← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

وصبر الحاكم مدة يسيرة ثم جرّد العساكر مع على بن جعفر بن فلاح أخى أبى تميم ولقّبه قطب الدولة وسار فى عشرين ألف وتلقّاه على ومحمود ابنا المفرج طائعين. وكان الحاكم قد خدع كاتبا للمفرج يعرف بابن المدبّر، وبذل له بذولا على قتل المفرج بالسمّ. فتوصّل الكاتب إلى أن سقاه سمّا فمات وهرب ابن المدبّر إلى مصر ووفى له الحاكم بما وعده ثم قتله من بعد. وكذلك عاقبة من خان مولاه وباع دينه بدنياه، فهو يخسرهما جميعا ويحتقب إثما عظيما. واضمحلّ أمر حسّان وأخذت معاقله وصار طريدا شريدا مدّة حتى ضاقت عليه أرضه. فأنفذ والدته والجارية إلى مصر لائذا بالأمان واستشفع إلى الحاكم بأخته فشفعها فيه وأعطى والدته خاتمه وثياب صوف كانت على بدنه وعمامة على رأسه والحمار الذي يركبه. فعادت الجارية بجميع ذلك إليه وأقامت والدته. فبادر حسّان إلى الورود ودخل البلد على ذلك الحمار بتلك الثياب فعفا عنه وأعطاه أرضه واصطنعه وأقطعه وأعاده إلى الشام ولم يتعرّض حسّان بعدها بفساد إلى أن قتل الحاكم. ونعود إلى سياقة التاريخ. مسير خمارتكين إلى الرحبة والرقّة وفى هذه السنة المقدّم ذكرها [٣٤٣] وردت كتب أهل الرحبة والرقّة إلى الحضرة باستدعاء من يسلمون إليه البلاد، فندب خمارتكين الحمصي للمسير.

стр. 3327

ذكر ما جرى عليه أمره فى ذلك سار إلى الرحبة وملكها وأقام بها أيّاما ثم سار إلى الرقّة وبها سعد السعدىّ، فاعتصم بالرافقة وجرت بينه وبين خمارتكين وقعات ولم يتمّ فتحها وعاد إلى الرحبة. وقد بلغه اضطراب الأمور ببغداد فرجع واعترضه قوم من العرب فى رجوعه فأخذوه أسيرا فى أيديهم حتى افتدى منهم بمال. وفيها خرج أبو جعفر الحجاج بن هرمز إلى أعمال الموصل مع عدد كثير من العسكر وحصل بها. واجتمعت بنو عقيل وزعيمهم يومئذ أبو الدواد محمد بن المسيّب على حربه فجرت بينهما وقائع ظهر من أبى جعفر فيها شجاعة سار ذكره بها حتى إنّه كان يضع كرسيّا فى وسط المصافّ ويجلس عليه والحرب قائمة بين يديه وتمكّنت له فى قلوب العرب هيبة بذلك. واستنجد من الحضرة، فأنجد بالوزير أبى القاسم علىّ بن أحمد [١] واستقرّ الصلح مع العرب على المناصفة فيما قرب من أعمال الموصل وبقي أبو جعفر هناك إلى أن توفّى محمد بن المسيّب وعاد بنو [٣٤٤] عقيل فأخذوا منه البلد. وفيها وصل الأشراف والقضاة والشهود إلى حضرة القادر بالله رضوان عليه، وسمعوا يمينه لبهاء الدولة بالوفاء وخلوص النيّة وتقليده ما وراء بابه ممّا تقام فيه الدعوة، وذلك بعد أن حلف له بهاء الدولة على صدق الطاعة والقيام بشروط البيعة.

стр. 3328

ودخلت سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة خروج الوزير أبى القاسم لقتال بنى عقيل وفيها خلع على الوزير أبى القاسم علىّ بن أحمد وندب إلى الخروج إلى الموصل وقتال بنى عقيل. ذكر السبب فى ذلك وما انتهى إليه الأمر فيه كانت الحال بين أبى القاسم وبين أبى الحسن المعلّم قد بدأت فى الفساد ودخلت بينهما بلاغات حلّت عرى الوداد. وكان أبو القاسم يجرى نفسه معه مجرى الكاتب حتى إنّه نزل يوما معه فى زبزبه، فجلس على الكهوار بين يديه والناس يشاهدونه ويتعجّبون منه. ووردت كتب أبى جعفر الحجاج باجتماع بنى عقيل عليه، فأشار أبو الحسن على بهاء الدولة بإخراج أبى القاسم [٣٤٥] فتقدّم إليه بذلك وجرّد معه عددا كثيرا من طوائف العسكر وسار بعد أن ركب إليه بهاء الدولة وودّعه. فوصل إلى الموصل وخيّم بظاهرها واجتمع مع أبى جعفر وانصرف بنو عقيل وبدأ بإحكام قواعد الأمور، فلم يمهله أبو الحسن المعلّم حتى كاتب أبا جعفر بالقبض عليه. ذكر رأى سديد لأبى جعفر نظر فيه للعاقبة علم أبو جعفر أنّه إن فعل ذلك اضطرب الأمور وطمعت العرب ولم يمكنه الثبات، فتوقف وراجع أبا الحسن وأعلمه وجه الغلط فيما رآه.

стр. 3329

واتصل الخبر بأبى القاسم بما يجرى من الخوض [١] فى بابه من عيون له على بهاء الدولة وأبى الحسن وخواصّهما [٢] وعوّل على مهادنة بنى عقيل وأخذ رهائنهم وعمل على الانكفاء إلى بغداد. ولمّا رأى أبو الحسن أنّ أبا جعفر قد توقّف عمّا كاتبه فيه، فأخرج أبا الفتح محمد بن الحسن الحاجب إليه ليلزمه إمضاء العزيمة فيما أمره به. فحكى أبو نصر محمد بن على بن سياجيك وكان كاتب أبى القاسم يومئذ، قال: لمّا وصل الخبر إلينا بما تقرّر من خروج أبى الفتح محمد بن الحسن [٣٤٦] على القاعدة المذكورة، ثم تلاه كتاب من تكريت بوصوله إليها، خاف أبو القاسم وأشار عليه من يثق به بالهرب. ففرقت نفسه عنه، وعزم على الانكفاء إلى بغداد ولم يأمن أن يظهر فيمنعه أبو جعفر. ذكر ما رتّبه أبو القاسم من الحيلة حتى تمّ له الانحدار راسل أبا جعفر وقال له: - «قد توقف محمد بن المسيّب عن تفرقة العرب من حوله وتسليم ما وقف على تسليمه من النواحي وقال: لست فاعلا ذلك إلّا بعد أن تنحدر أنت ومن معك من العسكر وآمن انتقاض ما تقرر، وقد عزمت على أن أنتقل بمعسكرى من موضعه وأظهر الانحدار، فليكن أدعى إلى سكونه.» فاستصاب أبو جعفر رأيه وأمر أبا القاسم بالرحيل ليلا وأصبح على عشرة فراسخ من الموصل.

стр. 3330

فراسله أبو جعفر وعاتبه على فعله. فردّ عليه جوابا معللا بالاعتذار وقال: - «إنّ الأولياء طالبوني بالانحدار ولم يمكن مخالفتهم.» ووصل إلى الحديثة وقد نزلها أبو الفتح الحاجب فخرج وتلقّى الوزير وخدمه وأعطاه كتابا من بهاء الدولة مضمونه: - «إنّ الأمور قد [٣٤٧] وقفت ببعدك وخيّل لنا أنّ أبا جعفر منعك من العود ولم يقف عند ما تدبّره به. فأنفذنا أبا الفتح ليواقف أبا جعفر على طاعتك والرضاء [١] بما تقرره ليتعجّل عودك.» فوقف أبو القاسم على الكتاب. فلمّا نزل مخيّمه استدعى أبا الفتح وراوضه على أن يصدقه عن باطن الأمر وبذل له ثلاثة آلاف دينار. فحلف له أبو الفتح على تقابل الظاهر والباطن فيما أوصله إليه. فقال أبو نصر: فاستدعاني الوزير بعد خروج أبى الفتح من عنده وقال لى: - «قد ورد هذا الكتاب بما قد علمته وقد كتب أصدقاؤنا ونصحاؤنا بما عرفته فما الرأى؟» قلت له: - «ليس إلّا مراسلة أبى الدواد فإنّه نازل بازائنا، وأخذ الذمام منه والعبور إليه والمقام عنده ثم تدبير الأمر مع الأمن.» فقال: - «لعمري إنّ هذا هو الرأى الذي توجبه الخبرة فى حراسة النفس ولكنّى أستقبح ذلك وسأدخل بغداد متوكّلا على الله تعالى.» ثم ورد الخبر فى أعقاب ذلك بالقبض على أبى الحسن المعلّم وقتله.

