- «ما يقول الشيخ فى رجل مطالب معاقب قد تردّدت عليه مكاره هوّنت عليه الموت، هل له فسحة فى قتل نفسه وإراحتها مما تلاقيه.» فكتب فى الجواب:
- «إنّه لا يجوز ولا يحلّ فعله، والصبر على ما هو فيه أدعى إلى تضاعف ثوابه وتمحيص ذنوبه.» فلمّا انصرف حاملها، قال بعض الحاضرين لزهير بن أبى بكر:
- «هذه فتوى ابن سابور المستخرج.» قال أبو بكر:
- «ردّوا حاملها.» فردّوه، فسأله عنها، فأخبر أنّها لابن سابور فقال أبو بكر:
- «قل له: إن قتلت نفسك أو أبقيت عليها [١٧٣] فعاقبتك إلى الخسارة ومصيرك إلى النار.»
حركة شرف الدولة من فارس طالبا العراق
وفيها اتصلت الأخبار بحركة شرف الدولة [١] من فارس طالبا للعراق.
فأخرج إليه أبو عبد الله محمد بن على بن خلف رسولا وسفيرا فى تقرير.
الصلح.
فورد كتابه من الأهواز يذكر فيه: أنّه صادف شرف الدولة بها فبلغ ما تحمّله من الرسالة فقوبل بالجميل الدالّ على حسن النية، ووعد بإحسان السراح وضمّ رسول اليه ليقرّر أمر الصلح والصلاح.
стр. 3187
القبض على أبى الريّان
وبعد ذلك قبض على أبى الريّان حمد بن محمد وعلى أصحابه وأسبابه.
ذكر السبب فى ذلك
كان أبو الحسن على بن طاهر قد استولى على أمور والدة صمصام الدولة بحكم كتابتها، وعظمت حاله ومنزلته عندها وعند صمصام الدولة لأجل خدمتها.
وقد تقدّم القول بأنّ تملّك النساء لأمور الدولة عائد عليها بعظيم الخلل، فلا يزال بهنّ النقض والإبرام حتى تزيغ القلوب وتزلّ الأقدام.
وكان ابن طاهر هذا وأبو عبد الله ابن عمّه قد استوحشا من أبى الريّان، فأفسدا حاله عند صمصام الدولة واستعانا بالسيدة عليه، وقرفاه بالميل إلى شرف الدولة وأنّ نفوذ [١] ابن خلف لإصلاح [١٧٤] أمره معه، وما زالا يعملان الحيلة حتى تمّ القبض عليه.
ذكر ما جرى عليه أمر أبى الريّان
حضر الدار على رسمه وجلس ينظر فيما جرت عادته بالنظر فيه. ومن غريب الاتفاق أنّه فقد خاتمه فى تلك الحال ولم يعلم كيف سقط من يده وطلب فلم يوجد. ثم استدعى إلى حضرة صمصام الدولة وعدل به إلى الخزانة ووقع القبض عليه. فكانت مدة وزارته هذه سبعة أشهر وأيّاما.
واستولى أبو الحسن وأبو عبد الله ابن عمه على الأمور كان إليهما مصادر
стр. 3188
الأوامر فى الأصول، ونصبا أبا الفتح ابن فارس وأبا عبد الله ابن الهيثم لمراعاة الفروع وكانا يحضران فى حجرة لطيفة فى دار المملكة ويوقّعان بإخراج الأحوال وإطلاق الصكاك واستيفاء الأموال وجرت الحال على ذلك إلى أن زال صمصام الدولة.
وورد فى أثر القبض على أبى الريان أبو نصر خواشاذه رسولا عن شرف الدولة ومعه أبو عبد الله ابن خلف فتلقّاه صمصام الدولة فى خواصّه وقوّاده وأكرمه. [١٧٥]
ذكر ما جرى عليه الأمر فى وروده
قد كان أبو نصر هذا وأبو القاسم العلاء بن الحسن وأكثر الحواشي الذين مع شرف الدولة يحبّون المقام بفارس لأنّها وطنهم وبها أهلهم ونعمهم وفى جبلّة البشر حبّ الأوطان واختيار الثواء بين الأهل والإخوان.
وكان أبو الحسن محمد بن عمر يشير على شرف الدولة بقصد العراق وهم لا يتابعونه فى الرأى على هذا الاتفاق، ويقولون: غرضه العود إلى مستقرّ قدمه والرجوع إلى بلده وأملاكه ونعمه وأنّ عضد الدولة منذ أعرض عن فارس وأقبل على العراق لم يكن له بال رخىّ ولا عيش هنىّ.
وكان شرف الدولة يوعيهم لهذا الأمر سمعا ويحبّ المقام بشيراز طبعا لأنّ، فيها مولده وبها منشأه ولما قيل:
بلاد بها نيطت علىّ تمائمى ... وأوّل أرض مسّ جلدي ترابها
فلذلك كانت كلمة هذه الجماعة عنده قويّة ومشورتها لديه مقبولة مرضيّة.
فلمّا ورد عليه ما ورد من كتب صمصام الدولة ووالدته وأبى الريّان يبذل
стр. 3189
الطاعة والبخوع بالتباعة والإذعان بإقامة الدعوة [١٧٦] والتظاهر بشعار النيابة، وجد هذا القول من قلبه قبولا وأنفذ أبو نصر خواشاذه لإتمام هذه القاعدة رسولا وأصحبته تذكرة تشتمل على التماس الخلع السلطانية واللقب وإقامة الخطبة وإنفاذ الأمير أبى نصر مكرّما واستدعاء آلات وفرش وخدم وجوار عازما على القناعة بذلك. فلمّا حصل بالأهواز وأتته الدنيا طوعا بإقبالها وألقت البلاد مفاتيح أقفالها بدا له من ذلك الرأى فعزم على قصد العراق مصمّما وسار نحو بغداد متمّما. وسيأتي ذكر ذلك فى موضعه بإذن الله تعالى.
شرح الحال فى مسير شرف الدولة من فارس واستيلائه على الأهواز وانصراف الأمير أبى الحسين عنها
لمّا عزم شرف الدولة على المسير من فارس كتب إلى الأمير أبى الحسين بالجميل والإحسان وبذل له إقراره على ما فى يديه من الأعمال والبلدان وأعلمه أنّ مقصده بغداد لاستخلاص الأمير أبى نصر أخيه وأنّه لا يحدث فى الاجتياز فى بلاده أمرا يضرّه أو يؤذيه.
فلم يقع هذا القول [١٧٧] من الأمير أبى الحسين موقع التصديق وعرض له من سوء الظنّ ما يعرض للشقيق.
واتفق أنّ والدته توفّيت وهي بنت ملك ماناذر ملك الديلم ولها الحسب الصميم والخطر العظيم، وكانت تكاتب شرف الدولة وتجامله وشرف الدولة يجلّها لبيتها الجليل ويراقبها لإذعان طوائف الديلم لها بالتبجيل. فلمّا مضت لسبيلها خلا سابور بن كردويه بالأمير أبى الحسين فثنّاه عن هذه الطريقة.
стр. 3190
ذكر رأى أشار به سابور على الأمير أبى الحسين فى هذه الحال
قال له: إنّ هذه الكتب الواردة هي على وجه الخديعة والمكر، وإذا اغتررت لم تأمن أن تحصل معه فى حبائل الأسر فما سار من فارس إلّا لطلب الممالك جميعها والاحتواء على عاصيها ومطيعها ولا يبدأ إلّا بك وما لنا لا نحاربه ونقاتله ولنا من العسكر والعدّة ما نقاومه ونماثله؟ فأصغى إلى قوله وعمل لأمر المحاربة معدّا، وشمّر عن ساق المباينة مجدّا.
فبينما هو فى ذلك إذ ورد الخبر بنزول قراتكين الجهشيارى أرجان على مقدمة شرف الدولة ونزل شرف الدولة أرجان وسار قراتكين إلى رامهرمز. [١٧٨] وتبرّز الأمير أبو الحسين إلى قنطرة أربق وأنفذ أسفار بن كردويه إلى عسكر مكرم لضبطها وبدأ الديلم يتسللون إلى شرف الدولة لواذا وتقطعت الكلمة المجتمعة جذاذا، وتحيّز الغلمان الأتراك إلى جانب من العسكر ونادوا بشعار شرف الدولة. فأشرف الأمير أبو الحسين وسابور بن كردويه وأبو الفرج ابن خسره على أن يؤخذوا ويسلّموا. فعرّج الأمير أبو الحسين إلى فورة الاختلاط على الجبل وسار من ورائه طالبا صوب المأمونية وراسل سابور بن كردويه باللحاق به. فلحقه بعد هنات جرت له حتى خلص إليه، وثلثهما أبو الفرج ابن خسره وتبعهما غلام من غلمان داره فسار هو ومن معه طالبين حضرة فخر الدولة حتى وردوا أصفهان.
فكتب منها إلى فخر الدولة وهو يومئذ بجرجان يشكو إليه أمره ويرجو منه نصره، وكتب فى جوابه وعدا لم يعقبه وفاء وأظهر له ودّا لم يتبعه صفاء.
ووقع له على الناظر بأصفهان بما قدره فى الشهر مائة ألف درهم فاجتمع
стр. 3191
عنده بتطاول مقامه فلّ من الديلم الذين كانوا فى جملته، وتبيّن له سوء رأى فخر الدولة فألبس عليه أمره وضلّ طريق الصواب عنه.
