وكان السفير بينهما الشريف أبو أحمد الموسوي. ولم أعرف ذلك إلّا بعد استقراره وكنت فى بقايا علّة واستأذنت بهاء الدولة فى الإصعاد إلى بغداد للمداواة فلم يأذن. فلمّا ورد الرجل ومضى على وروده ثلاثة أيّام راسلني الملك وقال:
- «كنت استأذنتنا فى الإصعاد إلى بغداد للمداواة وقد أذنّا لك.» فعلمت أنّ هذا القول على أصل، وأنّ الغرض إبعادى فقبّلت الأرض وقلت:
- «السمع والطاعة.» وانصرف الرسول.
ذكر رأى سديد رآه الفاضل فى استمالة قلب بهاء الدولة
قال الفاضل:
أخذت دواة ودرجا [١] وأثبتّ ما كان لى بالبصرة من صامت وناطق حتى لم أترك إلّا ما كان على جسدي وحملت جميعه على التذكرة به إلى الخزانة وقلت:
- «هذا ما أملكه وأنا مع إصعادى مستغن عنه والخزانة مع كثرة الخرج محتاجة إليه.» واستأذنت فى الحضور للوداع، فوقع ذلك [٣٨٣] موقعا جميلا وأذن لى فى الحضور. وجاءني فى أثناء ذلك الشريف أبو أحمد الموسوي وكان يتّهمنى بالميل إلى الشريف أبى الحسن محمد بن عمر ويستوحش منّى لأجله فقال:
- «قد بلغني أنّك تصعد الليلة إلى بغداد وما كنت أوثر البعد عن سلطانك
стр. 3362
ولو وقفت وتركتني أتوسّط ما بينك وبين هذا الوزير الوارد وأتوثّق لكلّ واحد من صاحبه لكان أولى.» فقلت: «قد كنت على العزم الذي بلغ الشريف وإذ قد رأى لى الصواب فى المقام أقمت يومين [أو] ثلاثة معوّلا على تفضّله فيما يقرّره- وأردت بهذا القول كتمان حقيقة أمرى عنه إشفاقا من أن يعرف الوزير خبري- فراسل بهاء الدولة فيما تعرّفنى به [١] وربما بلغ غرضه فى تعاجل الحال.» وانصرف الشريف أبو أحمد ولم تقلّنى الأرض حتى مضيت إلى المضرب وودّعت بهاء الدولة وقبّلت الأرض وبكيت، فبكى لبكائى وقال:
- «لا تشغل قلبك فإنّنى لك على أجمل نيّة، وما أنفذتك إلّا إلى مملكتي وأين كنت فإنّك على بال من مراعاتى وملاحظتى.» وخرجت فاتّبعنى بعض خواصّه وقال:
- «إنّ الملك يأمرك أن تتوقّف ليسلّم إليك رهونا تحملها إلى مهذّب الدولة وتستقرض عليها مهما أمكنك.» فأشفقت من أن أتربّث فتتجدّد من الوزير فى أمرى مراسلة بهاء الدولة بما أتّقيه فقلت للرسول:
- «تقول لمولانا: إننى قد أحسست [٣٨٤] بأول دور الحمّى وأنا أصعد وأتوقّف بنهر الدير إلى أن يلحقني ما يرى إنفاذه.» فدخل وخرج وقال:
- «امض فإنّا نحمل على أثرك ما يصحبك.» فاغتنمت الفرصة وأسرعت ولم أتوقّف ووصلت إلى واسط. فما استقررت بها حتى ورد على الطائر كتاب من عبد العزيز بن يوسف يقول فيه:
стр. 3363
- إنّ الرجل- يعنى الوزير أبا القاسم على بن أحمد- وقف أمره وعاد إلى البطيحة فبادرت فى الحال إلى الإصعاد علما بأنّ الكتب سترد بالعود إلىّ.
فما بلغت فم الصلح [١] حتى صاح بنا ركابيّان وردا من البصرة ومعهما كتاب بهاء الدولة إلىّ بالانحدار. فاعتذرت فى الجواب بقربى من مدينة السلام وأننى أدخلها وأحصل من المال والثياب ما أعلم أنّ الحاجة داعية إلى تحصيله وأعود.
فأمّا سبب فساد أمره فإنّه عامل أبا العبّاس الوكيل بما أوحشه به واستشعر أبو عبد الله العارض وأبو الفرج الخازن منه واجتمعت كلمة الحاشية عليه، وتطابقوا على فساد أمره خوفا من بوادره.
وعوّل بهاء الدولة على القبض عليه فذكّره الشريف أبو أحمد العهد الذي استقرّ مع مهذّب الدولة بالقبيح وأخرج عن اليد، فعند ذلك فسح فى عوده مع الشريف أبى أحمد إلى بغداد.
ودخلت سنة ستّ وثمانين وثلاثمائة [٣٨٥]
وفيها ملك لشكرستان بن ذكىّ البصرة وانصرف أصحاب بهاء الدولة عنها شرح الحال فى ذلك
كان لشكرستان ذا نفس أبية وهمّة علية ولم يزل يلوح من شمائله فى بدء أمره ما يدلّ على ارتفاع منزلته وقدره وهو من جملة من انحاز عن بهاء الدولة إلى صمصام الدولة وحصل مع العلاء بن الحسن بالأهواز.
فلمّا انصرف الأتراك إلى أرّجان على ما تقدّم ذكره، حدّثته نفسه بالخروج
стр. 3364
إلى البصرة ودفع بهاء الدولة عنها. والتمس من العلاء بن الحسن مساعدة على ذلك فأحجم العلاء عن إفراد بعض العسكر عن نفسه، لحاجته إلى الاستظهار بكثرة العدد.
فبينا تردّد الخطاب بينهما إذ ورد إليهما نحو أربعمائة رجل من الديلم مستأمنين من ديلم بهاء الدولة. فضمّهم لشكرستان إليه وفرّق فيهم خمسة آلاف دينار من ماله وسار بهم إلى حصن مهدى.
وجرّد بهاء الدولة أبا مقاتل خمارتكين البهائى لقتاله، فجرت بينهما مناوشات واعتصم الديلم بالبلد ولم يقدر خمارتكين على مواقعتهم فيه.
فلمّا كان فى بعض الأيّام عاد منهم وخرج لشكرستان على أثره وحمل نفسه على الصعب وسار على التعسّف [٣٨٦] حتى حصل هو ومن معه بلشكرابان.
وتسلّل إليه من بقي مع بهاء الدولة من الديلم ولم تكن لأصحاب بهاء الدولة قدرة عليهم لإعتصامهم بالبساتين والمياه التي يضيق مجال الفرسان فيها. ثم ضاقت عليهم الميرة وانقطعت عنهم المادّة فقطعوا النخل وأكلوا جمّارها وأكلوا الزرع.
وكان أبو العبّاس ابن عبد السلام وطائفة من أهل البصرة مائلين إلى بهاء الدولة ونزلوا بإزاء الديلم يصدقونهم القتال. وكان أبو الحسن ابن أبى جعفر العلوي مائلا إلى لشكرستان بن ذكىّ مضادة لابن عبد السلام لما بين الفريقين من المباينة. فحمل العلوي إلى الديلم فى السماد دقيقا أمارهم به ونفّس عنهم كربهم، وعرف بهاء الدولة ذلك وظفر ببعض السفن التي حملت فيها الميرة فأنفذ من يقبض عليه فهرب وكبست داره ونهبت.
وطلبت هذه الطائفة فاستوحشوا وصار منهم عدد كثير مع أبى جعفر إلى لشكرستان وقويت بهم شوكته وجمعوا له سفنا وحملوا الديلم فيها على
стр. 3365
ركوب أخطار وشدائد حتى جعلوهم على أرض البصرة ووافوا بهم إلى محالّهم وواقعوا أصحاب بهاء الدولة فهزموهم ونهبوا دور بنى عبد السلام وطائفته وخرّبوها.
وجلا [١] ناس كثير من البصرة ونبا ببهاء الدولة مكانه [٣٨٧] وخرج البلد عن يده وأصعد إلى واسط على الظهر فوصل إليها وقد تقطّع عسكره وتمزّق سواده.
ذكر ما جرى عليه أمر لشكرستان بالبصرة إلى أن استقرّ ما بينه وبين مهذّب الدولة من الصلح
لمّا حصل لشكرستان [٢] بالبصرة بطش بأهلها فقتل وسفك، وخرج الناس على وجوههم لفرط الهيبة الواقعة فى نفوسهم ومدّ يده إلى أموال التجار فخرب البلد وتشرّد كل من فيه. وكتب بهاء الدولة إلى مهذّب الدولة يقول له:
- «إذا كان لشكرستان قد غلب على البصرة فأنت أحقّ بها منه.» فاستعد مهذّب الدولة للقتال وجرّد أبا عبد الله ابن مرزوق إليه فى عدّة كثيرة من الرجال وكاتب أبا العباس ابن واصل وكان بعبّادان وغيره من أصحاب الأنهار بالاحتشاد والاستظهار والاجتماع مع ابن مرزوق على حرب لشكرستان، وانحدر ابن مرزوق ودفعه عن البصرة.
فاختلفت الرواية فى دفعه عنها، فقيل: إنّ أهل البصرة قويت نفوسهم فوثبوا على الديلم وانصرف لشكرستان من غير حرب إلى أسافل دجلة.