стр. 3331

فدخلت إلى الوزير فأقرأنى الكتاب الوارد بذكر ذلك وعنده من يحتشمه فأظهرت وجوما. فلمّا خلا عدت إليه وفى وجهى آثار الاستبشار، ووجدته مفكرا مطرقا فلما رآني قال: - «أظنّك قد سررت بما ورد.» قلت: «نعم.» قال: «وما ذاك مما يسرّ، لأنّ ملكا قرب رجلا [٣٤٨] كما قرب بهاء الدولة أبا الحسن وفوّض إليه التفويض الذي رأيته ثم أسلمه للقتل بمرأى عينه لحقيق بأن تخاف ملابسته.» وفيها ورد أبو العلاء عبيد الله بن الفضل قادما من الأهواز وكان أبو الحسن المعلّم قد مدّ عينه إلى حاله وماله واستدعاه للقبض عليه. ذكر تدبير جيّد سلم به أبو العلاء عبيد الله بن الفضل لمّا أحسّ أبو العلاء بما همّ به أبو الحسن ملأ عينه بالتحف والملاطفات وعمل الدعوات المترادفات وسلك معه سبيل التذلل والمخادعة حتى اندفعت عنه النكبة وتجدّد من قتل المعلّم ما كفى به أمره. وفيها أفرج عن أبى الحسن محمد بن عمر العلوي. وفيها قبض على أبى الحسن المعلّم وقتل. شرح حال أبى الحسن المعلم فى القبض عليه وقتله كان قد استولى على الأمور الاستيلاء الذي تقدّم ذكره ووتر القريب والبعيد وخنق أبا على ابن شرف الدولة بيده وأفسد نيّات وجوه العسكر

стр. 3332

والرعيّة [٣٤٩] وفعل الأفاعيل المنكرة وأملى له حتى امتلأت صحيفته. فشغب الجند فى هذا الوقت وبرزوا إلى ظاهر البلد وراسلوا بهاء الدولة بالشكوى منه وطالبوه بتسليمه إليهم فأخذهم باللطف ووعدهم بإزالة شكواهم وأن يتولّى بنفسه أمورهم ويقتصر أبو الحسن المعلّم على خدمته فيما يخصّه. فلم يقنعوا، فبذل لهم أن يبعده عن مملكته إلى حيث يأمن على مهجته ويبلغ الجند مرادهم ببعده ولا يتقبّح هو بتسليمه وقتله. فكان جوابهم أخسّ من القول الأول. فقال بكران لبهاء الدولة وكان السفير بينه وبين العسكر: - «أيّها الملك إنّ الأمر على خلاف ما تقدّره وأنت مخيّر بين بقاء أبى الحسن وبين بقاء دولتك، فاختر أيّهما شئت.» فقبض عند ذلك على أبى الحسن وعلى جميع أصحابه وأسبابه وظنّ أنّهم يرضون ويعودون. فلم يفعلوا وأقاموا على المطالبة بتسليمه إليهم فتذمّم من ذلك وركب بنفسه ليسألهم العود والاقتصار على ما جرى من القبض على المعلّم فلم يقم أحد منهم إليه ولا خدمه وأبوا أن يرجعوا إلّا بعد تسليمه. فسلّم حينئذ إلى أبى حرب شيرزيل [١] وسقى السمّ دفعتين فلم يعمل فيه، فخنق بحبال الستارة ودهمه أحد الغلمان بسكين فقضى نحبه وأخرج ودفن. ثم عاد [٣٥٠] الجند إلى منازلهم وسكنت الفتنة. ولو أنّ بهاء الدولة اقتصد فى أمر هذا المعلّم لكان ذلك أحسن بداية وأجمل توسّطا وأحمد عاقبة وآمن مغبّة وأطيب أحدوثة. ولكنّه أخطأ باختيار من لا خير فيه، ثم أفرط فى تقريبه ثم أسرف فى تمكينه، لا جرم

стр. 3333

أنّ السمعة ساءت والرقية رفعت والحشمة ذهبت والوصمة بقيت ولم يسلم المعلّم مع ذلك كلّه. فيا قرب ما بين العزّ وهذا الهوان وذلك الإكرام وهذا الإسلام! «فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ» ٤٤: ٢٩ [١] . تسليم الطائع إلى القادر وإنزاله فى حجرة وفيها سلم الطائع إلى الخليفة القادر بالله رضوان الله عليه وأنزله فى حجرة من حجر خاصّته ووكّل به من يحفظه من ثقات خدمه. وأحسن ضيافته ومراعاة أموره حتى إنّه كان يطالب من الخدمة بمثل ما كان يطالب به أيّام خلافته وكان القادر بالله رضوان الله عليه، يتفقّد ما يقام له ويقدّم بين يديه أكثر تفقّد مما يخصّ به نفسه. وأقام على ذلك إلى أن توفّى رضوان الله عليه. وفيها ورد الوزير أبو القاسم على بن أحمد والعسكر فى صحبته. [٣٥١] ذكر ما جرى عليه أمر الوزير أبى القاسم وما استقرّ فى أمر النظر بعد القبض عليه ورد وعنده أنّه قد كفى ما يحاذره بهلاك المعلّم وكان بهاء الدولة قد نقم عليه لأسباب أكّدها المعلّم فى نفسه، أحدها ما كان منه بمقاربة بنى عقيل ثم صحّ فى نفسه أنّ الشغب الواقع من العسكر كان بكتبه ورسائله إليهم. فقبض عليه وخلع على أبى عبد الله [٢] الحسين بن أحمد وردّ إليه العرض

стр. 3334

وأقرّ أبا الحسن على [١] بن سهل الدورقي على رسمه فى نيابة الوزارة. وخوطب أبو منصور ابن صالحان على تقلّد الأمر، فاستعفى فاستقرّ الأمر على استدعاء أبى نصر سابور، وكان قد صار إلى البطيحة مستوحشا من المعلّم فكوتب بالحضور فحضر. وأشير على بهاء الدولة بالجمع بينه وبين أبى منصور ابن صالحان فى الوزارة. فأمر بذلك بعد أن قرّره معهما وخلع عليهما جميعا وطرح لهما دستا كاملا وكانا يتناوبان فى تقديم اسم أحدهما على الآخر فى المكاتبات. ذكر القبض على أبى القاسم بشيراز وفيها قبض صمصام الدولة على أبى القاسم العلاء بن الحسن بشيراز. [٣٥٢] ذكر ما جرت عليه الحال فى ذلك كان العلاء بن الحسن غالبا على أمر صمصام الدولة ووالدته كثير الإفضال على أصحابه وحاشيته. ولم يكن مع ذلك مغضيا لهم على أمر يحلّ عرى السياسة. وكان قد اصطنع أبا القاسم الدلجى واستصحبه من الأهواز لما أعاده شرف الدولة إلى شيراز وقدّمه وقرّبه. ثم ولّاه ديوان الإنشاء حين حصل صمصام الدولة بشيراز وخلع عليه ورتّبه فى ذلك ترتيب الوزراء ومضى الأمر على هذا زمانا. وتبسّط الرضيع وسعادة وكتّاب السيدة والدة صمصام الدولة واستولوا

стр. 3335

وطالبوا العلاء بما تقصر المادّة عنه وتضطرب الأمور معه. فضاق مجال قدرته عن اقتراحاتهم ففسدت الحال بينه وبينهم لأجل ذلك، وشرعوا فى فساد أمره، فوجدوا عند أبى القاسم الدلجى مساعدة لهم عليه عند صمصام الدولة طمعا فى حاله وحال [من] دونه فقبض عليه وعلى كتّابه وحواشيه وعلى ابنته وزوجة العلوي الرازي، وطولبوا أشدّ مطالبة وعوقبوا أشدّ معاقبة حتى تلفت ابنته وجماعة من أصحابه تحت الضرب. وبقي العلاء معتقلا فى بعض المطامير [٣٥٣] لا يعرف له خبر. إلى أن فسد أمر أبى القاسم الدلجى فتغيّر رأى السيدة والدة صمصام الدولة وقبض عليه فى سنة ثلاث وثمانين وأفرج عن العلاء بن الحسن وردّ إليه النظر. ذكر ما جرى عليه أمر العلاء بن الحسن فى عوده إلى الوزارة أخرج من محبسه وقد ضعف بصره وحصل فى دار السيدة وعولج حتى برئ وخلع عليه وردّ إلى الوزارة وصحب صمصام الدولة إلى الأهواز. ثم رجع إلى أرّجان فأقام بها على النظر فى أمور فارس. فلمّا جرى ما جرى بتلّ طاؤوس وعاد الديلم منهزمين وانهزم صمصام الدولة إلى شيراز، فسار العلاء إلى الأهواز وقاتل عسكر بهاء الدولة ثم مات بعسكر مكرم. ولم تخلص نيّته لصمصام الدولة بعد ما لحقه وابنته وأهله، بل أهلك دولته بإقطاع الإقطاعات وإيجاب الزيادات وتمزيق الأموال وتسليم الأعمال، وتأدّت أمور صمصام الدولة إلى الاضطراب وأحواله إلى الاحتلال. وهكذا

