← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

عن أبى العبّاس [٤٢٤] مع رياسته المأثورة وكفايته المشهورة بغيره. فصاروا إلى دار الإمارة وخاطبوا السيدة على ذلك فاستقرّ الرأى على خروجه ونظره. فخرج فى اليوم الرابع من القلعة وتلقّاه الناس على طبقاتهم بتقبيل الأرض واظهار السرور. وسيأتي ذكر ما جرى عليه أمره من بعد فى موضعه. وفيها قبض المقلّد بن المسيّب على أخيه بالموصل. ذكر القبض على علىّ بن المسيّب والإفراج عنه وما جرى فى ذلك من الخطوب فى هذه السنة وما بعدها ليتّسق الحديث قد تقدّم ذكر ما تقرر بين علىّ والمقلّد فى أمر الموصل والمشاركة فيها وما وقع من الخلف بين أصحابهما. فلمّا عاد المقلّد من سقى الفرات إلى الموصل عزم على الفتك بأصحاب أخيه. ثم على أنّه متى فعل ذلك بهم فعل علىّ بأصحابه مثله، فقوى رأيه فى القبض على أخيه. وكان مع المقلّد من الديلم والأكراد وغيرهم نحو ثلاثة آلاف رجل تطلق لهم الأرزاق فى كل شهر. فحين عزم على ما عزم عليه جمعهم إلى داره وأظهر بأنّه يريد المسير إلى دقوقا [٤٢٥] وحلفهم على الطاعة واستوثق منهم. ذكر الحيلة التي عملها المقلّد فى ذلك كانت دار المقلد متصلة بدار علىّ ولم يكن مع علىّ إلّا نحو مائة رجل من خاصته فأمر بالنقب إلى الموضع الذي هو فيه فى ليلة علم فيها أنّه

стр. 3397

سكران ودخل إليه ومعه عدّة من خواصه فحمله على ظهر أحد الفراشين وحصّله فى خزانته ووكّل به جماعة من غلمانه الأتراك. واستدعى فى الحال غلامين من البادية وسلّم إليهما فرسين جوادين وأرسلهما إلى صاحبته يقول لها: - «إنّى قد قبضت على علىّ فخذي حذرك وأسرعى فى الحال بولديك قرواش وبدران إلى تكريت فإنّ أحمد بن حمّاد صديقي وهو يدفع عنكم ولا تخلفى ما تخلفينه وراءك فى الحلّة قبل أن يعرف أخى الحسن الخبر فيبادر إليك ويقبض على ولديك.» فكدّ الغلامان فرسيهما ركضا وتقريبا [١] ووصلا إلى تكريت فى يومهما عند غروب الشمس وجلسا من تكريت فى ركوة وانحدرا إلى موضع الحلّة وكانت على أربعة فراسخ منها فأنذرا المرأة وأدّيا إليها الرسالة. فركبت فرسا وأركبت ولديها فرسين وهما يومئذ صغيران وساروا فى الليل إلى تكريت فدخلوها. [٤٢٦] وعرف الحسن بن المسيب حال القبض على أخيه من غلام أسرع إليه من الموصل بالخبر فبادر الحسن إلى حلة المقلد ليقبض على ولديه وأهله وعنده أنّه يسبق إليهم ففاتوه وبطل عليه ما قدره من ذلك. وقام المقلد بالموصل يستدعى وجوه بنى عقيل ويخلع عليهم ويقطعهم إلى أن اجتمع عنده زهاء ألفى فارس. وقصد الحسن حلل العرب بأولاد علىّ وحرمه يستغيثون ويستنفرون ويقولون: - «إنّ المقلد قطع الرحم وعادى العشيرة وقبض على أميرها وانحاز إلى

стр. 3398

السلطان» فنفر منهم نحو عشرة آلاف رجل وراسل المقلد وقال: - «إنّك قد احتجزت عنا بالموصل وأقمت فإن كان لك قدرة على الخروج فاخرج.» فأجابه بأنّه يخرج ولا يتأخر وسار على أثر الرسول وأخرج معه عليّا أخاه فى عمارية وهو محروس فى نفسه مراعى فى أحواله إلّا أنّه مستظهر عليه بالتوكيل. وقرب من القوم حتى لم يبق بين الفريقين إلّا منزل واحد بإزاء العلث وجد فى أمر الحرب فحضره وجوه العرب واختلفت آراؤهم فقوم دعوه إلى الصلح وصلة الأرحام وقوم حضّوه على المضىّ والإقدام. وكان فى القوم غريب ورافع ابنا محمد بن مقن فتنازعا القول عند المقلد وظهر من رافع حرص على الحرب وخالف غريب [١] . ذكر كلام سديد لغريب [٤٢٧] قال لرافع: - «ما قولك هذا بقول ناصح أمين ولا ناصر معين. فإن كنت فى هذا الرأى عليه فقد أخفرت الأمانة وأظهرت الخيانة وإن كنت معه فقد سعيت فى تفريق الكلمة وهلاك العشيرة وإطماع السلطان.» والمقلد ممسك لا يتنفس [٢] فدخل عليه داخل وقال له: - «أيّها الأمير هذه أختك رهيلة بنت المسيب- وكانت عند جعفر بن على بن مقن- قريبة منك تريد لقاءك.»

стр. 3399

فامتدت الأعين إليها فإذا هي فى هودج على بعد. فركب المقلد وسار حتى لحق بها وتحادثا طويلا ولا يعلم أحد ما جرى بينهما إلّا أنّه حكى فيما بعد أنّها قالت له: - «يا مقلد قد ركبت مركبا وضيعا وقطعت رحمك وعققت ابن أبيك. فراجع الأولى بك وخلّ عن الرجل واكفف هذه الفتنة ولا تكن سببا لهلاك العشيرة، ومع هذا فإننى أختك ونصيحتي لا حقة بك ومتى لم تقبل قولي فضحتك وفضحت نفسي بين هذا الخلق من العرب.» فلان فى يدها ووعدها بإطلاق علىّ وعاد فى وقته. فأمر بفكّ قيده وردّ عليه جميع ما كان أخذه منه وأضاف إليه مثله ورتّب له مخيّما جميلا ونقله إليه واستكتب له أبا الحسن ابن أبى الوزير وجعله عينا عليه متصرفا على أمره بين يديه. فأصبح الناس مسرورين بما تجدد من الصلح وزال من الخلف واجتمع المقلد مع على وتحالفا ومضى على [٤٢٨] عائدا إلى حلّته والمقلد سائرا إلى الأنبار لقصد أبى الحسن على بن مزيد ومقاتلته. فقد كان تظاهر بمعصية على حين قبض عليه المقلد وطرق أعمال سقى الفرات واجتذب شيئا منها. ولمّا انفصل على بن المسيب اجتمع إليه العرب وحملوه على مباينة المقلد فامتنع عليهم وقال: - «إن كان قد أساء فإنّه قد أحسن من بعد.» فما زالوا حتى غلبوه على رأيه وأصعد إلى الموصل مباينا واعتصم من كان معه من أصحاب مقلد بها بالقلعة فنازلها وفتحها واستولى على ما كان فيها. فطار الخبر إلى المقلد فكرّ راجعا واجتاز فى طريقه على حلّة الحسن وهو فيها فخرج إليه وشاهد من قوة عسكره ما خاف على أخيه منه فقال

стр. 3400

له: - «دعني أصلح ما بينك وبين أخيك وأضمّن لك العهد فيما تريد منه.» ورفق به حتى استوقفه وسار فى الوقت إلى علىّ من غير أن يعود إلى حلته فوصل إليه آخر النهار وقد جهد نفسه وفرسه وقال لعلى: - «إنّ الأعور قد أقبل بقضّه وقضيضه وأنت غافل.» ثم شاوره فأشار عليه أن يستميل كل من بالموصل من أهالى الجند الذين هم فى جملة المقلد ويضعهم على [توسط] [١] ما كان بينهم واستمالتهم فإن قبلوا وفارقوا المقلّد قاتله وإن امتنعوا وأقاموا معه صالحه ففعل ذلك. وكان المقلد قد قرب من الموصل وبات وهو متيقظ قد رتّب الطلائع فظفر بقوم قد وردوا بالملطفات إلى أصحابه فحملوهم إليه [٤٢٩] ووقف على ما معهم من الكتب فأصبح وقد عبّى [٢] عسكره وزحف إلى الموصل وأيس على والحسن من فساد جند المقلد عليه فخرج إليه ولاطفه [٣] ثم دخل البلد وعلى عن يمينه والحسن عن شماله. وناوش العرب بعضهم بعضا طلبا للفتنة فخرج الحسن حلا وأرهب قوما وحسم الفتنة وحصل جميع الناس بالموصل على صلح. ثم خوف علىّ من المقام فخرج هاربا فى الليل وتبعه الحسن وترددت الرسل بينهما وبين المقلد واستقرّ أن يكون دخول كل واحد منهما البلد عن غيبة الآخر وجرت الحال على ذلك إلى بقية سنة تسع وثمانين وثلاثمائة. وسار المقلد إلى الأنبار ممضيا [٤] لما كان عزم عليه من حرب على بن

