ورود زيار وسعد بن محمد من جرجان
وفيها ورد زيار بن شهراكويه وأبو القاسم سعد بن محمد الحاجب عائدين من جرجان فندب أبو القاسم الى الموصل لقصد باد وتلافى خطئه وجدد معه عسكرا اجتهد فى عدّته وعدّته.
ذكر ما جرى عليه أمر سعد بن محمد مع باد [١٢٨]
سار سعد، فلمّا حصل بالموصل قبض على أبى المطرّف عاملها وفى نفسه عليه تمثله بالبيت الذي تقدم ذكره واعتقله بالموصل.
ويمّم سعد الى لقاء باد وهو واثق باقتناصه وربّ واثق خجل. فتواقعا على خابور الحسينية فانهزم سعد واستولى باد على جميع الديلم فأسر بعضا وقتل بعضا ثم ضرب رقاب الأسرى صبرا وسار الى الموصل.
وقد كان سعد سبقه إليها عند الهزيمة فثار العامة به وخرج ناجيا بنفسه حتى بلغ تكريت وكتب الى الحضرة بخبره فأجيب بأن يقيم فى موضعه.
ذكر حصول باد بالموصل وإفراجه عن أبى المطرّف
لما حصل باد بالموصل أفرج عن أبى المطرّف واستوزره.
وقويت شوكته بما تمّ له من كسر عساكر السلطان دفعة بعد أخرى واستولى على الأعمال وجبى وجوه الأموال وخرج عن حكم البوادي والمتطرفين وصار فى أعداد الخوارج المتجوفين وأرجف بأنّه محدّث نفسه بأخذ سرير الملك وقامت له هيبة فى النفوس وعظم ذلك على صمصام
стр. 3152
الدولة وابن [١٢٩] سعدان وزيره وقطعهما الهمّ به عن سائر الأمور.
ولم يبق فى الحضرة من يندب لهذا الأمر مع استفحاله إلّا زيار بن شهراكويه. فوقف على المسير اليه وخلع عليه واستظهر له فى العدد والعدد وأخرج معه شكرا فى الغلمان الأتراك وسار الى الموصل وانضم إليهما أبو القاسم الحاجب من تكريت وواقعوا بادا فى صفر سنة أربع وأجلت الوقعة عن انهزام باد وأسر كثير من أقاربه وأصحابه وورد الخبر بذلك فسكن ما عليه الناس من الأراجيف به.
ثم وصل الأسارى الى بغداد فشهروا.
ذكر ما جرى عليه أمره بعد الهزيمة
لما انهزم باد وخيّم زيار بظاهر الموصل خرج سعد الحاجب الى الجزيرة من الجانب الشرقي فى عدد وافر وحصل باد فى أطراف بلاده يجمع الرجال الى نفسه ليقصد ديار بكر.
فرأى ابن سعدان ان كتب الى سعد الدولة ابن حمدان وبذل له تسليم ديار بكر إليه على ما كانت مع أبيه واستدعى منه تجريد أصحابه إليها قبل استيلاء باد عليها.
فأنفذ ابن حمدان أصحابه إلى ميافارقين فأقاموا مديدة ثم انصرفوا ولم يكن لهم [١٣٠] طاقة بمقاومة باد وملك باد ميافارقين وسار إلى تلّ فافان مرهبا وراسل فى الصلح وتثاقل العسكر الذي مع سعد عن المسير معه الى لقائه فعمل على العدول الى الحيلة ودس رجلا لقتل باد غيلة [١] .
стр. 3153
ذكر حيلة جيّدة لو وافقت قضاء
يقال: إنّ الرجل الذي دسّه دخل على باد فى خيمته ليلا ووصل إلى موضع منامه وضربه بالسيف ضربة على رجله ظنّ أنّها على رأسه وصاح باد وهرب الرجل فلم يلحق ومرض باد لتلك الضربة حتى أشفى واجتهد سعد فى انتهاز الفرصة منه عند مرضه فلم يطاوعه من معه.
وكان شكر قد توجّه مع الأتراك إلى نصيبين على أن يكون مسيرهم ومسير سعد من الجانبين فاضطرب من كان معه من الأتراك عليه.
وراسل باد زيارا وألقى عليه نفسه وردّ أمره إليه. فمال زيار للصلح غير مظهر للميل مراقبة لأبى القاسم سعد وأشار على باد بسلوك سبيل الاستصلاح معه أيضا.
فلمّا أعيت سعدا الحيل وكثرت عليه الأسباب والعلل وعلم أنّ كثير الاجتهاد مع معاندة الأيام ضائع وقليله مع مساعدتها نافع، صالح بادا على [١٣١] أن تكون له ديار بكر والنصف من طور عبدين من غربيها وعاد سعد إلى الموصل وزيار بها وانحدر زيار إلى الحضرة وأقام سعد بمكانه.
وكان أمر هذه الوقعة والصلح فى سنة أربع ولكن سياقة الحديث اقتضت إيراده ههنا فى أخبار سنة ثلاث.
استيلاء المظفّر على الأمر
وفى هذه السنة قتل المظفر بن على الحاجب أبا الفرج محمد بن عمران وأجلس أبا المعالي ابن أبى محمد الحسن بن عمران فى الامارة ثم استولى المظفر على الأمر بعد.
стр. 3154
ذكر ما جرى عليه الأمر فى ذلك
قد تقدّم ذكر ما كان من أبى الفرج فى قتل أخيه أبى محمد. فلمّا جلس فى الإمارة قدّم القوم الذين ساعدوه وجفا مشايخ القوّاد، فأحفظ الأكابر تقدّم الأصاغر.
وكان المظفر أحد قوّاد عمران الذين أبلوا معه فى حروبه فاتفق هو والمعروف بابن الشعراني اصفهسلار الجند وقالا لشيوخ القوّاد:
- «قد فعل هذا الرجل ما فعل من استحلال محرّم أخيه وصبرنا عليه مع وجوب حقّه وحق أبيه ولم يقنعه سوء فعله حتى استأنف حطّ منازلنا وتقديم أراذلنا ولا نأمن أن يتعدى الأمر من [١٣٢] بعد إلى إزالة نعمتنا واطّراح حرمتنا.» فاتفقت كلمة الجماعة على كراهيته ثم تكفل المظفر لأبن الشعراني بأمر قتله وتكفل ابن الشعراني بأمر جنده وتواعدا على ذلك.
ذكر تهوّر سلم صاحبه بالاتفاق
ثم إنّ أبا الفرج ركب من دار الإمارة إلى بناء استحدثه وعرف المظفر خبره فقصده إلى الموضع ودخل عليه فلمّا رآه أبو الفرج قال له:
- «فيم حضرت؟» قال: «علمت ركوب الأمير فأحببت خدمته.» وحضر من أعطاه كتابا. فلمّا أخذه وتشاغل بقراءته جرّد المظفر سيفه وثار اليه فضربه.
стр. 3155
وبادر [١] من كان بين يديه من خواصه الى المظفر بسيوفهم وهو كالجمل الهائج يدافعهم عن نفسه وأكبّ على أبى الفرج ضربا حتى فرغ منه وقد أصابته جراحة فى يده وضربات فى ذباب سيفه.
ونزل فى ورجيته [٢] إلى المنصورة التي بها دار الإمارة وأخرج أبا المعالي ابن أبى محمد ابن عمران وهو صغير السنّ فأقامه أميرا وأطلق المال وأرضى الجند.
ومضى أبو الفرج بعد أخيه سريعا، صرع أخاه فأصبح بعده صريعا، وباع دينه فخسرهما جميعا، وكذلك كل قاتل مقتول، وكل خاذل [١٣٣] مخذول، وكن كيف شئت فكما تدين تدان.
ونعود إلى ذكر ما جرت عليه الحال بعد ذلك
لمّا فعل المظفر ما فعله أظهر الصرامة وقيل له فى التوثقة من العسكر بالأيمان فقال:
- «التوثقة سيفي من استقام غمدته عنه ومن اعوجّ سللته عليه.» وكتب إلى الحضرة بما فعله من أخذ ثأر أبى محمد وإعادة الأمر إلى ولده [٣] وسأل فى تقليده وأنفذ من استحلف صمصام الدولة له ولنفسه فأجيب إلى ذلك جميعه وأخذ المظفر أمره بالرهبة وقتل الشعراني مع بضعة عشر نفسا من القواد الذين ساعدوه فى يوم واحد.
ومضت أيام والمظفر يتولى الأمور وأبو المعالي صبىّ لا فضل فيه ولا تدبير، ثم نازعت المظفر نفسه إلى التردّى برداء الإمارة والتفرّد بها لفظا
стр. 3156
ومعنى.
ذكر منصوبة عملها المظفر فى إظهار إمارته
أمر كاتبه أن يكتب كتابا عن السلطان إليه بالتعويل فى تدبير الأمور [١٣٤] عليه ثم أمره بإحضار ركابي غريب وتسليم الكتاب إليه ومواقفته على الدخول بالكتاب عند احتفال المجلس بالناس مغبّر الثياب والوجه كأنّه بشعت بشعث [١] الطريق ففعل ذلك.