وقيل: بل عقد جسرا [٣٨٨] فى الموضع المعروف بالجلّ وقال:
стр. 3366
- «الديلم يرمون كل من يرد من نهر عمر.» وجعل أمامه سلسلة حديد ممتدة من إحدى حافتي نهر ابن عمر إلى الأخرى ليدفع عن الجسر ما يرسل على الماء من شاشات القصب المضرمة بالنار تغوص بثقلها فتعبر الشاشات عليها فتغرقها.
فى عسكر البطيحة من نهر ابن عمر وجمعوا قصبا كثيرا بعرض النهر وأرسلوه مضرما بالنار وجعلوا سفنهم التي فيها مقاتلتهم من ورائه، فوقع على السلسلة وتقطّعت وعلى السفن الصغار فاحترقت ووصل إلى الجسر ودخل عسكر البطيحة البصرة يقدمهم ابن مرزوق وعسكره إلى الجزيرة.
وحصل لشكرستان بسوق الطعام وهي فسيحة واستمرّ القتال بين الفريقين وكان للديلم الاستظهار فى الحرب ولهؤلاء قطع الميرة.
فراسل لشكرستان مهذّب الدولة وسأله المصالحة والموادعة وبذل له الطاعة والمتابعة على أن يقيم له الخطبة ويسلّم ابنه إليه رهينة. فمال مهذّب الدولة إلى الصلح وسلّم لشكرستان ابنه أبا العز واتّصل الصفاء واستمرّ الوفاء زمانا طويلا.
وأظهر لشكرستان طاعة صمصام الدولة وبهائها وأمّر نفسه واعتضد بما عقده بينه وبين مهذّب الدولة من المودة، وعسف أهل البصرة مدة، ثمّ عدل فيهم وأحسن السيرة بهم وخفّف [٣٨٩] الوطأة عنهم بعد أن قرّر نصف العشر عليهم. وكان يؤخذ من سائر ما يتبايع حتى من المأكولات، وعاد البصريون إلى دورهم ومنازلهم.
والذي تكثر به العشرة وتطول فيه الفكرة ويستفاد منه التبصّر وتنتفع بمثله التجربة خامل حالتي بهاء الدولة ومهذّبها. كيف اختلّ أمر ذلك وهو عريق فى الملك صاحب مملكة لسوء سيرته! وكيف استقام أمر هذا وهو دخيل فى الإمارة صاحب بطيحة لحسن طريقته!
стр. 3367
لقد ضلّ من ظنّ أنّ الملك يستقيم بالظلم والمال ويثمر بالجور، أو الارتفاع يكثر بالحيف، أو الضرع يدرّ بالعسف. لا ورافع السماء ومؤتى الملك من يشاء، ما يصلح الملك إلّا بإحسان السيرة وإحكام السياسة وترتيب الخاصة وتهذيب العامة والهيبة فى الجند والعدل فى الرعيّة.
وهيهات أن يصلح الملك تدبير مملكته إلّا بعد تدبير مدينته، أو تدبير مدينته إلّا بعد تدبير داره، أو تهذيب رعيته إلّا بعد تهذيب جنده، أو تهذيب جنده إلّا بعد تهذيب حاشيته، أو تهذيب حاشيته إلّا بعد تهذيب نفسه.
ولولا أننا لا نباهى أصحاب عصرنا أطال الله بقاءهم، من الملوك والوزراء الماضين إلّا كلّ من كان عالى الرتبة فى العلاء والمجد، طيب الأحدوثة بالثناء والحمد، لأوردنا فى هذا الفصل ما تتبيّن به مقادير [٣٩٠] التفاوت والفضل ويقوى معه الدليل على ما قدّمناه فى صدر كتابنا هذا من تفضيل زماننا بهم.
لكنّا لا نقيس الفاضل بالناقص ولا المخدج بالكامل ولا العاجز بالقادر ولا النابى بالباتر. لأن الشيء يقاس بما يناسبه ويشبّه بما يقاربه.
ونعود إلى سياقة التاريخ.
عود سابور بن أردشير إلى الوزارة
وفيها عاد أبو نصر سابور بن أردشير إلى الوزارة ونظر نحوا من شهرين ثم هرب.
ذكر ما جرى عليه أمر أبى نصر سابور فى هذه النوبة
كان بهاء الدولة أنفذ أبا عبد الله العارض وأبا نصر الفاضل إلى مهذّب
стр. 3368
الدولة واستقرضا منه قرضا وتطيّبا إلى سابور وقرّرا معه العود إلى الوزارة.
فلمّا حصلا بالبطيحة وقرّرا الأمر مع سابور، حضرا عند مهذّب الدولة ليعلماه بحال ما استقرّ. فقال مهذّب الدولة:
- «أنتما فى طرف والملك فى آخر.» وأخرج كتابا بخطّ بهاء الدولة يسأله إنفاذ أبى القاسم علىّ بن أحمد. فلمّا شاهداه وجما وقالا:
- «قد يجوز أن يكون هذا قد بدا له بعدنا رأى آخر.» وانصرفا فقال أبو عبد الله العارض للفاضل:
- «ما فعل الملك ما فعله إلّا على أصل، والصواب القعود هاهنا والأخذ بالحزم.» فقال له الفاضل:
- «لا يضعف [٣٩١] قلبك، واصعد معى، ودعني ألقى الملك وأحلّ ما عقد بعدنا معه، فإنّى أعرف بأخلاقه منك، ومتى تأخّرنا بلغ أعداؤنا منّا مرادهم.» وما زال به حتى أصعد معه. فلمّا وصلا إلى بهاء الدولة قال لهما:
- «ما وراءكما.» قالوا [١] : «كنّا قررنا مع مهذّب الدولة أمر القرض ومع سابور أمر النظر.
فوافى كتابك باستدعاء أبى القاسم على بن أحمد، فانتقض جميع ذلك وانصرفنا بعد النجاح بالخيبة.» فلمّا سمع ذلك وجم- ولم يكن لأكثر ما قالاه من أمر القرض حقيقة لكنهما قصدا بذلك تقديمه- فقال لهما:
- «ما كتبت ما كتبته إلّا بما ألزمنيه أبو أحمد الموسوي، وإذا كنتما قد
стр. 3369
قرّرتماه فالرأى العدول إليه.» وأمر بكتب الكتب إلى مهذّب الدولة بالشكر على ما أورداه عنه، وبإخراج سابور إلى الحضرة [١] وتطيّب نفسه وحثّه على البدار.
وانصرف الفاضل إلى داره ليغيّر ثياب السفر، وواقف أبا عبد الله على المقام بحضرة بهاء الدولة إلى أن تنفذ الكتب لئلا يدخل إليه من يثنيه.
ونفذت الكتب وورد أبو نصر سابور وقد استوحش الشريف أبو أحمد الموسوي منه لما أسلفه إليه. فقال لبهاء الدولة:
- «بيني وبين العلاء بن الحسن مودّة، وأنا أخرج إليه وإلى صمصام الدولة وأستأنف أمر الصلح.» فمال بهاء الدولة إلى قوله واستروحت [٣٩٢] الجماعة إلى بعده وأذن له فى ذلك ونظر سابور إلى الأمور.
وبدأ أبو القاسم علىّ بن أحمد يكتب إلى بهاء الدولة ويشرع معه فى تقلّد الأمر وبلغ أبا [٢] نصر من ذلك ما انزعج منه، وأراد الاختبار لما عند بهاء الدولة فيه.
ذكر الحيلة التي عملها سابور فى اختبار بهاء الدولة
خلا به وقال له:
- «أيّها الملك، قد علمت أنّنى قصير اللسان فى خطاب الجند، وقد استشعروا فىّ الطمع واستشعرت منهم الخوف. ولو استدعيت أبا القاسم علىّ بن أحمد وعوّلت عليه فى منابذتهم ومعاملتهم ووفّرتنى على جمع المال وإقامة وجوهه، لكان ذلك أدعى إلى الصواب.»
стр. 3370
فقال له بهاء الدولة:
- «هذا هو الرأى وقد أردت أن أبدأك به. فإذ قد سبقت إلى القول فيه فهذا كتاب أبى القاسم يخطب الخدمة، وقد تقرّر الأمر معه على هذه القاعدة.» فسمع أبو نصر ذلك وانصرف من حضرته وأطلق يده للتوقيعات فى الجند ولم يبق وجها إلّا أحال عليه أكثر مما فيه. فلمّا علم أنّه لم يبق بواسط ما تمتدّ إليه يد، فارق مكانه وهرب إلى الصليق، وكتب بهاء الدولة إلى أبى القاسم يستدعيه. [٣٩٣] وأنفذ إليه أبا الفضل الإسكافى رسولا بما بذله له من بسط اليد والتمكين، وانحدر أبو الفضل واجتمع معه وأصعدا.
فلمّا حصلا فى بعض الطريق عدل أبو القاسم على بن أحمد عن السمت.
فقال له أبو الفضل:
- «إلى أين أيّها الوزير.» قال: «إلى حيث أبعد به عنكم. أما علم بهاء الدولة أنّ أبا نصر فرّق أمواله وأفسد أمره وأبطل مملكته؟ وأنا رغبت فيما رغبت فيه أولا، لأنّه كان هناك ما يمكن تمشية الأمور به. فأمّا الآن فلم يبق إلّا شجى الحلوق وقذى العيون ولقاء المكروه. فلما أنشط لذلك.» وفارقه ومضى إلى الجبل وبقي مجلس النظر خاليا حتى ورد أبو العبّاس عيسى بن ماسرجس ونظر فى الأمور.