стр. 3401

مزيد فدخل بلده واندفع على بن مزيد إلى الرصافة ولجأ إلى مهذّب الدولة فقام بأمره وتوسط ما بينه وبين المقلد حتى أصلحه وانصرف المقلد إلى دقوقا ففتحها. وعدل إلى تدبير أمر الحسن أخيه فإنّ عليّا مات فى أول سنة ٣٩٠ وقام الحسن فى الامارة مقامه. فجمع المقلد بنى خفاجة بحللهم وبيوتهم وأصعد بهم إلى نواحي برقعيد يظهر طلب بنى نمير ويبطن الحيلة على أخيه. وعرف الحسن خبره فخاف ومضى فى السرّ هاربا على طريق سنجار إلى العراق فأسرى خلفه طمعا فى اللحاق ففاته. وعاد المقلد إلى الموصل وأقام بها ثلاثة [٤٣٠] أيام وانحدر يقص آثاره فمضى الحسن إلى زاذان واعتصم بالعرب النفاضة وتمم المقلد إلى الأنبار وعادت خفاجة معه. فاتفق فى أمره ما سيأتي ذكره فى موضعه إن شاء الله. وفيها عاد الشريف أبو الحسن محمد بن عمر إلى بغداد نائبا عن بهاء الدولة. وفيها استكتب ولد أبى الحسن ابن حاجب النعمان للأمير أبى الفضل ابن القادر بالله رضى الله عنهما وجلس الأمير أبو الفضل وسنّه يومئذ خمس سنين فدخل إليه الناس وخدموه. ودخلت سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة وفيها هرب عبد الله بن جعفر المعروف بابن الوثاب من الاعتقال فى دار الخلافة شرح حاله وما انتهى إليه أمره بعد هربه هذا الرجل كان يقرب بالنسب إلى الطائع لله وكان مقيما فى داره. فلمّا

стр. 3402

قبض عليه وخلع من الأمر هرب هذا وتنقّل فى البلاد وصار بالبطيحة وأقام عند مهذّب الدولة فكاتبه القادر بالله رضوان الله عليه فى أمره [٤٣١] فأخرجه من بلده. ثم صار إلى المدائن منتقلا فانتهى إلى القادر بالله خبره فأنفذ من اعترضه وأخذه مقبوضا عليه وحبس فى بعض المطامير. فأمكنه فرصة فى الهرب من موضعه فهرب ومضى إلى كيلان [١] وادّعى أنّه هو الطائع لله وذكر لهم علامات عرفها بحكم أنسه بدار الخلافة فقبلوه وعظّموه وزوّجه محمد بن العبّاس أحد أمرائهم ابنته وشدّ منه وأقام له الدعوة فى بلده وأطاعه أهل نواح أخر وأدوا إليه العشر الذي جرت عادتهم بأدائه إلى من يتولى أمرهم فى دينهم. وورد من هؤلاء الجيل إلى بغداد قوم وصلوا إلى حضرة القادر بالله رضى الله عنه، فأوضحت لهم حقيقة الحال وكتب على أيديهم بإزالة الشبه فلم يقدح ذلك فيه لاستقرار قدمه واعتضاده بحميه. وكان أهل جيلان يرجعون إلى القاضي أبى القاسم بن كج [٢] فى أمور دينهم وفتاويهم فى أحكامهم وله وجاهة عندهم فكوتب من دار الخلافة ورسم له مكاتبتهم بما يزيل الشبهة عن قلوبهم فى أمر عبد الله بن جعفر. فكتب إليهم وصادف قوله قبولا منهم وتقدّموا إلى عبد الله بالانصراف عنهم فانصرف. وفيها أصعد أبو على ابن إسماعيل من البطيحة إلى حضرة بهاء الدولة فانصرف الشريف أبو الحسن محمد بن عمر من بغداد مستوحشا وعاد إلى البطيحة. [٤٣٢]

стр. 3403

ذكر الحال فى حصول أبى على ابن إسماعيل بواسط ناظرا وما جرى عليه أمر الشريف أبى الحسن ابن عمر معه قد تقدّم ذكر ما جرى عليه أمره فى استتاره ثم تنقّل من موضع إلى موضع حتى حصل بالبطيحة وعرض له مرض حدث به منه استرخاء فى مفاصله وصار إلى قرية ابراهيم يطلب صحة الهواء بها. وراسل وروسل وكان بهاء الدولة جميل النية فيه وانضاف إلى ذلك قصور المواد عنه وخروج البلاد عن يده واحتياجه إلى من يدبّر أمره واستقرّ النظر لأبى على وأصعد إلى واسط. فلمّا حصل بها استوحش الشريف أبو الحسن ابن عمر وانصرف من بغداد إلى حلّة مقلّد ورتّب أبا الحسن ابن اسحق كاتبه فى ضياعه بسقى الفرات وتمم إلى البطيحة. وشرع أبو على ابن إسماعيل فى تتبع أسباب الشريف أبى الحسن وأخرج ثلاثة من المتصرفين لقبض أملاكه ومعاملاته وتحصيل أمواله وغلّاته. فنظروا فيما كان له ببغداد دون ما كان له بسقى الفرات. فإنّ المقلد دفعهم عنها ومكّن أبا الحسن ابن اسحق كاتب ابن عمر منها فكان يتناول ارتفاعها [٤٣٣] وبحمله إليه وهو بالبطيحة فلمّا انصلح ما بين الشريف أبى الحسن وبين أبى على ضمن منه المتصرفين الثلاثة بمال بذله عنهم وأطلق يده فيهم وكان ذلك لؤما منه فما المؤتمر بالظلم بأظلم من الآمر. ذكر السبب فى صلاح ما بين الشريف أبى الحسن محمد بن عمر وأبى على ابن إسماعيل كان أبو الحسن ابن يحيى السابسى سعى فى الصلح بينهما وانحدر إلى

стр. 3404

البطيحة وخلا بالشريف أبى الحسن ابن عمر وقال له: - «أيّها الرجل مالك والتطرح والتشبث كلّما تجدد ناظر ووزير مغرّرا بنعمتك ونعمنا فى معاداة من لا تصلح لموضعه ولا يصلح لموضعنا؟ وهذا أبو على مخايل سعادته لائحة فسالمه ودعني أتوثق لكل واحد منكما من صاحبه.» ولم يزل به حتى لانت عريكته للقبول. واتفق أنّ مهذّب الدولة تنكّر على أبى على ابن إسماعيل بسبب تمور كانت لابن الحداد صاحبه فاستقصى أبو على فى استقضاء ضريبتها بواسط فأطلق مهذّب الدولة لسانه فيه، ومهذّب الدولة يومئذ بحيث يحتاج إليه الملك ومن دونه. فانحدر أبو على إليه لاستلال سخيمته واستصلاح نيّته، وتقدّمه أبو الحسن ابن يحيى السابسى وقال للشريف أبى الحسن ابن عمر: - «قد ورد أبو [٤٣٤] على وأمكنت الفرصة فى إصلاح الحال.» وأشار عليه بتلقّيه وقضاء حقّه. فتلكأ قليلا ثم فعل ونزل فى زبزبه وصار إلى أبى على. فلمّا صعد إليه أكرمه وقام له وأجلسه إلى المخدتين وحضر أبو نصر سابور فجلس إلى جانب أبى على عن يمينه وسلم كل واحد منهما على صاحبه وسأله عن خبره ثم قام الشريف. وانحدر أبو على إلى مهذّب الدولة واجتمع معه واعتذر إليه وأخذ معه منه خمسة آلاف دينار على وجه القرض وخرج من عنده إلى داره التي كان نزلها قبل الإصعاد. وجاء أبو الحسن ابن يحيى إلى الشريف وألزمه العود إليه وقال له: - «تلك النوبة كانت للتلقّى وهذه للصلح وتقرير القاعدة.» فمضى إليه وتقرّر بينهما على أن التزم الشريف عشرين ألف دينار وحلف كل واحد منهما لصاحبه على الصفاء والوفاء.