فلمّا كان فى غد ذلك اليوم واجتمع الناس دخل الركّابىّ على تلك الصورة وأوصل الكتاب إليه.
فلمّا أخذه المظفر قبّله ودفعه إلى الكاتب فقرأه وأظهر الاستبشار وقال لأبى المعالي فى الوقت:
- «قم إلى أمّك.» وتظاهر بالإمارة ثم أحضر الجند وتوثّق منهم، وقد كان أباد من خاف جانبه ولم يبق إلّا من أمن بوائقه، وتلقّب بالموفّق واستمال القلوب وعدل عن الطريق الأول.
ذكر ما اعتمده من حسن السيرة
لمّا استتبّ له الأمر على ما أراد حمل الناس على محجّة العدل وخفض لهم جناح اللين وكفّ يده عن القتل واستعمل الرأفة بعد تلك الفظاظة والرحمة، بعد تلك القساوة.
وردّ على أرباب الضياع ما كان قبضه عمران وولده منهم وأجرى على
стр. 3157
أبى المعالي وأمّه جراية واسعة وأقرّهما فى دارهما مدّة طويلة ثم أمرهما بالانصراف فانصرفا إلى واسط وكانت جرايته [١٣٥] دارّة عليهما مع بعدهما عنه.
ومضت مدة فعهد فى الأمر إلى أبى الحسن على بن نصر الملقّب أخيرا بمهذّب الدولة، ولقّبه إذ ذاك بالأمير المختار، وإلى أبى الحسن على بن جعفر من بعده وهما ابنا أختيه.
وفى هذه السنة ورد الخبر بوفاة مؤيد الدولة بجرجان وجلس صمصام الدولة للعزاء به وجاءه الطائع لله معزّيا.
ذكر ما جرى عليه الأمر فى وفاة مؤيّد الدولة وإلى أن استقرّت الإمارة لفخر الدولة من بعده
لما انصرفت عساكر خراسان الواردة مع فخر الدولة وقابوس الانصراف الذي تقدّم ذكره استقرّ مؤيد الدولة بجرجان وجعلها داره وأقام أبو الحسن على بن كامة عنده.
واتصلت الأخبار باشتداد علة عضد الدولة والعهد على صمصام الدولة فى الملك من بعده وأخذ البيعة له على جنده وتفرقة الأموال بالحضرة على الرجال، فشغب الجيش بجرجان وأفردوا خيمهم إلى ظاهر البلد والتمسوا الزيادة والإحسان [١٣٦] وتوسط زيار بن شهراكويه والحسن بن ابراهيم الأمر معهم حتى سكنوا وعادوا.
فاستأذن بعد ذلك زيار ومن كان معه فى المسير إلى بغداد فرفق مؤيد الدولة بهم إيثارا لمقامهم فلم يفعلوا نزاعا إلى أوطانهم مع ما تجدد لهم من أمر صمصام الدولة على ما قد ذكر فقضى عند ذلك حقوقهم وأذن لهم فى الانصراف فانصرفوا شاكرين.
стр. 3158
ذكر ما دبّره مؤيّد الدولة فى الاستيلاء على الملك وحالت المقادير دونه
لمّا علم مؤيد الدولة بوفاة عضد الدولة سمت نفسه للاستيلاء على الممالك والقيام مقامه فيها وكان قد أنفذ أبا على القاسم إلى فارس متحملا لرسالة إلى الأمير أبى الفوارس ابن عضد الدولة. فورد كتاب أبى على هذا عليه بوقوع الخطبة له فى بلاد فارس وثبوت اسمه على الدينار والدرهم.
وقدم أبو نصر خواشاذه ورسول من الأمير أبى الفوارس إليه فلبث عنده أياما وعاد بالجواب ثم راسل أخاه فخر الدولة بالوعود الجميلة [١٣٧] وبذل له ولاية جرجان وتقويته بما يحتاج إليه من الأموال فلم يسكن فخر الدولة إلى قوله وأقام بموضعه.
وبينما الحال على ذلك إذ جاءه الأمر الذي لا يغلب والنداء الذي لا يحجب فخضع لأمر الآمر مطيعا ولبّى دعوة الداعي سريعا قضية الله سبحانه فى الأولين والآخرين ومشيئته فى الذاهبين والغابرين. قال الله تعالى: «لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً» ١٩: ٩٤- ٩٥. [١]
ذكر كلام سديد للصاحب ابن عبّاد
ولمّا عرضت لمؤيد الدولة علة الخوانيق واشتدت به قال له الصاحب:
- «لو عهد أمير الأمراء عهدا إلى من يراه يسكن إليه الجند إلى أن يتفضل الله تعالى بعافيته وقيامه إلى تدبير مملكته لكان ذلك من الاستظهار الذي لا ضرر فيه.»
стр. 3159
فقال له:
- «أنا فى شغل عن هذا وما للملك قدر مع انتهاء الإنسان إلى مثل ما أنا فيه فافعلوا ما بدا لكم.» ثم أشفى فقال له الصاحب:
- «تب يا مولانا من كل ما دخلت فيه وتبرّأ من هذه الأموال التي لست على ثقة من طيبها وحصولها من حلّها، واعتقد متى أقامك الله وعافاك صرفها فى وجوهها وردّ كل ظلامة تعرفها وتقدر على ردّها.» ففعل [١٣٨] ذلك وتلطف به وقضى نحبه ولعلّ الصاحب اقتدى فى هذا القول بقصة ابن أبى دؤاد مع الواثق بالله رضى الله عنه إلّا أنّ تلك قول وفعل:
خبر حسن فيه تنبيه على فعل خير [١]
يقال: إنّه لمّا اشتدت علة الواثق التي توفى فيها وكان فى حبسه جماعة من الكتّاب والعمّال وهم فى ضنك شديد من المطالبة دخل ابن ابى دؤاد عليه وسأله عمّا يجد فشكا الواثق بالله شدة ما به إليه فقال:
- «يا أمير المؤمنين إنّ فى حبسك جماعة وراءهم عدد كثير من العيال وهم فى ضرّ وبؤس ولو أمرت بالإفراج عنهم لرجوت لك الفرج من هذه الشدة.» فقال له:
- «أصبت.» وأمر بذلك فأفرج عنهم. فلمّا أصبح حضر ابن أبى دؤاد عنده على رسمه فقال له الواثق:
стр. 3160
- «إنّى وجدت البارحة بعض الخف.» فقال ابن أبى دؤاد:
- «وفّق الله لأمير المؤمنين. فلقد رفعت البارحة ألوف من الأيدى بالدعاء له كانت ترفع من قبل بالدعاء عليه. هذا وقد عاد من أفرج عنهم إلى دور شعثة وعيال جياع وأحوال مختلّة ولو قد أطلقت ضياعهم [١٣٩] المقبوضة وأعيدت إليهم أموالهم المأخوذة لكان الدعاء أكثر والأجر أعظم.» فأمر الواثق عند ذلك بتسليم ضياعهم إليهم وإعادة ما أخذ من أموالهم وخرج الأمر بذلك على يد ابن أبى دؤاد، فقام بتمامه فى يومه وأحيا الله أقواما على يده.
ولم يكن قد بقي للواثق أجل فمضى لسبيله واستصحب أجر ذلك الفعل معه وفاز ابن أبى دؤاد بهذه المنقبة بقية الدهر. ونعود الى سياقة الحديث.
ذكر ما دبّره ابن عبّاد بعد وفاة مؤيد الدولة
كتب فى الوقت إلى فخر الدولة بالإسراع وأرسل أخاه وبعض ثقاته ليستوثق منه باليمين على الحفظ والوفاء بالعهد.
وتجرّد الصاحب لضبط الأمر ووضع العطاء فى الجند ونصب أبا العباس خسر فيروز بن ركن الدولة فى الامارة تسكينا للفتنة وإزالة للخلف فى عاجل الحال، وكتب الناس مثنى [١] وفرادى إلى فخر الدولة بالطاعة وهو يومئذ بنواحي نيسابور على حالة مختلفة [٢] وإضاقة شديدة.
وقد أنفذ نصر بن الحسن بن فيروزان [٣] الى الصاحب ببخارا مع من نفذ
стр. 3161
من جهة قابوس من [١٤٠] وجوه قوّاده حين استدعاهما صاحب بخارا للخلف الواقع بينه وبين ابن عمّه عبد الملك بعقب انهزام عساكره بباب جرجان. فاعتذر إليه فى تأخرهما عنه بنفوسهما وأنفذ إليه أصحابهما المذكورين.
فلمّا ورد إلى فخر الدولة كتاب ابن عباد، وتلاه كتب وجوه العساكر أولا فأولا، سار على الفور وعرف قابوس الخبر فأرسل إليه:
- «أنّ بيننا ما أريد مفاوضتك فيه.» فأجابه بأننى:
- «قد توجّهت ولا قدرة لى على العود بعد التوجّه ومهما أردت فاكتب به.» وبادر يطوى المنازل نحو جرجان.