ذكر تدبير سيّء [١٧٩] ألقى به نفسه إلى الهلاك
لما يئس من صلاح حاله أظهر لمن كان بأصفهان من الأولياء ما لا حقيقة له وأعلمهم أنّ بينه وبين شرف الدولة مراسلة استقرّ معها النداء بشعاره والانضواء إلى أنصار واستمال قوما من الجند المقيمين بها وعمل على التغلّب على البلد.
وكان المتولى لتلك الأعمال أبو العباس أحمد بن ابراهيم الضبىّ [١] وندّ الخبر إليه، فعاجل الأمر وقصد دار الأمير أبى الحسين فى عدّة قويّة وأوقع به وانهزم من كان حوله من لفيفه وأسر هو وأبو الفرج ابن خسره واعتقلا فى دار الإمارة.
وأمّا أبو الفرج فإنّه قتل من يومه، وأمّا الأمير أبو الحسين فإنّه صفد وحمل إلى الري واعتقل بها مدّة يسيرة ثم نقل إلى قلعة ببلاد الديلم ولبث فيها عدّة سنين.
فلمّا اشتدّت بفخر الدولة العلّة التي قضى فيها نحبه أنفذ إليه من قتله.
ويروى له بيتان قالهما فى الحبس وكان يقول الشعر وهما:
هب الدّهر أرضانى وأعتب صرفه ... وأعقب بالحسنى وفكّ من الأسر
стр. 3192
فمن لى بأيّام الشّباب الّتى مضت ... ومن لى بما قد فات فى الحبس من عمرى [١٨٠]
وسار شرف الدولة من أرجان ودخل الأهواز وقد تمهّدت الأمور فأطلق من كان اعتقله الأمير أبو الحسين من أصحابه وقبض على أسفار وعبد العزيز ابن يوسف وعلى أصفهان [١] على بن كامة الوارد معه، وأخرج العلاء بن الحسن إلى البصرة للقبض على الأمير أبى طاهر ابن عضد الدولة وعلى من كان فى جملته من الخواصّ فقبض عليه وعاد العلاء بن الحسن بعد تقرير أمر البصرة وأعيد إلى شيراز للمقام بها.
واستدعى أبو منصور محمد بن الحسن ابن صالحان وعوّل على أبى نصر سابور [٢] بن أردشير فى مراعاة الأمور إلى أن يصل أبو منصور وأزمع شرف الدولة على المسير إلى العراق.
الطائع لله يبرز للتعزية
وفى هذه السنة ورد الخبر بوفاة ابن مؤيّد الدولة فجلس صمصام الدولة للعزاء وبرز الطائع لله لتعزيته.
قال صاحب التاريخ: عهدي بالطائع لله وهو فى دسته منصوب على ظهر حديدي وهو لابس السواد والمعمّمة الرصافية السوداء، وعلى رأسه شمسة وبين يديه الحجّاب والمسوّدة [٣] وحول الحديدى الأنصار والقرّاء والأولياء فى الزبازب، وقد قدم إلى مشرعة دار المملكة من باب الميدان فنزل
стр. 3193
صمصام الدولة إليه وقبّل الأرض بين يديه وردّه [١٨١] بعد خطاب جرى بينهما فى العزاء والشكر.
ودخلت سنة ستّ وسبعين وثلاثمائة
فيها وقع الخوض مع أبى نصر خواشاذه فى إنجاز ما وعد به وإحكام قواعده ومبانيه، فأجيب إلى جميع ما تضمنته التذكرة إلّا إنفاذ الأمير أبى نصر، فإنّه أرجى أمره إلى أن يستبين أمر الصلح.
ذكر ما تقرر الأمر عليه مع أبى نصر خواشاذه فى ذلك
قرّرت أقسام الصلح على أقسام ثلاثة: قسم منها يعمّ الفريقين، وقسمان يخصّ كلّ فريق قسم منها.
فأمّا الأمر الذي يعمّ فهو: تألّف ذات البين حتى لا يدرك طالب نبوة مقصدا فى تنفير، وتصافي العقائد حتى لا يجد جالب وحشة مطمعا فى تكدير، فإن ظهر عدوّ مباين لأحدهما ناضلاه جميعا عن قوس الموافقة والمساعدة ودافعاه المظاهرة والمعاضدة، وأن يمنع كلّ واحد من تعرّض ببلاد الآخر ولا يطمع فيها جندا ولا [١٨٢] يقطع منها حدّا ولا يجير منها هاربا ولا يأوى متحيّزا أو موازيا.
وأمّا ما يخصّ شرف الدولة: فهو أن يوفيه صمصام الدولة فى المخاطبة ما يقتضيه فضل السنّ والتقديم، ويلتزم من طاعته ما يوجبه حتى الإجلال والتعظيم، ويقيم له الخطبة على منابر مدينة السلام وسائر البلدان التي فى يديه ويقدم بعد إقامة دعوة الخليفة عليه.
وأمّا ما يخصّ صمصام الدولة: فهو أن يكفّ شرف الدولة عن سائر ممالكه وحدودها ويمنع أصحابه كافة عن طرقها وورودها وأن يراعيه فى
стр. 3194
كلّ أمر يستمدّ فضله فيه مراعاة الأخ الأكبر لأخيه وتاليه.
وصدر كتاب المواضعة بالاتفاق على تقوى الله تعالى وطاعة الخليفة الطائع لله وامتثال ما أمرهما به من الألفة على الشروط المذكورة. وجعل على نسختين ختم أحدهما بيمين حلف بها صمصام الدولة معقودة بأن يحلف بمثلها شرف الدولة.
فلمّا تحرر ذلك جلس الطائع لله وحضر الأشراف والقضاة والشهود ووجوه أصحاب صمصام الدولة وأبو نصر خواشاذه وقرئ كتابه إلى شرف الدولة وزين الملّة بالتلقيب والتقليد وسلّمت الخلع الكاملة واللواء.
وندب أبو القاسم على بن الحسن الزينبي الهاشمي [١٨٣] وأحمد بن نصر العباسي الحاجب ودعا الحاجب للخروج من قبل الطائع لله بذلك وأبو على ابن محمان من قبل صمصام الدولة برسالة جميلة مشتملة على خفض الجناح والاستمالة إلى الصلاح والإذعان بالطاعة والولاء والترقيق بالرحم والإخاء وسارت الجماعة على هذه القاعدة المذكورة.
ووجد فيما خلّفه أبو الحسن ابن حاجب النعمان [١] نسخة أخرى بمثل الذي تقدم ذكره واتّصلت بها يمين، واشتمل آخرها على لفظ شرف الدولة بذلك، وأنّه قد ألزم ذلك وأشهد الله عليه به وحلف باليمين المذكورة فيه.
وعلى ظهرها بخطّ أبى الحسن ابن حاجب النعمان:
«بسم الله الرحمن الرحيم: ثبت بحضرة سيدنا ومولانا الإمام الطائع لله أمير المؤمنين أطال الله بقاه، وأعزّ نصره وأدام توفيقه وكبت عدوّه، ما تضمّنه الاتّفاق المكتوب فى باطن هذا الكتاب وصحّ عنده التزام شرف الدولة وزين الملّة أبى الفوارس أمدّ الله تأييده، لصمصام الدولة وشمس الملّة أبى كاليجار
стр. 3195
مولى أمير المؤمنين أعزّ الله نصره، ما شرح فيه بعد أن ألزم له مثله. فحكم مولانا أمير المؤمنين أعزّ الله نصره عليهما به وجمعهما إلى الائتلاف عليه فى طاعته وخدمته وقطع [١٨٤] به بينهما الفرقة والاختلاف.
وأمر بهذا التوقيع تأكيدا لما تصافيا عليه وإلزاما لهما الوفاء به وأنعم بعلامة بخط يده الكريمة فى أعلاه والحكم الشريف النبوي فى منتهاه والله عون مولانا أمير المؤمنين على ما التزماه وتوخّياه.» «وكتب على بن عبد العزيز بالحضرة الشريفة وعن الإذن السامي والحمد لله حمد الشاكرين.» علامة الطائع لله: «الملك لله وحده» نقش الخاتم فى الإسرنجه [١] المسك والعنبر: «الطائع لله» .
وأمر هذه النسخة عجيب لأنّ هذا الصلح لم يتمّ وما عاد به أبو نصر خواشاذه ونفذ فيه أبو على ابن محمان لم يلتئم، وربما يكون ذلك فيما كتب بالأهواز وأنفذ إلى بغداد ثم انتقض والله أعلم.
ذكر ما جرى عليه أمر الرسل الخارجين إلى شرف الدولة
انحدرت الجماعة إلى واسط ومدبّرها قراتكين الجهشيارى. فأكرمهم الكرامات الوافية وأقام لهم الإقامات الكافية وسار أبو علىّ على طريق الظهر.
فورد كتاب شرف الدولة فى أثر ذلك إلى قراتكين بالقبض عليه وحمله إلى الأهواز. فركب فى جماعة من [١٨٥] الغلمان متبعا له فلحقه بباذبين [٢] وقد نزل بها، فقبض عليه وعلى جميع ما صحبه مما كان حمل إلى شرف الدولة، وردّه إلى واسط واعتقله. ثم أنفذه وما كان معه على طريق البصرة.
