فحمله إلى ابني حمدان وأخذ عليه منهما جائزة سنيّة ودل على جثّته فحمل إلى الموصل وقطعت يده ورجله وحملت إلى بغداد وصلب شلوه على باب دار الإمارة بالموصل.
فثار العامّة وقالوا:
- «هذا رجل غاز فلا تحلّ المثلة به.» فحطّ وكفّن وصلّى عليه ودفن. وظهر من محبة العامّة له بعد هلاكه ما كان طريفا. بل لا يستطرف من الغوغاء تناقض الأهواء ولا يستنكر للرعاع اختلاف الطباع، وهم أجرأ الخلق إذا طمعوا وأخبثهم إذا قمعوا.
ومضى أبو على ابن مروان من فوره إلى قلعة كيفا، وهي قلعة على دجلة حصينة جدّا وبها زوجة باد الديلمية. [٢٦٣]
ذكر حيلة لابن مروان ملك بها القلعة
لمّا وصل إلى باب القلعة قال لزوجة باد:
- «قد أنفذنى خالي إليك فى مهمّات.» فظنّته حقا. فلمّا صعد وحصل عندها أعلمها بهلاكه، ثم تزوّج بها ورتّب أصحابه فيها ونزل فقصد حصنا حصنا حتى رتّب أمر جميع الحصون، وأقام ثقاته فيها وصار إلى ميافارقين. [١] ونهض أبو طاهر وأبو عبد الله ابنا حمدان إلى ديار بكر طمعا فى فتح القلاع وحملا معهما رأس باد، فوجدا الأمر ممتنعا وقد أحكم ابن مروان بناه وحمى حماه. فعدلا إلى قتاله ووقعت بينهما وقعة كان الظفر فيها لابن مروان، وحصل أبو عبد الله ابن حمدان أسيرا فى يده.
стр. 3257
ذكر جميل لابن مروان إلى أبى عبد الله عند أسره لم يشكر عليه فساءت عاقبة أمره
لمّا أسر ابن مروان أبا عبد الله أحسن إليه وأكرمه وأفرج عنه. فصار إلى أخيه أبى طاهر وقد نزل على آمد. فأشار عليه بمصالحة ابن مروان [٢٦٤] وموادعته والانكفاء عن ديار بكر فأبى أبو طاهر إلّا معاودة حربه مع جمع كثير من بنى عقيل ونمير، واضطرّ أبو عبد الله إلى مساعدته كما ينصر الأخ أخاه ظالما ومظلوما.
وسارا إلى ابن مروان فواقعاه وكان النصر له قهرهما وأسر أبو عبد الله أسرا ثانيا، فأساء إليه وضيّق عليه واعتقله زمانا طويلا إلى أن كاتبه صاحب مصر فى بابه فأطلقه بشفاعته وخطابه ومضى إلى مصر وتقلّد منها ولاية حلب [١] وأقام بتلك الديار حتى توفّى وله بها عقب.
وأمّا أبو طاهر فإنّه انهزم ودخل نصيبين وقصده أبو الدؤاد محمد بن المسيّب، فأسره وعليّا ابنه والرغفير أمير بنى نمير فقتلهم صبرا.
وملك محمد بن المسيّب الموصل وأعمالها وكاتب السلطان وسأل إنفاذ من يقيم عنده من الحضرة. فأخرج المظفّر أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن حمدويه وذلك عند غيبة بهاء الدولة عن بغداد ومقام أبى نصر خواشاذه بها فى النيابة عنه.
فلم تدخل يد المظفّر إلّا فى أبواب المال وفيما كان له ولأبى نصر خواشاذه من الأموال والإقطاع فى النواحي، فاستولى بنو عقيل على سوى ذلك.
стр. 3258
القبض على صاحب المعونة ببغداد وقتله
وفى هذه السنة قبض على أبى الفرج محمد بن أحمد بن الزطّى صاحب المعونة ببغداد. [٢٦٥]
ذكر ما جرى عليه أمره فى القبض عليه إلى أن قتل
كان هذا الرجل قد تجاوز حد الناظرين فى المعونة وأسرف فى الإساءة إلى الناس حتى وترهم، وبالغ فى أيام صمصام الدولة بعد فتنة أسفار فى منع أسباب أبى القاسم عبد العزيز بن يوسف وتطلّب حرمه واستيصال أمواله ونعمه، وأغرق فى الفعل القبيح معهم ومع غيرهم.
وكثرت الطوائل لديه واجتمعت الكلمة عليه وأطمع بهاء الدولة وأبو الحسن الكوكبي المعلّم فى ماله وكثر عندهما مبلغ حاله فقبض عليه واعتقل فى الخزانة وكرّر الضرب عليه أيّاما.
ووقع الشروع فى تقرير أمره فاجتمع أبو القاسم عبد العزيز وأبو محمد ابن مكرم على نصب الحبائل لهلاكه، ووضعا أبا القاسم الشيرازي على أن يضمّنه بمال كثير.
ذكر مكيدة تمّت لعبد العزيز بن يوسف فى أمر الزطّى حتى هلك [٢٦٦]
قال أبو نصر الحسين بن الحسن المعروف بالأستاذ الفاضل: إنّ أبا القاسم عبد العزيز هو الذي سعى واجتهد فى أمر ابن الزطي وذكره عند المعلّم بكل
стр. 3259
ما خوّفه منه وقال:
- «نحن بصدد حرب والمسير للقاء عدو، والحوادث لا تؤمن ومتى استبقيت هذا الرجل لم نأمنه جميعا على من نخلّفه وراءنا من حرمنا وأولادنا وفى الراحة منه قربة إلى الله تعالى وأمن فى العاقبة.» قال المعلّم:
- «إنّ الملك قد أطمع فى مال كثير من جهته.» فقال عبد العزيز:
- «لعمري إنّه ذو مال ولكنّه لا يذعن به طوعا ولا يعطيه عفوا. وهذا أبو القاسم الشيرازي يبذل فيه ألف ألف وخمسمائة ألف درهم ويقول: إنّ المال لا يصحّ وهو حىّ تخافه أصحاب الودائع.» وحضر الشيرازي وبذل مثل ذلك بلسانه.
قال الأستاذ الفاضل: فقلت له:
- «هل أنت على ثقة مما بذلته؟» فقال لى سرّا:
- «علىّ الاجتهاد، فإن بلغت المراد وإلّا حملت إلى زوجة هذا- وأشار إلى المعلّم- عشرة آلاف درهم وقد خلّصتنى من يده.» وضحك وضحكت.
ولم يزل عبد العزيز بالمعلم حتى تقرّر الأمر على قتله. واستؤذن بهاء الدولة وتحقق عنده المال المبذول عنه. فأذن فى ذلك وعبر بالرجل إلى الجانب الغربي وحمل رأسه إلى المعلّم، فأنفذه إلى محمد بن مكرم فوضعه فى غد فى دهليزه ليشاهده الناس.
وهذه حكاية عجيبة [٢٦٧] وليس العجب من قتل ابن الزطي. فإنّه كان من الأشرار وما آل إليه الأشرار من البوار، وإنّما العجب من استيلاء المعلّم
стр. 3260
على بهاء الدولة واستيلاء المرأة على المعلّم حتى يلعبا بالرجال ويتحكّما بالدماء والأموال. وإنّ أمثال هذه الأحوال لتكسو الدول من العار برودا وتنظم لها من المساوى عقودا. فإذا أحبّ الله صلاح دولة طهّرها من مثل هذه الأدناس وقيّض لتدبيرها أخيار الناس، فتكون ما بقيت منصورة مؤيّدة، ثم تبقى محاسنها فى الصحف محفوظة مؤبّدة.
وعوّل بعد قتل ابن الزطّى على أبى محمد الحسن بن مكرم الحاجب وخلع عليه، فأبان فيها أثرا جميلا وأخذ العيّارين والدّعّار أخذا شديدا بعد أن كان قد استشرى أهل الفساد.
فقامت الهيبة واستقامت الأمور على السداد، وأمن البلد وهرب كل ذى ريبة. ثم استعفى منها وخرج فى الصحبة إلى واسط.
ذكر السبب فى ذلك
كان رأى أبى الحسن المعلّم فاسدا فى الوزير أبى منصور، وإنّما أقرّه على الوزارة تأنيسا لأبى القاسم العلاء بن الحسن وتقريرا لحيلة تتمّ عليه.
فلمّا فعل بفارس ما فعله ووقع اليأس من خداعه بعد كشف قناعه، قدّم على [١] القبض [٢٦٨] على الوزير أبى منصور ما كان أخّر، وعوّل على أبى نصر [٢] سابور بن أردشير فى النظر وخلعت عليه خلع الوزارة ونقل الوزير أبو منصور إلى الخزانة ونزل أبو نصر سابور داره.