ذكر وصول فخر الدولة إلى جرجان واستقراره فى دار الإمارة
لما ورد الخبر بقرب وصول فخر الدولة إلى جرجان قال الصاحب ابن عبّاد للجند:
- «إنّما أخذت البيعة عليكم لأبى العباس خسر فيروز على أنّه خليفة أخيه فخر الدولة فبادروا إلى تلقّيه وخدمته.» فندبوا عند ذلك أبا الحسين محمد بن على بن القاسم العارض للاستيثاق بجماعتهم، فسار إليه ولقيه بالتعزية بأخيه والتهنئة بالملك والتوثق [١٤١] للأولياء، فأكرمه فخر الدولة وتقبّل منه ما أورده.
وبادر الناس بعد أبى الحسين إلى خدمته فوجا فوجا وهو يقرّبهم ويدنيهم. ثم تلقّاه الصاحب أبو القاسم ابن عبّاد مع الأمير أبى العباس
стр. 3162
خسر فيروز وأكابر القوّاد فرحّب به فخر الدولة وبالغ فى إكرامه وتناهى فى إعظامه ونزل بظاهر المدينة فى الموضع الذي كان مؤيد الدولة معسكرا فيه عند قتال عسكر خراسان، ثم دخل البلد من غده وأخذت البيعة له بالطاعة والمخالصة واستقرّت الإمارة عليه.
وكذلك الدهر يتقلّب من حال إلى حال وينتقل بأهله بين أسفل وعال والبؤس والنعيم فيه إلى زوال.
ذكر كلام اختبر به ما فى نفس فخر الدولة
لمّا انتظم الأمر لفخر الدولة قال له الصاحب:
- «قد بلّغك الله يا مولاي وبلّغنى فيه ما أملته لنفسك وأملته لك ومن حقوق خدمتي عليك إجابتى إلى ما أوثره من ملازمة دارى واعتزال الجندية والتوفر على أمر المعاد.» وقال له:
- «لا تقل أيها الصاحب هذا، فإنّنى ما أريد الملك [١٤٢] إلّا لك ولا يجوز أن يستقيم أمرى إلّا بك، وإذا كرهت ملابسة الأمور كرهت ذاك بكراهيتك وانصرفت.» فقبّل الأرض شكرا وقال:
- «الأمر أمرك.» وتلا ذلك أنّه خلع عليه خلع الوزارة وأكرمه منها بما لم يكرم وزير بمثله ثم عمل فخر الدولة والصاحب جميعا على أخذ على بن كامة والاستيلاء على ماله وأعماله، وعلما أنهما لا يقدران عليه لجلالة قدره فعدلا إلى إعمال الحيلة فى أمره
.
стр. 3163
ذكر حيلة تمّت فى قتل علىّ بن كامة
اجتمع رأيهما على مواقفة شرابي كان له على سمه فتوصّلا إليه وقرّرا أمور ذلك واتفق أنّ على بن كامة عمل دعوة واحتفل فيها واحتشد وسأل فخر الدولة والصاحب الحضور عنده. فواعداه بذلك وراسلا الشرابي بفعل ما تقرر معه فى هذا اليوم وأعطياه سمّا موجبا.
ودخل على بن كامة خزانة الشراب يتخيّر الأشربة ويذوقها فطرح الشرابي السمّ فى بعض ما ذاقه فأحس فى الحال باضطراب جسمه فدخل بيتا وطرح نفسه فيه وألقى عليه كساء وعلم فخر الدولة [١٤٣] خبره فتأخر عن الحضور.
وأطعم الناس وسقوا وتركه أصحابه فى موضعه وعندهم أنّه نائم ولم يقدموا على إنباهه. فلمّا كان من غد رأوه على خملته فدخلوا إليه فوجدوه ميتا.
فأنفذ فخر الدولة إلى داره من توكل بها وإلى خزانته من استظهر عليها والى قلاعه من أخذها وإلى أعماله من تولّاها. وكان لعلى بن كامة أولاد فلم يتمّ لهم الأمر مع فخر الدولة.
وليس العجب من فخر الدولة فى سمّ الرجل كالعجب من الصاحب الذي سأل بالأمس فى الخبر الذي تقدّم هذا الخبر فى الإذن له فى ملازمة داره والتوفر على أمر المعاد.
ووصل أبو نصر شهريسلار بن مؤيد الدولة الى حضرة فخر الدولة فى هذا الوقت فأكرمه.
стр. 3164
ذكر السبب فى ذلك
كان أبو نصر بأصبهان مقيما نائبا عن أبيه مؤيد الدولة فى ولده وحرمه.
فلمّا عرف خبر وفاته بادر بمن خفّ معه يريد جرجان فبلغه فى بعض الطريق خبر استقرار فخر الدولة فى الامارة فأقام بموضعه وكاتبه يستأذنه فى الإتمام إلى حضرته. فأجابه بالجميل وصلة [١٤٤] الرحم وأمره بالإتمام والمسير فسار ووصل إلى جرجان فأكرم غاية الإكرام.
وقدم أبو على القاسم بن على بن القاسم عائدا من فارس مع المال المحمول وقد كان مؤيد الدولة أنفذه إليها حسب ما تقدم ذكره.
وأنفذ فخر الدولة أبا القاسم القاضي العلوي رسولا إلى الأمير أبى الفوارس ابن عضد الدولة وأقام بجرجان يجمع الأموال ويملأ بها القلاع إلى أن ورد إليه تاشى هاربا من خراسان فأنزله بجرجان وقرّر عليه ارتفاعها وانصرف هو إلى الرىّ وأقام تاشى بها إلى أن توفى وقيل مات مسموما.
وفى هذه السنة شغب الأتراك ببغداد وبرزوا متوجهين إلى شيراز بعد أن كانت طائفة منهم قد سارت قبلهم ولحقت بفارس.
فركب زيار بن شهراكويه فى أثر هؤلاء وردّ أكثرهم وأخذ أبا منصور ابن أبى الحسن الناظر وكان قد خرج هاربا وولده مع شرف الدولة لم يقبض عليه فردّ بعد أن جرح لأنّه مانع عن نفسه واعتقل.
وكان خال ولد أبى القاسم عبد العزيز بن يوسف. فلمّا عرف عبد العزيز هربه من الليل خاف أن يسعى أبو عبد الله بن سعدان به إلى صمصام الدولة ويوغر صدره عليه وينسب هربه إليه فرأى أن يسبق بإظهار إبراء الساحة قبل أن [١٤٥] ينتهز عدوّه الفرصة.
стр. 3165
ذكر رأى سديد وقع لعبد العزيز بن يوسف أمن به ما خاف وقوعه
وذلك أنّه غلّس فى صبيحة تلك الليلة إلى الدار وجلس فى الدهليز وراعى قيام صمصام الدولة من منامه وانتظر حضور على ابن أبى على الحاجب وكان له صديقا.
فلمّا حضر الحاجب خرج إليه عبد العزيز بما فى نفسه وسأله الاستئذان له على خلوة قبل كل أحد فدخل الحاجب وأعلم صمصام الدولة بحضوره فإذن له. فلمّا حضر قبّل الأرض وبكا بكاء شديدا وقال:
- «قد خدمت عضد الدولة وخدمتك ولم تعهد منى إلّا الصدق والمناصحة.» وحلف بطلاق صاحبته أخت أبى منصور وبالأيمان المغلظة إن كان عرف خبر أبى منصور فيما عمل عليه من الهرب أو شاوره فيه.
فسكن منه صمصام الدولة وخاطبه بما طابت نفسه به وانصرف من بين يديه وقد زال إشفاقه وخوفه.
وحضر من الغد ابن سعدان وأشار إلى أبى القاسم عبد العزيز فى هرب [١٤٦] أبى منصور فى أثناء كلامه إشارة لم يتقبلها منه صمصام الدولة وقال:
- «أبو القاسم بريء من هذا الأمر ولا علقة له فيه.» فأمسك حينئذ ابن سعدان وزادت العداوة بينهما وجدّ أبو القاسم فى إفساد حال ابن سعدان حتى تمّ له القبض عليه والانتصاب فى مكانه حتى يأتى شرح ذلك من بعد بإذن الله تعالى.
стр. 3166
ودخلت سنة أربع وسبعين وثلاثمائة
وفيها شرف فخر الدولة من حضرة الطائع لله بالخلع السلطانية والعهد واللواء وزيادة اللقب وسلّم جميع ذلك إلى أبى العلاء الحسن بن محمد بن سهلويه رسول فخر الدولة.
شرح ما جرى عليه الأمر فى ذلك
لمّا توفّى مؤيد الدولة وانتصب فخر الدولة فى موضعه شرع أبو عبد الله ابن سعدان فى إصلاح ما بين صمصام الدولة وبينه، وكاتب الصاحب أبا القاسم ابن عباد فى ذلك.
وتردّد بينهما ما انتهى إلى ورود أبى العلاء ابن سهلويه للسفارة فى التقرر وتنجز الخلع السلطانية لفخر الدولة [١٤٧] فأكرمه أبو عبد الله ابن سعدان إكراما بالغ فيه وأقام له من الأنزال وحمل إليه من الأموال ما جاوز به حدّ مثله.
