المزروعة المبقلة بالنبات، وعليه ما كانوا يعدّونه في الشتاء، إذا ذهبت الرياحين، وكانوا إذا أرادوا الشرب شربوا عليه، وكأنّهم في رياض، لأنّ الأرض- أرض البساط- مذهّب، ووشيه فصوص، وعليه قضبان الذهب، عليها أنوار من الذهب والفضة، وأوراق كذلك من حرير قد أجرى فيه ماء الذهب، وكانت العرب تسميه القطف [١] .
فلما قدم به على عمر جمع الناس، وخطبهم، واستشارهم في البساط، وأخبرهم خبره. فاختلف عليه الناس، فمن مشير بقبضه وآخر مفوّض إليه، وآخر مرقّق.
فقام علىّ ﵇ فقال:- «لم تجعل [٣٩٥] علمك جهلا، ويقينك شكّا؟ إنّك إن تقبله على هذا، اليوم، لم تعدم في غد من يستحلّ به ما ليس له.» فقال: «صدقتني ونصحتني.» فقطعه وقسمه. وأصاب عليّا قطعة منه باعها بعشرين ألفا، وما هي بأجود تلك القطع [٢] .
стр. 352
زىّ كسرى على محلّم
ولما عرض على عمر- رضى الله عنه- حلىّ كسرى وزيّه في المباهاة- وكانت له عدّة أزياء لكلّ حالة زىّ- قال:
- «علىّ بمحلّم.» وكان أجسم عربىّ يومئذ بالمدينة، فألبس تاج كسرى على عمودين من خشب وصبّ عليه أوشحته وقلائده وثيابه، وأجلس للناس. فنظر إليه عمر والناس، فرأوا أمرا عظيما من أمر الدنيا وفتنتها. ثم أقيم عن ذلك، وألبس زيّه الآخر، فنظروا إليه، ثم كذلك في غير نوع حتى أتى عليها كلّها، ثم ألبسه سلاحه، وقلّده سيفه، فنظروا إليه في ذلك.
فقال عمر:
- «إنّ أقواما أدّوا هذا لذوو أمانة.» قال: «أحمق بامرئ من المسلمين غرّته الدنيا، هل يبلغنّ مغرور منها إلّا دون هذا؟ وما خير امرئ مسلم سبقه كسرى فيما يضرّه ولا ينفعه. إنّ [٣٩٦] كسرى لم يزد على أن تشاغل بما أوتى عن آخرته، فجمع لزوج امرأته، أو زوج ابنته، أو امرأة ابنه، ولم يقدّم لنفسه، فقدّم امرؤ لنفسه، ووضع الفضول مواضعها تحصل له، وإلّا حصلت للثلاثة بعده، وأحمق من جمع لهم أو لعدوّ جارف.»
وقعة جلولاء
ثمّ إنّ سعدا أتاه الخبر بأنّ مهران قد عسكر بجلولاء [١] وخندق عليه، وأنّ أهل
стр. 353
الموصل قد عسكروا بتكريت. وكتب إلى عمر بذلك. فكتب إليه عمر:
- «قدّم هاشما إلى جلولاء في اثنى عشر ألفا من وجوه المهاجرين والأنصار وأعلام العرب ممن ارتدّ، ومن لم يرتدّ، واجعل على مقدمته القعقاع بن عمرو.» وكان الفرس لما انتهوا بعد الحرب من المدائن إلى جلولاء، رأوا الطريق يفترق بأهل آذربيجان والباب وبأهل الجبال وفارس. فتذامروا، وقال بعضهم لبعض:
- «يا معشر الفرس، إن افترقتم لم تجتمعوا أبدا، هذا مكان يفرّق بيننا، فهلمّوا، فلنجتمع للعرب به، ولنقاتلهم بجميع عزائمنا. فإن كانت لنا فهو الذي نريد، وإن كانت الأخرى، [٣٩٧] كنّا قد أبلينا العذر.» فاحتفروا الخندق، واجتمعوا فيه، على مهران، ونفذ يزدجرد إلى حلوان، ورماهم بالرجال، وخلّف فيهم الأموال. فأقاموا في خندقهم وقد أحاطوا به الحسك من الخشب إلّا طرقهم.
فلمّا قدم هاشم أحاط بهم، وطاولهم أهل فارس، وكانوا لا يخرجون إلّا إذا أرادوا. وزاحفهم المسلمون بجلولاء ثمانين زحفا كلّ ينصر المسلمون، ويغلب المشركون، حتى غلبوهم على حسك الخشب، فاتخذوا حسك الحديد، وتركوا للمجال وجها. فخرجوا على المسلمين منه، واقتتلوا قتالا شديدا لم يقتتلوا مثله ولا ليلة الهرير، إلّا أنّه كان أكمش وأعجل، ولم ير المسلمون ولا المشركون مثله في موطن قطّ حتى أنفذوا النبل، وقصفوا الرماح، وصاروا إلى السيوف والطبرزينات، فكانوا بذلك إلى بين الصلاتين، وصلّى الناس إيماء.
ثمّ خنست كتيبة للمشركين وجاءت أخرى، فوقفت مكانها، ثمّ كذلك، فكسر المسلمين ما رأوا.
فقال القعقاع بن عمرو:
стр. 354
- «أيها الناس، أهالتكم [٣٩٨] هذه؟» فقالوا: «وكيف لا يهولنا ونحن مكلّون وهم مريحون.» فقال القعقاع: «اصبروا إلى الساعة، فإنّى حامل عليهم، فاحتملوا معى ولا يكذّبنّ [١] أحد حتى يحكم الله بيننا.» ثمّ حمل، وحمل معه الناس، وانتهى بالقعقاع وجهه الذي زاحف فيه إلى باب خندقهم، فأخذه. وأمر مناديا فنادى:
- «يا معشر المسلمين، هذا أميركم قد دخل الخندق وأخذ به، فأقبلوا إليه، ولا يمنعكم من بينكم وبينه من دخوله.» وإنّما أمر بذلك ليقوّى المسلمين به، ولئلّا يتحاجزوا. فحمل المسلمون ولا يشكّون إلّا أنّ هاشما في الخندق. فلم يقم لحملتهم شيء، حتى انتهوا إلى باب الخندق فإذا هم بالقعقاع قد أخذ به، والمشركون يمنة ويسرة على المجال الذي بحيال خندقهم. فهلكوا فيما أعدّوا للمسلمين من الحسك، وعقرت دوابّهم وعادوا رجّالة، ويتّبعهم المسلمون. فلم يفلت إلّا من لا يعدّ، وقتل منهم يومئذ مائة ألف أو يزيدون، فجلّلت القتلى المجال وما بين يديه وما خلفه، فسمّيت: «جلولاء الوقيعة» . [٣٩٩] واقتسم الناس في جلولاء مثل ما اقتسموا في المدائن. ويقال: إنّهم اقتسموا على ثلاثين ألف ألف، [٠٠٠، ٠٠٠، ٣٠] وكان الخمس منه ستة ألف ألف [٠٠٠، ٠٠٠، ٦] . واقتسم السبايا، فاتخذن، وولدن في المسلمين.
استيذان عمر في الإنسياح
ولما بلغت الهزيمة يزدجرد، سار من حلوان نحو الجبل، وقدم القعقاع حلوان.
стр. 355
وكوتب عمر بفتح جلولاء ونزول القعقاع حلوان، واستأذنوه في اتّباعهم، فقال:
- «وددت أن بين السواد وبين الجبل سدّا من نار لا يخلصون إلينا ولا نخلص إليهم. حسبنا من الريف السواد. إنى قد آثرت سلامة المسلمين على الأنفال.» وبعث بالأخماس مع جماعة فيهم زياد بن أبى سفيان، وكان هو الذي يكتب للناس ويدوّنهم.
فلمّا قدموا على عمر، كلّم زياد عمر فيما جاء له من الاستيذان في التقدّم، ووصف له الحال.
فقال عمر: «هل تستطيع أن تقوم في الناس بمثل الذي كلّمتنى به؟» فقال: «والله، ما على الأرض شخص أهيب في صدري منك، فكيف لا أقوى [٤٠٠] على هذا من غيرك!» فقام في الناس بما أصابوا، وبما صنعوا، وبجميع ما يستأذنون فيه من الإنسياح في البلاد.
