← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

بعد قتله بكجور غلامه [١] . شرح الحال فى عصيان بكجور وما آل إليه أمره من القتل ونبذ من أخبار المصريين تتصل بها فى هذه السنة وما بعدها كان لسعد الدولة غلام يعرف ببكجور فاصطنعه وقلّده الرقّة والرحبة واستكتب له أبا الحسن على بن الحسين المغربي. فلمّا طالت مدّته فى ولايته جحد الإحسان وحدّث نفسه بالعصيان واستغوى طائفة من رفقائه فصاروا إليه وخرج إلى أبى الحسن المغربي بسرّه، فأشار إليه بمكاتبة صاحب مصر الملقّب بالعزيز والتحيّز إليه فقبل منه وكاتبه واستأذنه فى قصد بابه فأذن له. وسار عن الرقّة بعد أن خلّف عليها سلامة الرشيقى غلامه وأخذ رهائن أهلها على الطاعة. فلقيته كتب صاحب مصر وخلعه [٣٠٢] وعهده على دمشق، فنزل بها وتسلّمها ممن كان واليا عليها. ووجد أحداثها وشبّانها مستولين، ففتك بهم وقتل منهم، وقامت هيبته بذلك. [٢] وترددت بينه وبين عيسى بن نسطورس الوزير مكاتبات خاطبه فيها بكجور بخطاب توقّع عيسى أوفى منه. ففسد ما بينهما وأسرّ عيسى العداوة له وأساء غيبه وقطع بكجور مكاتبة عيسى وشكاه إلى صاحب مصر، فأمر عيسى باستئناف الجميل معه فقبل ظاهرا وخالف باطنا. وخاف بكجور عيسى ومكيدته فاستمال طوائف من العرب وصاهرهم فمالوا إليه رغبة وعاد إلى الرقّة وكتب إليه صاحب مصر يعاتبه على فعله فأجابه جواب المعتذر الملاطف.

стр. 3292

ذكر السبب فى مسير بكجور إلى حلب لقتال مولاه [١] كان لبكجور رفقاء بحلب يوادّونه. فكاتبوه وأطمعوه فى الأمر وأعلموه تشاغل سعد الدولة باللذة، فاغترّ بأقوالهم وكتب إلى صاحب مصر يبذل له فتح حلب ويطلب منه الإنجاد والمعونة فأجابه إلى كل ملتمس. وكتب إلى نزّال الغورى وإلى طرابلس بالمسير إليه متى [٢] استدعاه من غير معاودة. وكان نزّال هذا [٢٠٣] من قوّاد المغاربة وصناديدهم ومن صنائع عيسى وخواصّه. ذكر الحيلة التي رتّبها عيسى مع نزّال فى التقاعد ببكجور حتى ورّطه كتب عيسى إلى نزّال سرّا بأن يظهر لبكجور المسارعة ويبطن له المدافعة. فإذا تورّط مع مولاه وصادمه تأخّر عنه وأسلمه. فرحل بكجور عن الرقّة وكتب إلى نزّال بأن يسير من طرابلس ليكون وصولهما إلى حلب فى وقت واحد وسار إليها. ورحل نزّال وأبطأ فى سيره وواصل مكاتبة بكجور بنزوله فى منزل بعد منزل وقرب عليه الأمر فى وصوله. وقد كان سعد الدولة كتب إلى بسيل عظيم الروم وأعلمه عصيان بكجور عليه وسأله مكاتبة البرجى صاحبه بأنطاكية بالمسير إليه متى استنجده بالمسير إليه فسار. وبرز سعد الدولة فى غلمانه وطوائف عسكره- ولؤلؤ الجراحي الكبير

стр. 3293

يحجبه- ولم يكن معه من العرب إلّا عمرو بن كلاب وعدّتهم خمسمائة فارس إلّا أنّهم أولو بأس ومن سواهم من [١] عدّته وعدّته. فنزل إلى الأرض وصلّى وعفّر خدّيه وسأل الله تعالى النصر. ثم استدعى كاتبه وأمره بأن يكتب إلى [٣٠٤] بكجور عنه ويستعطفه ويذكّره الله ويبذل له أن يقطعه من الرقّة إلى باب حمص ويدعوه إلى الموادعة ورعاية حقّ الرقّ والعبودية. ومضى بالكتاب رسول فأوصله إليه. فلمّا وقف عليه قال: الجواب ما يراه عيانا. فعاد الرسول وأعاد على سعد الدولة قوله وأخبره أنّه سائر على أثره. فتقدّم سعد الدولة وتقارب العسكران ورتّب المصافّ ووقع الطراد. ذكر وجود عاد على سعد الدولة بحفظ دولته وشحّ آل ببكجور إلى ذهاب مهجته كان الفارس من أصحاب سعد الدولة إذا عاد إليه وقد طعن أو جرح خلع عليه وأحسن إليه. وكان بكجور شحيحا فإذا عاد إليه رجل من رجاله على هذه الحال أمر بأن يكتب اسمه لينظر مستأنفا فى أمره. وقد كان سعد الدولة كاتب العرب الذين مع بكجور وآمنهم ووعدهم ورغّبهم. فلمّا حصلت كتبه بالأمان معهم عطفوا على [٢] سواده ونهبوه واستأمنوا إلى سعد الدولة. ورأى بكجور ما تمّ عليه من تقاعد نزّال به وانصراف العرب عنه وتأخّر رفقائه الذين كانوا كاتبوه ووعدوه بالانحياز إليه إذا شاهدوه. فاستدعى أبا

стр. 3294

الحسن المغربي كاتبه وقال له: - «لقد غررتنى فما الرأى الآن؟» قال له: - «أيّها الأمير لم أكذّبك فى شيء قلته ولا أردت [٣٠٥] إلّا نصحك. والصواب مع هذه الأسباب أن ترجع إلى الرقّة وتكاتب صاحب مصر بما اعتمده نزّال معك وتعاود استنجاده.» وكان فى العسكر قائد من القوّاد يجرى مجراه فى التقدّم فسمع ما جرى بينهما فقال لبكجور: - «هذا كاتبك إذا جلس فى دسته قال: الأقلام تنكّس الأعلام. فإذا تحققت الحقائق أشار علينا بالهرب والله لاهربنا.» وحلف بالطلاق على ذلك وسمع أبو الحسن المغربي قوله فخاف وكان قد واقف بدويّا من بنى كلاب على أن يحمله إلى الرقّة متى كانت هزيمة وبذل له ألف دينار على ذلك. فلمّا استشعر ما استشعر قدّم ما كان أخّره وسأل البدوي تسييره إلى الرقّة فسيّره. ذكر ما دبّره بكجور بفضل شجاعته فحالت المقادير دون إرادته لمّا رأى الأمر معضلا عمل على أن يعمد إلى الموضع الذي فيه سعد الدولة من المصاف ويحمل عليه بنفسه ومن ينتخبه من صناديد عسكره موقعا به فاختار وجوه غلمانه وقال لهم: - «قد حصلنا من هذه الحرب على شرف أمرين صعبين من هزيمة وهلاك وقد عوّلت على كيت وكيت فإن ساعدتمونى رجوت لكم الفتح.»

стр. 3295

فقالوا: «نحن طوعك وما نرغب بنفوسنا عن نفسك.» فغدر واحد من الغلمان واستأمن إلى لؤلؤ [٣٠٦] الجراحي وأعلمه بما عوّل عليه. ذكر ما فعله لؤلؤ من افتداء مولاه بنفسه فنجّاهما الله بحسن النيّة أسرع لؤلؤ إلى سعد الدولة وأخبره الحال وقال: - «قد أيس بكجور من نفسه وهو لا شكّ فاعل ما قد عزم عليه، فانتقل من مكانك إلى مكاني لأقف أنا فى موضعك وأكون وقاية لك ولدولتك.» فقبل سعد الدولة رأيه ووقف لؤلؤ تحت الراية وجال بكجور فى أربعمائة غلام شاكّين فى السلاح ثم حمل فى عقيب جولته حملة أفرجت له العساكر ولم يزل يخبط من تلقّاه بالسيف إلى أن وصل إلى لؤلؤ وهو يظنّه سعد الدولة فضربه على الخوذة ضربة قدّها ووصلت إلى رأسه ووقع لؤلؤ إلى الأرض. وحمل العسكر على بكجور وبادر سعد الدولة عائدا إلى مكانه مظهرا نفسه لغلمانه. فلمّا رأوه قويت شوكتهم وثبتت أقدامهم واشتدّوا فى القتال حتى استفرغ بكجور وسعه، ثم انهزم فى سبعة نفر. ذكر ما جرى عليه أمر بكجور بعد الهزيمة إلى أن قتل كان تحته فرس ثمنه ألف دينار فانتهى إلى ساقية تحمل الماء إلى رحا الطريق سعتها [٣٠٧] قدر ذراعين فجهد الفرس على أن يعبرها خوضا أو وثبا