стр. 3405

وكان الشريف أبو الحسن قد استوثق قبل ذلك من بهاء الدولة بيمين كتبها له بهاء الدولة بخطّه واستظهر بأخذ خط مهذّب الدولة فى آخرها يقول: - «إنّ الوفاء للشريف مقرون بالوفاء لى والغدر به معقود بالغدر بى، ومتى عدل به عن العهود المأخوذة فلا عهد لبهاء الدولة فى عنقي ولا طاعة علىّ.» والتفت أبو على إلى تقرير أمر أبى نصر سابور فواقفه على الإصعاد وآمنه من بهاء الدولة ومن كل ما يتخوفه وقرر أمر أبى غالب محمد بن على ابن خلف [٤٣٥] وغيره ممن كان قد بعد خوفا على خمسة آلاف دينار فحصل معه من هذه الوجوه ثلاثون ألف دينار. وعاد إلى واسط وفى صحبته الشريف أبو الحسن وأبو نصر سابور وجماعة من كان بالبطيحة من المتصرفين وسكنت الجماعة إلى صدق وعد أبى على وصحة عهده ولقّب بالموفّق. وأشار على بهاء الدولة بالمسير إلى خوزستان ومباشرة الخطب بنفسه وجدّ فى تجريد العساكر فخالفه أبو عبد الله العارض فى هذا الرأى وقال: - «إنّ الملوك لا تغرّر ولا تخاطر ولا تضمن لها العاقبة فى أمثال ذلك.» ذكر ما دبّره أبو على فى نصرة رأيه أرسل إلى الشريف أبى الحسن وقال: إنّى صائر إليك فى هذه العشية. وكانت فى شهر رمضان ثم صار إليه ومعه أبو العلاء الإسكافى خاله وأبو نصر سابور فأفطروا عنده ثم خلوا وخامسهم السابسى. فقال أبو على لأبى الحسن ابن عمر: - «قد علمت أيّها الشريف ما عليه أمر هذا الملك من الاختلال وقصور المادة به وخروج البلاد عن يده وإنّنا من هذه الحروب والمطاولة على خطر، ومتى لم يمدد أصحابنا- يعنى أبا محمد ابن مكرم والغلمان الذين معه

стр. 3406

-[٤٣٦] بالمال لم يثبتوا، وإن عادوا فقد سلموا الدولة وإذا أمددناهم ضاق الأمر بهذا الملك ولم يكن له بدّ من مدّ اليد إلى مالك ومال ابن عمك هذا- وأشار إلى أبى الحسن السابسى- ومال كل ذى ثروة، ولم يدفع عنكم ولا عنّا دافع وإن ساعدتنى على ما أشير به من مسير بهاء الدولة بنفسه كنّا بين أن يأتى الله بنصر، فقد بلغنا المراد أو يقضى الله بغير ذلك فقد أبلينا العذر وبذلنا الاجتهاد. وفى غد تستدعى إلى الدار وتشاور فيما قلته. فإن ضربته فقد استرحت منا ببعدنا عنك وعسى الله أن يأذن بالفرج وإن ملت إلى من يشير بخلاف هذا الرأى، فالحال تفضى والله إلى ما حسبته لك.» فقال الشريف: - «كل هذا صحيح إلّا أنّ المشورة القاطعة على الملوك بمثل ذلك لا تؤمن عواقبها ولكن سأتلطف فيما تريده.» فانقضى [١] المجلس. واستدعى الشريف فى صبيحة تلك الليلة إلى حضرة بهاء الدولة وجمع وجوه الأولياء وشوورت الجماعة فى خروج بهاء الدولة بنفسه فقال الشريف: - «إنّما جعل الله الملوك أعلى منّا يدا وأفضل تأييدا بما خصّهم [٢] من الرأى الصائب والنظر الثاقب وإذا كان الملك قد عزم على التوجه بنفسه، فالله تعالى يقرن ذلك بالخير [٣] والسعادة ويجعله سببا لنيل الإرادة.» فقال أبو على ابن إسماعيل: - «أيّها الملك فقد وافق الشريف رأيى ولم يبق إلّا إمضاء العزيمة

стр. 3407

وتقديمها.» وتفرّق الناس [٤٣٧] على ذلك. ذكر مسير بهاء الدولة من واسط إلى القنطرة البيضاء لمّا استقرّ الأمر على المسير بدأ أبو على بإخراج أبى الحسن محمد بن عمر وأبى نصر سابور وأبى نعيم الحسن بن الحسين إلى بغداد على أن يكون إلى أبى الحسين حفظ البلد وإلى أبى نصر ملاحظة الأمور وإلى أبى نعيم جمع المال وإقامة وجوه الأقساط. ثم جدّ فى تسيير بهاء الدولة وتحصيل ما يزجى به الأمر من الآلات والظهور حتى استعان ببغال الطحانين وسار على اختلال فى أهبته وإقلال من عدّته، حتى نزل الموضع المعروف بالقنطرة البيضاء. وثبت أبو على ابن أستاذ هرمز بإزائه وجرت بين الفريقين وقائع كثيرة وضاق ببهاء الدولة وبعسكره الميرة فاستمد من بدر بن حسنويه فامدّه بدر بما قام ببعض الأود وأشرف الأمر على الخطر. ووجد أعداء أبى على بن إسماعيل مجالا فى الطعن على رأيه بتعريض الملك وأوغر صدر بهاء الدولة عليه حتى كاد يبطش به. فتجدد من خروج ابني بختيار وقتل صمصام الدولة ما يأتى ذكره وجاء من الفرج ما لم يكن فى الحساب وانقلب الرأى الذي كان خطأ إلى الصواب [٤٣٨] ربّما تجزع النّفوس من الأم ... ر له فرجة كحلّ العقال فاجتمعت الكلمة على بهاء الدولة ودخل أبو على ابن أستاذ هرمز ومن

стр. 3408

معه من الديلم فى طاعته، وسيأتي شرح ذلك من بعد بمشيئة الله تعالى. وفيها جلس القادر باللَّه رضوان الله عليه للرسولين الواردين من أبى طالب رستم بن فخر الدولة وأبى النجم بدر بن حسنويه وكنّى أبا النجم بدرا، ولقّبه نصرة الدولة، وعهد لأبى طالب على الرىّ وأعمالها وعقد له لواء، وحمل إليه الخلع السلطانية الكاملة، وعهد لبدر على أعماله بالجبل وعقد له لواء، وحمل إليه الخلع الجميلة. وذلك بسؤال بهاء الدولة وكتّابه. فأمّا مجد الدولة فإنّه لبس الخلع وتلقّب، وأمّا بدر فإنّه كان سأل أن يلقّب بناصر الدولة. فلمّا عدل به عنه إلى نصرة الدولة توقف عن اللقب. ثم أجيب فيما بعد سؤاله فلقب بناصر الدين والدولة، فقبله وكتب وكوتب به. وفيها حدثت بفارس أمور كانت سببا لانتقاض ملك صمصام الدولة وقتله فى آخرها. شرح الحال فى الأمور التي أدّت إلى قتل صمصام الدولة قد تقدّم ذكر ما كان العلاء بن الحسن اعتمده بعد تلك النكبة التي صار بها [٤٣٩] موترا من السعى فى هلاك الدولة بإطماع الجند وإيجاب الزيادات التي تضيق المادة عن القيام بها. ثم مضى لسبيله وقد اضطربت أمور صمصام الدولة وطال تبسط الديلم عليه وقصرت موادّه عمّا يرضيهم به. فامتدت عيونهم إلى إقطاع السيدة والرضيع والحواشي. فبدأ الديلم الذين كانوا بفسا وطالبوا عاملها بما استحقّوه وألزموه مدّ اليد إلى الإقطاعات للمذكورين وإرضائهم بها. فأبى عليهم فثاروا وشغبوا وحملوه إلى باب شيراز على غضب وشغب. فلم يقدم أحد من أصحاب صمصام الدولة على الخروج إليهم وأقاموا ثلاثة أيام ثم قتلوا العامل وذكروا الحواشي بما أزعجهم، فبعدوا

стр. 3409

عن مواضعهم خوفا منهم. وخرج صمصام الدولة بنفسه إليهم فلقوه بالغلظة ولقيهم بالرفق واشتدوا عليه ولان لهم وأجابهم إلى ملتمساتهم وسكنوا وعادوا إلى مواضعهم بفسا [١] فاستولوا على إقطاعات الحواشي جميعها. ومضت على ذلك مدّة وزاد الأمر على صمصام الدولة فى انقطاع المواد عنه واجتماع الديلم عنده ومطالبتهم له، فضاق بهم ذرعا. ذكر رأى خطأ لم تحمد عواقبه [٤٤٠] أشار على صمصام الدولة نصحاؤه بعرض الديلم فى جميع الأعمال وإمضاء كل من كان صحيح النسب أصيلا وإسقاط كل من كان متشبها بالقوم دخيلا والاتساع بما ينحلّ من الإقطاعات عنهم بهذا السبب فعمل هذا القول فيه وعزم على العمل به وتقدّم إلى مدبرى أمره بذلك فقيل له: إنّ ديلم فسا يتميزون بكثرة العدد وشدة البطش ولا يقدر على عرضهم إلّا أبو جعفر أستاذ هرمز بن الحسن فإنّ له معرفة بالأنساب والأصول وهيبة فى العيون والقلوب. فاستقرّ الأمر على استدعائه من كرمان وإخراج أبى الفتح أحمد بن محمد بن المؤمل ليقوم مقامه بها ففعل ذلك وعاد أبو جعفر فأخرج إلى فسا. فلمّا حل بها وأظهر ما رسم له وبدأ بالعرض ومسير [٢] الصفاء من الأوباش. فما استتم العرض حتى سقط بها ستمائة وخمسين رجلا وفعل أبو الفتح ابن المؤمل مثل ذلك فأسقط نحو أربعمائة رجل. وحصل هؤلاء المسقوطون [٣] وهم أرباب أحوال وأولو قوة وبأس