стр. 3196
وتوجّه أبو نصر خواشاذه فى الماء إلى البصرة مع رسل الطائع لله وتمّم منها إلى حضرة شرف الدولة فوجده وقد تغيّر عما فارقه عليه من حاله، وانقادت له الأمور انقيادا ألواه عمّا كان مائلا إليه.
وخلا به أبو الحسن محمد بن عمر فثنّاه إلى ما أراده، فلم يكن لأبى نصر موضع قول إلّا فيما علّا بناء هذه الرأى وشيّده.
وقد كان العمّال والمتصرفون مضوا إلى شرف الدولة من كلّ بلد من أعمال العراق وتقدّم أبو علىّ التميمي من واسط وتلاه أبو عبد الله ابن الطيّب من النهروانات وأبو محمد الحسن بن محمد بن مكرم من الكوفة. وقصد الناس حضرته على طبقاتهم من كل فجّ عميق ووافاه الديلم والأتراك فوجا بعد فوج وفريقا أثر فريق. وكان نفوذ قراتكين الجهشيارى إلى واسط على مقدمته بعد وصول أبى عبد الله ابن الطيّب فضمّه إليه ناظرا فى البلد وأعماله ومقيما لنفقات قراتكين الجهشيارى ورجاله.
فمدّ ابن الطيب جناحه على الأعمال ويده إلى [١٨٦] الأموال. فلمّا حصل [أبو] محمد ابن مكرم بالأهواز كثرت الأقوال على ابن الطيب فيما أخذه من النهروانات عند مفارقته لها وبواسط عند حصوله بها، أخرج أبو محمد ابن مكرم للقبض عليه والنظر بواسط.
ذكر ما جرى الأمر عليه فى ترتيب القبض على ابن الطيب وإخفاء الحال فيه إلى أن تمّ
أنفذ أبو محمد من الأهواز وفى الظاهر أنّه رتّب فى إقامة المير لشرف الدولة وعساكره بين الأهواز وواسط وفى الباطن قرّر معه النظر بواسط والقبض على أبى عبد الله ابن الطيّب وإخوته، فأصحب كتبا باطنة وظاهرة بذلك.
стр. 3197
فلمّا حصل بواسط واجتمع مع قراتكين وواقفه على ما ورد فيه قبض على الجماعة الحاضرين والغائبين فى يوم واحد بتدبير دبّره وبقوم قدم إنفاذهم إلى كل من عاتبا على ميعاد قرّره ومقدار وقته.
ورأى أن يسلك مع أبى عبد الله على طريق المياسرة والمقاربة، فأحتسب له بجميع الظاهر [١٨٧] المأخوذ منه فى جملة مال المطالبة واعتمد مع إخوته إظهار بعض التشديد والاستقصاء ثم سهّل أمورهم عند التحقيق والإستيفاء وعلم أنّ أعمال السلطان عوارىّ، فتساهل وقارن وجامل وقارب.
فمن أحسن فإنّما يحسن لنفسه ومن أساء إنّما يسيء إليها، والعارية فى الحالين مردودة، وأيام لبثها عند المعار معدودة، ومهما سلكه الإنسان من طريق فنجاحه فيه بهداية وتوفيق.
ذكر مسير شرف الدولة من الأهواز لمّا استتبّت له الأمور بواسط
سار إليها فى عساكر كثيرة بالجموع الظاهرة التجمل وكانت زينته وأهبته فى صاحته [١] من كل نوع على أحسن ما شوهد فقيل: إنّ جماله كانت ثلاثة عشر ألف رأس وجمال عسكره أكثر من هذا العدد وغلمان خيوله مع الخدم ألف وثمانمائة ما بين غلام وخادم إلى ما يتبع ذلك ويشاكله من كلّ ما يكون للملوك المخوّلين والسلاطين المموّلين.
يقول صاحب التاريخ هذا القول ويستكثر هذا القدر. ولو أدرك هذه الدولة القاهرة ورأى سلطانها وغلمانها وأركانها [١٨٨] وعدّتها ورجالها وزينتها وأموالها لعلم أنّ الذي استكثره فى قبيل الإقلال، ولأقرّ أنّ البحر لا يقاس
стр. 3198
بالأوشال.
فلمّا استقرّ شرف الدولة بواسط سار قراتكين إلى دير العاقول ولمّا أجلت الأحوال بمدينة السلام حدر بالأمير أبى نصر ابن عضد الدولة إلى حضرة شرف الدولة مع غلام من الخواصّ.
وزادت أمور صمصام الدولة اختلالا وتناقصت حالا فحالا، وشغب الديلم حتى أحاطوا بداره مطالبين بالمال ورفعوا سجف المراقبة ونادى سلارسرخ بشعار شرف الدولة، وثار العامة فى عرض هذه الفتنة وكبسوا حبس الشرطة فأطلقوا من فيه، وآذنت [١] دولته بزوال وعقدته بانحلال ولم يزل الأولياء والحواشي والنظار والعمّال يصيرون إلى حضرة شرف الدولة بالأهواز وواسط من غير احتشام ويقدمون من غير احجام. فلمّا رأى صمصام الدولة ووالدته وأبو حرب زيار وفولاذ بن ماناذر ما قد انتهى الأمر إليه، أجالوا الرأى بينهم.
ذكر رأى سديد رآه زيار فى تلك الحال وأشار به على صمصام الدولة فلم يعمل به [١٨٩]
أشار بالإصعاد إلى عكبرا ليعرف بذلك من هو معهم ممن هو عليهم ويتميّز الآنس بهم من النافر عنهم. وقال:
- «إنّ الجيل كلّهم فى طاعتنا مخلصون وفى سلكنا منخرطون ولا بد من أن ينضاف إليهم قوم آخرون فإن رأيتم عدّتنا كثيرة وشوكتنا قويّة بحيث تتكافى فى المقارعة أخرجنا ما فى أيدينا من المال وأطلقناه للرجال، وإن ضعفنا عن القراع وعجزنا عن الدفاع تمّمنا إلى الموصل وينضمّ أبو القاسم سعد الحاجب ومن العساكر إلينا ويكثر جمعنا ويقوى أمرنا. فإنّ الديلم
стр. 3199
والأتراك سيكثرون عند شرف الدولة ثم لا يزال بهم التنافس والتحاسد حتى يحدث بينهم التباين والتباعد وبإزائهم منك ملك تعلق به آمالهم وتطمح نحوه أبصارهم وهي الأيام والغير والقضاء والقدر والأمر يحدث بعده الأمر.»
ذكر رأى آخر سديد أشار به فولاذ فلم يقبل منه
قال فولاذ:
- «الصواب المسير إلى قرميسين والحصول فى أعمال بدر بن حسنويه ومكاتبة فخر الدولة- وكان فى صلح صمصام الدولة [١٩٠] بحسب ما نسجه ابن عباد بينهما- واستمداد عسكر والمسير على طريق أصفهان إلى فارس والتغلّب عليها.» وفيها أخر:
«اين شرف الدولة وذخائره؟ فليس بإزائنا فى تلك الأعمال أحد يقاومنا ويدافعنا، وإذا حصلنا بها لم يستقرّ لشرف الدولة قدم بالعراق ولم يستمرّ له أمر على الاتساق ويضطرب أمره وتنحل قراه وينزل فى الصلح على حكم اختياره ورضاه.» فمال صمصام الدولة إلى رأى زيار فى الإصعاد ووقع الشروع فى ترتيب أسبابه ثم بدا له من ذلك.
ذكر رأى خطأ استبدّ به صمصام الدولة فى إسلام نفسه إلى شرف الدولة
لمّا رأى الخرق قد اتّسع والأمر قد التبس ضاق صدره وقلّ صبره. وكلّ ملك لم يكن صدره فى النائبات رحيبا وصبره فى الحادثات عتيدا ونفسه فى المعضلات مديدا أوشك أن يضمحلّ شأنه ويولّى زمانه.
стр. 3200
فعمل على اطّراح ذلك كلّه والانحدار إلى شرف الدولة ونزل إلى زبزبه [١] مستبدّا برأيه غير ناظر فى بصائره وواردا على أمر غير [١٩١] عالم بمصادره.
فلمّا حصل تحت روشن [٢] زيار قدم [٣] إلى فنائه وتقدّم باستدعائه فنزل إليه وعنده أنّه يصعد إلى داره. فلمّا لم يبصر لصعوده أثرا قال:
- «إلى أين أيّها الملك؟» قال: «إلى أخى.» قال: «أوقد تغيّر رأيك عمّا كنا عليه.» قال: «نعم.» قال: «لا تفعل فإنّ الملك عقيم والخطب عظيم، والملوك لا تصل أرحامها ولا ترعى للقربى ذمامها، وفى إسلام النفوس أخطار وحسن الظنّ فى مثل هذه المواطن اغترار، فراجع فكرك وتبّصر أمرك.» فقال له: «ما أرى لنفسي رأيا صوابا إلّا ما عملت عليه.» قال له: «خار الله لك.» ثم قال له صمصام الدولة:
- «فعلى ماذا عملت أنت؟» قال: «إذا كنت قد رأيت ذلك رأيا وأنت أنت لم أرغب بنفسي عن نفسك، ولم يكن خوفي أعظم من خوفك.» فقال له: «أمّا أنت فلا أرى لك أن تضع يدك فى يد شرف الدولة.» وودّعه وانحدر.