وعلى ذا مضى الناس! منصور ومخذول ومولّى ومعزول ومختار ومردود ومشتهى ومملول، وأعمال السلطان عوارى لا بدّ من استرجاعها، وملابس لا بد من انتزاعها. والسعيد من حسنت من تلك العواري حاله، وكرمت فى
стр. 3261
خلال تلك الملابس خلاله. فإذا ارتجعت منه بقي له من المجد حظّ موفور، وإذا انتزعت منه صفا عليه من الحمد برد محبّر، فختمت بالصالحات أعماله وذكرت بعده بالخيرات أفعاله.
مسير بهاء الدولة إلى شيراز
وفيها سار بهاء الدولة متوجّها إلى شيراز بعد استتباب أبى نصر خواشاذه فى خلافته ببغداد وخلع عليه وطرح له دستا كاملا فى دار المملكة الأولى وثلاث مخادّ فى الدار الداخلة وما رئي [١] أحد من الوزراء والأكابر جلس فى هذه الدار على مثل ذلك، وكتب له عهد ذكر فيه ب «شيخنا» ، وهو أوّل من خوطب بهذا الاسم من الحواشي.
وعوّل على أبى عبد الله ابن طاهر فى النيابة عن الوزير أبى نصر سابور ببغداد فلم يستقم ما بينه وبين أبى نصر [٢٦٩] خواشاذه واستمرّ الفساد بينهما إلى أن عاد بهاء الدولة، فقبض عليهما على ما يأتى ذكره فى موضعه.
ذكر ما جرى عليه أمر بهاء الدولة فى هذه السفرة
انحدر ومعه أبو الحسن المعلّم والوزير أبو نصر سابور، والأمر لأبى الحسن فى الكبير والصغير وهو الغالب على الرأى فى التدبير.
وأقام بواسط أيّاما وسار ونزل بمعسكر أبى جعفر ابن الحجاج ودخل البصرة فشاهدها وعاد إلى مخيّمه.
وورد عليه خبر وفاة أبى طاهر أخيه، فجلس لعزائه. ثم توجّه إلى الأهواز وسيّر أبا العلاء عبيد الله بن الفضل على مقدّمته ومعه جمهور عسكره
стр. 3262
فصار إلى أرجان ودخلها، وفتح القلعة بالجند وملكها، وكان فيها من أصناف الأموال شيء كثير.
فلمّا وصل الخبر إلى بهاء الدولة سار إلى أرجان ونزلها وأمر بحطّ جميع ما كان فى القلعة من المال وغيره وتسليمه إلى الخزّان وكان من العين ألف [١] ألف دينار ومن الورق ثمانية آلاف ألف ألف درهم [٢] ومن الجوهر والثياب والآلات والأسلحة ما يذّخر الملوك مثله. [٢٧٠]
ذكر ما جرى فى أمر هذا المال حتى تفرّق أكثره
لمّا حصل المال فى الخزائن أحبّ بهاء الدولة تنضيده بأجناسه فى مجلس الشرب. فنضّد جميعه على أحسن تنضيد ووكّل الحفظة والخزان به فى موضعه أيّاما. فكان منظرا أنيقا إلّا أنّه شاع من ذلك ما صار إلى التفرقة طريقا.
فعند ذلك شغب الأتراك والديلم شغبا متتابعا. فأطلقت تلك الأموال حتى لم يبق منها بعد مديدة غير أربعمائة ألف دينار وأربعمائة ألف [٣] ألف درهم حملت إلى الأهواز.
وتوجّه أبو العلاء ابن الفضل من أرجان إلى النوبندجان، وهزم من كان بها من عساكر صمصام الدولة وأثبت أصحابه فى نواحي فارس. وبرز أبو منصور فولاذ بن ماناذر من شيراز، وسار على مقدمة صمصام الدولة وواقع أبا العلاء بخواباذان [٤] فهزمه.
стр. 3263
ذكر هذه الوقعة والمكيدة التي كانت سببا لهزيمة عسكر بهاء الدولة
لمّا حصل أبو العلاء والأتراك بإزاء فولاذ والديلم فى وادي خواباذان وقنطرة [٢٧١] حجاز بين الفريقين تطرّق قوم من الغلمان إلى جمال الديلم فساقوها وعادوا بها إلى معسكرهم ورآهم بقية الغلمان الأتراك فطمعوا فى مثل ذلك، وركب من الغد منهم سبعون غلاما من الوجوه وعبروا القنطرة.
وكان الديلم قد أرسلوا جمالا مهملة لا حماة معها على سبيل المكر والخديعة فاستاقهم الغلمان وكرّوا راجعين.
ووقعت الصيحة فركب فى أثرهم فرسان من الديلم والأكراد كانوا معدّين ووصل الغلمان إلى القنطرة فوجدوا من دونها خمسمائة رجل من الديلم كان فولاذ قد رتّبهم وراء جبل بالقرب. فلمّا عبر الغلمان بأموالهم رأوهم على القنطرة بالرصد فلم يكن للغلمان سبيل إلى العبور ولحقهم الفرسان فأوقعوا بهم وقتلوهم عن بكرة أبيهم، وأخذوا رؤوس أكابرهم فأنفذوها إلى شيراز.
وكان ذلك وهنا عظيما وثلما كبيرا فى عسكر بهاء الدولة.
وراسل فولاذ أبا العلاء فأطمعه وخدعه ثم سار إليه وكبسه، فانهزم من بين يديه وعاد إلى أرجان مفلولا. ولمّا وصل الخبر بذلك إلى صمصام الدولة سار من شيراز.
وغلت الأسعار بأرّجان ونواحيها وضاقت المير والعلوفة. ثم وقع الشروع فى الصلح وتردّدت فيه كتب ورسل فتمّ على أن يكون لصمصام [٢٧٢] الدولة فارس وأرّجان، ولبهاء الدولة خوزستان والعراق، وأن يكون لكل واحد منهما إقطاع فى بلاد صاحبه.
وعقدت العقود وأحكمت العهود وحلف كل واحد منهما للآخر على
стр. 3264
التخالص والتصافي بيمين بالغة، وشرطت وحرّرت على النسختين وعاد بهاء الدولة إلى الأهواز.
وورد أبو عبد الله الحسين بن على بن عبدان نائبا عن صمصام الدولة بالحضرة وناظرا فيما أفرد له من الإقطاع بالعراق، وعوّل على أبى سعد بندار ابن الفيروزان فى النيابة عن بهاء الدولة بفارس.
وفاة صاحب مصر الملقب بالعزيز
وفى هذه السنة ورد الخبر بوفاة أبى الفرج يعقوب بن يوسف وزير صاحب مصر الملقّب بالعزيز [١] .
ذكر حاله وما جرى عليه أمر الوزارة بمصر من بعده
كان أبو الفرج كبير الهمّة عظيم الهيبة فاستولى على الأمر ونصح صاحبه فيه فقرب من قلبه وتمكّن من قربه، ففوّضت الأمور إليه واستقامت على يديه.
فلمّا اعتلّ علّة الوفاة ركب إليه صاحب مصر عائدا ووجده على شرف اليأس فحزن له وقال:
- «يا يعقوب، وددت أن تباع فأبتاعك بملكي أو تفدى فافتديتك. فهل من حاجة توصى بها؟» فبكى [٢٧٣] يعقوب وقبّل يده ووضعها على عينه وقال:
- «أمّا فيما يخصّنى فلا، فإنّك أرعى لحقّى من أن أسترعيك، وأرأف
стр. 3265
بمخلّفى من أن أوصيك، ولكنّى أقول لك فيما يتعلق بدولتك: سالم الروم ما سالموك واقنع من الحمدانية بالدعوة والسكّة، ولا تبق على المفرّج بن دغفل ابن الجراح متى أمكنت فيه الفرصة.» ولم يشغله ما كان فيه من فراق دنياه عن نصح صاحبه ومحبّته وهواه، وكذلك حال كل ناصح صدوق.
ثم توفّى فأمر صاحب مصر بأن يدفن فى قصره فى قبّة كان بناها لنفسه وحضر جنازته فصلّى عليه وألحده بيده فى قبره، وانصرف من مدفنه حزينا لفقده وأغلق الدواوين أيّاما من بعده.
واستخدم أبا عبد الله الموصلي مدّة ثم صرفه وقلّد عيسى بن نسطورس وكان نصرانيا. فضبط الأمور وجمع الأموال ومال إلى النصارى وولّاهم الأعمال وعدل عن الكتّاب والمتصرّفين من المسلمين، واستناب بالشام يهوديا يعرف بمنشا بن ابراهيم بن الفرار، فسلك منشا مع اليهود سبيل عيسى مع النصارى، واستولى أهل هاتين الملّتين على جميع الأعمال.