стр. 3336

يعيس [١] فى فساد الأمور كلّ حنق موتور. ورود الخبر بنزول ملك الروم على خلاط وأرجيش وفيها ورد الخبر بنزول ملك الروم على خلاط وأرجيش وأخذهما وانزعج الناس لذلك، ثم ذكر من بعد [٣٥٤] استقرار الهدنة بين أبى على الحسن ابن مروان وبينه مدة عشر سنين وانصرف عن الأعمال. [٢] ودخلت سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة استيلاء أولاد بختيار على القلعة وفيها ورد الخبر باستيلاء أولاد بختيار على القلعة التي كانوا معتقلين فيها ومسير أبى [على] الحسن بن أستاذ هرمز من شيراز إليهم والقبض عليهم وقتل نفسين منهم. ذكر الحال فى ذلك وما انتهى إليه أمرهم قد تقدّم ذكر حال هؤلاء القوم واحسان شرف الدولة إليهم بالإفراج عنهم ولمّا همّ بقصد العراق أخرجهم إلى بعض دور شيراز وجعل معايشهم وإقطاعاتهم منها. فلمّا توفى قبض عليهم وحبسوا فى قلعة خرشنة فكانوا فيها إلى أن مضى صدر كبير من أيّام صمصام الدولة.

стр. 3337

ذكر حيلة عملها أولاد بختيار ملكوا بها القلعة [٣٥٥] استمالوا حافظ القلعة ومن كان معه من الديلم فطاوعوهم فأفرجوا عنهم. ثم أنفذوا إلى أهل تلك النواحي المطيفة بالقلعة وأكثرهم رجّالة أصحاب سلاح ونجدة، فاجتذبوا منهم عدّة كثيرة واجتمعوا تحت القلعة. وعرف صمصام الدولة الخبر فأخرج إليهم أبا على ابن أستاذ هرمز فى عسكر وسار. فلمّا قرب من القلعة تفرّق من كان اجتمع تحتها من الرجال وتحصّن بنو بختيار والديلم فيها ونزل أبو على عليها محاصرا ومحاربا. ذكر ما دبّره أبو على ابن أستاذ هرمز فى فتح القلعة راسل أحد وجوه الديلم الذين فى القلعة وأطمعه فى الإحسان والزيادة فى المنزلة. فاستجاب له وواقفه على أن ينزل إليه حبلا من أعلى القلعة ليرتقى به الرجال إلى بابها وكان على سنّ من الجبل. فلمّا دنا الحبل خاطب أبو على ابن أستاذ هرمز جماعة من الذين معه على الصعود، فتوقّفوا حتى ابتدر [١] أحد أصحابه فصعد. فلمّا دنا يقرب من الباب اضطربت يده على الحبل فخرّ متردّيا وأحجم الباقون. فصبّ بين أيديهم أموالا وبسط [٣٥٦] منهم آمالا وابتدر [٢] قوم من أصحابه فيهم لوثة وجرأة، فصعدوا إلى القلعة واحد بعد واحد حتى حصل عدد منهم على الباب. ففتح لهم ودخلوا القلعة وملكوها، فقبض على أولاد بختيار وكانوا

стр. 3338

ستّة. وكتب كتابا بالفتح إلى صمصام الدولة فأنفذ فرّاشا تولّى قتل نفسين من أولاد بختيار وأنفذ الباقون إلى قلعة الجنيد فاعتقلوا فيها. وفيها ندب أبو العلاء عبيد الله بن الفضل للخروج إلى الأهواز وخلع عليه. ذكر السبب فى ذلك كانت بين الشريف أبى الحسن محمد بن عمر وبين [أبى] العلاء عبيد الله عداوة ومباينة وتقدّم أبو العلاء عند بهاء الدولة وقرب منه بخدمته له. فاجتمع أبو الحسن محمد بن عمر وأبو نصر سابور الوزير واتفقا على الشروع فى إبعاده. فأرسل الوزير أبو نصر سابور الأستاذ الفاضل أبا نصر الحسين بن الحسن إلى بهاء الدولة وقال له: - «قل للملك: أنا أعلم ما فى نفسك من أمر فارس وقد انحلّ أمر صمصام الدولة ومضى أكثر أعوانه ولك عشرون ألف ألف درهم معدّة: منها ما آخذه من أبى محمد ابن مكرم والمتصرفين بالأهواز، ومنها ما وجوهه لائحة. والتدبير فى هذا الأمر أن يخرج أبو العلاء إلى الأهواز كأنّه عائد [٣٥٧] إليها للمقام بها ويجرّد معه قطعة من العسكر ثم تتبعه بعد مدة بطائفة أخرى. فإذا تكاملت العساكر هناك أظهرنا حينئذ ما نظهره.» وسار أبو العلاء من الأهواز فأعجل القوم عن أهبة واستعداد. فأعاد الأستاذ الفاضل أبو نصر على بهاء الدولة ما ذكره سابور، فتشوّفت نفسه إليه وتعلّق طمعه به، وأمر فى الجواب بما يجب ترتيبه، وكتب بالقبض على أبى محمد ابن مكرم وأصحابه، وتقدّم إلى أبى العلاء بالمسير بعد أن أعلم بباطن التدبير واستكتمه.

стр. 3339

ذكر تفريط من أبى العلاء فى إذاعة سرّ عجّل به قال الأستاذ الفاضل: فو الله لقد خلع علىّ وسرت فى موكبه إلى داره. فما استقرّ فى مجلسه حتى دخل أبو الحسين شهرستان بن اللشكرى لتهنئته. فقال: - «يا با الحسن أىّ دار تريدها بشيراز.» فغمزته فتنبّه واستدرك وقال لشهرستان: - «إنّما أردت بالأهواز.» ولم يخف الخبر وشاع. فإنّ القول كالسهم، إذا نفذ على كبد القوس فات. وأقام أبو العلاء فى معسكره أيّاما كثيرة ولم يخرج معه أحد، وبطل ما كان سابور بذله فى أمر المال [٣٥٨] وحصوله. وخرج أبو العلاء بعد ذلك فى شر ذمة قليلين. فسار إلى الأهواز فما وصلها إلّا وقد عرف الخبر بفارس ووقع الشروع من هناك فى المسير إلى العراق. وفيها جلس القادر بالله رضوان الله عليه، لأهل خراسان عند عودهم من الحجّ وخوطبوا على أمر الخطبة وإقامتها، وحملوا رسالة وكتبا إلى صاحب خراسان فى المعنى. شغب الديلم وفيها شغب الديلم لأجل النقد وفساد السعر وغلائه [١] وتأخّر العطاء، ونهبوا دار الوزير أبى نصر سابور وأفلت منهم ناجيا بنفسه، وراسلوا بهاء

стр. 3340

الدولة بتسليمه وتسليم أبى الفرج محمد بن علىّ الخازن [١]- وكان ناظرا فى خزانة المال ودار الضرب- وتردّد القول بينهم إلى أن وعدوا بالإطلاق وتجويد النقد، وسكنت الفتنة. واستمرّ سابور على استتاره وروسل وهو مستتر بتسليم أبى القاسم على بن أحمد وكان سلّم إليه ليعتقله عنده فسلّمه، وحمل فى هذا الوقت إلى الخزانة فى دار المملكة. ولمّا جرى على سابور ما جرى استعفى أبو منصور ابن صالحان من التفرّد بالنظر وأظهر العجز عنه. وكانت الإقامات قد زادت على قدر المادّة وأحوجت النظّار إلى التسكع فيها. وصارت الهمّة جميعها مصروفة إلى ما يحصل لأبى العبّاس أحمد بن علىّ وهو الوكيل فى هذا الوقت. فبدأ عند ذلك أبو القاسم علىّ بن أحمد [٣٥٩] فى طلب العود إلى الوزارة وراسل بهاء الدولة وبذل له أن يكفيه الاهتمام بأمر الإقامة متى مكّنه وبسط يده. فاشرأبّت نفس بهاء الدولة لذلك فأحاله إليه واستوزره وخلع عليه. ذكر ما جرى عليه أمر أبى القاسم علىّ ابن أحمد فى هذه الوزارة قبض على جماعة من الكتّاب والمتصرّفين وأخذ منهم مالا مبلغه ستّة آلاف [٢] درهم وأحضر أبا العبّاس الوكيل وقرّر عليه تقريرا صالحا عن نفسه وأعطاه وأقام له وجوها بالإقامة لمدّة أربعة أشهر وأخذ خطّه باستيفاء ذلك وأنفذه إلى بهاء الدولة فحسن موقعه عنده وملك به رأيه وقلبه. لكنه أفسد