стр. 3296

فلم يكن [١] فيه ووقف ولحقته عشرة فوارس من العرب فرجلته وأصحابه وجرّدوهم من ثيابهم وآبوا عنهم بأسلابهم. ونجا بكجور ومن معه إلى الرحا فاستكنوا فيه. بكجور ورجل من بنى قطن ثم خرجوا من بعد إلى قراح فيه زرع فمرّ بهم قوم من العرب وكان فيهم رجل من بنى قطن كان بكجور يستخدمه كثيرا فى مهمّاته فناداه: أن ارجع، فرجع وهو لا يعرفه فأخذ ذمامه، ثم عرّفه نفسه وبذل له على إيصاله الرقّة حمل بعيره ذهبا، فأردفه وحمله إلى بيته وكساه. وكان سعد الدولة قد بثّ الخيل فى طلبه وجعل لمن أحضره حكمه. فساء ظنّ البدوي وطمع فيما كان سعد الدولة بذله واستشار ابن عمه فى أمره فقال: - «هو رجل بخيل وربما غدر فى وعده وإذا قصدت سعد الدولة به حظيت برفده.» فأسرع البدوي إلى معسكر سعد الدولة وأشعره بحال بكجور واحتكم عليه مائتي فدان زراعة ومائة ألف درهم ومائة راحلة محمّلة برّا وخمسين قطعة ثيابا فبذل له سعد الدولة ذلك جميعه. وعرف لؤلؤ الجراحي الخبر وتقرّر أن يمضى البدوي ويحضره. فتحامل وهو مثخن بالضربة التي أصابته ومشى يتهادى على أيدى غلمانه حتى حضر عند سعد الدولة.

стр. 3297

ذكر حزم أخذ به لؤلؤ دلّ منه [٣٠٨] على أصالة رأى لمّا حضر سأل عمّا يقوله البدوي فأخبر به فقبض لؤلؤ على يده وقال له: - «أين أهلك.» فقال: - «فى المرج على فرسخ.» فاستدعى جماعة من غلمانه وأمرهم أن يسرعوا إلى الحلّة ويقبضوا على بكجور ويحملوه فتوجّهوا وهو قابض على يد البدوي، والبدوي يستغيث. فقدم لؤلؤ إلى سعد الدولة وقال: - «يا مولانا لا تنكر علىّ فعلى، فإنّه منى عن استظهار فى خدمتك فلو عاد هذا البدوي إلى بيته لم نأمن أن يبذل له بكجور مالا جمّا فيقبل منه وتطلب منه بعد ذلك أثرا بعد عين والذي طلبه البدوي مبذول وما ضرّ الاحتياط.» فقال له سعد الدولة: - «أحسنت يا أبا محمد، لله درك.» ولم يمض ساعات حتى أحضر بكجور فشاور سعد الدولة لؤلؤا فى أمره، فأشار عليه بقتله خوفا من أن تسأل أخت سعد الدولة فيه فيفرج عنه، فأمر عند ذلك بضرب عنقه. فسار سعد الدولة إلى الرقّة فنزل عليها وفيها سلامة الرشيقى وأبو الحسن المغربي وأولاد بكجور وحرمه وأمواله ونعمه. فأرسل إلى سلامة يلتمس منه تسليم البلد فأجابه: - «بأنّى عبدك وعبد عبدك إلّا أنّ لبكجور علىّ عهودا ومواثيق لا مخلص

стр. 3298

لى عند الله منها إلّا بأحد أمرين: إمّا أنّك تذم لأولاده على نفوسهم وحرمهم [٣٠٩] وتقتصر فيما تأخذه منهم على آلات الحرب- وعددها- وتحلف لهم على الوفاء به، وإمّا بأن أبلى [١] عذرا عند الله تعالى فيما أخذ علىّ من عهد وعقد معى من عقد.» فأجابه سعد الدولة إلى ما اشترطه من الذمام وحلف له بيمين مستوفاة الأقسام ودخل فيها الأمان لأبى الحسن المغربي بعد أن كان قد هدر دمه. إلّا أنّه أمّنه على أن يقيم فى بلاده. فهرب إلى الكوفة وأقام بمشهد أمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵇. ذكر ما جرى عليه أمر سلامة الرشيقى وأولاد بكجور فى خروجهم من الرقّة وغدر سعد الدولة لمّا توثّق سلامة لنفسه ولأولاد بكجور سلّم حصن الرافقة وخرجوا منها ومعهم من الأموال والزينة ما كثر فى عين سعد الدولة. فإنّه كان يشاهدهم من وراء سرادقه وبين يديه ابن أبى الحصين القاضي وقال له: - «ما ظننت أنّ حال بكجور انتهت إلى ما أراه من هذه الأثقال والأموال.» فقال له ابن أبى الحصين: - «إنّ بكجور وأولاده مماليكك وكلّما ملكه وملكوه هو لك لا حرج عليك فيما تأخذه منهم ولا حنث فى الأيمان التي حلفت بها، ومهما كان فيها من وزر وإثم فعلىّ دونك.» [٣١٠]

стр. 3299

فلمّا سمع هذا القول أصغى إليه وغدر بهم وقبض على جميع ما كان معهم. فما كان أسوأ محضر هذا القاضي الذي حسّن لسعد الدولة تسويل الشيطان وأفتاه بنقض الأيمان، ثم لم يقنع بما زيّن له من غدره ولبّس عليه من أمره حتى تكفّل له بحمل وزره. وهل أحد حامل وزر غيره؟ أما سمع قول الله تعالى فى أهل الضلالة: «وَقال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ من خَطاياهُمْ من شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ» ٢٩: ١٢ [١] . وكان أولاد بكجور كتبوا إلى العزيز بما جرى على والدهم وسألوه مكاتبة سعد الدولة بالإبقاء عليهم. ذكر ما جرى بين صاحب مصر وسعد الدولة من المراسلات وما اتّفق من وفاة سعد الدولة بعقب ذلك كتب صاحب مصر إليه كتابا يتوعّده فيه ويأمره بالابقاء عليهم وتسييرهم إلى مصر موفورين ويقول فى آخره: - «فإن خالفت كنت خصمك ووجّهت العساكر نحوك.» وأنفذ الكتاب مع فائق الصقلبى [٢] أحد خواصه وسيّره على نجيب إسراعا به. فوصل فائق إلى سعد الدولة وقد وصل من الرقّة إلى ظاهر حلب وأوصل إليه الكتاب. فلمّا وقف عليه جمع وجوه عسكره وقرأه عليهم ثم قال لهم: - «ما [٣١١] الرأى عندكم.» قالوا له: - «نحن عبيد طاعتك ومهما أمرتنا به كنّا عند طاعتك منه.»

стр. 3300

فأمر بإحضار فائق فأهانه وقال له [١] : - «عد إلى صاحبك وقل له: لست ممن يستفزّه وعيدك وما بك حاجة إلى تجهيز عسكر إلىّ، فإننى سائر إليك وخبري يأتيك من الرملة.» وقدّم قطعة من عسكره إلى حمص أمامه وعاد فائق إلى صاحبه فعرّفه ما سمعه ورآه فأزعجه وأقلقه. وأقام سعد الدولة بظاهر حلب أيّاما ليرتّب أموره ويتبع العسكر الذي تقدّمه، فعرض له القولنج أشفى منه وعاد إلى البلد متداويا وأبلّ وهنّئ بالسلامة. وعوّل على العود إلى المعسكر، فحضرت فراشه فى الليلة التي عزم على الركوب فى صبيحتها إحدى حظاياه، وتبعتها النفس الشهوانية المهلكة فواقعها وسقط عنها وقد جفّ نصفه. وعرفت أخته الصورة فدخلت إليه وهو يجود بنفسه واستدعى الطبيب فأشار بسجر الندّ [٢] والعنبر حوله فأفاق قليلا فقال له الطبيب: - «أعطنى يدك أيها الأمير لآخذ مجسّك.» فأعطاه اليسرى فقال: - «يا مولانا اليمين.» فقال: «أيّها الطبيب ما تركت لى اليمين يمينا.» فكأنّه تذكّر ما فرط من خيانته وندم على نقض العهد ونكثه. ومضت عليه ثلاث ليال وقضى نحبه بعد أن قلّد عهده لولده أبى الفضائل ووصّى إلى لؤلؤ الجراحي به [٣١٢] وببقيّة ولده.