واتصلت مدة مقامه من المكاتبات ما دلّ على إظهار المشاركة بين الجندين فى كل تدبير وتقرير وتجديد السنّة التي كانت بين الإخوة عماد الدولة وركنها ومعزّها من الاتفاق والألفة.
وسدّى الصاحب فى ذلك قوله وألحم، وأسرج فيه عزمه وألجم، حتى أنّه كان لا يجرى أمر ولا بال بحضرة فخر الدولة إلّا كتب به مساهما ولا يعرف حالا يتعلق بمصلحة صمصام الدولة إلّا أشار بها مناصحا.
فمن جملة ما كتب الصاحب بشرحه إلى الحضرة
ذكر وصول أبى سعيد أحمد بن شبيب صاحب جيش خوارزم رسولا من
стр. 3167
أمير خراسان متحملا من الرسالة ألطف الأقوال وورود كتب أبى [العباس] تاش [١] مشتملة من القرب والإخلاص على أجمل الأقوال وأنّ الخطاب دارّ مع الرسول الوارد فى الصلح على قواعد أوّلها طاعة الخلافة، فهي التي لا دين إلّا بها ولا دنيا إلّا معها. ثمّ أن لا يفرج لهم عن شيء من هذه [١٤٨] البلاد ولا يكون منهم فى باب قابوس قول أو فعل فى معونة وإسعاد وأن يردّ إلى بخارا ويستخدم فى أبعد الأطراف وأن يقتصر على المال المبذول الذي يجرى مجرى المعونة من أمير المؤمنين لهم على ما أسند [٢] إليهم من الثغور وأنّه قد أخرج مع الرسول العائد أبو سعد صالح بن عبد الله، فإذا استتب التقرير واستحصف العقد أنفذت نسخته على شروطه إلى بغداد حسب ما يقتضيه التمازج بين الحضرتين.
ومما نطقت به الكتب من المشورة والرأى
الحثّ على استمالة الأمير أبى الحسين واستخلاص طاعته وأنّ فخر الدولة قد راسله وخاطبه فى ذلك بما يجرى مجرى التقدمة والتوطئة ومتى أريد التكفل بالتمام فهو على غاية الطاعة.
وقد أثبت على الدينار والدرهم اسم فخر الدولة وكتب من البصرة بإقامة الدعوة كما أقامها بالأهواز وليس يتجاوز ما ينهج له ولا يتعدّى ما يحكم به، والصواب طلب التوازر والتعاطف وترك التباين والتخالف. ولا يقال هذا إلّا من طريق ابتغاء المصالح لصمصام الدولة وجمع الأهواء [١٤٩] المتفرقة إليه وردّ القلوب النافرة عليه.
ثمّ لمّا طال مقام ابني سهلويه وتمادت به الأيّام ساء ظنّ فخر الدولة
стр. 3168
والصاحب ووردت كتب على ابن سعدان بالمعاتبة. وكان السبب فى تأخر ذلك خطب باد واتساع الخرق فيه وشغل ابن سعدان به عن كل أمر ينجزه وإرب يقتضيه.
فلمّا ورد الخبر بهزيمة باد واستقرّ الأمر فى ذلك وأسفر الخطب عن المراد كما قد تقدم ذكره، خلا درع ابن سعدان وخوطب الطائع للَّه على ما يجدّده لفخر الدولة من الخلع السلطانية فأجاب.
وجلس على العادة فى أمثالها وحضر أبو العلاء الرسول وأحضرت الخلع السبع والعمّة السوداء والسيف والطوق والسواد واللواء والدابّتان بمركبى الذهب وقرئ العهد بتولية الأعمال التي فى يده وأضيف الى لقبه الأول فلك الأمّة وسلّم جميعه إلى أبى العلاء.
وضمّ إليه أبو عبد الله محمد بن موسى الخازن وخرجا إلى جرجان وسلّما ذلك وعادا وأقام أبو العلاء برسم النيابة عن فخر الدولة بالحضرة إلى آخر أيام صمصام الدولة.
وفى هذه السنة ورد كتاب أبى بكر محمد بن شاهويه مبشّرا بإقامة الدعوة لصمصام الدولة بعمان [١٥٠] .
ذكر ما جرى عليه الأمر بعمان إلى أن عادت إلى شرف الدولة
كان المتولى بها فى الوقت أبو جعفر أستاذ هرمز بن الحسن [١] من قبل شرف الدولة فما زال ابن شاهويه يفتل له فى الذروة والغارب حتى أماله إلى الحملة وأزاله عما كان عليه من الانحياز إلى شرف الدولة.
стр. 3169
وكان صغوه مع من ببغداد لكون أبى على الحسن ولده بها فجمع الأولياء والرعية بعمان على طاعة صمصام الدولة وخطب له على منابر تلك الأعمال.
ووصل الخبر إلى بغداد فأظهرت المسرة وجلس صمصام الدولة للتهنئة وكتب كتب البشائر إلى أصحاب الأطراف على العادة وأنفذ إلى أستاذ هرمز العهد بالتقليد مع الخلع والحملان.
وأحضر ابنه أبو على الحسن وخلع عليه ونقله من رتبة النقابة إلى رتبة الحجبة.
ولمّا عرف شرف الدولة عصيان أستاذ هرمز أخرج إليه أبا نصر خواشاذه فى عسكر استظهر فيه ووقعت بينهما وقعة أجلت عن ظفر أبى نصر وحصول أستاذ هرمز أسيرا تحت اعتقاله واستيلائه على رجاله وأمواله.
وعند بلوغ أبى نصر ما أراده من ذلك [١٥١] رتّب بعمان من يراعيها ويشحنها بمن يحميها وعاد إلى فارس ومعه أستاذ هرمز فشهر بها ثم قرّر عليه مالا ثقيلا وحمل إلى بعض القلاع مطالبا بتصحيحه.
وفى هذه السنة أفرج شرف الدولة أبو الفوارس عن أبى منصور محمد بن الحسن بن صالحان وعن أبى القاسم العلاء بن الحسن وعن أبى الحسن الناظر أخيه واستوزر أبا منصور من بينهم وردّ الأمور إلى نظره.
ذكر ما جرى عليه الأمر فى اعتقالهم والإفراج عنهم والتعويل على أبى منصور فى الوزارة
ولمّا وصل شرف الدولة أبو الفوارس إلى شيراز قبض على نصر بن هارون كما تقدّم ذكره واستوزر أبا القاسم العلاء بن الحسن فقصر أبو القاسم فى أمور الحواشي والخواص وهم أفسدوا رأى شرف الدولة فيه وأغروه به
стр. 3170
وبأخيه أبى الحسن الناظر على سخيمة كانت فى نفس فخر [١] الدولة على أبى الحسن فقبض بعد مدة يسيرة عليهما وعلى أبى منصور محمد بن الحسن ابن صالحان معهما وأمر بحملهم إلى بعض القلاع.
وردّ النظر إلى أبى محمد [١٥٢] على بن العباس بن فسانجس وإلى [٢] أبى الحسن محمد بن عمر العلوي فإنّه أشار به للمودة البغدادية التي جمعتهما وعوّل على أبى منصور فى الوزارة من بينهم فاتفق له بالعرض ما صار سببا لثباته فيها.
ذكر اتفاق حميد صار سببا لثبات قدم
حكى أبو محمد [٣] ابن عمران أنّ شرف الدولة أنفذ رسولا إلى القرامطة.
فلمّا عاد الرسول من وجهه سأله عن مجاري الأحوال، فقال له فى جملة الأقوال:
- «إنّ القرامطة سألونى عن الملك فوصفت لهم حسن سياسته وجميل سيرته. فقالوا: من حسن سيرة الملك أنّه استوزر فى سنة واحدة ثلاثة لغير ما سبب.» فحصل هذا القول فى نفس شرف الدولة ولم يغيّر على أبى منصور أمرا وبقي فى خدمته إلى أن توفّى.
وأما أبو الحسن الناظر فإنّه أنفذ إلى جرجان برسالة وتوفّى بها.
وأما أبو القاسم العلاء فإنّه أقام فى داره إلى أن خرج شرف الدولة إلى الأهواز فخرج معه على ما [١٥٣] سيأتي ذكره فى موضعه.
стр. 3171
وفى هذه السنة قبض على أبى عبد الله الحسين بن أحمد بن سعدان ومن يليه وعلى أبى سعد بهرام وأبى بكر بن شاهويه وسائر أصحابهم ونظر أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف فى الأمور ودبّرها مديدة.
ودخلت سنة خمس وسبعين وثلاثمائة
فيها شورك بين أبى القاسم وبين أبى الحسن أحمد بن محمد بن برمويه فى الوزارة وتنفيذ الأمور وخلع عليهما جميعا.
شرح الحال فيما جرى عليه أمر هذه الوزارة المشتركة
كانت الحال فيما بين أبى القاسم وبين أبى الحسن بن برمويه ثابتة على الإخاء جائزة على الصفاء، وكانا يتجاوران فى منازلهما ويتزاوران فى مجالسهما، فهما أبدا عاكفان إمّا على معاشرة وإمّا على مشاورة.