فلمّا قرب من معسكر شرف الدولة وقد خيّم بنهر سابس أنفذ من يؤذن
стр. 3201
بوصوله. فوافى أبو نصر خواشاذه فى زبزب وقرب من زبزبه وخدمه. ثم قال له:
- «الملك يتعرّف خبر الأمير، والحمد لله على ما وفّقه من هذا العزم الذي يبلغ فيه مراده.» ثم صار إلى المشرعة وهناك دابّة قد قدّمت لأجله [١٩٢] فركبها ونزل عند خيمة شرف الدولة وهو واقف ينتظره وبين يديه حواشيه وخواصّه وقد ارتجّ المعسكر بالخبر.
فلمّا وصل إليه قبّل الأرض ثلاث مرّات بين يديه وقرب منه. فقبّل يده فسأله شرف الدولة عن حاله فى طريقه فاستصوب رأيه فى وروده. فأجابه صمصام الدولة جوابا شكره فيه وأراه قوّة نفسه به.
فوقف قليلا، ثم قال له شرف الدولة:
- «تمضى وتغيّر ثيابك وتتودّع من تعبك.» فخرج من حضرته وحمل إلى خيمة وخركاه قد ضربتا له بغير سرادق وفى صدر الخركاه ثلاث مخادّ. فدخل وجلس على المخدّتين وأطرق إطراق الواجم وأبصر أمر غلطه، فبان عليه أسف النادم.
وأخرج أبو الحسن نحرير وأبو بكر البازيار إلى بغداد للاحتياط على ما فى دار المملكة والخزائن والإصطبلات.
ذكر ما جرى عليه أمر زيار وفولاذ
لمّا انحدر صمصام الدولة ولم يبق لهما ملجأ أعيتهما الحيل وضاقت بهما السبل فحدّثا نفوسهما بالانحدار ووقع فى قلوبهما حسن [١٩٣] الظنّ لتبيّن مواقع الأقدار، فغابت عنهما الآراء وظلّت عليهما تلك الأنحاء.
وقام الرشيد فانحدر بعد صمصام الدولة على الأثر وحملا أمرهما على
стр. 3202
الغرر، فأمّا زيار، فإنّه قبض عليه بعيد وصوله وقتل. وأمّا فولاذ، فاعتقل ثم حمل إلى قلعة نهر.
وسار أبو على التميمي من دير العاقول إلى مدينة السلام بعد انحدار صمصام الدولة فدخلها وسكّن البلد. وورد شرف الدولة ونزل الشفيعى فى شهر رمضان واجتمع فى عسكره من الديلم الواردين والمقيمين تسعة عشر ألف رجل ومن الأتراك ثلاثة آلاف غلام فاستطال الديلم على الأتراك فوقعت بينهم مناوشة.
ذكر الفتنة التي جرت بين الديلم والأتراك
كان الديلم قد أعجبهم كثرتهم وغرّتهم قوّتهم فجرت منازعة بين نفر من الطائفتين فى دار وإصطبل جرّت خطبا عظيما:
فإنّ النار بالعودين تذكى ... وإنّ الحرب أوّلها كلام [١]
فاجتمع الديلم بالحلبة وركب الغلمان وجرت بينهم حرب كانت [١٩٤] اليد فيها للديلم. وقيل: إنّهم ذكروا صمصام الدولة وهمّوا بانتزاعه.
ذكر اتّفاق سلم به صمصام الدولة من القتل بعد إشرافه عليه
قال أبو منصور أحمد بن الليث: حدّثنى صمصام الدولة قال:
كنت فى خركاه بالشفيعى وليس بيني وبين شرف الدولة إلّا لبدها وثوب
стр. 3203
خيمة تجاورها، وقد ثارت الفتنة وذكرت فى الديلم، فسمعت نحرير الخادم يشير على شرف الدولة بقتلى ويقول:
- «نحن على شرف أمر عظيم فما يؤمننا أن يهجم الديلم علينا وينتزعونه من أيدينا فيصير إلى الملك ونصير إلى الأسر.» وشرف الدولة يمتنع عليه وعلى من كان يشدّ رأيه فلمّا زاد الأمر أقيم على باب الخركاه التي كنت فيها غلام بسيف وأظنّه وصىّ بقتلى إن هجم الديلم فارتعت وأقبلت على القراءة فى مصحف كان فى يدي، واستخلصت فى الدعاء إلى الله تعالى بالخلاص، ففضّل الله بالسلامة وتفرّق جمع الديلم.
ذكر تفريط جرى من [١٩٥] الديلم فى هذه الحرب حتى آل أمرهم إلى التشرّد والهلاك
كان الاستظهار للديلم على الأتراك فى أول الأمر، لأنّهم أفلتوا من أيديهم مولّين. فحملهم الحنق والطمع فيهم حين قلّوا فى أعينهم على تتبع آثارهم وتشوّشت مصافّهم والديلم إذا اضطربت تعبيتهم بانت عورتهم. فوجد الأتراك مجالا من ورائهم وأمامهم فحملوا عليهم من وجوههم وظهورهم. وكانت الدائرة على الديلم ولم يمض إلا ساعة حتى قتل منهم زهاء ثلاثة آلاف رجل وكرّ الغلمان إلى البلد فنهبوا دورهم واحتووا على أموالهم وقتلوا كل من أدركوه منهم، وتشرّد الديلم فبعض أصعد إلى عكبرا وبعض مضى إلى جسر النهروان، ولاذ الأكثر منهم بخيم شرف الدولة.
وبان سداد الرأى الذي كان رآه زيار لصمصام الدولة فى الإصعاد إلى عكبرا. فلو أنّه قبل منه لكان مع هذه الفتنة قد ثاب أمره إلى الصلاح لكن القدر غالب والتسليم للقضاء واجب.
ودخل شرف الدولة [١٩٦] فى ثانى هذا اليوم والديلم اللائذون به قد
стр. 3204
أحدقوا بركابه ونزل فى المضارب تحت الدار الملكية.
وركب الطائع للَّه فى غد فى الحديدى مهنئا له بالسلامة، وتلقّاه شرف الدولة إلى آخر دار الفيل، فقبّل الأرض بين يديه وعاد الطائع لله إلى الدار.
ووقع الشروع فى إصلاح ما بين الديلم والأتراك فيسّر الله إتمامه وأخذت العهود على الطائفتين فتصالحوا وتواهبوا وتهذّبت الأمور وجرت على الإرادة وكان ذلك من أقوى دلائل الإقبال والسعادة.
ذكر جلوس شرف الدولة للتهنئة وما جرى أمر صمصام الدولة عليه فى الاعتقال
لمّا حضر عيد الفطر جلس شرف الدولة جلوسا عامّا، ودخل الناس على طبقاتهم. وجاء صمصام الدولة فقبّل الأرض بين يديه ووقف من جانب السرير الأيمن وجاء بعده الأمير أبو نصر ابن عضد الدولة وفعل مثل ذلك ووقف. وحضر الشعراء فأنشدوا، وعرّض بعضهم [١٩٧] بذكر صمصام الدولة بما فيه غميزة عليه، فأنكر شرف الدولة ذلك ونهض من المجلس.
ولم يعرف لصمصام الدولة خبر بعد ذلك الموقف حتى قيل: إنّه حمل إلى فارس فاعتقل فى القلعة وسيأتي ذكر ما جرى عليه الأمر فى كحله، ثم عود الملك إليه بفارس فى موضعه، بأذن الله.
ولمّا حصل شرف الدولة بمدينة السلام سأل عن أبى الريّان وطلب فوجد ميتا مدفونا بقيوده فى دار أبى الهيجاء عقبة بن عتّاب الحاجب، وكان سلم إليه بعد القبض عليه وأمر بقتله فقتله. فأخرج من مدفنه وسلّم إلى أهله.
وفى هذه السنة ورد الخبر بوفاة أبى القاسم المظفّر بن على الملقّب.
بالموفّق أمير البطيحة واستقرار الأمر بعده لأبى الحسن على بن نصر بالعهد الذي عهده إليه حسب ما تقدّم ذكره، وكتب إلى شرف الدولة ببذل الطاعة
стр. 3205
والخدمة ويسئل التقليد والتلقيب والخلع. فأجيب إلى ذلك جميعه ولقّب بالمهذّب، أولا ثم بمهذب الدولة، من بعد.
ذكر استقرار الإمارة بالبطيحة على الملقّب بمهذّب الدولة [١٩٨]
لمّا توفّى المظفر انتصب أبو الحسن على بن نصر فى موضعه. وكان أبو الحسن على بن جعفر يفوقه فى كثير من الخلال سخاء وشجاعة وأبوّة ولكنّه قدّمه ووطئ عنقه تمسّكا بالوصيّة التي أحكم المظفر عقدها وقلّدهما عهدها.
وكان مع تقديمه إيّاه ينزل نفسه منه منزلة المشارك فى الأعمال والمشاطر فى الأموال. فأبقاه على بن نصر وقاربه وأفرد له النواحي الكثيرة والمعايش الجليلة، وخلّى بينه وبين ارتفاعها.
واستمرت الحال على ذلك [إلى] أن توفّى علىّ بن جعفر فارتجع علىّ بن نصر ما كان فى يديه سوى أملاكه الصحيحة فإنّه أقرّها على ولديه.
