← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

ذكر أغلاط لأبى علىّ ابن إسماعيل [٤٦٦] كانت سببا لفساد حاله أدلّ أبو على بعد فتح شيراز على بهاء الدولة إدلالا أفرط فيه وتجبّر تجبّرا لا توجبه السياسة ولا تقتضيه. واطرح ما يلزم فى خدمة الملوك من التقرب إليهم والتوفّر عليهم وسلك خلاف هذه الطريقة وخرج من حدّ المتابعة والموافقة إلى المنافقة والمضايقة. من غلطاته أنّ أحد النبهاء قال لبهاء الدولة فى مجلس أنسه على سبيل الدعابة: - «زينك الله يا مولانا فى عين الموفّق.» وبلغه ذاك، فطالبه بتسليمه إليه ودوفع عنه فلم يندفع، وأقام على الاستعفاء حتى سلم إليه فبالغ فى عقوبته. ومنها أنّه وقع بين غلمان داره وبين غلمان الخيول الخاصة ما يقع من أمثالهم بين أمثالهم عند اللعب بالصوالجة. فغلق بابه ومنع العسكر من لقائه ولم يقبل مشورة أحد من خواصه وراسل بهاء الدولة فقال للرسول: - «يا هذا، إنّ المخاطبة لى على غلمان دارى قبيح وإنّ التعصّب علىّ لأجل منابذة جرت بينه وبين غلمانه، أقبح وتسليمهم إليه ليشفى صدره منهم أقبح وأقبح، فارجع إليه بالمعاتبة اللطيفة، وعرّفه ما عليه فى هذه المراسلة الطريفة.» فمضت معه خطوب حتى أمسك. ومنها أنّ بهاء الدولة كان يجلس فى الجوسق [١] الذي فى دار الامارة بشيراز وهو مشرف على الميدان ويجتاز أبو على فيه [٤٦٧] راكبا وبين يديه

стр. 3432

أكابر الديلم مشاة فلا يرى أن يترجّل وبهاء الدولة يراه وينفطر غيظا منه. ومنها أنّه أنفذ إليه بعض خواصه فى ليلة نيروز يلتمس منه ثلاثة آلاف درهم فقال للرسول: - «لأىّ حاجة يريدها، للخبز أو للحم أم للشعير؟» فقال له الرسول: - «أيّها الوزير لا يحسن أن يكون جواب الرسالة غير حمل الدراهم.» فقال له: - «ما ههنا مال.» وخاف الرسول أن تجرى منافرة يكون هو سببها فحمل الدراهم من ماله وعرف بهاء الدولة ذلك من بعد. فانظر إلى عجب الزمان وتقلّب الأعيان: هذا أبو على هو الرجل الذي تكلّف واستدان وحمل إلى بهاء الدولة من بغداد ما امتنع من حمله ابن عمر وابن صالحان، فقربت من قلبه منزلته وعلت لديه درجته ورتبته، ثم ينتهى الأمر به إلى أن يطلب منه بهاء الدولة فى ليلة نيروز هذا القدر النزر مع اتساع حاله وتبذّخه على الديلم بعطائه ونواله فيمنعه. هل ذلك إلّا لحادث قد يغطّى على كل بصر وبصيرة؟ [١] فشتان بين ابتداء السعادة وانتهائها لقد أحسنت أيامه فى إقبالها وأساءت فى انفصالها والخبر المأثور مشهور: إذا أقبلت الدنيا على قوم كستهم محاسن غيرهم، وإذا ولّت عنهم سلبتهم محاسن أنفسهم. وكان أبو غالب ابن خلف فى خلال هذه المضايقات يحول إلى بهاء الدولة الدنانير الكثيرة فى الأوقات [٤٦٨] المتفرقة سرّا فتمهدت له بذلك حال

стр. 3433

راعاها، وكانت أكبر وسائله عنده. وتأكدت الوحشة بين بهاء الدولة وأبى علىّ وجرى أمره على ما يأتى من بعد ذكره بمشيئة الله تعالى. ذكر القبض على نقيب نقباء الديلم وفى هذه السنة قبض بكران بن بلفوارس على الحسين بن محمد بن مما نقيب نقباء الديلم ببغداد ثم أفرج عنه. ذكر الحال فى القبض عليه كان بكران مستنابا من قبل بهاء الدولة ببغداد على أمور الديلم. فاستوحش من ابن مما وسعى بينهما سعاة بالفساد. فقبض عليه بغير أمر من بهاء الدولة واعتقله فى داره ووكّل به كوشيار بن المرزبان مع جماعة من الديلم وضيّق عليه وقلّد أبا الحسين ابن راشد نقابة النقباء وأنزله فى دار ابن مما وقيل: إنّه همّ بالفتك به. فتوسط أبو الفتح منصور بن جعفر أمره وضمن عنه عشرين ألف دينار وأخذه إلى داره وأقام خطوطا وكفالات بالمبلغ. وعرف الشريف أبو الحسن ابن عمر ما أقدم عليه بكران فأنكره وأطلق لسانه فى بكران وفى ابن راشد بكل عظيمة، وكتب إلى بهاء الدولة وإلى أبى علىّ ابن إسماعيل بذلك. [٤٦٩] ذكر سياسة قامت بها الهيبة فى الإفراج عنه لمّا وصلت الكتب إلى أبى علىّ ابن إسماعيل امتعض الامتعاض الشديد وكتب إلى بكران بما أغلظ القول فيه، وإلى الشريف أبى الحسن بانتزاع ابن مما من يده وارتجاع الكفالات المأخوذة بالمال منه. وكتب إلى أحمد الفرّاش بملازمة بكران إلى أن يفرج عن الرجل.

стр. 3434

فامتثلت الجماعة مرسومه وأفرج عن ابن مما وردّت عليه الكفالات وانحدر إلى الأهواز وجدّد عهدا بالخدمة وعاد موفورا. واستدعى بكران وأنفذ شيرزيل أخوه إلى بغداد ليقوم مقامه وقبض على كوشيار وحلّ إقطاعه ووفيت السياسة حقّها فى ذلك. وفيها توجه الأمير أبو منصور ابن بهاء الدولة إلى الأهواز. وفيها استولى الأمير أبو القاسم محمود بن سبكتكين على أعمال خراسان بعد أن واقع عبد الملك بن نوح بن منصور ومن فى جملته من توزون وفائق وابن سمجور بظاهر مرو، وهزمهم وأقام الدعوة لأمير المؤمنين القادر بالله رضى الله عنه، على منابر تلك البلاد وكان آل [سامان] مستمرين على إقامتها للطائع لله. وورد كتاب أبى القاسم [٤٧٠] محمود إلى القادر بالله رضى الله عنه، يذكر الفتح على ما جرت به العادة فى أمثاله. انقضت سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، وبانقضاء أخبارها ختمنا هذا الكتاب، ومن الله تعالى نرجو أحسن التوفيق والهداية للصواب، وبه سبحانه نعود من شر القصد وخيبة المنقلب وآفة الإعجاب وهو حسبنا ونعم الوكيل آخر ما صنفه الوزير أبو شجاع رضى الله عنه وأرضاه، والحمد لله كثيرا.