стр. 3341

قلوب الحواشي وأبعد بعضهم ومضت على ذلك مدّة وحالة تزداد عند بهاء الدولة تمكّنا واستقرارا وتزداد قلوب الحواشي منه استيحاشا ونفارا. وكان قد قلّد أبا محمد الحسن بن مكرم البصرة حربا وخراجا فى أعجاز نكبته بالأهواز وأمره بالقبض على أبى عبد الله ابن طاهر وكان ناظرا بالبصرة فقبض عليه وحبسه. ذكر سبب وجد به الحواشي طريقا [٣٦٠] إلى فساد حال الوزير أبى القاسم ورد الخبر أنّ أبا عبد الله ابن طاهر قتل فى محبسه، وأنّه وضع عليه قوما دخلوا إليه وفتكوا به. فوجد الحواشي سبيلا إلى الوقيعة فى الوزير وعرّفوا بهاء الدولة من قتل [١] أبى عبد الله على الوجه القبيح ما غيّر رأيه فقال: - «قد قتل فى تلك الكرّة المعلم وفى هذه الكرّة ابن طاهر أفتراه بمن يثلّث؟» وانتهى هذا القول إلى أبى القاسم من عيون كانت له فى الدار بحضرة بهاء الدولة. فخاف وهرب فى ليلة يومه. ذكر ما جرت عليه الأمور بعد هرب الوزير أبى القاسم علىّ بن أحمد وعود أبى نصر سابور [٢] قصد أبو نصر سابور دار بكران واستعاذ به حتى أصلح له قلوب الديلم

стр. 3342

وأمن جانبهم وظهر من داره. وأفرج عن الجماعة الذين اعتقلهم الوزير أبو القاسم ورتّب فى كلّ من الدواوين كاتبا يتولّى أمره ونظر هو فى الخبر والبريد والحماية ظاهرا، وفى تدبير الأمور وتقريرها وتنفيذها باطنا. فكانت الجماعة يصدرون عنه ويوردون إليه وجرت الحال على هذا الترتيب [٣٦١] أشهرا ثمّ تظاهر بالعمل. وفيها وردت كتب أبى العلاء عبيد الله بن الفضل ويذكر فيها مسير عساكر فارس مقبلة إلى الأهواز ويحثّ على إمداده بالعساكر. ذكر ما دبّره بهاء الدولة فى ذلك ندب أبا طاهر دريده شيرى. [١] للخروج إلى الأهواز فى جماعة من الديلم وجرّد أبا حرب شيرزيل إلى البصرة. وورد الخبر بانفصال عسكر فارس من أرّجان فأمر بهاء الدولة بإخراج مضاربه ثمّ ورد الخبر بحصولها برامهرمز. فندب طغان الحاجب فى عدد كثير من الغلمان وخلع عليه وأخرج معه عيسى بن ماسرجس [٢] ناظرا فى خلافة الوزارة وأخرج ما فى الخزائن من الأوانى الذهب والفضة فكسرت وضربت دنانير ودراهم وفرّقت عليهم. ثم ورد الخبر بدخول عساكر فارس وعليهم أبو الفرج محمد ابن علىّ بن زيار إلى الأهواز، وهزيمة أبى العلاء عبيد الله بن الفضل وحصوله أسيرا فى أيديهم.

стр. 3343

ذكر ما جرى عليه أمر أبى العلاء بعد الأسر والاتّفاق الذي سكن به [٣٦٢] لمّا أسره أبو الفرج ابن زيار حمله إلى شيراز وصمصام الدولة بدولت آباد [١] للتوجّه على سمت العراق فأدخل المعسكر على جمل وقد ألبس ثيابا مصبّغة وطيف به وكلّ أحد لا يشكّ أنّه مقتول. فاتفق أنّه أجيز على خيم السيدة والدة صمصام الدولة فأومئ بيده كالمستغيث المسترحم. فبدرته قهرمانة من الديلميات بالسبّ فسمعتها السيدة فأنكرت قولها عليها. وتقدّمت بحطه عن الجمل ونزع الثياب المصبوغة عنه وإلباسه غيرها وحمله إلى القلعة واعتقاله بها وإحسان مراعاته فيها. فكان فعل هذه المرأة سبب حياته والإبقاء عليه. ولمّا ورد على بهاء الدولة خبر كسر عسكره بالأهواز وأسر أبى العلاء انزعج انزعاجا شديدا وتقدّم إلى طغان بالمسير. ورأى خلو خزائنه من المال وحاجته إليه. فأمر الوزير أبا نصر بالانحدار إلى واسط واجتذاب ما يلوح له وجه منه ومراسلة مهذّب الدولة والاستدانة منه على رهن يجعل له عنده وسلّم إليه من الجوهر والآلات كل خطير. عقد القادر بالله على ابنة بهاء الدولة وفيها عقد القادر بالله رضوان الله عليه على ابنة بهاء الدولة [٢] بصداق

стр. 3344

مائة ألف دينار بحضرته والولىّ الشريف أبو أحمد ابن موسى الموسوي وتوفّيت قبله النقلة. [٣٦٣] ودخلت سنة أربع وثمانين وثلاثمائة مصاهرة بين المهذّب والبهاء وفيها وقع العقد لمهذّب الدولة أبى الحسن على ابنة بهاء الدولة وللأمير أبى منصور ابن بهاء الدولة على ابنة مهذّب الدولة. وكل عقد منهما كان على صداق مائة ألف دينار وحمل المهذّب بالمبلغ مالا وغلّة، وخطب له بواسط وأعمالها واحتسب له من مال ضماناته بأسفل واسط بألف ألف وثلاثمائة ألف درهم غياثية منسوبة إلى الإقطاع. وكان عيار الدرهم الغياثى ثمانية ونصف حرفا [١] فى كل عشرة. مراسلة بين البهاء والفخر وفيها أشار أبو نصر خواشاذه على بهاء الدولة بمراسلة فخر الدولة باستصلاحه واستكفافه عن مساعدة صمصام الدولة فاستصوب ذلك ورسم له السفارة فيه. فاختار أبا الحسن الأقسيسى [٢] العلوي للخروج فى الرسالة نيابة عن أبى نصر خواشاذه وخرج الأقسيسى فقبل أن يصل إلى مقصده قبض عليه. ذكر السبب فى ذلك كان بين أبى نصر خواشاذه وبين أبى نصر سابور صداقة ومخالطة. [٣٦٤]

стр. 3345

فلمّا انحدر أبو نصر سابور إلى واسط هرب إلى البطيحة فوجد أعداء أبى نصر خواشاذه طريقا إلى السعى فحسّنوا لبهاء الدولة القبض عليه. فتأمّل هذه الآراء الطريفة والأهواء العجيبة فى تقارب ما بين القبض والإطلاق والعزل والتولية حتى صار الأمر عجبا والجد لعبا. على أنّ الحياة الدنيا لعب ولهو ولكن فى اللعب مستقيم ومختلّ. وهذا من المختل الذي تخالفت أعجازه وبواديه، وتناقضت أواخره ومباديه. فهل ترى فى جميع ما شرد من أخبار الدولة البهائية نظاما مستقيما تحمد سلوك مذاهبه وتدبيرا جيّدا ينتفع بمعرفة تجاربه؟ كلّا فجميعه واهي الأسباب وما يجرى فيه من صواب فإنّما هو بالاتّفاق. ونعود إلى سياقة التاريخ. وفيها سار طغان والغلمان من واسط إلى خوزستان. شرح ما جرى عليه أمره فى هذا الوجه وظفرهم بعساكر صمصام الدولة وانهزامه من بين أيديهم لمّا شارفوا السوس انهزم أصحاب صمصام الدولة عنها ودخلوها [٣٦٥] وتقدّم ارسلان تكين الكركيرى فى سريّة من الغلمان إلى جندي سابور ودفعوا من كان بها وانتشرت الأتراك فى أعمال خوزستان وعلت كلمتهم وظهرت على الديلم بسطتهم. ووصل صمصام الدولة إلى الأهواز وقد اجتمعت معه جيوش الديلم وبنو تميم وبنو أسد. فلمّا حصل بدستر [١] رحل ليلا على أن يسرى فيكبس معسكر الأتراك.