وتدرّجت الأحوال لعلىّ بن نصر الملقّب بمهذّب الدولة فى أفعاله الرضيّة الى الرتبة العلية حتى عظم قدره وسار ذكره واستجار به الخائف فأجاره بأمانه ولاذ به الملهوف، فوطّأ له كنف إحسانه وسلك بالناس طريقة جميلة فى العدل والإنصاف وصارت البطيحة معقلا لكلّ من قصدها من الأطراف واتّخذها الأكابر وطنا فبنوا فيها الدور وشيّدوا فيها القصور، وقصدها المسترفد [١] [١٩٩] والشعراء من كلّ صوب وفجّ إلى بابه، فأوسعهم جودا ونوالا وإكراما وإفضالا.
وكاتب ملوك الأطراف وكاتبوه وقاربهم وقاربوه وزوّجه بهاء الدولة ابنته
стр. 3206
ونقلها إليه، واستعان به فى عدّة أوقات فأعانه واستدان منه فأدانه، وخطب له بواسط والبصرة وأعمالها وصرفت إليه الدنيا أعنّة إقبالها.
وتوّجت الأيام مفرق مفاخره بمقام القادر بالله رضوان الله عليه فى جواره فضاعفت له هذه المنقبة حسبا وصارت له إلى استحقاق المدح سببا ولولا كرم نفسه وخيرها لما مدحت البطيحة ولا أميرها:
نفس عصام سوّدت عصاما ... وعوّدته الكرّ والإقداما
وهذه عقبى أفعال الخير، فإنّها تبلغ بصاحبها درجة توفى على آماله وتنتهي به إلى منزلة لا تخطر بباله. فالسعيد من قدّم عملا صالحا لأخراه وخلّف ذكرا جميلا فى دنياه.
وسيأتي ما تصرّفت به الأمور فى مواضعه بعون الله تعالى وحسن توفيقه.
ذكر ما اعتمده شرف الدولة من الأفعال [٢٠٠] الجميلة عند استقراره بمدينة السلام
ردّ على الشريف أبى الحسن محمد بن عمر جميع ما كان له فى سائر البقاع من الأملاك والضياع، وجدّد عنده آثار النعمة والاصطناع. فاستضاف ضياعا إلى ضياعه وتضاعفت موارد ارتفاعه، فكان خراج أملاكه فى كلّ سنة ألفى ألف وخمسمائة ألف درهم يصححها فى ديوان السلطان، وناهيك بذلك ثروة حال وكثرة استغلال.
وردّ على الشريف أبى أحمد الموسوي أملاكه وأقرّ ابن معروف على قضاء
стр. 3207
القضاة وراعى لكلّ من الكتّاب والمتصرفين معه [١] وادرّ عليه معيشة ورزقة ورفع أمر المصادرات وقطع أسبابها وردم [٢] طرق السعايات وسدّ أبوابها.
ذكر اتّفاق عجيب دلّ على حسن نيّة وعاد بصرف أذيّة
ذكر أبو الفضل مهيار بن حاتم المجوسي أستاذ الدار أنّه سلّم إلى شرف الدولة [٢٠١] مدرجا فيه سعاية، فوقف عليه وطواه وتركه على كرسىّ مخادّه ونهض من مجلسه وانسيه. فلمّا كان بعد أيام ذكره فقال لى:
- «يا با الفضل، امض الى ذلك المجلس واطلب مدرجا تركته هناك.» فمضيت إلى المكان فلم أجده، وسألت عنه فلم أعرف خبره. فعدت إليه فأخبرته فشقّ عليه وشدّد علىّ فى الكشف عنه. فخرجت من بين يديه وأنا قلق لما رأيت من شغل قلبه، وأحضرت كلّ حاضر فى الدار وغائب عنها من الحواشي والفرّاشين وبالغت فى الوعيد والتهديد وكدت أوقع ببعضهم.
فبينما أنا فى ذلك إذ حضر فرّاش ومعه قطعة من قرطاس وقال:
- «وجدت الغزلان عند المخادّ وقد أكل أكثره وبقيت منه بقيّة هي هذه.» فدخلت إلى شرف الدولة وشرحت له ما قال الفراش وأريته القطعة الموجودة. فلمّا تأمّلها سرّى عنه وقال:
- «هذه قطعة من المدرج وقد كنت عازما على تعفية أثره لئلا يقف أحد على خبره. فإذا كان الغزال قد كفانا أمره فقد أراد الله تعالى بذلك صرف الأذى عن الناس، ولعن الله الشرّ وأهله.» فانظر إلى آثار الخير ما أحسن موضوعها، وأصغ إلى أخبار العدل ما
стр. 3208
أطيب مسموعها، وقسها بضدها من الشرّ والظلم [٢٠٢] تجد لهما منظرا فظيعا ومسمعا شنيعا. فطوبى لمن حكم فى التمييز سمعه وبصره، ثم وفّق فى الإختيار للأحسن وتتبّع أثره.
ونظر أبو نصر سابور بن أردشير فى الأعمال والمعاملات وغمس يده فيما انحلّ عن الديلم من الإقطاعات ونظر فى الأمور ونفّذها إلى حين ورود أبى منصور محمد بن الحسن بن صالحان على ما يأتى ذكره.
ودخلت سنة سبع وسبعين وثلاثمائة
فيها ورد الأمير أبو منصور وتلقّاه الناس كافّة من مدينة السلام إلى المدائن. ثمّ تلقّاه شرف الدولة إلى الشفيعى فدخل البلد على غاية الإكرام.
وانتظمت الأمور على يديه كلّ الانتظام وطالب العمّال بعمل المصالح وأخذهم بإقامة العمارات ووجد الأسعار متزايدة والأقوات متعذّرة فرتّب نقل الغلّات من بلاد فارس فى البحر وجدّ فى حملها من كلّ بلد.
واستتر سابور ابن أردشير مدة، ثم توسّط أبو بكر الفرّاش حاله على أخذ الأمان له من أبى منصور فآمنه.
ذكر بعض أخلاقه وطرائقه [٢٠٣]
كان الغالب عليه فعل الخير وإيثار العدل وحسن الطريقة فى الدين. فإذا سمع الأذان بالصلاة ترك جميع شغله ونهض من مجلسه لأداء فرضه، ثم عاد بعد ذلك إلى أمره.
قال صاحب التاريخ:
- «ما رأينا وزيرا دبّر من الممالك ما دبّره، فإنّ مملكة شرف الدولة أحاطت بما بين الحدّ من كرمان طولا إلى ديار ربيعة وبكر، وعرضا إلى
стр. 3209
الإحساء والرقّة والرحبة وحلوان.
وكانت له تجارات وحمولات بنيسابور تقبل توقيعاته عليها فى المعاملات وإنّه عرضت عليه رحال باستحقاق بعض الجند والحواشي فوقّع بمالها على الموصل وعمان نصفين [١] .» ونحن نقول: كيف به لو أدرك زماننا ورأى هذه الدولة القاهرة التي تجول عساكرها وجند ملكها فى الأقطار [٢] بأمره، فتردّ مشارع الخليج كما تردّ مشارع جيحون وسراياها الآن بالخفار قاربة لورد النيل، وكفى بما بين هذه الموارد الثلاث ممالك واسعة الطول والعرض، وأوامر وزيره نافذة فيها بالإبرام والنقض، والدهماء ساكنة فى جميعها برأيه وتدبيره، والهيبة ضابطة لجميعها بسياسة وتقريره.
وأين من يوقع على الموصل وعمان ممن يوقّع على أعمال الشام وأقاصى خراسان! إنّ الفرق بينهما بعيد:
تريني السّها [٢٠٤] وأريه القمر وأىّ فخر فى أن يقبل فى بلاد المخالفين خطّ يكتب على معاملة تاجرية [٣] فإن يكن ذلك من جملة المناقب فأمر التجار إذا أنفذ فى المشارق والمغارب. لأنّهم يكتبون بالأموال الجمّة على معاملاتهم فيكون أسرع فى الرواج من مال الجباية والخراج. وإنّما الفخر فى نفاذ الأحكام على البلاد التي مهّدتها السيوف للأقلام والملك ما قطر الدم من الصفائح فى افتتاح أعماله ثم جرى المداد فى الصحائف بإطلاق أمواله.
стр. 3210
وليس هذا موضع بسط المقال فى ذكر هذه الفضائل ولكنّا ننتهز الفرصة أوّلا فأوّلا فى إقامة الشواهد والدلائل على تفصيل والدليل على تفضيل زماننا حسب [١] ما قدّمنا ذكره فى صدر كتابنا هذا لتكون أقوالنا محقّقة بالبيان ودعاوينا مصدّقة بالبرهان. فأحسن القول ما صاحبه الصدق فزانه، وأسوأه ما مازجه الكذب فشانه. والله تعالى ولىّ حسن التوفيق بمنّه.
ونعود إلى سياقة التاريخ.