فقال عمر: «هذا الخطيب المصقع.» وقال: «إنّ جندنا بالفعال أطلقوا ألسنتنا بالمقال.» [١] ثمّ إنّ عمر لما نظر إلى الأخماس المحمولة من جلولاء قال:
- «والله، لا يحمّنّه سقف بيت حتّى أقسمه.» فبات عبد الرحمان بن عوف، وعبد الله بن الأرقم يحرسانه في سقف المسجد.
فلمّا أصبح جاء في الناس، فكشف عنه الأنطاع. فلمّا نظر إلى ياقوته، وزبرجده، وجوهره، بكى.
فقال له عبد الرحمان:
- «ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فو الله، إنّ هذا لموطن شكر وسرور.»
стр. 356
فقال عمر: «ماذا يبكيني؟ والله، ما أعطى الله هذا قوما إلّا تحاسدوا، وتباغضوا. ولا تحاسدوا إلّا وقع بأسهم بينهم.» ولما فرض عمر العطاء، قال قائل:
- «يا أمير المؤمنين، لو تركت في بيوت الأموال عدّة لكون إن كان.» فقال: «كلمة ألقاها الشيطان على فيك، وقاني الله [٤٠١] شرّها، وهي فتنة لمن بعدي. بل أعدّ لهم ما أعدّ الله ورسوله. طاعة الله ورسوله، فهما عدّتنا التي بها أفضينا إلى ما ترون.»
ما عامل به عمر خالد بن الوليد
وفي سنة سبع عشرة، أدرب [١] خالد بن الوليد وعياض، وكان خالد على قنّسرين من تحت يد أبى عبيدة، فأصابوا أموالا عظيمة. فانتجع خالدا رجال.
وكان الأشعث بن قيس فيمن انتجع خالدا بقنّسرين، فأجازه بعشرة آلاف، وكان عمر لا يخفى عليه شيء في عمله، فكتب إليه بخروج من خرج من تلك الغزاة من الشام، وبجائزة من أجيز.
فدعا البريد وكتب معه إلى أبى عبيدة:
أن يقيم خالدا ويعقله بعمامته، وينزع عنه قلنسوته حتى يعلمكم من أين أجاز الأشعث: أمن ماله، أم من إصابة، فإن زعم أنّها من إصابة أصابها، فقد أقرّ بخيانة، وإن زعم أنّها من ماله، فقد أسرف، فاعزله على كلّ حال، واضمم إليك عمله.
стр. 357
فكتب أبو عبيدة إلى خالد، فقدم عليه. ثم جمع الناس وجلس لهم على المنبر، فقام [٤٠٢] البريد، فقال:
- «يا خالد! أمن مالك أجزت بعشرة آلاف، أم من إصابة؟» فلم يجبه حتى أكثر عليه وأبو عبيدة ساكت لا يقول شيئا.
فقال بلال بعد أن قام إليه:
- «إنّ أمير المؤمنين أمر بكذا وكذا.» وتناول عمامته فنقضها [١] ، لا يمنعه سمعا وطاعة. ووضع قلنسوته، ثم أقامه، فعقله بعمامته وقال:
- «ما تقول، أمن مالك، أم من أصابة؟» قال: «لا. بل من مالي.» فأطلقه، وأعاد قلنسوته، ثمّ عممه بيده وقال:
- «نسمع ونطيع لولاتنا، ونفخّم ونخدم موالينا.» وأقام خالد متحيّرا لا يدرى: أمعزول أم غير معزول. وجعل أبو عبيدة يكرمه ويزيده تفخيما ولا يخبره. فلمّا طال على عمر أن يقدم خالد، ظنّ الذي كان.
فكتب إليه بالإقبال.
فأتى خالد أبا عبيدة، فقال:
- «رحمك الله، ما أردت إلى ما صنعت؟ كتمتني أمرا كنت أحبّ أن أعرفه قبل اليوم.» فقال أبو عبيدة:
- «إنّى والله ما كنت لأروعك: ما وجدت بدّا، وقد علمت أنّ ذلك يروعك.» فرجع [٤٠٣] خالد إلى قنّسرين فخطب أهل عمله، وودّعهم، وتحمّل، ثم
стр. 358
خرج نحو المدينة حتى قدم على عمر، فشكاه، وقال:
- «لقد شكوتك إلى المسلمين، وبالله، إنّك في أمرى غير مجمل يا عمر.» فقال له عمر:
- «من أين هذا الثراء؟» قال: «من الأنفال والسّهمان.» ثمّ أخذ منه عشرين ألف درهم، فأدخلها بيت المال. ثمّ قال:
- «يا خالد، والله إنّك علىّ لكريم، وإنّك إلىّ لحبيب، ولن تعاتبني بعد اليوم على شيء.» وكتب عمر في الأمصار:
- «إنّى لم أعزل خالدا عن سخط ولا خيانة ولكنّ المسلمين فتنوا به، فخفت أن يوكلوا إليه ويبتلوا [به] [١] وأحببت أن تعلموا أنّ الله هو الصانع، وألّا نكون بعرض فتنة.» [٢] وحجّ عمر في هذه السنة، وبنى المسجد الحرام، ووسّع فيه، وأقام بمكة عشرين ليلة، وهدم على أقوام أبوا أن يبيعوا، ووضع أثمان دورهم في بيت المال حتى أخذوها.
علاء بن الحضرمي وعاقبة عصيانه
وكان علاء بن الحضرمي بالبحرين واليا من قبل أبى بكر ثمّ من قبل عمر [٤٠٤] وكان يبارى [٣] سعدا، فطال [٤] العلاء على سعد في الردّة بالفضل. فلمّا
стр. 359
ظفر سعد بالقادسيّة، وأزاح الأكاسرة، وأخذ حدود ما يلي السواد وغيرها، واستعلى، وجاء بأعظم مما كان العلاء جاء به، أحبّ العلاء أن يصنع شيئا في الأعاجم، ورجا أن يدال كما قد أديل.
ولم ينظر العلاء في ما بين فضل الطاعة والمعصية بجدّ. وكان عمر لما ولّاه نهاه عن البحر، فلم يفكّر في الطاعة والمعصية وعواقبهما، وطمع في فارس من جهته.
فندب أهل البحرين إلى فارس، فتسرّعوا إلى ذلك، وفرّقهم أجنادا: على أحدها الجاورد بن المعلّى، وعلى الآخر السوار بن همّام، وعلى الآخر خليد بن المنذر بن ساوى، وخليد على جماعة الناس. فحملهم في البحر إلى فارس بغير إذن عمر. فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس، فخرجوا في إصطخر وبازائهم أهل فارس وعلى أهل فارس الهربذ، اجتمعوا عليه، فحالوا بين المسلمين وبين سفنهم.
فقام خليد في الناس فقال:
- «أمّا بعد، فإنّ الله إذا قضى أمرا جرت به المقادير [٤٠٥] حتى يصيبه، وإنّ هؤلاء القوم لم يزيدوا بما صنعوا على أن دعوكم إلى حربهم، وإنّما جئتم لمحاربتهم والأرض والسفن لمن غلب، فاستعينوا بالصبر والصلاة.» فأجابوه إلى ذلك وصلّوا الظهر، ثم ناهدوهم في موضع يقال له: طاؤوس.
فقتل جماعة من المسلمين فيهم السوار والمنذر بن الجارود. وتزجّل خليد بن
стр. 360
المنذر وارتجز:
يال تميم [١] جمّعوا النزول ... قد كاد [٢] جيش عمر يزول
وكلّكم يعلم ما أقول
- «وانزلوا!» فنزلوا، فقاتلوا القوم، فقتل أهل فارس مقتلة لم يقتلوا مثلها، وهزم الباقون. ثم خرجوا يريدون البصرة، فغرقت سفنهم ولم يجدوا إلى الرجوع سبيلا. فوجدوا سهرك [٣] قد أخذ على المسلمين بالطرق، فعسكروا وامتنعوا في نشوبهم ذلك.
وبلغ عمر ما صنع العلاء من بعثه ذلك الجيش في البحر، فألقى في روعه نحو من الذي كان. فاشتدّ غضبه على العلاء، وكتب إليه بعزله، وتوعّده، وأمره بأثقل الأشياء عليه، وقال له:
- «الحق بسعد بن أبى وقّاص في من قبلك، فهو [٤٠٦] أمير عليك.» فخرج بمن معه نحو سعد.