стр. 3435

الملحق بذيل الروذراورى وهو الجزء الثامن من تاريخ أبى الحسين هلال بن المحسّن بن إبراهيم الصابي الكاتب (حوادث سنة ٣٨٩- ٣٩٣ هجرية)

стр. 3436

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شرح الحال فى قبض أبى شجاع بكران بن بلفوارس على أبى القاسم الحسين بن مما نقيب النقباء استوحش أبو شجاع بكران من أبى القاسم ابن مما وسعى بينهما سعاة بالفساد. فقبض عليه بغير أمر بهاء الدولة والموفق واعتقله وقيّده ووكّل به أبا العباس كوشيار بن المرزبان وجماعة من الديلم وضيّق عليه ومنع كل أحد من الوصول اليه. وقلّد أبا الحسين محمد بن راشد نقابة النقباء وأنزله فى دار أبى القاسم بسوق السلاح وتتبّع أسبابه وأصحابه وهمّ على ما قيل بالفتك به وطالبه بما يصححه ويقرره على نفسه. وتوسط أمره أبو الفتح منصور بن جعفر [١] وضمن عنه عشرين ألف دينار وأخذه الى داره. وعرف أبو الحسن محمد بن عمر ما جرى فأمسك إمساك لا راض ولا منكر. فلما قيل له: إن أبا الحسين بن راشد يتقلد موضعه قامت القيامة عليه غيظا منه وتذكرا لما كان عامله به، وأطلق لسانه فى أبى شجاع بكران وابن راشد بكلّ قول وكتب إلى الموفق بمثله، وجاءه ابن راشد فحجبه واجتهد فى استعطاف رأيه فلم يجد إلى ذلك سبيلا. ونفذت الكتب الى الموفق بالصورة فامتعض الامتعاض الشديد منها،

стр. 3437

وكاتب أبا شجاع بكران بما أغلظ له فيه، والشريف أبا الحسن بانتزاع أبى القاسم بن مما من يده وارتجاع الكفالات التي أخذهما منه بالمال الذي قرّره عليه. وكتب الى أبى العباس أحمد الفراش باعتناق هذا الأمر والمضىّ إلى أبى شجاع بكران وملازمته إلى أن يفرج عنه ويردّ عليه خطوط الكافلين به. وفعلت الجماعة ما رسم لها وأفرج عن أبى القاسم فى يوم الاثنين الرابع عشر من شهر ربيع الأول، وردت عليه الكفالات بالمال المذكور. ثم انحدر من بعد إلى الأهواز وجدد عهدا بخدمة بهاء الدولة والموفق. وأنفذ الموفق أبا الحرب شيرزيل بن أبى الفوارس إلى بغداد للقيام مقام أبى شجاع وبكران أخيه. فكان وروده يوم الخميس لسبع بقين من شهر ربيع الآخر، وردّ أبا القاسم ابن مما فكان وروده يوم الجمعة لسبع بقين من جمادى الأولى وقبض على أبى العباس كوشيار وأقطع إقطاعه وكان من أكبر الأسباب فيما جرى على أبى القاسم. وفى يوم الأحد لعشر بقين من شهر ربيع الأول برز الأمير أبو منصور بويه بن بهاء الدولة إلى المعسكر بالاتانين متوجها إلى الأهواز وسار فى يوم الجمعة بعده. ووجدت [٣] فى بعض التقاويم أنّه انقضّ فى يوم الأحد المذكور كوكب كبير ضحوة النهار. ذكر إحراق دار الحمولى وفى يوم الثلاثاء الرابع عشر من شهر ربيع الآخر أحرق العامة دار الحمولى، فمضت بأسرها ولم يبق فيها جدار قائم، واحترق ما كان فيها من حسبانات الدواوين.

стр. 3438

ذكر السبب فى ذلك كان أبو نصر سابور قد حاول وضع العشر على ما يعمل من الثياب الأبريسميات والقطنيات بمدينة السلام. فثار أهل العتابيين وباب الشأم من ذلك وقصدوا المسجد الجامع بالمدينة يوم الجمعة العاشر من الشهر ومنعوا الخطبة والصلاة وضجّوا واستغاثوا وباكروا الأسواق على مثل هذه الصورة. فلما كان فى يوم الثلاثاء صاروا إلى دار أبى نصر سابور بدرب الديزج، فمنعهم أحداث العلويين منها وخرجوا من درب الديزج الى دجلة وطلبوا من جرى رسمه بالكون فى دار الحمولى من الكتاب والمتصرفين. فهربوا من بين أيديهم وطوحوا النار فى الدار وأهمل إطفاؤها فاتت على جميعها. وورد أبو حرب شيرزيل ناظرا فى البلد على ما قدمنا ذكره فقبض على جماعة من القامة اتهموا بما جرى من الحريق وصلب أربعة أنفار على باب دار الحمولى، وذلك فى يوم الخميس الذي دخل فيه. واستقر الأمر على أخذ العشر من قيم الثياب الابريسميات خاصة، ونودى بذلك بالجانب الغربي فى يوم الأحد الرابع من جمادى الأولى وبالجانب الشرقي فى يوم الإثنين. وثبت هذا الرسم ورتّب فى جبابته ناظرون ومتولّون وأفرد له ديوان فى دار بالبركة، ووضعت الختوم على جميع ما يقطع من المناسج ويباع ويختم. واستمرت الحال على ذلك إلى آخر أيام عميد الجيوش أبى على ثم أسقطه وأزال رسمه على ما سنذكره [٤] فى موضعه. وفى يوم الجمعة لستّ بقين منه توفّى أبو القاسم ابن حبابة المحدث

стр. 3439

وصلّى عليه أبو حامد الإسفراينى بمسجد الشرقية [١] . وفى يوم الخميس للنصف من جمادى الأولى خلع على الشريف أبى الحسين محمد بن على بن الحسن المربنى من دار الخلافة ولقّب: نقيب النقباء. وفى يوم الإثنين الثاني من جمادى الآخرة توفّى أبو الحسين المتطبب تلميذ سنان [٢] . وفى رجب قلد أبو العلاء الحسين بن محمد الإسكافي الخزائن والاستعمال فيه. وفيه انحدر أبو شجاع بكران الى واسط. وفى يوم الخميس لاثنتي [٣] عشرة ليلة بقيت من شعبان توفّى أبو عبد الله أحمد بن محمد بن عبد الله العلوي بالكوفة. وفى يوم السبت الرابع من شهر رمضان توفّى أبو محمد حسان بن عمر الحريري الشاهد.