استكتاب القادر بالله أبا الحسن ابن حاجب النعمان
وفيها استكتب القادر بالله رضوان الله عليه، أبا الحسن علىّ بن عبد العزيز
стр. 3371
حاجب النعمان [١] .
ذكر السبب فى ذلك
كان رجلان من التجّار خرجا للحجّ. فتبايعا عقارا فى الكرخ وهما بمكّة، وأشهدا إنسانا من الذين حضروا الموسم، وردّ [٢] المشترى إلى مدينة السلام فحاول ثبوت كتابه عند القضاة الأربعة وهم أبو عبد الله الضبّى وأبو محمد ابن الأكفانى وابو الحسين ابن معروف وأبو الحسين الجوزي [٣٩٤] بشهادة من شهد من التجّار. وقد كان القادر بالله رضى الله عنه، أمرهم أن لا يقبلوا فى مثل ذلك إلّا شهادة الشهود المعدّلين.
فتنجّز المشترى كتبا من بهاء الدولة إلى القضاة باستماع قوله، وإلى الشريف أبى الحسن محمد بن عمر والوزير أبى منصور ابن صالحان- وكان نائبا عن بهاء الدولة ببغداد- بالزامهم ذلك. فخاطباهم فقالوا: السمع والطاعة، إلّا أبا عبد الله الضبّى. فإنّه امتنع واحتجّ بما رسم له من دار الخلافة.
وغاظ الشريف أبا الحسن فعله فأطلق لسانه بالوقيعة فيه. وفارق الضبّى داره بالكرخ وعبر إلى الحريم معتصما به. وسمع أبو محمد الأكفانى شهادة القوم، وعزم القاضيان الآخران على مثل ذلك. فاستدعوا إلى دار الخلافة وأغلظ القول عليهم واعتيقوا إلى آخر النهار، ثم اذن لهم فى الانصراف والعود من غد.
وكان قوم من الشهود زكّوا التجار الذين شهدوا فى الكتاب، منهم ابن
стр. 3372
النشاط وأبو اسحق بن أحمد الطبري. فطعن الضبّى عليهم عند الخليفة، فخرج التوقيع بإسقاطهم وأمر بقراءته على المنبر فى المسجد الجامع.
وعرف الشهود ذلك ومضى أبو اسحق الطبري إلى أبى الحسن محمد بن عمر مستصرخا وكان خصيصا. وبلغ أبا الحسن على بن عبد العزيز ما يجرى من الخوض فى الأمر.
ذكر تدبير لطيف توصّل [٣٩٥] به ابن حاجب النعمان إلى خدمة دار الخلافة
استدعى القاضي أبا محمد ابن الأكفانى وأبا اسحق الطبري سرّا، وقال لهما:
- «قد علمت ما أنتم عليه وإن طويتموه عنّى ومتى روسل الخليفة بى، توصّلت إلى مرادكم.» فصار أبو اسحق إلى ابن عمر وأشار عليه بإنفاذ على بن عبد العزيز الى دار الخلافة فراسل أبا منصور ابن صالحان فى ذلك فكان جوابه:
- «إنّك عارف بما وردت به كتب بهاء الدولة من منع ابن حاجب النعمان عن دار الخلافة وإخراجه إلى حضرته، فكيف يجوز أن تنفذه فيما هذه سبيله؟» فعاد مراسلة ثانية وسهّل الأمر، فأذن أبو منصور فى ذلك من غير اختيار.
وانحدر أبو الحسن على بن عبد العزيز إلى دار الخلافة ووصل إلى حضرة القادر بالله رضى الله عنه، وأعاد ما حمله من الرسالة، وكانا قالا له:
- «تخدم الحضرة الشريفة عنا بالدعاء وتقول: إنّ الذي جرى فى هذه القصة مما يوحش بهاء الدولة ويشعره التغير له والعدول عنه فيما كان مستخدما فيه.»
стр. 3373
وأتبع ما يورده عنهما من نفسه بأن قال:
- «يا أمير المؤمنين ما الذي فعل [٣٩٦] هؤلاء القضاة مما خرجوا به عن حكم الشريعة أو حدث من الشهود حتى أسقطوا الإسقاط الذي يقرأ على المنابر؟ أو ليس ابن النشاط أحد الشهود الذين شهدوا على المخلوع بخلع نفسه وتسليمه الأمر إلى أمير المؤمنين؟ ولو أردنا اليوم شهادة حاضرة بذلك لما وجدنا غيره فيها، فإنّ الشريف أبا أحمد الموسوي غائب بشيراز، وأبا القاسم ابن أبى تمام قد مضى لسبيله، وأبا محمد ابن المأمون من أهلك، وأبا الغنائم محمد بن عمر ممن لا تقوم به بينة. ونحن إلى الآن نزكّى هذا الشاهد ونعدّله أولى من أن نقدح فيه ونجرحه [١] وهذا أبو اسحق الطبري واحد القرّاء المتقدمين وأهل العلم المشهورين ولم يبق من يحضر الحرمين ويصلّى فيها [٢] بالناس مثله وهو إلى هذه الدولة منسوب وفى شعبها محسوب والباقون منهم أقلّ من أن يعرّفهم أمير المؤمنين ويسمّيهم، فضلا عن أن يذكرهم على المنابر ويقع فيهم. وما الذي يؤمننا من أن ينفذ إلى الجامع من ينفذه، فيعترض بما يحول بينه وبين ما يحاوله ويلحقنا من ذلك ما لا خفاء به؟» فلمّا سمع القادر بالله رضى الله عنه، ما قاله تبيّن الصواب فيه. فأضرب عمّا عزم عليه وهمّ، وردّه بجواب جميل سكن إليه القضاة والشهود، وتوقيع فيه علامته بإجرائهم على رسومهم.
وعاد أبو الحسن إلى الشريف والوزير فأعلمهما بما فعل [٣٩٧] وبزوال ما كان الخوض واقعا فيه، وأشار بأن يعود برسالة ثانية محدودة تتضمّن الشكر والدعاء والاستئذان فى حضور القضاة.
فتقدّما إليه بذلك ومضى وعاد بالإذن فى حضور القضاة ورجع ثالثا
стр. 3374
والقضاة معه فجمع بينهم وبين القاضي أبى عبد الله الضبّى، واستطال أبو عبد الله فى القول عليهم، فمنهم من أجاب ومنهم من أمسك عنه.
وانصرف القوم وتأخّر أبو الحسن فأقام فى الدار وقرّر أمر نفسه واستعطف الشريف أبا الحسن ابن عمر واستكفّ كلّ من كان يقصده واستصلح فتمّ له الأمر واستتبّ.
وفيها عاد أبو جعفر الحجّاج من الموصل ذكر السبب فى ذلك وما جرى الأمر عليه
لمّا توفّى أبو الدواد محمد بن المسيّب طمع المقلّد أخوه فى الإمارة فلم تساعده العشيرة، لأنّ من عادتها تقديم الكبير من أهل البيت وكان علىّ [١] أسنّ منه فأجمعوا عليه وولّوه.
وأيس المقلّد من الإمارة فعدل إلى طلب الموضع وبدأ باستمالة الديلم الذين كانوا مع أبى جعفر، واستفسادهم عليه وثنى برسالته بهاء الدولة خاطبا لضمان الموصل بألفي ألف درهم [٣٩٨] فى كلّ سنة، وبذل تقديم مال عنها واستصلح قلوب الحاشية.
ثم عدل إلى علىّ أخيه وأظهر له أنّ بهاء الدولة قد ولّاه الموصل وأنّ أبا جعفر يدافعه عنها، وسأله النزول معه بالحلل عليها، فإنّ أبا جعفر إذا علم اجتماع الكلمة خاف واندفع عنها.
فلبّى على دعوة أخيه وأجابه إلى سؤاله قاضيا حقّه فيه. فلمّا نزلت الحلل على باب الموصل استأمن عدد من الديلم الذين استفسدوا من قبل وعلم أبو جعفر أن لا طاقة له بالقوم، فاعتصم بقصر كان استحدثه ملاصقا إلى دار
стр. 3375
الإمارة مع سبعين رجلا من خاصّته وسألهم أن يفرجوا له عن الطريق ليسلم الديلم إليهم، فأجابوه إلى ذلك.
ذكر مكيدة عملها أبو جعفر سلم بها فى انحداره
وواعدهم فى خروجه يوما معلوما واستظهرهم عليه، وكانوا أجمعوا أمرهم على أن يأخذوه يوم مسيره. فاستذمّ أبو جعفر من علىّ بن المسيب وأنفذ إليه كراعه ليسير من عنده. ثمّ جمع سفنا حطّ فيها رحله وصناديقه وسلاحه وأصحابه، فجاءة وانحدر قبل اليوم الموعود وما عرفوا خبره إلّا بعد انحداره، فتبعوه ودافعهم عن نفسه حتى خلص ووصل إلى [٣٩٩] مدينة السلام.
ذكر ما جرى عليه الأمر بالموصل بعد انحدار أبى جعفر
لمّا خرج أبو جعفر من البلد تقدّم المقلّد إلى أصحابه بالدخول، وعمل علىّ ابن المسيّب فى الرحيل. فحسّن له أبو الفضل طاهر بن منصور وكان كاتبه ووزيره وجماعة من أصحابه أن يلتمس من المقلّد مشاركته فى البلد، فتذمّم علىّ من ذلك حياء من أخيه فقالوا له:
- «إذا كان البلد لأخيك كان هو الأمير وكنت أنت الصعلوك.» وما زالوا به حتى راسلوه واستقرّت الحال بينهما تذكرة من المقلّد على إقامة خطبة لهما جميعا وتقديم علىّ بحكم الإمارة وإقامة عامل من قبلهما لجباية الأموال وجرى الأمر على ذلك مديدة.