стр. 3301

ذكر قيام أبى الفضائل ابن سعد الدولة بعد أبيه وما جرى له مع العساكر المصرية جدّ لؤلؤ فى نصب أبى الفضائل فى الأمر وأخذ له البيعة على الجند، وتراجعت العساكر إلى حلب واستأمن منها إلى صاحب [مصر] وفاء الصقلى [١] وبشارة الإخشيدي ورباح وقوم آخرون فقبلهم وأحسن إليهم وولّى كلّا [٢] منهم بلدا. وقد كان أبو الحسن المغربي بعد حصوله فى المشهد بالكوفة كاتب صاحب مصر وصار بعد المكاتبة إلى بابه. فلمّا توفّى سعد الدولة عظّم أمر حلب عنده وكثّر له أموالها وهوّن عليه حصولها وأشار باصطناع أحد الغلمان وإنفاذه إليها. فقبل منه إشارته وقدّم غلاما يسمّى منجوتكين فخوّله وموّله ورفع قدره ونوّه بذكره وأمر القوّاد والأكابر بالترجّل له وولّاه الشام واستكتب له أحمد بن محمد القشوري وسيّره إلى حلب وضمّ إليه أبا الحسن المغربي ليقوم بالأمر والتدبير. ذكر مسير منجوتكين من مصر إلى حلب ونزوله عليها [٣١٣] لمّا وصل إلى دمشق تلقّاه قوّادها وأهلها وعساكر الشام كلّها فأقام بها مدّة. ثم رحل إلى حلب وقد استعدّ واحتشد ونزلها فى ثلاثين ألف رجل وتحصّن أبو الفضائل ابن سعد الدولة ولؤلؤ بالبلد.

стр. 3302

وقد كان لؤلؤ عند معرفته بورود العساكر المصرية كتب إلى بسيل عظيم الروم وذكّره ما كان بينه وبين سعد الدولة من المعاهدة والمعاقدة، وبذل له عن أبى الفضائل ولده الجري على تلك العادة، وحمل إليه ألطافا كثيرة واستنجده وأنفذ إليه ملكوثا [١] السرياني رسولا. فوصل إليه ملكوثا وهو بإزاء عساكر ملك البلغر مقاتلا. فقبل ما ورد فيه وكتب إلى البرجى صاحبه بأنطاكية بجمع عساكر الروم وقصد حلب ودفع المغاربة عنها. فسار البرجى فى خمسة آلاف رجل ونزل بجسر الحديد بين أنطاكية وحلب وعرف منجوتكين وأبو الحسن ذلك فجمعا وجوه العسكر وشاوراهم فى تدبير الأمر. ذكر مشورة أنتجت رأيا سديدا كان فى أثنائه الظفر بالروم أشار ذو الرأى والحصافة منهم بالانصراف عن حلب وقصد الروم [٣١٤] والإبتداء بهم ومناجزتهم لئلّا يحصلوا بين عدوّين. فأجمعوا على ذلك وساروا حتى صار بينهم وبين الروم النهر المعروف بالمقلوب. فلمّا تراءى الجمعان تراموا بالنشّاب وبينهم النهر، وليس للفريقين طريق إلى العبور. فبرز من الديلم الذين فى جملة منجوتكين شيخ فى يديه ترس وثلاث زوبينات ورمى بنفسه إلى الماء والمسلمون ينظرون إليه والروم يرمونه بالنبل والحجارة وهو يسبح قدما والترس فى يده والماء إلى صدره. وشاهد المسلمون ذلك وطرحوا نفوسهم فى أثره، وطرحت العرب خيولهم

стр. 3303

فى النهر وهجم العسكر عن المخاض، وحصلوا مع الروم على أرض واحدة ومنجوتكين يمنعهم فلا يمتنعون. وأنزل الله تعالى النصر عليهم وولّى الروم أدبارهم [١] بين مقتول ومأسور ومفلول. وأفلت البرجى فى عدد قليل وغنمت منهم الغنيمة الكثيرة وجمع من رؤس قتلاهم نحو عشرة آلاف رأس وحملت إلى مصر. وتمّم منجوتكين إلى أنطاكية ونهب رساتيقها وأحرقها وكان وقت إدراك الغلّة. فأنفذ لؤلؤ وأحرق ما يقارب حلب منها، إضرارا بالعسكر المصري وقاطعا الميرة عليهم. وكرّ منجوتكين راجعا إلى حلب. ذكر تدبير لطيف دبّره لؤلؤ فى صرف العساكر المصريّة عن حلب [٣١٥] لمّا رأى لؤلؤ هزيمة الروم وقوّة العساكر المصرية وضعفه عن مقاومتهم كاتب أبا الحسن المغربي والقشوري ورغّبهما فى المال وبذل لهما منه ما استمالهما به، وسألهما المشورة على منجوتكين بالانصراف عن حلب فى هذا العام والمعاودة فى القابل [٢] لعلّة تعذّر الأقوات والعلوفات. فأجاباه إلى ذلك وخاطبا منجوتكين به فصادف قولهما منه شوقا إلى دمشق وخفض العيش وضجر من الأسفار والحروب وكتبت الجماعة إلى صاحب مصر بهذه الصورة واستأذناه فى الانكفاء. فقبل أن يصل الكتاب ويعود الجواب رحلوا عائدين وعرف صاحب مصر ذلك. فاستشاط غضبا ووجد أعداء أبى الحسن المغربي طريقا إلى الطعن عليه فصرفه بصالح بن

стр. 3304

على الروذبارى. ذكر ما دبّره المتلقب بالعزيز فى إمداد العسكر بالميرة وإعادتهم إلى حلب آلى على نفسه أن يمدّ العسكر بالميرة من غلّات مصر. فحمل مائة ألف تلّيس- والتلّيس قفيزان بالمعدّل- فى البحر إلى طرابلس ومنها على الظهور إلى حصن أفامية [١] . ورجع منجوتكين فى السنة الثانية إلى حلب ونزل عليها وصالح بن على الروذبارى المدبّر. فكان يوقّع للغلمان بجراياتهم وقضيم دوابّهم إلى أفامية على [٣١٦] خمسة وعشرين فرسخا فيمضون ويقبضونها ويعودون بها. وأقاموا ثلاثة عشر شهرا وبنوا الحمّامات والخانات والأسواق وأبو الفضائل ولؤلؤ ومن معهما متحصّنون بالبلد. وتعذّرت الأقوات عندهم فكان لؤلؤ يبتاع القفيز من الحنطة بثلاثة دنانير ويبيعها على الناس بدينار رفقا بهم ويفتح الأبواب فى الأيّام ويخرج من البلد من تمنعه المضرتان عن المقام [٢] وأشير على منجوتكين بتتبّع من يخرج وقتله، ليمتنع الناس من الخروج ليضيق الأقوات عندهم فلم يفعل. وأنفذ لؤلؤ فى أثناء هذه الأحوال ملكوثا إلى بسيل عظيم الروم معاودا لاستنجاده. وكان بسيل قد توسّط بلاد البلغر فقصده ملكوثا إلى موضعه وأوصل إليه الكتاب وقال له: - «متى أخذت حلب فتحت أنطاكية بعدها وأتعبك التلافي وإذا سرت

стр. 3305

بنفسك حفظت البلدين جميعا وسائر الأعمال.» ذكر مسير بسيل إلى الشام لقتال العساكر المصرية وما جرى عليه أمره فى ذلك لمّا سمع بسيل قول ملكوثا سار نحو حلب وبينه وبينها ثلاثمائة فرسخ. فقطعها فى سنة وعشرين يوما، وقاد الجنائب بأيدي الفرسان، وحمل الرجالة [٣١٧] على البغال. وكان الزمان ربيعا وقد أنفذ منجوتكين وعسكره كراعهم إلى المروج لترعى فيها وقرب هجوم بسيل عليهم من حيث لا يشعرون. ذكر ما دبّره واعتمده لؤلؤ من رعاية حرمة الإسلام وإنذار منجوتكين بخبر هجوم الروم أرسل إلى منجوتكين يقول له: «إنّ عصمة الإسلام الجامعة لنا تدعوني إلى إنذاركم والنصح لكم وقد أظلّكم بسيل فى جيوش الروم، فخذوا الحذر لأنفسكم.» وجاءت طلائع منجوتكين بمثل الخبر فأحرق الخزائن والأسواق والأبنية التي كان استحدثها ورحل فى الحال منهزما. ووافى بسيل فنزل على باب حلب وخرج إليه أبو الفضائل ولؤلؤ ولقياه، ثم عاد ورحل فى اليوم الثالث إلى الشام. وفتح حمص ونهب وسبى ونزل على طرابلس فمنعت جانبها منه فأقام نيّفا وأربعين يوما، فلمّا أيس منها عاد إلى بلاد الروم. وانتهى الخبر إلى صاحب مصر فعظم ذلك عليه وأمر فنودي بالنفير فنفر الناس.