стр. 3440

مقتل محمد بن علىّ الحاجب وفى ليلة الجمعة مستهلّ شوال قتل أبو عبد الله محمد بن علىّ بن هدهد الحاجب الناظر فى المعونة. شرح الحال فى ذلك جرت بين ابن هدهد وبين أبى الحسن ابن رهزاذ الأحول نبوة لأمر سأله فيه وردّه عنه، وتزايد ما بينهما إلى أن بذل أبو الحسن فيه بذلا كثيرا. فقبض أبو نصر سابور عليه وسلّمه إليه واعتقل ابو الحسن فى داره. فلما كان فى ليلة يوم الجمعة كبسه العيارون وقتلوه واتهم ابن رهزاذ بأنه وضعهم على ذلك. فقبض عليهم وهم الشريف ابو الحسن محمد بن عمر بأن يقيده به. فسأله أبو القاسم ابن مما فى بابه وأخذه إلى داره وكتب إلى الموفق بما جرى ووقف الأمر على ما يعود من جوابه ثم أفرج عنه. وفى يوم الثلاثاء لخمس خلون منه قلّد أبو الحسن على ابن أبى علىّ المعونة بجانبي مدينة السلام وخلع عليه. وفى هذا الشهر [٥] قصد ابو الحسن على بن مزيد أبا الفواس قلج بدير العاقول، فانهزم من بين يديه ونهب البلد. وفى يوم الأحد لليلتين خلتا من ذى القعدة ضربت الدراهم التي سمّيت «الفتحية» . وفى يوم الإثنين العاشر منه ورد قاضى القضاة أبو الحسن عبد الجبار ابن أحمد وأبو الحسين على بن ميكال حاجين وتلقّاهما القضاة والفقهاء والشهود ووجوه الناس وأبو القاسم ابن مما وأصحاب الشريف أبى الحسن محمد بن عمر وابى نصر سابور وروعيا بالأنزال والملاطفات.

стр. 3441

مقتل أصحاب محمد بن عناز وفى ذى الحجّة قتل أصحاب أبى الفتح محمد بن عناز: زهمان بن هندي وأولاده دلف ومقداد وهندي. شرح الحال فى ذلك حدثني أبو المعمر ابراهيم بن الحسين البسامي قال: كان زهمان مستوليا على خانقين وما يجاورهما. فلما قتل المعلم عليا ابنه ضعف أمره ولان غمزه. وعاد أبو الفتح محمد بن عناز من حرب بنى عقيل بالموصل مع أبى جعفر الحجاج فقلّد حماية الدسكرة وجرت بينه وبينه مجاذبات ومنازعات والأيام تقوّى أبا الفتح وتضعف زهمان، وكان منه فى قصده ونهبه مع أبى على ابن إسماعيل على ما قدمنا ذكره. وانتهت الحال بينهما الى الصلح والموادعة والاختلاط والألفة وأرخى أبو الفتح من عنانه وأعطاه من نفسه كل ما تأكد به أنسه. فصار إليه هو وأولاده وتمكن منهم فقبض عليهم ونقلهم إلى قلعة البردان فاعتقلهم فيها وتفرق أصحابه وملك عليهم نواحيهم. ومضت على ذلك مدة فثار أولاد زهمان وكسروا قيودهم وحاولوا الفتك بالموكلين بهم والاستيلاء على القلعة. فصاح [٦] الموكلون واجتمع إليهم من عاونهم فقتلوا الثلاثة المذكورين من أولاد زهمان بحضرته وأخذوه فجعلوه فى بيت وسدّوا بابه وكانوا [يدخلون] [١] من كوّة فيه قرصة من شعير وقليل ماء، فبقى أيّاما ومات.

стр. 3442

وقد جرت عادة الشيعة فى الكرخ وباب الطاق بنصب القباب وتعليق الثياب وإظهار الزينة فى يوم الغدير وإشعال النار فى ليلته ونحر جمل فى صبيحته. فأرادت الطائفة الأخرى من السنّة أن تعمل لأنفسها وفى محالّها وأسواقها ما يكون بإزاء ذلك. فادّعت أنّ اليوم الثامن من يوم الغدير كان اليوم الذي حصل فيه النبي ﷺ ، وأبو بكر رضى الله عنه، فى الغار وعملت مثل ما تعمله الشيعة فى يوم الغدير. [١] وجعلت بإزاء يوم عاشوراء يوما بعده بثمانية أيام نسبته إلى مقتل مصعب بن الزبير وزارت قبره بمسكن كما يزار قبر الحسين بن على رضى الله عنهما، بالحائر. وكان ابتداء ما عمل من يوم الغدير [٢] فى يوم الجمعة لأربع بقين من ذى الحجة. وحج بالناس فى هذه السنة أبو الحارث محمد بن محمد بن عمر. وحج فيها الوزير أبو منصور محمد بن الحسن بن صالحان والشريف المرتضى أبو القاسم على بن الحسين الموسوي [٣] والرضى ابو الحسن أخوه، والوزير أبو على الحسن بن أبى الريّان حمد بن محمد. وفى هذه السنة حصل عمدة الدولة ابو اسحق ابراهيم ابن معز الدولة بالموصل واردا من مصر وكثر الارجاف له وبه وأقام مديدة ثم سار إلى الرّى وقصد أبرقويه وتلك الأعمال، وعاد بعد ذاك إلى مصر فكانت وفاته بها. وفيها وافى برد شديد مع غيم مطبق وريح مغرب متصلة، فهلك من [٧] النخل فى سواد مدينة السلام ألوف كثيرة وسلم ما سلم ضعيفا. فلم يرجع إلى جلاله وجملته إلّا بعد سنين.

стр. 3443

وفيها استولى الأمير أبو القاسم محمود بن سبكتكين على أعمال خراسان بعد أن واقع عبد الملك بن نوح بن منصور وتوزون وفائق [١] وابن سيمجور [٢] بظاهر مرو وهزمهم وأقام الدعوة لأمير المؤمنين القادر بالله أطال الله بقاءه وقد كان القائمون بالأمر من بنى سامان مستمرين على إقامتها للطائع لله، وورد من الأمير أبى القاسم محمود بهذا الذكر كتاب نسخته بعد التصدير الذي جرت العادة به فى مكاتبة الخلفاء: «بسم الله الرحمن الرحيم» - «أما بعد، فالحمد لله العلى مكانه الرفيع سلطانه الواحد الأحد الفرد الصمد العزيز القهار القوىّ الجبار الذي يكفل بإعلاء الحق ورفعه وإخزاء الباطل وقمعه، الحائق بشيع البغي والعدوان مكره اللاحق بفرق الطغيان، قهره وقسره الحاكم لأوليائه بالعلو والاقتدار، الحاتم على أعدائه بالثبور والتبار، المتفرد بجلاله أن يمانع المتعالي بكبريائه أن يدافع يمهل المغتر بأناته استدراجا ولا يمهل، ويملى المخدوع بحلمه احتجاجا ولا يغفل، بيده الخلق والأمر ومن عنده الفتح والنصر، فتبارك الله رب العالمين رب السموات والأرضين. والحمد لله الذي اصطفى محمدا ﵇ واختار له دين الإسلام، وفضّله على من تقدمه من