стр. 3410

متشردين متلددين يطلبون موضعا يقصدونه ومنشرا [١] يصعدونه. واتفق أنّ ابني بختيار وهما أبو القاسم اسبام وأبو نصر شهفيروز قد خدعا الموكلين بهما فى القلعة، فساعدوهما وأفرجوا عنهما فجمعا إلى نفوسهما من لفيف الأكراد [٤٤١] من قوى به جانبهما واتصل خبرهما بمن [٢] أسقط من الديلم فصاروا إليهما فوجا بعد فوج. فلمّا استحكم أمرهما سارا لأخذ البلاد وصار أبو القاسم اسبام إلى أرّجان فملكها ودفع أصحاب صمصام الدولة عنها وتردد أبو نصر شهفيروز فى الأعمال مستمدا للأموال ومستميلا للرجال. وتحيّر صمصام الدولة فى أمره ولم يكن بحضرته من ينهض بالتدبير ليقضى الله أمرا سبق فى التقدير. وكان أبو جعفر أستاذ هرمز مقيما بفسا على ما تقدّم ذكره. فلمّا تجدد من ابني بختيار ما تجدد اجتمع إليه نسوة من نساء أكابر الديلم المقيمين بخوزستان عند أبى على ولده وكنّ يجرين مجرى الرجال فى قوة الحزم وأصالة الرأى والمشاركة فى التدبير. ذكر رأى سديد أشرن به على أبى جعفر فلم يقبله قلن له: - «أنت وولدك [٣] اليوم صاحبا هذه الدولة ومقدماها، وقد لاحت لنا أمور نحن مشفقات منها ومعك مال وسلاح، وإنّما يراد مثل ذلك للمدافعة عن النفس

стр. 3411

والجاه. فالصواب أن تفرّق ما معك على هؤلاء الديلم [٤٤٢] الذين هم عندك وتأخذهم وتمضى إلى شيراز وتسيّر صمصام الدولة إلى الأهواز وتخلصه من الخطر الذي قد أشرف عليه. فإنّك إذا فعلت ذلك أحييت الدولة وقضيت حق النعمة وتقربت الرجال إلى قلوب رجالنا المقيمين هناك. ومتى لم تقبل هذه المشورة وثب هؤلاء الديلم عليك ونهبوك وحملوك إلى ابني بختيار، فلا المال يبقى ولا النفس تسلم.» فشحّ أستاذ هرمز بما معه وغلب عليه حب المال فغطى على بصيرته حتى صار ما أخبر به حقا: فنهب داره واصطبله ونجا بنفسه واستتر فى البلد، فدلّ عليه وأخذ [١] وحمل إلى ابن بختيار ثم احتال لنفسه فخلص من يده. ذكر ما جرى عليه أمر صمصام الدولة بعد خروج ابني بختيار إلى أن قتل لمّا أظلّه من أبى نصر ابن بختيار ما لا قوام له به، أشار عليه خواصه ونصحاؤه بصعود القلعة التي على باب شيراز وقالوا له: - «إنّك إذا حصلت فيها تحصّنت بها، وكان لك من الميرة والمادة ما يكفيك الشهر والشهرين ولم تخل من أن ينحاز إليك من الديلم من يقوى به أمرك.» فعزم على ذلك وحاول الصعود [٤٤٣] إليها فلم يفتح له المقيم فيها، فازداد تحيرا فى أمره. فقال له الجند وكانوا ثلاثمائة رجل: - «نحن عدّة وفينا قوة ومنعة وينبغي أن تقعد أنت ووالدتك فى عمارية

стр. 3412

لنسير بك إلى الأهواز ونلحقك بأبى على ابن أستاذ هرمز وعسكرك المقيمين معه ومن اعترضنا فى طريقنا دافعنا برؤسنا عنك وبذلنا مهجتنا دونك.» فقال الرضيع: - «هذا أمر فيه غرر. والوجه أن نستدعى الأكراد ونتوثق منهم ونسير معهم.» فمال إلى هذا الرأى وراسل الأكراد واستدعاهم وتوثق منهم وخرج معهم بخزينته وجميع ذخائره فلمّا بعدوا عن البلد عطفوا عليه ونهبوا جميع ما صحبه وكادوا يأخذونه فهرب وصار إلى الدودمان على مرحلتين من شيراز. وعرف أبو نصر ابن بختيار خبر انفصاله فبادر إلى شيراز ونزل بدولت آباذ وطمع طاهر الدودمانى رئيس القرية فى صمصام الدولة واستظهر عليه إلى أن وافى أصحاب ابن بختيار فأخذوه وقتلوه وذلك فى ذى الحجة سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، وكانت مدة عمره خمسا وثلاثين سنة وسبعة أشهر. وما أقلّها من مدة وأسوأها من عاقبة أمر! فلقد كانت حلاوة دولته يسيرة ومرارة مصائبه فى ملكه ونفسه كثيرة، فما وفى شهده بصابه [٤٤٤] ولا عوافيه بأوصابه، ولم يكن له فى أيامه يوم زاهر ولا من ملكه نصيب وافر: وإنّ امرأ دنياه أكبر همّه ... لمستمسك منها بحبل غرور وقبض على والدته وعلى الرضيع وقوم من الحواشي. وجاءت امرأة من الدودمان تسمى فاطمة فغسلت جثته وكفنتها ودفنتها وأحضر رأسه فى طست بين يدي أبى نصر ابن بختيار. فلمّا رآه قال مشيرا إليه: - «هذه سنّة [سنّها] [١] أبوك.»

стр. 3413

وأمر برفعها. وأما والدته، فإنّها سلمت إلى لشكرستان كور فطالبها وعذّبها فلم تعطه درهما واحدا، فقتلها وبنى عليها دكة. وأما الرضيع، فإنّه قتل بعد ذلك وبعد أن صودر واستصفى ماله. ودخلت سنة تسع وثمانين وثلاثمائة دخول ابن أستاذ هرمز والديلم فى طاعة بهاء الدولة وفيها دخل أبو على ابن أستاذ هرمز والديلم فى طاعة بهاء الدولة واجتمعت الكلمة عليه وملك شيراز وكرمان فاستتبت أموره واستقامت أحواله واستقرت دولته واهتزت سعادته. شرح ما جرى عليه الحال فى ذلك [٤٤٥] قد تقدّم ذكر نزول بهاء الدولة بالقنطرة البيضاء. وتكرر الوقائع بين الفريقين وأقام بهاء الدولة شهرين وأكثر يطلب مناجرة الديلم وهم يقصدون مدافعته ومحاجزته وطال الأمر بينهم. وكان أبو على ابن إسماعيل الملقّب بالموفق، يباشر الحرب ويتولى التدبير وكان معه مناح صاحب محمد بن عباد مع مائة فارس من السادنجان. فرتّبهم فى الطلائع وأمرهم أن يقتصوا أمر كل من يخرج من السوس أو يدخلها فيأخذوه. وضاق الأمر بالديلم من هذا الحصار وببهاء الدولة من تعذّر الميرة وتطاول الأيّام، وأشرف على العود حتى إنّه لو تأخّر ما تقدّم من أمر ابني بختيار وقتل صمصام الدولة لانهزم بهاء الدولة.

стр. 3414

ذكر حيلة رتّبها أبو على ابن أستاذ هرمز برأيه فكشفها أبو على ابن إسماعيل بألمعيته ودهائه وكان بهاء الدولة وكلّ رجاله الفرس لأخذ من يوجد فى الجواد فظفروا برجل معه زنبيل دستنبوا [١] فحملوه إلى المعسكر وسئل عن أمره فقال: - «أنا عابر سبيل أتعيش بحمل هذا المشموم من موضع إلى موضع.» [٤٤٦] فهدد وخوّف حتى أقرّ بأنّه رسول الفرخان إلى الصاحب أبى على ابن أستاذ هرمز بملطف معه: - «إنّا سائرون من طريق عند قرب وصولنا فتصمد للقاء القوم.» [٢] فلمّا وقف بهاء الدولة على ذلك قلق قلقا شديدا وقال: - «كل من يطعن على رأى [أبى] على ابن إسماعيل ويعاديه.... [٣] وإن قصدنا من هذا الجانب فقد حصلنا فى أيدى القوم أسارى وأعوزنا الهرب وضاق بنا المذهب.» فتابع بهاء الدولة الرسل إلى أبى على ابن إسماعيل وكان فى الحرب يستدعيه فحين حضر أعلمه الحال وأعطاه الملطف فلما قرأه قال: - «هذا محال.» وخرج من بين يديه وأحضر الرجل المأخوذ وقال له: - «اصدقنى.» وعاصه بالجميل فلم يزده على القول الأوّل. فأمر بشده وعمد إليه بدبّوس