стр. 3306

ذكر مسير المتلقّب بالعزيز من [٣١٨] مصر لغزو الروم وما اتفق من موته وجلوس ولده المتلقّب بالحاكم فى موضعه خرج من داره مستصحبا جميع عساكره وعدده وأمواله وسار منها مسافة عشرة فراسخ حتى نزل بلبيس [١] وأقام بظاهرها. وعارضته علل كثيرة أيس منها من نفسه فأوصى إلى أرجوان [٢] الخادم الذي كان خصيصا به ومتولّيا لأمر داره، بولده المتلقّب بالحاكم من بعده، ثم قضى نحبه. وقام أرجوان بأمر الحاكم ودعا الناس إلى البيعة وحالفهم على الطاعة وأطلق لهم العطاء وذلك فى شهر رمضان سنة ستّ وثمانين وثلاثمائة، وانكفأ الحاكم إلى قصر أبيه وهو يومئذ ابن خمس عشرة سنة. وتقدّم أبو محمد الحسن بن عمّار وكان شيخ كتامة وسيّدها، ويلقّب بأمين الدولة، وهو أول من لقّب فى دولة المغاربة ونفذّ أوامره فى الخزائن والأموال إطلاقا وعطاء حتى على جواري القصر هبة وعتقا. واستولى أصحابه وقلّت مبالاتهم وأشاروا عليه بقتل الحاكم فلم يعبأ به استصغارا لسنّه واستهانة بأمره. وأرجوان فى أثناء ذلك يحرس الحاكم ويلازمه ويمنعه الركوب والظهور من قصره. واتّفق شكر العضدي معه فتعاضدا وصارت كلمتهما واحدة [٣١٩] حتى تمّ لهما ما أراداه.

стр. 3307

ذكر ما دبّره أرجوان فى أمر ابن عمّار ومكاتبة منجوتكين والإستنصار به عليه لمّا زاد أمر ابن عمار فى تمكّنه كتب أرجوان إلى منجوتكين وشكا إليه ما هم فيه، ودعاه إلى قصد مصر ومقابلة نعمة العزيز عنده وكشف هذه الغمّة عن ولده. فتقبّل منجوتكين كتابه وركب إلى المسجد الجامع بثياب المصيبة وجمع الناس وذكرهم جميل العزيز إليهم. ثم خرج إلى ذكر ما له عليه خاصّة من الإصطناع وما يلزمه من خدمة ولده بعده. ثم ذكر تغلّب ابن عمّار على الملك وسوء سيرته وما يلقاه أئمّتنا المقيمون بمصر من الذّلة والهوان، وبكى بكاء شديدا رقّت له القلوب وخرّق ثيابه واقتدى الناس به فى البكاء وتخريق الثياب وأجابوه إلى الطاعة وبذل المهج من غير التماس عطاء ولا مؤونة. فشكرهم وعاد إلى داره وأجمع أمره للمسير فسار إلى الرملة. ذكر ما دبّره ابن عمّار فى تجهيز [٣٢٠] الجيش وما آل إليه أمر منجوتكين من الهزيمة لمّا وصل الخبر إلى ابن عمّار بما فعله منجوتكين عظم عليه وجمع وجوه كتامة [١] وأخبرهم بما تجدّد، وأظهر أنّ منجوتكين قد عصى على الحاكم فبذلوا الطاعة والانتهاء إلى ما يأمرهم به. وأحضر أرجوان وشكر العضدي واستمالهما واستحلفهما على المساعدة والمعاضدة، فحلفا له اضطرارا.

стр. 3308

وندب العساكر لقتال منجوتكين وقدّم أبا تميم سالم [١] بن جعفر عليها وأمدّه من الأموال والعدد ما أسرف فيه. وكان عيسى بن نسطورس على حاله فى الوزارة، فبلغه عنه ما أنكره فضرب عنقه. التقاء أبى تميم ومنجوتكين وسار أبو تميم من مصر ورحل منجوتكين من الرملة بعد أن ملكها والتقيا بعسقلان وتواقعا. فأجلت الوقعة عن هزيمة منجوتكين وأصحابه وتتبّعوا. وجعل أبو تميم لمن يأتيه بمنجوتكين عشرة آلاف دينار ومائة ثوب. فانبثّت العرب فى طلبه وأدركه على بن الجرّاح فأسرّه وجاء به إلى أبى تميم فسلّمه إليه وقبض المال منه. فحمل إلى مصر وأبقى ابن عمّار عليه واصطنعه وأحسن إليه استمالة للمشارقة بذلك. وسار أبو تميم فنزل طبرية وأنفذ أخاه عليّا إلى دمشق فاعتصم أهلها عليه ومنعوه الدخول، وكاتب أخاه بعصيانهم واستأذنه [٣٢١] فى قتالهم. فكتب أبو تميم إلى متقدّميهم من الأشراف والشيوخ وحذّرهم عواقب فعل سفهائهم. فلمّا وصل الكتاب إليهم خافوا وخرجوا إلى علىّ مذعنين بالطاعة ومنكرين لما فعله أهل الجهالة فلم يعبأ بقولهم وزحف إلى باب البلد، فملكه وأحرق وقتل وعاد إلى معسكره. ووافى أبو تميم فى غد، فأنكر على أخيه ما فعله، وتلقّاه وجوه الناس فشكوا إليه ما أظلّهم. فأحسن لقاءهم وأمّن [٢] جناتهم، فسكنوا وعادوا إلى معايشهم.

стр. 3309

ذكر ما اعتمده أبو تميم الكتامى [١] من حسن سيرة ملك بها قلوب الرعيّة ركب إلى المسجد الجامع فى يوم الجمعة بزىّ أهل الوقار، واجتاز فى البلد بسكينة وبين يديه القرّاء وقوم يفرّقون الدراهم على أهل المسكنة، وصلّى الجمعة وعاد إلى القصر الذي نزله بظاهر دمشق، وقد استمال قلوب العامة بما فعله. ثمّ نظر فى الظلامات وأطلق من الحبوس جماعة من أهل الجنايات، فازدادوا له حبّا واستقرّت قدمه واستقام أمره. وعدل من بعد إلى النظر فى أمور السواحل فهذّبها، وولّى أخاه طرابلس وصرف عنها جيش [٢] بن الصمصامة. وكان جيش هذا من شيوخ [٣٢٢] كتامة أيضا إلّا أنّه كانت بينه وبين أبى تميم عداوة. فلمّا عزله عن طرابلس مضى إلى مصر وجها واحدا واجتمع مع أرجوان سرّا ورمى نفسه عليه فقبّله وبذل له المعاونة. ورأى أرجوان الفرصة قد أمكنت ببعد كتامة عن مصر، إلّا العدد القليل منهم. فقرّر مع الأتراك المشارقة الفتك بهم وأحكم الأمر فى الاستيثاق. وأحسّ ابن عمّار بذلك فعمل على الفتك بأرجوان وسبقه إلى ما يحاوله منه. ذكر ما همّ به ابن عمّار من الفتك بأرجوان وشكر وما دبّراه فى التحرّز منه حتى سلما منه وتورّط هو رتّب ابن عمّار جماعة فى دهليزه وواقفهم على الإيقاع بأرجوان وشكر

стр. 3310

إذا دخلا داره. وكان لأرجوان عيون على ابن عمّار فصاروا إليه وأخبروه بما قد رتّبه. فاجتمع أرجوان وشكر وتفاوضا الرأى فى التحرّز مما بلغهما وقرّرا بينهما أن يركبا عند ركوبهما جماعة من الغلمان يتبعوهما. فإن أحسّا على باب ابن عمّار بما يريبهما رجعا القهقرى وفى ظهورهما من يمنع عنهما. فرتّبا ذلك وتوجّها إلى دار ابن عمّار. فلمّا [٣٢٣] قربا من الباب بانت لهما شواهد الشرّ وما كانا أخبرا به. فكرّ راكضا ومنع عنهما الغلمان الذين كانوا وراءهما ودخلا قصر الحاكم باكيين صارخين وثارت الفتنة. واجتمع المشارقة وعبيد الشرى على باب القصر، وركب الحسن بن عمّار فى كتامة ومن انضاف إليهم من القبائل إلى الصحراء، وفتح أرجوان الخزائن ففرّق الأموال وحثّ الرجال. وبرز ثلاثة من وجوه الأتراك فى خمسمائة فارس لقتالهم فواقعوهم وكسروهم وهرب ابن عمّار واستتر عند بعض العامة. ذكر ما دبّر به أرجوان أمر الملك لمّا تمّ له الظفر فتح باب القصر وأخرج الحاكم وأجلسه وأخذ له بيعة مجدّدة على الجند وأمن وجوه كتامة وقوّادها فحضروا وأعطوا أيديهم بالطاعة ومهّد الأمور فى يومه وليلته. وكتب الملطّفات إلى الأشراف وإلى وجوه العامّة بدمشق بالإيقاع بأبى تميم ونهبه والى المشارقة بمعاونتهم عليه. ذكر ما تمّ على أبى تميم من أهل دمشق [٣٢٤] بقلّة حزمه وضعف رأيه كان أبو تميم مع سياسته مستهتزا باللذات ووصلت الملطّفات وأبو تميم

