[١] وقد خفت أن يطلبني طالب. وهو فى حديثه إذ شاهد زبزب ابن حاجب النعمان قد قدم إلى درجة داره فقال:
- «إنّا لله، هذا حضور مريب بعقب هذا المنام.» وصعد القوم من الزبزب إليه وتبادرنا إلى وراء الأبواب، فقالوا له:
- «أمير المؤمنين يستدعيك.» فقال: «السمع والطاعة» .
وقام فقال له أبو الحسن:
- «إلى أين؟» فقال: «ألبس ثيابا تصلح للقاء الخليفة.» فعلق بمكّه ومنعه. فبرزنا إليه وأخذناه من يده ونزل إلى سرداب فى الدار ووقفنا فى صدره حتى تخلّص، وعاد القوم إلى الطائع لله وعرّفوه الحال [٢] .» وانحدر القادر بالله بعد ذلك مستخفيا إلى البطيحة، فأقام عند مهذّب الدولة إلى أن عقدت له الخلافة. وجعل علامته حين تقلّد الأمر «حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» ٣: ١٧٣ تبرّكا بالرؤيا التي رآها.
ومن بعد هذه [٢٢٠] الحكاية نقول: إنّ الله تعالى إذا اصطفى عبدا أظهر عليه آثار الكرامات ودلّ على اصطفائه بالآيات والعلامات، وإذا اختاره لأمر هيّأ له أسبابه وفتح عليه أبوابه ونجّاه من كلّ سوء يخشاه وجعل إلى الخير مآله وعقباه.
قال سبحانه فى محكم التنزيل «وَيُنَجِّي الله الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» ٣٩: ٦١. [٣]
стр. 3222
كحل صمصام الدولة
وفى هذا الوقت أخرج محمد الشيرازي الفرّاش لكحل صمصام الدولة.
ذكر ما جرى عليه الأمر فى ذلك
كان نحرير الخادم يحضّ شرف الدولة على قتل صمصام الدولة ويقول له:
- «إنّه ملك قد قعد على السرير ولا يؤمن الدهر وحوادثه ودولتك مع بقائه على خطر.» فيعرض شرف الدولة عن هذا القول. فلمّا اعتلّ وأشفى ألحّ عليه فى ذلك وقال له:
- «إن لم تر القتل فالكحل إذا.» فأخرج محمد الفرّاش لسمل صمصام الدولة، وسلّم إليه شيئا أمر بأن يكحله به ثلاثة أيام كحلا ويشدّ عليه عينيه. فمضى الفرّاش. فقبل أن يصل توفّى شرف الدولة.
فحصل الفرّاش بسيراف والقلعة التي فيها [٢٢١] صمصام الدولة كانت من أعمالها وعاملها رجل يهودي يسمّى روزبه. فذكر الفراش للعامل ما ورد فيه فقال:
- «هذا أمر قد بطل حكمه مع وفاة شرف الدولة، ولا يجوز تمكينك منه إلّا بعد إعلام أبى القاسم العلاء بن الحسن الناظر.» فكتب إليه يستأذنه فعاد جوابه بتمكينه مما ورد فيه. فقصد القلعة وكحل صمصام الدولة بما صحبه فذهب ناظره.
стр. 3223
ذكر قلّة حزم فى استرسال عاد على صاحبه بوبال
كان فى جملة الموكّلين بصمصام الدولة فرّاش يسمّى بندارا وقد أنس به لتطاول المدة. فقال له قول المترثّى:
- «كيف الملك؟» فقال له بالاسترسال:
- «قد بقيت من نظري بقيّة أبصر بها من تلك الكوّة.» فأعاد بندار قوله على محمد. فاجتمعا على أن يحصّا [١] عينيه بمبضع.
فلمّا عاد صمصام الدولة إلى الملك بفارس، رام بندار أن يخدمه على رسمه فأمر صمصام الدولة بأن يكون مع الستريين [٢] بالبعد منه. فقال بندار:
- «هكذا استحقّ من الملك بعد خدمتي له وصحبتي معه؟» فأعيد قوله عليه. فقال:
- «أما يرضى بالإبقاء [٢٢٢] عليه حتى يدلّ بهذه الدالّة.» واتصل الحديث بالأمير أبى طاهر واطلّع على قصّته، فأمر بأخذه وصلبه فصلب. وكان صمصام الدولة يقول:
- «ما سملنى [٣] إلّا العلاء بن الحسن فإنّه أمضى فىّ أمر ملك قد مات.» ولمّا قبض عليه واقفه على ذلك ثم عفا عنه.
وحصل محمد الفرّاش ببغداد. فلمّا ورد عميد الجيوش أبو على الحسن بن أستاذ هرمز من العراق قال:
- «أريد أن أشفى صدري بقتله جزاء له على سوء فعله.»
стр. 3224
فهرب منه إلى مصر وأقام بها إلى أن مات عميد الجيوش.
وفى هذه السنة توفّى شرف الدولة وقام الأمير أبو نصر مقامه فى الملك.
ذكر ما جرى عليه الأمر فى علّة شرف الدولة واستقرار الأمر للأمير أبى نصر بعده
اعتلّ شرف الدولة العلّة التي توفّى فيها وكانت من استسقاء. فلمّا اشتدّت به ندب أبا على ولده إلى الخروج إلى فارس للنيابة عنه بها وأخرج معه والدته وجماعة من حرمه وأصحبه جلّ عدده [٢٢٣] من مال وسلاح وضمّ إليه عددا كثيرا من وجوه الأتراك.
وعلى أثر انحدار ولده غلب عليه المرض حتى غلب اليأس منه على الرجاء فيه. فاجتمع وجوه الأولياء وراسلوه باستخلاف الأمير أبى نصر فيهم إلى أن يبلّ من مرضه فأجابهم إلى سؤالهم وروسل الأمير أبو نصر بالحضور، فامتنع وأظهر القلق والجزع.
واستقرّت الحال على إظهار استخلافه فى غد ذلك اليوم. وغدا الناس إلى دار المملكة لذلك. فجرى من بعض القوّاد والخواصّ مطالبة باستحقاقهم خرجوا فيها إلى التشديد، فتقوّض الجمع من غير تقرير أمر.
وعاجلت شرف الدولة منيّته. فقضى نحبه وكتم أمره ليلة واحدة وأصبح الناس وعند أكثرهم خبره. واجتمع العسكر فطلبوا الأمير أبا نصر برسم البيعة وتردّد الخوض معهم فى أمر العطاء ومبلغ ما أطلق لكلّ واحد منهم.
فتولّى خطابهم بنفسه وأعلمهم خلو الخزائن من المال الذي يعمّهم ووعدهم بكسر ما فيها من الأوانى والصياغات وضربها عينا وورقا وصرفها إليهم. وأطلّ المساء وراحوا إلى منازلهم من غير استقرار وباكروا الغدو إلى الدار فوجدوا الأمير أبا نصر قد أظهر المصيبة وجلس للتعزية [٢٢٤] فأمسكوا
стр. 3225
عن الخطاب. وخرج تابوت شرف الدولة وتقدّم للصلاة عليه أبو الحسن محمد بن عمر العلوي وحمل إلى المشهد بالكوفة.
فكان مقام شرف الدولة ببغداد سنتين وثمانية أشهر وأيّاما وعاش ثماني وعشرين سنة وخمسة أشهر، ثم بلغ الكتاب أجله ودعاه الداعي فاستعجله، وبزّته المنية ثوبي ملكه وشبابه واختطفته من بين حشمه وأصحابه، فمضى غضّا طريّا إمّا سعيدا وإمّا شقيّا فى سبيل لا بدّ للخلائق من سلوكها، ولا فرق فيها بين سوقتها وملوكها. ولربّما كانت السوقة أخفّ ظهورا وأسرع فى تلك الغمرات عبورا.
فأفّ لدار هذه صورة سكّانها ولشجرة هذه ثمرة أغصانها! لقد ضلّ من اتخذ هذه الدار قرارا واستطاب من هذه الشجرة ثمارا. فطوبى لمن قصّر فى الدنيا أمله وأصلح للآخرة عمله. قال الله تعالى: «إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ» ٤٠: ٣٩. [١] وتردّدت بين الأمير أبى نصر وبين الطائع لله مراسلات انتهت إلى أن حلف كل واحد منهما لصاحبه على الصفاء والوفاء وركب الطائع لله من غد للعزاء. [٢٢٥]
ذكر ما جرى عليه الأمر فى ركوب الطائع لله للتعزية
قدم الطيّار على باب الدرجة، وفرش سطحه بدبيقى وعليه مقرمة ديباج حمراء منقوشة ووسطه بديباج أصفر وعليه مقرمة دبيقية، ووقف الغلمان الأتراك الأصاغر بالسيوف والمناطق فى دائر المجلس الأوسط ووافى
стр. 3226
حجّاب شرف الدولة الأتراك والمولّدون فى الزبازب بالثياب السود والسيوف والمناطق وكلّ منهم قائم فى زبزبه واجتمع من السفن التي فيها العامة عدة كثيرة.