стр. 3376
زيادة التشاجر
ثم زاد التشاجر والتجاذب بين أصحابهما وانتهى إلى الإفراط واتصلت الشكاوى من الفريقين وسيأتي ذكر ما جرت عليه الحال من بعد إن شاء الله.
ذكر الحال فى ذلك
كان أبو علىّ [١] خدم بهاء الدولة فى أيام إمارته. فلما ولى الملك قدّمه وكاد [٤٠٠] ينوّه به فنكبه أبو الحسن الكوكبي المعلم وبقي على العطلة ثم استخدم فى الخواص بمدينة السلام.
فلمّا عاد بهاء الدولة إلى واسط على الصورة التي ذكرت من اختلال الحال، كاتب أبا منصور ابن صالحان والشريف أبا الحسن ابن عمر وأبا على هذا يذكر بما هو عليه من الإضاقة واستدعى منهم ملتمسات من ثياب وغيرها.
فأجاب أبو منصور وأبو الحسن جميعا بالوعد والتعليل وحصل [٢] أبو على أكثر الملتمس بعد أن طلب من أبى على ابن فضلان اليهودي قرضا يردّ عوضه عليه فلم يسعفه وانحدر إلى حضرة بهاء الدولة بما صحبه.
فوقع فعله موقعا جميلا ازداد به عنده قبولا، وقرّر معه فى أخذ اليهود ومصادرتهم تقريرا معلوما، وفى أمر أبى الحسن محمد بن عمر وأبى منصور ابن صالحان ما كان مستورا مكتوما، وأصعد على هذه القاعدة. فلمّا حصل ببغداد قبض على جماعة من اليهود وعسفهم فى المطالبة والمعاقبة.
وأمّا الشريف أبو الحسن ابن عمر وأبو منصور ابن صالحان فإنّه بدا لهما
стр. 3377
خبر ما أبطن فى أمرهما فخرج ابن عمر إلى القصر وصار منها إلى البطيحة، واستقرّ أمر ابن صالحان وكاتب بهاء الدولة واستصلحه وانحدر إليه.
ودبّر أبو على الأمور ببغداد واستمال الجند وقرّر مع الأتراك [٤٠١] عن أثمان أقامتهم ورقا يطلق لهم مسابعة، ثم نقله إلى المشاهرة ونسبه إلى القسط، وسلك أيضا بالديلم هذه الطريقة. فصار ذلك سنّة مستمرّة من بعد فى الأقساط وسقطت كلف الإقامات وكانت قد انتهت إلى الإفراط. ومشت أموره على السداد إلى أن جرى من المقلّد بن المسيب ما صار سببا للقبض عليه.
ذكر ما جرى من المقلّد بن المسيّب فى هذه السنة
كان المقلّد يتولّى حماية القصر وغربىّ الفرات متصرّفا على أمر العبّاس بن المرزبان فاستناب المقلّد أبا الحسن ابن المعلم أحد أصاغر المتصرّفين ببغداد وكان فيه تهوّر وإقدام، فتبسّط وانتهى عنه إلى ابن المرزبان ما غاظه وعوّل على القبض عليه.
ولم يأت الحزم من أقطاره فى أخذه فاستوحش ابن المعلّم واستظهر وجرت مناوشات أدت إلى كشف القناع واستنجد ابن المعلم صاحبه. فوافى من الموصل فى عدّته وعديده وحصل مع ابن المرزبان على أرض واحدة وجرت بينهما حرب أجلت عن هزيمة ابن المرزبان وأخذه أسيرا وحبسه وأمر بقتله من بعد.
وملك المقلّد القصر وأعماله [٤٠٢] وكتب إلى بهاء الدولة بأعذار مختلفة وأقوال متّفقة، وسأل إنفاذ من يعقد عليه البلاد بمبلغ من المال يؤدّيه عنها.
وكان بهاء الدولة مشغولا بما هو بصدده والضرورة تدعوه إلى المغالطة والمداراة فأنفذ إليه أبا الحسن على بن طاهر وجرت بينهما مناظرات
стр. 3378
ومواقفات كتب بها تذكرة عاد بها ابن طاهر استأمر فى أبوابها.
ولمّا انفصل ابن طاهر عنه زاد فى بسط يده فى الأعمال واستضاف ما فيها من الأموال، فضجّ المقطعون بالشكوى إلى أبى علىّ ابن إسماعيل، فاستعدّ للخروج إليه واستدعى محمد بن عبّاد وخاطب أبا موسى خواجه بن ساكيل على البروز، فبرز وخيّم بظاهر البلد.
ذكر الغيلة التي عملها المقلّد
لمّا انتهى الخبر إليه ببروز من برز من السندية أنفذ أصحابه ليلا فكبسوا معسكر ابن ساكيل وضربوا الخيم. فبادر ابن سياهجنك [١] إلى زبزبه وعبر إلى داره واستنفر الديلم. فإلى أن اجتمعوا قطع أصحاب المقلّد الجسر لئلا يتكاثر عليه الجند.
وركب أبو على ابن إسماعيل وابن عبّاد والأولياء. فإلى أن أعيد سد الجسر مضى أصحاب المقلّد وتبعهم أبو علىّ فلم يلحقهم. [٤٠٣] وهمّ بالإتمام إلى السندية [٢] لمواقعة المقلّد فأشاروا عليه بالعود. فعاد وقد تمّم لما ثبت له.
وكان الشريف أبو الحسن ابن عمر قد حصل بالبطيحة على ما تقدّم ذكره.
فلمّا ورد أبو جعفر الحجّاج توسّط حاله مع بهاء الدولة وأصلحها وجدّا جميعا فى السعى على أبى على وذلك قبل أن يحدث من أمر المقلّد ما حدث.
وشدّ منهما ابن ماسرجس وكان هو الوزير يومئذ، وبذل ابن عمر لبهاء الدولة عشرة آلاف دينار عن تسليمه إليه. وكان بهاء الدولة سريع القبول
стр. 3379
شديد الميل إلى هذه البذول وكلّ ما يعقد معه محلول وكلّ ما يبنى لديه مهدوم.
ومن شرط السياسة أن يفي الملك بقوله وعهده وأن يصدق فى وعيده ووعده وأنّه متى أخلف استولت على المحسن الخيبة وزالت عن المسيء الهيبة، ومن قارب بين التولية والعزل لا يعقل. فنعود إلى تمام الحديث.
فخاضوا فى تدبير أمر أبى علىّ ولم يكن ببغداد من يكاتب بالقبض عليه ويوثق به فى الخروج بالسرّ إليه. لأنّ ابن سياهجنك كان من خاصته والقهرمانة معه وفى كفّته، وكلّ من وجوه الجند مائلا إلى جنبته ويخافون أن يخرجوا إنسانا من [٤٠٤] واسط فربّما شاع الخبر وظهر.
ذكر المكيدة التي رتّبت فى القبض على أبى على
أحضروا أبا الحسن محمد بن الحسن العروضي وكان بواسط، وواقفوه على أن يكاتب أبا على ويشكو إليه حاله ويسأله استدعاءه إليه وضمّه إلى جملته، ودبّروا الأمر أنّه إذا عاد الجواب إليه بالإصعاد أصعد، وقرّروا معه القبض عليه.
وكتب أبو الحسن كتابا بهذا الذكر فإلى أن عاد الجواب إليه حدث من أمر المقلّد وهجوم أصحابه على مدينة السلام ما حدث وورد الخبر بذلك على بهاء الدولة فانزعج واستدعى أبا جعفر الحجاج فى الوقت ورسم له المبادرة إليها وتلافى الحادث بها ومصالحة المقلّد والقبض على أبى على ابن إسماعيل.
ووجد أبو جعفر الفرصة فسار ووصل إلى مدينة السلام فى آخر ذى الحجّة وسيأتي ذكر ما جرى الأمر عليه بمشيئة الله تعالى.
стр. 3380
ذكر القبض على أبى نصر
وفيها قبض على الفاضل أبى نصر فاستقصى عليه فى المطالبة. وهرب أبو عبد الله العارض إلى البطيحة، وأقام إلى أن أصلح حاله.
ذكر السبب فى ذلك [٤٠٥] أوّلا وما جرت عليه الحال ثانيا
كان جرى بين أبى عبد الله العارض وبين أبى طاهر سباشى المشطّب [١] المعروف بالسعيد كلام تنابزا فيه، وجنايات اللسان عظيمة وصراعاته أليمة.
فأمر بهاء الدولة بالقبض على أبى طاهر لأجل ذلك واعتقاله.
فاجتمع عدد كثير من الغلمان وصاروا إلى باب الخيمة الخاص وجبهوا بهاء الدولة بما فيه بعض الغلظ وقالوا:
- «إن لم تفرج عنه أخذناه.» فدعت الضرورة إلى إطلاقه فأطلق، ثمّ لم يرضوا بالإفراج عن المشطّب حتى اقترحوا إزالة أبى عبد الله عن ولاية العرض وإبعاد الفاضل أبى نصر، [٢] وخاف بهاء الدولة مخالفتهم. فاعتقل العارض والفاضل اعتقالا جميلا، ثم أذن لهما فى الإصعاد إلى بغداد بعد أن قرّر أمر الفاضل على مبلغ من المال.
