخل جسر النهروان. وأما ذكر ما رتّبه فى تربية أولاده ودبّر به دار مملكته بفارس عند غيبته عنها فإنّ له من محاسن التدبير فى أمثلته التي مثّلها لأصحابه فى تذاكير

стр. 3134

وجدت له ما يدلّ على علوّ همّته وحسن سياسته فى تربية أولاده وقسمة أيامهم بين آداب البراعة والشجاعة وأوقات الجدّ واللعب والاقتصاد فيما يجرى بينهم من الترافه والتهاجر وتهذيب من يلوذ بهم [١٠٧] ويكون فى جملتهم. فإنّ الأخلاق بالممازحة [١] تعدى وبالمجاورة تسرى. وترتبت الأمور بدار مملكته بفارس فى حال غيبته بالعراق وغيرها لتجرى على السداد وتستمرّ على الاستقامة والاطّراد. فكان إذا بعد عنها بجثمانه لم يبعد عنها بسلطانه كالشمس التي يبعد جرمها عن العالم وضياؤها فيه موجود. والقليل من ذكر سيرته ينبئ عن الكثير فنجنب الإطالة والإكثار إذ قد شرطنا الاقتصار والاختصار. ونذكر الآن طرفا مما رواه صاحب التاريخ من أخبار أضافها إلى جملة محاسنه وهي بضدّها أشبه، فأفردناها عنها إذ «لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ» ٤١: ٣٤ [٢] «وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ.» ٣٥: ٢٠- ٢١ [٣] ذكر الرسوم التي أحدثها عضد الدولة زاد فى المساحة واحدا فى عشرة بالقلم وأضافه الى الأصول وجعله رسما جاريا واستمرّ الى هذه الغاية فى جميع السواد. وأحدث جنايات لم تكن ورسوم معاملات لم تعهد وأدخل يده فى جميع الأرحاء وجبى [١٠٨] ارتفاعها وجعل لأهلها شيئا منه وكثرت الظلامة من ذلك فى آخر أيّامه ... «إِنَّ الله لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ» ١٣: ١١ [٤] ...

стр. 3135

فأزاله صمصام الدولة بعده وأطلق الارتفاع للملّاك. وجعل للمراعى وفرائض الصدقات ديوانا وأفرد له عمالا وكتّابا وجهابذة فارتفع من أعمال السواد ما زاد على ألف ألف درهم فى السنة. وأدخل يده فى وقوف السواد ورتّب لها ناظرين متصرفين وقرّر لأربابها اجارة تطلق لهم عنها فتحصل منها جملة كثيرة وصارت فى المقبوض وخرجت فى الإقطاعات من بعد ذلك. وقرّر على أسواق الدوابّ والحمير والجمال عما يباع فيها من جميع ذاك وفعل فى ضرائب الأمتعة الصادرة والواردة ما زاد فيه على الرسوم القديمة وحظر عمل الثلج والقزّ وجعلهما متجرا للخاص وكانا من قبل مطلقين لمن يريد عملهما والمتجر فيهما. ولعل صاحب التاريخ قصد بإيراد هذه الأخبار فى محاسنه الفضيلة فى إقامة وجوه المال واستنباط ينابيعه. ولا خير فى مال يسيء ذكرا ويحبط أجرا وكلّما يجمع من أشباه تلك الوجوه فإنّه جمع تبديد وما يشرب من أمثال هذه المناهل فإنّه شرب تصديد [١٠٩] والخبر المشهور المروىّ [١] عن النبىّ ﷺ قوله: «من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها الى يوم القيامة ومن سنّ سنّة سيّئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها الى يوم القيامة.» ذكر أخبار ضبط مسرف لا يليق بملك حدّث أبو على ابن مكيخا صاحب ديوان الخزائن قال: سألت عضد الدولة فى بعض الأيام وقد صادفت منه طيب نفس وإقبالا

стр. 3136

على زيادة فى عادته وذكرت له تضاعف مئونتي وقصور مالي عن كفايتي فقال لى: - «أليس الموجب لك فى كل شهر كذا وكذا ولك من رسم الكسوة كذا وكذا فى الفصلين؟» قلت: «نعم.» قال: «فأنت تحتاج لراتبك ومؤنك وغلمانك ودوابّك الى كذا وكذا فما وجه الاستزادة؟ هذا فأنت تأكل فى كل أيامك مع أبى منصور نصر بن هارون.» فقبّلت الأرض وتأخّرت، فإذا هو يحاسبني ويعتدّ علىّ بما آكله على مائدة أبى منصور. وحكى أبو على أيضا أنّ عضد الدولة [١١٠] رأى له يوما بغلة بمركب حديد ثقيل فتركه مدة وقبض عليه وألزمه مالا فعرض فى جملة ما يبيعه من رحله دست ديباج كان له وبلغ عضد الدولة خبره فاستدعاه ليشاهده ويحتسب له بما يقوّم به. قال أبو على: - «وقد كنت أعطيت فيه ألفا وخمسمائة درهم.» فقال: «احتسبوا له بألف ومائتي درهم.» فقلت: «قد دفع به ألف وخمسمائة درهم وثمنه علىّ أكثر من ذلك.» فغاظته هذه المراجعة وتقدّم الى الخادم بأن يسلم الىّ دستا دونه بكثير إلّا انّه شبيه به فأخذته ولم يمكني أن أقول شيئا فى أمره فاجتهدت أن يحتسب لى بألف ومائتي درهم المبذولة فقال: - «لا حاجة بنا الى دسته.» وكان قصاراى ان بعت هذا المسلّم بتسعمائة درهم. وحدث أبو الحسن رستم بن أحمد قال:

стр. 3137

استكتبنى عضد الدولة لأبى جعفر الحجاج بن هرمز عند وروده من ديلمان ورسم لى أن أعمل تذكرة بما يحتاج اليه راتبه فى كل يوم ونفقاته فى كل شهر. فعملت وأحضرت التذكرة وكان فيها رطلية شمع فى كل ليلة فوقف عليها ونقص كثيرا منها وزاد فى أبواب وقال: - «رطل شمع فى كل ليلة سرف [١١١] وينبغي أن يكون فى كل أسبوع رطلية وأن يواقف الفراش على أن يتركها فى تورها وتقدم بين يديه المنارة عليها سراج بفتيلتين فإن حضر من يحتشم رفعت وأحضر التور والشمعة فأوقدت فإذا انصرف شيلت وأعيدت المنارة.» فقلت: «السمع والطاعة.» وجرى الأمر على ذلك. وحدّث أبو الحسن على بن أبى على الحاجب قال: كان لعضد الدولة فرجية سقلاطون مبطنة بقماقم فكان يلبسها كثيرا فى الطريق بين بغداد وهمذان. وكان أحد الديلم قد أغرى بطلبتها وواصل المسألة فى بابها وعضد الدولة يعده ويدفعه حتى زاد لجاجه فعارضه يوما فى موكبه وقال: - «يا مولانا قد طال الوعد بهذه الفرجية وأسأل إنجازه اليوم.» فاغتاظ وقال: - «نعم.» وكان يمشى فى ركابه أصحابه الركاب ومن جانبه الأيمن أحمد بن أبى حفص وفى جانبه الأيسر ابن فارس فقال لهما سرّا وأرسل كمّى الفرجية: - «اقربا منّى وأفتقا البطانة من الظهارة واجذباها وسلّماها الى الموكبدار.» ففعلا ذلك ونزل عضد الدولة وحضر الديلمي مذكرا فأخرجت اليه فى

стр. 3138

الحال طاقا بغير بطانة [١١٢] فبقى متعجبا وأخذها وأمسك. فلما خلا الملك استدعاهما وقال لهما: - «أنا أعلم أنكما فضوليان وكأنّى بكما وقد قلتما «ما أشحّ هذا السلطان! طلب منه بعض خواصّه فروة منذ أمد ودافعه بها فلمّا أراد عطاءها له أمره بكذا بخلا بالبطانة» » فقبّلا الأرض وقالا: - «لا إله إلّا الله يا مولانا ان تتصوّرنا بهذه الصورة.» فقال: «بلى أنتما كذلك، فاعلما أنّ فى جوانبنا من الثياب السقلاطون ما يمكننا أن نعمّ به عسكرنا لو أردنا أن نعطى جميعها وهذه البطائن الوبر قليلة وإنّما تحمل إلينا منها فى السنة من البلاد البعيدة الخارجة عن ممالكنا العدّة اليسيرة ولو وهبنا لهذا الديلمي بطانة الفرجية لرفعناه الى منزلة لا يستحقها لأنّه أقل من أن يدفع إليه مبطنا. ثم طلب منا غدا من هو أجل منه جبّة مبطنة بوبر فخرج ما فى خزائننا من هذا الجنس الى نفر قليل.» وقد ذكر أرسطاطاليس فى رسالته المشهورة: «إنّ الملوك ملك سخىّ على نفسه سخىّ على رعيته وملك شحيح على نفسه شحيح على رعيّته وملك سخىّ على نفسه شحيح على رعيّته وملك شحيح على نفسه سخىّ على رعيته. فسابقهم الى الفضل [١١٣] من كان سخيّا على نفسه سخيا على رعيته وتاليه من كان شحيحا على نفسه سخيّا على رعيته وعضد الدولة كان كذلك إلّا أنّ طلب الدرجة العليا أعبق بذوي الكرم وسبب الغاية القصوى أولى بأولى الهمم. ولعل بعض من يقرأ كتابنا يقول: أما كان يسع طىّ هذا البساط وقطع هذا الرباط فكم قد طوى من خبر ومحا من أثر. بلى ولكنا أردنا الخير وقصدنا النفع حتى إذا تأمل المتأمل ذلك وتلك الأحاديث الجميلة والأفاعيل الشريفة استلذ من طيبها واستروح