стр. 3346

ذكر اتفاق سيىء عاد بضدّ التقدير ضلّ الادلّاء الطريق وساروا طول ليلتهم على حيرة وأسفر الصبح عنهم وبينهم وبين معسكر الأتراك مدى بعيد. وشاهد [١] بعض طلائع طغان بسواد العسكر فكرّ إليه راجعا وأخبره وقال: - «تأهب لأمرك فإنّ الديلم قد صبّحوك موكبا.» فركب وتلاحق به الغلمان واستعاد كلّ من كان قد ذهب ممتارا فاجتمعوا حوله فكانوا نحو سبعمائة غلام والديلم ومن معهم فى ألوف كثيرة. فصعد أرسلان تكين الكركيرى تلّ طاؤوس فوقف عليه وقسم طغان الغلمان كراديس وأنفذ كردوسا مع يارغ [٢] وقال له: - «سر عرضا وأخرج على الديلم من ورائهم وبلبلهم فى سوادهم لنشاغلهم نحن عن أمامهم. فإذا حملت [٣٦٦] حملنا عليهم.» فسار على ذلك ووقف طغان والغلمان بين يديه يطاردون الفرسان، وزحف الديلم فملكوا التلّ ونزل أرسلان تكين الكركيرى عنه ووقف صمصام الدولة عليه ووقع يارغ وكردوسه على السواد وحمل على المصافّ وحمل طغان والغلمان وكانت الهزيمة. ووقف سعادة وعنان صمصام الدولة فى يده متحيّرا ما يدرى ما يصنع. فقال له يارغ بالفارسية: - «ما وقوفك يا حجّام خذ صاحبك وانصرف.» فولّى عند ذلك صمصام الدولة ومضى ولم يتمكّن رجّالة [صمصام] الدولة

стр. 3347

من الهرب مع إرهاق الأمر واشتداد الطلب وكدّ السير. فاستأمن منهم أكثر من ألفى رجل وتقطّع الباقون وغنم الأتراك غنما عظيما. ذكر ما دبّره الغلمان فى قتل المستأمنة إليهم من الديلم لمّا اجتمع الديلم المستأمنون إلى خيم ضربها طغان لهم تشاور الغلمان فيهم فقالوا: - «هؤلاء قوم موتورون وعدّتهم أكثر من عدّتنا، وإن استبقيناهم معنا خفنا ثورتهم، وإن خلّينا عنهم لم نأمن عودتهم.» فاستقرّ رأيهم على القتل وطرحوا الخيم عليهم ودقّوهم بالأعمدة حتى أتوا عليهم. فكانت هذه [٣٦٧] الوقعة أخت وقعة الحلبة فى كثرة من قتل من الديلم [١] ووردت الأخبار فى أمثالها وسار طغان إلى الأهواز فدخلها واستولى على جميع أعمالها وعادت طائفة من الغلمان إلى مدينة السلام. ذكر ما فعله بهاء الدولة عند حصوله بواسط استقرض من مهذّب الدولة مالا بعد القرض الأول واستقرّ بينهما فى أمر البصرة أن يحدر بهاء الدولة عسكرا ويضمّ مهذّب الدولة إليهم عددا من رجاله. فجرّد أبا كاليجار المرزبان لذلك فى طائفة من الجند ورتّب مهذّب الدولة أصحابه معهم وانحدر الجماعة. وكان أبو الطيب الفرّخان قد وصل من سيراف فى البحر وملك البصرة

стр. 3348

فواقعوه بنهر الدير وكان الظفر لهم ودخل المرزبان بن شهفيروز البصرة وخطب لمهذّب الدولة بها تاليا لبهاء الدولة. ولمّا ورد الخبر على بهاء الدولة بهزيمة صمصام الدولة رحل سائرا إلى الأهواز وآثر أن يبتدئ بالبصرة فقصدها ونزل بها. [٣٦٨] ذكر ما جرى عليه أمر الوزارة فى البصرة فى هذه السنة استوزر بهاء الدولة عند حصوله بها أبا الحسن عبيد الله بن محمد بن حمدويه ونظر فى السابع من شعبان واعتزال فى الثالث والعشرين منه. وبان من ركاكة أفعاله فى هذه الأيام القريبة كلّ أمر سخيف منها: أنّه كان فى مجلس نظره يوما وهو حفل بالناس وأبو العبّاس الوكيل حاضر فقال: - «ادعوا لى أبا العبّاس الوكيل.» فقال له أبو العبّاس: - «ها أنا يا مولانا.» فقال: «نعم.» والحاضرون يتغامزون عليه. ومنها: أنّه ركب إلى دار الفضل يعوده فوقف على مزمّلة العامة فاستسقى منها ماء. ثمّ لمّا وصل إلى باب الفاضل حجب وانكفأ وعرف الفاضل حضوره فأنفذ أصحابه إليه حتى لحقوه فى بعض الطريق فأعادوه ودخل إليه فشكا فى أثناء الحديث حاله إليه وأراه قميصا رثّا تحت ثيابه يلتمس بذلك مراعاة من بهاء الدولة ومعونة. ثم استعفى بعد أيام من النظر وشرع أبو العباس عيسى بن ماسرجس فى خطبة الوزارة وراسل الفاضل أبا نصر فى السفارة فيها بعد أن كان قد [٣٦٩] بذل أبو على الحسن الأنماطى لبهاء الدولة عنه بذولا ووعده بملاطفات

стр. 3349

يحملها [١] وعشرة آلاف دينار يخدمه بها. ذكر رأى سديد أشار به الفاضل على ماسرجس فلم يعمل به أشار عليه فى جواب رسالته بأن يلاطف أبا على الحسن بن محمد بن نصر صاحب البريد وأبا عبد الله الحسين بن أحمد العارض ومكاتبتهما ويسألهما النيابة عنه ويخاطب أبا عبد الله العارض بسيّدنا، ليكون عونا له على تقرير أمره فلم يقبل. قال الفاضل: فما راعني إلّا حضور من أخبر بوروده ونزوله فى بعض البساتين. ثم جاءني رسوله يستقرض منى مائة دينار فحملتها إليه فى الحال، وعجبت من التماسه هذا القدر النزر مع ما بذل عنه [أبو على] لبهاء الدولة. ثم حضر عند بهاء الدولة وترك بين يديه دينارا ودرهما وخدمه وانكفأ. فأنكر بهاء الدولة ذلك من فعله فقال للانماطى: - «أين ما وعدتنا به؟» فعنوان خدمته يدل على ما وراءه. فقال الأنماطى: - «يحمل ما أعده من بعد.» فمضى ذلك اليوم وغيره ولم يحمل شيئا، وكاتب أبا عبد الله العارض بمولاي ورئيسى. فاجتمع هو وأبو على الحسن بن محمد بن نصر على إفساد أمره. [٣٧٠]

стр. 3350

ذكر ما رتّباه من الحيلة فى أمره حتى انحلّ وضعا منصور بن سهل وكان هو العامل فى الوقت [١] على أن أشاع فى البلد أنّ ابن ماسرجس قد بذل بذولا كثيرة فى مصادرات التجّار وفتح المخازن وأخذ أمتعة المجهزين والبحرانين [٢] فماج الناس وكادت الفتنة تثور ورفع أبو على ذلك الخبر إلى بهاء الدولة وعظم الأمر فى نفسه. واتّفق أنّ الفاضل أبا نصر غاب أيّاما فى بعض الأشغال. فخلا أبو عبد الله وأبو علىّ ببهاء الدولة وقالا له: - «قد ورد هذا الرجل بيد فارغة وما وفى بشيء مما بذله والبلد على ساق خوفا منه ولا يؤمن حدوث فتنة يبعد تلافيها وأبو الحسين ابن قاطر ميز يبذل أن يأخذ منه مالا يخفّف به عنك أثقالا.» وسهّلا عليه الأمر فى ذلك، فأحالهما على الفاضل أبى نصر فى الجواب وقال: - «اجتمعا به إذا عاد وقرّرا الأمر.» فلمّا عاد الفاضل اجتمعا معه وقالا: - «إنّ الملك قد أمرنا بالقبض على أبى العباس.» فقال: «لايّة حال.» قالا: «لما ظهر من نفور الرعيّة منه ولنكوله عمّا كان بذل عنه.» فقال لهما: «هذا مما لا يسوغ فعله وكيف يصرف اليوم رجل مستدعى بالأمس بغير سبب يقوم به الغدر وهل يجلب ذلك إلّا سوء المقالة من الناس فينا [٣٧١] ونسبتهم إيّانا إلى سخافة الرأى وضعف النحيزة وأنّ خدمة هذا

стр. 3351

الملك لا تستقيم على أيدينا؟ وأنا أحضر عند الملك وأعرّفه ما فى ذلك.» فقالا له: «تعرّفه ماذا؟ وقد أنفذنا أبا الحسن الكراعى كاتبك وأصحابك إلى الرجل ووكّلنا به.» فوجم أبو نصر وأطرق ونفذ السهم وسلم الرجل إلى الحسن بن قاطرميز فطالبه واستقصى عليه. ذكر ما جرى عليه أمر صمصام الدولة بعد انصرافه من الوقعة لمّا انصرف به سعادة من المعركة سار عائدا إلى الأهواز. فلمّا عبر به وادي دستر كاد يغرق. فاستنقذه أحد بنى تميم ووصل إلى الأهواز فى عدد قليل من الديلم وترحّل عنها طالبا أرّجان. فتلقّاه أبو القاسم العلاء بن الحسن وحمل إليه من الثياب والرحل ما رمّ [١] به شعثه وسيّره إلى شيراز ومعه الصاحب أبو على ابن أستاذ هرمز وتلقّته والدته بما يجب تلقّيه به من المراكب والثياب والتجمل. وكان بينها وبينه نفرة. فلمّا رأته بكت بكاء شديدا وكان صمصام الدولة فى عمارية وعليه ثياب سود حزنا وكآبة لا يطعم فى الأيّام إلّا اليسير من الطعام فسكنت [٣٧٢] والدته منه وقالت له: - «ما زالت الملوك تغلب وتغلب وإذا سلمت المهجة رجوت الأوبة.» فغيّرت ثيابه وأصلحت حاله وحصل بشيراز ثم تلاحق الناس به وتكامل الديلم عنده من بعد. ولم نجد فى بقيّة شهور هذه السنة ما يستفاد منه تجربة.