وخرج الطائع لله من داره وتحته فرس صنابىّ بمركب خفيف وسرج مغرىّ [١] أحمر، وعليه قباء ملحم أسود وعمامة خزّ سوداء على رصافية وهو متقلّد بسيف، وبين يديه خمسة أرؤس فوق سروجها جلال الديباج ونزل إلى الطيّار فجلس فى المجلس الأوسط على المقرمة فى الدست على خلاف عادة الخلفاء فإنّهم كانوا يجلسون على سطح حرّاقة وبين يديه مجلس طيّار وقيل: إنّه فعل ذلك لأنّه كان فى عقيب علّة، وأراد أن يخفى ما بوجهه من آثارها.
فوقف بين يديه أبو الحسن على بن عبد العزيز كاتبه ودجى خادمه [٢٢٦] والعباس حاجبه. وسار الطيّار إلى دار المملكة بالمخرم فنزل الأمير أبو نصر متّشحا بكساء طبرى والديلم والأتراك بين يديه وحواليه الى المشرعة التي قدّم إليها الطيّار وقبّل الأرض وصعد أبو الحسن ابن عبد العزيز إلى الأمير أبى نصر فأدّى إليه رسالة عنه بالتعزية، فقبّل الأرض ثانيا ودعا وشكر.
وعاد أبو الحسن إلى حضرة الطائع لله وأعلمه شكره ودعاءه، وعاود الصعود إلى الأمير أبى نصر لوداعه عن الطائع لله، فأعلمه شكره ودعاءه، فقبّل الأرض ثالثا وانحدر الطيّار على مثل ما أصعد وعاد الأمير أبو نصر الى داره.
ثم ركب الأمير أبو نصر بعد خمسة أيّام إلى حضرة الطائع لله، فخلع عليه الخلع السلطانية ولقّبه بهاء الدولة وضياء الملّة، وقرئ عهده بين يديه بالتقليد
стр. 3227
وقدّم إليه فرس بمركب ذهب وقيّد بين يديه آخر بمثل مركبه وسار العسكر حواليه إلى باب الشماسية فى القباب المنصوبة ونزل إلى الطيّار وانحدر إلى دار المملكة.
ذكر ما دبّره بهاء الدولة عند قيامه بالملك [٢٢٧]
أقرّ الوزير أبا منصور ابن صالحان على الوزارة وأصحاب الدواوين وغيرهم على ما كان إليهم. ثم صرف أبا سعد ابن الخيّاط عن ديوان الإنشاء مع مدّ يده وعوّل فيه على أبى الحسن على بن محمد الكوكبي المعلم، وخلع عليه الطائع لله وكنّاه ولقّبه بالكافي، وكانت الخلعة درّاعة دبيقية [١] وعمامة قصب وحمله على فرس بمركب. وقبض على نحرير الخادم وأبى نصر ابن كعب فاعتقلا ثم قتلا.
فأمّا نحرير فكان هلاكه على يد الحسين الفرّاش، فأمّا أبو نصر ابن كعب فعلى يد أبى الحسن الكوكبي.
شرح الحال فى ذلك
كان بهاء الدولة شديد الميل إلى نحرير كثير الثناء عليه. فلمّا توفّى شرف الدولة أراد منه أن يجرى فى خدمته على ما كان عليه فى خدمة شرف الدولة. فامتنع نحرير وتظاهر بلبس الصوف، واجتهد معه كل الاجتهاد مراسلة بالشريف أبى الحسن محمد بن عمر والوزير أبى منصور محمد بن صالحان ومشافهة بنفسه، فما أجدى معه نفعا. [٢٢٨]
стр. 3228
ذكر ما ارتكبه نحرير من اللجاج حتى آل به شرّ مآل
لم تزل الحكماء وأولو العقول الراجحة يحذّرون ركوب مطيّة [١] اللجاج، فإنّها كثيرة الكبوة والنفور، تلقى صاحبها إلى الورطة والثبور.
قال أبو نصر الحسين بن الحسن المعروف بالأستاذ الفاضل:
كنت قائما بين يدي بهاء الدولة وهو يخاطب نحريرا ويقول له:
- «لا تزهد فىّ مع رغبتي فيك، فأنا أولى بك على ما كنت عليه من قبل.» ونحرير يقبّل الأرض ويستعفى. إلى أن انتهى بهاء الدولة إلى أن قال له باللغة الفارسية وقد دمعت عيناه:
- «افعل لله.» فأقام نحرير على أمر واحد فى اللجاج الذي لا يقابل الملوك بمثله وانصرف من بين يديه ودخل الحسين الفرّاش بعد ساعة وقال:
- «قد طلب نحرير عشرين ألف درهم من الخزانة.» فقال: «احملوها إليه.»
ذكر حيلة عملها الحسين الفرّاش نفّر بها قلب بهاء الدولة من نحرير حتى أمر بالقبض عليه [٢٢٩]
لمّا حملت الدراهم إلى نحرير عاد الحسين الفرّاش وقال:
стр. 3229
- «عرفت أنّه معوّل على الهرب فى هذه الليلة وأنّه أخذ الدراهم وجعلها فى أكياس نفقة الطريق.» فانزعج بهاء الدولة لذلك وسهر ليلته يراعيه وينفّذ فرّاشا بعد فرّاش إلى داره ليعرف ما هو فيه. إلى أن أسفر الصبح ولم يكن لما ذكره الحسين الفرّاش أصل وإنّما أراد الإغراء به.
وعطفت الجماعة بعد ذلك على بهاء الدولة باللوم له ولا سيّما أبو الحسن ابن عمرو فإنّه كان عدوّا لنحرير وقال:
- «أيّها الملك قد أسرفت فى مداراة هذا الخادم إسرافا يشيع ذكره وأصرّ على مخالفتك إصرارا يصغر عنه قدره.» وما زالوا بهذا القول وأمثاله حتى غيّروا رأيه فى نحرير وزادوا غيظه منه.
فحضر نحرير بعد أيّام ومعه أبو نصر ابن كعب وكان خصيصا به، وأبو الحسن محمد بن عمر وأبو منصور الوزير وأبو سعد ابن الخيّاط فى الحجرة مجتمعون، فأذن بهاء الدولة فى القبض عليه.
ورأى أبو نصر أمارات التغيّر والتنكّر، فأشار إلىّ بيده وقال:
- «ما الخبر؟» فأومأت إليه بالقيام فقام وتبعه أبو سعد ابن الخيّاط، وأخذ أبو نصر ابن كعب إلى الخزانة فاعتقل فيها. وبقي أبو الحسن محمد بن عمر ونحرير. فقال له محمد بن عمر: [٢٣٠]- «يا هذا قد أسرفت فى الدولة ومن أنت وما قدرك حتى تمتنع من خدمة هذا الملك العظيم؟» فأغلظ له فى القول ونحرير مطرق. فلمّا زاد الأمر عليه رفع رأسه وقال له:
- «أيّها الشريف، أين كان هذا القول منك فى أيّام مولاي وأنت ترى
стр. 3230
أفضل آمالك إذا تبسّمت فى وجهك؟ فأمّا الآن وأنا على هذه الحال فاستعمال ما أنت مستعمله لؤم قدرة وسوء ملكة، وكيف ألام على ترك الدنيا بعد ملك ابتاعنى بألف درهم، ثم رفعنى إلى أن كنت تخدمنى ولا أخدمك، وتحتاج إلىّ ولا أحتاج إليك؟» فاغتاظ أبو الحسن ابن عمر وانصرف.
وأخذت بيد نحرير فأقعدته على الفراش من الأرض فقال لى:
- «أريد أن تحمل إلىّ مصحفا وأن تقول لمولانا الملك: ما كان امتناعي عليك إلّا ما جرت به الأقدار من إدبارى وقد خدمتك وخدمت أخاك وأوجبت عليك حقّا بذلك وأسألك أن لا تسلمني إلى عدوّ يشتفى منّى وأن تكون أنت الآمر بما تفعل بى.» وأعدت قوله على بهاء الدولة فقال:
- «ارجع إليه واحمل إليه مصحفا كما طلب وقل له: هذه ثمرة لجاجك، فإلى من تريد أن أسلمك؟» وحملت إليه المصحف وأعدت عليه القول، فقال: «إلى أبى جعفر الحجاج.» وعدت إلى بهاء الدولة فأعلمته، فاعترض [٢٣١] الحاضرون على ذلك، فلم يصغ بهاء الدولة إلى أقوالهم وتقدّم بحمله إلى أبى جعفر فحمل.
ذكر مكيدة أخرى عملها الحسين الفراش ليتمكّن بها من قتل نحرير
جاء الحسين الفرّاش بعد أيام، فقال لبهاء الدولة:
- «أيّها الملك قد بلغني عن ثقة صادق أنّ أبا جعفر الحجّاج معوّل على الركوب فى غد و [على] مسئلتك فى أمر نحرير. فإن أجبته إلى ذلك أفرجت عن عدوّ لا تأمنه فيما عاملته به، وقد علمت طاعة الأتراك له، وإن منعته
стр. 3231
أضفت إلى استيحاش نحرير استيحاش أبى جعفر.» قال: «فما الرأى؟» قال: «أن تسبقه إلى أخذه من داره.» قال: «فإلى أين يحمل؟» قال: «إلى دارى التي نأمن فيها على مثله.» فأمر عند ذلك بإنفاذ من يأخذه، فنقل واعتقل فى غرفة.