стр. 3444

الرسل، وأنار به مناهج الآيات والسبل، وأرسله إلى الخلق بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا، فهدى إلى القرآن والتوحيد ودلّ على الأمر الرشيد، وأهاب بالبرية إلى مستقيم الدين وأناف بهم [٨] على العلم اليقين. فصلوات الله عليهم أتمّ صلاة نماء، وأكملها بهاء صلاة، ترتقى إليه ﷻ فى أعلى الدرجات، وتحيى روحه فى السموات، وعلى آله أجمعين. - «والحمد لله الذي أنشأ سيدنا ومولانا أمير المؤمنين الإمام القادر بالله أطال الله بقاءه من ذلك السنخ الزكي والعرق النقي أحسن منشأ، وبوّأه من خلافته فى أرضه أكرم مبوأ، وجعل دولته عالية والأقدار لإرادته مؤاتية، فلا يخالف رايته عدوّ إلّا حان حينه وسخنت عينه، ولا يجيب [١] دعوته ولىّ إلّا كان قدحه فى القداح فائزا، وسعيه للنجاح حائزا، بذلك جرت عادة الله وسننه، ولن تجد لسنة الله تحويلا. - «وقد علم مولانا أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، حال الماضين من السامانية فما كانوا فيه من نفاذ الأمر وجمال الذكر وانتظام الأحوال واتساق الأعمال، بما كانوا يظهرونه من طاعة أمير المؤمنين ومبايعتهم، وينحلونه من موالاتهم ومشايعتهم. ولمّا مضى صالح سلفهم وبقي خلف خلفهم خلعوا ربقة الطاعة، وشقّوا مخالفة لمولانا [٢] أمير المؤمنين أطال بقاءه عصا [٣]

стр. 3445

الجماعة [١] ، وأخلوا منابر خراسان عن ذكره واسمه، وخالفوا فى إفاضة القول [٢] وحسم عادية الجور والخبل عالى أمره ورسمه، وعمّ البلاد والعباد فسادهم وبلاؤهم، ونهك الرعايا ظلمهم واعتداؤهم. - «ولم استجز مع ما جمع الله لى فى طاعة مولانا أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، من عدّة وعدّة، وشكّة وشوكة، وقوّة أقران وإمكان، وكثرة أنصار وأعوان، إلّا أدعوهم إلى حسن الطاعة، ولا أبذل فى إقامة الدعوة لمولانا أمير المؤمنين [٩] أطال الله بقاءه تمام الوسع والاستطاعة. فدعوت منصور بن نوح إليها وبعثته بجدّى واجتهادي عليها ولم يصغ إلى إعذار وتذكير ولم يلتفت إلى إنذار وتبصير، ونهض من بخارا بخيله ورجله وحشده. حفله يجمع على أهل الضلالة من أشياعه، ويحشر من فى البلاد من أتباعه. فكان من شؤم رأيه وسوء انحائه أن اصطلمه جنده فكحلوه، وبايعوا أخاه عبد الملك وملكوه. وجريت على عادتي مع هذا الأخير أوفد إليه مرّة بعد أخرى وثانية عقب أولى، من يدعوه إلى الرشاد ويبصره من التمسك بطاعة مولانا أمير المؤمنين أطال الله بقاءه سبل الرشاد. فلم يزده ذلك إلّا ما زاد أخاه استعصاء واستغواء، وتهوّرا فى الضلال واستشراء. - «فلما أيست من فيئه إلى واضح الجدد، ورجوعه الى

стр. 3446

الأحسن والأعود، ورأيته متتابعا فى عمايته ومتكسّعا [١] فى مهاوي غوايته، نهضت إليه بمن معى من أولياء مولانا أمير المؤمنين أدام الله علوّه وأنصار الدين فى جيوش يشرق بها الفضاء ويشفق من وقعها القضاء، تزحف فى الحديد زحفا وتخد الأرض جرفا ونسفا، إلى أن وردت مرو يوم الثلاثاء لثلاث بقين من جمادى الأولى وهو البلد الميمون الذي به ابتدأ إشاعة الدولة العباسية، وزالت البدعة الأموية على أحسن تعبية وأكمل عتاد، وأجمل هيئة، ووليت أمر الميمنة عبد مولانا أمير المؤمنين أخى نصر بن ناصر الدولة والدين فى عشرة آلاف رجل وثلاثين فيلا، وجعلت فى الميسرة من الموالي الناصرية اثنى عشر ألف فارس وأربعين فيلا، ووقفت فى القلب بقلب لا يتقلّب، وطاعة مولانا أمير المؤمنين [١٠] شعاره عن أضداده، وعزم لا ينتقض ودعوة أمير المؤمنين عتاده فى إصداره وإيراده، ومعى عشرون ألف فارس من سائف ورامح ودارع وتارس، وسبعون فيلا، وبرز عبد الملك بن نوح وعن يمينه ويساره بكتوزون أحد غواته وفائق رأس طغاته وعتاته، وابن سيمجور وغيرهم من مساعديه على ضلالته، مستعدين للكفاح مستلئمين فى شك السلاح، وتلاقت الصفوف [٢] بالصفوف، واصطلت السيوف بالسيوف، وتوقّدت الحرب واحتدّت واضطرمت نيرانها واشتدت، واختلط الضرب بالطعن، وكبا القرن بالقرن، ولم ير [٣]

стр. 3447

إلّا تهاوى الصوارم على حجب الجماجم وأوداق النبال، فى أحداق الكماة والابطال. وأهبّ الله ريح الظفر لأوليائه وكشفوا مقانب الأعداء وحملوا [١] فيهم الحتوف وأرووا من دمائهم السيوف، وانجلت المعركة عن ألفى قتيل من شجعانهم وأبطالهم، وألفى وخمسمائة أسير من مشهوري ذادة رجالهم وصناديدهم، واقتفى الأولياء أثار الفلّ من عباديدهم [٢] يقتلون ويأسرون ويسلبون ويغنمون، إلى أن ألقت الشمس يمينها وأبرزت ظلمة الليل جنينها، وعاد الأولياء إلى معسكرهم فى وفور من السلامة وتمام من النعمة، وقد ملئوا أيديهم من الغنيمة والنفائس الجمّة، ثم ما نضب منهم أحد ولم ينتقص لهم عدد. و [أكتب] كتابي هذا وقد فتح الله تعالى لمولانا أمير المؤمنين بلاد خراسان قاطبة، وجعل منابرها تذكر اسمه متباهية، وكلمة الحق به عالية والأهواء فى موالاته متهادية. - «وبعد فلم أجدّد رسما فى حلّ وعقد وإبرام ونقض، إلى أن يرد من عالى أمره ورسمه ما أبنى الأمر ببنائه، وأحتدى إلى حدائه بإرادة الله . فالحمد لله [١١] العزيز المنّان العظيم السلطان، الذي لا يضيع لمحسن عملا ولا يغفل عن مسيء وان أرخى له أجلا. ولا يعجزه متغلب بقوّته وحوله ولا يمتنع ممتنع عن سطوته وصوله. ولا يردّ بأسه عن القوم المجرمين رادّ، ولا يصدّ نقمته عن الظالمين صادّ، حمدا يمترى المزيد من إحسانه، ويقتضى الصنع الجديد من امتنانه. وإيّاه