وكتب عمر إلى عتبة بن غزوان:
- «انّ العلاء بن الحضرمي حمل جندا من المسلمين، فأقطعهم أهل فارس وعصاني، وأظنّه لم يرد الله بذلك، فخشيت عليهم ألّا ينصروا، وأن يغلبوا، وينشبوا. فاندب إليهم الناس واضممهم إليك من قبل أن يجتاحوا.»
стр. 361
فندب عتبة الناس إليهم وأخبرهم بكتاب عمر. فانتدب عاصم بن عمرو وعرفجة وجماعة يجرون مجراهم كالأحنف بن قيس، وسعد بن أبى العرجاء، وصعصعة بن معاوية، فخرجوا في اثنى عشر ألفا على البغال يجنبون الخيل وعليهم أبو سبرة بن أبى رهم. فسار أبو سبرة بالناس وساحل لا يلقاه أحد ولا تعرّض له حتى التقى مع خليد، بحيث أخذ عليهم الطريق غبّ وقعة القوم بطاؤوس، وإنّما كان ولى قتالهم أهل إصطخر والشذّاذ من غيرهم، وقد كان أهل إصطخر حيث أخذوا بالطرق على المسلمين وأنشبوهم، استصرخوا أهل فارس كلهم، فضربوا إليهم من كلّ وجه وكورة.
فالتقوا هم وأبو سبرة بعد طاؤوس وقد توافت إلى [٤٠٧] المسلمين أمدادهم، وإلى المشركين أمدادهم، وعلى المشركين سهرك. فاقتتلوا، ففتح الله على المسلمين، وقتل المشركين وأصاب المسلمون منهم ما شاءوا، وهي الغزاة التي شرفت فيها نابتة البصرة وكانوا أفضل نوابت الأمصار، ثم انكفأوا بما أصابوا.
وكتب إليهم عتبة بالحثّ وقلّة العرجة، فانضمّوا إليه بالبصرة، وقبل ذلك فتح عتبة الأهواز، وقاتل فيها الهرمزان حتى ظفر به بتستر بعد وقعات أسر في آخرها الهرمزان وأعطى بيده على الرضا بحكم عمر. وقتل الهرمزان بيده البراء بن مالك [١] ومجزأة بن ثور.
إرسال الهرمزان إلى المدينة
ووفد أبو سبرة وفدا فيهم أنس بن مالك، والأحنف بن قيس. فأرسل الهرمزان معهم فقدموا [٢] مع أبى موسى البصرة، ثم خرجوا نحو المدينة.
стр. 362
فلما دخلوها هيّأوا الهرمزان في هيأته [١] ، وألبسوه كسوته من الديباج الذي فيه الذهب، ووضعوا على رأسه تاجا يدعى ال «آذين» مكلّلا بالياقوت، وعليه حليته كي ما يراه عمر والمسلمون. ثم خرجوا به على الناس يريدون عمر في منزله، فلم يجدوه. فسألوا عنه، [٤٠٨] فقيل لهم: «جلس [٢] في المسجد.» ولم يروه. فلمّا انصرفوا، مرّوا بغلمان من أهل المدينة يلعبون.
فقالوا لهم:
- «ما تلدّدكم [٣] ، تريدون أمير المؤمنين؟ فإنّه نائم في ميمنة المسجد، متوسّد برنسه. [٤] » وكان عمر جلس لوفد الكوفة في برنس. فلمّا فرغ من كلامهم وارتفعوا عنه وأخلوه، نزع برنسه، ثمّ توسّده فنام.
فانطلقوا ومعهم النظّارة، حتى إذا رأوه جلسوا دونه، وليس في المسجد نائم ولا يقظان غيره، والدرّة في يده معلّقها [٥] .
فقال الهرمزان: «أين عمر؟» قالوا: «ها هو ذا!» وجعل الوفد يشيرون إلى الناس: أن اسكتوا عنه. وأصغى الهرمزان إلى الوفد.
فقال: «أين حرسه وحجّابه عنه؟» قالوا: «ليس له حاجب ولا حارس ولا كاتب ولا ديوان.»
стр. 363
قال: «فينبغي أن يكون نبيّا.» فقالوا: «لا، ولكنّه يعمل عمل الأنبياء.» وكثر الناس وكلامهم، فاستيقظ عمر بالجلبة [١] ، فاستوى جالسا. ثم نظر إلى الهرمزان، فقال: «الهرمزان؟» فقالوا: «نعم!» فتأمله، وتأمّل ما عليه، ثم قال:
- «أعوذ بالله من النار، الحمد لله الذي أذلّ بالإسلام هذا وأشياعه. يا معشر المسلمين! تمسّكوا بهذا الدين، واهتدوا [٤٠٩] بهدى نبيّكم، ولا تبطرنّكم الدنيا، فإنّها غرّارة.» فقال الوفد: «هذا ملك الأهواز، فكلّمه!» قال: «لا، حتى لا يبقى عليه من حليته شيء.» فرمى عنه بكلّ شيء إلّا ما يستره، فألبسوه ثوبا صفيقا.
فقال عمر: «هي يا هرمزان! كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله؟» فقال: «يا عمر! إنّا وإيّاكم في الجاهلية كان الله خلّى بيننا وبينكم، فغلبناكم، إذ لم يكن معنا ولا معكم، فلمّا صار معكم غلبتمونا.» فقال عمر: «إنّما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرّقنا.»
ذكر خديعة للهرمزان وحيلة له حتى آمنه عمر
ثم قال عمر: «ما عذرك وما حجّتك في انتقاضك مرّة بعد مرّة؟» فقال: «أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك.»
стр. 364
قال: «لا تخف ذلك.» واستسقى ماء، فأتى به في قدح. فقال:
- «لو متّ عطشا لم أستطع الشرب في مثل هذا.» فأتى به في إناء يرضاه. فجعلت يده ترعد، وقال:
- «إنّى أخاف أن أقتل وأنا أشرب.» فقال له عمر: «لا تخف، فلا بأس عليك حتى تشربه.» فألقاه. فقال عمر:
- «أعيدوا عليه، ولا [٤١٠] تجمعوا عليه القتل والعطش.» فقال: «لا حاجة لى في الماء، إنّما أردت أن أستأمن به.» ! فقال له عمر: «إنّى قاتلك.» قال: «قد آمنتنى.» فقال: «كذبت.» فقال أنس: «صدق يا أمير المؤمنين» ! فقال: «ويحك! أنا أومن قاتل مجزأة والبراء؟ لتأتينّى [١] بمخرج ما قتلت!» قال: «قلت له: لا بأس عليك حتى تخبرني. وقلت: لا بأس عليك حتى تشربه.» وقال جلّة الصحابة ممن حوله مثل ذلك.
فأقبل على الهرمزان وقال: «تكلّم بحجّتك.» قال: «كلام حىّ أم كلام ميّت؟» قال: «بل كلام حىّ.» قال: «قد آمنتنى ثالثة.»
стр. 365
قال عمر: «خدعتني! لا والله، لا أومنك إلّا أن تسلم.» فقيل له: «أسلم! وإلّا قتلت.» فأسلم، ففرض له على ألفين، وأنزله المدينة.
عمر واللغة الفارسية
وكان المغيرة بن شعبة يترجم بينهما إلى أن حضر الترجمان.
فقال عمر للمغيرة: «سله: من أيّة أرض أنت؟» فقال المغيرة: «أز كذام أرضيه؟» فقال: «مهرجانىّ.» وكان المغيرة يفقه شيئا [من الفارسيّة] [١] .
فقال له عمر: «ما أراك حاذقا بها. ما أحسنها منكم أحد إلّا خبّ [٢] ، وما خبّ إلّا دقّ. إيّاكم وإيّاها [٣] ، فإنّها تنقص [٤] الإعراب.» وأقبل زيد بعد ذلك، فجعل يترجم بينهما. [٤١١]
ذكر رأى صحيح للأحنف بن قيس
وقال عمر للوفد: «لعلّ المسلمين يفضون إلى أهل الذمّة بأذى، أو بأمور لها ما ينتقضون بكم.» فقالوا: «ما نعلم إلّا حسن ملكة.» قال: «فكيف هذا؟»
стр. 366
فلم يجد عند أحد ما يشفيه ويبصر به مما [١] يقولون، إلّا ما كان من الأحنف فإنّه قال:
- «يا أمير المؤمنين، أخبرك أنّك نهيتنا عن الإنسياح [٢] في البلاد، وأمرتنا بالاقتصار على ما في أيدينا، وأنّ ملك فارس حىّ بين أظهرهم، وأنّهم لا يزالون يساجلوننا ما دام ملكهم فيهم، ولم يجتمع ملكان حتى يفنى أحدهما صاحبه. وقد رأيت أنّا لم نأخذ شيئا بعد شيء إلّا بانبعاثهم مرّة بعد مرّة، وأنّ ملكهم هو الذي يبعثهم. ولا يزالون هذا دأبهم حتى تأذن لنا فنسيح [٣] في بلادهم، حتى نزيله عن بلادهم، ونخرجه من مملكته وعزّ أمّته [٤] ، فهناك ينقطع رجاء أهل فارس ويضربوا [٥] جأشا.» فقال عمر: «صدقتني والله، وشرحت لى الأمر عن حقّه.» فكان هذا سبب إذنه لهم في الإنسياح.