ومضت أيّام واتّفق أنّ بهاء الدولة خرج يوما فى آخر النهار من الحجرة والحسين الفرّاش يسارّ أخاه وظهره إلى الموضع الذي خرج منه بهاء الدولة فلم يشعر به، حتى رآه أخوه فأنذره. فأقبل إليه فقال له بهاء الدولة وقد رأى فى وجهه وجوما وتغيّرا:
- «فى أىّ شيء أنت؟» قال: «يا مولانا ذكر أخى أنّ جماعة من الغلمان الشرقيّة [٢٣٢] اجتازوا على دارى ورآهم نحرير من الغرفة فصاح إليهم وقال لهم: أنا نحرير، فاهجموا على الدار واستخلصونى. فخاف الموكّلون به أن يؤخذ من أيديهم فقتلوه.» فقال: «ويلك ما تقول؟» قال: «ما يسمعه مولانا.» فورد على بهاء الدولة من ذلك ما أزعجه وعرف بعد ذلك أنّ ما حكاه الحسين الفرّاش باطل، وأنّه هو الذي أمر الموكّلين بقتله، فأسرّها فى نفسه ولم يبدها له.
стр. 3232
ذكر ما جرى عليه أمر أبى نصر ابن كعب فى قتله
كان أبو الحسن الكوكبي نقله إلى داره وأخذ منه مالا. فلمّا قتل نحرير خاف أن يظهر ما وصل إليه منه.
قال أبو نصر المعروف بالأستاذ الفاضل:
كنت فى بعض الأيّام جالسا مع الكوكبي، فوافاه بعض غلمان الخزانة وأسرّ إليه شيئا لم أسمعه وعاد فقال لى الكوكبي:
- «أتدرى ما نحن فيه.» قلت: «لا.» قال: «قد أسقى ابن كعب السمّ دفعتين وما عمل فيه، وسقى ثالثا وكان غاية فعله أن أظهر نفخا فى وجهه.» فوجمت من قوله. فلمّا كان فى غد قال لى:
- «أعندك خبر ابن كعب؟» قلت: «لا.» قال: «لم ينفع ذلك السمّ حتى [٢٣٣] أعنّاه بالسيف» وهو يضحك.
ذكر مقابلة عجيبة فيها عبرة وتذكرة
لمّا تجرّأ الفرّاش والكوكبي على ما تجرّءا عليه عجّل الله الانتقام منهما جميعا. فأمّا الفرّاش فإنّه اعتقل فى دار نحرير وقتل بعد قليل، وأمّا الكوكبي فإنّه سقى السمّ عند قتله مرارا فلم يعمل فيه حتى خنق بحبل الستارة، وحضر بعض الأتراك فوجأه بسكين كانت معه.
فانظر إلى هذه المقابلة الوجيعة الشريفة كيل الصاع بالصاع:
стр. 3233
كن [١] كيف شئت كما [٢] تدين تدان وإذا كانت هذه حال الدنيا التي عود الله فيها للمقابلة إمهالا، فما ظنّك فى الآخرة التي جعل الله فيها لكل ذرّة مثقالا؟ فتعسا للظالم ما أشقاه وتبّا له ما أجهله وأعناه. أتظن أنّه ظلم غيره؟ كلّا، إنّه ما ظلم إلّا نفسه. أما تعلم أنّ الحاكم عدل وأنّ القضاء فصل؟ فهلّا أعد لموقف سؤاله جوابا فى اليوم الذي قال الله تعالى: «يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً» ٧٨: ٤٠. [٣]
قتال بين الديلم والأتراك
وفى هذا الوقت جرت منافرة بين الديلم والأتراك أثارت من الصدور [٢٣٤] اضغاثا ولقحت بينهم حربا عوانا. وتحصّن الديلم بالدروب وعظمت القصة واستمرّ القتال بينهم حربا عوانا. وتحصّن الديلم بالدروب وعظمت القصّة واستمر القتال أيّاما حتى برز بهاء الدولة إلى معسكر الأتراك وخيّم عندهم لأنّهم كانوا أخشن فى القوة جانبا وألين فى الطاعة عريكة.
فتلافى الأمر وراسل الديلم ورفق بالأتراك حتى ألقت الحرب أوزارها ووقع الصلح وعاد الأتراك إلى البلد وتواهبوا وتصافحوا وحلفت كل طائفة للأخرى.
стр. 3234
وقويت شوكة الأتراك وعلت كلمتهم وضعف أمر الديلم بعد هذه الوقعة وتفرّق جمعهم وتسللوا فى كلّ طريق، ومضى فريق بعد فريق.
ذكر ما جرى عليه أمر أبى على بعد انحداره
انحدر الأمير أبو على ومن فى صحبته على ما تقدّم ذكره. فلمّا حصلوا بواسط استعجمت عليه أخبار شرف الدولة وانقطعت النوبة المترددة بالكتب، فساءت الظنون. ثم ورد عليهم ما دلّ على اليأس منه، فسار الأمير أبو على والأتراك على الظهر وانحدرت الخزائن والحرم والأثقال إلى البصرة ووقع الاجتماع بمطارا.
ووردت الكتب بوفاة شرف الدولة وانحدر [٢٣٥] أبو شجاع بكران بن أبى الفوارس والحاجب أبو على ابن أبى الريّان ليرد الجماعة فأشير على الأمير أبى على بالتعجيل إلى أرجان، [١] ففعل وصحبه خواص الحرم فى عمّاريات واستصحب ما خفّ محمله وعوّل على طاهر بن زيد صاحب عبادان فى توجيه بقية الحشم والأثقال التي معهم فى البحر إلى أرجان فقدّم بتنفيذ شيء منها.
ووصل بكران وابن أبى الريان فاستوقفا كلّ من كان تأخّر مع بقية الأثقال وقالا لهم:
- «إنّما وردنا لتطبيب قلوبكم.» [ثم] ورد الأمير أبو على إلى حضرة بهاء الدولة عمّه ليقضى فيه حقّ شرف الدولة عليه وأعاد الجماعة من عبادان إلى البصرة.
ثم شغب الديلم بالبصرة وطلبوا رسم البيعة ولم يكن للمال وجه، فأخذ
стр. 3235
بكران على سبيل القرض من تلك الثياب والصياغات شيئا كثيرا وصرفه إليهم ثم وقع اليأس من عود الأمير أبى على فتسلّم البقية.
وحصل الأمير أبو على بالرجال وكان أبو القاسم الرضيع بها على ما رتّبه شرف الدولة من النيابة عنه وحصل معهما عدد الأتراك وفيهم مثل خمارتكين الحمصي [١] وأبو الغارات والبكّى ومن يجرى مجراهم وكانوا جمهور العسكر فعملوا على المسير إلى فارس.
ذكر رأى رآه أبو القاسم [٢٣٦] العلاء بن الحسن بالبادرة وندم عليه بعد الرويّة
لمّا انتهى إليه تميّز القوم خاف أن يستقيم الدولة للأمير أبى على ولا يكون له فيها قدم. فاستعجل بمكاتبة الأمير أبى على وأبى القاسم الرضيع وعرّفهما ما اعتمده من جمع كلمة الديلم على الطاعة.
وكان المرتّب فى القلعة التي فيها صمصام الدولة والأمير أبو طاهر قد أطلقهما وكذلك المرتبة التي فيها فولاذ بن ماناذر أيضا وحصل الثلاثة ... [٢] كلمة الديلم على تمليك صمصام الدولة وأبى طاهر ونادوا بشعارهما وقام فولاذ بتقرير ذلك.
وندم أبو القاسم العلاء بن الحسن على مكاتبة الأمير أبى على، وعلم أنّ أبا القاسم الرضيع باستيلائه سيستعلي عليه ويستبد بالأمر دونه، فكاتب صمصام الدولة وأبا طاهر [و] فولاذ واستدعاهم ووعدهم ومنّاهم. وسار الأمير أبو على حتى نزل على ثلاثة منازل من شيراز.
стр. 3236
ذكر ما دبّره أبو القاسم العلاء بن الحسن فى أمر الرضيع حتى قبض عليه [٢٣٧]
اختار ستّين رجلا من وجوه الديلم وواقفهم على أن يلتقوا الأمير أبا على ويخدموه، ويعرّفوه عن الأولياء طاعتهم له، ويطالبوه بالقبض على أبى القاسم الرضيع قبل الدخول إلى البلد، وترتيب من يقوم مقامه بعد الاستقرار فيه.
وضمن العلاء بن الحسن لهؤلاء الوجوه إقطاعات الرضيع بفارس وكانت كثيرة فطمعوا فيها وبالغوا فى خطابهم حتى أجيبوا إلى القبض على الرضيع وحمل إلى العلاء بن الحسن فأنفذه إلى القلعة. وتمم الأمير أبو على والأتراك إلى شيراز فخيّموا بظاهرها.