ذكر حيلة لطيفة عادت بكشف هذه الغمّة [٢٧٤]
كتب رجل من المسلمين قصّة وسلّمها إلى امرأة وبذل لها بذلا على اعتراض صاحب مصر بالظلامة وتسليمها إلى يده وكان مضمونها:
«يا مولانا، بالذي أعزّ النصارى بعيسى بن نسطورس واليهود بمنشا بن الفرار وأذلّ المسلمين بك إلّا نظرت فى أمرى.» وكانت لصاحب مصر بغلة معروفة إذا ركبها مرّت فى سيرها كالريح ولم تلحق. فوقفت له المرأة فى مضيق، فلمّا قاربها رمت بالقصة إليه ودخلت فى الناس. فلمّا وقف عليها أمر بطلبها فلم توجد وعاد إلى قصره متقسم الفكر فى أمره واستدعى قاضيه أبا عبد الله محمد بن النعمان وكان من خاصّته
стр. 3266
وأهل أنسه فشاوره فى ذلك فقال ابن النعمان:
- «أنت أعرف بوجه الرأى.» فقال: «لقد صدقت المرأة فى القصّة ونبّهت من الغفلة.» وتقدّم فى الحال بالقبض على عيسى بن نسطورس وسائر الكتّاب من النصارى وكتب إلى [١] الشام بالقبض على منشا بن الفرار وجماعة المتصرفين من اليهود، وأمر بردّ الدواوين والأعمال إلى الكتّاب المسلمين والتعويل فى الإشراف عليهم فى البلاد [٢] .
ذكر تدبير توصّل به عيسى بن نسطورس إلى الخلاص والعود إلى النظر [٢٧٥]
كانت بنت المتقلّب بالعزيز المعروفة بستّ الملك كريمة عليه حبيبة إليه لا يردّ لها قولا. فاستشفع عيسى بها فى الصفح عنه وحمل إلى الخزانة ثلاثمائة ألف دينار. وكتب إليه يذكره بخدمته وحرمته فرضي عنه وأعاده إلى ما كان ناظرا فيه وشرط عليه استخدام المسلمين فى دواوينه وأعماله.
فتنة العيّارين
وفى هذه السنة كثرت فتن العيّارين بعد انحدار بهاء الدولة ورفعت الحشمة وجرى من الحرب بين أهل الدروب والمحالّ نوبة بعد نوبة ما أعيا فيه الخطب وتكرّر الحريق والنهب تارة على أيدى العيّارين وتارة على أيدى الولاة. وولى المعونة عدّة فما أغنوا شيئا واستمرّ الفساد إلى حين عود بهاء الدولة.
стр. 3267
ودخلت سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة
ذكر القبض على سابور الوزير
فيها قبض على أبى [نصر] سابور الوزير بالأهواز ونظر أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف فى الأمور.
ذكر السبب فى ذلك
لمّا عاد بهاء الدولة بعد الصلح إلى الأهواز شغب الديلم والأتراك وطالبوا [٢٧٦] بإطلاق المال وذكروا أبا الحسن المعلّم وأبا نصر سابور وأبا الفضل محمد بن أحمد عارض الديلم وعلى بن أحمد عارض الأتراك وجاهروا بالشكوى منهم وظاهروا بالكراهية لهم.
وتردّدت بينهم وبين بهاء الدولة مراسلات انتهت إلى أن استوهب منهم أبا الحسن المعلم وأبا القاسم على بن أحمد وأرضاهم بالقبض على أبى نصر سابور وأبى الفضل محمد بن أحمد، وقلّد أبا القاسم عبد العزيز الوزارة وخلع عليه.
ومن حسن سياسة الملوك أن يجعلوا خاصّتهم كلّ مهذّب الأفعال محمود الخصال موصوفا بالخير والعقل معروفا بالصلاح والعدل فإنّ الملك لا تخالطه العامّة ولا أكثر الجند، وإنّما يرون خواصّه. فإن كانت طرائقهم سديدة وأفعالهم رشيدة عظمت هيبة الملك فى نفس من يبعد عنه لاستقامة طريقة من يقرب منه.
فقد ورد عن الإسكندر أنّه قال:
- «انّا إذا فتحنا مدينة عرفنا خيارها من شرارها قبل تجربتهم.» قيل له:
стр. 3268
- «كيف؟» قال: «لانّا نرى خيارهم يتصافون إلى خيارنا وشرارهم إلى شرارنا.» وروى عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أنّه قال:
- «ما شيء أدلّ على شيء ولا الدخان على الدخان [١] من الصاحب على الصاحب.» قال عدىّ بن زيد: [٢٧٧]
عن المرء لا تسأل وأبصر [٢] قرينه ... فإنّ القرين بالمقارن يقتدى
وإذا كان خواصّ الملك ممن يقدح فيهم وتذكر مساويهم، قلّت الهيبة فى النفوس فأظهر الجند استقلالا لأمره، ثم صار الإضمار نجوى بينهم، ثم زادت الحيرة فصارت النجوى إعلانا. فعند ذلك تقع المجاهرة وترتفع المراتبة ويتحكمون عليه تحكّم الآمر لا المأمور، والقاهر لا المقهور.
وفى هذه السنة أنفذ خلف بن أحمد عمرا ابنه إلى كرمان ودفع تمرتاش عنها.
شرح [ما] [٣] عليه أمر خلف بن أحمد صاحب سجستان فى إنفاذ عمرو ابنه إلى كرمان ويتّصل هذا الحديث بما جرى بعد هذه السنة من أحوال تلك البلاد
كان أبو أحمد خلف بن أحمد المعروف بابن بنت عمرو [٤] بن الليث
стр. 3269
الصفّار قد ورد العراق فى أيام معزّ الدولة، وخلع عليه بالحضرة الخلع السلطانية لولاية سجستان.
وكان ردىء الدخيلة فى الباطن جيّد الناموس فى الظاهر، شديد الطمع فى الأموال، متوصلا إلى أخذها باللطف والاحتيال، ويقول: [٢٧٨]- «ليس يجب أن يكون للرجال من الرعيّة أكثر من عشرة آلاف درهم.
لأنّها ذخيرة لذي الحاجة وبضاعة لذي التجارة» .
ذكر الحيلة التي استمرّ عليها خلف بن أحمد فى أخذ أموال رعيته
كان يتبع أمور أهل البلاد فى مكاسبهم ومتاجرهم وبضائعهم وذخائرهم.
فإذا عرف استظهار قوم منهم عمل ثبتا بأسمائهم.
وخرج على وجه التنزّه والتصيّد ونصب رجلا من أصحابه فى النيابة عنه ووافقه على أخذهم ومطالبتهم بالفضل الذي يقدّر أنّه فى أيديهم. فإذا علم أنّ المال معظمه قد صحّ من جهتهم، رجع فيشكون إليه ما عوملوا به. فيظهر لهم التوجّع ويتقدّم بالإفراج عن من بقي منهم فى الاعتقال ومسامحتهم بما تأخّر عليهم من المال، ويحضر صاحبه الذي استنابه فيجلله بالإنكار، وربّما ضربه بمشهدهم ليزول ما خامر قلوبهم من الاستشعار.
وكان يمشى إلى المسجد الجامع فى كل جمعة بالطيلسان. وربّما خطب وصلّى بالناس وأملى الحديث وله إسناد عال ورواية عن شيوخ العراقيّين ومحدّثى الحرمين.
وكان عضد الدولة عند حصوله بكرمان [١] قرّر معه هدنة على أن لا
стр. 3270
يتعرّض [٢٧٩] كلّ واحد منهما ببلاد صاحبه، وكتبا بينهما كتابا بذلك شاع ذكره عند أمراء سامان [١] وكبراء أهل خراسان وجرى الأمر على المسالمة مدّة أيام عضد الدولة.
فلمّا توفّى وملك شرف الدولة وانصرف أبو على الحسين بن محمد الحاجب عن كرمان وتقلّدها تمرتاش وسار شرف الدولة إلى العراق، تحدّثت نفس خلف بالغدر، ثم أحجم عن الأمر.
فلمّا توفّى شرف الدولة وملك صمصام الدولة فارس ووقع الخلف بينه وبين بهاء الدولة قوى طمعه وجهّز جيشا مع عمرو ابنه، فلم يشعر تمرتاش بهم حتى نزلوا بعيص أردشير ليلا، وكان هو وعسكره فى موضع يعرف بتركياباد من أبنية أبى عبد الله بن إلياس [٢] ومعهم أموالهم وعلاهم. فكان قصاراهم أن تركوا الدور وما فيها من الأموال ودخلوا بردشير [٣] بما أمكنهم حمله وحصلوا فى الحصار وملك عمرو بن خلف جميع أعمال كرمان سوى بردشير وجبى الأموال وصار تمرتاش [٤] إلى فارس.