стр. 3352

ودخلت سنة خمس وثمانين وثلاثمائة وفاة الصاحب بن عبّاد وما جرى فى علّته وبعد موته فيها توفّى الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عبّاد بالرىّ ونظر فى الأمور بعده أبو العباس أحمد بن ابراهيم الضبىّ ويلقّب بالكافي الأوحد. شرح ما جرت عليه الحال فى ذلك لما اعتلّ ابن عبّاد كان أمراء الديلم وكبراء الناس يروحون إلى بابه ويغدون ويخدمون بالدعاء وينصرفون. وعاده فخر الدولة عدّة مرات. فيقال: إنّه قال لفخر الدولة أوّل مرّة وهو على يأس من نفسه: - «قد خدمتك أيّها الأمير خدمة استفرغت قدر الوسع وسرت فى دولتك سيرة جلبت لك حسن الذكر بها. فإن أجريت الأمور بعدي على نظامها وقرّرت القواعد على أحكامها نسب [١] ذلك الجميل السابق إليك ونسيت أنا فى أثناء ما يثنى به عليك ودامت [٣٧٣] الأحدوثة الطيّبة لك. وإن غيّرت ذلك وعدلت عنه كنت أنا المشكور على السيرة السالفة وكنت أنت المذكور بالطريقة الآنفة وقدح فى دولتك ما يشيع فى المستقبل عنك.» فأظهر فخر الدولة قبول رأيه. وقضى ابن عبّاد نحبه فى يومه. وكان أبو محمد خازن الكتب ملازما داره على سبيل الخدمة له وهو عين لفخر الدولة عليه، فبادر بإعلامه الخبر. فأنفذ فخر الدولة ثقاته وخواصّه حتى احتاطوا على الدار والخزائن. ووجدوا

стр. 3353

كيسا فيه رقاع أقوام بمائة وخمسين ألف دينار مودوعة له عندهم. فاستدعاهم وطالبهم بالمال فأحضروه وكان فيه ما هو بختم مؤيّد الدولة. فرجّمت الظنون فى ذلك: فمن مقبّح لآثاره ينسبه إلى الخيانة فيه، ومحسن لذكره يقول: إنّما أودعه مؤيد الدولة لأولاده. ونقل جميع ما كان فى الدار والخزائن إلى دار فخر الدولة. وجهّز ابن عباد وأخرج تابوته وقد جلس أبو العباس الضبىّ للصلاة عليه والعزاء به. فلمّا بدا على أيدى الحمّالين قامت الجماعة إعظاما له وقبّلوا الأرض ثمّ صلّوا عليه وعلّق بالسلاسل فى بيت إلى أن نقل إلى تربة له بإصفهان. وقال القاضي أبو الحسن عبد الجبّار بن أحمد: - «إنّنى لا أرى الترحّم عليه. لأنّه مات [٣٧٤] عن غير توبة ظهر عليه.» فنسب عبد الجبّار فى هذا القول إلى قلّة الرعاية. ثم قبض فخر الدولة عليه وعلى المتعلّقين به وقرّر أمرهم على ثلاثة آلاف ألف درهم فباع فى جملة ما باع ألف طيلسان وألف ثوب من الصوف المصري. فهلّا نظر هذا القاضي فى شأن نفسه ثم أفتى فى شأن غيره مثل ابن عبّاد الذي قدم قدمه وأثّل نعمته وراش جناحه ومهّد أحواله! صدق المثل «تبصر القذى فى عين غيرك وتدع الجزع المعترض فى حلقك» [١] فرحم الله من أبصر عيب نفسه فشغل بستره عن عيب غيره. وبلغنا أنّ رجلا من الصالحين لقى أخا له فقال له: - «إنّى أحبّك فى الله.»

стр. 3354

فقال الآخر: - «لو تظهر لك عيوبي لأبغضتنى فى الله.» فقال له: «عيبي يشغلني عن تأمّل عيب غيرى.» نسأل الله توفيقنا بما يعصم جوارحنا وقلوبنا وصنعا جميلا يستر مساوينا وعيوبنا. بين فخر الدولة وأبى العبّاس الضبّى وقلّد فخر الدولة أبا الحسن ابن عبد العزيز قضاء القضاة وطالب أبا العبّاس الضبّى بتحصيل ثلاثين ألف ألف درهم من الأعمال ومن المتصرّفين فيها وقال له: - «إنّ الصاحب أضاع الأموال وأهمل الحقوق وقد ينبغي أن يستدرك ما فات منها.» فامتنع أبو العباس من ذلك مع تردّد القول فيه. وكتب أبو على ابن حمولة يخطب الوزارة وضمن عنها ثمانية آلاف ألف درهم وأجيب إلى [٣٧٥] الحضور. فلمّا قرب قال فخر الدولة لأبى العبّاس: - «قد ورد أبو على وقد عزمت على الخروج فى غد لتلقّيه وأمرت الجماعة بالترجّل له. فلا بدّ أن تخرج إليه وتعتمد مثل ذلك معه.» فثقل ذلك على أبى العبّاس وقال له خواصّه ونصحاؤه: - «هذا ثمرة امتناعك عليه وقعودك عمّا دعاك إليه وسيكون لهذه الحال ما بعدها.» فراسل فخر الدولة وبذل ستّة آلاف ألف درهم عن إقراره على الوزارة وإعفائه من أن يلقى أبا على. وخرج فخر الدولة وتلقّاه ولم يخرج أبو العباس.

стр. 3355

ورأى فخر الدولة أنّ من الصلاح الإشراك بينهما فى النظر. فسامح أبا على ابن حمولة بألفي ألف درهم من جملة الثمانية التي بذلها وسامح أبا العباس بمثلها من الستّة، وقرّر عليهما جميعا عشرة آلاف ألف درهم وجمع بينهما فى النظر وخلع عليهما خلعتين متساويتين ورتّب أمرهما على أن يجلسا فى دست واحد ويوقّعا جميعا: فيوما يوقّع هذا ويعلم [١] ذاك ويوما يوقع ذلك ويعلم هذا. ووقع التراضي بذلك ونظرا فى الأعمال. وقبضا على أصحاب ابن عباد وتتبّعا كلّ من جرت مسامحة باسمه فى أيّامه وقرّرا المصادرات فى البلاد، وأنفذا أبا بكر ابن رافع إلى استراباذ ونواحيها بمثل ذلك. ما فعله ابن رافع فى إستراباذ فقيل: إنّه جمع الوجوه وأرباب الأحوال وأخّر الإذن لهم [٣٧٦] حتى تعالى النهار واشتدّ الحرّ ثم أطعمهم طعاما أكثر ملحه ومنعهم الماء عليه وبعده، وطالبهم بكتب خطوطهم بما يصحّحونه. فلم يزل يستام عليهم وهم يتلهّفون عطشا إلى أن التزموا عشرة آلاف ألف درهم. واجتمع لفخر الدولة فى الخزائن والقلاع ما كثّره المقلّلون. ثم تمزّق بعد وفاته فى أقرب مدّة فلم يبق منه بقيّة. وكذاك مال كلّ ثروة ذميمة المكاسب، ومصير كلّ زهرة خبيثة المنابت. فلئن عمر خزائنه لقد خرب محاسنه. ولئن جمع المال الجزيل لقد ضيّع الذكر الجميل. ثم لم يحظ من ذلك إلّا بالأوزار التي احتقبها والآثام التي اكتسبها. وقبّح الأحدوثة التي علقت بأخباره سماتها، وبقيت على الأيّام

стр. 3356

عظاتها، إذ لم يبق من عظامه رفاتها. «وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى» ٩٢: ١١ [١] فيا ندم النادم إذا ترك ما اكتسبه وراء ظهره، وانقلب بثقل الوزر وسوء الذكر إلى قبره. وأصعب من ذلك ما بعده «يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا من أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» ٢٦: ٨٨- ٨٩ [٢] . صمصام الدولة يقتل أتراك فارس وفيها أمر صمصام الدولة بقتل من بفارس من الأتراك. فقتل قوم منهم بشيراز وأجفلت طائفة منهم، فعاثوا فى بلاد فارس. فجرّد صمصام الدولة إليهم من دفعهم عنها وانصرفوا إلى كرمان وبها أبو جعفر أستاذ هرمز، فدفعهم أيضا فدعتهم الضرورة [٣٧٧] إلى قصد بلاد السند واستأذنوا ملكها فى دخول بلده. ذكر الحيلة التي عملها صاحب السند على الأتراك حتى قتلهم أظهر لهم القبول وخرج لاستقبالهم ورتّب أصحابه صفّين وهم رجّالة، وواقفهم على الإيقاع بهم إذا دخلوا بينهم. ففعلوا ذلك ولم يفلت منهم إلّا نفر حصلوا بين القتلى وهربوا تحت الليل. وفاة أبى نصر خواشاذه وفيها توفّى أبو نصر خواشاذه بالبطيحة وسبب حصوله بها أنّه لمّا قبض عليه خرج فى الصحبة إلى واسط واعتقل بها فتوصّل إلى الهرب.