وفى هذه السنة ندب قراتكين الجهشيارى لقتال بدر بن حسنويه وخلع عليه الخلع الجليلة وفيها السيف والمنطقة الذهب وخرج شرف الدولة إلى معسكره لوداعه. [٢٠٥]
ذكر ما جرى عليه أمر قراتكين فى هذا الوجه
كان شرف الدولة مغيظا على بدر بن حسنويه لانحرافه عنه وتحيّزه إلى فخر الدولة فلمّا استقرّت قدمه وقرب من طاعته كل جامح شرع فى تدبير أمر بدر. وكان قراتكين قد جاز الحدّ فى التبسّط، فرأى أن يخرجه فى هذا الوجه. فإمّا أن يظفر ببدر ويشفى منه صدره وإمّا أن يستريح من قراتكين فيلغى أمره. فجرد معه من العساكر وأصحبه من الخزائن ما استظهر فيه وعرف تداريجه فاستعدّ واحتشد وتلاقيا على الوادي بقرميسين.
ذكر خدعة تمّت لبدر على قراتكين وعسكره لتفريطهم وقلّة حزمهم
لمّا تواقعوا انهزم بدر حتى توارى عنه، وظنّ قراتكين وعسكره أنّه قد
стр. 3211
مضى على وجهه. فنزلوا عن خيولهم وتفرّقوا فى خيمهم فلم يلبثوا ساعة [٢٠٦] حتى كرّ بدر راجعا وأكبّ عليهم إكبابا أعجلهم من الاستعداد والتجمّع وقتل منهم مقتلة عظيمة واحتوى على جميع ما فى معسكرهم.
وأفلت قراتكين بحشاشة نفسه فى شرذمة من غلمانه وعاد فى يومين إلى جسر النهروان وتلاحق الفلّ به واحد بعد واحد، وحمل إليه من بغداد ما لمّ به شعثه ودخل إلى داره. واستولى بدر بعد ذلك على أعمال الجبل وما والاها وقويت شوكته.
ذكر ما جرى عليه حال قراتكين بعد عوده فى سوء تدبيره وما انتهى أمره إليه حتى آل إلى قتله
قد تقدّم القول فيما كان حصل فى نفس شرف الدولة منه لإسرافه فى استعمال الدالّة واستيلاء كتّابه وأصحابه والتجاء كلّ متعزز إلى بابه. وعاد من الهزيمة المذكورة وقد زاد تجنّيه وتغضّبه وتضاعفت تبسّطه وتسحّبه، وأغرى الغلمان بالتوثّب فى دار المملكة على الوزير أبى منصور حتى لقوه بالصعب، وقالوا له:
- «أنت كنت السبب [٢٠٧] فى هزيمتنا بتأخيرك المال والسلاح والنجدة عنّا.» فلوطفوا ودفعوا عنه. ثمّ وقع الشروع فى إصلاح الحال بين الوزير وبين قراتكين فتمّ.
وأسرّ شرف الدولة من ذلك غيظا فكتمه فى قلبه وأمسك مرويّا فى تدبير خطبه. فلم تمض أيّام حتى قبض عليه وقيّد ثمّ قتل من يومه وأنفذ إلى داره من قبض على أصحابه وكتّابه واحتاط على معاملاتهم وأسبابهم. وخاض الغلمان فى الشغب لأجله. فلمّا أيقنوا بقتله وأرضى أكابرهم تبعهم أصاغرهم
стр. 3212
فأمسكوا.
وقدم طغان الحاجب بينهم وأقيم مقامه فيهم. فلزموا بعد ذلك الطريقة السويّة واستشعروا المراقبة والتقيّة.
ومن أعظم الأغلاط دالّة الأتباع على السلاطين وإن سبقت خدمهم وسلفت حرمهم. فإنّها موذنة بزوال نعمهم منذرة بورود مناهل الحمام.
ومثل المدال على السلطان بتمكّنه منه كمثل راكب الأسد: فبينما تراه عزيزا رفيعا إذ صار بين براثنه ذليلا صريعا ألا وأنّ ذلك لمن أخطر المراكب وأحقّها بسوء العواقب.
وكفاك بقصّة قراتكين تذكرة وتبصرة.
ولما تمهّدت الأمور عقد مجلس حضره الأشراف والقضاة والشهود [٢٠٨] وجدّدت التوثقة فيه بين الطائع لله وبين شرف الدولة، واستقرّ ركوب شرف الدولة إلى دار الخلافة.
ذكر ما جرى عليه الأمر فى جلوس الطائع بحضور شرف الدولة
ركب شرف الدولة فى الطيّار بعد أن ضربت له القباب على شاطئ دجلة وزيّنت الدور التي عليها فى الجانبين بأحسن زينة، وجلس الطائع لله جلوسا عامّا وخلع عليه الخلع السلطانية وتوجّه وسوّره وطوّقه وعقد له بيده لوائين أسود وأبيض وقرئ عهده بين يديه.
وخرج من حضرته فدخل على أخته المتصلة بالطائع لله، وأقام عندها إلى وقت العصر، ثم انكفأ إلى داره والناس مقيمون على انتظاره.
ولما حمل اللواء تخرّق وانفصلت منه قطعة، فتطيّر من ذلك. فقال له الطائع لله:
стр. 3213
- «إنّما حملت الريح منه قطعة، وتأويل ذلك أن تملك مهبّ الريح.» وكان أبو عبد الله محمد بن أحمد معروفا فى جملة من حضر مع شرف الدولة. فلمّا رآه الطائع للَّه قال له:
مرحبا بالأحبّة القادمينا ... أو حشونا وطال ما آنسونا.»
[٢٠٩] فقبّل الأرض وشكر ودعا.
وفى هذه السنة ورد الخبر بوفاة سعد الحاجب بالموصل.
ذكر ما جرى عليه أمر سعد بعد انحدار زيار من الموصل إلى أن توفّى
لمّا أراد زيار الانحدار أقرّ سعدا على الحرب وأبا عبد الله ابن أسد على الخراج. فلم يلتئم ما بينهما وحصلا على وحشة.
وورد شرف الدولة مدينة السلام فكاتب سعدا بإقراره على الأمر تأنيسا له وكان من عزمه أن يضربه بأبى على التميمي بوعد سبق من شرف الدولة إليه فمات أبو على وبطل ذلك.
وعرف شرف الدولة ما يجرى بين سعد وأبى عبد الله ابن أسد من الخلف فى الأمور، فأمر باستدعاء ابن أسد وترتيب ابن أخيه فى مكانه نائبا عنه وكتب سعد يذكر تضاعف ما تأخّر للأولياء من أرزاقهم وفرط مطالبتهم بما اجتمع فى استحقاقهم، فعوّل به فى الجواب على بقايا للموصل وأعمالهم [١] بحسب ما ذكره ابن أسد بالحضرة.
وأخرج إليه أبو سعد الحسن بن عبد الله الفيروزآباذي وأمر بمناظرة الديلم
стр. 3214
على النزول عن الفائت جميعه أو معظمه. فلمّا وصل أبو سعد إلى [٢١٠] الحصباء خيّم بها فحمل إليه سعد أنزالا فلم يقبلها.
ذكر رأى سيّء لأبى سعد من ردّ ما حمله ومكيدة لسعد تمّت عليه
كان من غلط الرأى ما اعتمده أبو سعد من ردّ ما حمله إليه سعد من الأنزال. فإنّ ذلك عاد بسوء ظنّه فيه وأوجس فى نفسه أنّه لم يفعل ذلك إلّا عن قاعدة أحكمت فى طلب مكروهه.
وكان الديلم يميلون إلى سعد ويطيعونه، فأوحشهم من أبى سعد ووضعهم باطنا على الإيقاع به فشغبوا وراسلوا سعدا: بأنّك لم تزل تعدنا وتمطلنا بورود من يرد من حضرة السلطان للنظر فى أمورنا وقد ورد هذا الرجل وما رأينا وجها لما كنّا نتوقعه وبلغنا أنّه معوّل على المسير إلينا لاستنزالنا عن أموالنا وإرضائنا من البقايا وهذا ممّا لا نقنع به.
فأجابهم جوابا ظاهرا أسكتهم به وراسل أبا سعد بأنّ: الصواب أن ترفق بهم إذا راسلوك رفقا لا تلين لهم فيه وتستوفى عليهم استيفاء لا تنفّرهم به.
فلمّا حضره رسلهم [٢١١] غلّظ فى جوابهم فوثبوا به وهمّوا بقتله فهرب وألقى نفسه إلى دجلة فاستنقذ منها إلى بعض السفن وهو مجروح وعبر إلى الجانب الشرقي إلى أن سكنت النائرة. ثم ردّه سعد الحاجب وأنزله داره وأمر بمداواته مما به.
ومضت أيام فاعتلّ سعد الحاجب وقضى نحبه- وقيل إنّ أبا سعد الفيروزآباذي واطأ بعض خواصه على سمّه- فلمّا توفّى ظهر أبو سعد وجلس فى داره واحتاط على ماله وتولّى الأمور إلى أن وصل إليه من الحضرة من اجتمع معه على تحصيل التركة وحملها.
стр. 3215
وأخرج أبو نصر خواشاذه إلى الموصل لحفظ أكنافها وزمّ أطرافها.
وتجدّد لباد بن دوشنك مع وفاة سعد الحاجب طمع فى التغلّب على البلاد فصار إلى طور عبدين وهو جبل مطلّ على نصيبين.