وكانت بينه وبين العلاء بن الحسن عداوة من أيّام شرف الدولة فوجد العلاء فى هذا الوقت الفرصة التي كان يتوقّعها فى أمره.
ذكر الحيلة التي رتّبها العلاء بن الحسن فى القبض على تمرتاش وقتله من بعد [٢٨٠]
قال العلاء ابن الحسن لصمصام الدولة:
стр. 3271
- «إنّ تمرتاش فى جنبه بهاء الدولة ولا يؤمن أن يميل إليه ويقيم الخطبة له.» وقرّر معه تجهيز عسكر كثير من الديلم لمعونته وموافقة وجوههم على القبض عليه عند الحصول ببردشير، فأخرج أبا جعفر نقيب نقباء الديلم وتقدّم إليه بذلك.
وسار أبو جعفر إلى كرمان وعرف عمرو بن خلف حصوله بالشيرجان [١] فعاد إلى بمّ ونرماشير. وتمّم أبو جعفر إلى بردشير. فاستقبله تمرتاش مبعدا فى استقباله وسارا جميعا إلى الخيم التي ضربت لأبى جعفر. فلمّا وصلا إليها قال أبو جعفر لتمرتاش:
- «بيني وبينكم ما يجب أن نتواقف عليه فى هذا العدوّ والصواب أن نقدّمه.» فعاد إلى مضاربه. وكان أبو جعفر قد رتّب فيها قومان من الديلم لما يريده فحين نزلا قبض عليه وقيّده فأنفذ إلى داره من احتاط على خزائنه وإصطبلاته وكان مموّلا، فوجد له ما عظم قدره. وحمل تمرتاش إلى شيراز فحبسه العلاء، ثم قتله.
ولمّا فرغ أبو جعفر من أمر تمرتاش سار بالعسكر الذي صحبه وبمن كان مقيما ببردشير يطلب مواقعة عمرو بن خلف.
ذكر ما جرى عليه أمر [٢٨١] أبى جعفر فى هزيمته
لمّا التقى الفريقان بدارزين وهي فى سهل من الأرض يتّسع فيها اطّراد الفرسان استظهر ابن خلف عليه بكثرة من الفرسان وضاقت المير على أبى
стр. 3272
جعفر ومن معه. فهرب ليلا وعاد على طريق جيرفت.
وبلغ الخبر صمصام الدولة ومدبّرى أمره فانزعجوا منه، ثم أجمعوا أمرهم وأخرجوا العباس بن أحمد الحاجب إلى هذا الوجه فى عدد كثير من طوائف العسكر وسار متوجّها للحرب.
ذكر ما جرى عليه أمر عمرو بن خلف فى هذه الوقعة وهزيمته وما آل حاله إليه من القتل
لمّا حصل العبّاس بن أحمد الحاجب بقرب الشيرجان، برز إليه عمرو بن خلف ووقعت الوقعة على باب البلد. فكانت الدائرة على عمرو وأسر ألفتكين وكان وجيها فى عسكره والمعروف بابن أمير الخيل صهر خلف وعدد كثير من السجزيّة وذلك فى محرّم سنة اثنتين وثمانين.
وعاد عمرو إلى سجستان مفلولا مع نفر من أصحابه. ولمّا دخل إلى أبيه قيّده وأزرى به وعجزه [٢٨٢] فى هزيمته. وحبسه أيّاما ثم قتله بين يديه، وتولّى غسله والصلاة عليه ودفنه فى القلعة.
فليت شعري ما كان مراده من قتل ولده! ما [١] كان عذره فى قطع يده بيده؟ أتراه ظنّ أنّه يشفى غلّته أو يجبر وهنه بفتّ عضده؟ كلا بل خاب ظنّه وزاد وهنه وطال حزنه لقد فعل فى الدنيا نكرا وحمل للآخرة وزرا.
فويل للقاسية قلوبهم ما أبعدهم من الصواب وأقربهم من العذاب! ووصل أبو على ابن أستاذ هرمز إلى فارس وقرب من خدمة صمصام الدولة فشرع فى إنفاذ أستاذ هرمز أبيه [٢] إلى كرمان وقرّر الأمر معه واستعيد العباس وتوجّه أستاذ هرمز.
стр. 3273
فقال أبو بكر ابن عمرو بن يعقوب كاتبه: لمّا انتهى الخبر إلى خلف بن أحمد وجم لذلك الجند، ورأى أنّه قد رمى [١] بحجره حين لا قدرة له على الذبّ عن حريمه لتمزّق رجاله واضطراب حاله، وعلم أنّه متى قصده فى عقر داره وهو على هذه الصورة انتهز فيه الفرصة. فعمد إلى إعمال الحيلة.
ذكر حيلة عملها خلف بن أحمد فى تعليل أستاذ هرمز عن قصده [٢٨٣]
كتب كتابا غير معنون أقام فيه العذر لنفسه وجعل حجّته فى نقض الهدنة العضدية اختلاف صمصام الدولة وبهاء الدولة. إذ كان من شروط الهدنة أنّها ماضية بينهما مدة حياتهما ومنتقلة إلى أولادهما بعدهما ما لم يختلفوا وأنّ نقضه لها كان لهذا العذر، وأنّه متى استونف معه الصلح أجاب إليه.
وأنفذ الكتاب على يد أحد الصوفية. قال أبو بكر: فلمّا وصل الكتاب قرأته على أستاذ هرمز وعرّفته ما فى الصلح من الصلاح. فتقدّم إلىّ بكتب جوابه على نحو ما وقع الإبتداء، ففعلت.
واستمرّ خلف على هذه الطريقة فى مواصلة المكاتبة وتقرير أمر الهدنة حتى استقرّت. وكتب بها كتابا أخذ فيه خطوط الشهود وتوثّق بالأيمان والعهود. واتصلت المهاداة والملاطفة بين الجهتين وخلف فى أثناء هذه الأحوال يجمع المال ويثبت الرجال ويتجدد العهد، حتى إذا قويت شوكته نقض عهده.
وأظهر كتابا من المعتضد بالله رحمة الله عليه، ببلاد كرمان إقطاعا لجدّه عمرو [ابن] الليث الصفّار وجعل ذلك عذرا عند ملوك الأطراف العارفين بما
стр. 3274
استقرّ من تلك المعاهدة.
ذكر مكيدة لخلف أراد بها [٢٨٤] إساءة سمعة أستاذ هرمز
كان بسجستان قاض يعرف بأبى يوسف البزّاز مقبول القول بين الرعيّة يعظمونه غاية الإعظام ويجرونه عندهم مجرى الإمام. فاستدعاه خلف وأخرجه رسولا إلى أستاذ هرمز وضمّ إليه رجلا من الصوفية يعرف بالحلبي كالمؤانس له، وسلّم إلى المتصوّف سمّا وواقفه على أن يقتله فى طعام يحمل إليه من دار أستاذ هرمز وفى عقب حضوره على طبقه، لينسب الناس قتله إليه. ورتّب للصوفي جمّازات بين سجستان وبمّ وقال له:
- «إذا قضيت الأرب فأهرب.» فتوجّه أبو يوسف غافلا عمّا يراد به، ووصل إلى أستاذ هرمز وهو ببمّ، فأكرمه وسمع منه ما أورده عليه ووعده بالجواب عنه.
ودخل الصوفي بينهما فى السفارة وحصلت له بها قدم عند أستاذ هرمز فآنس به. فأشار عليه باستدعاء أبى يوسف إلى طعامه ليشاهد فضل مروءته فيتحدّث به فى بلده.
فقبل منه واستدعى أبا يوسف لذلك، فاستعفاه وامتنع. فصار الصوفي إلى أبى يوسف وقال له:
- «إنّ فى امتناعك عليه إيحاشا له.» ولم يزل به حتى لبّى دعوته وحضر عنده فى بعض ليالي شهر رمضان.
واتّخذ الصوفي شيئا كثيرا من القطائف. فمنه ما عمله بالفانيد السجزى على عادة تلك البلاد ومنه ما عمله بالسكّر [٢٨٥] الطبرزد واللوز على رسم أهل بغداد، وجعل السمّ فى البغدادي.
стр. 3275
فلمّا انصرف أبو يوسف من دار أستاذ هرمز بعد إفطاره معه، سأله الصوفي عن حاله وما شاهده من مروءته. فما زال أبو يوسف يذكر شيئا شيئا حتى أفضى الحديث إلى ذكر القطائف. فوصف أبو يوسف جودة ما أحضر منه على الطبق. فقال الصوفي:
- «ما أظنّ القاضي أكل ممّا يصلح عندنا فى العراق، وقد عملت منه شيئا ليأكله ويعلم أنّ لبغداد الزيادة على كلّ بلد.» وقام وأحضر ما أودعه السمّ. فاستدعى أبو يوسف جماعة من أصحابه ليأكلوا معه. فقال له الصوفي:
- «هذا شيء نحبّ أن يتوفّر عليك، وقد عملت لاصحابنا ما يصلح لهم.» وأحضر ما كان عمله على رسم تلك البلاد، ودعا القوم إليه، وأكل أبو يوسف من المسموم [١] وأمعن فيه.