стр. 3448

أسأل أن يهنئ مولانا أمير المؤمنين الإمام القادر بالله خير هذا الفتح الجليل خطره الواضح على وجه الزمان غرره. وان يواصل له الفتوح قربا وبعدا وغورا ونجدا وبرّا وبحرا وسهلا ووعرا، وأن يوفّقنى للقيام بشرائط خدمته والمناضلة عن بيضته، إنّه على ما يشاء قدير وبه جدير. فإن رأى سيدنا ومولانا أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، ان ينعم بالوقوف عليه وتصريف عبده بين أمره ونهيه فعل، إن شاء الله تعالى.» سنة تسعين وثلاثمائة أولها يوم الأربعاء والثالث عشر من كانون الأول سنة احدى عشرة وثلاثمائة وألف للإسكندر، وروز آسمان [١] من ماه آذر [٢] سنة ثمان وستّين وثلاثمائة ليزدجرد. فى يوم الإثنين السادس من المحرم توفى أبو الحسين على بن المؤمّل بن ميمان كاتب ديوان السواد. وفى يوم الجمعة لعشر خلون منه توفّى أبو بكر أحمد بن على السمسار المعروف بأبى شيخ البزاز. وفى يوم الخميس لسبع بقين منه توفّى القاضي أبو بكر أحمد بن محمد بن أبى موسى الهاشمي. احتراق أرسلان البستى وفى هذا الشهر احترق ارسلان البستى وذاك أنّه كان نائما فى خركاه له

стр. 3449

وبه نقرس مزمن قد منعه الحركة والقدرة على النهضة وفرّاشوه وغلمانه بعيدون منه فسقطت شرارة من شمعة كانت فى الخركاه على فراشه فأحرقته وانتبه ولا فضل [١٢] فيه للقيام من موضعه والنجاة بنفسه فصاح صياحا حجز الليل ونوم الغلمان [١] عن سماعه، وعملت النار فى الفراش والخركاه. فما عرف الخبر إلّا بعد احتراقه وهلاكه. وفيه خرج الموفّق أبو علىّ إلى جبل جيلويه فى طلب أبى نصر ابن بختيار وانتهى إلى أبرقويه وعاد فى صفر. وفى هذه الخرجة لقّب بعمدة الملك، مضافا إلى الموفّق، وأذن له فى ضرب الطبل اوقات الصلوات الخمس، ولقّب أبو المغمر ولده بربيب النعمة. وفى صفر ورد الكتاب من شيراز بتقليب المشطب ابى طاهر سباشى بالسعيد، والإشراك بينه وبين المناصح أبى الهيجاء تختكين الجرجاني فى مراعاة أمور الأتراك فى مدينة السلام. وفى يوم [الخميس] السابع منه توفّى أبو منصور محمد بن أحمد بن الحوارى بالأهواز. وفى يوم الإثنين العاشر من شهر ربيع الأول توفّى أبو الحسن محمد بن عمر بن يحيى العلوي [٢] ودفن فى حجرة من داره بدرب منصور مدة، ثمّ نقل إلى المشهد بالكوفة، وحضر جنازته أبو نصر سابور بن أردشير وأبو حرب شيرزيل بن أبى الفوارس، والمناصح أبو الهيجاء تختكين الجرجاني وسائر طبقات الناس.

стр. 3450

ذكر ما جرى عليه الأمر فى تركته وضيعته لما توفّى انفذ أبو نصر سابور فحظر على ما فى داره وخزانته ووكل باصطبلاته وطلب كتّابه وجهابذته، فلم يجد أحدا منهم. لأنّ أبا الحسن على بن الحسن بن إسحق هرب وهرب الجهبذ معه واستتر الباقون من أصحابه. وأحضر أبا عبد الله البطحانى العلوي وطالبه بما عنده من وصيته وماله فامتنع من تسليم ذاك وأخلد فيه إلى الاعتلال والإنكار واعتقله اعتقالا جميلا. ونفذت الكتب إلى بهاء الدولة والموفق بما تجدّد وكتب أبو الحسن محمد بن الحسن ابن يحيى العلوي [١] وقد كان عاد من الأهواز الى واسط بعد الفتح فى أمر الورثة والتركة فعاد الجواب اليه بالإصعاد إلى بغداد والقيام بها مقام أبى الحسن محمد بن عمر. وتقرّر أمر التركة على خمسين ألف دينار تحمل إلى الخزانة. فحدّثنى أبو القاسم ابن المطلب قال: تقرر الأمر بفارس على خمسين ألف دينار صلحا عن التركة وأن يكون النصف من الأملاك للخاص والنصف للورثة. ثمّ أفرد قسط السلطان فحصل له به الثلثان لأنّه أخذ عيون الضياع وجمع موجود التركة فلم يف بالتقرير حتى تمم بأثمان أملاك بيعت من جملة ما حصل للورثة من الضياع على أبى على عمر بن محمد بن عمر وأبى عبد الله الحسين بن الحسن بن يحيى وأبى محمد علىّ وابن محمد بن الحسن بن يحيى وأبى على عمر بن محمد بن الحسن بن يحيى.

стр. 3451

وأصعد أبو الحسن بن يحيى إلى بغداد فكان دخوله إياها فى يوم الأربعاء الثاني من جمادى الأولى ومعه أبو على عمر بن محمد بن عمر وأبو الحسن ابن اسحق الكاتب وكان انحدر إلى واسط فلقيه فى الطريق وعاد فى صحبته وأطلق أبو عبد الله البطحانى وسلّم إليه وراعى أبو الحسن القسط السلطاني من المعمريات وتولّى (أبو) الحسن ابن إسحق النظر فيه. وارتفع فى هذه السنة وهي سنة تسع وثمانين وثلاثمائة الخراجية على ما ذكره أبو القاسم بن المطلب مع حق الورثة وسوى حقوق بيت المال بألفي كرّ ونيّف حنطة وشعيرا وأصنافا وتسعة عشر ألف دينار وكسر. وفى يوم الثلاثاء الثامن عشر من شهر ربيع الأول قبل القاضي أبو محمد ابن الأكفانى شهادة أبى القاسم [١٤] ابن المنذر وأبى الحسين بن الحرّانى وفى يوم الجمعة لليلتين بقيتا منه قبل شهادة أبى العلاء الواسطي. وفى ليلة يوم الثلاثاء لسبع بقين من شهر ربيع الآخر ولد الأمير أبو الفوارس ابن بهاء الدولة بشيراز والطالع كوكب من العقرب. وفى يوم الخميس لخمس بقين منه توفّى أبو عمر أحمد بن موسى العلاف الشاهد بالجانب الشرقي. وفى يوم الجمعة الثامن عشر من جمادى الأولى خلع على الموفّق أبى على بفارس بالقباء والفرجية والسيف والمنطقة والدستى المذهّب، وحمل على دابّة بمركب ذهب وقيّد بين يديه دابّة بمركب مذهّب وبغلة بجناغ نمور ومركب بقبل مذهب وثلاثة أفراس بجلال ديباج، وأعطى دواة محلّاة بالذهب، وحمل معه ترس من ذهب وسائر السلاح وخلع على أبى نصر كاتبه وثلاثة من حجّابه ودوّاتيه وأستاذ داره، وخرج لقتال أبى نصر ابن بختيار ومعه العساكر بعد أن استناب أبا غالب محمد بن خلف بشيراز على مراعاة الأمور وأبا الفضل الإسكافى بحضرة بهاء الدولة.