فلمّا توفّى أبو الحسن على بن أحمد العماني كاتب والدة صمصام الدولة سعى أبو عبد الله ابن سعدان لأبى نصر والده فى كتابتها فعمل أبو القاسم عبد العزيز فى [١٥٤] عكس ذلك للعداوة التي بينهما.
ذكر كلام سديد لعبد العزيز بن يوسف فى تحذير صمصام الدولة من الحجر عليه
قاله له: إنّ أبا عبد الله قد استولى على أمورك وملك عليك خزائنك وأموالك وإذا تمّ له حصول والده مع السيدة حصلنا تحت الحجر معه وهذا أبو الحسن ابن برمويه رجل قد خدم عضد الدولة وهو أسلم خبيّة وأطهر
стр. 3172
أمانة وأليق خدمة للحرم [١] لأنّه كان خصيّا [ابن] الياس [٢] واشتراه عضد الدولة من البلوص عند حصوله فى أسرهم.
فوقّر هذا القول فى سمع صمصام الدولة وقبله وقلّد أبا الحسن كتابة والدته.
فلمّا نظر أبو القاسم بعد أبى عبد الله ابن سعدان استخلف أبا سعد الفيروزآباذي وأبا عبد الله ابن الحسين بن الهيثم. فاستوحش أبو الحسن ابن برمويه بعدوله عنه بعد أن قدّر أنّ الأمور تكون مفوضة إليه للحال التي بينهما. فواصله أياما على رسمه ثم انقطع عنه وصار يجتاز ببابه ولا يدخل إليه.
وشرع مع والدة صمصام الدولة فى طلب الأمر لنفسه فتغيّر أبو القاسم [١٥٥] عليه واعتقد كل واحد منهما عداوة صاحبه.
ذكر رأى ضعيف أشارت به والدة صمصام الدولة عليه فعمل به
خاطبته على أن يجمع بين أبى القاسم وبين أبى الحسن فى الوزارة فأجلبها إليه وخوطب أبو القاسم فى ذلك فامتنع. وجدّت السيدة فى الأمر وتردد من الخطاب ما انتهى آخره إلى إلزامه الرضا [٣] به فخلع عليهما وسوى فى الرتبة والخطاب بينهما وجلسا جميعا فى دست واحد فى دست الوزارة المنصوب، وتقرّر أن يكون اسم أبى القاسم متقدما فى عنوانات الكتب عنهما.
стр. 3173
فلم يتمّ ذلك واستعلى أبو الحسن بقوة سرّه واستظهاره بعناية السيدة به وخوف الناس منه، وصار الأمر سخيفا بهذا الرأى الضعيف.
والدولة إذا كفلها النساء فسدت أحوالها ووهنت أسبابها وبدأ اختلالها وولّى إقبالها والأمر إذا ملكنه انتقضت قواه وانهدم بناه ولم تحمد عقباه والرأى إذا شاركن فيه قلّ سداده وضلّ رشاده وعند ذلك يكون الفساد إلى الأمور أسرع من السيل إلى الحدور.
لا جرم أنّ أبا القاسم احفظه ذلك وما عاملته السيدة [١٥٦] من نصرة أبى الحسن عليه و [لمّا] رأى أنّ أبا الحسن أشدّ بطشا فى عداوته من ابن شهراكويه [١] شرع فى إخراج الملك من يدي صمصام الدولة واستغوى أسفار بن كردويه ووافقه على ذلك.
ذكر ما جرى عليه الأمر فى عصيان أسفار
كان قد تردّد بين صمصام الدولة وبين زيار بن شهراكويه أسرار اطّلع عليها أبو القاسم بحكم امتزاجه بالخدمة وخرج بها إلى أسفار وخاض فيها الغمرات وأشعر قلبه وحشة أخرجته من أنس الطاعة.
وتقرّر بينهما فى ذلك ما أحكما عقده ودخل معهما فى هذا الرأى المظفر أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن حمدويه وأبو منصور أحمد بن عبيد الله الشيرازي كاتب الطائع يومئذ وقد كان صمصام الدولة اعتلّ علة أشفى فيها.
فواقف أسفار أكابر العسكر وأصاغرهم على خلع صمصام الدولة وإقامة الأمير أبى نصر- وسنّه فى الوقت خمس عشرة سنة- خليفة لأخيه شرف الدولة ووعدهم بمواعيد الإحسان واستظهر عليهم بمواثيق الأيمان وابتدأ
стр. 3174
الفتنة بالتأخّر عن الدار واستعمال التخبّى [١] وترددت [١٥٧] اليه من صمصام الدولة مراسلات التأنيس والتسكين فما زادته إلّا إغراء وتغميرا.
فصار إليه أبو القاسم عبد العزيز وأبو الحسن ابن برمويه وأبو الحسن ابن عمارة العارض برسالة من صمصام الدولة هي ألطف ممّا تقدم.
فلمّا حصلوا عنده امتنع من لقائهم وقبض عليهم وجمع العسكر وأحضر الأمير أبا نصر ونادى بشعار شرف الدولة وأفرج عن أبى القاسم لأنّ القبض عليه كان بموافقة منه واجتمعوا على تدبير الأمور وترتيبها، وتولّى المظفر بن الحسن بن حمدويه وأبو منصور الشيرازي أخذ البيعة على الجند.
وبلغ صمصام الدولة الخبر وقد أبلّ من مرضه، فتحير فى أمره وجمع غلمان داره وراسل الطائع لله فى الركوب، فاستعفى وامتنع منه.
ذكر رأى سديد واتّفاق حميد اتّفقا لصمصام الدولة أسفر بهما الأمر عن الظفر
لمّا رأى الخطب معطّلا استنصر فولاذ بن ماناذر [٢] مستصرخا وبذل له المواعيد الكثيرة على ذلك وكان فولاذ مع القوم فيما عقدوه لكنّه أنف من بعد رتبة الانحطاط لأسفار عن رتبة المتابعة.
وكان من [١٥٨] حميد الاتّفاق إطلال المساء وحجاز الليل، ولو سار أسفار فى الوقت الذي أظهر فيه ما أظهره الى صمصام الدولة لأخذه ولم يكن له دافع عنه لكنّه ظنّ أن لن يفوته الأمر وكان قدرا مقدورا.
فأصبحوا وقد خالفهم فولاذ وانحاز إلى صمصام الدولة فحضر لديه وأكّد
стр. 3175
العهد والعقد عليه وتنجّز منه توقيعا بجميع ما التمسه من جهته وتكفّل له بالذبّ عن دولته والقيام بخدمته.
وانضاف إلى صمصام الدولة فولاذ ورجاله والجيل وهم أقاربه وأخواله وغلمان داره وعدّتهم كثيرة وشوكتهم قويّة ففتح خزانتي السلاح والمال وعجّل لهم وأعطاهم ووعدهم من بعد ومنّاهم وسار بهم فولاذ مصعدا للقاء القوم.
ذكر تدبير جيد دبّره فولاذ فى أمر الحرب
نزل إلى زبزب صمصام الدولة وجلس على كرسيّه فى دسته وعلى رأسه علامته ومن ورائه وأمامه الزبازب والطيارات، حتى ظنّ النّاس أنّ صمصام الدولة قد خرج بنفسه. وسير العسكر بإزائه على الظهر. فلمّا انتهى إلى الجزيرة بسوق يحيى وجد الجيل وعدّتهم قليلة يقاتلون ديلم أسفار [١] وقد [١٥٩] ثابتوهم وصابروهم.
فصعد من الزبزب وعبّى المصاف، وسار قليلا قليلا حتى صدم عسكر أولئك- وعندهم أنّ تحت العلامة صمصام الدولة- فانكسروا.
ورآهم أسفار من روشنه مولّين فأيقن بالهزيمة، فركب وولّى هاربا، وتبعه طائفة من أقاربه وشيعته وأبو القاسم عبد العزيز، وأفلت أبو الحسن ابن عمارة العارضى جريحا وأخذ الأمير أبو نصر وحمل إلى صمصام الدولة.
فرقّ له لما شاهده وعلم أنّه كان لا ذنب له فلم يؤاخذه وتقدّم باعتقاله وترفيهه فكان فى الخزانة محروسا مراعى.
ونهبت دور الديلم والأتراك العاصين ودور أتباعهم وأشياعهم.
стр. 3176
وقتل فى الليلة التي وقعت فى صبيحتها الهزيمة أبو عبد الله ابن سعدان.
ذكر مكيدة لعبد العزيز فى أمر ابن سعدان صارت سببا لقتله
لمّا قبض أسفار على أبى القاسم وأبى الحسن ابن برمويه وأبى الحسن ابن عمارة انتهز أبو القاسم الفرصة وأرسل فى الحال إلى صمصام الدولة يغريه بابن سعدان ويوهمه أنّ الذي جرى كان من فعله وتدبيره وأنّه لا يؤمن ما يتجدّد [١٦٠] منه فى محبسه فسبق فى هذا القول إلى ظنّه.