فأمّا الفاضل، فإنّه صحح المال المقرّر بعد إصعاده وأقام فى داره إلى أن وافى أبو جعفر. ونظر أبو الحسن العروضي فى نيابة الوزارة عن ابن ماسرجس فخافه الفاضل وكاتب بهاء الدولة يسأله حسن التعطف والحراسة.
стр. 3381
فعاد جوابه بالجميل ورسم له الانحدار فانحدر. ولمّا وصل إلى المعسكر قبض عليه وسلّم إلى ابن ماسرجس فاستقصى [٤٠٦] عليه فى المطالبة، لما أخذ عليه من نوبة البصرة ونسبها إليه، وكان بريئا منها.
وأمّا أبو عبد الله العارض، فإنّه خاف بعد إصعاده، فاستشار نصحاءه فى أمره وقال:
- «لست أحبّ الحرب فأجعل لنفسي حديثا ولا الاسترسال فأطرق غلبتها.»
ذكر رأى سديد أشير به على العارض فكان سببا لنجاته
قال له علىّ بن عيسى صاحب البريد:
- «إذا كان هذا اعتقادك، فكيف تسمح بذهاب ما فى دارك من الآلات ومن الغلمان؟» قال: «نعم.» قال: «فاعبر إلى الجانب الشرقي، كأنّك زائر والدتك ودع دارك وحاشيتك على ما هي وهم عليه، وأنا أحضر فى كلّ يوم وألقى الناس فيها عنك وأكتب كتب النوبة إلى بهاء الدولة وإذا حضر من يجوز الاعتذار إليه وأنا قاعد اعتذرت إليه بنومك أو صلاتك ومن وجب أن أقوم وأدخل الحجرة كأنّى أستأذنك وأخرج إليه بمثل العذر قمت وإذا رأى الناس ذلك ظنّوك حاضرا وأنت فى الباطن مستظهر.» فاستصوب ذلك وعمل به واندرج الأمر على هذا أيّاما ثم كبست الدار لطلبه والقبض عليه فلم يوجد.
ودبّر أمره فى [٤٠٧] الخروج من البلد مستترا وحصل بالبطيحة وأقام بها
стр. 3382
مدة وأصلح حاله مع بهاء الدولة وأصعد إلى واسط ونظر فى دواوين الإنشاء والبريد والحماية.
وفيها حجّ بالناس أبو عبد الله ابن عبيد العلوي.
وحمل بدر بن حسنويه خمسة آلاف دينار مع وجوه القوافل الخراسانية لتنصرف فى خفارة الطريق عوضا عمّا كان يجيء من الحاجّ فى كلّ سنة، وجعل ذلك رسما زاد فيه من بعد حتى بلغ تسعة آلاف دينار.
وكان يحمل مع ذلك ما ينصرف فى عمارة الطريق ويقسم فى أولاد المهاجرين والأنصار بالحرمين، ويفرّق على جماعة من الأشراف والفقراء والقراء وأهل البيوتات فى مدينة السلام بما تكمّل به المبلغ عشرين ألف دينار فى كلّ سنة. فلمّا توفى انقطع ذلك حتى اثّر فى أحوال أهله ووقف أمر الحجّ.
ذكر ما يستدلّ به على حزم بدر
ونحن نذكر ههنا طرفا من أفعال بدر وآدابه يستدل به على حزم الرجل ودهائه، فنقول:
إنّ من شرط الولاية المستقيمة أن يكون صاحبها عالما بالسياسة قامعا للجند عادلا بين الرعية خبيرا بجمع المال من حقوقه بصيرا بصرفه فى وجوهه راغبا فى فعل الخير ملتذّا بطيب الذكر ثابت الرأى فى الخطوب رابط [١] الجأش فى الحروب. على أنّ انتقاع ذوى الولاية بالرأى [٤٠٨] السديد أكثر من انتفاعهم بالبأس الشديد. فانّ ذا البأس يقاوم رجالا وعشيرة، وذو الرأى يقاوم أمّة كثيرة.
стр. 3383
الرأى قبل شجاعة الشّجعان ... هو أول وهي المحلّ الثّانى
فإذا هما اجتمعا لنفس مرّة ... بلغت من العلياء كلّ مكان [١]
وقد كان بدر جامعا لهذه الخلال الحميدة والأفعال الرشيدة. فإنّه ساس قومه وهم البرزيكان [٢] شرّ طائفة فى ظلمهم وعداوتهم وبغيهم وطغيانهم سعيا فى الأرض بالفساد وقطعا للسبل واستباحة للأموال وسفكا للدماء [٣] ، ولى عليهم وقد استولوا على تلك الأعمال يسومون أهلها سوء العذاب ويذيقونهم مرارات البلاء والعقاب، على طريقة من قال الله تعالى فيه: «وَإِذا تَوَلَّى سَعى في الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَالله لا يُحِبُّ الْفَسادَ ٢: ٢٠٥ [٤] .
فداوى داءهم وكفّ بلاءهم واستدنى من الأكراد من كانوا ضدّا لقومه، فاستعان بهم عليهم فطهّر الأرض من ظلمهم غير مبق على آصرة ولا ملتفت إلى رحم متشاجرة، فبدّد شملهم وفرّق جمعهم.
ذكر مكيدة عملها بدر لقومه [٤٠٩]
قيل: إنّه طالت أسباب الفساد وكاد الحرث يبطل فى تلك البلاد. عمل سماطا وأمر بأن يقدم عليه من جميع الألوان المطبوخة باللحمان- وكانوا أصحاب أغنام- وأن لا يترك على السماط خبز بتّة، ثم أحضرهم فجلسوا وأيديهم لا تصل إليه توقّعا للخبز. فلمّا طال الأمر بهم قال لهم:
стр. 3384
- «ما لكم لا تأكلون.» قالوا: «ننتظر الخبز.» قال: «فإذا كنتم تعلمون أنّه قوت لا بد منه، فما لكم قد أهلكتم الزرع؟
قبحا لوجوهكم وتبّا لأفعالكم! وأقسم لئن [١] تعرّض أحد منكم لصاحب زرع ليقابلنّه [٢] بسفك دمه.» وأبرّ قسمه بقتل العدد الكثير منهم وأخذ الباقين بالهيبة وساسهم بالغلظة ولم يغض لهم عن الخيانة اليسيرة حتى تهذّبت الأمور.
ذكر سياسة بليغة من أفعاله
قيل إنّه اجتاز فى بعض مرتحلاته برجل متحطب قد حطّ حمله عن ظهره على طريق وإنّ بعض الفرسان أخذ منه رغيفين كانا معه فلمّا حصل بإزائه قال:
- «أيّها الأمير إنّى رجل متحطب وقد كانت معى رغيفان أعددتهما لأتغدى بهما فيقوياننى على حمل الحطب إلى البلد [٤١٠] فأبيعه فأعود بثمنه إلى العيال وقد اجتاز بى أحد الفرسان وغصبني إياهما.» فقال له:
- «هل تعرف الرجل؟» قال: «نعم بوجهه.» فجاء به إلى مضيق جبل وأقام عنده حتى اجتاز عليه العسكر جميعه وجاء صاحبه فعرفه فأمر بدر بحطّه عن فرسه وإلزامه حمل الحطب على ظهره إلى البلد والدخول به إلى السوق وبيعه وتسليم ثمنه إلى صاحبه جزاء
стр. 3385
على فعله.
وكان الرجل موسرا فرام أن يفتدى نفسه بمال وزاد حتى بذل بوزن الحطب دراهم فلم يقبل منه وألزمه فعل ما عزم به عليه فقامت الهيبة فى النفوس فلم يقدم بعدها أحد من أصحابه على أذيّة.
وأمّا بصره بوجوه المال فإنّه عمّ وعدل فدرّت عليه ضروع الأعمال وجمع من الذخائر والأموال من بلاد محدودة محصورة مالا يكاد يجمع مثله من ممالك واسعة. ولو لم يكن إلّا ما أخذه فخر الملك أبو غالب ابن خلف من قلعته [١] لكان عظيما.
ذكر رأى سديد فى تدبير الأعمال
كان من حسن تدبيره أنّه يحفظ الارتفاع من كل ثلم ثم يفرد العشر منه ويجعله موقوفا على المصالح والصدقات.
وأخذ عمّاله بتوفية أمواله [٤١١] أشد أخذ ويخلدهم الحبس على الخيانة فإن علم أنّ عجز المال كان عن آفة وأنّ العامل نقىّ الجيب من خيانة أعطاه من مال الصدقة ما تبرأ به ذمّته من الضمان ويستعين ببعضه على الزمان فلا يقدم أحد على تجاوز الطريقة المرضية فى أداء الامانة وتجنّب الخيانة.
وأما بصيرته بصرف الأموال فى وجوهها فقد تقدّم ذكر ما كان يحمله فى كل سنة بطريق مكة وكانت له صدقات كثيرة فى بلده وأنفق أموالا جمّة فى اتخاذ المصانع وعمل القناطر واستخراج الطريق فى الجبال لوارد وصادر فتذللت بعد أن كانت مانعة ودنت المسافات بعد أن كانت شاسعة مع حزم كامل فى الإنفاق.