стр. 3452

شرح الحال فى عود ابن بختيار وما جرى عليه أمر الموفق فى قصده إيّاه وظفره به وأمر عسكر ابن بختيار بعد قتله لما انهزم أبو نصر بن بختيار من باب شيراز صار إلى الأكراد وانتقل إلى أطراف بلاد الديلم. وكاتب الديلم بفارس وكرمان لما استقرت به الدار هناك وكاتبوه واستدعوه واستجرّوه. فصار إلى أبرقويه واجتمعت معه طائفة كبيرة من ديلم وأتراك وزطّ وأكراد وتردّد [١٥] فى نواحي فارس وتنقل فى أطرافها وظهر أمره وشاع خبره وواصل مكاتبة الديلم ومراسلتهم واجتذابهم واستمالتهم. وخرج الموفق أبو علىّ فى طلبه إلى جبل جيلويه وانتهى فى اتّباعه إلى أبرقويه. وكان يهرب ويراوغ ويدافع ولا يواقف ومضى إلى السيرجان. فحدّثنى أبو عبد الله الفسوي قال: لمّا قصد ابن بختيار السيرجان لم يقبله الديلم الذين بها وكرهوا حصوله عندهم ومقامه بينهم. وكان أبو جعفر أستاذ هرمز بن الحسن بجيرفت فنبا بابن بختيار المقام بهذا المكان وسار إلى خانين والفرخان، وهما ناحيتان بين فارس وكرمان وفيهما خلق كثير من حملة السلاح وفى أكنافهما حلل الزطّ الذين هم أشد الرجالة الفارسيين شوكة وأكثرهم عدة، واستمال منهم طائفة كثيرة وأقبل الديلم وغيرهم إليه أرسالا من نواحي كورة درابجرد ومن سائر الأصقاع. وعمل أستاذ هرمز على قصده قبل استفحال أمره، فجمع عساكر كرمان وتوجه لطلبه، وسبقه ابن بختيار الى دشتير، والتقيا فى موضع يعرف بزيرل، من ظاهرها واستأمن إلى ابن بختيار كثير من الديلم الذين كانوا مع أستاذ هرمز، فانهزم أستاذ هرمز فى خواصه وأقاربه من القوهية وصار الى

стр. 3453

السيرجان. ومضى ابن بختيار إلى جيرفت ورتب العمال وجبى الأموال وأنفذ الى شقّ بمّ من استغوى له الجند الذين فيها ودعاهم إلى طاعته وملك أكثر كرمان واستولى عليها وانتشر أصحابه فيها يطرقون أعمالها ويستخرجون ارتفاعها وأستاذ هرمز بالسيرجان ينفذ السرايا إلى النواحي ويكبس أصحاب ابن بختيار [١٦] ويسلك سبيل الغيلة والمكيدة فى طلبهم والإيقاع بهم. ثم ورد عليه كتاب الموفق بأنّه سائر، ورسم له قصد بردشير وسبق ابن بختيار إليها. ففعل ذاك وحصل بباب بردشير وصعد من كان بها من ديلم ابن بختيار إلى قلعتها ومنعوا نفوسهم فيها وتوجه الموفّق إلى كرمان على طريق درابجرد. فلما وصل إلى فسا عسكر بظاهرها، وعرف ابو عبد الله الحسين بن محمد بن يوسف وهو عامل كورة درابجرد خروجه من شيراز فبادر لاستقباله وخدمته، فوافق وصوله إلى معسكره أن كان نائما، فما انتبه إلّا بصهيل الخيل وضجيج الأتباع والحشم فشاهد من كثرة حواشيه وضففه وسعة كراعه ورجله ما عظم فى نفسه وحمله حسده عليه على أن قبض عليه وعلى أصحابه وأخذه معه محمولا على جمل، بعد أن احتوى على جميع ماله. فكان إذا نزل فى المنزل أحضره وطالبه وضربه وعذّبه حتى تقدم فى بعض الأيام بأن يعلق بإحدى يديه فى بعض أعمدة الخيم وأن يحمل على الجمل معلّقا، وهو مع هذه المعاملة لا يستجيب إلى التزام درهم ولا يذعن بقليل ولا كثير، وكان أكثر ما انتهى به الموفق إليه لغيظه من تقاعده وتماتنه. فذكر أبو عبد الله أنّه عرف من بعض أصحابه- يعنى الموفق- انه قال: - «ما رأيت أشد نفسا من هذا الرجل فقد عذّب اليوم بكل نوع من العذاب وحلّ الساعة عن الشدّ والتعليق وهو جالس يسرح لحيته بيده وما عنده فكر فى كل ما لحقه.»

стр. 3454

وعرف ابن بختيار مسير الموفّق، فاستخلف الحسين بن مستر قرابة ملك ديلمان بجيرفت فى جماعة من رجاله وسار طالبا لبردشير وعاملا [١٧] على التحصن بها، إلى أن تلحق به أصحابه ببمّ ونرماسير، وقد كان كاتبهم واستدعاهم وهم جمرة قوية. فلما توسط الطريق إليها بلغه حصول أستاذ هرمز بها وصعود أصحابه إلى القلعة فعدل الى طريق بمّ ونرماسير وكاتب من بهما من عسكره بالمصير الى دار زين، وتمم هو إليها. فنزلها منتظرا لوصولهم اليه ورحل الموفق من فسا وطوى المنازل حتى أطلّ على جيرفت واستأمن إليه من بها من الديلم لأنّهم لم يجدوا مهربا ولا منصرفا وكانوا نحو أربع مائة رجل. فاستوقف عندهم أبا الفتح ابن المؤمّل وأبا الفضل محمد ابن القاسم بن سودمند العارض وقال لهم: - «قد أقمتهما عندكم ليعرضاكم ويقررا أموركم» . ووصاهما بأن يقتلاهم. فجمعاهم إلى بستان فى دار الإمارة على أن يعرضوا فيه من غد ذلك اليوم ثم جمعا الرجالة الكوج واستدعيا واحدا واحدا على سبيل العرض وقتلاه وكان هذا الفعل منهما ليلا. ثم خافا أن ينقضي الليل ويدرك الصباح قبل الفراغ فرموا بقيتهم فى بئر كرد كانت فى البستان وطرح التراب فوقهم. وعرف الموفق من جيرفت خبر ابن بختيار وأخذه طريق بمّ ونرماسير، فخلف أثقاله وسواده واتبعه فيمن خفّ ركابه وثبتت دوابّه وخاطر بنفسه وبالمملكة فى هذا الفعل منه. فحدثني أبو منصور مردوست بن بكران، وكان معه وإليه خزانة السلاح السلطانية التي فى صحبته وهو داخل فى ثقاته وخاصته قال: كلّت أجسامنا ودوابّنا من مواصلة السير وإغذاذه وترك الإراحة فى ليل أو نهار، ووصلنا