وخرج الصوفي من الدار وقصد باب البلد وركب جمّازة معدّة ودخل المفازة متوجّها إلى سجستان ونام أبو يوسف. فما مضت ساعة حتى عمل السمّ فيه وطلب الصوفي، فلم يلحق ولا عرف له خبر، فأحسّ بالحيلة.
قال أبو بكر الكاتب:
- «فجاءني رسوله فى جنح الليل يستدعينى. فجئته وهو كما به يتقلّب على فراشه ويحتسب الله على خلف. فوصّانى بحفظ ما يخلفه ومعاونة أصحابه على حمله إلى بلده وتسليمه إلى ورثته. وبقي ساعة وقضى [نحبه] [٢٨٦] وعرف أستاذ هرمز الخبر فقلق لأجله. ثم رأى كتمان الأمر وأحسن إلى أصحاب أبى يوسف وأعادهم موفورين.» ووصل الصوفىّ إلى خلف وحدّثه الحديث، فقرر معه أن يقول فى المحفل
стр. 3276
الذي يجتمع الناس فيه: أنّ أستاذ هرمز غدر بأبى يوسف وسمّه وقتله، وأراد أن يفعل بى مثل ذلك فخرجت على وجهى هاربا منه، وأنّه قد نقض العهد وعزم على المسير إلى هذه البلاد.
ثم عقد مجلسا فيه القضاة والشهود ووجوه الخاصّة والعامّة وأحضر الصوفي حتى أورد ما توافقا عليه. فما استتمّ الصوفي كلامه حتى أجهش بالبكاء والنحيب وقال:
- «وا أسفاه على القاضي الشهيد.» ونادى: «النفير لغزو كرمان.» فكتب محاضر بذلك، وأنفذها إلى أصحاب الأطراف، وشنّع على أستاذ هرمز بالغدر والنكث. وندب ولده طاهرا المعروف بشير بابك [١] مع أربعة آلاف غلام وخمسة آلاف رجل من السجزيّة إلى كرمان.
فسبحان من خلق أطوارا وجعل منهم أخيارا وأشرارا! ما كان أجرأ [٢] هذا الرجل على فعل المحظور وقول الزور! أتراه ما سمع قول الله تعالى:
«وَمن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً» ٤: ٩٣ [٣] . وقوله سبحانه: وَمن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ به بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ [٢٨٧] بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً» ٤: ١١٢ [٤] ، إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ» ١٤: ٣٤ [٥] ولقد أقدم على ظلم عظيم.
стр. 3277
ذكر ما جرى عليه أمر طاهر بن خلف بكرمان
سار طالع مع عسكره إلى نرماسير وبها شهفيروز ابن بنت ملكا بن وندا خرشيد فى عدّة من وجوه الديلم والجيل [١] وفيهم سراهنك بن سياهجيك الجيلي قريب زيار بن شهراكويه، وكان فارسا شجاعا، فوصلوا إلى باب البلد سحرا. فما شعر الناس إلّا بنعرة الأتراك.
وبادر الديلم عند ذلك إلى ميدان فى البلد، فاجتمعوا فيه وتشاوروا فيما بينهم فيما يدبّرون به أمرهم مع قصورهم عن مقاومة من نزل بساحتهم.
فبينما هم فى تراجع القول إذ أحرق السجزية أحد أبواب البلد وصعدوا السور. واستقرّ رأى الديلم على الخروج من باب يفضى إلى البساتين والحيطان وسلوك طريق بينهما تضيق عن مجال الفرسان وتوجّهوا على هذه النيّة.
فلمّا وصلوا إلى الباب صادفوا السجزيّة داخلين منه. فتلاقوا وكان يقدم الديلم سراهنك بن سياهجيك. فرمى مليلين [٢] الدواتى أحد قوّاد خلف بزوبين سقط منه صريعا ورمى آخر فقتله وثلّث. فانهزم السجزية ناكصين على أعقابهم [٢٨٨] إلى الصحراء.
وخرج الديلم بأهلهم وأموالهم ولزموا حيطان البساتين وقصدوا جبلا كان قريبا منهم وصعدوا فيه حتى خلصوا ومضوا إلى جيرفت.
ولم يقدم فرسان ابن خلف على اتّباعهم فى تلك الطريق ودخل طاهر بن خلف نرماسير [٣] بعد انصرافهم منه.
стр. 3278
وبلغ أستاذ هرمز الخبر وهو ببمّ، وكان فى القلعة التي هو بها سلاح كثير له خطر كبير.
ذكر ما دبّر به أستاذ هرمز أمره عند وصول الخبر إليه
جمع إليه من كان معه من الديلم وشاورهم فى الأمر فقالوا:
- «لا طاقة لنا اليوم بهذا الرجل مع قوة شوكته، لا سيّما وقد انقطع عنّا العسكر الذين كانوا بنرماسير، والصواب أن نحمل من هذه الأسلحة ما نقدر على حمله ونحرق الباقي، لئلا يستظهر العدوّ به علينا ونمضي إلى جيرفت ونقرّر رأينا هناك» .
فاستصوب رأيهم وعمل به وبادر إلى جيرفت وأقام بها يستكثر من الرجال ويستعدّ للقتال.
وسار ابن خلف إلى بردسير [١] لأنّها قطب كرمان ومن ملكها وقلعتها تمكّنت قدمه واستقام ملكه. [٢٨٩]
ذكر ما جرى عليه أمر ابن خلف فى قصد بردسير وما آل أمره إليه من الهزيمة
كان الحامى ببردسير فى ذلك الوقت أبو بكر محمد بن الحسن قريب أبى الوفاء طاهر بن محمد، فجاهد فى الذبّ عن البلد ثلاثة أشهر ثم ضاقت الميرة، فكتب إلى أستاذ هرمز يعلمه اشتداد الحصار به وأنّه متى لم يدركه سلّم البلد.
стр. 3279
فبلغ ذلك من أستاذ هرمز كلّ مبلغ وخاف أن تتمّ الحيلة فيه. فسار من جيرفت فى سنة أربع وثمانين والزمان شات، ولاقى عسفا فى طرق سلكها وأخطار ركبها. فلمّا قرب من بردسير أخذ فى لحف الجبل حتى صار بينه وبين القلعة ثلاثة فراسخ ثم رتّب مصافّه وسار.
وعرف من فى القلعة وروده، فضربوا البوقات والطبول وبرزوا. وتلاقى السجزية عسكر أستاذ هرمز واقتتلوا عامّة النهار وأستاذ هرمز زحف بعسكره إلى باب البلد حتى إذا شارفه قلع السجزية مضاربهم من موضعها وتأخّروا واختلطوا محاصرين [١] لعسكر أستاذ هرمز.
وقوى بعضهم ببعض وهابهم السجزية وأحجموا عن الإقدام عليهم وأقاموا يوما واحدا. [٢٩٠] ثم أوقدوا النيران ليلا يوهمون بها أنّهم مقيمون، ورحلوا.
وعرف أستاذ هرمز خبر انصرافهم سحرا فأنفذ أبا غالب ابنه فى جماعة من الفرسان لاقتصاص آثارهم فسار مجدّا فى طلبهم وقتل جماعة ظفر بهم منهم.
ورحل أستاذ هرمز يطوى المنازل إلى نرماسير، فوصلها وقد دخل طاهر بن خلف المفازة عائدا إلى سجستان.
ونعود إلى سياقة التاريخ.
عود بهاء الدولة من الأهواز إلى مدينة السلام
وفى هذه السنة عاد بهاء الدولة من الأهواز إلى مدينة السلام وقبض على أبى نصر خواشاذه وأبى عبد الله ابن طاهر.
стр. 3280
ذكر السبب فى ذلك
كان أبو الحسن المعلّم يتوقّع فى كل ناظر خدمة وهديّة وكان أبو نصر فيه شحّ يمنعه عن ذلك، فإذا أشير عليه قال:
- «إنّما يفعل هذا الفعل من يرتزق أو يرتفق.» ففسد رأى أبى الحسن فيه فسادا عرفه كلّ أحد، وبلغ أبا نصر فخافه وهمّ بالهرب عن قرب بهاء الدولة، واستدعى من العرب من يخرج معه.