стр. 3386
ذكر ما دبّره فى أمر النفقات على القناطر والطرقات
كان إذا بدأ بعمل من هذه الأعمال أقام من قبله عنده سوقا جامعة لسائر ما يبتاع فى البلدان وجلب إليها جميع ما يحتاج إليه من الأصناف بأرخص الأثمان فإذا قبضت الرجال سلفا من الورق صرفوه فى تلك السوق على اختلاف أجناس ما يبتاعونه بالثمن الوافي فيجمع جميعه. [٤١٢] فكان ما يخرج فى أول الأسبوع من الخزانة يعود إليها فى آخر الوقت اليسير الذي يتصل مع بعض الرجال ممن يقدر على نفسه فى النفقة.
فبقيت له الآثار الحميدة والأحاديث الجميلة. قال الله تعالى: «وَما عِنْدَ الله خَيْرٌ وَأَبْقى» ٢٨: ٦٠ [١] وقال تعالى: «وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ من الْأُولى» ٩٣: ٤ [٢] .
وأمّا حسن تدبير الخطوب فله فى ذلك أخبار مشهورة منها ما دبّره عند وصول رسول يمين الدولة أبى القاسم محمود بن سبكتكين ﵀ إلى الرىّ.
ذكر رأى سديد فى إقامة هيبة
قيل: إنّ رسولا لمحمود وصل إلى الرىّ عند استيلاء السيدة على الأمر مهدّدا بالمسير إليها وكانت لا تحل ولا تعقد إلّا بمشاورة بدر فكتبت إليه بما تجدد فأشار عليها بإنفاذ الرسول إليه ليتولّى هو جوابه.
ثم رتّب طوائف الأكراد وأصناف العساكر وأمرهم أن ينزلوا بحللهم بطول الطريق من باب الري إلى سابور خواست [٣] ويظهروا عند اجتياز الرسول بهم
стр. 3387
عددهم وأسلحتهم ويأخذوا زينتهم ويسيروا به من حلة إلى حلة ومن عسكر إلى عسكر حتى يوصلونه إليه ففعلوا ذلك.
ورأى الرسول فى طريقه من [٤١٣] العساكر ما هاله فلمّا وصل إليه رأى من حزمه ودهائه وحسن تدبيره ورأيه ما ازدادت به هيبته فى صدره.
وأجاب عن الرسالة بما أشار به إلى الاستمرار على طريق المسالمة واجراء الأمر على ما كان عليه من قبل مع أصحاب خراسان فعاد الرسول إلى الرىّ وكتب الأجوبة حسب ذلك وانصرف إلى خراسان وأخبر بما شاهده فكان ذلك طريقا إلى الكفّ والموادعة.
وأمّا مكايده فى الحروب وبصيرته بأمورها، فقد تقدّم من ذكر الوقعة التي جرت بينه وبين قراتكين الجهشيارى على أخذ شرف الدولة ما يدل على صرامته وله بعد ذلك مقامات مشهورة.
فلمّا انقضت مدته وتناهت سعادته لم ينفعه ماله ولا رجاله ولم تدفع عنه حزامته ولا احتياله، قتله أقلّ الجند وأذلّهم ومضى رخيصا.
الحوّل القلّب الأريب ولا ... يدفع ريب المنيّة الحيل
وإذ قضينا من ذكر أخباره الشاذّة [١] وطرا مع التبرّأ من عهدة صحتها فقد عدنا إلى سياقة التاريخ.
ودخلت سنة سبع وثمانين وثلاثمائة
وفيها تغيّر أمر أبى على ابن إسماعيل ووكّل به فى دار المملكة ثم
стр. 3388
أفرج [٤١٤] عنه واستتر.
ذكر ما جرت عليه الحال فى ذلك
لمّا ورد أبو جعفر الحجاج ساء ظنّ أبى على ابن إسماعيل ثم اتصل به من واسط ما حقق ظنّه فأقام فى دار المملكة ملتجئا إلى القهرمانة وتلطّف أبو جعفر له طمعا فى أن يصير إليه فلم يفعل فأنفذ من وكّل به فى موضعه.
وتردد بينه وبين القهرمانة قول كثير انتهى آخره إلى أن كتبت خطا بتسليمه وإنّها تمتثل ما يرد إليها فى معناه فصرف التوكيل حينئذ عنه.
وأنفذ ابن إسماعيل إلى بارسطغان وبدرك ووضعهما على أن جمعا جمعا كثيرا من الغلمان وصاروا إلى تحت دار أبى جعفر وراسلوه وقالوا له:
- «قد كانت أحوالنا مختلّة وأموالنا متأخرة إلى أن جاء هذا الرجل فتلافى أمورنا بحسن التدبير وقد حاولت الآن بورودك القبض عليه وإزالة هذا الترتيب ونحن لا نمكّن منه ونكاتب الملك بشرح الأحوال وإن دعتنا حاجة إلى الانحدار إليه انحدرنا.» وتردد فى ذلك ما طال وأفضى آخره إلى خط القهرمانة إليها والاتفاق على خروجه ونظره ومكاتبة الملك بما عليه الأولياء من إيثاره.
فلمّا كان من غد خرج أبو [٤١٥] على من الدار وقصد أحد وجوه الأتراك واستتر عنده.
ونظر أبو الحسن العروضي فى النيابة عن أبى العباس ابن ماسرجس وتشاغل أبو جعفر بتقرير ما بينه وبين أبى حسان المقلّد بن المسيّب.
ذكر ما جرت عليه الحال فى ذلك
أنفذ المقلّد إلى أبى جعفر فى أمر الصلح وبذل له البذول على حكمه فيه.
стр. 3389
فاستقرّ بعد مراجعات ومنازعات على أن يصحّح المقلّد عشرة آلاف دينار وتحمل إلى الخزانة بواسط ويقود معها خيلا ويرفع يده عن الاقطاعات ويقنع بما يقرّر له من رسوم الحماية عنها ويمكن العمّال من المحلول ويشدّ منهم فى استيفاء الحقوق السلطانية ويفرج عن الديلم المأسورين ويخطب لأبى جعفر بالموصل بعد بهاء الدولة ويحمل فى كل سنة ألف ألف درهم غياثية عنها وعلى أن يخلع على المقلّد الخلع السلطانية من دار الخلافة ويكنّى ويلقّب بحسام الدولة، ويحمل له اللواء ويعقد له بهاء الدولة على الموصل والكوفة والقصر والجامعين ويقلّد زعيم العرب ويقطعه بألف ألف درهم غياثية من المحلول. فأجيب ما التمسه وجلس القادر [٤١٦] بالله رضوان الله عليه لذلك على العادة.
ولم يف المقلّد بجميع ما أشرطه على نفسه إلّا بحمل المال المعجّل واطلاق الديلم المأسورين ثم استولى على البلاد فقصده الكتّاب والمتصرفون والأماثل وخدموه ونبل قدره واستفحل أمره.
وفيها توفّى العلاء بن الحسن بعسكر مكرم وورد أبو الطيب الفرخان وبعده أبو على ابن أستاذ هرمز شيراز.
ذكر ما جرى عليه الأمر بعد وفاة العلاء بن الحسن
قد تقدم ذكر خروج العلاء إلى عسكر مكرم فى أثر الغلمان العائدين من أرجان مع أبى محمد ابن مكرم ومقامه بها مرتبا للأمور ثم جاءه أمر الله الذي لا يدفع [١] وورد المنهل الذي لا محيد للبشر عنه.
فلمّا انتهى الخبر إلى صمصام الدولة أنفذ أبا الطيب الفرخان بعد أن
стр. 3390
استوزره لسدّ مسدّه فورد ولم يكن منه ما ظنّ فيه. فبان منه العجز والقصور وتقاعد به الديلم وملك أصحاب بهاء الدولة السوس وجنديسابور.
وعرف صمصام الدولة ما جرى فأنفذ الصاحب أبا على ابن أستاذ هرمز وأصحبه مالا ففرّقه على الديلم وسار بهم إلى جنديسابور ودفع الأتراك عنها وجرت مع الأتراك وقائع كثيرة كانت اليد الطويلة لأبى علىّ فيها حتى أزاحهم عن بلاد [٤١٧] خوزستان وعادوا إلى واسط.
فخلت له البلاد ورتّب فيها العمّال وجمع منها الأموال [١] وتأمّل حال الاقطاعات بها. فجرى بين سيامرد بن بلجعفر وبين عامل لأبى علىّ تنازع فى حدّ وارتفع النزاع فيه إليه فأربى سيامرد فى القول بمجلسه فغاظه.
ذكر تدبير يدلّ على قوّة نفس وشهامة
أمر أبو علىّ أن يعمل عملا بما فى يد سيامرد وداود ولده وأبى [٢] على ابن بلعباس فاشتمل العمل على مائة ألف دينار وزيادة فأحضر الثلاثة المذكورين وكتّابهم للموافقة ثم عدل بهم إلى حجرة وقبض عليهم وقيّدوا وأخرجوا بعد أيام على النفي إلى بلاد الديلم.
وجعل إقطاعهم لخمسمائة رجل من الديلم الأصاغر وثلاثمائة رجل من الأكراد بعد أن أفرد منه شيئا للخاص فتمكنت هيبته فى الصدور وتضاعفت قوّته فى الأمور وتألّف قلوب الديلم وراسل وجوه الأتراك الذين مع بهاء الدولة واستمالهم، فأجابه بعضهم وصار إليه من جملتهم قراتكين الريحى فملأ عينه وقلبه بالإحسان.
واستمرت أحواله على الانتظام والتمكن من أعمال خوزستان من غير
стр. 3391
منازعة إلى أن عاد أبو محمد ابن مكرم والأتراك من واسط.