وكان أحمد بن حفص المحرى عدوّا له فزاد بالإغراء به فأمر حينئذ بقتله وقتل معه أبو سعد بهرام على سبيل الجرف وقد كان خليفته وقت نظره وقتل أبو منصور غيظا لأبى القاسم.
قال الله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً. ٨: ٢٥ [١] وكان أبو بكر ابن شاهويه معتقلا فسلم لحسن اتّفاق.
ذكر اتّفاق عجيب سلم به ابن شاهويه من القتل
كان محبوسا فى حجرة تتصل بالحجرة التي فيها هؤلاء، لكن بابها خلف الأخرى فإذا فتح ذلك غطّى هذا فلا يؤبه له، فانستر لهذه العلّة وسكنت سورة الفتنة فأفرج عنه من بعد.
وأطلق أبو الريّان حمد بن محمد من الاعتقال وعوّل عليه فى الوزارة وعلى أبى الحسن على بن طاهر فى كتابة السيدة، وكتب الكتب بذكر البشارة إلى فخر الدولة وسائر الأطراف وقبض على أخوى أبى القاسم وكتّابه
стр. 3177
وأصحابه.
وكان المظفر أبو الحسن ابن حمدويه وأبو منصور الشيرازي هربا من دار أسفار يوم الهزيمة فظفر بهما وقرّر أمرهما [١٦١] على مال صودرا عليه.
وخلع الطائع لله على صمصام الدولة وجدّد له تشريفا وإكراما وخلع على أبى نصر فولاذ بن ماناذر الخلع الجميلة وخوطب بالإصفهسلارية [١] بعد أن استحلف على الوفاء والمناصحة.
ومضى أسفار بن كردويه وأبو القاسم ومن معهما إلى الأهواز مغلولين.
ذكر ما جرى عليه أمر أسفار وعبد العزيز بن يوسف والأتراك الخارجين من بغداد
خرجوا من بغداد إلى جسر النهروان وساروا إلى الأهواز. فلمّا حصلوا بها تلقّاهم الأمير أبو الحسين وأرغبهم فى المقام. فأمّا الأتراك فإنّهم أظهروا الموافقة وأسرّوا غيرها، ثم ركبوا فى بعض الأيّام غفلة وساروا.
فتقدّم الأمير أبو الحسين إلى سابور بن كردويه يتتبعهم وردّهم فركب وراءهم ولحقهم بقنطرة أربق [٢] فلم يكن له بهم طاقة وجرت بينهم مناوشة ورموه فأصابوا بعض أصحابه ومضوا هم وعاد هو.
وأما أسفار بن كردويه فإنّه أقام بالأهواز مكرما وكان أخوه سابور زعيم [١٦٢] الجيش فقدم عليه أسفار لكبر سنّه وجلالة قدره وأقام على ذلك إلى أن أقبل شرف الدولة من فارس، فأنفذه الأمير أبو الحسين إلى عسكر مكرم لضبطها فى خمسمائة رجل من الديلم. فلمّا حصل شرف الدولة
стр. 3178
بالأهواز صار أسفار إليه، فأمر بالقبض عليه وحمل إلى بعض القلاع بفارس.
وكان بها إلى أن توفى شرف الدولة وأفرج عنه عند الإفراج عن صمصام الدولة وأقام بفارس مديدة ومضى إلى الرىّ.
وأمّا أبو القاسم عبد العزيز، فإنّ أبا الفرج منصور بن خسره تكفّل بأمره وأعظم منزلته وعرف له حق تقدّمه فجازى أبو القاسم إحسانه بسوء النيّة فيه وحدّث نفسه بطلب مكانه وألقى ذلك إلى بعض من عوّل عليه فيه. فأحسّ أبو الفرج واستظهر لنفسه بالتوثيق من الأمير أبى الحسين ومن والدته باليمين على إقراره فى نظره وترك الاستبدال به.
ولم يزل يتوصّل حتى غيّر نيّة الأمير أبى الحسين فى أبى القاسم ونقصه فى المنزلة التي كان أنزله ايّاها فى ابتداء وروده واطّرح الرجوع فى شيء من الأمور إلى رأيه «وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها» ٤٢: ٤٠ [١] والبادئ أظلم.
وبقي على هذه الحال إلى أن ورد شرف الدولة فقبض عليه مع أسفار وأنفذ إلى القلعة وأفرج عنه بعد وفاته.
ورود إسحق وجعفر الهجريّين
وفى هذه [١٦٣] السنة ورد اسحق وجعفر الهجريان فى جمع كثير وهما من القرامطة الستّة الذين يلقّبون بالسادة. فملكا الكوفة وأقاما بها الخطبة لشرف الدولة.
فوقع الانزعاج الشديد من ذلك بمدينة السلام لما كان قد تمكّن فى قلوب الناس من هيبة هؤلاء القوم وقوّة بأسهم ومسالمة الملوك لهم لشدّة
стр. 3179
مراسهم حتى إنّ عضد الدولة وعزّ الدولة قبله أقطعاهم إقطاعات بواسط وسقى الفرات. فكانت مآربهم تقضى ومطالبهم تمضى وأبو بكر ابن شاهويه صاحبهم يجرى بالحضرة مجرى الوزراء فى حاله، والإصغاء من الملوك راجع إلى أقواله، وأكابر الناس يخشونه مجتملين لكبره منقادين لأمره، ولا سبب إلّا اعتزاؤه إلى هؤلاء القوم.
ذكر ما جرى عليه أمر اسحق وجعفر القرمطيّين
لما ورد الخبر باستيلائهما على الكوفة بدأهما أبو الريان بالمكاتبة وسلك معهما طريق الملاطفة والمعاتبة ودعاهما إلى الموادعة والمقاربة وبذل لهما ما يحاولانه. وعوّل على أبى بكر ابن شاهويه فى [١٦٤] الوساطة معهما وكان قد أطلقه من الاعتقال وتلافى بالإحسان إليه والإجمال. فعدلا فى الجواب الى التعليل والتدفيع، وجعلا ما كان من القبض على ابن شاهويه حجّة فى اللوم والتقريع، وزاد الخطب معهما فى بثّ أصحابهما فى الأعمال ومدّ أيديهما الى استخراج الأموال، حتى لم يبق للصبر موضع ولا فى القوس منزع.
وحصل المعروف بأبى قيس الحسن بن المنذر وهو وجه من وجوه قوّادهم بالجامعين فى عدد كثير، فجرّد إليهم من بغداد أبو الفضل المظفر بن محمود الحاجب فى عدّة من الديلم والأتراك والعرب وأخرج أبو القاسم ابن زعفران إلى ابراهيم بن مرح العقيلي لتسييره فى طائفة من قومه.
وحصل أبو الفضل الحاجب بجسر بابل والقوم بإزائه فعقدوا جسرا على الفرات. فإلى أن فرغ منه وصل ابراهيم وابن زعفران وحصلا مع القرامطة على أرض واحدة وتناوشوا وتطاردوا وفرغ الجسر وعبر سرعان الخيل من الأتراك وفرسان الديلم وحملوا مع ابراهيم بن مرح وأصحابه على القوم
стр. 3180
حملة واحدة انكشفت عن هزيمتهم وأسر أبو قيس زعيمهم مع جماعة من قوّادهم وأسرع إليه ابراهيم بن مرح، فضرب عنقه لثأر له عنده. وعاد الفلّ إلى الكوفة. وجاء البشير إلى بغداد فأظهرت البشارة بها. [١٦٥]
ذكر ما كان من القرمطيّين بعد قتل أبى قيس صاحبهما
لمّا عاد الفلّ إليهما هزّتهما الحميّة- وللقرامطة نفس أبيّة- فجهّزا جيشا جعلا عليه قائدا من خواصّهما يعرف بابن الجحيش واستكثروا معه من العدّة [١] والعدّة، ووصل الخبر بذلك إلى بغداد فأخرج أبو مزاحم بجكم الحاجب فى طوائف من العسكر وعبر إلى القوم وهم بغربي الجامعين وواقعهم وقعة أجلت عن قتل ابن الجحيش وأسر عدد من قوّادهم وانتهاب معسكرهم وسوادهم ونجا من نجا منهم هاربا إلى الكوفة. فرحل القرمطيان فيمن تخلّف عندهما وولّوا أدبارهم.
ودخل أبو مزاحم الكوفة وقصّ آثارهم حتى بلغ القادسية، فلم يدركهم وعاد إلى الكوفة. وزالت الفتنة وبطل ناموس القرامطة عند ذلك وذهبت الهيبة التي اشرأبّت النفوس منها.
ولكلّ قوم سعادة تجرى إلى أجل معدود وتنتهي إلى أمل محدود ثم تعود إلى نقصان وزوال وتغيّر من حال إلى حال، إلّا سعادة الدين فإنّها إلى نماء، فإذا انفصلت من دار الفناء [١٦٦] اتصلت بدار البقاء.
وفى هذه السنة أفرج عن ورد الرومي ومن معه من الأسرى بسفارة زيار بن شهراكويه.