ثم توقّف وأشار عليه أهل أنسه بتلافى أبى الحسن بما يحمله إليه، فنازلهم إلى ألف دينار. فقالوا له:
- «تكون وزنا يلقى بها بواسط.» فلم يفعل وأخذ خطّ بعض الباعة به وأنفذه إليه فلم يقع موقعه، إلّا أنّه قبله تأنيسا له. وورد مدينة [٢٩١] السلام فقبض عليه وأخذ له عند القبض عليه من عدّة مواضع ما بلغ قيمته ألفى ألف دينار وأفرج عنه بعد ذلك بمدّة.
فانظر إلى هذا الشحّ المطاع كيف ألقى صاحبه فى المهالك، وأخرجه إلى ضيق المسالك. فإنّه ضيّع الكثير من حيث حفظ القليل.
والجوّاد أملك لماله من الشحيح. لأنّ ذلك يبدّله: إمّا لنفع عاجل وإمّا لذخر آجل. وهذا يخزنه: إمّا لحادث وإمّا لوارث. فذاك محظوظ وهذا محروم. وذاك مشكور وهذا مذموم.
وقد قيل: أنفق فى حالتي الإقبال والإدبار والإنفاق فى زمن الإقبال لا ينقص حالا والإمساك فى زمن الادبار لا يحفظ مالا. قال الله تعالى: «وَمن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» ٥٩: ٩ [١] .
стр. 3281
القبض على ابن طاهر
فأمّا أبو عبد الله ابن طاهر فإنّه كان نائبا عن أبى نصر سابور، إلّا أنّه أقرّ على أمره عند القبض على سابور بالأهواز، لأنّه أعطى أبا الحسن المعلّم ما أرضاه، ثم [لم] [١] يدفع عنه كراهة منه لإيحاش أبى القاسم عبد العزيز، فقبض عليه وقرّر أمره على مال صحّحه وخلّى عنه.
سكون فتنة العيّارين
وفيها سكنت الفتنة وتتبع العيارون وأخذوا وقتلوا واطمأن الناس وقامت الهيبة. وكان فى جملة العيّارين المأخوذين إنسان يعرف بابن جوامرد [٢] من وجوههم، وكان قد أبقى فى أيام [صمصام الدولة] [٢٩٢] وحرس الأسواق.
فسئل بهاء الدولة فى أمره فآمنه، [٣] ومن أبقى أبقى عليه، ومن أساء أساء [٤] إليه، ومن أحسن أحسن إليه.
وفيها هرب أبو منصور فولاذ بن ماناذر من شيراز.
ذكر السبب فى هرب فولاذ
لمّا استفحل أمره بفارس وزاد على حدّ أصحاب الجيوش حصل صمصام الدولة تحت حكمه وجعل اسمه مقترنا باسمه فى المناشير وكتب فيها:
«هذا كتاب من صمصام الدولة وشمس الملّة أبى كاليجار بن عضد الدولة
стр. 3282
يمين أمير المؤمنين، ومن عبده وصاحب جيشه نجم الدولة أبى منصور مولى أمير المؤمنين.» كانت بينه وبين العلاء بن الحسن المودّة التي تقدّم ذكرها. ثم استحالت عداوة ثبتت على الأيام أصولها وبسقت فروعها. فعمل فولاذ على القبض عليه وخاطب صمصام الدولة على ذلك، فأجابه إلى مراده منه.
ذكر الحيلة التي رتّبها فولاذ على العلاء بن الحسن وانعكاسها حتى صارت الدائرة على فولاذ [٢٩٣]
صار فولاذ إلى دار الإمارة وفيها أبو القاسم العلاء بن الحسن على عادته.
فقدم إليه واستقبله وقضى حقّه وأخذ بيده وما شاه وحادثه. ثم وقف على باب بيت ودفع فى صدره حتى حصل بالبيت وأغلق بابه عليه ووكّل به قوما.
فاشتغل فولاذ بلقاء الديلم وسلامهم وخطابهم على أمورهم. وكان البيت الذي حصل فيه له باب آخر قد سمّر فعالجه حتى فتحه وخرج منه ودخل على صمصام الدولة فى حجرة خلوته. فقال له:
- «قد قبض هذا الرجل علىّ، وغرضه فى ذلك أن لا يترك بين يديك من يخدمك، وفى نفسه أن يعلو على الملك.» قال: «فما الرأى.» قال: «أن تقبض عليه إذا دخل إليك الساعة وعلىّ أن لا يجرى من العسكر قول فى معناه.» ففعل وتقدّم إلى بعض الحواشي بالقبض عليه إذا أقبل إلى حضرة صمصام الدولة والعدول به إلى بعض البيوت.
стр. 3283
وسمع علىّ الأرزنانى [١] النديم الحديث، وكان يتجسّس على صمصام الدولة لفولاذ. فلمّا وافى فولاذ أومى علىّ [٢] إليه بيده أن:
- «ارجع فإنّك مأخوذ.» فرجع فولاذ نافرا وانصرف إلى داره.
وخرج العلاء بن الحسن إلى وسط العسكر على أثره وأظهر لهم عصيانه ونادى للركوب إليه والقبض عليه. فعرف فولاذ ما عوّل عليه العلاء، فأخذ ما خفّ من ماله على الجمّازات وسار.
وتبعه العلاء مغذّا فى طلبه [٣] قانعا بما تمّ عليه [٢٩٤] من هربه. ومضى فولاذ إلى الأكراد الخسروية فنزل عليهم. وعاد العلاء وأقطع الديلم إقطاعات فولاذ واستقام الأمر له.
وكاتب الأكراد وطالبهم بفولاذ وسبق إليهم بالوعيد إن لم يسلموه وكانوا قد طمعوا فى مال فولاذ. وانضاف إلى الطمع فيه الخوف من العلاء، فنهبوه وأفلت بنفسه منهم وحصل بالرىّ وأقام عند فخر الدولة، إلى أن توفّى. فأمّا علىّ الارزنانى، فإنّ صمصام الدولة أمر بقتله فقتل.
ذكر القبض على عبد العزيز بن يوسف وأصحابه
وفيها قبض على أبى القاسم عبد العزيز بن يوسف وعلى أصحابه وأسبابه.
وكانت مدة نظره ببغداد شهرين ونصفا. وقلّد أبو القاسم على بن أحمد الأبرقوهى الوزارة وخلع عليه.
стр. 3284
وفى هذا الوقت قبض على الطائع لله وقد جلس لبهاء الدولة.
ذكر السبب فى القبض على الطائع لله رضوان الله عليه
كان أبو الحسن المعلم- وبئس القرين هو- قد كثّر عند بهاء الدولة مال الطائع لله وذخائره وأطمعه فيها وهوّن عليه أمرا عظيما وجرّأه على خطّة شنعاء، فقبل منه وقبض عليه. ثم لم يحظ من ذلك إلّا بسوء الذكر إلى آخر الدهر. ولولا أنّ حسنات أيام القادر بالله رضوان الله عليه، أسبلت [٢٩٥] على مساوئ هذا الفعل سترا، لما وجد عند الله تعالى ولا عند المخلوقين عذرا.
لكن محاسن ذلك الإمام التقىّ الرضىّ أعادت وجه الدين مشرقا وعود الإسلام مورقا.
فأمّا شرح ما جرت عليه الحال يوم القبض فلم نذكره إذ لا سياسة فيه فتحكى، ولا فضيلة فتروي. إلّا أبياتا للرضىّ أبى الحسن الموسوي ﵀. فإنّه كان فى جملة من حضر. فلمّا أحسّ بالفتنة أخذ بالحزم وبادر الخروج من الدار، وتلوّم من تلوّم من الأماثل، فامتهنوا وسلبت ثيابهم وسلم هو فقال:
أعجب لمسكة نفسي بعد ما رميت ... من النوائب بالأبكار والعون
ومن نجاتي يوم الدار حين هوى ... غيرى ولم أخل من حزم ينجّينى
مرقت منها مروق النجم منكدرا ... وقد تلاقت مصاريع الرّدى دوني
وكنت أول طلّاع ثنّيتها ... ومن ورائي شرّ غير مأمون
من بعد ما كان ربّ الملك مبتسما ... إلىّ أدنيه فى النّجوى ويدنيني
أمسيت أرحم من أصبحت أغبطه ... لقد تقارب بين العزّ والهون
ومنظر كان بالسّرّاء يضحكني ... يا قرب ما عاد بالضّرّاء يبكيني
стр. 3285
هيهات أغترّ بالسلطان ثانية ... قد ضلّ ولاج أبواب السلاطين [١]
[٢٩٦]
وبالله تعالى نستعين من شرّ الفتن وانقلاب الزمن، وإيّاه نسأل سلامة شاملة وعاقبة حميدة بمنّه.