ذكر حيلة رتّبها العلاء بن الحسن أفسد بها الحال بين الديلم والأتراك حتى بلغ غرضه
أحضر غلاما من الأتراك يعرف بانوشتكين وخدعه وقال له:
- «هل فيك لاستخدامك فى أمر يكون فيه رفع لقدرك وتقديم لمنزلتك؟» قال: «نعم.» قال: «تعرّض للديلم فتقتل منهم رجلين أو ثلاثة على سبيل الغيلة وتهرب لاظهرك من بعد وأوفى لك بما وعدتك به.» فانخدع الغلام لجهله وخرج [٢٣٨] وصعد إلى حائط بستان ورمى رجلين من الديلم جازا تحته بفردات أصابت مقاتلهما وثارت الفتنة بين الديلم والأتراك ثم وقع الشروع فى إصلاح ما بين الفريقين وتمّ على ذحل.
وعدل العلاء بن الحسن إلى مراسلة الأمير أبى على ووالدته ويحذّرهما من الديلم وبوادرهم لما ظهر من ميلهم إلى صمصام الدولة وأبى طاهر.
стр. 3237
فخرج الأمير أبو على من دار الإمارة مستخفيا بالليل إلى مخيّم الأتراك وتبعته والدته.
وأصبح الديلم قد أجمعوا رأيهم على الإبتداء بالأمير أبى على والاحتياط عليه فوجدوهم قد برزوا إلى المعسكر فكشفوا القناع ونابذوا الأتراك وجرت بينهم مناوشات فى عدّة أيام.
ثم ارتحل الأتراك بالأمير أبى على وساروا إلى فسا، فوجدوا بها أبا الفضل ابن أبى مكتوم عاملا وتحت يده مال معدّ يريد حمله إلى شيراز وعنده نحو أربعمائة من الديلم. فراسلوه واستمالوه فمال إليهم واستوزره الأمير أبو على وفرّق المال المجتمع عليهم وحاصروا الديلم المقيمين بها فى دار لجأوا إليها. فلمّا فتحوها قتلوهم بأسرهم وقوى أمر الأتراك بما حصل فى أيديهم من أسلابهم.
وعاد الأمير أبو على مع علافهم إلى أرّجان ومضى البكى ومعه جمرة العسكر إلى باب شيراز وقد حصل فيها صمصام الدولة [٢٣٩] فأقاموا بظاهرها مدّة يقاتلون الديلم وينهبون السواد. ثم ضجروا من المقام فانصرفوا إلى أرجان.
ذكر سوء تدبير ابن أبى مكتوم فى عداوة البكّى حتى هلك
كان قد جرى بين [ابن] أبى مكتوم وبين البكى تنافر أصرّ البكى على عداوته فيه. فلمّا قرب من البلد تلقّاه الأمير أبو على [و] ابن أبى مكتوم معه يسير على جانبه. فحين وقف للقاء الواردين سبقوا إليه وخدموه والبكى بمعزل عنهم.
ثم تقدّم أحد الأتراك إلى ابن أبى مكتوم فجذبه بكمّ دراعته وساعده
стр. 3238
الباقون على سحبه إلى البكى فضرب عنقه.
وسار البكى لوقته إلى الأمير أبى على وقد ماج الناس وتوارى أكثر الحواشي. فحين بصر به قبّل الأرض بين يديه واعتذر إليه وقال:
- «إنّ عبيدك ما أقدموا على قتل هذا الرجل إلّا لما عرفوه من سوء نيته فيك وفيهم واطلعوا عليه من مكاتبة صمصام الدولة وتسليمك وتسليمهم ونحن خدمك ومماليكك ورؤوسنا ونفوسنا دونك.» فأجابه بما أظهر به الرضاء [١] عنه.
ومضت مديدة ووافى أبو على [٢٤٠] الحسن بن محمد بن نصر رسولا من حضرة بهاء الدولة بالمواعيد الجميلة فكاثر الأتراك وكاثروه واستمالهم فى السر حتى اتفقت كلمتهم على الانكفاء إلى حضرة بهاء الدولة بواسط.
فلمّا قرب منها تلقى وأكرم ووصل إلى حضرة بهاء الدولة وهو فى مجلس أنس فقرّبه وأدناه وباسطه وسقاه ثم قبض عليه بعد أيام وحدر إلى البصرة واعتقل بها. وسار بهاء الدولة إلى فارس. فلمّا عاد إلى العراق استدعاه وتولّى أبو الحسن الكوكبي المعلّم قتله خنقا بيده.
ذكر ما جرى عليه أمر صمصام الدولة فى خلاصه وعوده إلى الملك بفارس بعد شرف الدولة
قد تقدّم ذكر خلاصه وخلاص أبى طاهر وحصولهما بسيراف. فلمّا ارتحل الأمير أبو على والأتراك من باب شيراز كتب أبو القاسم العلاء بن الحسن إليهما بما فعله من تمهيد الأمور وأشار عليهما بتقديم السير فساروا ونزلوا بدولت آباذ، ثم دخلا البلد.
стр. 3239
فاستولى الأمير أبو طاهر على الأمر بقوّة نفسه وشدّة بأسه، وتقلّد فولاذ بن ماناذر أمور الديلم [٢٤١] ومايله العلاء بن الحسن فتعاضدوا، وصارت كلمتهما واحدة.
ثم مات الأمير أبو طاهر وقيل: إنّه سمّ، فغلب فولاذ على الأمور واستبدّ بالتدبير وعرض من فساد الحال بينه وبين العلاء ما صار سببا لانفصاله عن فارس وحصوله بالرىّ. وسيرد ذلك فى موضعه إن شاء الله.
وفى هذا الوقت ورد الخبر بمسير فخر الدولة من همذان طالبا أعمال خوزستان ومحدّثا نفسه بقصد العراق.
ذكر السبب فى حركة فخر الدولة لطلب العراق
كان الصاحب ابن عبّاد على قديم الأيام وحديثها يحبّ بغداد والرياسة فيها ويراصد أوقات الفرصة لها. فلمّا توفّى شرف الدولة سمت نفسه لهذا المراد وظنّ أنّ الغرض قد أمكن. فوضع على فخر الدولة من يعظّم فى عينيه ممالك العراق ويسهل عليه فتحها وأحجم الصاحب عن تجريد رأى ومشورة بذلك نظرا للعاقبة وتبرّيا [١] من العهدة إلى أن قال له فخر الدولة:
- «ما الذي عندك أيّها الصاحب فيما نحن فيه.» فقال: «الأمر لشاهانشاه وما يذكر [٢٤٢] من جلالة تلك الممالك مشهور لا خفاء به وسعادته غالبة، فإذا همّ بأمر خدمته فيه وبلّغته أقصى مراميه.» فعزم حينئذ على قصد العراق وسار إلى همذان ووافاه بدر بن حسنويه وأقام بها مدّة يجيل الرأى ويقلّبه ويدبّر الأمر ويرتّبه، حتى استقرّ العزم على أن يسير الصاحب وبدر بن حسنويه على طريق الجادّة، ويسير فخر الدولة
стр. 3240
وبقية العسكر على طريق الأهواز، ورحل الصاحب مرحلة.
ذكر رأى أشير به على فخر الدولة اقتضى ردّ الصاحب من الطريق
قيل لفخر الدولة:
- «من الغلط مفارقة الصاحب لك، لأنّك لا تأمن أن يستميله أولاد عضد الدولة فيميل إليهم.» فاستعاده وسارت الجماعة إلى الأهواز وكان أبو منصور ابن عليكا واليا للحرب بالأهواز، وأبو عبد الله ابن أسد ناظرا فى الخراج على ما رتّبهما شرف الدولة. فلمّا توفّى شرف الدولة عمل أبو الحسن الكوكبي المعلّم فى تغيير أمر أبى منصور ابن عليكا والقبض عليه، وندب لذلك أخا للحسين الفرّاش، وانتهى [٢٤٣] الخبر إلى أبى منصور من أصحابه بالحضرة فترك داره ورحله وأكثر كراعه، ومضى مع بعض العرب قاصدا حضرة فخر الدولة ونهب الديلم بعد انصرافه رحله، وكان شيئا كثيرا.
ذكر رأى سديد لأبى عبد الله ابن أسد استرجع به المأخوذ وحفظ فيه السياسة
جمع قوّاد الديلم وقال لهم:
- «إنّ هذا الرجل والكراع المأخوذ هو اليوم لبهاء الدولة، وإذا أخذ ونهب كان ذلك خروجا عن الطاعة. فإمّا أن تردّوا المأخوذ وإمّا أن تخلوا عنّى لأفارق موضعي وأنتم بشأنكم أبصر.» فقالوا: «إنّما فعل ذلك أصاغرنا الذين لا قدرة لنا على انتزاع ما فى أيديهم.»
стр. 3241
فراجعهم وراجعوه حتى التزموا ردّ المنهوب وتحالفوا على استخلاصه.
ففعلوا ذلك فأعادوه.
ثم عدلوا إلى المطالبة بمال البيعة فجمع أبو عبد الله صدرا من مال الارتفاع وقوّم بقية الرحل والكراع على القوم وأرضاهم به.
وشاع خبر مسير فخر الدولة فوقع بين الديلم والأتراك [٢٤٤] تنافر أدّى إلى حرب بينهما أيّاما. ثم سار الأتراك ومن مال إلى بهاء الدولة من الأهواز على سمت العراق.