стр. 3139

من نسيمها الى كل ما يهزّ أريحيته لفعل الخير وبناء المجد وإطالة الذكر واقتناء الحمد. فإذا انتهى الى ما قد ذكر أخيرا وجد من الكدر فى المنهل والشرق بالزلال الذي شربه ما يحذّره إهمال اليسير من رياضة أخلاقه فيصفيها تصفية الذهب الخالص. والسعيد من تأدب بغيره والكمال عزيز فى كل حال.» وقد قيل: لا سلم من قول الوشاة وتسلمي ... سلمت وهل حىّ من الناس يسلم [١١٤] ذكر وفاة عضد الدولة سامحه الله توفّى عن سبع وأربعين سنة وأشهر وعلّته التي توفّى بها مشهورة. ولم تكن أمثال هذا العمر عمله ولا فى أضعافه أمله ولكن فى خفاء مواقيت الآجال مشغلة بأكاذيب الآمال. وما أحسن قول عدىّ بن زيد: ليس شيء على المنون بباق ... غير وجه المهيمن الخلّاق ذاك عضد الدولة سامحه الله. أعجب بصحّة عقله وفيه دهاء، وهذا عضد الدولة البارسلان ﵀، أعجب بقوة بأسه، ومنه ليعلم أنّ البشر لا يملك شيئا وأنّ الملك لله الواحد القهّار. ونورد ههنا كلمات قيلت عند وفاة عضد الدولة فيها حكمة بالغة وموعظة نافعة: ذكر أبو حيّان التوحيدي فى كتاب الزلفة أنّه لما صحت وفاة عضد الدولة كنّا عند أبى سليمان السجستاني وكان [١١٥] القومسى حاضرا والنوشجاني

стр. 3140

وابو القسم غلام زحل [و] ابن المقداد والعروضي والأندلسى والصيمري، فتذاكروا الكلمات العشرة المشهورة التي قالها الحكماء العشرة عند وفاة الإسكندر فقال الأندلسى: - «لو قد تقوّض مجلسكم هذا بمثل هذه الكلمات لكان يؤثر عنكم ذلك.» فقال أبو سليمان: - «ما أحسن ما بعثت عليك [١] أمّا أنا فأقول: لقد وزن هذا الشخص الدنيا بغير مثقالها وأعطاها فوق قيمتها وحسبك أنّه طلب الربح فيها فخسر روحه فى الدنيا.» وقال الصيمري: - «من استيقظ للدنيا فهذا نومه ومن حلم بها فهذا انتباهه.» وقال النوشجاني: - «ما رأيت غافلا فى غفلته ولا عاقلا فى عقله مثله. لقد كان ينقض جانبا وهو يظنّ أنّه مبرم ويغرم وهو يرى أنّه غانم.» وقال العروضي: - «أما إنّه لو كان معتبرا فى حياته لما صار عبرة [فى] مماته.» قال الأندلسى: - «الصاعد فى درجاتها الى سفال والنازل من درجاتها الى معال.» وقال القومسى: - «من جدّ للدنيا هزلت به ومن هزل راغبا عنها جدّت له. انظر الى هذا كيف انتهى أمره والى أى حظّ وقع شأنه وإنّى لأظنّ أنّ الرجل [١١٦] الزاهد

стр. 3141

الذي مات فى هذه الأيام ودفن بالشونيزية أخفّ ظهرا [١] . وأعزّ ظهيرا من هذا الذي ترك الدنيا شاغرة ورحل عنها بلا زاد ولا راحلة.» وقال غلام زحل: - «ما ترك هذا الشخص استظهارا بحسن نظره وقوّته ولكن غلبه ما منه كان وبمعونته بان.» وقال ابن المقداد: - «إنّ ماء أطفأ هذه النار لعظيم، وإنّ ريحا زعزعت هذا الركن لعصوف.» فقال أبو سليمان: - «ما عندك فى هذا الحديث أحسن مما سمعت أبا إسماعيل الخطيب الهاشمي لمّا نعاه على المنبر يوم الجمعة يقول فى خطبته: كيف غفلت عن كيد هذا الأمر حتى نفذ فيك، وهلّا اتخذت دونه جنّة تقيك. ماذا صنعت بأموالك والعبيد ورجالك والجنود وبخولك العتيد وبدهرك الشديد. هلّا صانعت من عجل على السرير وبذلت له من القنطار الى القطمير. من أين أتيت وكنت شهما حازما وكيف مكّنت من نفسك وكنت قويا صارما. من الذي وطّأ على مكروهك وأناخ بكلكله على ملكك. لقد استضعفك من طمع فيك ولقد جهلك من سلم العزّ لك! كلّا، ولكن ملكك من أخسرك بالتمليك وسلبك من قدر عليك بالتهليك [٢] إنّ فيك لعبرة للمعتبرين [٣] وإنّك لآية للمستبصرين. جافى [١١٧] الله جنبك عن الثرى وتجاوز عنك بالحسنى، ونقل روحك الى الدرجات العلى وعرّفنا من خلفك خيرا وعدلا يكثر من