стр. 3286
خلافة القادر بالله
ولمّا انصرف بهاء الدولة إلى داره- وقد حمل الطائع لله قبله إليها واعتقل فيها- أظهر أمر الخليفة القادر بالله أبى العبّاس أحمد بن اسحق بن المقتدر بالله رضوان الله عليهم، ونادى بشعاره فى البلد.
وكتب على الطائع كتابا بالخلع وتسليم الأمر إلى القادر بالله رضى الله عنه، وشهد الشهود فيه عليه، وكانت مدة خلافته سبع عشرة سنة وثمانية أشهر وخمسة أيام.
وانحدر إلى حضرة القادر بالله من خواصّ بهاء الدولة من يهنّيه بالخلافة ويصعد فى خدمته إلى مدينة السلام.
وشغب الديلم والأتراك مطالبين برسم البيعة ومنعوا من الخطبة باسم الخليفة فى يوم الجمعة، فقيل:
- «اللهم أصلح عبدك وخليفتك القادر بالله. [١] » فقيل: «اللهم أصلح عبدك وخليفتك» [٢] ولم يسمّ.
وتردّدت الرسل بين بهاء الدولة وبين العسكر، فأرضى الوجوه والأكابر ثمّ
стр. 3287
قرّر لكلّ واحد ثمانمائة درهم وأخذت البيعة على الجماعة واتفقت الكلمة على الرضا [١] والطاعة.
وأقيمت الخطبة باسم أمير المؤمنين القادر بالله أبى العبّاس أحمد رضوان الله عليه، فى يوم الجمعة الثالث من شهر رمضان. وقيل: إنّ القادر بالله [٢٩٧] رضوان الله عليه، رأى رؤيا قبل ورود الخبر إليه بمصير الأمر إليه.
ذكر الرؤيا التي رآها القادر بالله رضوان الله عليه
قال هبة [الله] بن عيسى كاتب مهذّب الدولة:
كنت أغشى مجلس القادر بالله فى مقامه بالبطيحة فى كل أسبوع يومين.
فإذا حضرت رفعنى وإذا رمت تقبيل يده منعني. فدخلت إليه يوما فوجدته قد تأهّب، لم تجر عادته بمثله ولم أر منه ما عوّدنيه من الإكرام، وجلست دون موضعي فما أنكر ذلك منّى، ورمت تقبيل يده فمدها إلىّ. فاختلفت بى الظنون لزلّة منّى، فإن تكن فأسأل إعلامى بها، فإمّا أن أطلب مخرجا منها بالعذر، أو ألوذ فيها بالعفو. فأجابنى بوقار أن اسمع:
- «رأيت البارحة فى منامي كأنّ نهركم هذا- وأومى إلى نهر الصليق- قد اتسع حتى صار عرض دجلة دفعات، وكأنّى متعجب من ذلك وسرت على حافته [مستعظما] لأمره ومستطرفا لعظمه. فرأيت دستاهيج قنطرة عظيمة [٢] فقلت: ترى من قد حدّث نفسه بعمل قنطرة فى هذا الموضع على مثل هذا البحر الكبير؟ وصعدته فكان [٢٩٨] بثقا محكما ومددت عيني وإذا بازائه مثله، وزال الشكّ عنّى فى انهماد دستاهيج قنطرة وأقبلت أصعد وأصوّب فى التعجب. فبينما أنا واقف عليه إذ رأيت شخصا قد تأمّلنى من ذلك الجانب
стр. 3288
وناداني: يا أحمد أتريد أن تعبر؟ قلت: نعم. فمدّ يده حتى وصلت إلىّ وأخذنى وعبر بى. فهالني فعله فقلت له وقد تعاظمنى أمره: من أنت؟ قال:
علىّ بن أبى طالب. هذا الأمر صائر إليك ويطول عمرك فيه، فأحسن إلى ولدي وشيعتي.» فما أنهى الخليفة هذا المقال من قوله حتى سمعنا صياح ملّاحين وضجيج ناس. فسألنا عن ذلك فقيل:
- «ورد أبو علىّ ابن محمد بن نصر وجماعة معه.» فإذا هم الواردون للإصعاد به فقد تقرّرت الخلافة له. فعاودت تقبيل يده ورجله وخاطبته بإمرة المؤمنين وبايعته.
ثم قام مهذّب الدولة بخدمة الخليفة فى إصعاده وانحداره أحسن قيام، وحمل إليه من المال والثياب والآلات ما يحمل مثله إلى الخلفاء، وأعطاه الطيّار الذي كان صنعه لنفسه، وشيّعه إلى بعض الطريق وأنفذ هبة [الله] بن عيسى فى خدمته.
فلمّا وصل إلى واسط اجتمع الخدم بها وطالبوا برسم البيعة وجرت لهم خطوب انتهت إلى أن وعدوا بإجرائهم مجرى البغداديّين.
فلمّا تقررت أمورهم عليه ورضوا. سار. فلمّا بلغ الجبل انحدر بهاء الدولة ووجوه الأولياء وأماثل الناس لتلقّيه [٢٩٩] وخدمته ودخل دار الخلافة ليلة الأحد ثانى عشر رمضان.
ذكر جلوس القادر بالله أمير المؤمنين رضوان الله عليه على سرير الخلافة
جلس ثانى يوم حصوله فى الدار جلوسا عامّا وهنّئ بالأمر وأنشد المديح
стр. 3289
بالشعر. وكان من ذلك قصيدة للرضىّ أبى الحسن الموسوي [١] أولها:
شرف الخلافة يا بنى العبّاس ... اليوم جدّده أبو العبّاس
هذا الذي رفعت يداه بناءها ال ... عالى وذاك موطّد الآساس [٢]
ذا الطّود بقّاه الزمان ذخيرة ... من ذلك الجبل الأشمّ الرّاسى
وتمامها مثبت فى ديوان شعره [٣] ولقد صدق الموسوي فى قوله. [٤] إنّ القادر بالله جدّد معاهد الخلافة وأنار أعلامها، وكشف غمم الفتنة وجلّى ظلامها، ويقولون: لئن كان لكلّ من الائمة رضوان الله عليهم مناقب مروية وطرائق مرضية، فإنّ لأربعة منهم فضائل أفردوا بمزاياها وحظوا بمرباعها وصفاياها: قام أمير المؤمنين السفّاح سفح دماء الأعداء وتأخّى كشف الغمّاء [٥] وتفرّد وتفضّل بفضيلة الإبتداء، والمنصور بالله، أيّد بالنصر فى توطيد [٣٠٠] قواعد الأمر، فذلل كلّ صعب وأزال كلّ شعب وثقّف كلّ مناد [٦] ومهّد لمن بعده أحسن مهاد، ثم المعتضد بالله عضد الدولة بحسن تدبيره وسياسته وتلافاها بشرف نفسه وعلوّ همّته وأعادها بعد الضعف إلى
стр. 3290
القوّة وبعد اللين إلى الشدّة وبعد الأود إلى الاستقامة وبعد الفتنة إلى السلامة، ثم القادر بالله قدر من صلاحها على ما لم يقدر عليه سواه وسلك من طريق الزهد والورع ما تقدّمت فيه خطاه، فكان راهب بنى العباس حقّا وزاهدهم صدقا. ساس الدنيا والدين وأغاث الإسلام والمسلمين واستأنف فى سياسة الأمر طرائق قويمة ومسالك مأمونة سليمة هي إلى الآن مستمرة والقاعدة عليها مستقرّة لم تعرف منه زلّة ولا ذمّت له خلّة. فطالت أيّامه وطابت أخباره وأقفيت آثاره وبقيت على ذرّيّته الشريفة أنواره رضى الله عنه رضاه عن الائمة المتقين، وجعلها كلمة باقية فى عقبه إلى يوم الدين.»
حمل ما كان أخذ من دار الخلافة
وحمل إلى القادر بالله بعض ما كان أخذ من دار الخلافة من الأثاث والأوانى والآلات وجعل كتّابه وحجّابه وحواشيه جميعهم من أصحاب بهاء الدولة، ثم أعاد القادر بالله بعد ذلك حاشية الدار القدماء إلى مواضعهم. وكان مدة مقامه [٣٠١] بالبطيحة من يوم وصلها إلى يوم خرج منها سنتين وأحد عشر شهرا.
توقير أخت بهاء الدولة
فأمّا أخت بهاء الدولة التي كانت فى حبال الطائع لله فإنّ دارها حرست يوم القبض من النهب. ثم نقلت إلى دار بمشرعة الصحراء أقامت فيها موقّرة إلى أن توفّيت.
وفى هذه السنة ورد الخبر بوفاة سعد الدولة أبى المعالي ابن سيف الدولة
стр. 3291
بعد قتله بكجور غلامه [١] .
شرح الحال فى عصيان بكجور وما آل إليه أمره من القتل ونبذ من أخبار المصريين تتصل بها فى هذه السنة وما بعدها
كان لسعد الدولة غلام يعرف ببكجور فاصطنعه وقلّده الرقّة والرحبة واستكتب له أبا الحسن على بن الحسين المغربي.