يزدجرد يمضى إلى إصطخر وسياه يشترط للإسلام
ومضى يزدجرد بمشورة الموبذ إلى إصطخر فينزلها، لأنّها دار المملكة [٤١٢] ويوجّه الجنود. فلمّا بلغ إصبهان أقام أياما وقدم سياه لينتخب من كلّ بلدة مرّ بها
стр. 367
من أحبّ. فمضى سياه واتبعه يزدجرد حتى نزلوا بإصطخر، ووجّه سياه [١] إلى السوس. ولم يزل كذلك حتى قدم عمار بن ياسر وأبو موسى يومئذ بتستر.
سياه يرى الدخول في الإسلام
فدعا سياه الرؤساء الذين كانوا خرجوا معه من إصبهان، وقال:
- «قد علمتم أنّا كنّا نتحدّث أنّ هؤلاء القوم أهل الشقاء والبؤس، سيغلبون على هذه المملكة، وتروث دوابّهم في أبواب إصطخر ومصانع الملوك، ويشدّون خيلهم بشجرها، وقد غلبوا على ما رأيتم، وليس يلقون جندا إلّا فلّوه، ولا ينزلون بحصن إلّا فتحوه.
فانظروا لأنفسكم.» قالوا: «رأينا رأيك.» قال: «فليكفنى كلّ رجل منكم حشمه والمنقطعين إليه، فإنّى أرى أن ندخل في دينهم.» ووجّهوا شيرويه في عشرة من الأساورة إلى أبى موسى يأخذ لهم شروطا على أن يدخلوا في الإسلام.
فقدم شيرويه على أبى موسى فقال:
- «إنّا قد رغبنا في دينكم على أن نقاتل معكم العجم ولا نقاتل معكم [٤١٣] العرب، وإن قاتلنا أحد من العرب منعتمونا منهم،
стр. 368
وننزل حيث شئنا، ونكون في من شئنا منكم، وتلحقوننا بأشرف [١] العطاء، يعقد لنا بذلك الأمر، الذي هو فوقك.» فقال أبو موسى: «لكم ما لنا، وعليكم ما علينا.» قالوا: «لا نرضى.» وكتب أبو موسى إلى عمر بذلك. فقال: «أعطهم ما سألوك.» فكتب لهم أبو موسى فأسلموا، وشهدوا معه حصار تستر. فلم يكن أبو موسى يرى منهم جدّا ولا نكاية.
فقال لسياه: «يا أعور، ما أنت وأصحابك كما كنّا نرى قبل اليوم!» قال: «لسنا مثلكم في هذا الدين، ولا بصائرنا كبصائركم، وليس لنا فيكم حرم نحامى عنهنّ، ولم تلحقونا بأشرف العطاء، ولنا سلاح وكراع وأنتم حسّر.» فكتب أبو موسى في ذلك إلى عمر. فكتب إليه عمر أن:
- «ألحقهم على قدر البلاء في أفضل العطاء، وأكثر شيء أخذه أحد من العرب.» ففرض لمائة منهم في ألفين ألفين، ولستّة منهم في ألفين وخمسمائة: لسياه وخسرو- ولقبه مقلاص- وشهريار، وشيرويه، وسارويه، وأفريذون [٢] . [٤١٤]
ذكر مكيدة في فتح حصن
فأمّا سياه فمشى إلى حصن. ويقال: إنّه تستر في زىّ العجم، حتى رمى بنفسه
стр. 369
إلى جنب الحصن ونضح [١] ثيابه بالدم. فأصبح أهل الحصن، فرأوا رجلا في زيّهم صريعا، فظنّوه منهم أصيبوا به، ففتحوا باب الحصن ليدخلوه، فثار وقاتلهم حتى خلّوا عن باب الحصن وهربوا. ففتح الحصن وحده، ودخله المسلمون. وأمّا خسرو فمشى إلى حصن آخر حاصروه، فأشرف عليه رجل رئيس منهم، فكلّمه، ثمّ رماه خسرو بنشّابة فقتله.
ذكر حيلة قوم في الحصار خرجوا بها من حصارهم وسياسة لعمر
وأما جنديسابور فإنّ أبا سبرة لمّا فرغ من السوس خرج في جنده حتى نزل عليها، وحاصرهم أيّاما يغادونه ويراوحونه القتال. فرمى إليهم بأمان من عسكر المسلمين وفتح بابها. فلم يفجأ المسلمين إلّا أبوابها [٢] تفتح. ثم خرج السرح [٣] وخرجت الأسواق وانبثّ أهلها.
فأرسل المسلمون [٤١٥] أن: «مالكم؟» قالوا: «رميتم إلينا بالأمان فقبلناه وأقررنا لكم بالجزى على أن تمنعونا.» فقالوا: «ما فعلنا.» فقالوا: «ما كذبنا.» فتساءل المسلمون بينهم، فإذا عبد يدعى مكنفا كان أصله منها هو الذي كتب لهم.
فقالوا: «إنّما هو عبد.» فقالوا: «نحن لا نعرف حرّكم من عبدكم، قد جاءنا أمان، فنحن عليه، قد
стр. 370
قبلناه ولم نبدّل. فإن شئتم فاغدروا.» فأمسكوا عنهم وكتبوا بذلك إلى عمر. فكتب إليهم:
- «لم تكونوا أوفياء، حتى تفوا على الشكّ، أجيزوهم وفوا لهم.» [١] ثم عمل عمر برأى الأحنف، وعقد الأولوية للأمراء والجنود من أهل الكوفة وأهل البصرة. فكان لواء الأحنف على خراسان.
يوم نهاوند: فتح الفتوح
ولما خرج يزدجرد من الجبل، وصار إلى مرو، وكاتب الجيوش بالأطراف، فكتب إلى أهل الجبال، ممّن بين الباب والسند وخراسان وحلوان، فتحرّكوا وتكاتبوا وركب بعضهم إلى بعض، فأجمعوا أن يوافوا نهاوند، ثمّ يبرموا فيها أمورهم. فتوافى إليها من بين حلوان [٤١٦] وخراسان ومن بين الباب وحلوان، ومن بين سجستان إلى حلوان، فاجتمعت حلبة فارس والفهلوج وأهل الجبال وهم مائة وخمسون ألفا.
ثم تآمر الرؤساء عند الفيرزان وكان عليهم، فقالوا:
- «إنّ محمدا الذي جاء العرب بالدين [٢] لم يعرض عرضنا [٣] . ثم ملكهم أبو بكر من بعده، فلم يعرض عرض [٤] فارس إلّا في غارة تعرض [٥] لهم فيها، وإلّا في ما يلي ديارهم. ثمّ ملك عمر فطال ملكه وعرض [٦] حتى تناولكم، وأخذ السواد كلّه، والأهواز. ثم لم
стр. 371
يرض حتى أتى أهل فارس والمملكة في عقر دارهم وهو آتيكم إن لم تأتوه. وقد أخرب بيت مملكتكم، واقتحم بلاد ملككم، وليس بمنته حتى تخرجوا من في بلادكم من جنوده، وتقطعوا [١] هذين المصرين وتشغلوه في بلاده وقراره.» فتعاهدوا وتواثقوا. وكتبوا بينهم على ذلك كتابا، وتمالئوا [٢] عليه.