стр. 3142

أجلهما الدعاء وثناؤنا عليك أنّه على ذلك قدير، وهو عليه بصير [١] .» ذكر ما جرى عليه الأمر فى قيام صمصام الدولة بالملك كانت سعادة عضد الدولة قوية فى أحواله حتى فى موته. فإنّه انكتم أمره مع عظم قدره للسياسة التي قدّمها فى الأمور والهيبة التي أودعها بنات الصدور واختياره من الأصحاب كلّ من كان بحسن التدبير خبيرا وبخدمة الملوك جديرا. فلمّا توفى أخفى خبره، فأحضر الأمير أبو كاليجار المرزبان الى دار المملكة كأنّه مستدعى من قبل عضد الدولة. فلمّا حضر أخرج الأمر إليه بولاية العهد والنيابة فى الملك واستخلاف أخيه أبى الحسين أحمد بن عضد الدولة بفارس على أعمالها. وكتبت عن عضد الدولة كتب بذلك إلى كلّ صقع حسب العادة وضمّنت ذكر القبض على أبى الريّان حمد بن محمد وذمّ أفعاله واستدعاء [١١٨] أبى منصور نصر بن هارون الى الحضرة ليقوم مقامه فى أعماله، وأنفذ مع كل كتاب نسخة يمين بالبيعة لتؤخذ على الأمراء والقواد وأتباعهم من الأصحاب والأجناد. وروسل الطائع لله فى ذلك وسئل كتب عهد له مقرون بالخلع والألقاب واللواء وإمضاء ما قلّده عضد الدولة من النيابة عنه. فأنعم بالإجابة ولقّبه صمصام الدولة، وشرّفه بالعهد واللواء والخلع السلطانية وجلس صمصام الدولة جلوسا عامّا حتى قرئ العهد بين يديه وهنّأه بما تجدّد لديه.

стр. 3143

ونظر أبو عبد الله ابن سعدان فيما كان أبو الريان ينظر فيه من أمور الأعمال واستمرّت الحال فى إخفاء وفاة عضد الدولة الى أن تمهّد الأمر لصمصام الدولة. وفى هذا الوقت أزيل ما كان قرر على الأرحاء والطحون وأجرى الناس على رسومهم القديمة. وفيه خلع على أبى الحسين أحمد وأبى طاهر فيروز شاه ابني عضد الدولة للتوجّه الى شيراز وأعمالها وخرج معهما أبو الفتح نصر أخو أبى العلاء عبيد الله بن الفضل برسم النيابة عن أخيه فى مراعاة أمرهما. ذكر ما جرى عليه أمرهما [١١٩] لما أفضى الأمر الى صمصام الدولة قبض على الأمير أبى الحسين فى الدار ببغداد ووكّل به. وكانت والدته ابنة ملك الديلم [١] وشوكة الديلم قوية فعزمت على قصد الدار متنكرة عند اجتماع الديلم فيها فإذا حصلت فيها استغاثت بهم وهجمت على صمصام الدولة وانتزعت ابنها منه. فعرف صمصام الدولة ذلك فخاف وراسلها رسالة جميلة ووعدها بالإفراج عنه وتقليده أعمال فارس، وفعل ذلك ووافقه على المبادرة ليصل الى شيراز قبل ورود شرف الدولة أبى الفوارس إليها وأزاح علته فى جميع ما يحتاج اليه. فسار إلى الأهواز وعليها إذ ذاك أبو الفرج منصور بن خسره. فلمّا وصل إليها طالبه بمال والتمس منه ثيابا وأشياء أخر فمنعه ايّاها ظاهرا وحملها إليه