стр. 3415

فضربه بيده ضربا مفرطا فلمّا برّح به الضرب قال: - «خلونى أصدقكم: أنا رجل من أهل السوس استدعاني أبو على ابن أستاذ هرمز وسلم إلىّ هذا الملطف وقال لى: امض وتعرّض للوقوع فى أيدى أصحاب بهاء الدولة. فإذا وقعت وسئلت عن أمرك فقل: إنّى رسول الفرخان إلى الصاحب ومعى هذا الملطف. وأصرر على قولك وأصبر للمكروه إن أصابك، فإنّى أحسن إليك.» فعاد أبو على ابن إسماعيل إلى حضرة بهاء الدولة وأخبره بالصورة وأنّها منصوبة. [٤٤٧] فسكن قليلا وقال للحواشي: - «إنّ القول الأوّل هو الصحيح وإنّ الضرب والمكروه أحوجا الرجل إلى هذا القول الثاني.» ذكر حزم اعتمده أبو علىّ ابن إسماعيل فى تلك الحال رأى أنّ الأخذ بالحزم أصوب على كل حال، وأنفذ ابن مكرم وألفتكين الخادمى مع عدد من الأتراك إلى دستر وأمرهما بالنزول على الوادي للمنع حتى إن حضر من يحاول العبور دفعاه فسارا إلى حيث أمرهما وخيّما به وأقاما أيّاما ووافى خرشيد بن باكليجار [١] [و] الكوريكى فى عدة كثيرة من الديلم والرجّالة فتقدّم ابن مكرم وألفتكين إلى أصحابهما بقلع الخيم والتحمل. لأنّ عدّتهم كانت قليلة وساروا حتى غابوا عن مطرح النظر. ثم كمن ألفتكين الخادمى والغلمان فى بعض المكامن إلى أن عبر الديلم والرجالة وحصلوا معهم على أرض واحدة فحمل ألفتكين وصاح الغلمان وارتفع الغبار وظنّ

стр. 3416

القوم [أنّهم] [١] فى عدد كثير فتواقعوا فى الوادي منهزمين وقتل خرشيد والكوريكى وجماعة من أصحابهما. وكان ذلك فى اليوم الذي انصلح ما بين الديلم والسوس وبين بهاء الدولة ووقع التحالف ووصل من غد وقد اختلط الفريقان. وأمّا [٤٤٨] ما جرى عليه الأمر فى دخول الديلم فى طاعة بهاء الدولة، فإنّ أبا علىّ ابن إسماعيل كان قد اعتمد ما يعتمده من الرأى الأصيل وشرع فى استمالة قوم من العسكر إلى طاعة بهاء الدولة. وترددت بينه وبين شهرستان مراسلات بوساطة بهستون بن ذرير وقرّر الأمر فى اجتذابه وإمالته. ثم اتفق أنّ المعروف بمناح الكردي المرتّب فى الطائع ظفر بركابىّ ورد من شيراز فأخذه وأحضره عند أبى على ابن إسماعيل، فسأله عن حاله فأخبره بالخطب الحادث بشيراز وأخرج كتابا كان معه من بنى زيار إلى شهرستان يشرح ما جرت عليه الحال فى قتل صمصام الدولة. فلمّا وقف أبو علىّ ابن إسماعيل على الكتاب طالع بهاء الدولة مضمونه ثم أعاده على الركابى ليتمم إلى حيث بعث ثم قال أبو على لبهستون: - «إنّه لم يبق لشهرستان بعد اليوم عذر فإن كان على العهد فليقدم الدخول فى الطاعة.» فمضى بهستون إلى شهرستان وقرّر معه أن يتحيّز فى غد ذلك اليوم مع ثلاثمائة رجل من الجيل إلى بهاء الدولة وتفارقا على هذا الوعد. فأحسّ فناخسره بن أبى جعفر بما عزم عليه شهرستان فقصده وخلا به.

стр. 3417

ذكر كلام سديد لفناخسره بن أبى جعفر [٤٤٩] قال لشهرستان: - «قد بلغني ما أنت عازم عليه وحالي عند بهاء الدولة الحال التي لا تخفى ونيّته فى النّية التي تخالف وتحتمي، ومتى عجلت فى الانحياز إليه هلكت وهلك الديلم بأسرهم ويلزمك على كل حال صلاح أمرهم فأنظرنى ثلاثة أيّام لأسبر جرح هذه القصة بمراسلة بهاء الدولة، فإن رجوت لها برأ واندمالا اتفقت معك فى إمضاء العزيمة واجتماع الكلمة وإن تكن الأخرى أخذت لنفسي وتوجهت أنا وأهلى إلى بلدي ثم أفعل ما بدا لك.» فأجابه شهرستان إلى ذلك. وبكر أبو على ابن إسماعيل على رسمه إلى الحرب متوقعا من شهرستان إنجاز الوعد. فراسله بالعذر المتجدد فضاق أبو على بذلك ذرعا واعتقد أنّه كان سخرية ودفعا. فقال له بهستون: - «إنّ مصداق هذا القول يبين عند غسق الليل فإن جاء رسول فناخسره فقد صدق شهرستان ووفا، وإن تأخّر فقد كذّب وغدر والموعد قريب.» فلمّا جنّ الليل ورد رسول فناخسره برسالة يعتذر فيها من سابق الأفعال ويطلب الأمان على استئناف الخدمة فى مستقبل الحال فأجيب بما يسكن إليه ووثق به. ووصل فى أثناء ذلك كتاب ابن بختيار إلى أبى على ابن أستاذ هرمز يذكران فيه سكونهما إليه وتعويلهما عليه ويبسطان أمله كما يفعله مبتدئ بملك يروم إحكام قواعده وأركانه [٤٥٠] واستمالة اعضاده ويأمره أنّه يأخذ البيعة لهم على الديلم قبله والمقام على الحرب التي هو بصددها. فأشفق أبو على بما سلف له من الدخول إليهما ولم يثق بوفائهما بعد قتل

стр. 3418

أخويهما وحقيق بمن قتل للملوك شقيقا أن يكون على نفسه شفيقا. وبقي متلددا فى أمره مترددا فى فكره مجيلا للرأى فى صدره فرأى أنّ الدخول فى طاعة بهاء الدولة أصوب والتحيّز إليه أدنى من السلامة وأقرب. ذكر ما دبّره أبو على ابن أستاذ هرمز فى صلاح حاله مع بهاء الدولة جمع وجوه الديلم وشاورهم فيما ورد عليه من كتاب ابني بختيار فأجمعوا رأيهم على الاعتزاء إلى طاعتهما والثبات فى حرب بهاء الدولة على ما هم عليه فلم يوافقهم على رأيهم وقال: - «إنّ وراثة هذا الملك قد انتهت إلى بهاء الدولة ولم يبق من يجوز له منازعة بهاء الدولة فيه وإن نحن عدلنا عنه إلى من داره منّا نائية ونيّته عنّا جافية أضعنا الحزم، والصواب الدخول فى طاعة بهاء الدولة بعد التوثق منه.» فامتنعوا وقالوا: - «كيف نسلم نفوسنا للأتراك وبيننا وبينهم ما تعلم من الطوائل؟» فقال لهم: - «إذا كان هذا رأيكم فإنّى أسلّم [٤٥١] ما معى من المال والعدّة إليكم وأنصرف بنفسي عنكم وأنتم لشأنكم أبصر.» وتقوض المجلس، ثم وضع أكابرهم على ما يقولونه ويفعلونه. وكان قد أنفذ إلى أبى على ابن إسماعيل من يلتمس منه شرابا عتيقا للعلّة التي به. فقال أبو على ابن إسماعيل لبهاء الدولة: - «إنّه ما طلب منّا شرابا ولكنّه أراد أن يفتح لنا فى مراسلته بابا.» فأنفذ بهاء الدولة رسولا يقول:

стр. 3419

- «إنّه قد كنت أنت والديلم معذورين قبل اليوم فى محاربتى حين كانت المنازعة فى الملك بيني وبين أخى. فأمّا الآن فقد حصل ثأرى وثأركم فى أخى عند من سفك دمه واستحلّ محرمه. فلا عذر لكم فى القعود عنى فى المطالبة بالثأر واستخلاص الملك وغسل العار.» فكان من جواب أبى على ابن أستاذ هرمز [بعد] [١] السمع والطاعة لقوله أنّ الديلم مستوحشون والاجتهاد فى رياضتهم واقع وسأل فى إنفاذ أبى أحمد الطبيب لمعرفة قديمة كانت بينهما فأنفذ إليه. ذكر كلام سديد لأبى على ابن أستاذ هرمز لمّا حضر الطبيب عنده قال له: - «قد علمت اصطناع صمصام الدولة إيّاى [٤٥٢] وإحسانه إلىّ وما وسعنى إلّا الوفاء فى خدمته وبذل النفس فى مقابلة نعمته. وقد مضى لسبيله وصارت طاعة هذا الملك واجبة علىّ ونصيحته لازمة لى وهؤلاء الديلم قد استمرت بهم الوحشة والنفور واستحكمت بينهم وبين الأتراك الترات والذحول، وبلغهم أنّ الاقطاعات عنهم مأخوذة وإلى الأتراك مسلّمة، ومتى لم يظهر ما يزول به استشعارهم وتسكن إليه قلوبهم وبادرهم لم يصحب جنبهم.» فمضى الطبيب إلى بهاء الدولة بالرسالة وعاد بالجواب الجميل الذي تسكن إلى مثله وتردد من الخطاب ما انتهى آخره إلى حضور جماعة من وجوه الديلم إلى بهاء الدولة لاستماع لفظ بيمين بالغة فى التجاوز عن كل إساءة سالفة وأخذ أمان وعهد بزوال كلّ غلّ وحقد. فلمّا طابت نفوس هؤلاء