стр. 3455

إلى جيرفت وما نعرف لابن بختيار خبرا. وقعد الموفق وجمع [١٨] الوجوه من الديلم والأتراك واستشارهم. فكلّ أشار بالتوقف والتثبت وتجنب المخاطرة بالاقدام والتهجم فامتنع من قبول ذاك فأقام على أمره فى الإسراء وراء ابن بختيار واستدعى منجما كان صحبه من شيراز فقال له: - «أليس حكمت بأننى آخذ ابن بختيار وأظفر به فى يوم الاثنين الآتي» . قال: «نعم» . قال: «أين ذاك ونحن على هذه الصورة والرجل مستعجم الخبر وانما بقي من الأيّام خمسة أيام؟» فقال: «أنا مقيم على قولي فى حكمى، ومتى لم تظفر فى اليوم الذي ذكرته فدمى لك حلال، وإن ظفرت فأىّ شيء تعطيني؟» قال [أبو منصور] [١] : فتضاحكنا به وهزئنا منه وسار فكان الظفر فى اليوم الذي نصّ عليه. وحدثني أبو نصر السنّى كاتب الموفّق قال: لمّا عظم أمر ابن بختيار وملك كرمان واجتمع عليه الديلم قلق بهاء الدولة بذلك وطالب الموفق بالخروج لقصده وحربه وكان مخاطبا له على الاستعفاء وقال له: - «لو أجبتك [٢] إلى الاستعفاء لما حسن بك ان تتقبّله فى مثل هذا الوقت وقد علمت أنّنى لم أخرج من واسط إلّا برأيك ولا وصلت الى ما وصلت إليه من هذه الممالك إلّا برأيك واجتهادك. وإذا قعدت بى فى هذه الضغطة فقد أسلمتنى وضيّعت ما قدّمته فى خدمتي. ولكن تمضى فى هذا الوجه وتدفع عنّى هذا العدوّ وتجعل للاستعفاء والخطاب عليه وقتا آخر فيما بعد.»

стр. 3456

فلم يمكنه فى جواب هذا القول إلّا الطاعة والقبول، وخلع عليه وسار والديلم والأتراك يخرجون معه أرسالا بغير مطالبة ولا تجريد، حتى إنّه كان يردّ قوما منهم فيسألونه ويضرعون إليه فى استصحابهم. ولمّا حصل بفسا وجد بها جوامرد أبا ذرعانى معتقلا عند [١٩] أبى موسى خواجه بن سياهجنك، وهو إذ ذاك والى فسا. وقد كان جوامرد عند إفراج الموفق عنه بشيراز حصل فى جملة خمارتكين البهائي وفارقه وهرب إلى ابن بختيار عند وروده وحصل معه واختص به. ثم أنفذه إلى الغلمان بفسا ليتخبرهم له وأنفذ وندرين بن بلفضل هركامج إلى الديلم ووندرين ممن كان بفسا وهو وجه متقدم وأصحبهما رقاعا وخواتيم. فحدثني الحسين أبو عبد الله ابن الحسن قال: أنفذ ابن بختيار وندرين ابن بلفضل إلى الديلم بفسا لاستمالتهم وإفسادهم وموافقتهم على الانحياز إليه والنداء بشعاره. فوصل واستتر فى دار حبنة بن الاسبهسلار ولامج. وكان يحضر عنده طوائف الديلم سرا ويستجيبون له إلى ما يدعوهم إليه ويتسلمون الرقاع والخواتيم منه. وكان أبو الفضل أحمد بن محمد الفسوي فى الوقت متصرفا على باب دخول دار (كذا) خواجه بن سياهجنك (سباهجنك؟) لأنه كان والى الكورة. فحدثني غير واحد أنّ أبا الفضل كان يعشق خادمة فى دار حبنة الذي قدمنا ذكره وتواصله وتزوره فى أكثر الأوقات، فتأخرت عنه. لأنّ حبنة وكّلها بخدمة المستتر عنده. فراسلها أبو الفضل يعاتبها ويستبطئ عادتها فى زيارته. فحضرته فأخبرته بعذرها وكان عارفا بالديلم فاستوصفها الرجل فوصفته وعرفه وسألها أن تتلطف فى إدخاله الدار ليلا وخبئه ليشاهد من يجتمع به. ففعلت ذلك وحضر الدار سرا وشاهد وندرين وخرج من فوره إلى

стр. 3457

وندرش بن خواجه بن سياهجنك فقال له: - «عندي نصيحة تتعلق بالدولة وفيها لوالدك زيادة جاه ومنزلة. فان أحسن إلىّ وقرّبنى وجعلني من خواجائية الديلم وخلع علىّ وقدّمنى، أخبرته بها.» فحمله وندرش إلى خواجه [٢٠] أبيه حتى توثق منه فيما اشترطه لنفسه ثم حدّثه حديث وندرين. وكان الوقت ليلا فأشفق أبو موسى خواجه بن سياهجنك من تزايد الأمر وظهور الفساد وأنفذ وندرش وسياهجنك ابنيه وجماعة من خواصه إلى دار حبنة حتى كبسوها وقبضوا على وندرين وحملوه إليه فقتله. ووفى لأبي الفضل بما كان وعده وكان هذا ابتداء أمر أبى الفضل وتقدمه حتى انتهت به الحال الى ما سنورده فى موضعه. وعرف أبو موسى خبر جوامرد أبى ذرعانى، فقبض عليه واستأذن الموفق فى أمره، فرسم له اعتقاله. قال أبو نصر: فلمّا حصل الموفق بفسا أحضر جوامرد ليلا وقال له: - «قد سلمت اننى مننت عليك بنفسك أولا بشيراز وثانيا عند ما ظهر من إفسادك فى هذه الدفعة، والآن فإن كان فيك خير وعندك مقابلة لهذه الصنيعة [١] فعلت بك المنزلة العالية الرفيعة. قال له: - «فيما أمرتنى به وجدتني عند إيثارك ورضاك فيه.» قال: أفرج عنك سرّا وتمضى إلى ابن بختيار وتظهر له أنّك جئته هاربا