ذكر ما جرى عليه أمر فخر الدولة عند حصوله بالأهواز وما اعتمده من سوء التدبير والسياسة حتى عاد بالخيبة
كان الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عبّاد سبق إلى الأهواز وملكها ولحقه فخر الدولة بعد عشرين يوما وخيّم ببستان البريدي.
وتشوّف الجند إلى ما يكون من عطائه وإحسانه. فلم يكن منه فى ذلك ما اقتضته الحال ولا بعض ما كانت عليه الآمال.
وحضر المهرجان فقاد القوّاد الخوزستانية خيلا برسم خدمته على ما جرت به العادة فى مثل هذا الفصل، فردّها عليهم وسامهم أن يمكنوا المخيّرين من اختيار ما يرتضونه لمراكبه، وأخذ من خيلهم جيادها فنفرت قلوبهم لذلك.
ثم حظر على إقطاعاتهم ومنعهم التصرف فى ارتفاعها وإن لم يظاهرهم بحلها وارتجاعها ومدّ العمّال فى أثناء الخطر أيديهم فى تناول موجودها.
فضاقوا صدورا وازدادوا نفورا.
فأمّا وجوه الديلم الذين وصلوا مع فخر الدولة، فإنّ نيّاتهم ساءت
стр. 3242
أيضا [٢٤٥] لأنّ إقطاع كل واحد منهم بالرىّ وأعمال الجبل كان من عشرين ألف درهم إلى ثلاثين ألف درهم. ورأى كل واحد من قوّاد الديلم الخوزستانية وإقطاعه ما بين مائتي ألف درهم إلى ثلاثمائة ألف درهم فكثر تحاسدهم وظهر تحاقدهم.
وكان من عجيب الاتفاق (ليقضى الله أمرا كان مفعولا) [١] أنّ دجلة الأهواز زادت فى تلك الأيام زيادة لم تجر بها العادة ودخل الماء إلى الخيم فأخذ بعضها. فرحل فخر الدولة وعسكره وعظم فى أعينهم ما رأوه لأنّهم ألفوا المدود [٢] وقال بعضهم لبعض: إنّما حملنا الصاحب إلى هذه البلاد طلبا لهلاكنا.
فاشمأزّت قلوبهم وساءت ظنونهم وتقلقل الأمر ولاح من كلّ وجه وهي أسبابه. واتصلت الأخبار إلى بغداد بحصول فخر الدولة بالأهواز.
ذكر ما دبّره بهاء الدولة فى تجهيز العسكر للقاء فخر الدولة
لمّا عرف وصول فخر الدولة إلى الأهواز انزعج انزعاجا شديدا وندب الحسين بن على الفرّاش للخروج فى هذا الوجه والقيام بتدبير الحرب، وقدّمه وعظّمه ولقّبه: الصاحب، مغايظة لابن عباد وخلع عليه [٢٤٦] خلعا توفى على قدر من هو أوفى منه، وأصحبه من المال والسلاح والآلات كل خطير كثير وجرد معه أبا جعفر الحجاج بن هرمز وألفتكين الخدام ومعهما عسكر جرّار.
وسار بعد أن خرج بهاء الدولة لتوديعه فرتّب نفسه فى طريقه ترتيب
стр. 3243
الملوك فى مجالسه ومواكبه وانخرق فى العطاء وأسرف فى التدبير.
وكان السبب فى بلوغه هذه المرتبة مع عناية بهاء الدولة تجرّد أبى الحسن الكوكبي المعلّم لتشييد أمره لا عن صفاء له، وإنّما قصد بمساعدته على ذلك إبعاده عن الحضرة والاستراحة منه. فإنّه كان شديد الاستيلاء على بهاء الدولة.
فلمّا حصل بواسط وبعد، حكيت عنه حكايات وأقوال، ووجد فى تغيّر رأى بهاء الدولة متسع ومجال.
ذكر السبب فى تغيّر رأى بهاء الدولة فى الحسين الفرّاش وما جرى عليه الأمر فى القبض عليه وردّه من الطريق إلى بغداد وقتله فى دار نحرير [٢٤٧]
قال أبو نصر المعروف بالأستاذ الفاضل: لمّا أراد الحسين الفرّاش التوجّه، قال لى بهاء الدولة:
- «أريد أن أشاهده إذا ركب فى موكبه وبرز إلى مضاربه.» فقلت: «الأمر لك.» فخرج ووقف من باب الحطّابين ينظر إلى الطريق، فاجتاز للحسين عدّة غلمان أتراك بالسيوف والمناطق وتحتهم الخيل بالمراكب الجميلة فقال لى:
- «يا با نصر هذه المراكب من الخزانة؟» قلت: «نعم، لمّا بيعت ابتاعها وطرّاها.» واجتازت بعد ذلك جنائبه بمراكب ذهب وغير ذهب، وفيها بغلة عليها مركب كان يحبّه بهاء الدولة، فأخرج فيما بيع وحصل له فقال:
- «يا با نصر هذا مركبي الفلاني؟»
стр. 3244
قلت: «نعم.» ولم يزل يسأل عن شيء شيء ويقول:
- «متى جمع هذا وحصّله!» فلمّا مضى الحسين عاد بهاء الدولة إلى مجلسه. ورأيت وجهه قد تغيّر ونشاطه قد فتر، ودخل الحجرة فنام إلى العصر ولم يطعم طعاما إلى آخر النهار، ثم راسله الحسين الفرّاش على لساني يسأله الأذن فى ضرب طبول القطاع.
فامتنع عليه من ذلك وقال:
- «هذا لا يجوز.» وعدت إليه بهذا الجواب فاشتطّ وقال:
- «بمثل هذه المعاملة يراد منى أن أدفع فخر الدولة وقد استولى على المملكة مما ذهب فيه مذهب الجهل؟» واتّفق أنّ أحمد الفرّاش كان حاضرا معى [٢٤٨] وسامعا لما يجرى. وقمنا وسبقني أحمد الفرّاش فحدّث بهاء الدولة بما جرى. ثم جئت من بعد فسألنى عمّا كان من الجواب، فقلت:
- «قد كان أحمد الفرّاش حاضرا وتقدّمنى إلى حضرتك ولعلّه قد شرحه.» فقال: «أعده.» فحسّنت ما أورده، فقال:
- «ما كان هكذا.» قلت: «إذا كان مولانا قد عرف الأمر على صحّته فما الفائدة فى تكرير إعادته؟» ثم تتابعت الأخبار بما يفعله الحسين فى طريقه من الأفعال التي تجاوز
стр. 3245
الحدّ فوجد أبو الحسن الكوكبي سبيلا إلى تقبيح آثاره، وحكى عنه الحكايات التي أدّت إلى بوازه.
فقال له بهاء الدولة فى بعض الأيّام وقد جاراه ذكره:
- «أنفذ من يقبض عليه.» فانتهز أبو الحسن الكوكبي الفرصة وبادر بإنفاذ أبى الفتح أخى أبى عبد الله بن عليان وأبى الحسن على بن أبى على لذلك.
ذكر اتّفاق عجيب انكتم به الأمر عن الحسين الفرّاش حتى قبض عليه
ذكر الثلاثة المنحدرون أنّهم لمّا وصلوا إلى مطارا والحسين بها ساء ظنّه بورودهم فأنفذ إلى زبازبهم من فتّشها وأخذ ما وجده من الكتب فيها. [٢٤٩] فلحسن الاتفاق لهم وسوء الاتفاق عليه كانوا قد استظهروا بترك الملطّفات المكتوبة بالقبض عليه فى سمارية كانت فى صحبتهم، إلّا أنّها مفردة من جملة ما يخصّهم، فلم يجدوا إلّا الكتب الظاهرة التي كانت إليه فأنس وسكن.
ثم اجتمعوا مع أبى جعفر وألفتكين فأوصلوا إليهما الملطفات ووقفوهما على ما رسم فيها. وصاروا إلى الحسين واجتمعوا فى خركاه له وحادثوه ساعة ونهضوا من عنده وأطبقوا عليه بابها ووكّلوا به وبخزانته، ثم حملوه مقيّدا إلى البصرة وسلّموه إلى بكران بن أبى الفوارس وأبى على ابن [أبى] الريان فحمل منها إلى بغداد. وقد أوغر عليه صدر بهاء الدولة، فحبس فى دار نحرير وأمر بإخراج لسانه من قفاه، فمات ورمى من بعد إلى دجلة.
فكان بين استخدامه فى الكنس والفرش وبين الخلع عليه مدة يسيرة وبين الخلع عليه وبين قتله مدة أيسر من الأولى.
стр. 3246
وإنّ من صعد من الحضيض الأوهد إلى محلّ الفرقد، ولم يكن ليديه بأسباب الخير تعلّق، ولا لقدميه فى أبواب البر تطرّق، يوشك أن يهوى سريعا ويخرّ صريعا فتنبتّ حباله [١] وتنقطع أوصاله فتحوّل حاله إلى الفساد. وتحور ناره الى الرماد. فالنار فى الحلفاء أعجل وقودا [٢٥٠] وصعودا ولكنها أسرع خمودا وهمودا، وهي فى جزل الغضا أبطأ عملا، لكنها أبقى جمرا وأفسح مهلا. والمعوّل فى كل حال على العاقبة فعندها تبين الناجية من العاطبة.