ذكر ما جرى عليه أمر أبى نصر خواشاذه مع باد عند إصعاده من الموصل
لمّا عرف أبو نصر الخبر دعته الضرورة لقصد نصيبين لدفع باد [٢١٢] فكتب إلى الحضرة يستمدّ ويستنجد، فأمدّ وأنجد بما هو غير كاف، وخاف أن يجرى حاله مع باد على ما جرت عليه حال أبى سعد بهرام وأبى القاسم سعد فاستدعى بنى عقيل واستدناهم وعوّل فى حرب باد عليهم، لأنّهم أخفّ خيولا وأسرع خروجا وقفولا والأكراد خيولهم بطاء وعددهم للحرب ثقال.
ذكر رأى رآه أبو نصر فى إقطاع البلاد حين تعذّرت عليه وجوه الإطلاق
كان الوزير أبو منصور يقصده لشغب بينهما، فأخّر أمره وعلّله بالمواعيد ثم كان قدّر ما حمله له بعد تلك المواعيد المكررة ثلاثمائة ألف درهم، وأين يقع ذلك القدر من مثل هذا الخطب! وكان أبو نصر يعلّل من معه بوصول الحمل. فلمّا عرف مبلغه رأى أن يكتم أمره خوفا أن يظهر فتنقطع الآمال وتتفرّق الرجال، [١] ويهجم عليه باد فينهزم بأسوأ حال.
فعدل إلى تفرقة البلاد على العرب وتسليمها إليهم وقال:
стр. 3216
- «هذه بلاد بإزاء عدوّ وقد استفحل أمره وإذا حصلت لهؤلاء العرب دفعوا عنها فى عاجل الحال لنفوسهم دفع القوم عن حريمهم. فإن قوى أمر السلطان [٢١٣] كان انتزاعها من أيديهم أسهل من انتزاعها من يد باد.
فكان الواحد منهم يكتب قصّة ويسأل فيها إقطاعه الخربة الفلانية- وتكون ضيعة جليلة- فيوقّع له بها من غير إخراج حال ولا تعرّف ارتفاع. وارتفق كاتبه على ذلك أموالا جمّة.
ذكر حيلة سحر بها باد عين من بإزائه واسترهبهم
كان يقيم البقر على رؤس الجبال ويجعل بينها رجّالة يبرقون بالسيوف والحراب فإذا شوهدوا من بعد ظنّوا رجالا فلا يقدم العسكر على الصعود إليهم.
فاتّفق أنّه نزل أخ لباد وقاتل قوما من العرب فقتل وبلغ قتله من باد كلّ مبلغ وضعف أمره. فبينما هو فى ذلك إذ ورد الخبر على أبى نصر بوفاة شرف الدولة فكتمه وعاد إلى الموصل فأظهر فيها العزاء به.
وانفسح باد وأصحابه وتمكّن من طور عبدين واستضافها إلى ديار بكر ولم يقدم على الإصحار خوفا من العرب. فصار الجبل له والسهل لبنى عقيل ونمير.
وكان أبو نصر على إصلاح أمره ومعاودة حرب باد إذ أصعد إبراهيم وأبو عبد الله الحسين ابنا ناصر الدولة [٢١٤] إلى الموصل.
وسيأتي ذكر ما جرى عليه أمرهم من بعد بإذن الله تعالى.
ودخلت سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة
فيها قبض على شكر الخادم من الموضع الذي كان مستترا فيه وحمل إلى
стр. 3217
حضرة شرف الدولة وعلى أبى منصور أحمد بن عبيد الله بن المرزبان الشيرازي لأجله.
شرح الحال فى ذلك
كان شكر قد أسلف إلى شرف الدولة ما أوحشه وتولّى إبعاده عن بغداد إلى كرمان فى حياة عضد الدولة وقام بأمر صمصام الدولة، فحقد عليه شرف الدولة. فلمّا انحلّ أمر صمصام الدولة ووقع اليأس منه خاف شكر.
وكان أبو منصور أحمد بن عبيد الله بن المرزبان الشيرازي صديقا خصيصا له فقال له:
- «شرف الدولة قد أقبل وأرى الاستظهار لنفسي بالاستتار ثمّ أعمل الحيلة فى الخروج عن البلد فأعدّ لى موضعا عندك لأصير إليك.» فقال له أبو منصور:
- «أمّا حصولك فى دارى فلا يخفى لكثرة من يطرقها ولكن أختار لك مكانا منه.» فلمّا كان فى [٢١٥] الليلة التي انحدر فيها صمصام الدولة إلى شرف الدولة استدعى من قبل أبى منصور من يصير به ليلا إلى الموضع الذي أعدّه. فأنفذ إليه زوجته بنت أبى الحسين ابن مقلة ونزل شكر فى سمارية وأصعد إلى الجسر كأنّه ماض إلى عكبرا. ثم انتقل إلى سمارية أخرى مع المرأة ولبس خفّا وإزارا كان قد استصحبهما وصارت به إلى دار أبى بكر محمد بن موسى الخوارزمي الفقيه، فأقام عنده مديدة.
ففطن به فانتقل إلى دار رجل بزّاز فى رحبة خاقان يعرف بابن هارون كان أبو منصور الشيرازي يثق به.
стр. 3218
ذكر رأى سديد رآه البزّاز وقبله شكر ثم خالفه فيه من بعده
قال له:
- «أيّها الأستاذ، ملاك أمرك وأمرى فى سترك أن أتولّى خدمتك ولا يدخل إلى بيني وبينك وبين هذه المرأة- أشار إلى زوجته- رابع.» فقال: «افعل.» فقام الرجل بخدمته. فلمّا مضت مدة راسل شكر أبا منصور وقال له:
- «لى جارية حبشيّة، وأنا أثق بها وأريد أن تتولّى خدمتي.» فأجابه: بأننى لا آمن عليك.
فراجعه حتى استقرّ الأمر على [٢١٦] إحضارها فأحضرت وأقامت معه.
وكان قد علق قلبها بهوى. فكانت تأخذ من الدار المأكول وغيره وتخرج إلى حيث يدعوها هواها وربّما احتبست فى أكثر الأوقات فلحق شكرا ضجر من فعلها ومنعها من الخروج فلم تمتنع.
ذكر فساد رأى شكر فيما دبّر به أمره
لم يقنع بما غلط فيه من الخروج بسرّه إلى غير أهله وقد قيل فى المثل «لا تفش سرّك إلى أمة» حتى غلط ثانيا بالضجر فى غير وقته. فإنّه لمّا كثر ضجره منها رماها فى بعض الأيام بحميدى أصاب به وجهها فخرجت من الدار غضبى ومضت إلى باب شرف الدولة وصاحت «النصيحة النصيحة» فسئلت عنها فقالت:
- «لا أقولها إلّا له.» فأدخلت الدار وأخرج إليها بعض خواصّ الحاشية، فأخبرته بحال شكر.
стр. 3219
فرتّب مع صاحب المعونة من الخواص من يمضى للقبض عليه فقالت:
- «قد جرى بيني وبينه نفرة، وربّما استوحش وانتقل، فابدءوا بدار أبى منصور الشيرازي.» ففعلوا ذلك فما شعر أبو منصور وهو قاعد فى داره عند حرمه [٢١٧] إلّا بهجوم القوم عليه بغتة، فقبض عليه وفتشت الدور والحجر فلم يوجد شكر.
فمضوا إلى دار البزّاز وكبسوها وأخذوا شكرا منها وحملا جميعا إلى حضرة شرف الدولة. فأمّا شكر فإنّ نحريرا استوهبه قبل وصوله فوهبه له وعدل به إلى داره وأحسن إليه.
ومضت مديدة وحضر وقت الحج فسأله الاستئذان له فى الحج فأذن له وخرج ثم عدل عن مكة إلى مصر وحصل عند صاحبها. وأمّا أبو منصور فإنّه اعتقل فتلطّف الوزير أبو منصور ابن صالحان فى أمره.
ذكر تدبير لطيف عمله الوزير أبو منصور فى خلاص أبى منصور الشيرازي
قال لشرف الدولة:
- «هذا رجل إليه ديوان الضياع وعليه علق وحسبانات وأنا آخذه إلى الديوان وأتولّى محاسبته ومطالبته بما عليه.» فسلم إليه ونقله إلى حجرة تجاور داره، وأولاه الجميل. ثم توصّل إلى إطلاقه بعد شهور.
ولم يوجد فى بقية أحداث هذه السنة ما فيه ذكر تدبير وسياسة. [٢١٨]
ودخلت سنة تسع وسبعين وثلاثمائة
فيها أنفذ الطائع أبا الحسن علىّ بن عبد العزيز [بن] حاجب النعمان كاتبه
стр. 3220
إلى دار القادر بالله رضوان الله عليه، وهو أمير للقبض عليه فخباه الله تعالى منه.
ذكر السبب فى ذلك وما جرى عليه الأمر فيه
لمّا توفّى اسحق بن المقتدر بالله والد القادر بالله رحمة الله عليهم، جرى بينه وبين أخته آمنة بنت معجبة منازعة فى ضيعة وطال الأمر بينهما وعرضت للطائع لله علّة [١] أشفى منها ثم ابلّ.
فسعت آمنة بأخيها القادر بالله إلى الطائع لله وقالت له:
- «إنّه شرع فى تقلّد الخلافة عند علّتك.» فظنّ ذلك حقّا وتغيّر رأيه فيه. وأنفذ أبا الحسن ابن حاجب النعمان وأبا القاسم ابن أبى تمام الزينبىّ [٢] العباسي الحاجب للقبض عليه فأصعدوا فى الماء إلى داره بالحريم الطاهري.