وبلغ الخبر سعدا، وخرج إلى عمر ليشافهه بذلك، ولأنّ قوما من جنده شغبوا عليه، وسعوا به إلى عمر، فاستخلف عبد الله بن عبد الله بن عتبان، فكتب [٤١٧] عبد الله بن عبد الله إلى عمر أنّه:
«قد تجمّعت الفرس مائة وخمسين ألفا مقاتلة مستميتين، فإن جاءونا قبل أن تبدرهم الشدّة ازدادوا جرأة وقوّة، وإن نحن عاجلناهم كان ذلك لنا عليهم.» وكان الرسول بذلك قريب بن ظفر. ولما قدم الرسول بالكتاب على عمر وبالخبر قرأه، وسمع منه، وقال:
- «ما اسمك؟» قال: «قريب.» قال: «ابن من؟» قال: «ابن ظفر.» فتفأّل بذلك وقال:
- «ظفر قريب، إن شاء الله، ولا قوّة إلّا بالله.»
стр. 372
ذكر آراء صحّ منها واحد
ونودى في الناس: «الصلاة جامعة.» فاجتمع الناس ووافاه سعد فقال:
- «إلىّ سعد بن مالك!» وقام عمر على المنبر خطيبا، فأخبر الناس الخبر، واستشارهم، وقال:
- «هذا يوم له ما بعده، فاسمعوا لى، ثمّ أجيبونى، وأوجزوا، وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا، وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ٨: ٤٦ [١] ، ولا تكثروا ولا تطيلوا فتفشغ لكم الأمور، ويلتوي عليكم الرأى، إنّى قد رأيت أن أسير [٤١٨] في من قبلي [٢] ومن قدرت عليه حتى أنزل منزلا من هذين المصرين وسطا، ثم أستنفرهم، ثم أكون لهم ردءا، حتى يفتح الله عليهم ويقضى ما أحب.» فقام طلحة بن عبيد الله فقال:
- «يا أمير المؤمنين، قد أحكمتك التجارب، وأنت وشأنك ورأيك.» في كلام طويل يشبه هذا، ثم جلس.
فعاد عمر فقال:
- «هذا يوم له ما بعده من الأيام، فتكلّموا.» فقام عثمان بن عفّان، فتشهّد، وقال:
стр. 373
- «أرى- يا أمير المؤمنين- أن تكتب إلى أهل اليمن، فيسيروا من يمنهم، وإلى أهل الشام فيسيروا من شامهم، وتسير أنت بأهل الحرمين إلى الكوفة والبصرة، فتلقى جميع المشركين بجميع المسلمين، فإنّك إذا سرت بمن معك وعندك، قلّ في نفسك ما قد تكاثر من عدد القوم، وكنت أعزّ عزّا. يا أمير المؤمنين، إنّك لا تستبقى من نفسك بعد العرب باقية، ولا تمتنع [١] من الدنيا بعزيز، ولا تلوذ منها بحريز. إنّ هذا يوم له ما بعده من الأيام [فاشهده برأيك وأعوانك ولا تغب عنه] [٢] ، فتكلّموا.» فقام علىّ ﵇ فقال:
- «أما بعد، فإنّك [٤١٩] إن أشخصت أهل الشام من شامهم، سارت الروم إلى ذراريّهم، وإن أشخصت أهل اليمن من يمنهم، سارت الحبشة إلى ذراريّهم، وإنّك إن أشخصت أهل الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها، حتى تكون ما تدع وراءك، أهمّ إليك مما بين يديك من العورات والعيالات. أقرر هؤلاء في أمصارهم، واكتب إلى أهل البصرة، فليفترقوا ثلاث فرق: فلتقم فرقة في أهل عهدهم لئلّا ينتقضوا عليهم، ولتسر فرقة إلى إخوانهم بالكوفة مددا لهم، لأنّ الأعاجم إن ينظروا إليك ويقولوا: هذا أمير العرب وأصل العرب، كان أشدّ لكلبهم، وألّبتهم عليك. فأمّا ما ذكرت من مسير القوم، فإنّ الله هو أكره لمسيرهم منك، ولهو أقدر على تغيير ما
стр. 374
يكره، وأمّا ما ذكرت من عددهم، فإنّا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة، ولكنّا كنّا نقاتلهم بالنصر.» فقال عمر:
- «أجل، هذا الرأى. والله أين سرت لينتقضنّ علىّ الأرض من أطرافها وأكنافها، ولئن نظرت [٤٢٠] إلىّ الأعاجم لا يفارقوا العرصة وليمدّنّهم من لم يمدّهم، وليقولنّ: هذا أصل العرب، فإن اقتطعتموه فقد اقتطعتم أصل العرب. فأشيروا علىّ برجل أولّه ذلك الثغر، واجعلوه عراقيّا.» فقالوا: «أنت أعلم يا- أمير المؤمنين- بجندك وأهل عراقك، فقد وفدوا عليك، ورأيتهم وكلّمتهم.»
ابتداء وقعة نهاوند
وكان النعمان بن مقرّن على كسكر، ولّاه سعد الخراج بها. فكتب إلى عمر:
- «إنّ مثلي ومثل كسكر مثل رجل شابّ إلى جنبه مؤمسة تلوّن له وتعطّر، فأنشدك الله لمّا عزلتني وبعثتني إلى جيش من جيوش المسلمين.» فلمّا كان هذا اليوم الذي خطب فيه عمر، وجرى ما جرى مما كتبته، قال عمر:
- «أما والله لأولّينّ أمرهم رجلا ليكوننّ أول الأسنّة إذا لقيها غدا.» فقيل: «من، يا أمير المؤمنين؟» فقال: «النعمان بن مقرّن» .
قالوا: «هو لها.»
стр. 375
فكتب إليه عمر أن: «ائت نهاوند، فأنت على الناس بها.» فلمّا التقوا كان أول قتيل. وسنحكى خبره في موضعه.
وردّ عمر [٤٢١] قريب بن ظفر، وردّ معه السائب الأقرع وكان السائب يومئذ مندوبا للأمانة وقسمة الفيء، لأنّه كان كاتبا حاسبا، كما كان محمد بن مسلمة مندوبا لتتبع العمال والطواف عليهم.
وقال عمر للأقرع:
- «إن فتح الله عليكم فاقسم ما أفاء الله عليهم، ولا تخدعني، ولا ترفع إلىّ باطلا، وإن نكب القوم، فلا تراني ولا أراك، فبطن الأرض خير لك من ظهرها.» فقدما الكوفة بكتاب عمر بالاستحثاث. وكان أسرع أهل الكوفة إلى ذلك الروادف، ليبلوا في الدين، وليدركوا حظّا [١] .
ذكر خديعة للهرمزان لم تتمّ له وما جرى بعد ذلك
كان عمر بن الخطّاب استدعى الهرمزان حين آمنه، فقال:
- «انصح لى فقد آمنتك.» قال: «نعم. إنّ الفرس اليوم رأس وجناحان.» قال: «فأين الرأس.» قال: «بنهاوند مع بندار، ومعه أساورة كسرى وأهل إصبهان.» قال: «فأين الجناحان؟» فذكر مكانا. قال الهرمزان:
- «فاقطع الجناحين يهن [٤٢٢] الرأس.»
стр. 376
فقال عمر: «كذبت يا عدوّ الله بل أعمد إلى الرأس، فأقطعه، فإذا قطعه الله لم يقبض عليه الجناحان.» فكتب إلى أبى موسى أن: سر بأهل البصرة، وإلى حذيفة أن: سر بأهل الكوفة.
وبعث بعثا من المدينة فيهم ابنه عبد الله بن عمر، وفيهم المهاجرون والأنصار، وقال:
- «إذا التقيتم فأميركم النعمان بن مقرّن.» فخرج حذيفة بن اليمان بالناس ومعه نعيم بن مقرّن حتى قدموا على النعمان بالطزر [١] وجعلوا بمرج القلعة خيلا عليها النّسير، وقد كتب عمر إلى سلمى بن القين وحرملة وزرّ بن كليب وقوّاد المسلمين الذين كانوا بين فارس والأهواز أن:
- «اشغلوا فارس عن إخوانكم، وحوطوا بذلك أمّتكم وأرضكم، وأقيموا على حدود ما بين الأهواز وفارس حتى يأتيكم أمرى.» وبعث مجاشع بن مسعود السلمىّ إلى الأهواز، وقال له: انصل منها على ماه.
فلما صار بغضي شجر ناحية مرج القلعة، أمره النعمان أن يقيم بمكانه [٤٢٣] ونصل سلمىّ وحرملة وزرّ، فكانوا في تخوم إصبهان وفارس، فقطعوا بذلك عن نهاوند الأمداد من فارس.
وورد على النعمان، وهو بطزر، كتاب عمر:
- «إنّ معك حدّ العرب ورجالهم فاستعن بهم وبرأيهم، وسل طليحة وعمرا، ولا تولّهم شيئا» .