стр. 3357

قال صاحب الخبر [١] : فأذكر وقد انحدرت إلى مهذّب الدولة واجتمعت مع أبى نصر. فرأيت كتب فخر الدولة وصمصامها وبهائها وبدر بن حسنويه إليه يستدعيه كلّ واحد منهم، ويبذل له من المعيشة والإحسان ما يرغب فى مثله. لكن فخر الدولة قال له فى كتابه: - «لعلّك تسيء الظنّ بمعتقدنا للقبيح الذي قدّمته فى خدمة عضد الدولة عندنا وما كنّا لنؤاخذك بطاعة من قدّمك واصطنعك ومناصحة من كان [٣٧٨] يصنعك ويرفعك، وأن نعتدّ لك من وسائلك لم نجعله ذنوبك [٢] وقد علمت ما عاملنا [٣] به أبو القاسم إسماعيل ابن عبّاد وأنّنا طوينا جميع ما كان بيننا وبينه واستأنفنا معه من الإكرام والتفويض ما لم يقدّره ويظنّه. ولك علينا عهد الله وميثاقه فى أيماننا من كلّ ما تخافه وتحذره وإنّا لك بحيث تحبّه وتؤثره. فإن أردت الخدمة قدّمناك إلى أعلى رتبها وأرفع درجها، وإن رأيت الاعتزال والدعة أوجبنا لك مائة ألف درهم معيشة من أصفهان ووفّرناك على المقام فى دارك بها.» فقلت له: «فإلى أىّ جهة ميلك.» فقال: «ما كنت أنفر إلّا من جهة فخر الدولة وقد وثقت به ولم يعلق قلبي إلّا به وأنا عازم على قصد الرىّ عند ورود من أستدعيه من أصحاب بدر بن حسنويه.» فعاجلته المنيّة المريحة من الحلّ والترحال القاطعة للحاجات والأشغال. وفيها ورد الخبر بمسير العلاء بن الحسن والديلم من أرّجان ووفاة طغان

стр. 3358

بالأهواز، فسار بهاء الدولة على سمت الأهواز. ذكر ما جرى عليه الأمر مع العلاء بن الحسن واستيلائه على الأهواز لمّا توفّى طغان الحاجب كوتب بهاء الدولة بخبره وبما عوّل عليه الغلمان [٣٧٩] وما حدّثوا به أنفسهم من العود إلى بغداد. فانزعج لذلك وعلم ما فى أثنائه من ذهاب الدولة مع استعداد العلاء للمقارعة، وقدّم تسيير أبى كاليجار المرزبان بن شهفيروز إلى الأهواز للنيابة عنه، ورمّ العسكر بها وكان بينهما تذمّما [١] فى جميع الأمور مستقلا للتوقيع والتدبير. وأنفذ أبا محمد الحسن بن مكرم إلى ألفتكين الخادم للمقام بموضعه، وكان حصل برامهرمز منصرفا مرّتين إلى عساكر فارس. فلم يستقرّ بألفتكين قدم وانكفأ إلى الأهواز، وكوتب أبو محمد ابن مكرم بالنظر فى الأعمال والجدّ فى استخراج الأموال وإرضاء الجند. وقرب العلاء بن الحسن فعرّج على عسكر مكرم ونزل بهاء الدولة بطلا [٢] وترددت بينه وبين العلاء مراسلات ومكاتبات سلك فيها العلاء سبيل اللينة والإطماع والمكر والخداع. ثمّ سار على نهر المسرقان لازما له إلى أن حصل بخان طوق. ووقع الحرب بينه وبين أبى محمد ابن مكرم وألفتكين ومن فى جملتهما من الغلمان، وصدق الفريقان وزحف الديلم بين البساتين والنخيل حتى دخلوا البلد ودفعوا أبا محمد وألفتكين منه.

стр. 3359

وأرسل أبو محمد وألفتكين إلى بهاء الدولة وأشاروا عليه بالعبور والبدار فتوقّف عن ذلك ووعد وسوّف ثمّ أمدّهما بثمانين غلاما من غلمان داره مع خدم للخيل، فعبروا وحملوا على الديلم من ورائهم بغرّة الصّبوة [١] وقلة التجربة، فأفرج الديلم لهم حتى توسّطوهم، ثمّ انطبقوا عليهم [٣٨٠] فقتلوهم. وعرف بهاء الدولة ما جرى على غلمانه فضعفت نفسه وهمّ بالهزيمة وخاف أن يظهرها فيطمع فيه بنو أسد. فتقدّم بأن تسرج الخيل ويطرح عليها السلاح وتحمل الأثقال، وأظهر أنّه يقصد الأهواز. فلمّا رتّب ذلك جميعه ركب وأخذ سمت الأهواز قليلا، ثم عطف فتوجّه تلقاء الجزيرة وأمن ما خافه من اختلاط العسكر عند الهزيمة، وتعسّف فى طريقه حتى عاد إلى عسكره بظاهر البصرة. ذكر ما جرى عليه أمر أبى محمد ابن مكرم والغلمان لمّا عرف أبو محمد والغلمان خبر بهاء الدولة فى انصرافه ساروا إلى عسكر مكرم وتبعهم العلاء بن الحسن والديلم ورفعوهم عنها فارتفعوا ونزلوا براملان بين عسكر مكرم ودستر. وتكرّرت الوقائع بين الفريقين مدّة، لأن الأتراك كانوا يركبون إلى باب البلد ويخرج الديلم إليهم ويقاتلونهم قتال المحاجزة لا المناجزة، ومع الأتراك دستر وسوادها يمتارون منها. ثم سار الأتراك إلى رامهرمز ومنها إلى أرجان واندفع من كان فيها من بين أيديهم واستولوا عليها واستخرج أبو محمد لهم الأموال منها وأقاموا بها

стр. 3360

ستّة [٣٨١] أشهر ثم كرّوا راجعين إلى الأهواز. وبلغ العلاء خبرهم حين قربوا فأنفذ إلى قنطرة أربق من قطعها ووصل أبو محمد والغلمان إليها. فطرحوا الأجذاع وأعمدة الخيم عليها وعبروها وحصلوا مع الديلم على أرض واحدة ونزلوا بالمصلّى وخيّم العلاء نحو شهرين. ثمّ رحل الأتراك من معسكر مكرم وتبعهم العلاء فوجدهم قد امتدوا واسطا وكان العلاء بن الحسن قد رتّب مناجزة أبى جعفر بالسوس عند مصير الأتراك إلى أرّجان وفرّق مقطعى كلّ كورة فيها. فلمّا عاد بهاء الدولة إلى واسط على ما يأتى ذكره ولم يبق بينه وبين الديلم من يحول دونه جرّد قلّج فى عدة من الغلمان وسيّره إلى السوس. وكتب إلى أبى محمد ابن مكرم ومن فى جملته من الغلمان بالتوقّف عن الإتمام فلقيهم قلّج والكتب فى الطريق، فرجعوا وحصل المعسكر جميعه مع أبى محمد وأقاموا ببصنّى [١] . وفيها عاد أبو القاسم على بن أحمد من البطيحة إلى حضرة بهاء الدولة للوزارة. ذكر ما جرت عليه حاله فى هذه النوبة قال الأستاذ الفاضل أبو نصر: لمّا عاد بهاء الدولة إلى معسكره بظاهر [٣٨٢] البصرة وقفت أموره فتردّدت بينه وبين أبى القاسم مراسلة فى العود إلى خدمته. فاستقرّ ذلك بوساطة مهذّب الدولة بعد أن اشترط على بهاء الدولة أنّه إن مشى الأمر على يديه وإلّا أعاده محروسا إلى البطيحة.