стр. 3311

مشغول بلهوه. فلم يشعر إلّا بهجوم المشارقة والعامّة على قصره. فخرج هاربا على ظهر فرسه، ونهبوا خزائنه وأوقعوا بمن كان فيه من كتامة وعادت الفتنة بدمشق واستولى الأحداث. وكان فهد بن ابراهيم النصراني المكنّى بأبى العلاء يكتب لأرجوان من قبل. فلمّا صار الأمر إليه استوزره. ولم يزل أرجوان [١] يتلطّف للحسن بن عمّار حتى أخرجه من استتاره وأعاده إلى داره وأجرأه على رسمه فى إقطاعاته واشترط عليه إغلاق بابه واستحلفه على لزوم الطريقة المستقيمة. وكان أهل صور قد عصوا وأمّروا عليهم رجلا ملّاحا يعرف بالعلّاقة، وكان المفرّج [٢] بن دغفل بن الجرّاح قد نزل على الرملة وعاث فى البلاد وانضاف إلى هذين الحادثين نزول الدوقس صاحب الروم فى عسكر كثير على حصن أفامية. فاصطنع أرجوان جيش بن محمد بن الصمصامة وقدّمه وجهّز معه عسكرا وسيّره إلى دمشق وبسط يده فى الأموال ونفذ أمره فى الأعمال. ذكر ما جرى عليه أمر جيش [٣٢٥] بن الصمصامة فى هذا الوجه إلى أن توفّى سار جيش ونزل على الرملة وعليها وحيد الهلالي واليا فتلقّاه طائعا، وصادف أبا تميم بها فقبض عليه قبضا جميلا. وندب أبا عبد الله الحسين بن ناصر الدولة بن حمدان فى عسكر إلى صور، بعد أن كان أنفذ إليها مراكب فى البحر مشحونة بالرجال. فأحاطت العساكر بها برّا وبحرا، وضعف أهل صور عن القتال وأخذ العلاقة فحمل إلى

стр. 3312

مصر فسلخ وصلب بها وأقام ابن حمدان بصور واليا عليها. وسار جيش لقصد المفرّج بن دغفل بن الجرّاح، فهرب من بين يديه واتبعه حتى كاد يدركه. فضاقت الأرض على ابن الجرّاح وعاذ بالصفح وأنفذ إليه عجائز نسائه يطلب الأمان. فكفّ جيش عنه وأمّنه واستحلفه على ما قرّره معه وعاد سائرا إلى عسكر الروم النازل على حصن أفامية. فلمّا وصل إلى دمشق تلقّاه أهلها فى أشرافها ووجوه أحداثها مذعنين له بالانقياد راغبين إليه فى استصحابهم للجهاد فجزاهم خيرا. ذكر مكيدة بدأ جيش بها فى هذه النوبة مع أحداث دمشق إلى أن أمكنته [٣٢٦] الفرصة منهم فى الكرّة الثانية أقبل على رؤساء الأحداث وبذل لهم الجميل ونادى فى البلد برفع المؤن وإباحة دم كل مغربىّ يتعرض لفساد. فاجتمعت الرعيّة وشكروه وسألوه دخول البلد والنزول بينهم، فلم يفعل وأقام ثلاثة أيام وسار بعد أن خلع على رؤساء الأحداث ووصلهم، ونزل بحمص واجتمعت عساكر الشام وتوجّه إلى حصن أفامية. فوجد أهلها وقد اشتدّ بهم الحصار فنزل بإزاء عسكر الروم وبينه وبينهم النهر المعروف بالمقلوب، ويعرف بالعاصى. التقاء المسلمين والروم عند نهر العاصي ثم التقى الفريقان من بعد وتنازعا الحرب وكان المسلمون يومئذ فى عشرة آلاف من الطوائف وألف فارس من بنى كلاب. فحملت الروم على المسلمين فزحزحوهم عن مصافّهم وانهزمت الميمنة والميسرة واستولى الروم على كراعهم وعطفت بنو كلاب على أكثر ذلك فنهبوه، وثبت بشارة

стр. 3313

الإخشيدي فى خمسمائة فارس. ورأى من فى حصن أفامية من المسلمين ما أصاب إخوانهم، فأيسوا من نفوسهم وابتهلوا إلى الله تعالى يسألونه الرحمة، فاستجاب لهم. ذكر ما أنزل الله تعالى على المسلمين [٣٢٧] من النصر فقتل زعيم الروم على يد أحدهم كان الدوقس [١] قد وقف على رابية وبين يديه ولد له وعشرة غلمة وهو يشاهد ظفر أصحابه وأخذهم للغنائم. فقصده كردى يعرف بأحمد بن الضحّاك السليل على فرس جواد وبيده اليمنى خشت [٢] فظنّه الدوقس مستأمنا إليه أو مستجيرا فلم يحفل به. فلمّا دنا منه حمل عليه فرفع الدوقس يده متّقيا وضربه الكردي بالخشت فأصاب خللا فى الدرع فخرقه ونفذ فى أضلاعه وسقط إلى الأرض ميتا. وصاح المسلمون: - «إنّ عدوّ الله قد قتل!» ونزل النصر فانهزمت الروم وتراجع المسلمون، ونزل من كان فى الحصن وقتل من الروم مقتلة عظيمة. وباتوا غانمين مستبشرين بِنِعْمَةٍ من الله وَفَضْلٍ ٣: ١٧١ و «إِنَّ الله لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» ٩: ١٢٠ [٣] . ثم سار جيش بن الصمصامة إلى باب أنطاكية فسبى وأحرق، وانصرف عائدا إلى دمشق وقد عظمت هيبته فى النفوس.

стр. 3314

ذكر تمام هيبته فى المكيدة التي كان بدأ بها جيش فى تسكين أحداث دمشق [٣٢٨] حتى ظفر بهم لمّا عاد إلى دمشق استقبله أهلها مهنّئين داعين. فتلقّاهم بالبشاشة والبشر وزادهم من الكرامة والبرّ وخلع على وجوه الأحداث وحملهم على الخيل والبغال ووهب لهم الجواري والغلمان. وعسكر بظاهر البلد وسألوه الدخول والجواز فى الأسواق وقد كانوا زيّنوها إظهارا للسرور فلم يفعل وقال: هذه عساكر وإذا دخلت لم آمن أن تثقل وطأتهم. والتمس منهم أن يخلوا قرية على باب دمشق [١] ليكون مقامه فيها، فأجابوه إلى ذلك وتوفّر على استعمال العدل وتخفيف الثقل، فاستخصّ رؤساء الأحداث واستحجب جماعة منهم. وكان يعمل لهم سماطا يحضرونه فى كل يوم للأكل عنده ويبالغ فى تأنيسهم. فلمّا اطمأنّوا ومضت مدّة على ذلك أحضر قوّاده وتقدّم بأن يكونوا على أهبة لما يريد استخدامهم فيه وتوقّع ما يأمرهم به فى رقاع مختومة والعمل بما فيها. ثم كتب رقاعا بقسمة البلد وعيّن لكل من قوّاده الموضع الذي يدخل منه ويفتك فيها وختمها وأعدّها. ثم رتّب فى حمام داره قوما من المغاربة وتقدّم إلى أحد خواصّه بأن يراعى حضور رؤساء الأحداث طعامه. فإذا أكلوا [٣٢٩] وقاموا إلى المجلس الذي جرت عادتهم بغسل أيديهم فيه، أغلق بابه عليهم وأمر المتكمنين فى الحمام بالخروج على أصحابهم والإيقاع بهم.

стр. 3315

وحضر القوم على رسمهم وبادر جيش بإنفاذ الرقاع إلى قوّاده وجلس معهم للأكل. فلمّا فرغ وفرغوا نهض إلى حجرته ونهضوا إلى المجلس فأغلق الفرّاش عليهم بابه وخرج من فى الحمام فأوقعوا بأصحابهم وقتلوهم بأسرهم. وركب القوّاد ودخلوا البلد فقتلوا قتلا ذريعا وثلموا السور من كل جانب ونزلت المغاربة دور دمشق وركب جيش، فدخل دمشق وطافها واستغاث الناس به ولاذوا بعفوه، فكفّ عنهم واستدعى الأشراف استدعاء حسن ظنّهم فيه. فلمّا حضروا أخرج رؤساء الأحداث وأمر بضرب رقابهم بين أيديهم، ثم صلب كل واحد منهم فى محلّته، حتى إذا فرغ من ذلك قبض على الأشراف وحملهم إلى مصر واستأصل أموالهم ونعمهم ووظّف على البلد خمسمائة ألف [١] دينار. ثم جاءه أمر الله الذي لا يغلب وقضاؤه الذي لا يوارب ولاقته المنية التي تجعل العزيز ذليلا والكثير قليلا [٢] فما أغنت عنه عندها قدرة ولا حيلة ولا نفعته معها فدية ولا وسيلة. وكان سبب منيّته علّة باطنة حدثت به [٣٣٠] : ومن لم يمت بالسّيف مات بغيره ... تنوّعت الأسباب والدّاء واحد وورد الخبر إلى مصر بموته فقلّد محمد ولده مكانه. واستقامت الأمور على يد أرجوان وجرت بينه وبين بسيل عظيم الروم