فبعث من بطزر طليحة وعمرا، وعمرو بن أبى سلمى ليؤاتوه بالخبر. فأما عمرو وعمرو فإنّهما رجعا من الطريق آخر الليل.
فقال طليحة: «ما الذي يرجعكما؟»
стр. 377
قالا: «سرنا يوما وليلة ولم نر شيئا، وخفنا أن يؤخذ علينا بالطريق.» ولم يحفل بهما [١] . ومضى طليحة حتى انتهى إلى نهاوند، وبينها وبين الطزر بضعة وعشرون فرسخا.
فقال الناس: «ارتدّ الثانية.» فلما علم طليحة علم القوم، رجع، حتّى إذا انتهى إلى الجمهور كبّر الناس.
وقال: «ما شأن القوم؟» فأخبروه بالذي خافوا عليه.
فقال: «والله لو لم يكن [دين] [٢] [٤٢٤] إلّا العربية فقط، ما كنت لأجزر هذه العرب العاربة لهذه العجم الطماطمة.» فأتى النعمان، فدخل إليه، وأخبره أن ليس بينه وبين نهاوند شيء يكرهه.
فنادى النعمان بالرحيل وعبّأهم، وجعل على المجرّدة القعقاع بن عمرو، وكذلك جعل على ميمنته وميسرته ومقدمته أهل النجدات.
إرسال المغيرة بن شعبة إلى الفرس
فلما اجتمعوا بنهاوند أرسل إليهم الفرس أن: أرسلوا رجلا نكلّمه. فأرسلوا المغيرة بن شعبة.
فلما رجع سألوه عما جرى.
فقال: وجدت العلج قد استشار أصحابه: [٣]- «بأى شيء تأذنون لهذا العربىّ، بالشارة والبهجة أو بتقشّف له؟» فاجتمع رأيهم على أفضل ما يكون من الشارة والعدّة. فتهيّأوا بها. فلمّا أتيناهم كادت تلك الحراب والنيازك يلتمع منها البصر، وإذا هم على رأسه مثل الشياطين،
стр. 378
وإذا هو على سرير من ذهب، على رأسه التاج.
قال: فمضيت كما أنا، ونكّست رأسى. فدفعت، ونهيت.
فقلت: «الرسل لا يفعل بهم هذا!» [٤٢٥] فقالوا: «إنّما أنت كلب.» فقلت: «معاذ الله، لأنا في قومي أشرف من في قومه» .
فانتهرونى وقالوا:
- «اجلس!» .
فأجلسونى، ثم قال- وترجم لى قوله-:
- «إنّكم معشر العرب أبعد الناس من كلّ خير، أطول الناس جوعا، وأشقاهم شقاء، وأقذرهم قذرا، وأبعدهم دارا، وما منعني أن آمر هؤلاء الأساورة حولي أن ينتظموكم من النشاب بمثل شوك القنفذ، إلّا تنجّسا لجيفكم، فإنّكم أرجاس. فإن تذهبوا نخلّ عنكم، وإن تأبوا، نركم مصارعكم.» قال: فحمدت الله وأثنيت عليه، ثمّ قلت:
- «والله، ما أخطأت من صفتنا شيئا. إن كنّا لكذلك، حتى بعث الله إلينا رسولا، فوعدنا النصر في الدنيا، والجنّة في الآخرة. فوالله ما زلنا نتعرّف من ربّنا، منذ جاء رسوله، الفتح والنصر حتى أتيناكم. وإنّا والله لا نرجع إلى ذلك الشقاء أبدا، حتى نغلبكم على ما في أيديكم، أو نقتل بأرضكم.» فقال: «والله لقد صدقكم الأعور ما في نفسه.» فقمت [٤٢٦] وقد أرعبت العلج. فأرسل إلينا العلج:
- «إمّا أن تعبروا إلينا، وإما أن نعبر إليكم.»
стр. 379
فقال النعمان: «اعبروا» .
وكانوا قد انتهوا إلى الإسبيذهان وهم وقوف دون وادي خرد على تعبيتهم، وأمرهم إلى الفيرزان، وقد جعل بهمن جاذويه مكان ذى الحاجب، فهو على مجنبته، وقد توافى إليه كلّ من غاب عن القادسية والأيّام من أهل الثغور، وأمرائها، وأعلامهم. وأنشب النعمان بعد ما حطّ الأثقال وضرب الفسطاط القتال، فاقتتلوا يوم الأربعاء ويوم الخميس وهم كأنّهم جبال الحديد، وقد تواثقوا ألّا يفرّوا من العرب وألقوا حسك الحديد خلفهم وقالوا: من فرّ منّا عقره حسك [١] الحديد.
فقال المغيرة حين رأى كثرتهم:
- «لم أر كاليوم فشلا، إن عدوّنا يتركون يتأهّبون لا يعجلون، أم والله لو أنّ الأمر إلىّ لأعجلتهم» .
وكان النعمان رجلا ليّنا، فقال:
- «قد كان الله يشهدك أمثالها، فلا يخزيك. إنّه والله ما منعني من المناجزة إلّا شيء شهدته [٤٢٧] من رسول الله- صلى الله عليه- إذا غزا فلم يقاتل أول النهار، ولم يعجل حتى تحضر الصلاة وتهبّ الأرواح ويطيب القتال، فما منعني إلّا ذلك.
اللهمّ إنّى أسألك أن تقرّ عيني بفتح يكون فيه عزّ الإسلام وذلّ الكفار، ثمّ اقبضنى إليك على الشهادة. ائمنوا [٢] يرحمكم الله.» فأمنّا وبكينا. ثمّ أقدم بعد الصلاة للقتال.
قال: ولمّا كان يوم الجمعة انجحروا [٣] في خنادقهم، وذلك لما رأوا صبرنا أنّا لا نبرح العرصة فصبروا معنا. ثمّ إنّهم لم يصبروا، فحصرهم المسلمون، فأقاموا عليهم ما شاء الله، والفرس بالخيار لا يخرجون إلّا إذا أرادوا. فاشتدّ ذلك على
стр. 380
المسلمين حدّا، وخافوا أن يطول أمرهم.
ذكر آراء صحّ أحدها على طريق المكيدة
حتى إذا كان ذات يوم في جمعة من الجمع، تجمّع أهل الرأى من المسلمين، فتكلّموا، وأتوا النعمان، وقالوا:
«نراهم بالخيار والقوّة» [١] .
وهو يروّى فيما روّوا فيه. فقال:
- «على رسلكم، لا تبرحوا» .
وبعث إلى من بقي من أهل النجدات [٤٢٨] والرأى في الحرب، فتوافوا إليه.
فتكلّم النعمان فقال:
- «قد ترون المشركين واعتصامهم بالحصون من الخنادق والمدائن، وأنّهم لا يخرجون إلّا إذا شاءوا، ولا يقدر المسلمون على إنغاضهم وابتعاثهم قبل مشيئتهم، وقد ترون الذي فيه المسلمون من التضايق الذي هم فيه وعليه من الخروج. فما الرأى الذي به نحمشهم [٢] ونستخرجهم إلى المنابذة وترك التطويل؟» فتكلّم عمرو بن أبى سلمى وكان أسنّ القوم، فقال:
- «التحصّن أشدّ عليهم من المطاولة عليكم، فدعهم ولا تحرجهم وطاولهم وقاتل من أتاك منهم.» فردّوا جميعا رأيه، وقالوا:
- «إنّا على يقين من إنجاز ربّنا وعده لنا.» وتكلّم عمرو بن معدى كرب، فقال:
стр. 381
- «ناهدهم ولا تخف وكاثرهم.» فردّوا جميعا عليه رأيه، وقالوا: [١]- «إنما نناطح الجدران.» وتكلّم طليحة فقال:
- «قد قالا ولم يصيبا تفسير ما أرادا. فأمّا أنا فأرى أن تبعث خيلا مؤدية [٢] فيحدقوا بهم، ثمّ يرموهم لينشبوا القتال ويحمشوهم، فإذا استحمشوهم واختلطوا بهم [٤٢٩] وأرادوا الخروج أرزوا إلينا استطرادا، فإنّا لم نستطرد لهم في طول ما قاتلناهم إلى اليوم، فإنّهم إذا أرادوا ذلك طمعوا في هزيمتنا ولم يشكّوا فيها، وخرجوا، فجادّونا، وجاددناهم حتى يقضى الله بيننا.» فأمر النعمان بن عمرو، وكان على المجرّدة بذلك، ففعل، وأنشب القتال بعد احتجاز من العجم، وأنغضهم. فلمّا خرجوا نكص، ثم نكص، واغتنمها العجم.