стр. 3420

بالتوثق كاتبوا أصحابهم المقيمين بالسوس بشرح الحال. وركب بهاء الدولة فى ثانى اليوم إلى باب السوس يتوقع دخول الكافّة فى السلم. فخرج الديلم فقاتلوا قتالا شديدا لم يعهد مثله معهم فيما تقدّم فضاق صدره وظنّ أنّ ذلك عن فساد عرض أو لأمر انتقض. فقال له الديلم: - «طب نفسا فالآن ظهر تسليمهم الأمر إليك فمن عادتهم أن يقاتلوا عند التسليم أشدّ قتال، لئلّا يقدّر أنّهم سلموا عن عجز أو ضعف.» وكان الأمر على ذلك [٤٥٣] لأنّهم استوثقوا فى اليوم الثالث بنسخة يمين نفذوها إلى بهاء الدولة، فحلف بها هو ووجوه الأتراك. والتمس الديلم لأبى على ابن إسماعيل أن يحلف لهم فامتنع وقال: - «هذه يمين يدخل فيه الملوك وجندهم، فأمّا الحواشي فهم بمعزل عنها.» فلم يقنعوا بذلك فألزمه بهاء الدولة الحلف فحلف. وجلس بهاء الدولة للعزاء بأخيه ثم ركب بالسواد، فتلقّاه الناس وخدموه وصار إليه أبو على ابن أستاذ هرمز واختلط العسكران. قتل الديلم نقيب نقبائهم ومن قبل ذلك بيوم أو يومين قتل الديلم أبا الفتح ابن الفرج نقيب نقبائهم. ذكر السبب فى ذلك وما كان من مكيدة أبى على ابن أستاذ هرمز فى أمره كان هذا الرجل مقدما فى العسكر فاستدعى أبو على ابن إسماعيل أخاه سهلان من بغداد وجعله وسيطا معه ليستميله. فلمّا استقرّ معه الدخول فى طاعة بهاء الدولة قال لهم أبو على ابن أستاذ هرمز:

стр. 3421

- «هذا أبو الفتح رجل شرير وهو خبير بأموركم وأسبابكم وأصولكم وأنسابكم. فان اجتمع مع أبى على أظهر له من أسراركم ما لم يطلع عليه ودلّه من أموركم على ما لا يهتدى [٤٥٤] إليه.» فقالوا: «سندبّر أمره.» ثم أجمعوا رأيهم على قتله فقتلوه. ولمّا اختلط العسكران سار بهاء الدولة إلى السوس ومعه أبو على ابن إسماعيل وحوله الديلم والأتراك. ذكر رأى طريف رآه أبو على ابن إسماعيل لا يعلم موجبه لمّا قرب بهاء الدولة من مضربه عدل أبو على إلى خيمته المختصة به ولم يتمم معه حتى ينزل على ما جرى به رسمه. ونزل بهاء الدولة وطلب الديلم أبا على فلم يجدوه وقالوا: - «من يكلّمنا.» وانتهى الخبر إلى بهاء الدولة فأرسل إلى أبى على يستدعيه فاحتجّ بعارض عرض له ولم يحضر فخرج بهاء الدولة بنفسه إليهم وكلّمهم حتى انصرفوا. وأظهر أبو على ابن إسماعيل الاستعفاء وأقام على أمر واحد فيه حتى وقعت الإجابة إليه وكتب له منشور بمعيشة التمسها، فأذن له فى العود إلى بغداد والمقام فى داره. وشاع هذا الخبر بين العسكر فركب وجوه الأتراك إلى مضرب بهاء الدولة فأخرج إليهم الحجّاب ليسألوهم عن حاجتهم، فطلبوا لقاء الملك فأخرج إليهم أبا عبد الله العارض ليستعلم منهم مرادهم. فما زادوه على القول الأوّل

стр. 3422

فأوصلهم. [٤٥٥] ذكر ما جرى بين الأتراك وبين بهاء الدولة من الخطاب لمّا دخلوا إلى حضرته وقفوا وقالوا: - «يا أيّها الملك قد خدمناك حتى بلغت مناك ولم تبق لك علينا حجّة ولا بك إلى مقامنا حاجة، وما فينا إلّا من نفذت نفقته ونقصت عدّته، ونسأل الأذن لنا فى العود إلى منازلنا لنصلح حالنا ومتى احتيج إلينا من بعد رجعنا.» فأنكر هذا القول منهم وسألهم عن سببه فراجعوه وراجعهم حتى قالوا: - «هذا وزيرك الموفّق الذي عادت الدولة إليك على يده واستقامت أحوالنا بيمن نقيبته قد صرفته وما لنا من يشهد بمقاماتنا المحمودة عندك سواه، ولا نجد فى الوساطة بيننا وبينك من يجرى مجراه، وليس من السياسة صرف مثله ولا قبول قول من يشير عليك ببعده.» قال بهاء الدولة: - «ومن يريد ذلك؟» قالوا: «الذي كتب له المنشور عنك وهوّن خطبه عندك.» - اشارة الى أبى عبد الله العارض. قال: «معاذ الله أن أقبل فيه قولا ولكنّه لجّ فوافقته وسأل فأجبته، والرأى ما رأيتموه من التمسك فكونوا الوسطاء معه فى تطبيب قلبه.» فانصرفوا عن حضرة [٤٥٦] بهاء الدولة إلى مخيّم أبى على ابن إسماعيل وقد عرف خبرهم فحجّهم فراجعوه حتى أوصلهم. فلمّا دخلوا عليه عاتبهم على ما كان من خطابهم فى معناه وقال:

стр. 3423

- «ليس من حقّى عليكم أن تعترضوا علىّ بما لا أهواه.» فقالوا: «دع عنك هذا القول، فإنّ حراسة دولة صاحبنا التي بها ثباتنا وفيها حياتنا أولى من قضاء حقك فى موافقتك على غرضك.» وما زالوا به حتى ركب إلى مضرب بهاء الدولة فلقى منه ما أحبّه وعاد إلى عادته فى تدبير الأمور وتنفيذها. وأذن لجماعة من الأتراك فى العود إلى مدينة السلام وتوجّه [مع] [١] بهاء الدولة إلى الأهواز. ذكر ما دبّره أبو على ابن إسماعيل بالأهواز أول ما بدا بالنظر فيه أمر الاقطاعات وتقريرها بين الديلم والأتراك وعول فى ذلك على أبى على الرخجي الملقّب من بعد بمؤيد الدولة، واستقرّت المناصفة. ثم امتنع ديلم دستر عن الدخول فى هذا الحكم وكادت القاعدة تنتقض والاستقامة تضطرب والشرّ بين الفريقين يعود جذعا. فقام الرخجي فى التوسط بينهم مقاما محمودا على أن تكون أبواب المال فى قصبات البلاد مقرّة على من هي بيده وتكون المناصفة فيما عداها من الضياع [٤٥٧] والسواد. فتراضوا بذلك. وأفردت له خيمة كان يحضر فيها ومعه فناخسره بن أبى جعفر وألفتكين الخادمى ومن يتبعهما من وجوه الطائفتين، فتولى تقرير المناصفات وإخراج الاعتدادات وإشراك [٢] طائفة مع أخرى وكتب الاتفاقات فلم تمض [٣] أيّام قلائل حتى انتجز الأمر على المراد.

стр. 3424

وكان الفرخان قد فارق الأهواز ومضى إلى إيذج مستوحشا وأنفذ أبو محمد ابن مكرم إليه بما وثق به من الأمان فأمنه وعاد به. فلمّا ورد الفرّخان خلع عليه أبو على ابن إسماعيل واستخلفه مدة بين يديه ثم سيّره أمامه إلى بلاد سابور والسواحل. وأخرج شهرستان بن اللشكرى فى عدة كثيرة من العسكر مقدمة إلى أرّجان فصار إليها ودفع ابن بختيار عنها، فلحق بأخيه المقيم بشيراز. ذكر رأى أشار به أبو علىّ ابن إسماعيل على بهاء الدولة أشار عليه بأن يستدعى الأمير أبا منصور ولده ويرتّبه بالأهواز ويضمّ إليه أبا جعفر الحجاج وأن يسير بنفسه إلى فارس وإذا فتحها استدعى الأمير أبا منصور وأقامه فيها وانكفأ إلى الأهواز فجعلها للأمير أبى شجاع [٤٥٨] وقصد البصرة، فإذا ارتجعها جعلها للأمير أبى طاهر وعاد إلى بغداد فاستوطنها ودبّر أمر الموصل منها. فلم يعجب بهاء الدولة هذا الرأى وكان أبو على قبل أن يفاوض بهاء الدولة فى ذلك فاوض أبا الخطّاب حمزة بن ابراهيم فيه- وأبو الخطّاب يومئذ ينوب عنه بحضرة بهاء الدولة- فقال له أبو الخطّاب: - «أنا أعرف بأخلاق الملك وأغراضه. والصواب لك أن تدعه بالأهواز وتسير أنت والعسكر إلى فارس، فإذا فتحتها أقمت بها ورتّبت للنظر فى الأمور بحضرة بهاء الدولة من تأمنه وترتضيه. فإنّك إذا بعدت عنه حصلت من تلك البلاد فى مملكة واسعة وتصرّفت على اختيارك من غير معارضة مانعة. فإنّه متى سار معك كنت بين أن تستبدّ برأيك أو تخالفه فتوغر صدره عليك ولا تأمن ما يكون من بوادره إليك، وبين أن تصبر على معارضته لك