وعوّل بهاء الدولة بعد أخذ الحسين الفرّاش على أبى العلاء عبيد الله بن الفضل فى هذا الوجه وأنجح فيه ما يأتى شرحه بأذن الله تعالى.
ذكر ما رتّبه فخر الدولة فى تجهيز الجيش إلى الأهواز
لمّا عرف فخر الدولة دنوّ عسكر بهاء الدولة من أعمال خوزستان جرّد العساكر للقائهم فسار ابن الحسن خاله وشهفيروز بن الحسن وغيرهما فى ثلاثة آلاف من الديلم وبدر بن حسنويه فى أربعة آلاف من الأكراد ودبيس بن عفيف الأسدى وكان قد انحاز إليه فى عدة كثيرة من العرب. فلمّا تلاقى العسكران أجلت الحرب عن هزيمة أصحاب فخر الدولة.
ذكر اتفاقات كانت سببا لهزيمة عسكر فخر الدولة [٢٥١]
لم يكن فى التقدير وظنّ النفس ورأى العين أن يثبت لهم عسكر بهاء الدولة لولا النصر فإنّه من عند الله.
стр. 3247
فاتفق أنّ المعركة كانت بقرب أنهار وجاءت زيادة مدّ أخذ الصحارى وظنّ عسكر فخر الدولة أنّها مكيدة عملت بفتح بثق عليهم يغرقون فيه، ولم يكن لهم علم بحال المدود ولا هي عندهم من المألوف والمعهود. فولّوا أدبارهم ونكصوا على أعقابهم [١] إلى الأهواز واستأسر أناس من أكابرهم واستأمن كثير من أصاغرهم.
وقيل: إنّ بدر ابن حسنويه وقف بنجوة من الأرض واعتزل الحرب وإنّ دبيس بن عفيف انصرف قبل اللقاء. وربّما كان سبب هذا الفعل من الصاحب ما اعتمده فخر الدولة معه من الارتياب به وردّه حين سار من همذان على جادّة العراق خوفا من ميله إلى أولاد عضد الدولة ومثل ذلك ما أثّر فى القلوب وأقام البريء مقام المريب، ثم ما استمر من مخالفته إيّاه فى آرائه.
فلمّا عاد الفلّ إلى الأهواز قلق فخر الدولة وتقلقل رأيه وتململ.
ذكر رأى سديد رآه الصاحب لم يساعده عليه فخر الدولة [٢٥٢]
قاله له: أمثال هذه الأمور تحتاج إلى توسع فى العطاء وضايقت الناس مضايقة وأضعفت فينا آمالهم وقطعت منا حبالهم. فإن استدركت الأمر بإطلاق المال واستمالة الرجال ضمنت لك ردّ أضعاف ما تطلقه بعد سنة من ارتفاع هذه البلاد.
فلم يكن منه اهتزاز لهذا القول وكان قصارى ما فعل تلافى القوّاد الأهوازية بإزالة الحظر عن إقطاعاتهم فلم يقع هذا الفعل موقعا منهم مع ذهاب ارتفاعها فى تلك السنة.
стр. 3248
ولم تسمح نفس فخر الدولة بعطاء، للشحّ [١] الغالب عليه. وأخذ الناس فى التسلل لاحقين بأصحاب بهاء الدولة حتى كان النقباء يطوفون فى صبيحة كل يوم على الخيم فيجدون كثيرا منها قد خلا من أصحابها. واتسع الخرق على الراقع وأعضل الداء على الطبيب:
كما أنّ الأديم إذا تفرّى ... بلى وتعفّنا غلب الصّباحا [٢]
فضاق فخر الدولة ذرعا بالمقام مع انتشار الحبل فى يديه وتفرّق الناس عنه وانصرف عائدا إلى الرىّ وقبض فى طريقه على جماعة من القوّاد الرازيّة وقتلهم. ووافى أبو العلاء عبيد الله بن الفضل فدخل الأهواز وملك الأعمال.
وأما أبو عبد الله بن أسد فإنّ الديلم قبضوا عليه قبل وصول [٢٥٣] الصاحب إلى الأهواز وتوفّى فى الاعتقال من علّة عرضت له. ومرض الصاحب بالأهواز مرضا أشفى منه ثم أقيل فتصدّق بجميع ما كان فى داره من المال والثياب والأثاث، ثم استأنف عوض كل شيء من بعد.
ذكر ما حفظ على الصاحب فى مقامه بالأهواز
قيل: إنّ قوما تظلّموا إليه من حيف لحقهم فوقّع على ظهر قصّتهم:
يظلمون شهرا وينصفون دهرا. وهذا توقيع طريف. فهل يجوز الغفول عن الظلم ساعة فكيف شهرا وما يدريه لعل الله يحدث قبل الشهر أمرا.
وقيل: إنّه رسم لكتّاب البلد عمل حساب بارتفاع كل كورة، فعملوه
стр. 3249
وحملوه إليه. فأمر بجمع العمّال والمتصرفين وأن يخرج ارتفاع كل ناحية ويعرض عليهم ويزايد بينهم. فكان ينادى على النواحي بين العمّال كما ينادى على الأمتعة بين التجّار. وهذا الحديث مستطرف فى حكم النظر.
وقيل: إنّه غير مستنكر عند كتّاب الرىّ وتلك البلاد، لأنّ معاملاتهم جارية على عقود وقوانين. فأمّا العراق وما والاها فلم نسمع بمثل ذلك فيها [٢٥٤] إلّا ما كان من قديم الناس من المزايدة بين التجّار فى غلّات السلطان.
ذكر خبر مستحسن فى ذلك
قيل: إنّ أحد الوزراء- وأظنّه على بن عيسى والله أعلم- جمع التجّار إلى مجلس نظره فى بعض السنين ليبيع الغلّات عليهم فتقاعدوا بالأسعار على اتّفاق بينهم فبرز أحدهم فزاد زيادة توقّف عنها الباقون ظنّا منهم أنّه لن يقنع بذمّة رجل واحد دون الجماعة. لأنّه مال عظيم فأمضى الوزير البيع له.
فلمّا خافوا فوت الأمر زادوه عشرة آلاف دينار فقال الوزير:
- «قد نفذ السهم وسبق القول والغلّات للرجل والثمن لنا وله الإختيار فى قبول الزيادة منكم أو ردّها عليكم فهي له خالصة دوننا.» فسألوا الرجل قبول الزيادة أو المشاركة فقبل الزيادة وولّاهم البيع وبرئت ذمّته من الثمن وعاد إلى منزله بعشرة آلاف دينار.
فما أحسن هذا الفعل الكريم والمذهب المستقيم وكم فى أثناء الوفاء بالعقود والثبات على الشروط والصدق فى الوعود، من مصلحة خالصة وسياسة شاملة! وإن لاح فى أولاها بعض الغرم ففي عواقبها كل النعم وإذا لم يوثق بأقوال الصدور فعلام [٢٥٥] تبنى قواعد الأمور؟ والسياسة بنيان والصدق قاعدة، والبنيان يشدّ بعضه ببعضه. فإذا اضطربت القاعدة آل البنيان
стр. 3250
إلى النقض. ونعود إلى سياقة التاريخ.
وفى هذه السنة أفرج عن أبى القاسم عبد العزيز بن يوسف وعاد إلى بغداد ناجيا من الهلاك بعد أن كان أشرف عليه.
ذكر أناءة اعتمدها العلاء بن الحسن فى بابه أدّت إلى خلاصه
كان قد حصل فى القلعة معتقلا على ما تقدّم ذكره والعلاء بن الحسن يراعيه مراعاة مستورة.
فورد عليه فى آخر أيام شرف الدولة [من] يأمره بقتله فانزعج لهذه الحال، لما كان بينهما من حرمة الاتصال وثبت فى إمضاء ما ورد. وتجدد من وفاة شرف الدولة ما تجدّد، فأنفذ فى تلك الفترة من أخرجه من الحبس وأشار عليه بقصد العراق فسار إلى البصرة واستأذن فى الإصعاد فأذن له.
ذكر القبض على ابن عمر العلوي وعلى كاتبه
وفيها قبض على أبى الحسن محمد بن عمر العلوي وعلى كاتبه أبى الحسن على بن الحسن.
ذكر ما جرى عليه الأمر فى ذلك [٢٥٦]
كانت حال أبى الحسن محمد بن عمر قد تضاعفت فى أيام شرف الدولة، وقد تضاعف ارتفاع أملاكه حتى إنّ أبا الحسن على بن طاهر لمّا خرج إلى نواحي سقى الفرات لتأمل أحوالها فى أيام شرف الدولة، عمل فى عرض ما راعاه عملا بارتفاع ضياعه اشتمل على عشرين ألف ألف درهم. وعرف
стр. 3251
الشريف أبو الحسن ذلك فضاق صدره وساء ظنّه.