ففعلوا كما ظنّ طليحة، وقالوا: «هي، هي» [٣] . فخرجوا، فلم يبق أحد إلّا من يقوم لهم على الأبواب، وجعلوا يركبونهم حتى أرز القعقاع إلى الناس وانقطع القوم عن حصنهم بعض الانقطاع والنعمان بن مقرّن والمسلمون على تعبئتهم.
وفي يوم جمعة وفي صدر النهار، وقد عهد النعمان عهده وقال: إن أصبت ففلان، فإن أصيب ففلان. وأمرهم أن يلزموا الأرض ولا يقاتلوا حتى يأذن لهم.
ففعلوا واستتروا [٤] بالحجف [٥] من الرمى، وجعل المشركون يرمونهم حتى أفشوا فيهم الجراحات، وشكا بعض الناس ذلك [٤٣٠] إلى بعض ثم قالوا للنعمان:
стр. 382
- «ألا ترى ما نحن فيه؟ ائذن لنا في الحملة.» فقال لهم النعمان: «رويدا رويدا.» قالوا ذلك مرارا، فأجابهم بمثل ذلك.
فقال المغيرة: «لو إلىّ هذا الأمر، علمت ما أصنع.» فقال: رويدا، ترى [١] أمرك وقد كنت تلى الأمر فتحسن، فلا يخذلنا الله ولا إيّاك، ونحن نرجو في المكث مثل ما ترجو في الحثّ.» وانتظر النعمان أحبّ الأوقات كان إلى رسول الله- صلى الله عليه.
فلمّا كان قريبا من تلك الساعة وهي الزوال، سار فوقف على الرايات، ومدحهم، وحضّهم. ثمّ عاد إلى موقفه [٢] ، وكبّر الأولى والثانية والثالثة والناس على غاية السمع والطاعة. وحمل النعمان والناس معه، فالتقوا بالسيوف، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يسمع السامعون بوقعة قطّ كانت أشدّ منها، لا يوم القادسية لا غيرها مما تقدّم، قتلوا فيها من الفرس فيما بين الزوال والإعتام ما طبّق أرض المعركة وما يزلق فيه الناس والدواب، وزلق بالنعمان فرسه وصرع، فأصيب.
وتناول [٤٣١] الراية أخوه نعيم بن مقرّن، وسجّى النعمان بثوب، وأتى [٣] حذيفة بالراية، وكان عهد إليه بعده، فأقام اللواء. وقال المغيرة:
- «اكتموا مصاب أميركم حتى تنظروا ما يصنع الله فينا لكيلا يهن الناس، واقتتلوا.» فلما أظلم الليل انكشف المشركون، وتركوا قصدهم، وأخذوا نحو اللهب [٤] الذي كانوا نزلوا دونه بإسبيذهان. فوقعوا فيه، وجعل لا يهوى فيه أحد إلّا قال:
стр. 383
«واى خرد» [١] ، فسمّى بذلك «وايه خرد» إلى اليوم. فمات فيه منهم نحو مائة ألف، وقتل في المعركة أعدادهم، ولم يفلت إلّا الشريد. ونجا الفيرزان من الصرعى في المعركة، فهرب نحو همذان في ذلك الشريد، فاتّبعه نعيم بن مقرّن، وقدّم القعقاع قدّامه، فأدركه حين انتهى إلى ثنية همذان، وكانت الثنية مشحونة من بغال وحمير موقّرة عسلا، فحبسته الدوابّ على أجله. فلما غشيه القعقاع وهو لا يجد طريقا فتوقّل [٢] في الجبل، وتوقّل القعقاع في أثره حتى أخذه، ومضى الفلّال حتى انتهوا إلى مدينه همذان والخيل [٤٣٢] في آثارهم، فدخلوها. وسمّيت الثنية: ثنية العسل، وقال المسلمون:
- «إنّ لله جنودا من عسل.» واستاقوا العسل وما خالطه من سائر الأحمال.
دخول نهاوند
ودخل المسلمون بعد هزيمة الفرس نهاوند، [٣] واحتووا على ما فيها، وجمعوا الأسلاب إلى صاحب الأقباض السائب الأقرع. فبيناهم كذلك، أقبل الهربذ صاحب بيت النار على إتان، فأبلغ حذيفة؟
فقال: «أتؤمننى على أن أخبرك بما أعلم؟» قال: «نعم!» فقال: «إنّ النخيرجان وضع عندي ذخيرة كسرى، وأنا مخرجها لك على أمانى وأمان [٤] من شئت.»
стр. 384
سفطان ملؤهما اليواقيت واللؤلؤ
فأعطاه ذلك، وأخرج له الذخيرة سفطين عظيمين ليس فيهما إلّا اليواقيت واللؤلؤ. فلمّا فرغ السائب من قسمة الأموال اجتمع رأى المسلمين على دفعهما [١] إلى عمر.
قال السائب: فأصاب سهم الفارس ستة آلاف، والراجل ألفان. فلمّا فرغت قدمت على عمر ومعى السفطان، فقال:
- «ما وراءك يا سائب!» فقلت: «خير، يا أمير المؤمنين، فتح الله عليك- فأعظم الفتح- واستشهد النعمان بن مقرّن.» [٤٣٣] فقال عمر: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦ [٢] .
ثم بكى فنشج [٣] حتى إنّى لأنظر إلى فروع منكبيه من فوق كتده [٤] » .
قال: فلمّا رأيت ما لقى قلت:
- «يا أمير المؤمنين، ما أصيب بعده رجل يعرف وجهه.» فقال: «المستضعفون من المؤمنين، لكن الذي أكرمهم بالشهادة يعرف وجوههم، وأنسابهم، وما يصنعون بمعرفة ابن أمّ عمر.» ثم قام ليدخل، فقلت:
- «إنّ معى مالا عظيما جئت به.» ثمّ أخبرته الخبر عن السفطين، فقال:
- «أدخلهما بيت المال حتى ننظر في شأنهما، والحق بجندك.» قال: فأدخلتهما بيت المال، وخرجت سريعا إلى الكوفة، وبات تلك الليلة التي
стр. 385
خرجت فيها. فلما أصبح بعث أثرى رسولا، فوالله ما أدركنى حتى دخلت الكوفة، فأنخت بعيري، وأناخ بعيره على عرقوبى بعيري، وقال:
- «الحق بأمير المؤمنين، فقد بعثني في طلبك ولم أقدر عليك إلّا الآن.» قال: قلت: «ويلك! ولماذا؟» قال: «لا أدرى والله.» فركبت معه حتى قدمت عليه. فلما رآني قال:
- «ما لي ولابن أمّ السائب، بل ما لابن السائب وما لى!» قال: قلت: [٤٣٤]- «وما ذاك يا أمير المؤمنين؟» قال: «ويحك! والله، إن هو إلّا نمت في تلك الليلة التي خرجت فيها، فباتت ملائكة الله تسحبنى إلى ذينك السفطين يشتعلان نارا، يقولون: لنكوينّك بهما، فأقول: إنّى سأقسمهما بين المسلمين. فخذهما عنّى لا أبا لك، فالحق بهما، فبعهما في أعطية المسلمين وأرزاقهم.» قال: فخرجت بهما حتى وضعتهما في مسجد الكوفة وغشيني [التجار [١]] فابتاعهما منّى عمرو بن حريث المخزومي بألفي ألف [٠٠٠، ٠٠٠، ٢] درهم، ثم خرج بهما إلى أرض الأعاجم فباعها بأربعة آلاف ألف [٠٠٠، ٠٠٠، ٤] درهم.
فما زال أكثر أهل الكوفة مالا بعد.
وقسم حذيفة لأهل المسالح جميعا في نهاوند، مثل الذي قسم لأهل المعركة، لأنّهم كانوا ردءا للمسلمين لئلّا يؤتوا من وجه من الوجوه، وكان خلّف قوما على قلاع يحاصرون من فيها لئلّا ينزلوا فيؤتى المسلمون من قبلهم، فقسم لهم أيضا.
وسمّى يوم نهاوند فتح الفتوح [٢] ولم تكن للفرس بعد قائمة.