стр. 3181
شرح ما جرى عليه أمر ورد فى الإفراج عنه وإصعاده إلى بلد الروم
قد تقدّم ذكر القبض عليه فى أيام عضد الدولة وبقي فى الاعتقال إلى هذا الوقت فسفر زيار فى إطلاقه وخاطب صمصام الدولة على اصطناعه فاشترطت عليه وله شروط وتوثّق منه فيها ووثق له على الوفاء بها.
وأمّا ما اشترط عليه فهو أن يعترف لصمصام الدولة بالصنيعة ويكون حربا لمن حاربه سلما لمن سالمه من المخالفين فى الدين والموافقين عليه وأن يفرّج عن جماعة المسلمين بين من أحاطت ربقة الأسر برقابهم [١] أو طالت يد الحصر فى أعناقهم ويعينهم على النهوض إلى بلادهم وحراستهم على طبقاتهم فى نفوسهم وأموالهم وحرمهم وأولادهم، وأن لا يجهّز جيشا إلى ثغر ولا يغضى العين لأحد من أصحابه فى مثل ذلك على غدر، وأن يسلم سبعة من حصون الروم برساتيقها ومزارعها آهلة عامرة [١٦٧] وأن يفي بقيّة ما عاش بجميع ما قرّر معه واشترط عليه.
وأمّا ما شرط له فالتخلية عن سبيله وحمايته من الأيدى الخاطفة حتى يخرج هو ومن فى صحبته موفورين من البلاد التي تضمّها مملكة صمصام الدولة وأن يكون أمر الحصون إذا سلّمها مجرى العادة المستمرّة فى حراسة أهلها وإقرارهم على أملاكهم وحقوقهم وإجرائهم فى المعاملات والجبايات [٢] على رسومهم وطقوسهم [٣] .
واستوثق من أخيه قسطنطين ومن ابنه أرمانوس بمثل ما استوثق منه
стр. 3182
وكتب بذلك كتب وسجلّات استؤذن الخليفة الطائع لله فى إمضائها فأذن فيها وأمر بإحكام قواعدها ومبانيها.
فلمّا استقرّت القاعدة أفرج عنه وحمل إليه مال وثياب وجلس صمصام الدولة للقائه.
ذكر ترتيب جلوس صمصام الدولة بحضور ورد
قال صاحب التاريخ: عهدي بصمصام الدولة وجلس حتى يلقاه ورد ويشاهده ويخدمه ويشكره وقال: كان الوقت شتاء والدار ومجالسها مملوءة بالفرش الجليلة وستور الديباج النسيجة معلقة على [١٦٨] أبوابها وغلمان الخيل بالبزّة الحسنة والأقبية الملّونة وقوف سماطين بين يدي سدّته وكانت قد نصبت فى السّدلىّ الذهب الذي تفتح أبوابه إلى البستان وإلى بعض الصحن، والديلم من بعدهم على مثل ترتيبهم وزيّهم إلى دجلة.
وعبر ورد وأخوه وابنه فى زبزب أنفذ إليهم يمشون بين السماطين إلى حضرة صمصام الدولة وبحضرته كوانين من ذهب موضوعة فيها قطع العود توقد.
فلمّا قرب منه ورد طأطأ رأسه قليلا وقبّل يده، ووضع له كرسي ومخدّة فجلس عليهما.
وسأله صمصام الدولة عن خبره فدعا له وشكره بالروصيّة [١] والترجمان يفسّر عنه وله. وقال قولا معناه:
- «قد تفضلت أيها الملك ما لا أستحقّه وأودعت جميلا عند من لا يجهله، وأرجو أن يعين الله على طاعتك وتأدية حقوق فعلك.» وقام ومشى الحجّاب والأصحاب بين يديه كفعلهم عند مدخله وعبر فى
стр. 3183
الزبزب إلى داره.
ذكر ما جرى عليه أمر ورد بعد إصعاده من بغداد [١٦٩]
لمّا توجّه تلقاء بلده استمال كثيرا من البوادي وأطمعهم فى العطاء والإحسان وأخذ فى المسير حتى نزل على ملطية وبها كليب عاملا لملكى الروم عليها وكليب من أصحاب ورد- كما قد تقدّم ذكره فى المشروح الذي وجد بخط ابن شهرام- فأطاعه وحفظ عهده وسلّم إليه ما كان معدّا عنده فلمّ به شعثه وقوى به حزبه وعمل على المسير إلى ورديس بن لاون مظهرا حربه.
فتردّدت بينهما رسائل انتهت إلى تقرير قاعدة فى الصلح على أن يكون قسطنطينية وما والاها من جانبها لورديس بن لاون وما كان من الجانب الآخر من البحر لورد واتّفقا بعد توكيد الأيمان بينهما على الاجتماع.
وسار كل واحد منهما للقاء صاحبه فاجتمعا على ميعاد، فلمّا تمكّن منه ابن لاون قبض عليه.
ذكر غدر ورديس بن لاون بورد وقبضه عليه ثم مراجعته الحسنى بالإفراج عنه
كان ورد قد وثق بما أكّده من العهود التي اطمأنّ إليها واعتقد ورديس [١٧٠] بالبديهة أنّه فرصة قد قدر عليها فغدر به وقبض عليه وحمله إلى بعض القلاع.
فلمّا راجع رويته علم أنّه أقدم على خطّة شنعاء تبقى عليه سمة الغدر وتجلب إليه وصمة فى الذكر وأجرى إلى فعله نكرا ينفر كلّ قلب عن
стр. 3184
معاهدته ويحمل كل قريب على مباعدته. فاستدرك الأمر بتعجيل الإفراج عنه والاعتذار إليه وتجديد المواثيق معه، فعادا إلى ما كانا عليه من الألفة والاتّفاق ودفعا أسباب الفرقة والشقاق.
وانصرف ورديس فنزل بإزاء قسطنطينية منازلا لباسيل وقسطنطين ملك [١] الروم، وقد اجتمعت الكلمة عليه وانضوى العساكر وأهل البلاد إليه، وبقي الملكان فى قلّ من الناس متحصّنين بالمدينة وبحصينها.
ذكر تدبير لملكى الروم عاد به أمرهما إلى الاستقامة بعد الاضطراب
لمّا انتهت الحال منهما إلى الضعف راسلا ملك الروسية واستنجداه. فاقترح عليهما الوصلة بأختهما، فأجاباه إلى ذلك وامتنعت المرأة من تسليم نفسها إلى من يخالفها فى دينها. وتردد من الخطاب فى ذلك ما انتهى إلى [دخول] ملك الروسية فى النصرانية وتمّمت الوصلة معه وهديت المرأة [١٧١] إليه فأنجدهما من أصحابه بعدد عديد وهم أولو قوّة وأولو بأس شديد.
فلمّا حصلت النجدة بقسطنطينيّة عبروا البحر فى السفن للقاء ورديس وهو يستقلّهم فى النظر ويهزأ بهم: كيف أقدموا على ركوب الغرر. فما هو إلّا أن وصلوا إلى الساحل وحصلوا مع القوم على أرض واحدة حتى نشبت الحرب بينهم واستظهر فيها الروسية وقتلوا ورديس وتفرّقت جموع عساكره.
وثاب أمر الملكين إلى الاستقامة والاعتدال واشتدّ ملكهما بعد التضعضع والانحلال وراسلا وردا واستمالاه وأقرّاه على ولايته. فأقام على جملته
стр. 3185
مديدة ثم توفّى وقيل: إنّه سمّ.
وتقدّم بسيل [١] فى الملك وظهر منه حسن سياسة وأضاء له رأى وقوة عزم وثبات قلب، حتى إنّه صبر على قتال بلغر خمسا وثلاثين سنة يواقعهم ويواقعونه والحرب [لم تزل] بينهم حتى ظفر بهم وملك ديارهم وأجلى عنها الجمّ الغفير منهم وأسكنها الروم بدلا عنهم.
وشاع ذكره فى عدله ومحبّته للمسلمين وطال عهده [٢] فى بلادهم وملكه بالكفّ عن بلادهم وإحسان معاملته مع من يحصل فى ممالكه منهم.
وفى هذه السنة همّ صمصام الدولة بأن يجعل على الثياب الأبريسميّات والقطنيّات [١٧٢] التي تنسج ببغداد ونواحيها ضريبة العشر فى إتمامها. [٣]
ذكر السبب فى ذلك
كان أبو الفتح الرازي كثّر ما يحصل من هذا الوجه وبذل تحصيل ألف ألف درهم منه فى كلّ سنة.
فاجتمع الناس بجامع المنصور وعزموا على المنع من صلاة الجمعة وكان المدن تفتتن، فأعفوا من إحداث هذا الرسم.