ذكر رأى سديد رآه ابن عمر فى تلك الحال استمال به قلب شرف الدولة
استدعى على بن الحسين الفرّاش الملقّب بالخطير. فلمّا أحضر عنده قال له:
- «احمل عنّى رسالة إلى الملك وقل له: يا مولانا ما لأحد علىّ نعمة كنعمتك ولا منّة كمنتك. أطلقتنى من حبسي ومننت علىّ بنفسي ورددت أموالى وضياعي إلىّ وزدت فى الإحسان الىّ. وبلغني أنّ ابن طاهر عمل بضياعى عملا بعشرين ألف [ألف] درهم وهذه الضياع هي لك ومنك. وقد أحببت أن أجعل نصفها للأمير أبى على هدى ونحلة طيّبة عن طيب نفس وانشراح صدر.» فأعاد [١] على بن الحسين الفرّاش الرسالة على شرف الدولة.
ذكر جواب لشرف الدولة عن [٢٥٧] رسالة أبى عمر تدلّ على شرف نفس وعلوّ همّة
قال شرف الدولة فى الجواب:
- «قل له: قد سمعت رسالتك وكلّ جميل اعتددت به فاعتقادى يوجب لك أوفى منه. والله لو أنّ ارتفاعك أضعاف ما ذكرته لكان قليلا لك عندي.
وقد وفّر الله عليك مالك وأملاكك وأغنى أبا على عن مداخلتك فى ضياعك، فكن فى السكون والطمأنينة على جملتك. فانظر إلى هذه الهمّة ما أشرفها
стр. 3252
وأعلاها، وأنصت إلى هذه الأحدوثة ما أطيبها وأحلاها. وتلك مواهب من الله يخصّ بها من يشاء من عباده والمرء يصيب بحسن التوفيق لا بحوله واجتهاده.» فلمّا توفّى شرف الدولة وانتقل الملك إلى بهاء الدولة استولى أبو الحسن المعلّم على الأمور وامتدّت عينه إلى حاله، وأشار على بهاء الدولة بأخذ نعمته وقبض أملاكه، فقبض عليه وعلى وكلائه وكتّابه وبقي فى الاعتقال الذي يرد ذكره فيما بعد.
وفى هذه السنة خرج أمر بهاء الدولة بإسقاط ما يؤخذ من المراعى من سائر السواد.
وفيها عاد أبو نصر خواشاذه من الموصل بعد إصعاد ابني حمدان إليها.
ذكر خروج ابني حمدان من [٢٥٨] بغداد وذكر ما جرى عليه أمرهما فى حرب أبى نصر خواشاذه
لمّا توفّى شرف الدولة شرع أبو طاهر ابراهيم وأبو عبد الله الحسين ابنا حمدان فى الخروج إلى الموصل واستأذنا فى ذلك فوجدا رخصة انتهزا بها الفرصة. فأصعدا بأهلهما أجمعين وعلم من بالحضرة وقوع الغلط فى إصعادهما فكوتب أبو نصر خواشاذه بدفعهما وردّهما.
فلمّا وصلا إلى الحديثة راسلهما أبو نصر بالرجوع من حيث جاءا. فهما إن خالفاه ودخلا البلد قبض عليهما فأجاباه جوابا جميلا ببذل الطاعة وقبول ما يؤمران به. وعاد الرسول وسار [ا] على أثره حتى نزلا بالدير الأعلى.
وثار أهل الموصل على الديلم والأتراك فنهبوا أرحالهم وأخذوا أموالهم وخرجوا إلى ابني حمدان وأظهروا المباينة والعصيان.
فأنفذ أبو نصر من كان معه من العسكر لقتالهم فقامت الحرب بينهم إلى
стр. 3253
العصر ثم انهزم أصحاب السلطان وهلك منهم عدد كثير قتلا وغرقا ولحق الباقون بأبى نصر فاعتصموا بدار الإمارة التي هو نازل فيها وتبعهم ابنا حمدان والعامة، فغلقت الأبواب دونهم واستوعب القتال بقية النهار. ثم حجز الليل بينهم وعاد ابنا حمدان إلى مخيّمهما.
ذكر رأى سديد رآه ابنا حمدان [٢٥٩] فأحسنا فيه الظنّ علما للعاقبة
لمّا جرى ما جرى [و] علما أنّ العامة لا تقنع إلّا بقتل الديلم وأنّ السلطان لا يغمض على مثل هذه الجناية خافا عواقب الأمر وراسلا أبا نصر فى ليلتهما وقالا له:
- «نحن خدم السلطان وقد جرت الأقدار بغير الاختيار ولا قدرة لنا الآن على ضبط العامة لما فى نفوسهم من الديلم وهم فى غد يحرقون الدار ويسفكون الدماء فإمّا أن تصير إلينا وإمّا أن تعلم أنّك مهلك نفسك.» فعرف أبو نصر خواشاذه أنّهما قد نصحاه وخرج إليهما ليلا فأكرماه ثم عدلا إلى تدبير أمر العامة فأحضرا شيوخهم ووجوههم وقالا لهم:
- «إنّ كنتم تؤثرون مقامنا بين ظهرانيّكم فولّونا أموركم ولا تشفوا بقتل أصحاب السلطان صدوركم، فإنّه شفاء يعقب داء عضالا، ولا تجدون من السلطان فى ذلك إغضاء وإجمالا. والذي نراه أن تكفّوا أحداثكم عن القتل وانصراف هؤلاء القوم عنكم صرفا جميلا ويتلطف السلطان أقدامنا عندكم.» فأجابوه بالسمع والطاعة وبذل المكنة والاستطاعة وبكر العوام إلى الدار فلم يزل ابنا حمدان والمشيخة بهم رفقا ولطفا حتى استقر الأمر بعد هناة على أن يهبوا الدم وينهبوا الأموال وأن يصعد الجند إلى [٢٦٠] السطوح ويقف على الدرج من الشيوخ من يمنع العامة من الصعود.
стр. 3254
ودخلوا الدار وخرجوا بنهب الموجود. ثم غلقت الأبواب وصار جند السلطان محبوسين أيّاما إلى أن انحدروا بأسوأ حال فى الزواريق إلى بغداد وأفرج عن أبى نصر وأحسن إليه وعاد إلى الحضرة.
وتشاغل ابنا حمدان بالنظر فى أمورهما وانثال عليهما من بنى عقيل العدد ولم يكن لهما من الجند إلّا العامة والثلاثون ألف من الحمدانية.
ثم دخلت سنة ثمانين وثلاثمائة
فيها كانت الوقعة بين باد وبين أبى طاهر [١] وأبى عبد الله ابني ناصر الدولة بن حمدان وبين بنى عقيل بظاهر الموصل.
ذكر ما جرى عليه الحال فى هذه الوقعة من قتل باد وهزيمة أصحابه
لمّا حصل أبو طاهر وأبو عبد الله ابنا ناصر الدولة بظاهر الموصل استضعفهما باد وطمع فى قصدهما وأخذ البلد منهما. وعلم أن لا جند لهما سوى العامّة فكاتب أهل الموصل واستمالهم. فأجابه بعضهم وسار فى ستة آلاف رجل من أصناف الأكراد ونزل فى الجانب الشرقي.
فخافه [١٦١] ابنا حمدان وعلما أن لا طاقة لهما به فلجأ إلى بنى عقيل وراسلا أبا الدواد محمد بن المسيب وسألاه النصرة وبذلا له النزول على حكمه فالتمس منهما الجزيرة ونصيبين وبلد وعدّة مواضع فأجاباه إلى ملتمسه.
فلمّا استقرت بينهم هذه القاعدة سار إليه أبو عبد الله ابن حمدان ووافى به
стр. 3255
فى ألفى فارس إلى بلد وهي فى أعلى الموصل فى الجانب الغربي [١] وعبرا دجلة وحصلا مع باد على أرض واحدة وباد عنهما غافل وبحرب أبى طاهر وأهل الموصل متشاغل.
فجاءته طليعة من طلائعه تخبر بعبورهما فخاف أن يعبر إليه من بازائه ويكبسه أبو عبد الله وبنو عقيل من ورائه. فتقدّم إلى أصحابه بالانتقال واللوذ بأكناف الجبال، واضطربوا واخلطوا ما بين سابق مستعجل ولاحق مرتحل وثابت فى المعركة مستقبل.
ذكر اتفاق عجيب آل إلى هلاك باد بعد انقضاء مدّته
بينما الحال على ما ذكر من اختلاط أصحاب باد إذ قتل عبد الله حاجبه المعروف بعروس الخيل، ففجع به وانزعج لفقده وأراد الانتقال من فرس [٢٦٢] إلى فرس، فحوّل رجله من ركاب إلى ركاب ووثب فسقط إلى الأرض بثقل بدنه، فاندقّت ترقوته والحرب قائمة بين الفريقين حتى عرف أبو [٢] على الحسن بن مروان ابن أخته خبره. فصاروا إليه فقالوا له:
- «احمل نفسك كي تلحق الخيل.» فقال لهم:
- «لا حراك بى فخذوا لنفوسكم.» فانصرفوا فى خمسمائة فارس طالبين الجبل عرضا حتى خلصوا إليه من السهل. وجدّل بنو عقيل منهم فرسانا وسلم بنو مروان وأكثر من معهم وساروا فى لحف الجبل إلى ديار بكر.