стр. 3144

باطنا مراقبة لصمصام الدولة وانتسجت بينهما حالة جميلة واستقرّ أنّ يستوزره عند تمهد أموره. فأشار عليه أبو الفرج بالتعجيل الى أرجان، فان وصلها وقد سبق شرف الدولة الى شيراز أسرع الكرة إلى الأهواز. فلمّا وصل إلى أرجان ورد الخبر بحصول شرف الدولة بشيراز وكرّ راجعا ودخل الأهواز وعوّل على أبى الفرج فى مراعاة [١٢٠] الأمور وتدبير الأعمال وأظهر المباينة وارتسم بالملك وتلقّب بتاج الدولة، وأقام الخطبة لنفسه. وعرف صمصام الدولة ذلك فجرد اليه أبا الحسن على بن دبعش الحاجب فى عسكر كثير. وندب الأمير أبو الحسين أبا الأعز دبيس بن عفيف الأسدى للقائه فالتقيا [١] بظاهر قرقوب ووقعت بينهما وقعة أجلت عن هزيمة ابن دبعش فأسر وحمل الى الأهواز وشهره بها. فاستولى الأمير أبو الحسين على ما كان معدّا بالأهواز وبقلعة رامهرمز من الأموال وفرّقها فى الرجال وصرف همته الى جمع العساكر وأرغبهم فمالوا اليه وانثالوا عليه فاشتد أمره وسار [الى] البصرة فملكها ورتب أخاه أبا طاهر فيروز شاه بها ولقبه ضياء الدولة. وجرى أمره على السداد ثلاث سنين الى أن انصرف إلى أصبهان وقبض عليه شرف الدولة وحمله الى قلعة فى بعض نواحي شيراز. مسير شيرزيل من كرمان واستيلاؤه على شيراز وفى هذه السنة سار شرف الدولة أبو الفوارس شيرزيل من كرمان إلى

стр. 3145

شيراز واستولى على الأمر. شرح الحال فى ذلك [١٢١] لما توفّى عضد الدولة كتب بعض الخواص بالخبر الى كرمان فسار شرف الدولة عند وقوفه على ذلك إلى فارس كاتما أمره. ذكر رأى سديد فى كتمان أمر حتى تمّ فلمّا وصل الى إصطخر قدم ابراهيم ديلمسفار أمامه وأمره بالإسراع الى شيراز وإخفاء خبره والقبض على أبى منصور نصر بن هارون ففعل ابراهيم ذلك ودخل دار أبى منصور على غفلة من أهلها ووجده فى مجلس نظره، فقبض عليه ووكّل به وقال للديلم: - «هذا أبو الفوارس فاخرجوا لخدمته.» فتلقّاه العسكر ودخل البلد واستقرّ. ثمّ أظهر وفاة عضد الدولة وجلس للعزاء وأخذ البيعة على أوليائه وأطلق لهم ما جرت به العادة من العطاء. بذا قضت الأيّام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد [١] [و] أزال التوكيل عن كورتكين بن جستان وقلّده اصفهسلارية عسكره وأفرج عن الاشراف: أبى الحسن محمد بن عمر وأبى أحمد الموسوي [١٢٢] وأخيه أبى عبد الله وعن القاضي أبى محمد [ابن] معروف [٢] وعن ابى نصر خواشاذه بعد أن طال بهم الاعتقال وضعفت فى خلاصهم الآمال وكما تطرق

стр. 3146

النوائب من حيث لا يحتسب فقد يأتى الفرج من حيث لا يرتقب. فأمّا أبو منصور ابن هارون فإنّه وكّل أمر مطالبته الى المعروف بالشابشتى الحاجب فعسفه حتى إنّه انتهى به إلى أن ملأ طستا بالجمر ووضعه على صدره فمات. ذكر اتفاق عجيب كان أبو منصور ابن هارون يبغض هذا الشابشتى فى أيام نظره ويبعده من بين يديه ويقول: - «إنّى أكره هذا الرجل كرها لا أعرف سببه.» حتى كان هلاكه على يده وبان أنّ تلك الكراهية لعلة خافية. ذكر اغترار بسلامة عاجلة آلت بصاحبها إلى هلاك كان سبب سوء رأى شرف الدولة فى نصر بن هارون اغترار نصر بيومه وترك النظر لغده وأنّه كان يضايقه فى أيام عضد الدولة [١٢٣] فى آرابه ويستقصى عليه فى أسبابه، ثم لعداوة كانت بينه وبين أصحابه فهم لا يزالون يوغرون صدره عليه ويقبحون أثره لديه. ومن سوء التدبير التقصير بأهل بيت الملك فكم قد حرّ [١] ذلك من وبال! ولم يكن سبب هلاك محمد بن عبد الملك الزيات الوزير على يد المتوكل على الله إلّا ما سبق من تقصيره فى أيام أخيه الواثق بالله والخبر مشهور [٢] .