стр. 3316

مراسلات وملاطفات انتهت إلى تقرير الهدنة مدّة عشر سنين وصلحت الحال مع العرب. وكان يواصل النظر فى قصر الحاكم نهاره أجمع، إلّا ساعة فى وقت الظهر، ثم يعود إلى منتصف الليل ويوفى السياسة حقّها وفهد بن ابراهيم بين يديه ينفّذ الأمور أحسن تنفيذ. فلم يزل على هذه الوتيرة إلى أن قتل. ذكر السبب فى قتل أرجوان وشرح الحال فى ذلك كان أرجوان يأخذ الحاكم بتهذيب الأخلاق وينصحه- والنصح مرّ المذاق- ويمنعه كثرة الركوب لفرط الإشفاق ويصدّه عن التبذير فى غير موضع الاستحقاق. فصارت له هذه الأحوال ذنوبا، ثم لأنّ لكل امرئ أجلا مكتوبا. وكان مع الحاكم خادم يعرف بريدان [١] الصقلبى قد خصّ به. فأنس فى شكوى أرجوان إليه فزاده ريدان إغراء به وقال: إنّه يريد [٣٣١] أن يجعل نفسه فى موضع كافور الإخشيدي ويجريك مجرى ابن الإخشيد فى الحجر عليك. ولم يزل بالحاكم حتى حمله على قتل أرجوان واستقرّ بينهما أن يستدعى أرجوان فى وقت الظهر بعد انصرافه إلى داره وأن يؤمر الناس بالركوب إلى الصيد ليتفرّقوا، فإذا حضر أمر بقتله. ففعل ذلك وقال الحاكم لريدان: - «إذا حضر أرجوان وتبعني إلى البستان فاتّبعه. فإذا التفتّ إليك فاغتله بالسكّين.» فبينما هما فى الحديث إذ دخل أرجوان فقال:

стр. 3317

- «يا مولاي الحرّ شديد، والبزاة لا تصيد فى مثله.» فقال: «صدقت، ولكنّا ندخل البستان ونطوف ساعة ونخرج.» فقام ومشى أرجوان خلفه ريدان بعده فأهوى ريدان عند التفات الحاكم إليه بالسكين إلى ظهر أرجوان فأطلعها من صدره. فقال أرجوان: - «يا مولاي غدرت.» وصاح الحاكم بالخدم وتكاثروا وأجهزوا عليه، وخرج الخدم الكبار، فردّوا الجنائب وبغال الموكب والجوارح. فسألهم شكر العضدي عن الحال فلم يجيبوه، فجاء الناس أمر لم يفهموه. وعاد شكر والموكب وشهر الجند سيوفهم وظنّوا حيلة تمّت لابن عمّار على الحاكم وأحاطوا بالقصر وعظم الأمر واجتمع القوّاد والوجوه. فلمّا رأى الحاكم زيادة الاحتياط ظهر من منظرة على أعلى الباب وسلّم على الناس، فترجّلوا له [٣٣٢] وخدموه، وأمر بفتح الباب وأنفذ على أيدى أصحاب الرسائل رقاعا بخطّ يده إلى شكر وأكابر الأتراك والقوّاد مضمونها: - «إنّى أنكرت من أرجوان أمورا أوجبت قتله وقتلته. فالزموا الطاعة وحافظوا على ما فى أعناقكم من الأيمان.» فلمّا وقفوا عليها أذعنوا وسلّموا، واستدعى الحسين بن جوهر، وكان من شيوخ القوّاد، فأمره بصرف الناس. فصرفهم وعادوا إلى دورهم والنفوس خائفة وجلة من فتنة تثور بين المشارقة والمغاربة. ثم جلس الحاكم بعد عشاء الآخرة واستدعى الحسين بن جوهر وفهد بن ابراهيم، وتقدّم بإحضار الكتّاب فحضروا وأوصلهم إليه وقال لهم: - «إنّ فهدا كان كاتب أرجوان وهذا اليوم وزيرى، فاسمعوا له وأطيعوا.» وقال لفهد: - «هؤلاء الكتّاب خدمي، فاعرف حقوقهم وأحسن إليهم.»

стр. 3318

وأمر بأن يكتب إلى سائر ولاة البلاد بقتل أرجوان وتسكينهم فى أعمالهم ونفّذت الكتب وسكن الناس وأمن ما خيف من الفتنة. وكان ذلك فى سنة تسع وثمانين وثلاثمائة. ومضى أرجوان كأنّه لم يكن ولو علم أنّ هلاكه على يد الحاكم لأقصر عن ذلك الاجتهاد فى حفظه. وربّ حافظ دواء داؤه فيه، وحامل سلاح حتفه به، وضنين بذخر وباله منه. ومع الأحوال كلّها فالإفراط [٣٣٣] فى منع الملوك عن شهواتهم جناية، والإقصار عمّا يلزم من نصحهم خيانة، لكن بشرط الإقتصاد. وقد قيل: كثرة المراقبة نفاق، وكثرة المخالفة شقاق. وكم من شفيق على الملوك قد هلك بفرط شفقته وحبيب صار بغيضا بكثرة نصحه. ولم يبعد العهد بما شوهد من فعل الملك أبى كاليجار بخادمه المتلقّب بالمؤيد وقصته مناسبة لقصة أرجوان. وما أحسن الرواية التي تروى عن المأمون رضوان الله عليه، حين سأل جلساءه عن أرفه الناس. فقال كل واحد منهم قولا لم يعجبه فقال المأمون: - «أرفه الناس عيشا رجل أتاه الله كفاية لا يعرفنا ولا نعرفه.» وقال بعض العقلاء: - «مثل السلطان كمثل النار. فلا تقرب منها قربا تباشر فيه لهبا، ولا تعبد عنها بعدا تفقد معه ضوءها.» وجملة القول، أنّ القرب من الملوك عزّ مع تعب، والبعد منهم ذلّ مع راحة، والعيش فى الخمول، وتختلف الطباع فى هذا الاختيار، وكلّ امرئ ميسّر لما خلق له.

стр. 3319

ذكر ما جرت عليه الأمور بعد قتل أرجوان [٣٣٤] استوزر فهد بن ابراهيم وقدم الحسين بن جوهر ولقّبه بقائد القوّاد. ثم استمرّ الفتك منه بالناس، فقتل فى المدة اليسيرة العدد الكثير. واستحضر بعد أربعة أشهر الحسن بن عمّار من داره. فلقيه بالإحسان وأعطاه يده بالأمان وانصرف مسرورا إلى داره وركب الناس إليه يهنّئونه بالعفو عنه، ثم قتله بعد أسبوع. ثم قتل فهد بن ابراهيم بسعاية كاتبين من كتّاب الدواوين به، وولّاهما الأعمال ثم قتلهما. ثم قتل الحسين بن جوهر ولم يكن فى شرح أحوال قتلهما ما يستفاد منه تجربة، لأنّه اختباط واختلاط. ثم قتل عليّا ومحمدا ابني المغربي وأمر بإحضار أبى القاسم الحسين بن على صاحب الشعر والرسائل الذي وزر ببغداد وأخويه. فظفر بأخويه فقتلا واستتر الوزير أبو القاسم وما زال يعمل الحيلة حتى هرب مع بعض [أهل] [١] البادية وحصل عند الحسّان بن المفرّج بن الجرّاح واستجار به وأجاره. وقد كان فى نفس الحاكم ما جرى على عساكر مصر بباب حلب. فعوّل على يارختكين [٢] العزيزي للخروج إلى الشام وقدمه وكثّر أمواله ونعمه وأمر وجوه القوّاد بتبجيله والترجّل فى موكبه. وكان فى جملة من أمر بخدمته والترجّل له علىّ ومحمود ابنا المفرّج [وجاءا] إلى أبيهما وعرّفاه ما أمرا به من الترجل ليارختكين والمشي بين [٣٣٥] يديه وما لقياه من ذلك من المشقّة وانّ نفوسهما تأبى الصبر على

стр. 3320

هذه المذلّة ثم حذّراه يارختكين وتوجهه وقالا: - «إنّك لا تأمن أن ينتهز فيك فرصة ويستفحل أمره فينبو [١] بك وبنا المقام فى هذه الديار فدبّر أمرك فى فسحة من رأيك وعاجله فى الجفار قبل وصوله إلى الرملة واعتضاده بعساكرها.» وكان يارختكين سار فى عدّة قليلة على أن يجمع عساكر الشام ويسير بها إلى حلب، وصحبه أهله وماله وعدد كثير من التجّار. فلمّا توسط الجفار أشار أبو القاسم المغربي على حسّان بن المفرّج بلقائه وانتهاز الفرصة فيه. فسار حسان إلى أبيه وسهّل عليهما الأمر، فاجتمع رأيهما على ذلك. وجمعا العرب ورصدا وصول يارختكين إلى غزّة وعرف يارختكين الخبر فجمع ذوى الرأى من أصحابه وشاورهم. ذكر رأيين كلّ منهما سديد لو ساعد القدر فيه قال أحدهم له: - «إنّك من الرملة على عشرة فراسخ وبها خمسة آلاف رجل، وعندك خيول مضمّرة ولو أسريت ليلا لصبحت الرملة وحصلت فى قصرك آمنا، وعرفت العرب خبرك فهابوك وراقبوك، وسرنا بعدك على طمأنينة.» [٣٣٦] فاعترض آخر وقال: - «هذا المرء اليوم فى ابتداء أمره فإذ [٢] شاع بين الناس أنّه أشفق وهرب لم تبق له هيبة فى النفوس ولكن الرأى أن يستدعى قائدا من قوّاد الرملة فى ألف فارس ليلقانا بعسقلان.»