وحصل باد فى جملة القتلى وبه رمق فعرفه أحد بنى عقيل، فأخذ رأسه
стр. 3256
فحمله إلى ابني حمدان وأخذ عليه منهما جائزة سنيّة ودل على جثّته فحمل إلى الموصل وقطعت يده ورجله وحملت إلى بغداد وصلب شلوه على باب دار الإمارة بالموصل.
فثار العامّة وقالوا:
- «هذا رجل غاز فلا تحلّ المثلة به.» فحطّ وكفّن وصلّى عليه ودفن. وظهر من محبة العامّة له بعد هلاكه ما كان طريفا. بل لا يستطرف من الغوغاء تناقض الأهواء ولا يستنكر للرعاع اختلاف الطباع، وهم أجرأ الخلق إذا طمعوا وأخبثهم إذا قمعوا.
ومضى أبو على ابن مروان من فوره إلى قلعة كيفا، وهي قلعة على دجلة حصينة جدّا وبها زوجة باد الديلمية. [٢٦٣]
ذكر حيلة لابن مروان ملك بها القلعة
لمّا وصل إلى باب القلعة قال لزوجة باد:
- «قد أنفذنى خالي إليك فى مهمّات.» فظنّته حقا. فلمّا صعد وحصل عندها أعلمها بهلاكه، ثم تزوّج بها ورتّب أصحابه فيها ونزل فقصد حصنا حصنا حتى رتّب أمر جميع الحصون، وأقام ثقاته فيها وصار إلى ميافارقين. [١] ونهض أبو طاهر وأبو عبد الله ابنا حمدان إلى ديار بكر طمعا فى فتح القلاع وحملا معهما رأس باد، فوجدا الأمر ممتنعا وقد أحكم ابن مروان بناه وحمى حماه. فعدلا إلى قتاله ووقعت بينهما وقعة كان الظفر فيها لابن مروان، وحصل أبو عبد الله ابن حمدان أسيرا فى يده.
стр. 3257
ذكر جميل لابن مروان إلى أبى عبد الله عند أسره لم يشكر عليه فساءت عاقبة أمره
لمّا أسر ابن مروان أبا عبد الله أحسن إليه وأكرمه وأفرج عنه. فصار إلى أخيه أبى طاهر وقد نزل على آمد. فأشار عليه بمصالحة ابن مروان [٢٦٤] وموادعته والانكفاء عن ديار بكر فأبى أبو طاهر إلّا معاودة حربه مع جمع كثير من بنى عقيل ونمير، واضطرّ أبو عبد الله إلى مساعدته كما ينصر الأخ أخاه ظالما ومظلوما.
وسارا إلى ابن مروان فواقعاه وكان النصر له قهرهما وأسر أبو عبد الله أسرا ثانيا، فأساء إليه وضيّق عليه واعتقله زمانا طويلا إلى أن كاتبه صاحب مصر فى بابه فأطلقه بشفاعته وخطابه ومضى إلى مصر وتقلّد منها ولاية حلب [١] وأقام بتلك الديار حتى توفّى وله بها عقب.
وأمّا أبو طاهر فإنّه انهزم ودخل نصيبين وقصده أبو الدؤاد محمد بن المسيّب، فأسره وعليّا ابنه والرغفير أمير بنى نمير فقتلهم صبرا.
وملك محمد بن المسيّب الموصل وأعمالها وكاتب السلطان وسأل إنفاذ من يقيم عنده من الحضرة. فأخرج المظفّر أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن حمدويه وذلك عند غيبة بهاء الدولة عن بغداد ومقام أبى نصر خواشاذه بها فى النيابة عنه.
فلم تدخل يد المظفّر إلّا فى أبواب المال وفيما كان له ولأبى نصر خواشاذه من الأموال والإقطاع فى النواحي، فاستولى بنو عقيل على سوى ذلك.
стр. 3258
القبض على صاحب المعونة ببغداد وقتله
وفى هذه السنة قبض على أبى الفرج محمد بن أحمد بن الزطّى صاحب المعونة ببغداد. [٢٦٥]
ذكر ما جرى عليه أمره فى القبض عليه إلى أن قتل
كان هذا الرجل قد تجاوز حد الناظرين فى المعونة وأسرف فى الإساءة إلى الناس حتى وترهم، وبالغ فى أيام صمصام الدولة بعد فتنة أسفار فى منع أسباب أبى القاسم عبد العزيز بن يوسف وتطلّب حرمه واستيصال أمواله ونعمه، وأغرق فى الفعل القبيح معهم ومع غيرهم.
وكثرت الطوائل لديه واجتمعت الكلمة عليه وأطمع بهاء الدولة وأبو الحسن الكوكبي المعلّم فى ماله وكثر عندهما مبلغ حاله فقبض عليه واعتقل فى الخزانة وكرّر الضرب عليه أيّاما.
ووقع الشروع فى تقرير أمره فاجتمع أبو القاسم عبد العزيز وأبو محمد ابن مكرم على نصب الحبائل لهلاكه، ووضعا أبا القاسم الشيرازي على أن يضمّنه بمال كثير.
ذكر مكيدة تمّت لعبد العزيز بن يوسف فى أمر الزطّى حتى هلك [٢٦٦]
قال أبو نصر الحسين بن الحسن المعروف بالأستاذ الفاضل: إنّ أبا القاسم عبد العزيز هو الذي سعى واجتهد فى أمر ابن الزطي وذكره عند المعلّم بكل
стр. 3259
ما خوّفه منه وقال:
- «نحن بصدد حرب والمسير للقاء عدو، والحوادث لا تؤمن ومتى استبقيت هذا الرجل لم نأمنه جميعا على من نخلّفه وراءنا من حرمنا وأولادنا وفى الراحة منه قربة إلى الله تعالى وأمن فى العاقبة.» قال المعلّم:
- «إنّ الملك قد أطمع فى مال كثير من جهته.» فقال عبد العزيز:
- «لعمري إنّه ذو مال ولكنّه لا يذعن به طوعا ولا يعطيه عفوا. وهذا أبو القاسم الشيرازي يبذل فيه ألف ألف وخمسمائة ألف درهم ويقول: إنّ المال لا يصحّ وهو حىّ تخافه أصحاب الودائع.» وحضر الشيرازي وبذل مثل ذلك بلسانه.
قال الأستاذ الفاضل: فقلت له:
- «هل أنت على ثقة مما بذلته؟» فقال لى سرّا:
- «علىّ الاجتهاد، فإن بلغت المراد وإلّا حملت إلى زوجة هذا- وأشار إلى المعلّم- عشرة آلاف درهم وقد خلّصتنى من يده.» وضحك وضحكت.
ولم يزل عبد العزيز بالمعلم حتى تقرّر الأمر على قتله. واستؤذن بهاء الدولة وتحقق عنده المال المبذول عنه. فأذن فى ذلك وعبر بالرجل إلى الجانب الغربي وحمل رأسه إلى المعلّم، فأنفذه إلى محمد بن مكرم فوضعه فى غد فى دهليزه ليشاهده الناس.
وهذه حكاية عجيبة [٢٦٧] وليس العجب من قتل ابن الزطي. فإنّه كان من الأشرار وما آل إليه الأشرار من البوار، وإنّما العجب من استيلاء المعلّم
стр. 3260
على بهاء الدولة واستيلاء المرأة على المعلّم حتى يلعبا بالرجال ويتحكّما بالدماء والأموال. وإنّ أمثال هذه الأحوال لتكسو الدول من العار برودا وتنظم لها من المساوى عقودا. فإذا أحبّ الله صلاح دولة طهّرها من مثل هذه الأدناس وقيّض لتدبيرها أخيار الناس، فتكون ما بقيت منصورة مؤيّدة، ثم تبقى محاسنها فى الصحف محفوظة مؤبّدة.
وعوّل بعد قتل ابن الزطّى على أبى محمد الحسن بن مكرم الحاجب وخلع عليه، فأبان فيها أثرا جميلا وأخذ العيّارين والدّعّار أخذا شديدا بعد أن كان قد استشرى أهل الفساد.
فقامت الهيبة واستقامت الأمور على السداد، وأمن البلد وهرب كل ذى ريبة. ثم استعفى منها وخرج فى الصحبة إلى واسط.
ذكر السبب فى ذلك
كان رأى أبى الحسن المعلّم فاسدا فى الوزير أبى منصور، وإنّما أقرّه على الوزارة تأنيسا لأبى القاسم العلاء بن الحسن وتقريرا لحيلة تتمّ عليه.
فلمّا فعل بفارس ما فعله ووقع اليأس من خداعه بعد كشف قناعه، قدّم على [١] القبض [٢٦٨] على الوزير أبى منصور ما كان أخّر، وعوّل على أبى نصر [٢] سابور بن أردشير فى النظر وخلعت عليه خلع الوزارة ونقل الوزير أبو منصور إلى الخزانة ونزل أبو نصر سابور داره.
وعلى ذا مضى الناس! منصور ومخذول ومولّى ومعزول ومختار ومردود ومشتهى ومملول، وأعمال السلطان عوارى لا بدّ من استرجاعها، وملابس لا بد من انتزاعها. والسعيد من حسنت من تلك العواري حاله، وكرمت فى