стр. 3147

اغتيال أبى الفرج أبا محمد أخاه وفى هذه السنة اغتال أبو الفرج ابن عمران أبا محمد أخاه [١] وانتصب فى موضعه وكتب إلى الحضرة يظهر الطاعة ويسئل التقليد والولاية. ذكر حسد حمل صاحبه على قطيعة رحم كان أبو الفرج جاهلا متهورا فحسد أبا محمد على موضعه فأعمل الحيلة فى الفتك به. واتفق أن أختهما اعتلّت فقال أبو الفرج لأبى محمد: - «إنّ أختنا مشفية فلو عدتها.» ففعل وركب إليها ورتب أبو الفرج فى دارها قوما ووافقهم على مساعدته. فلمّا دخل أبو محمد وقف أصحابه لأنّها دار حرم. وحمل أبو الفرج سيفه على عادته ومشى من ورائه. فلمّا تمكّن منه [١٢٤] جرد السيف وضربه. وخرج القوم الذين رتبهم فساعدوه على الإجهاز عليه ووقعت الصيحة فصعد أبو الفرج إليهم مطلعا عليهم من سطح الدار وقال: - «قد فات الأمر ولكم عندي الإحسان.» فسكتوا ثم وضع فيهم العطايا فأطاعوه وأمّروه. مقتل الراعي بنصيبين وفى هذه السنة قتل أبو على الحسن بن بشر الراعي بنصيبين وكان وإليها وعاملها.

стр. 3148

ذكر سيرة عادت بخراسان دنيا وآخرة كان هذا ابن الراعي ظالما شريرا وخبره فى سمل عينه قد تقدم فى كتاب تجارب الأمم [١] ثم ولى نصيبين فأساء الى أهل البلد واستحلّ محارمهم. فلمّا شاعت الأراجيف بعلة عضد الدولة وبعد ذلك بموته ثار العامة وقصدوا داره للفتك به فخرج فى لباس امرأة وغمز عليه فأخذ وقتل ومثل به ثم أحرق. واستولى أحد الأكراد على البلد وورد الخبر بذلك فأخرج أبو سعد بهرام بن أردشير لتلافي الأمر. فلمّا وصل الى الموصل تقاعد به أبو المطرّف عاملها وانزاح المستولى عليها منها ولحق بباد. وكان أمر باد قد قوى بميافارقين فعجل بهرام الى قصده واستهان بأمره وواقعه فأجلت الوقعة عن هزيمة بهرام [١٢٥] وأسر جماعة من الديلم الذين معه. وشمت أبو المطرّف به وكتب الى أبى القاسم سعد الحاجب يطعن على بهرام ويقول: - «انه قد جنى على الدولة وأطمع بادا وإننى قد عملت على مكاتبة باد وإعلامه موقع الخطأ فى المكاشفة.» فأجابه سعد بجواب يقول فيه: - «أنا وارد. والسيف أصدق أنباء من الكتب» .» فلمّا وصل الى أبى المطرّف الجواب قال: سيوف لعمري يا لؤىّ بن غالب ... حداد ولكن أين بالسيف ضارب

стр. 3149

فبلغ ذلك سعدا فأحفظه وأسرّ فى نفسه عليه. ذكر خبر باد ومبدأ أمره باد لقب وهو أبو عبد الله الحسين بن دوشنك [١] من الأكراد الحميدية وكان يتصعلك كثيرا ويمضى الى الثغور ويغزو بها دائما وكان فظيع المنظر عظيم الهيكل. فلمّا حصل عضد الدولة بالموصل حضر على الباب بوساطة زيار بن شهراكويه [٢] ثم هرب. ذكر فراسة دلّت على دهاء [١٢٦] يقال: إنّه لمّا خرج من بين يدي عضد الدولة مضى على وجهه هاربا فسأله أصحابه عن سبب هربه فقال: - «شاهدت رجلا ظننت أن لا يبقى علىّ بعد حصولى فى يده.» وطلبه عضد الدولة فى أثر خروجه آمرا بالقبض عليه وقال: - «هذا رجل ذو بأس وبطش وشرّ وغدر ولا يجوز الإبقاء عليه.» فأخبر بهربه وحصل بثغور ديار بكر وأقام بها الى أن استفحل أمره. ثم خرج اليه أبو القاسم سعد الحاجب فكان من أمره معه ما سيأتي ذكره فى موضعه.

стр. 3150

ودخلت سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة ركوب صمصام الدولة إلى دار الخلافة وفيها ركب صمصام الدولة الى دار الخلافة وخلع عليه الخلع السبع والعمّة السوداء وسوّر وطوّق وتوّج وعقد له لواءان وحمل على فرس بمركب ذهب وقيد بين يديه مثله وقرئ عهده بتقليده الأمور فيما بلغت الدعوة من جميع الممالك وعاد الى داره. وجدّدت له البيعة وأطلق رسومها وأقيمت الدعوة وغيّرت السكة. وزارة الحسين بن أحمد بن سعدان وفيها خلع على أبى عبد الله الحسين بن أحمد بن سعدان خلع الوزارة وكان رجلا باذلا لعطائه مانعا للقائه فلا يراه أكثر من يقصده إلّا ما بين [١٢٧] نزوله من درجة داره الى زبزبه ومع ذلك فلا يخيّب طالب إحسان منه فى أكثر مطلبه لكن يسير البشر أملك للقلوب من كثير البرّ. فبسط يده فى الإطلاقات والصلات وتقرير المعايش والتسويفات وأحدث من الرسوم استيفاء العشر من جميع ما تسبب به الأولياء والكتّاب والحواشي من أموالهم وأرزاقهم والتوقيع فى آخر الصكاك الى العمال بمقاصّة أربابها به وجمعه عليهم وأخذه منهم وصرفه فى مشاهرات غلمان الخيول ونفقاتهم. وانضاف الى ضيق خلقه ما اتفق فى وقت نظره من غلاء سعر. فتطيرت العامة ورجموا زبزبه وشغّبوا الديلم عليه لأجله وهجموا على نهب داره وانتهت الحال الى ركوب صمصام الدولة الى مجتمعهم حتى تلافاهم وردّهم.