فلمّا عرف أبو على ابن أستاذ هرمز رجوعه استعد للحرب وجرت بينهم [٤١٨] مناوشات ووقائع. ولم يكن للغلمان قدرة على إزالة الديلم من قصبات البلاد وأشرفوا على الانصراف ثانيا إلى واسط حتى خرج أبو على ابن إسماعيل من البطيحة وسيّر بهاء الدولة من القنطرة البيضاء وكان من الأمر ما يأتى ذكره فى موضعه.
وفيها كوتب أبو جعفر الحجّاج بالمسير من بغداد لقصد أبى الحسن على ابن مزيد وسار ابن ماسرجس من واسط لذلك.
ذكر ما جرى عليه الأمر مع أبى الحسن علىّ بن مزيد
كان علىّ بن مزيد قد استوحش من بهاء الدولة بسبب مال طولب به فكاشفه بالخطاب وانتسب إلى طاعة صمصام الدولة وأقام الخطبة له وأطلق لسانه بكل ما يوجب السياسة الإمساك عنه وانبسطت بنو أسد فى الغارة على نواحي واسط.
فغاظ بهاء الدولة فعله وعرض من أمر المقلّد ما استقلّ به عن غيره. فلمّا استقرّت الحال معه كتب بهاء الدولة إلى أبى جعفر بالمسير إلى ابن مزيد من بغداد وسيّر أبا العباس ابن ماسرجس من واسط فاجتمعا.
واندفع أبو الحسن علىّ بن مزيد من بين أيديهما معتصما بالآجام وتتبعاه فراسلهما واستعطفهما وسأل إصلاح أمره مع بهاء الدولة وبذل على ذلك بذلا.
وكان الأمر قد ضاق بهما [٤١٩] فى المقام وتعذّر عليهما وعلى العسكر نقل المير لبعدهم عن السواد فكاتبا بهاء الدولة فى أمره وسألاه الصفح عنه وإقراره على ما يتولى الخدمة فيه، فأجاب إلى ذلك وسار أبو جعفر وابن ماسرجس إلى الكوفة. فأمّا أبو جعفر فإنّه عاد إلى بغداد وأمّا ابن ماسرجس
стр. 3392
فإنّه أقام بالكوفة مستوحشا، ثم صار إلى المقلّد ومضى من عنده إلى البطيحة.
وفيها توفّى فخر الدولة أبو الحسن علىّ بن ركن الدولة بالرىّ.
ذكر ما جرى عليه الأمر بعد وفاة فخر الدولة
لمّا اشتدّت العلّة به أصعد إلى قلعة طبرك فبقى أيّاما يعلل ثم مضى لسبيله. وكانت الخزائن جميعها مقفلة ومفاتيحها قد حصلت عند أبى طالب رستم ولده الملقّب من بعده بمجد الدولة، فلم يوجد ليلة وفاته ما يكفّن به لقصور الأيدى عمّا فى الخزائن وتعذّر النزول إلى البلد لشدة الشغب حتى ابتيع له من قيّم الجامع الذي تحت القلعة ثوب لفّ به. وجاء من الشغل بالجند ومطالبتهم العنيفة ما لم يمكن معه حطّه سريعا. فأراح حتى لم يمكن القرب من تابوته فشدّ بالحبال وجرّ على درجة القلعة حتى تكسّر وتقطّع.
وذكر أنّه خلّف من العين والورق والجواهر سوى الثياب والسلاح والآلات ما يزيد على [٤٢٠] عشرة آلاف ألف [١] درهم فكان نصيبه من أمواله الثوب الذي كفّن فيه وعاقبته من أيامه اليوم الذي حطّ فيه.
فما أقلّه من نصيب مبخوس وأشأمه من يوم منحوس ف «ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ» ١١١: ٢ [٢] ثم ربّه أعلم بما صار إليه من شقاوة أو حوقق [٣] أو سعادة أو سومح.
ورتّب أبو طالب رستم ولده فى الأمر وسنّه إذ ذاك أربع سنين. فأخذت له البيعة على الجند وأطلقت له الأموال الكثيرة حتى قيل: إنّ الأمر أعجلهم
стр. 3393
عن حطّ المال من القلعة على رؤوس الرجال فحطّوه بالزبل والبكر والحبال.
والوزيران يومئذ هما أبو العبّاس الضبّى المتلقّب بالكافي الأوحد، وأبو على ابن حمولة المتلقّب بأوحد الكفاة، وبينهما أشدّ عداوة.
فبسط أبو على ابن حمولة يده فى اطلاق الأموال واستمالة الرجال.
فمالت قلوب الجند إليه ووقعت أهواؤهم عليه وامتنع أبو العباس الضبّى عن مثل ذلك إلّا أنّه معظم لمنزلته المتأثّلة وقدمه المتقدمة.
فتجدّد من ورود قابوس بن وشمكير إلى جرجان واستيلائه عليها ما وقع الخوض فى تدبير خطبه [١] .
ذكر عود قابوس إلى جرجان وما جرى الأمر معه عليه
كان فخر الدولة عند استقراره فى الملك عزم على ردّ قابوس إلى أعماله قضاء [٤٢١] لحقّه ومقابلة على إحسانه، فصدّه ابن عبّاد عن رأيه وكثّر ارتفاعها فى عينه فوقر هذا القول فى سمعه لشحّ مطاع كان فى طبعه.
فلمّا مات كتب أهل جرجان إلى قابوس وهو بنيسابور يستدعونه، فصار إلى بلادهم وملكها وورد الخبر إلى الرىّ بذلك فجرت فى ذلك منازعات فى الرأى وكوتب بدر بن حسنويه بسببه.
ذكر جواب سديد لبدر خولف رأيه فيه
قال: إنّ الأمير الذي ورث هذا الملك حدث السن ولا ينبغي أن يضيع ماله وذخائره فيما لا تتحقق عواقبه ومصايره والصواب أن تترك الأمر على حاله فإن يك نجيبا على ما عهد من خلائق آبائه قدر على ارتجاع ما أخذ
стр. 3394
منه، وأن ضعف عن ذلك لم تكونوا جمعتم عليه [ذهاب] ماله وذهاب أعماله.» فخالفوا رأى بدر وجرّدوا العساكر وأشار أصحاب أبى على ابن حمولة ونصحاؤه عليه بالخروج فى هذا الوجه واستصحاب الخزائن والأموال وقالوا:
- «إنّك إذا حصلت بجرجان وملكتها كنت أميرا لا وزيرا وكانت الحاجة إليك داعية والآمال بك متعلقة وبعدت عن الحضرة التي أنت فيها مجاذب على المنزلة.» وغبي [٤٢٢] أنّ قاعدة غيره التي يبنى عليها أمره هي بتلك الحضرة وإلى من يزاحمه فى الرتبة يترقب به الفرصة فى نقصها، لكن هيهات قيامه عليها وإذا بعد عنها لسرعت اليد الهادمة إليها.
فعمل فيه قول هؤلاء النصحاء المجتمعين عليه وسار بالخزائن والأموال لأمر تسوقه المقادير اليه وحصل بين عدوّين: أحدهما أمامه لا يعلم ما يكون منه معه، وآخر وراءه يقصد مقاتله.
ووافى قابوس وتصافّا فى الحرب. فما كانت إلّا حملة واحدة من أصحاب قابوس حتى انهزم أصحاب أبى علىّ ابن حمولة وغنم قابوس وأصحابه غنيمة كثيرة وعاد إلى جرجان. وثبتت قدمه بأحسن السيرة ورفع الرسوم الجارية والضرائب المأخوذة.
وعاد أبو على إلى الرىّ مفلولا ووقع الشروع فى تجريد العساكر ثانيا إلى جرجان فقال أبو على:
- «قد خرجت نوبة وهذه نوبة أبى العبّاس الضبّى.» وتردد فى ذلك قول كثير ثم أجمع رأى السيدة ورأى بدر بن حسنويه على صرف أبى على بن حمولة والقبض عليه.
стр. 3395
ذكر ما جرى الأمر عليه فى القبض على ابن حمولة
حضر أبو عيسى سافرى بن محمد كاتب بدر مظهرا تجديد العهد بالخدمة [٤٢٣] واجتمعت الجماعة فى دار الإمارة وخلوا فى الحجرة الركنية لتقرير أمر من يخرج إلى جرجان. فاتفق أنّ ابن حمولة نهض لحاجة يقضيها فاتّبع بمن عدل به إلى موضع فى الدار وقيّد وانصرف أبو العباس الضبي إلى داره وأبو عيسى إلى دار على بن كامة وكانت برسمه وهي طرف البلد.
وشاع خبر القبض على ابن حمولة فثار الديلم وقصدوا دار أبى عيسى ليهجموا عليه فهدم حائطا منها يلي الصحراء وخرج منه وركب وتبعه أصحابه ووقف على قرب من البلد حتى أخرج إليه ابن حمولة فسار به إلى بلاد بدر وحبسه فى بعض القلاع [١] وأنفذ إليه من الرىّ بعد أيام من تولّى قتله.
وأقام الديلم على شغب ونهبوا دار أبى العباس وطالبوا بتسليمه واقتضت الحال عند تفاقم الأمر القبض عليه ففعل ذلك وحمل فى عمارية وهو مقيّد وقد أخرجت رجله منها ليشاهد القيد فيها بحضرة العسكر وأصعد إلى قلعة طبرك.