стр. 3425

فتجرع الغيظ منه بالاحتمال، أو تظهر من الاستعفاء ما يؤدى إلى فساد الحال.» فلم يقبل أبو على منه واستبد برأيه وعمل أبو الخطّاب بالأحوط لنفسه وانحرف عن أبى على ومال إلى مطابقة بهاء الدولة فيما ينفق عليه. قد استمررنا على النهج فى ذكر ما وجدناه فى التاريخ ونحن نرى أنّ أبا على أصاب فى رأيه ولا نرى حزما فيما أشار به أبو الخطّاب عليه من البعد عن حضرة ملك سريع [٤٥٩] التقلّب فى الأحوال، كثير القبول للأقوال إذا بنى معه أمر نقض، وإذا عقد معه عهد نكث. فإذا كان الباني مع حضوره يخاف انتقاض بنائه فكيف يثق ببنائه إذا غاب عن فنائه؟ وهل مجال الأعداء فى الطعن على الوزراء وهم مقيمون فى منصب عزّهم كمجالهم إذا خلت الحضرة منهم ببعدهم؟ كلّا إنّ لسان الغيبة يطول عند الغيبة مع البعد عن بساط المراقبة والهيبة، وكلّ مجر فى الخلاء يسر [١] . فما أخطأ أبو على فيما رآه، وما عليه ان خانه مقدور، فالقدر حتم والمرء معذور: غلام وغى تقحّمها فأبلى ... فخان بلاءه الزّمن الخؤون وكان على الفتى الإقدام فيها ... وليس عليه ما جنت الظّنون وأطرف من ذلك مشورة أبى الخطّاب عليه باستخلاف من يأمنه بالحضرة ليحفظ عنه وأين الأمين الذي يرعى العهد إذا لابس الحلّ والعقد؟ أليس أبو الخطّاب وكان نائبه وصنيعته جحد إحسانه وطلب مصلحة نفسه فتبرّأ منه وخانه؟

стр. 3426

وكذلك كل ذى ثقة إذا استحلى الدنيا [صار] [١] ظنينا وكل ذى مقة إذا حسد [٢] صار عدوا مبينا. وربّ أخ قد شاقّ فى الحسد أخاه، بل ربّما ولد عقّ فى طلب الرتبة أباه، ومثل ذلك موجود [٤٦٠] نشهده ونراه. وإنّما كان خطأ أبى على فى إفراط إعجابه وكثرة إدلاله وشكاسة أخلاقه ومنافسته لولى نعمته. فالملوك لا يشاكسون وأولياء النعمة لا [٣] ينافسون. ومع ذلك فلكل أجل كتاب، والصواب مع الشقاوة خطأ، والخطأ مع السعادة صواب: والنّاس من يلق خيرا قائلون له ... ما يشتهى ولأمّ المخطىء الهبل ونعود إلى سياقة الحديث. ولمّا استقرّ ما بين الديلم من المناصفات عوّل على أبى جعفر الحجّاج فى المقام بالأهواز، وسار بهاء الدولة وأبو على إلى الموفّق إلى رامهرمز، وتقدّم أبو على مع العسكر وصار إليه أبو جعفر أستاذ هرمز فى بعض الطريق هاربا من ابن بختيار. ذكر خلاص أبى جعفر أستاذ هرمز قد تقدّم ذكر حصوله فى قبضة ابن بختيار فقرّر أمره على ألف ألف درهم وأدّى أكثرها ثم حصل عند لشكرستان كور موكلا به مطالبا بالبقية فاحتال صاحب له طبرى فى الهرب به إلى دار أحد الجند ثم أحضر قوما من الأكراد

стр. 3427

وأخرجه إليهم فساروا به وألحقوه بأبى على ابن إسماعيل. [٤٦١] وطوى أبو على المنازل حتى نزل بباب شيراز. ذكر فتح شيراز لمّا نزل أبو على بظاهر البلد برز ابن بختيار فى جنده ورجالته وعسكر بإزائه ووقعت الحرب بينهما فتضعضع ابن بختيار فى اليوم الأول وصادف عساكر بهاء الدولة وغدر به كثير من الغلمان ودخلوا الباب ونهبوا بعضه ونادوا بشعار بهاء الدولة. وكان أبو أحمد الموسوي بشيراز على ما تقدّم ذكره فى مسيره من واسط إليها وظنّ أبو احمد أنّ أمرا قد تمّ فاستعجل وركب إلى المسجد الجامع وكان يوم الجمعة فأقام الخطبة لبهاء الدولة. ثم ثاب ابن بختيار وعسكره فخاف أبو أحمد واحتال لنفسه وقعد فى سلّة وحمل مغطّى حتى أخرج إلى معسكر أبى على ابن إسماعيل. وعادت الحرب فى اليوم الثالث بين الفريقين فلم يمض من النهار بعضه حتى استأمن الديلم إلى أبى على وهرب ابن بختيار ناجيا بنفسه وتبعه أخوه فى الهرب. فأمّا أحدهما وهو أبو نصر فإنّه لحق ببلاد الديلم، وأمّا الآخر فإنّه مضى إلى بدر بن حسنويه، ثم تنقّل من عنده إلى البطيحة، وملك أبو على البلد وكتب إلى بهاء الدولة بالفتح وإتمام المسير فسار إلى شيراز واستقرّ فى الدار بها. [٤٦٢] ذكر ما جرى عليه الأمر بعد هذا الفتح لمّا حصل بهاء الدولة بفارس أمر بنهب قرية الدودمان وحرقها وقتل كل من وجد بها من أهلها حتى استأصل شأفتهم.

стр. 3428

وكشف عن رمّة صمصام الدولة وجددت أكفانها وحملت [١] إلى التربة بشيراز فدفنت بها وأحسن إلى فاطمة الدودمانية خاصة وبرّها ووصلها. وذلك ثمرة فعلها الجميل. فإنّ المعروف شجرة مباركة أصلها زكىّ وعودها رطيب وورقها نضير، وما خاب من غرسها وسقاها ولا ندم من حفظها ورعاها. فاجتمع ديلم فارس جميعهم بشيراز وجرى الخوض فى أمر الإقطاعات وارتجاع ما يرتجع منها وإقرار ما يقرر، وترددت فى ذلك مناظرات. ذكر تقرير للإقطاعات [٢] وتوفير فى المصارفات تقرر أن تجعل أصول التقريرات مصارفة ثلاثمائة درهم بدينار وأن ينظر [٤٦٣] ما لكل رجل من الإيجاب الأصلي فيعطى به من الاقطاع الذي فى يده ما يكون ارتفاعه بقدره على هذا الصرف ويرتجع الباقي وان يبطل كل ما كان وقع به فى آخر أيّام صمصام الدولة. وجرى الأمر على ذلك فى معاملة الأواسط [٣] والأصاغر. فأمّا أكابر الديلم فإنّ أبا على ابن إسماعيل أعطاهم حتى ملأ عيونهم. وعرفوا مذهبه فى العجب والكبر فوضعوا له خدودهم وخدموه خدمة لا يستحقها الملوك فضلا عن الوزراء. فكانوا يقبّلون الأرض إذا بصروا به وإلى أن يصلوا إليه عدّة مرّات ويمشون بين يديه إذا ركب كما تمشى أصاغر الديلم. وزاد الأمر به فيما أعطاهم من الأموال وأعطوه من الطاعة والانقياد وكل زيادة تجاوزت حدّ الاستحقاق فهي نقصان، وكل عطية سلبت نفع الارتفاق

стр. 3429

فهي حرمان. وعوّل على أبى غالب محمد بن علىّ بن خلف فى الغيابة عنه وقدّمه واصطنعه، وفرّق العساكر فى النواحي، وأخرج أبا جعفر أستاذ هرمز إلى كرمان واليا عليها، وقبض على ألفتكين الخادمى. ذكر السبب فى القبض على ألفتكين [٤٦٤] كان أبو على ابن إسماعيل يرعى لفلح ما أسداه إليه من جميل فى استتاره ببغداد. فقدّمه ونوّه بذكره وثقل ذلك على ألفتكين وأضمر به استيحاشا منه. واتفق أنّ أبا علىّ فى بعض مواقفه بباب السوس قال لألفتكين: - «يا حاجب الحجّاب قد عزمت على [١] أن أمضى فى قطعة من الجيش إلى وراء السوس وأدخل أطراف البلد. فإنّ الديلم إذا عرفوا خبرنا اضطربوا وانصرف قوم منهم إلينا فتشوّشت تعبيتهم. فإذا بدت ذلك الفرصة وأمكنتك الحملة فاصنع ما أنت صانع.» وقرّر ذلك معه وترك أبو علىّ علامته بحالها ودار من وراء الديلم ومعه نجب من الغلمان غيرهم ودخل شوارع السوس فانفصل من العسكر الصمصامى شهرستان فى خمسمائة رجل وتلقّاهم واقتتلوا قتالا شديدا واضطرب مصافّ الديلم ولاحت الفرصة لألفتكين فى الحملة، فتوقف عنها غيظا من أبى على الموفّق لأنّه كره أن يتمّ أمر على يده. فنقم أبو على هذا الفعل عليه وأسرّه فى نفسه. وحصل على باب شيراز بإزاء ابن بختيار فظهر من ألفتكين من التقاعد قريب ممّا تقدّم. فلمّا تمّ أمر الفتح وورد بهاء الدولة واستقرت الأمور، عمل