стр. 3151

ورود زيار وسعد بن محمد من جرجان وفيها ورد زيار بن شهراكويه وأبو القاسم سعد بن محمد الحاجب عائدين من جرجان فندب أبو القاسم الى الموصل لقصد باد وتلافى خطئه وجدد معه عسكرا اجتهد فى عدّته وعدّته. ذكر ما جرى عليه أمر سعد بن محمد مع باد [١٢٨] سار سعد، فلمّا حصل بالموصل قبض على أبى المطرّف عاملها وفى نفسه عليه تمثله بالبيت الذي تقدم ذكره واعتقله بالموصل. ويمّم سعد الى لقاء باد وهو واثق باقتناصه وربّ واثق خجل. فتواقعا على خابور الحسينية فانهزم سعد واستولى باد على جميع الديلم فأسر بعضا وقتل بعضا ثم ضرب رقاب الأسرى صبرا وسار الى الموصل. وقد كان سعد سبقه إليها عند الهزيمة فثار العامة به وخرج ناجيا بنفسه حتى بلغ تكريت وكتب الى الحضرة بخبره فأجيب بأن يقيم فى موضعه. ذكر حصول باد بالموصل وإفراجه عن أبى المطرّف لما حصل باد بالموصل أفرج عن أبى المطرّف واستوزره. وقويت شوكته بما تمّ له من كسر عساكر السلطان دفعة بعد أخرى واستولى على الأعمال وجبى وجوه الأموال وخرج عن حكم البوادي والمتطرفين وصار فى أعداد الخوارج المتجوفين وأرجف بأنّه محدّث نفسه بأخذ سرير الملك وقامت له هيبة فى النفوس وعظم ذلك على صمصام

стр. 3152

الدولة وابن [١٢٩] سعدان وزيره وقطعهما الهمّ به عن سائر الأمور. ولم يبق فى الحضرة من يندب لهذا الأمر مع استفحاله إلّا زيار بن شهراكويه. فوقف على المسير اليه وخلع عليه واستظهر له فى العدد والعدد وأخرج معه شكرا فى الغلمان الأتراك وسار الى الموصل وانضم إليهما أبو القاسم الحاجب من تكريت وواقعوا بادا فى صفر سنة أربع وأجلت الوقعة عن انهزام باد وأسر كثير من أقاربه وأصحابه وورد الخبر بذلك فسكن ما عليه الناس من الأراجيف به. ثم وصل الأسارى الى بغداد فشهروا. ذكر ما جرى عليه أمره بعد الهزيمة لما انهزم باد وخيّم زيار بظاهر الموصل خرج سعد الحاجب الى الجزيرة من الجانب الشرقي فى عدد وافر وحصل باد فى أطراف بلاده يجمع الرجال الى نفسه ليقصد ديار بكر. فرأى ابن سعدان ان كتب الى سعد الدولة ابن حمدان وبذل له تسليم ديار بكر إليه على ما كانت مع أبيه واستدعى منه تجريد أصحابه إليها قبل استيلاء باد عليها. فأنفذ ابن حمدان أصحابه إلى ميافارقين فأقاموا مديدة ثم انصرفوا ولم يكن لهم [١٣٠] طاقة بمقاومة باد وملك باد ميافارقين وسار إلى تلّ فافان مرهبا وراسل فى الصلح وتثاقل العسكر الذي مع سعد عن المسير معه الى لقائه فعمل على العدول الى الحيلة ودس رجلا لقتل باد غيلة [١] .