стр. 3321

فاستقرّ الأمر على ذلك وكتب يارختكين إلى قائد يعرف بابن سرحان يستدعيه وأنفذ الكتاب مع رسول قدّر لوصوله وخروج ابن سرحان ثلاثة أيام. فاتّفق أنّ الرسول أخذ فى الطريق قبل وصوله إلى ابن سرحان. ذكر عجلة ضاع الحزم بها لمّا مضى يومان من الثلاثة التي قدّرها يارختكين سار على طريق الساحل وهو لا يشكّ فى تعجيل ابن سرحان إليه. وكان حسّان بن المفرّج قد عرف خبره. فبثّ الخيل من كلّ جانب، فوقعت على يارختكين وجرت بين الفريقين حرب شديدة كانت الغلبة فيها للعرب وأسر يارختكين وأخذ ولده وحرمه وأموال التجّار وجعل أكثر ذلك فى يد حسان. وعادت العرب إلى الرملة وشنّوا الغارة على رساتيقها وخرج العسكر الذي بها فقاتلوهم قتالا همّت العرب معه بالانصراف. ذكر رأى أشار به ابن [٣٣٧] المغربي فى تلك الحال قال لهم الوزير أبو القاسم ابن المغربي: - «إن رحلتم على هذه الصورة وقع الطمع فيكم، وإن صبرتم حتى تفتحوا البلد خافكم الحاكم وملكتم الشام. والرأى أن تبادروا وتنادوا فى السواد وتسمعوا الشراة فى الجبال بإباحة النهب والغنيمة.» فقبلوا منه وحشروا فنادوا، فوافى خلق كثير وزحفوا إلى البلد وملكوه وأساؤا الملكة بالفتك والهتك.

стр. 3322

وتأدى الخبر إلى الحاكم فانزعج وكتب إلى المفرج بن دغفل كتابا عاتبه فيه وحذّره سوء العاقبة وطالبه بانتزاع يارختكين من يد حسان وحمله إلى مصر ووعده على ذلك بخمسين ألف دينار. ذكر رأى لابن المغربي قصد به تأكيد الوحشة بين حسان وصاحب مصر قال لحسّان: - «إنّ والدك سيركب إليك ولا يبرح من عندك إلّا بيارختكين ومتى أفرجتم عنه وعاد إلى الحاكم ردّه إليكم فى العساكر التي لا قبل لكم بها.» فلمّا سمع حسّان ذلك- وكان فى رأسه نشوة- أحضر يارختكين بقيوده، فضرب عنقه صبرا. وأنفذ رأسه إلى المفرج. فشقّ عليه ما جرى وعلم فوت الأمر فأمسك. [٣٣٨] ثم اجتمع الوزير أبو القاسم مع المفرج وأولاده وقال لهم: - «قد كشفتم القناع فى مباينة الحاكم ولم يبق من بعد للصلح موضع.» وأشار عليهم بمراسلة أبى الفتوح الحسن بن جعفر العلوي واستجذابه به إليهم ومبايعته على الإمامة، فإنّه لا مغمز فى نسبه، وسهل الخطب عليهم فى ذلك. ذكر ما جرى عليه أمر أبى الفتوح العلوي المتلقّب بالراشد بالله كان أبو الفتوح بمكّة أميرا. فمضى إليه ابن المغربي وأطمعه فى الأمر فطمع فيه. وجمع بنى حسن وشاورهم، فصبوا إلى العزّ وأعطوه أيديهم

стр. 3323

بالبيعة. ثم عاد [١] الناس إليه وتلقّب بالراشد بالله، وصعد المنبر وخطب لنفسه. واتفق أنّ إنسانا موسرا توفّى تلك السنة بجدّة، ووصّى لأبى الفتوح من تركته بمال لكي يسلم الباقي لورثته. فمدّ يده إلى التركة فاستوعبها بمشورة ابن المغربي عليه بذلك وسار لاحقا بآل الجراح. فلمّا قرب من الرملة تلقّوه وقبّلوا الأرض بين يديه وسلّموا عليه بإمرة المؤمنين ونزل الرملة. ونادى فى الناس بأمان الخائفين والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ونسى نفسه فى أخذ تركة التاجر بجدّة، إلّا أنّ الناس تراجعوا إلى معايشهم [٣٣٩] وظهروا من استتارهم. وركب فى يوم الجمعة والمفرج وأولاده وسائر أمراء طىّ مشاة بين يديه حتى دخل المسجد ودعا ابن نباتة الخطيب [٢] وأمره بصعود المنبر وأسرّ إليه بما لا يبدأ به [٣] فصعد وقد طالت الأعناق. فحمد الله وأثنى عليه وقرأ: - بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ نَتْلُوا عَلَيْكَ من نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ من الْمُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ في الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ ٢٨: ٠- ٦ [٤] . ولمّا فرغ أبو الفتوح من الصلاة عاد إلى دار الإمارة.

стр. 3324

ونرى أنّ أبا الفتوح اتّبع فى هذا الاستشهاد بهذه الآيات محمد بن عبد الله بن حسن فيما جرى بين المنصور بالله وبينه من المكاتبات فإنّه استشهد بها. ويتضمن كتاب الكامل الذي صنفه أبو العباس المبرّد ذكرها [١] وقد نظر [٢] المنصور فيها ولولا شرط الاختصار لذكرناها فإنّها عجيبة جدّا. وقد قارعا على الأحساب «والنبع يقرع بعضه بعضا» . وما أحسن أدب القائل حين دخل إلى المنصور بالله بعد قتل إبراهيم بن عبد الله بن [٣٤٠] حسن بن حسن أخى محمد، والناس ينالون من ابراهيم والمنصور يكره كثيرا من ذلك فقال: - «أجرك الله يا أمير المؤمنين فى ابن عمّك وغفر له ما استحلّه من قطيعتك.» أو ما هذا معناه. فتهلّل وجه المنصور سرورا بصوابه، وقرّبه إليه من دون أصحابه. والله تعالى يقول: «وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ الله إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» ٨: ٧٥ [٣] . ذكر ما دبّره صاحب مصر عند وصول الخبر إليه لمّا تأدّى إلى الحاكم شرح ما جرى، عظم عليه وكبر لديه. وكتب إلى حسان ملطّفات وبذل له بذولا كثيرة، وإلى المفرج بمثل ذلك، واستمال آل الجرّاح جميعهم، وحمل إلى على ومحمود ابني المفرّج أموالا جزيلة حتى فلّهما عن ذلك الجمع وجعلهما فى حيّزه مع جماعة من العرب.

стр. 3325

وبدأ أمر الحاكم يقوى وأمر أبى الفتوح يضعف، وبان له تغيّر آل الجرّاح عليه، وانضاف إلى ذلك ورود الخبر بنزول ابن عمّه على ملكه طالبا موضعه. ذكر تحاسد بين الأهل عاد بوبال [٣٤١] كان لأبى الفتوح ضدّ من بنى عمّه يعرف بابن أبى الطيب يخاطب بالإمرة وبينهما تحاسد وتنازع. فكتب إليه الحاكم فى هذا الوقت وقلّده الحرمين وأنفذ له ولشيوخ بنى حسن مالا وثيابا. فسار مع من انضوى إليه من بنى عمّه إلى مكّة وبها صاحب أبى الفتوح، فنازله وأسرعت النجب إلى أبى الفتوح بالخبر، فازداد قلقا وخاف خروج الحرمين من يده. وكان حسّان قد أنفذ والدته فى أثناء هذه الخطوب إلى مصر بتذكرة تتضمن أغراضه وسأل فى جملتها أن تهدى له جارية من إماء القصر. فأجابه الحاكم إلى جميع ما سأل من إقطاع وتقرير وأمضاه، وكتب له أمانا بخطّ يده وأهدى له جارية جهّزها بما بلغ قيمته مالا عظيما. فعادت والدة حسّان إليه بالرغائب له ولأبيه، فسرّ بذلك وأظهر طاعة الحاكم ولبس خلعه. وعرف أبو الفتوح الحال فأيس معها من نفسه، فركب إلى المفرج مستجيرا به وقال: - «إنّما فارقت نعمتي وأبديت للحاكم صفحتي سكونا إلى ذمامك، وأنا الآن خائف من غدر حسّان، فأبلغنى مأمنى وسيّرنى إلى وطنى.» فحفظ المفرج ذمامه وضمّ إليه من أجازه وأدّى القرى. فتلقّاه بنو حسن وأصحابه ومضوا إلى مكة واستقامت أموره بها وكاتب الحاكم واعتذر إليه فقبل عذره. وأمّا الوزير أبو [٣٤٢] القاسم فإنّه استجار بالمفرج حتى سيّره إلى العراق.