стр. 3361

وكان السفير بينهما الشريف أبو أحمد الموسوي. ولم أعرف ذلك إلّا بعد استقراره وكنت فى بقايا علّة واستأذنت بهاء الدولة فى الإصعاد إلى بغداد للمداواة فلم يأذن. فلمّا ورد الرجل ومضى على وروده ثلاثة أيّام راسلني الملك وقال: - «كنت استأذنتنا فى الإصعاد إلى بغداد للمداواة وقد أذنّا لك.» فعلمت أنّ هذا القول على أصل، وأنّ الغرض إبعادى فقبّلت الأرض وقلت: - «السمع والطاعة.» وانصرف الرسول. ذكر رأى سديد رآه الفاضل فى استمالة قلب بهاء الدولة قال الفاضل: أخذت دواة ودرجا [١] وأثبتّ ما كان لى بالبصرة من صامت وناطق حتى لم أترك إلّا ما كان على جسدي وحملت جميعه على التذكرة به إلى الخزانة وقلت: - «هذا ما أملكه وأنا مع إصعادى مستغن عنه والخزانة مع كثرة الخرج محتاجة إليه.» واستأذنت فى الحضور للوداع، فوقع ذلك [٣٨٣] موقعا جميلا وأذن لى فى الحضور. وجاءني فى أثناء ذلك الشريف أبو أحمد الموسوي وكان يتّهمنى بالميل إلى الشريف أبى الحسن محمد بن عمر ويستوحش منّى لأجله فقال: - «قد بلغني أنّك تصعد الليلة إلى بغداد وما كنت أوثر البعد عن سلطانك

стр. 3362

ولو وقفت وتركتني أتوسّط ما بينك وبين هذا الوزير الوارد وأتوثّق لكلّ واحد من صاحبه لكان أولى.» فقلت: «قد كنت على العزم الذي بلغ الشريف وإذ قد رأى لى الصواب فى المقام أقمت يومين [أو] ثلاثة معوّلا على تفضّله فيما يقرّره- وأردت بهذا القول كتمان حقيقة أمرى عنه إشفاقا من أن يعرف الوزير خبري- فراسل بهاء الدولة فيما تعرّفنى به [١] وربما بلغ غرضه فى تعاجل الحال.» وانصرف الشريف أبو أحمد ولم تقلّنى الأرض حتى مضيت إلى المضرب وودّعت بهاء الدولة وقبّلت الأرض وبكيت، فبكى لبكائى وقال: - «لا تشغل قلبك فإنّنى لك على أجمل نيّة، وما أنفذتك إلّا إلى مملكتي وأين كنت فإنّك على بال من مراعاتى وملاحظتى.» وخرجت فاتّبعنى بعض خواصّه وقال: - «إنّ الملك يأمرك أن تتوقّف ليسلّم إليك رهونا تحملها إلى مهذّب الدولة وتستقرض عليها مهما أمكنك.» فأشفقت من أن أتربّث فتتجدّد من الوزير فى أمرى مراسلة بهاء الدولة بما أتّقيه فقلت للرسول: - «تقول لمولانا: إننى قد أحسست [٣٨٤] بأول دور الحمّى وأنا أصعد وأتوقّف بنهر الدير إلى أن يلحقني ما يرى إنفاذه.» فدخل وخرج وقال: - «امض فإنّا نحمل على أثرك ما يصحبك.» فاغتنمت الفرصة وأسرعت ولم أتوقّف ووصلت إلى واسط. فما استقررت بها حتى ورد على الطائر كتاب من عبد العزيز بن يوسف يقول فيه:

стр. 3363

- إنّ الرجل- يعنى الوزير أبا القاسم على بن أحمد- وقف أمره وعاد إلى البطيحة فبادرت فى الحال إلى الإصعاد علما بأنّ الكتب سترد بالعود إلىّ. فما بلغت فم الصلح [١] حتى صاح بنا ركابيّان وردا من البصرة ومعهما كتاب بهاء الدولة إلىّ بالانحدار. فاعتذرت فى الجواب بقربى من مدينة السلام وأننى أدخلها وأحصل من المال والثياب ما أعلم أنّ الحاجة داعية إلى تحصيله وأعود. فأمّا سبب فساد أمره فإنّه عامل أبا العبّاس الوكيل بما أوحشه به واستشعر أبو عبد الله العارض وأبو الفرج الخازن منه واجتمعت كلمة الحاشية عليه، وتطابقوا على فساد أمره خوفا من بوادره. وعوّل بهاء الدولة على القبض عليه فذكّره الشريف أبو أحمد العهد الذي استقرّ مع مهذّب الدولة بالقبيح وأخرج عن اليد، فعند ذلك فسح فى عوده مع الشريف أبى أحمد إلى بغداد. ودخلت سنة ستّ وثمانين وثلاثمائة [٣٨٥] وفيها ملك لشكرستان بن ذكىّ البصرة وانصرف أصحاب بهاء الدولة عنها شرح الحال فى ذلك كان لشكرستان ذا نفس أبية وهمّة علية ولم يزل يلوح من شمائله فى بدء أمره ما يدلّ على ارتفاع منزلته وقدره وهو من جملة من انحاز عن بهاء الدولة إلى صمصام الدولة وحصل مع العلاء بن الحسن بالأهواز. فلمّا انصرف الأتراك إلى أرّجان على ما تقدّم ذكره، حدّثته نفسه بالخروج

стр. 3364

إلى البصرة ودفع بهاء الدولة عنها. والتمس من العلاء بن الحسن مساعدة على ذلك فأحجم العلاء عن إفراد بعض العسكر عن نفسه، لحاجته إلى الاستظهار بكثرة العدد. فبينا تردّد الخطاب بينهما إذ ورد إليهما نحو أربعمائة رجل من الديلم مستأمنين من ديلم بهاء الدولة. فضمّهم لشكرستان إليه وفرّق فيهم خمسة آلاف دينار من ماله وسار بهم إلى حصن مهدى. وجرّد بهاء الدولة أبا مقاتل خمارتكين البهائى لقتاله، فجرت بينهما مناوشات واعتصم الديلم بالبلد ولم يقدر خمارتكين على مواقعتهم فيه. فلمّا كان فى بعض الأيّام عاد منهم وخرج لشكرستان على أثره وحمل نفسه على الصعب وسار على التعسّف [٣٨٦] حتى حصل هو ومن معه بلشكرابان. وتسلّل إليه من بقي مع بهاء الدولة من الديلم ولم تكن لأصحاب بهاء الدولة قدرة عليهم لإعتصامهم بالبساتين والمياه التي يضيق مجال الفرسان فيها. ثم ضاقت عليهم الميرة وانقطعت عنهم المادّة فقطعوا النخل وأكلوا جمّارها وأكلوا الزرع. وكان أبو العبّاس ابن عبد السلام وطائفة من أهل البصرة مائلين إلى بهاء الدولة ونزلوا بإزاء الديلم يصدقونهم القتال. وكان أبو الحسن ابن أبى جعفر العلوي مائلا إلى لشكرستان بن ذكىّ مضادة لابن عبد السلام لما بين الفريقين من المباينة. فحمل العلوي إلى الديلم فى السماد دقيقا أمارهم به ونفّس عنهم كربهم، وعرف بهاء الدولة ذلك وظفر ببعض السفن التي حملت فيها الميرة فأنفذ من يقبض عليه فهرب وكبست داره ونهبت. وطلبت هذه الطائفة فاستوحشوا وصار منهم عدد كثير مع أبى جعفر إلى لشكرستان وقويت بهم شوكته وجمعوا له سفنا وحملوا الديلم فيها على

стр. 3365

ركوب أخطار وشدائد حتى جعلوهم على أرض البصرة ووافوا بهم إلى محالّهم وواقعوا أصحاب بهاء الدولة فهزموهم ونهبوا دور بنى عبد السلام وطائفته وخرّبوها. وجلا [١] ناس كثير من البصرة ونبا ببهاء الدولة مكانه [٣٨٧] وخرج البلد عن يده وأصعد إلى واسط على الظهر فوصل إليها وقد تقطّع عسكره وتمزّق سواده. ذكر ما جرى عليه أمر لشكرستان بالبصرة إلى أن استقرّ ما بينه وبين مهذّب الدولة من الصلح لمّا حصل لشكرستان [٢] بالبصرة بطش بأهلها فقتل وسفك، وخرج الناس على وجوههم لفرط الهيبة الواقعة فى نفوسهم ومدّ يده إلى أموال التجار فخرب البلد وتشرّد كل من فيه. وكتب بهاء الدولة إلى مهذّب الدولة يقول له: - «إذا كان لشكرستان قد غلب على البصرة فأنت أحقّ بها منه.» فاستعد مهذّب الدولة للقتال وجرّد أبا عبد الله ابن مرزوق إليه فى عدّة كثيرة من الرجال وكاتب أبا العباس ابن واصل وكان بعبّادان وغيره من أصحاب الأنهار بالاحتشاد والاستظهار والاجتماع مع ابن مرزوق على حرب لشكرستان، وانحدر ابن مرزوق ودفعه عن البصرة. فاختلفت الرواية فى دفعه عنها، فقيل: إنّ أهل البصرة قويت نفوسهم فوثبوا على الديلم وانصرف لشكرستان من غير حرب إلى أسافل دجلة. وقيل: بل عقد جسرا [٣٨٨] فى الموضع المعروف بالجلّ وقال:
следующие страницы →