стр. 386
ومن عجيب ما مرّ في حصار نهاوند أنّ رجلا [٤٣٥] يقال له: جعفر بن راشد، قال لطليحة:
- «لقد أخذتنا خلّة [١] ، فهل بقي من أعاجيبك شيء تنفعنا به؟» فقال: «كما أنتم، حتى أنظر.» فأخذ كساء، فتقنّع به غير كثير، ثم قال:
- «البيان، البيان، غنم الدقّان [٢] في البستان، مكان أرونان [٣] .» فدخلوا البستان، فوجدوا الغنم مسمنة.
ثم جاء دينار إلى حذيفة، فصالحه عن ماه، فنسب إليه ماه [٤] . فكان يوافى الكوفة كل سنة. فقدم الكوفة في إمارة معاوية، فقام في الناس جميعا، فقال:
- «يا معشر أهل الكوفة، إنّكم أول ما مررتم بنا كنتم خيار الناس، فغبرتم بذلك زمان عمر وعثمان، ثم تغيّرتم وفشت فيكم خلال أربع: بخل، وخبّ [٥] ، وغدر، وضيق، لم تكن فيكم واحدة منهنّ. فنظرت في ذلك، فإذا ذلك في مولّديكم، فعلمت من أين أتى، فإذا الخبّ من قبل النبط، والبخل من قبل فارس، والغدر من قبل خراسان، والضيق من قبل الأهواز.»
فتح الرىّ
ثم إنّ نعيم بن مقرّن فتح همذان، وسار إلى الرىّ، وكان بالرىّ يومئذ سياوخش ملكا عليها وهو سياوخش [٤٣٦] بن مهران بن بهرام شوبين.
[فاستمدّ] [٦] أهل دنباوند، وطبرستان، وقومس، وجرجان، وقال:
стр. 387
- «قد علمتم أنّ هؤلاء إن حلّوا بالرىّ إنّه لا مقام لكم.» فاحتشدوا له. فناهده سياوخش، فالتقوا في سفح جبل الرىّ إلى جنب مدينتها، فاقتتلوا به. وكان الزينبىّ متوحّشا من سياوخش، فكاتب نعيم بن مقرّن، وصالحه وعاونه، وكان الزينبىّ قال لنعيم:
- «إنّ القوم كثير وأنت في قلّة، فابعث معى رجلا أدخل بهم مدينتهم من مدخل لا يشعرون به، وناهدهم أنت، فإنّهم إذا خرجوا عليهم لم يثبتوا لذلك.» فبعث معه خيلا من الليل عليها ابن أخيه المنذر بن عمرو. فأدخلهم الزينبىّ المدينة ولا يشعر القوم، وبيّتهم نعيم بياتا، فشغلهم عن مدينتهم، فاقتتلوا، وصبروا حتى سمعوا التكبير من ورائهم. ثم إنّهم انهزموا فقتلوا مقتلة عظيمة، فأفاء الله على المسلمين بالرىّ نحوا من فيء المدائن، وصالحه الزينبىّ على أهل الرىّ ومرزبه [١] عليهم. [٤٣٧] وكتب نعيم بالفتح وبعث بالأخماس إلى عمر.
توجّه بكير إلى آذربيجان
وكان بكير بن عبد الله قد توجه إلى آذربيجان، فأمدّه نعيم بعد فتح الرىّ بسماك بن خرشة الأنصارى.
مردانشاه يراسل نعيما في الصلح
فأما المصمغان- وهو مردانشاه صاحب دنباوند والخزر والأرز والسرو [٢]- فإنّه راسل نعيما في الصلح على شيء يفتدى منه به، من غير أن يسأله النصر والمنعة. فقبل منه، وكتب على غير نصر ولا معونة على أحد، فجرى ذلك لهم.
стр. 388
فتح قومس
وقدّم سويد بن مقرّن أخاه بأمر عمر إلى قومس، فلم يقم له أحد، وأخذها سلما، وكتب لهم أمانا، وقبل جزيتهم.
فتح جرجان وطبرستان وآذربيجان
ثم كاتب ملك جرجان رزبان [١] صول. ثم صار إليها، فبادره بالصلح، وتلقّاه، فدخل معه جرجان، وعسكر بها، وجبى إليه الخراج، وسمّى له فروجها، فسدّها بترك دهستان. فرفع الجزى عمن أقام بمنعتها، وأخذ الخراج من باقى أهلها، وكتب بينهم كتابا [٢] بالأمان وقبول الجزية ما نصحوا وقروا المسلمين، وعلى أنّ من سبّ مسلما [٤٣٨] بلغ جهده، ومن ضربه حلّ دمه. وراسله الإصبهبذ في الصلح أن يتوادعا ويجعل له شيئا على غير نصر ولا معونة على أحد. فكتب له بذلك كتابا على ألّا يؤووا للمسلمين بغية [٣] ، ولا يسلّوا لهم [٤] إلى عدوّ، ولا يدخل
стр. 389
عليه إلّا بإذنه، وكذلك سبيلهم.
وكان بكير سار حين بعث إلى آذربيجان حتى إذا طلع بجبال خرشدان [١] طلع عليهم اسفندياذ بن الفرّخزاذ مهزوما من واج رود. فكان أول قتاله لقيه بآذربيجان، فاقتتلوا، فهزمه، وأخذ بكير اسفندياذ أسيرا.
فقال له اسفندياذ:
- «الصلح على آذربيجان أحبّ إليك أم الحرب؟» قال: «بل الصلح.» قال: «فأمسكنى عندك. فإنّ أهل آذربيجان إن لم أصالح عليهم أو أجئ لم يقيموا، وجلوا إلى الجبال التي حولها من القبج والروم. ومن كان على التحصن تحصّن إلى يوم ما.» فأمسكه عنده، فأقام وهو في يده، وصارت البلاد إليه إلّا ما كان من حصن.
وقدم عليه سماك بن خرشة، وقد صار اسفندياذ في إساره. [٤٣٩] وفتح عتبة بن فرقد من جهته ما يليه.
فقال بكير لسماك بن خرشة كالممازح:
- «ما الذي أصنع بك وبعتبة؟ أريد أن أمضى قدما فأخلّفكما، فإن شئت فاذهب معى، وإن شئت أتيت عتبة، فقد أذنت لك.» وكاتب عمر في ذلك. فكتب إليه في الإذن على أن يتقدم نحو الباب، وأمره أن يستخلف على عمله. فاستخلف عتبة على ما افتتح. ومضى قدما، وقدّم إسفندياذ إلى عتبة، وأقرّ عتبة سماك بن خرشة، وليس بأبى دجانة، على عمل بكير الذي كان افتتح.
стр. 390
وجمع عمر آذربيجان كلّها لعتبة، وقد كان بهرام بن الفرّخان أخذ بطريق عتبة بن فرقد، وأقام له في عسكره حتى قدم عليه عتبة، فهزمه عتبة وهرب بهرام.
فلما بلغ خبر هزيمته إسفندياذ وهو في الإسار عند بكير، قال:
- «الآن تمّ الصلح وطفئت الحرب وعادت آذربيجان سلما.» فبعث بالأخماس. وكان بكير سبق عتبة بفتح ما ولى، وتمّ الصلح بعد ما هزم عتبة بهرام. فكتب عتبة بينه وبين أهل آذربيجان كتابا- حيث جمع له عمر بكير إلى عمله-[٤٤٠] بالأمان وشروط الجزية وقرى المسلمين وغير ذلك.
فتح الباب والفتوح التي كانت بعده
وأنفذ عمر سراقة بن عمرو- وكان يكنّى ذا النون [١]- إلى الباب وجعل على مقدّمته عبد الرحمن بن ربيعة، وسمى لإحدى مجنّبتيه حذيفة بن أسد، وسمى للأخرى بكير بن عبيد الله الليثي، وهو الذي كان بإزاء الباب قبل قدوم سراقة عليه. فلمّا قدم سراقة قدّم بكيرا في أدانى الباب، فدخل بكير بلاد الباب والملك يومئذ شهربراز [٢] الذي أفسد بنى إسرائيل وأعرى [٣] الشام منهم.
فكاتب عبد الرحمن شهربراز، واستأمنه على أن يأتيه. ففعل، فأتاه، فقال له:
- «إنى بإزاء عدو كلب وأمم مختلفة لا ينسبون إلى أحساب، وليس ينبغي لذي الحسب والعقل أن يعين هؤلاء ولا يستعين بهم على ذوى الأحساب [٤] والأصول، وذو الحسب قريب ذى الحسب حيث كان، ولست من الأرمن في