стр. 3326

وصبر الحاكم مدة يسيرة ثم جرّد العساكر مع على بن جعفر بن فلاح أخى أبى تميم ولقّبه قطب الدولة وسار فى عشرين ألف وتلقّاه على ومحمود ابنا المفرج طائعين. وكان الحاكم قد خدع كاتبا للمفرج يعرف بابن المدبّر، وبذل له بذولا على قتل المفرج بالسمّ. فتوصّل الكاتب إلى أن سقاه سمّا فمات وهرب ابن المدبّر إلى مصر ووفى له الحاكم بما وعده ثم قتله من بعد. وكذلك عاقبة من خان مولاه وباع دينه بدنياه، فهو يخسرهما جميعا ويحتقب إثما عظيما. واضمحلّ أمر حسّان وأخذت معاقله وصار طريدا شريدا مدّة حتى ضاقت عليه أرضه. فأنفذ والدته والجارية إلى مصر لائذا بالأمان واستشفع إلى الحاكم بأخته فشفعها فيه وأعطى والدته خاتمه وثياب صوف كانت على بدنه وعمامة على رأسه والحمار الذي يركبه. فعادت الجارية بجميع ذلك إليه وأقامت والدته. فبادر حسّان إلى الورود ودخل البلد على ذلك الحمار بتلك الثياب فعفا عنه وأعطاه أرضه واصطنعه وأقطعه وأعاده إلى الشام ولم يتعرّض حسّان بعدها بفساد إلى أن قتل الحاكم. ونعود إلى سياقة التاريخ. مسير خمارتكين إلى الرحبة والرقّة وفى هذه السنة المقدّم ذكرها [٣٤٣] وردت كتب أهل الرحبة والرقّة إلى الحضرة باستدعاء من يسلمون إليه البلاد، فندب خمارتكين الحمصي للمسير.

стр. 3327

ذكر ما جرى عليه أمره فى ذلك سار إلى الرحبة وملكها وأقام بها أيّاما ثم سار إلى الرقّة وبها سعد السعدىّ، فاعتصم بالرافقة وجرت بينه وبين خمارتكين وقعات ولم يتمّ فتحها وعاد إلى الرحبة. وقد بلغه اضطراب الأمور ببغداد فرجع واعترضه قوم من العرب فى رجوعه فأخذوه أسيرا فى أيديهم حتى افتدى منهم بمال. وفيها خرج أبو جعفر الحجاج بن هرمز إلى أعمال الموصل مع عدد كثير من العسكر وحصل بها. واجتمعت بنو عقيل وزعيمهم يومئذ أبو الدواد محمد بن المسيّب على حربه فجرت بينهما وقائع ظهر من أبى جعفر فيها شجاعة سار ذكره بها حتى إنّه كان يضع كرسيّا فى وسط المصافّ ويجلس عليه والحرب قائمة بين يديه وتمكّنت له فى قلوب العرب هيبة بذلك. واستنجد من الحضرة، فأنجد بالوزير أبى القاسم علىّ بن أحمد [١] واستقرّ الصلح مع العرب على المناصفة فيما قرب من أعمال الموصل وبقي أبو جعفر هناك إلى أن توفّى محمد بن المسيّب وعاد بنو [٣٤٤] عقيل فأخذوا منه البلد. وفيها وصل الأشراف والقضاة والشهود إلى حضرة القادر بالله رضوان عليه، وسمعوا يمينه لبهاء الدولة بالوفاء وخلوص النيّة وتقليده ما وراء بابه ممّا تقام فيه الدعوة، وذلك بعد أن حلف له بهاء الدولة على صدق الطاعة والقيام بشروط البيعة.

стр. 3328

ودخلت سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة خروج الوزير أبى القاسم لقتال بنى عقيل وفيها خلع على الوزير أبى القاسم علىّ بن أحمد وندب إلى الخروج إلى الموصل وقتال بنى عقيل. ذكر السبب فى ذلك وما انتهى إليه الأمر فيه كانت الحال بين أبى القاسم وبين أبى الحسن المعلّم قد بدأت فى الفساد ودخلت بينهما بلاغات حلّت عرى الوداد. وكان أبو القاسم يجرى نفسه معه مجرى الكاتب حتى إنّه نزل يوما معه فى زبزبه، فجلس على الكهوار بين يديه والناس يشاهدونه ويتعجّبون منه. ووردت كتب أبى جعفر الحجاج باجتماع بنى عقيل عليه، فأشار أبو الحسن على بهاء الدولة بإخراج أبى القاسم [٣٤٥] فتقدّم إليه بذلك وجرّد معه عددا كثيرا من طوائف العسكر وسار بعد أن ركب إليه بهاء الدولة وودّعه. فوصل إلى الموصل وخيّم بظاهرها واجتمع مع أبى جعفر وانصرف بنو عقيل وبدأ بإحكام قواعد الأمور، فلم يمهله أبو الحسن المعلّم حتى كاتب أبا جعفر بالقبض عليه. ذكر رأى سديد لأبى جعفر نظر فيه للعاقبة علم أبو جعفر أنّه إن فعل ذلك اضطرب الأمور وطمعت العرب ولم يمكنه الثبات، فتوقف وراجع أبا الحسن وأعلمه وجه الغلط فيما رآه.

стр. 3329

واتصل الخبر بأبى القاسم بما يجرى من الخوض [١] فى بابه من عيون له على بهاء الدولة وأبى الحسن وخواصّهما [٢] وعوّل على مهادنة بنى عقيل وأخذ رهائنهم وعمل على الانكفاء إلى بغداد. ولمّا رأى أبو الحسن أنّ أبا جعفر قد توقّف عمّا كاتبه فيه، فأخرج أبا الفتح محمد بن الحسن الحاجب إليه ليلزمه إمضاء العزيمة فيما أمره به. فحكى أبو نصر محمد بن على بن سياجيك وكان كاتب أبى القاسم يومئذ، قال: لمّا وصل الخبر إلينا بما تقرّر من خروج أبى الفتح محمد بن الحسن [٣٤٦] على القاعدة المذكورة، ثم تلاه كتاب من تكريت بوصوله إليها، خاف أبو القاسم وأشار عليه من يثق به بالهرب. ففرقت نفسه عنه، وعزم على الانكفاء إلى بغداد ولم يأمن أن يظهر فيمنعه أبو جعفر. ذكر ما رتّبه أبو القاسم من الحيلة حتى تمّ له الانحدار راسل أبا جعفر وقال له: - «قد توقف محمد بن المسيّب عن تفرقة العرب من حوله وتسليم ما وقف على تسليمه من النواحي وقال: لست فاعلا ذلك إلّا بعد أن تنحدر أنت ومن معك من العسكر وآمن انتقاض ما تقرر، وقد عزمت على أن أنتقل بمعسكرى من موضعه وأظهر الانحدار، فليكن أدعى إلى سكونه.» فاستصاب أبو جعفر رأيه وأمر أبا القاسم بالرحيل ليلا وأصبح على عشرة فراسخ من الموصل.

стр. 3330

فراسله أبو جعفر وعاتبه على فعله. فردّ عليه جوابا معللا بالاعتذار وقال: - «إنّ الأولياء طالبوني بالانحدار ولم يمكن مخالفتهم.» ووصل إلى الحديثة وقد نزلها أبو الفتح الحاجب فخرج وتلقّى الوزير وخدمه وأعطاه كتابا من بهاء الدولة مضمونه: - «إنّ الأمور قد [٣٤٧] وقفت ببعدك وخيّل لنا أنّ أبا جعفر منعك من العود ولم يقف عند ما تدبّره به. فأنفذنا أبا الفتح ليواقف أبا جعفر على طاعتك والرضاء [١] بما تقرره ليتعجّل عودك.» فوقف أبو القاسم على الكتاب. فلمّا نزل مخيّمه استدعى أبا الفتح وراوضه على أن يصدقه عن باطن الأمر وبذل له ثلاثة آلاف دينار. فحلف له أبو الفتح على تقابل الظاهر والباطن فيما أوصله إليه. فقال أبو نصر: فاستدعاني الوزير بعد خروج أبى الفتح من عنده وقال لى: - «قد ورد هذا الكتاب بما قد علمته وقد كتب أصدقاؤنا ونصحاؤنا بما عرفته فما الرأى؟» قلت له: - «ليس إلّا مراسلة أبى الدواد فإنّه نازل بازائنا، وأخذ الذمام منه والعبور إليه والمقام عنده ثم تدبير الأمر مع الأمن.» فقال: - «لعمري إنّ هذا هو الرأى الذي توجبه الخبرة فى حراسة النفس ولكنّى أستقبح ذلك وسأدخل بغداد متوكّلا على الله تعالى.» ثم ورد الخبر فى أعقاب ذلك بالقبض على أبى الحسن المعلّم وقتله.
следующие страницы →