فلمّا طالت مدّته فى ولايته جحد الإحسان وحدّث نفسه بالعصيان واستغوى طائفة من رفقائه فصاروا إليه وخرج إلى أبى الحسن المغربي بسرّه، فأشار إليه بمكاتبة صاحب مصر الملقّب بالعزيز والتحيّز إليه فقبل منه وكاتبه واستأذنه فى قصد بابه فأذن له. وسار عن الرقّة بعد أن خلّف عليها سلامة الرشيقى غلامه وأخذ رهائن أهلها على الطاعة. فلقيته كتب صاحب مصر وخلعه [٣٠٢] وعهده على دمشق، فنزل بها وتسلّمها ممن كان واليا عليها.
ووجد أحداثها وشبّانها مستولين، ففتك بهم وقتل منهم، وقامت هيبته بذلك. [٢] وترددت بينه وبين عيسى بن نسطورس الوزير مكاتبات خاطبه فيها بكجور بخطاب توقّع عيسى أوفى منه. ففسد ما بينهما وأسرّ عيسى العداوة له وأساء غيبه وقطع بكجور مكاتبة عيسى وشكاه إلى صاحب مصر، فأمر عيسى باستئناف الجميل معه فقبل ظاهرا وخالف باطنا.
وخاف بكجور عيسى ومكيدته فاستمال طوائف من العرب وصاهرهم فمالوا إليه رغبة وعاد إلى الرقّة وكتب إليه صاحب مصر يعاتبه على فعله فأجابه جواب المعتذر الملاطف.
стр. 3292
ذكر السبب فى مسير بكجور إلى حلب لقتال مولاه [١]
كان لبكجور رفقاء بحلب يوادّونه. فكاتبوه وأطمعوه فى الأمر وأعلموه تشاغل سعد الدولة باللذة، فاغترّ بأقوالهم وكتب إلى صاحب مصر يبذل له فتح حلب ويطلب منه الإنجاد والمعونة فأجابه إلى كل ملتمس. وكتب إلى نزّال الغورى وإلى طرابلس بالمسير إليه متى [٢] استدعاه من غير معاودة.
وكان نزّال هذا [٢٠٣] من قوّاد المغاربة وصناديدهم ومن صنائع عيسى وخواصّه.
ذكر الحيلة التي رتّبها عيسى مع نزّال فى التقاعد ببكجور حتى ورّطه
كتب عيسى إلى نزّال سرّا بأن يظهر لبكجور المسارعة ويبطن له المدافعة.
فإذا تورّط مع مولاه وصادمه تأخّر عنه وأسلمه.
فرحل بكجور عن الرقّة وكتب إلى نزّال بأن يسير من طرابلس ليكون وصولهما إلى حلب فى وقت واحد وسار إليها.
ورحل نزّال وأبطأ فى سيره وواصل مكاتبة بكجور بنزوله فى منزل بعد منزل وقرب عليه الأمر فى وصوله. وقد كان سعد الدولة كتب إلى بسيل عظيم الروم وأعلمه عصيان بكجور عليه وسأله مكاتبة البرجى صاحبه بأنطاكية بالمسير إليه متى استنجده بالمسير إليه فسار.
وبرز سعد الدولة فى غلمانه وطوائف عسكره- ولؤلؤ الجراحي الكبير
стр. 3293
يحجبه- ولم يكن معه من العرب إلّا عمرو بن كلاب وعدّتهم خمسمائة فارس إلّا أنّهم أولو بأس ومن سواهم من [١] عدّته وعدّته. فنزل إلى الأرض وصلّى وعفّر خدّيه وسأل الله تعالى النصر.
ثم استدعى كاتبه وأمره بأن يكتب إلى [٣٠٤] بكجور عنه ويستعطفه ويذكّره الله ويبذل له أن يقطعه من الرقّة إلى باب حمص ويدعوه إلى الموادعة ورعاية حقّ الرقّ والعبودية.
ومضى بالكتاب رسول فأوصله إليه. فلمّا وقف عليه قال: الجواب ما يراه عيانا. فعاد الرسول وأعاد على سعد الدولة قوله وأخبره أنّه سائر على أثره.
فتقدّم سعد الدولة وتقارب العسكران ورتّب المصافّ ووقع الطراد.
ذكر وجود عاد على سعد الدولة بحفظ دولته وشحّ آل ببكجور إلى ذهاب مهجته
كان الفارس من أصحاب سعد الدولة إذا عاد إليه وقد طعن أو جرح خلع عليه وأحسن إليه. وكان بكجور شحيحا فإذا عاد إليه رجل من رجاله على هذه الحال أمر بأن يكتب اسمه لينظر مستأنفا فى أمره.
وقد كان سعد الدولة كاتب العرب الذين مع بكجور وآمنهم ووعدهم ورغّبهم. فلمّا حصلت كتبه بالأمان معهم عطفوا على [٢] سواده ونهبوه واستأمنوا إلى سعد الدولة.
ورأى بكجور ما تمّ عليه من تقاعد نزّال به وانصراف العرب عنه وتأخّر رفقائه الذين كانوا كاتبوه ووعدوه بالانحياز إليه إذا شاهدوه. فاستدعى أبا
стр. 3294
الحسن المغربي كاتبه وقال له:
- «لقد غررتنى فما الرأى الآن؟» قال له:
- «أيّها الأمير لم أكذّبك فى شيء قلته ولا أردت [٣٠٥] إلّا نصحك.
والصواب مع هذه الأسباب أن ترجع إلى الرقّة وتكاتب صاحب مصر بما اعتمده نزّال معك وتعاود استنجاده.» وكان فى العسكر قائد من القوّاد يجرى مجراه فى التقدّم فسمع ما جرى بينهما فقال لبكجور:
- «هذا كاتبك إذا جلس فى دسته قال: الأقلام تنكّس الأعلام. فإذا تحققت الحقائق أشار علينا بالهرب والله لاهربنا.» وحلف بالطلاق على ذلك وسمع أبو الحسن المغربي قوله فخاف وكان قد واقف بدويّا من بنى كلاب على أن يحمله إلى الرقّة متى كانت هزيمة وبذل له ألف دينار على ذلك.
فلمّا استشعر ما استشعر قدّم ما كان أخّره وسأل البدوي تسييره إلى الرقّة فسيّره.
ذكر ما دبّره بكجور بفضل شجاعته فحالت المقادير دون إرادته
لمّا رأى الأمر معضلا عمل على أن يعمد إلى الموضع الذي فيه سعد الدولة من المصاف ويحمل عليه بنفسه ومن ينتخبه من صناديد عسكره موقعا به فاختار وجوه غلمانه وقال لهم:
- «قد حصلنا من هذه الحرب على شرف أمرين صعبين من هزيمة وهلاك وقد عوّلت على كيت وكيت فإن ساعدتمونى رجوت لكم الفتح.»
стр. 3295
فقالوا: «نحن طوعك وما نرغب بنفوسنا عن نفسك.» فغدر واحد من الغلمان واستأمن إلى لؤلؤ [٣٠٦] الجراحي وأعلمه بما عوّل عليه.
ذكر ما فعله لؤلؤ من افتداء مولاه بنفسه فنجّاهما الله بحسن النيّة
أسرع لؤلؤ إلى سعد الدولة وأخبره الحال وقال:
- «قد أيس بكجور من نفسه وهو لا شكّ فاعل ما قد عزم عليه، فانتقل من مكانك إلى مكاني لأقف أنا فى موضعك وأكون وقاية لك ولدولتك.» فقبل سعد الدولة رأيه ووقف لؤلؤ تحت الراية وجال بكجور فى أربعمائة غلام شاكّين فى السلاح ثم حمل فى عقيب جولته حملة أفرجت له العساكر ولم يزل يخبط من تلقّاه بالسيف إلى أن وصل إلى لؤلؤ وهو يظنّه سعد الدولة فضربه على الخوذة ضربة قدّها ووصلت إلى رأسه ووقع لؤلؤ إلى الأرض.
وحمل العسكر على بكجور وبادر سعد الدولة عائدا إلى مكانه مظهرا نفسه لغلمانه. فلمّا رأوه قويت شوكتهم وثبتت أقدامهم واشتدّوا فى القتال حتى استفرغ بكجور وسعه، ثم انهزم فى سبعة نفر.
ذكر ما جرى عليه أمر بكجور بعد الهزيمة إلى أن قتل
كان تحته فرس ثمنه ألف دينار فانتهى إلى ساقية تحمل الماء إلى رحا الطريق سعتها [٣٠٧] قدر ذراعين فجهد الفرس على أن يعبرها خوضا أو وثبا