стр. 3153

ذكر حيلة جيّدة لو وافقت قضاء يقال: إنّ الرجل الذي دسّه دخل على باد فى خيمته ليلا ووصل إلى موضع منامه وضربه بالسيف ضربة على رجله ظنّ أنّها على رأسه وصاح باد وهرب الرجل فلم يلحق ومرض باد لتلك الضربة حتى أشفى واجتهد سعد فى انتهاز الفرصة منه عند مرضه فلم يطاوعه من معه. وكان شكر قد توجّه مع الأتراك إلى نصيبين على أن يكون مسيرهم ومسير سعد من الجانبين فاضطرب من كان معه من الأتراك عليه. وراسل باد زيارا وألقى عليه نفسه وردّ أمره إليه. فمال زيار للصلح غير مظهر للميل مراقبة لأبى القاسم سعد وأشار على باد بسلوك سبيل الاستصلاح معه أيضا. فلمّا أعيت سعدا الحيل وكثرت عليه الأسباب والعلل وعلم أنّ كثير الاجتهاد مع معاندة الأيام ضائع وقليله مع مساعدتها نافع، صالح بادا على [١٣١] أن تكون له ديار بكر والنصف من طور عبدين من غربيها وعاد سعد إلى الموصل وزيار بها وانحدر زيار إلى الحضرة وأقام سعد بمكانه. وكان أمر هذه الوقعة والصلح فى سنة أربع ولكن سياقة الحديث اقتضت إيراده ههنا فى أخبار سنة ثلاث. استيلاء المظفّر على الأمر وفى هذه السنة قتل المظفر بن على الحاجب أبا الفرج محمد بن عمران وأجلس أبا المعالي ابن أبى محمد الحسن بن عمران فى الامارة ثم استولى المظفر على الأمر بعد.

стр. 3154

ذكر ما جرى عليه الأمر فى ذلك قد تقدّم ذكر ما كان من أبى الفرج فى قتل أخيه أبى محمد. فلمّا جلس فى الإمارة قدّم القوم الذين ساعدوه وجفا مشايخ القوّاد، فأحفظ الأكابر تقدّم الأصاغر. وكان المظفر أحد قوّاد عمران الذين أبلوا معه فى حروبه فاتفق هو والمعروف بابن الشعراني اصفهسلار الجند وقالا لشيوخ القوّاد: - «قد فعل هذا الرجل ما فعل من استحلال محرّم أخيه وصبرنا عليه مع وجوب حقّه وحق أبيه ولم يقنعه سوء فعله حتى استأنف حطّ منازلنا وتقديم أراذلنا ولا نأمن أن يتعدى الأمر من [١٣٢] بعد إلى إزالة نعمتنا واطّراح حرمتنا.» فاتفقت كلمة الجماعة على كراهيته ثم تكفل المظفر لأبن الشعراني بأمر قتله وتكفل ابن الشعراني بأمر جنده وتواعدا على ذلك. ذكر تهوّر سلم صاحبه بالاتفاق ثم إنّ أبا الفرج ركب من دار الإمارة إلى بناء استحدثه وعرف المظفر خبره فقصده إلى الموضع ودخل عليه فلمّا رآه أبو الفرج قال له: - «فيم حضرت؟» قال: «علمت ركوب الأمير فأحببت خدمته.» وحضر من أعطاه كتابا. فلمّا أخذه وتشاغل بقراءته جرّد المظفر سيفه وثار اليه فضربه.

стр. 3155

وبادر [١] من كان بين يديه من خواصه الى المظفر بسيوفهم وهو كالجمل الهائج يدافعهم عن نفسه وأكبّ على أبى الفرج ضربا حتى فرغ منه وقد أصابته جراحة فى يده وضربات فى ذباب سيفه. ونزل فى ورجيته [٢] إلى المنصورة التي بها دار الإمارة وأخرج أبا المعالي ابن أبى محمد ابن عمران وهو صغير السنّ فأقامه أميرا وأطلق المال وأرضى الجند. ومضى أبو الفرج بعد أخيه سريعا، صرع أخاه فأصبح بعده صريعا، وباع دينه فخسرهما جميعا، وكذلك كل قاتل مقتول، وكل خاذل [١٣٣] مخذول، وكن كيف شئت فكما تدين تدان. ونعود إلى ذكر ما جرت عليه الحال بعد ذلك لمّا فعل المظفر ما فعله أظهر الصرامة وقيل له فى التوثقة من العسكر بالأيمان فقال: - «التوثقة سيفي من استقام غمدته عنه ومن اعوجّ سللته عليه.» وكتب إلى الحضرة بما فعله من أخذ ثأر أبى محمد وإعادة الأمر إلى ولده [٣] وسأل فى تقليده وأنفذ من استحلف صمصام الدولة له ولنفسه فأجيب إلى ذلك جميعه وأخذ المظفر أمره بالرهبة وقتل الشعراني مع بضعة عشر نفسا من القواد الذين ساعدوه فى يوم واحد. ومضت أيام والمظفر يتولى الأمور وأبو المعالي صبىّ لا فضل فيه ولا تدبير، ثم نازعت المظفر نفسه إلى التردّى برداء الإمارة والتفرّد بها لفظا
следующие страницы →