فحكى القاضي أبو القاسم التنوخي عن صفية بنت عبد الصمد ابن القاهر [٢١٩] بالله قالت:
- «كنت فى دار الأمير أبى العباس- تعنى القادر بالله- يوم كبست بمن أنفذه الطائع لله وقد جمع حرمه فى غداة هذا اليوم وكنت معهنّ. فقال لنا:
رأيت البارحة فى منامي كأنّ رجلا يقرأ علىّ «الَّذِينَ قال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» ٣: ١٧٣
стр. 3221
[١] وقد خفت أن يطلبني طالب. وهو فى حديثه إذ شاهد زبزب ابن حاجب النعمان قد قدم إلى درجة داره فقال:
- «إنّا لله، هذا حضور مريب بعقب هذا المنام.» وصعد القوم من الزبزب إليه وتبادرنا إلى وراء الأبواب، فقالوا له:
- «أمير المؤمنين يستدعيك.» فقال: «السمع والطاعة» .
وقام فقال له أبو الحسن:
- «إلى أين؟» فقال: «ألبس ثيابا تصلح للقاء الخليفة.» فعلق بمكّه ومنعه. فبرزنا إليه وأخذناه من يده ونزل إلى سرداب فى الدار ووقفنا فى صدره حتى تخلّص، وعاد القوم إلى الطائع لله وعرّفوه الحال [٢] .» وانحدر القادر بالله بعد ذلك مستخفيا إلى البطيحة، فأقام عند مهذّب الدولة إلى أن عقدت له الخلافة. وجعل علامته حين تقلّد الأمر «حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» ٣: ١٧٣ تبرّكا بالرؤيا التي رآها.
ومن بعد هذه [٢٢٠] الحكاية نقول: إنّ الله تعالى إذا اصطفى عبدا أظهر عليه آثار الكرامات ودلّ على اصطفائه بالآيات والعلامات، وإذا اختاره لأمر هيّأ له أسبابه وفتح عليه أبوابه ونجّاه من كلّ سوء يخشاه وجعل إلى الخير مآله وعقباه.
قال سبحانه فى محكم التنزيل «وَيُنَجِّي الله الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» ٣٩: ٦١. [٣]
стр. 3222
كحل صمصام الدولة
وفى هذا الوقت أخرج محمد الشيرازي الفرّاش لكحل صمصام الدولة.
ذكر ما جرى عليه الأمر فى ذلك
كان نحرير الخادم يحضّ شرف الدولة على قتل صمصام الدولة ويقول له:
- «إنّه ملك قد قعد على السرير ولا يؤمن الدهر وحوادثه ودولتك مع بقائه على خطر.» فيعرض شرف الدولة عن هذا القول. فلمّا اعتلّ وأشفى ألحّ عليه فى ذلك وقال له:
- «إن لم تر القتل فالكحل إذا.» فأخرج محمد الفرّاش لسمل صمصام الدولة، وسلّم إليه شيئا أمر بأن يكحله به ثلاثة أيام كحلا ويشدّ عليه عينيه. فمضى الفرّاش. فقبل أن يصل توفّى شرف الدولة.
فحصل الفرّاش بسيراف والقلعة التي فيها [٢٢١] صمصام الدولة كانت من أعمالها وعاملها رجل يهودي يسمّى روزبه. فذكر الفراش للعامل ما ورد فيه فقال:
- «هذا أمر قد بطل حكمه مع وفاة شرف الدولة، ولا يجوز تمكينك منه إلّا بعد إعلام أبى القاسم العلاء بن الحسن الناظر.» فكتب إليه يستأذنه فعاد جوابه بتمكينه مما ورد فيه. فقصد القلعة وكحل صمصام الدولة بما صحبه فذهب ناظره.
стр. 3223
ذكر قلّة حزم فى استرسال عاد على صاحبه بوبال
كان فى جملة الموكّلين بصمصام الدولة فرّاش يسمّى بندارا وقد أنس به لتطاول المدة. فقال له قول المترثّى:
- «كيف الملك؟» فقال له بالاسترسال:
- «قد بقيت من نظري بقيّة أبصر بها من تلك الكوّة.» فأعاد بندار قوله على محمد. فاجتمعا على أن يحصّا [١] عينيه بمبضع.
فلمّا عاد صمصام الدولة إلى الملك بفارس، رام بندار أن يخدمه على رسمه فأمر صمصام الدولة بأن يكون مع الستريين [٢] بالبعد منه. فقال بندار:
- «هكذا استحقّ من الملك بعد خدمتي له وصحبتي معه؟» فأعيد قوله عليه. فقال:
- «أما يرضى بالإبقاء [٢٢٢] عليه حتى يدلّ بهذه الدالّة.» واتصل الحديث بالأمير أبى طاهر واطلّع على قصّته، فأمر بأخذه وصلبه فصلب. وكان صمصام الدولة يقول:
- «ما سملنى [٣] إلّا العلاء بن الحسن فإنّه أمضى فىّ أمر ملك قد مات.» ولمّا قبض عليه واقفه على ذلك ثم عفا عنه.
وحصل محمد الفرّاش ببغداد. فلمّا ورد عميد الجيوش أبو على الحسن بن أستاذ هرمز من العراق قال:
- «أريد أن أشفى صدري بقتله جزاء له على سوء فعله.»
стр. 3224
فهرب منه إلى مصر وأقام بها إلى أن مات عميد الجيوش.
وفى هذه السنة توفّى شرف الدولة وقام الأمير أبو نصر مقامه فى الملك.
ذكر ما جرى عليه الأمر فى علّة شرف الدولة واستقرار الأمر للأمير أبى نصر بعده
اعتلّ شرف الدولة العلّة التي توفّى فيها وكانت من استسقاء. فلمّا اشتدّت به ندب أبا على ولده إلى الخروج إلى فارس للنيابة عنه بها وأخرج معه والدته وجماعة من حرمه وأصحبه جلّ عدده [٢٢٣] من مال وسلاح وضمّ إليه عددا كثيرا من وجوه الأتراك.
وعلى أثر انحدار ولده غلب عليه المرض حتى غلب اليأس منه على الرجاء فيه. فاجتمع وجوه الأولياء وراسلوه باستخلاف الأمير أبى نصر فيهم إلى أن يبلّ من مرضه فأجابهم إلى سؤالهم وروسل الأمير أبو نصر بالحضور، فامتنع وأظهر القلق والجزع.
واستقرّت الحال على إظهار استخلافه فى غد ذلك اليوم. وغدا الناس إلى دار المملكة لذلك. فجرى من بعض القوّاد والخواصّ مطالبة باستحقاقهم خرجوا فيها إلى التشديد، فتقوّض الجمع من غير تقرير أمر.
وعاجلت شرف الدولة منيّته. فقضى نحبه وكتم أمره ليلة واحدة وأصبح الناس وعند أكثرهم خبره. واجتمع العسكر فطلبوا الأمير أبا نصر برسم البيعة وتردّد الخوض معهم فى أمر العطاء ومبلغ ما أطلق لكلّ واحد منهم.
فتولّى خطابهم بنفسه وأعلمهم خلو الخزائن من المال الذي يعمّهم ووعدهم بكسر ما فيها من الأوانى والصياغات وضربها عينا وورقا وصرفها إليهم. وأطلّ المساء وراحوا إلى منازلهم من غير استقرار وباكروا الغدو إلى الدار فوجدوا الأمير أبا نصر قد أظهر المصيبة وجلس للتعزية [٢٢٤] فأمسكوا
стр. 3225
عن الخطاب. وخرج تابوت شرف الدولة وتقدّم للصلاة عليه أبو الحسن محمد بن عمر العلوي وحمل إلى المشهد بالكوفة.
فكان مقام شرف الدولة ببغداد سنتين وثمانية أشهر وأيّاما وعاش ثماني وعشرين سنة وخمسة أشهر، ثم بلغ الكتاب أجله ودعاه الداعي فاستعجله، وبزّته المنية ثوبي ملكه وشبابه واختطفته من بين حشمه وأصحابه، فمضى غضّا طريّا إمّا سعيدا وإمّا شقيّا فى سبيل لا بدّ للخلائق من سلوكها، ولا فرق فيها بين سوقتها وملوكها. ولربّما كانت السوقة أخفّ ظهورا وأسرع فى تلك الغمرات عبورا.
فأفّ لدار هذه صورة سكّانها ولشجرة هذه ثمرة أغصانها! لقد ضلّ من اتخذ هذه الدار قرارا واستطاب من هذه الشجرة ثمارا. فطوبى لمن قصّر فى الدنيا أمله وأصلح للآخرة عمله. قال الله تعالى: «إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ» ٤٠: ٣٩. [١] وتردّدت بين الأمير أبى نصر وبين الطائع لله مراسلات انتهت إلى أن حلف كل واحد منهما لصاحبه على الصفاء والوفاء وركب الطائع لله من غد للعزاء. [٢٢٥]
ذكر ما جرى عليه الأمر فى ركوب الطائع لله للتعزية
قدم الطيّار على باب الدرجة، وفرش سطحه بدبيقى وعليه مقرمة ديباج حمراء منقوشة ووسطه بديباج أصفر وعليه مقرمة دبيقية، ووقف الغلمان الأتراك الأصاغر بالسيوف والمناطق فى دائر المجلس الأوسط ووافى