وكان الجند قد همّوا بالفتك به وكفّ الله أيديهم عنه وألقى فى قلوبهم هيبة منه. فلمّا حصل فى القلعة راسل أكابر الديلم واستمالهم وأصلحوا له قلوب أصاغرهم واجتمعوا بعد ثلاثة أيام وتشاوروا بينهم وقالوا:
قد مضى ذاك الوزير الذي قد فعلنا هذا الفعل لأجله ولا يجوز أن نتعوض
стр. 3396
عن أبى العبّاس [٤٢٤] مع رياسته المأثورة وكفايته المشهورة بغيره.
فصاروا إلى دار الإمارة وخاطبوا السيدة على ذلك فاستقرّ الرأى على خروجه ونظره. فخرج فى اليوم الرابع من القلعة وتلقّاه الناس على طبقاتهم بتقبيل الأرض واظهار السرور. وسيأتي ذكر ما جرى عليه أمره من بعد فى موضعه.
وفيها قبض المقلّد بن المسيّب على أخيه بالموصل.
ذكر القبض على علىّ بن المسيّب والإفراج عنه وما جرى فى ذلك من الخطوب فى هذه السنة وما بعدها ليتّسق الحديث
قد تقدّم ذكر ما تقرر بين علىّ والمقلّد فى أمر الموصل والمشاركة فيها وما وقع من الخلف بين أصحابهما.
فلمّا عاد المقلّد من سقى الفرات إلى الموصل عزم على الفتك بأصحاب أخيه. ثم على أنّه متى فعل ذلك بهم فعل علىّ بأصحابه مثله، فقوى رأيه فى القبض على أخيه.
وكان مع المقلّد من الديلم والأكراد وغيرهم نحو ثلاثة آلاف رجل تطلق لهم الأرزاق فى كل شهر. فحين عزم على ما عزم عليه جمعهم إلى داره وأظهر بأنّه يريد المسير إلى دقوقا [٤٢٥] وحلفهم على الطاعة واستوثق منهم.
ذكر الحيلة التي عملها المقلّد فى ذلك
كانت دار المقلد متصلة بدار علىّ ولم يكن مع علىّ إلّا نحو مائة رجل من خاصته فأمر بالنقب إلى الموضع الذي هو فيه فى ليلة علم فيها أنّه
стр. 3397
سكران ودخل إليه ومعه عدّة من خواصه فحمله على ظهر أحد الفراشين وحصّله فى خزانته ووكّل به جماعة من غلمانه الأتراك.
واستدعى فى الحال غلامين من البادية وسلّم إليهما فرسين جوادين وأرسلهما إلى صاحبته يقول لها:
- «إنّى قد قبضت على علىّ فخذي حذرك وأسرعى فى الحال بولديك قرواش وبدران إلى تكريت فإنّ أحمد بن حمّاد صديقي وهو يدفع عنكم ولا تخلفى ما تخلفينه وراءك فى الحلّة قبل أن يعرف أخى الحسن الخبر فيبادر إليك ويقبض على ولديك.» فكدّ الغلامان فرسيهما ركضا وتقريبا [١] ووصلا إلى تكريت فى يومهما عند غروب الشمس وجلسا من تكريت فى ركوة وانحدرا إلى موضع الحلّة وكانت على أربعة فراسخ منها فأنذرا المرأة وأدّيا إليها الرسالة.
فركبت فرسا وأركبت ولديها فرسين وهما يومئذ صغيران وساروا فى الليل إلى تكريت فدخلوها. [٤٢٦] وعرف الحسن بن المسيب حال القبض على أخيه من غلام أسرع إليه من الموصل بالخبر فبادر الحسن إلى حلة المقلد ليقبض على ولديه وأهله وعنده أنّه يسبق إليهم ففاتوه وبطل عليه ما قدره من ذلك.
وقام المقلد بالموصل يستدعى وجوه بنى عقيل ويخلع عليهم ويقطعهم إلى أن اجتمع عنده زهاء ألفى فارس.
وقصد الحسن حلل العرب بأولاد علىّ وحرمه يستغيثون ويستنفرون ويقولون:
- «إنّ المقلد قطع الرحم وعادى العشيرة وقبض على أميرها وانحاز إلى
стр. 3398
السلطان» فنفر منهم نحو عشرة آلاف رجل وراسل المقلد وقال:
- «إنّك قد احتجزت عنا بالموصل وأقمت فإن كان لك قدرة على الخروج فاخرج.» فأجابه بأنّه يخرج ولا يتأخر وسار على أثر الرسول وأخرج معه عليّا أخاه فى عمارية وهو محروس فى نفسه مراعى فى أحواله إلّا أنّه مستظهر عليه بالتوكيل.
وقرب من القوم حتى لم يبق بين الفريقين إلّا منزل واحد بإزاء العلث وجد فى أمر الحرب فحضره وجوه العرب واختلفت آراؤهم فقوم دعوه إلى الصلح وصلة الأرحام وقوم حضّوه على المضىّ والإقدام.
وكان فى القوم غريب ورافع ابنا محمد بن مقن فتنازعا القول عند المقلد وظهر من رافع حرص على الحرب وخالف غريب [١] .
ذكر كلام سديد لغريب [٤٢٧]
قال لرافع:
- «ما قولك هذا بقول ناصح أمين ولا ناصر معين. فإن كنت فى هذا الرأى عليه فقد أخفرت الأمانة وأظهرت الخيانة وإن كنت معه فقد سعيت فى تفريق الكلمة وهلاك العشيرة وإطماع السلطان.» والمقلد ممسك لا يتنفس [٢] فدخل عليه داخل وقال له:
- «أيّها الأمير هذه أختك رهيلة بنت المسيب- وكانت عند جعفر بن على بن مقن- قريبة منك تريد لقاءك.»
стр. 3399
فامتدت الأعين إليها فإذا هي فى هودج على بعد. فركب المقلد وسار حتى لحق بها وتحادثا طويلا ولا يعلم أحد ما جرى بينهما إلّا أنّه حكى فيما بعد أنّها قالت له:
- «يا مقلد قد ركبت مركبا وضيعا وقطعت رحمك وعققت ابن أبيك.
فراجع الأولى بك وخلّ عن الرجل واكفف هذه الفتنة ولا تكن سببا لهلاك العشيرة، ومع هذا فإننى أختك ونصيحتي لا حقة بك ومتى لم تقبل قولي فضحتك وفضحت نفسي بين هذا الخلق من العرب.» فلان فى يدها ووعدها بإطلاق علىّ وعاد فى وقته. فأمر بفكّ قيده وردّ عليه جميع ما كان أخذه منه وأضاف إليه مثله ورتّب له مخيّما جميلا ونقله إليه واستكتب له أبا الحسن ابن أبى الوزير وجعله عينا عليه متصرفا على أمره بين يديه.
فأصبح الناس مسرورين بما تجدد من الصلح وزال من الخلف واجتمع المقلد مع على وتحالفا ومضى على [٤٢٨] عائدا إلى حلّته والمقلد سائرا إلى الأنبار لقصد أبى الحسن على بن مزيد ومقاتلته. فقد كان تظاهر بمعصية على حين قبض عليه المقلد وطرق أعمال سقى الفرات واجتذب شيئا منها.
ولمّا انفصل على بن المسيب اجتمع إليه العرب وحملوه على مباينة المقلد فامتنع عليهم وقال:
- «إن كان قد أساء فإنّه قد أحسن من بعد.» فما زالوا حتى غلبوه على رأيه وأصعد إلى الموصل مباينا واعتصم من كان معه من أصحاب مقلد بها بالقلعة فنازلها وفتحها واستولى على ما كان فيها.
فطار الخبر إلى المقلد فكرّ راجعا واجتاز فى طريقه على حلّة الحسن وهو فيها فخرج إليه وشاهد من قوة عسكره ما خاف على أخيه منه فقال
стр. 3400
له:
- «دعني أصلح ما بينك وبين أخيك وأضمّن لك العهد فيما تريد منه.» ورفق به حتى استوقفه وسار فى الوقت إلى علىّ من غير أن يعود إلى حلته فوصل إليه آخر النهار وقد جهد نفسه وفرسه وقال لعلى:
- «إنّ الأعور قد أقبل بقضّه وقضيضه وأنت غافل.» ثم شاوره فأشار عليه أن يستميل كل من بالموصل من أهالى الجند الذين هم فى جملة المقلد ويضعهم على [توسط] [١] ما كان بينهم واستمالتهم فإن قبلوا وفارقوا المقلّد قاتله وإن امتنعوا وأقاموا معه صالحه ففعل ذلك.
وكان المقلد قد قرب من الموصل وبات وهو متيقظ قد رتّب الطلائع فظفر بقوم قد وردوا بالملطفات إلى أصحابه فحملوهم إليه [٤٢٩] ووقف على ما معهم من الكتب فأصبح وقد عبّى [٢] عسكره وزحف إلى الموصل وأيس على والحسن من فساد جند المقلد عليه فخرج إليه ولاطفه [٣] ثم دخل البلد وعلى عن يمينه والحسن عن شماله.
وناوش العرب بعضهم بعضا طلبا للفتنة فخرج الحسن حلا وأرهب قوما وحسم الفتنة وحصل جميع الناس بالموصل على صلح.
ثم خوف علىّ من المقام فخرج هاربا فى الليل وتبعه الحسن وترددت الرسل بينهما وبين المقلد واستقرّ أن يكون دخول كل واحد منهما البلد عن غيبة الآخر وجرت الحال على ذلك إلى بقية سنة تسع وثمانين وثلاثمائة.
وسار المقلد إلى الأنبار ممضيا [٤] لما كان عزم عليه من حرب على بن