فتوى الخوارزمي الفقيه فى انتحار المعذّب
وفيها مات أبو العباس ابن سابور المستخرج تحت المطالبة بالتعذيب والمعاقبة. فقيل: إنّه عرضت فتوى على أبى بكر الخوارزمي الفقيه مضمونها:
стр. 3186
- «ما يقول الشيخ فى رجل مطالب معاقب قد تردّدت عليه مكاره هوّنت عليه الموت، هل له فسحة فى قتل نفسه وإراحتها مما تلاقيه.» فكتب فى الجواب:
- «إنّه لا يجوز ولا يحلّ فعله، والصبر على ما هو فيه أدعى إلى تضاعف ثوابه وتمحيص ذنوبه.» فلمّا انصرف حاملها، قال بعض الحاضرين لزهير بن أبى بكر:
- «هذه فتوى ابن سابور المستخرج.» قال أبو بكر:
- «ردّوا حاملها.» فردّوه، فسأله عنها، فأخبر أنّها لابن سابور فقال أبو بكر:
- «قل له: إن قتلت نفسك أو أبقيت عليها [١٧٣] فعاقبتك إلى الخسارة ومصيرك إلى النار.»
حركة شرف الدولة من فارس طالبا العراق
وفيها اتصلت الأخبار بحركة شرف الدولة [١] من فارس طالبا للعراق.
فأخرج إليه أبو عبد الله محمد بن على بن خلف رسولا وسفيرا فى تقرير.
الصلح.
فورد كتابه من الأهواز يذكر فيه: أنّه صادف شرف الدولة بها فبلغ ما تحمّله من الرسالة فقوبل بالجميل الدالّ على حسن النية، ووعد بإحسان السراح وضمّ رسول اليه ليقرّر أمر الصلح والصلاح.
стр. 3187
القبض على أبى الريّان
وبعد ذلك قبض على أبى الريّان حمد بن محمد وعلى أصحابه وأسبابه.
ذكر السبب فى ذلك
كان أبو الحسن على بن طاهر قد استولى على أمور والدة صمصام الدولة بحكم كتابتها، وعظمت حاله ومنزلته عندها وعند صمصام الدولة لأجل خدمتها.
وقد تقدّم القول بأنّ تملّك النساء لأمور الدولة عائد عليها بعظيم الخلل، فلا يزال بهنّ النقض والإبرام حتى تزيغ القلوب وتزلّ الأقدام.
وكان ابن طاهر هذا وأبو عبد الله ابن عمّه قد استوحشا من أبى الريّان، فأفسدا حاله عند صمصام الدولة واستعانا بالسيدة عليه، وقرفاه بالميل إلى شرف الدولة وأنّ نفوذ [١] ابن خلف لإصلاح [١٧٤] أمره معه، وما زالا يعملان الحيلة حتى تمّ القبض عليه.
ذكر ما جرى عليه أمر أبى الريّان
حضر الدار على رسمه وجلس ينظر فيما جرت عادته بالنظر فيه. ومن غريب الاتفاق أنّه فقد خاتمه فى تلك الحال ولم يعلم كيف سقط من يده وطلب فلم يوجد. ثم استدعى إلى حضرة صمصام الدولة وعدل به إلى الخزانة ووقع القبض عليه. فكانت مدة وزارته هذه سبعة أشهر وأيّاما.
واستولى أبو الحسن وأبو عبد الله ابن عمه على الأمور كان إليهما مصادر
стр. 3188
الأوامر فى الأصول، ونصبا أبا الفتح ابن فارس وأبا عبد الله ابن الهيثم لمراعاة الفروع وكانا يحضران فى حجرة لطيفة فى دار المملكة ويوقّعان بإخراج الأحوال وإطلاق الصكاك واستيفاء الأموال وجرت الحال على ذلك إلى أن زال صمصام الدولة.
وورد فى أثر القبض على أبى الريان أبو نصر خواشاذه رسولا عن شرف الدولة ومعه أبو عبد الله ابن خلف فتلقّاه صمصام الدولة فى خواصّه وقوّاده وأكرمه. [١٧٥]
ذكر ما جرى عليه الأمر فى وروده
قد كان أبو نصر هذا وأبو القاسم العلاء بن الحسن وأكثر الحواشي الذين مع شرف الدولة يحبّون المقام بفارس لأنّها وطنهم وبها أهلهم ونعمهم وفى جبلّة البشر حبّ الأوطان واختيار الثواء بين الأهل والإخوان.
وكان أبو الحسن محمد بن عمر يشير على شرف الدولة بقصد العراق وهم لا يتابعونه فى الرأى على هذا الاتفاق، ويقولون: غرضه العود إلى مستقرّ قدمه والرجوع إلى بلده وأملاكه ونعمه وأنّ عضد الدولة منذ أعرض عن فارس وأقبل على العراق لم يكن له بال رخىّ ولا عيش هنىّ.
وكان شرف الدولة يوعيهم لهذا الأمر سمعا ويحبّ المقام بشيراز طبعا لأنّ، فيها مولده وبها منشأه ولما قيل:
بلاد بها نيطت علىّ تمائمى ... وأوّل أرض مسّ جلدي ترابها
فلذلك كانت كلمة هذه الجماعة عنده قويّة ومشورتها لديه مقبولة مرضيّة.
فلمّا ورد عليه ما ورد من كتب صمصام الدولة ووالدته وأبى الريّان يبذل
стр. 3189
الطاعة والبخوع بالتباعة والإذعان بإقامة الدعوة [١٧٦] والتظاهر بشعار النيابة، وجد هذا القول من قلبه قبولا وأنفذ أبو نصر خواشاذه لإتمام هذه القاعدة رسولا وأصحبته تذكرة تشتمل على التماس الخلع السلطانية واللقب وإقامة الخطبة وإنفاذ الأمير أبى نصر مكرّما واستدعاء آلات وفرش وخدم وجوار عازما على القناعة بذلك. فلمّا حصل بالأهواز وأتته الدنيا طوعا بإقبالها وألقت البلاد مفاتيح أقفالها بدا له من ذلك الرأى فعزم على قصد العراق مصمّما وسار نحو بغداد متمّما. وسيأتي ذكر ذلك فى موضعه بإذن الله تعالى.
شرح الحال فى مسير شرف الدولة من فارس واستيلائه على الأهواز وانصراف الأمير أبى الحسين عنها
لمّا عزم شرف الدولة على المسير من فارس كتب إلى الأمير أبى الحسين بالجميل والإحسان وبذل له إقراره على ما فى يديه من الأعمال والبلدان وأعلمه أنّ مقصده بغداد لاستخلاص الأمير أبى نصر أخيه وأنّه لا يحدث فى الاجتياز فى بلاده أمرا يضرّه أو يؤذيه.
فلم يقع هذا القول [١٧٧] من الأمير أبى الحسين موقع التصديق وعرض له من سوء الظنّ ما يعرض للشقيق.
واتفق أنّ والدته توفّيت وهي بنت ملك ماناذر ملك الديلم ولها الحسب الصميم والخطر العظيم، وكانت تكاتب شرف الدولة وتجامله وشرف الدولة يجلّها لبيتها الجليل ويراقبها لإذعان طوائف الديلم لها بالتبجيل. فلمّا مضت لسبيلها خلا سابور بن كردويه بالأمير أبى الحسين فثنّاه عن هذه الطريقة.
стр. 3190
ذكر رأى أشار به سابور على الأمير أبى الحسين فى هذه الحال
قال له: إنّ هذه الكتب الواردة هي على وجه الخديعة والمكر، وإذا اغتررت لم تأمن أن تحصل معه فى حبائل الأسر فما سار من فارس إلّا لطلب الممالك جميعها والاحتواء على عاصيها ومطيعها ولا يبدأ إلّا بك وما لنا لا نحاربه ونقاتله ولنا من العسكر والعدّة ما نقاومه ونماثله؟ فأصغى إلى قوله وعمل لأمر المحاربة معدّا، وشمّر عن ساق المباينة مجدّا.
فبينما هو فى ذلك إذ ورد الخبر بنزول قراتكين الجهشيارى أرجان على مقدمة شرف الدولة ونزل شرف الدولة أرجان وسار قراتكين إلى رامهرمز. [١٧٨] وتبرّز الأمير أبو الحسين إلى قنطرة أربق وأنفذ أسفار بن كردويه إلى عسكر مكرم لضبطها وبدأ الديلم يتسللون إلى شرف الدولة لواذا وتقطعت الكلمة المجتمعة جذاذا، وتحيّز الغلمان الأتراك إلى جانب من العسكر ونادوا بشعار شرف الدولة. فأشرف الأمير أبو الحسين وسابور بن كردويه وأبو الفرج ابن خسره على أن يؤخذوا ويسلّموا. فعرّج الأمير أبو الحسين إلى فورة الاختلاط على الجبل وسار من ورائه طالبا صوب المأمونية وراسل سابور بن كردويه باللحاق به. فلحقه بعد هنات جرت له حتى خلص إليه، وثلثهما أبو الفرج ابن خسره وتبعهما غلام من غلمان داره فسار هو ومن معه طالبين حضرة فخر الدولة حتى وردوا أصفهان.
فكتب منها إلى فخر الدولة وهو يومئذ بجرجان يشكو إليه أمره ويرجو منه نصره، وكتب فى جوابه وعدا لم يعقبه وفاء وأظهر له ودّا لم يتبعه صفاء.
ووقع له على الناظر بأصفهان بما قدره فى الشهر مائة ألف درهم فاجتمع