стр. 3430

فى إبعاده. فندبه للخروج إلى بعض الكور وأمره بالتأهب وحمل إليه عشرين ألف درهم نفقة. فأحضرها [٤٦٥] النقيب وألفتكين شارب ثمل، فتكلّم بقبيح أعيد على الموفّق، فاغتاظ منه، وقال لبهاء الدولة: - «هذا الغلام كالعاصى علينا والصواب القبض عليه وإقامة الهيبة فى نفوس الغلمان به.» فأذن له فى ذلك فقبض عليه وحمله إلى القلعة. ذكر حيلة لطيفة كانت سببا لسلامة ألفتكين اجتمع الغلمان ليخاطبوا فى أمره. فانتدب أحد وجوههم لأبى علىّ وقال له: - «نحن عبيدك وأمرك نافذ فى صغيرنا وكبيرنا وما نطالبك بالإفراج عنه وقد أنكرت ما أنكرت منه. ولكنّا نسألك أن تهب لنا دمه وتعطينا يدك على حراسة نفسه.» فقال: «أمّا هذا فنعم.» وأخذوا يده على ذلك وتوثقوا منه. فلمّا عرض لأبى علىّ المسير فى طلب ابن بختيار حين عاد من بلاد الديلم إلى كرمان اجتمع إليه خواصه ونصحاؤه وقالوا: - «ليس من الرأى أن تخرج فى مثل هذا الوجه وتترك وراءك مثل هذا العدوّ.» وأشاروا إلى ألفتكين فقال: - «ما كنت لأبذل قولي فى أمر ثم أرجع عنه.»

стр. 3431

ذكر أغلاط لأبى علىّ ابن إسماعيل [٤٦٦] كانت سببا لفساد حاله أدلّ أبو على بعد فتح شيراز على بهاء الدولة إدلالا أفرط فيه وتجبّر تجبّرا لا توجبه السياسة ولا تقتضيه. واطرح ما يلزم فى خدمة الملوك من التقرب إليهم والتوفّر عليهم وسلك خلاف هذه الطريقة وخرج من حدّ المتابعة والموافقة إلى المنافقة والمضايقة. من غلطاته أنّ أحد النبهاء قال لبهاء الدولة فى مجلس أنسه على سبيل الدعابة: - «زينك الله يا مولانا فى عين الموفّق.» وبلغه ذاك، فطالبه بتسليمه إليه ودوفع عنه فلم يندفع، وأقام على الاستعفاء حتى سلم إليه فبالغ فى عقوبته. ومنها أنّه وقع بين غلمان داره وبين غلمان الخيول الخاصة ما يقع من أمثالهم بين أمثالهم عند اللعب بالصوالجة. فغلق بابه ومنع العسكر من لقائه ولم يقبل مشورة أحد من خواصه وراسل بهاء الدولة فقال للرسول: - «يا هذا، إنّ المخاطبة لى على غلمان دارى قبيح وإنّ التعصّب علىّ لأجل منابذة جرت بينه وبين غلمانه، أقبح وتسليمهم إليه ليشفى صدره منهم أقبح وأقبح، فارجع إليه بالمعاتبة اللطيفة، وعرّفه ما عليه فى هذه المراسلة الطريفة.» فمضت معه خطوب حتى أمسك. ومنها أنّ بهاء الدولة كان يجلس فى الجوسق [١] الذي فى دار الامارة بشيراز وهو مشرف على الميدان ويجتاز أبو على فيه [٤٦٧] راكبا وبين يديه

стр. 3432

أكابر الديلم مشاة فلا يرى أن يترجّل وبهاء الدولة يراه وينفطر غيظا منه. ومنها أنّه أنفذ إليه بعض خواصه فى ليلة نيروز يلتمس منه ثلاثة آلاف درهم فقال للرسول: - «لأىّ حاجة يريدها، للخبز أو للحم أم للشعير؟» فقال له الرسول: - «أيّها الوزير لا يحسن أن يكون جواب الرسالة غير حمل الدراهم.» فقال له: - «ما ههنا مال.» وخاف الرسول أن تجرى منافرة يكون هو سببها فحمل الدراهم من ماله وعرف بهاء الدولة ذلك من بعد. فانظر إلى عجب الزمان وتقلّب الأعيان: هذا أبو على هو الرجل الذي تكلّف واستدان وحمل إلى بهاء الدولة من بغداد ما امتنع من حمله ابن عمر وابن صالحان، فقربت من قلبه منزلته وعلت لديه درجته ورتبته، ثم ينتهى الأمر به إلى أن يطلب منه بهاء الدولة فى ليلة نيروز هذا القدر النزر مع اتساع حاله وتبذّخه على الديلم بعطائه ونواله فيمنعه. هل ذلك إلّا لحادث قد يغطّى على كل بصر وبصيرة؟ [١] فشتان بين ابتداء السعادة وانتهائها لقد أحسنت أيامه فى إقبالها وأساءت فى انفصالها والخبر المأثور مشهور: إذا أقبلت الدنيا على قوم كستهم محاسن غيرهم، وإذا ولّت عنهم سلبتهم محاسن أنفسهم. وكان أبو غالب ابن خلف فى خلال هذه المضايقات يحول إلى بهاء الدولة الدنانير الكثيرة فى الأوقات [٤٦٨] المتفرقة سرّا فتمهدت له بذلك حال

стр. 3433

راعاها، وكانت أكبر وسائله عنده. وتأكدت الوحشة بين بهاء الدولة وأبى علىّ وجرى أمره على ما يأتى من بعد ذكره بمشيئة الله تعالى. ذكر القبض على نقيب نقباء الديلم وفى هذه السنة قبض بكران بن بلفوارس على الحسين بن محمد بن مما نقيب نقباء الديلم ببغداد ثم أفرج عنه. ذكر الحال فى القبض عليه كان بكران مستنابا من قبل بهاء الدولة ببغداد على أمور الديلم. فاستوحش من ابن مما وسعى بينهما سعاة بالفساد. فقبض عليه بغير أمر من بهاء الدولة واعتقله فى داره ووكّل به كوشيار بن المرزبان مع جماعة من الديلم وضيّق عليه وقلّد أبا الحسين ابن راشد نقابة النقباء وأنزله فى دار ابن مما وقيل: إنّه همّ بالفتك به. فتوسط أبو الفتح منصور بن جعفر أمره وضمن عنه عشرين ألف دينار وأخذه إلى داره وأقام خطوطا وكفالات بالمبلغ. وعرف الشريف أبو الحسن ابن عمر ما أقدم عليه بكران فأنكره وأطلق لسانه فى بكران وفى ابن راشد بكل عظيمة، وكتب إلى بهاء الدولة وإلى أبى علىّ ابن إسماعيل بذلك. [٤٦٩] ذكر سياسة قامت بها الهيبة فى الإفراج عنه لمّا وصلت الكتب إلى أبى علىّ ابن إسماعيل امتعض الامتعاض الشديد وكتب إلى بكران بما أغلظ القول فيه، وإلى الشريف أبى الحسن بانتزاع ابن مما من يده وارتجاع الكفالات المأخوذة بالمال منه. وكتب إلى أحمد الفرّاش بملازمة بكران إلى أن يفرج عن الرجل.

стр. 3434

فامتثلت الجماعة مرسومه وأفرج عن ابن مما وردّت عليه الكفالات وانحدر إلى الأهواز وجدّد عهدا بالخدمة وعاد موفورا. واستدعى بكران وأنفذ شيرزيل أخوه إلى بغداد ليقوم مقامه وقبض على كوشيار وحلّ إقطاعه ووفيت السياسة حقّها فى ذلك. وفيها توجه الأمير أبو منصور ابن بهاء الدولة إلى الأهواز. وفيها استولى الأمير أبو القاسم محمود بن سبكتكين على أعمال خراسان بعد أن واقع عبد الملك بن نوح بن منصور ومن فى جملته من توزون وفائق وابن سمجور بظاهر مرو، وهزمهم وأقام الدعوة لأمير المؤمنين القادر بالله رضى الله عنه، على منابر تلك البلاد وكان آل [سامان] مستمرين على إقامتها للطائع لله. وورد كتاب أبى القاسم [٤٧٠] محمود إلى القادر بالله رضى الله عنه، يذكر الفتح على ما جرت به العادة فى أمثاله. انقضت سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، وبانقضاء أخبارها ختمنا هذا الكتاب، ومن الله تعالى نرجو أحسن التوفيق والهداية للصواب، وبه سبحانه نعود من شر القصد وخيبة المنقلب وآفة الإعجاب وهو حسبنا ونعم الوكيل آخر ما صنفه الوزير أبو شجاع رضى الله عنه وأرضاه، والحمد لله كثيرا.

стр. 3435

الملحق بذيل الروذراورى وهو الجزء الثامن من تاريخ أبى الحسين هلال بن المحسّن بن إبراهيم الصابي الكاتب (حوادث سنة ٣٨٩- ٣٩٣ هجرية)
следующие страницы →