стр. 3458

وتتوصّل إلى أخذه أسيرا. فإذا أطلت عليك أو ألفتك به ان لم تتمكن من أخذه، تصير [١] إلىّ لألحقك منازل الأكابر من نظرائك.» قال: «أفعل» . وواقفه وعاهده وشرط عليه أن يقلّده حجبة حجاب الأمير أبى منصور وخلّاه ليلا، واشيع من غد بأنه هرب من الاعتقال، وصار جوامرد إلى ابن بختيار وعاود خدمته. وسار الموفق مجدّا مغذّا حتى أطلّ على جيرفت واستأمن إليه من بها من أصحاب ابن بختيار ودخلها ونزل بظاهرها واجتمع إليه أبو سعد فناخسره ابن باجعفر وأبو الخير شهرستان بن ذكى وأبو موسى خواجه بن سياهجنك وغيرهم من الوجوه وقالوا له: - «قد أسرفت أيّها الموفق فى هذا السير الذي سرته وحملت نفسك [٢١] فيه على ما لا تؤمن عاقبته وأنت فى فعلك بين حالين: إمّا أن تهجم هجوما ينعكس علينا فقد أهلكت نفسك ونعوذ بالله بيدك وأهلكتنا، وإمّا أن تظفر بهذا الرجل فقد زال به ما كانت الحاجة داعية إليك وإلينا فيه. ومتى أمن هذا الملك كان أمنه سببا للتدبير علينا وامتداد عينه إلى نعمنا وأحوالنا، وتركك الأمر على جملته ووقوفك فيه عند ما بلغته أولى وأصلح.» فقال لهم: - «قد صدقتم فى قولكم ونصحتم فى رأيكم، ولكنّى قد حملت هذا من قصد هذه البلاد على ما خالفت فيه كل أحد من نصحائه وأصحاب رأيه ولزمني بذلك وبحكم ما لبسته من نعمته أن أوفيه الحق فى مناصحته وأبذل له الوسع فى طلب عدوه. ولا بد أن تساعدونى وتحملوا على نفوسكم فى

стр. 3459

انجاز هذا النجاز معى» . فقالوا له: - «لم نقل ما قلناه لنخالف عليك أو نقعد عنك، وإنما أوردنا ما وقع لنا أنه خدمة لك وإذا لم ترد ذلك فنحن طوعك» . وقال أبو نصر: وبينما هو فى ذلك حضر من عرّفه أنّ ابن بختيار بدرفاذ وهي على ثمانية فراسخ من جيرفت. فاختار ثلاثمائة رجل من الوجوه وذوى القوة والعدة من الديلم والأتراك وأخذ معه الجمازات والبغال والدواب عليها الرجل الخفيف والسلاح الكثير ومن لا بد منه من الركابية والأتباع وترك السواد والأثقال والحواشي والحشم بجيرفت وسار. فلما وصل إلى درفاذ لم يجد بها ابن بختيار. وقيل: إنّه كان بها ومضى إلى سروستان كرمان. فمضى على طيته ووافى سروستان وقد سار ابن بختيار إلى دارزين فاضطر إلى اتباعه وخبره على صحته كالمستعجم عليه. وكان فى ذلك وقد تقدم بضبط الطرق وأخذ كل وارد وصادر إذ أحضر رجل رستاقى [١] معه كتابان [٢٢] لابن بختيار بخط ابن جمهور وزيره: أحدهما إلى أهل سروستان بأن يعدّوا الأنزال والميرة، فإنه على الانكفاء إليهم عند وصول عسكره من بمّ للتوجه إلى بردشير، والآخر إلى جانويه بن حكمويه أحد الدعاة بجبال جيرفت يقول فيه: - «بلغنا حصول ابن إسماعيل بالسيرجان وأنّه على المسير إلى جيرفت وينبغي أن تأخذ عليه المضيق الفلاني (لطريق بين جبلين لا بد من سلوكه إلى جيرفت ويمكن فيه الاعتراض على العساكر بالعدة القليلة ومنعها الاجتياز) .» قال أبو نصر:

стр. 3460

وسأل الموفق الرسول عن ابن بختيار وأين هو [١] ؟ قال: - «تركته بدارزين ينتظر وصول عسكره من بمّ ونرماسير.» فسرّ بما تحقق من خبره وسار من ليلته فيما بين العشاء والعتمة. فلما قطعنا فرسخين رأينا نارا تلوح فظننّا أن ابن بختيار قد عرف خبرنا وسار لتلقّينا وحربنا، وانزعجنا واضطربنا وبادر أبو دلف لشكرستان بن ذكىّ ونفر معه لتعرف الحال. فعادوا بعد ابعاد وذكروا أنهار نار صيادين وتثاقل الموفق فى سيره إلى أن قدّر أن يكون وصوله إلى دارزين عند الصبح. فلمّا قربنا تسرّع عسكرنا وبادر ابن بختيار فركب وجمع أصحابه وحمل على أحد الديلم رماه بزوبين أثبته فى جبهته ورمى مرداويج بن باكاليجار فجرح فرسه وصاح واشتلم وتراجع أصحابنا عنه، وتلاحقوا وصفّوا مصافّهم واجتمع أصحاب ابن بختيار ووقفوا يقاتلون ووصل الموفق- قال أبو نصر- فوقف على ظهر دابّته ومعه الصاحب أبو محمد ابن مكرم وأبو منصور مردوست وأنا وغلمان داره. فقال أبو محمد: - «انزل أيها الموفق واركب الفرس الفلاني» - لفرس كان من عدده. فقال: «إن نزلت لم آمن أن تضعف قلوب [٢٣] أصحابنا ويظنوا أنّ فعلى ذاك عن استظهار للهرب.» [قال] [٢] وتركنا وسار فى غلمان داره حتى خرج على ابن بختيار من ورائه وحمل وصاح غلمانه صياح الأتراك. فقدّر ابن بختيار أنّ الغلمان كثيرون، وارتفع الغبار وحمل أصحابنا من إزاء القوم فكانت الهزيمة. وركب ابن بختيار فرسا كان من عدده وسار طالبا للنجاة بنفسه ومعه جوامرد أبو

стр. 3461

ذرعانى. فأراد أن يعبر نهرا بين يديه واعتقله جوامرد وضربه بلتّ كان فى يده فسقط عن فرسه ونزل ليرفعه على الفرس ويحمله إلى الموفق فتكاثر عليه طلاب النهب وأخذوا فرسه وفرس جوامرد وسلاحه. فترك جوامرد ابن بختيار ومضى طالبا للموفق فلما لحقه قال: - «أنا فلان وقد قتلت ابن بختيار.» فاستهان بقوله ولم يصدقه وصار يقتص أثر ابن بختيار وعنده أنّه قدّامه وأنفذ مع جوامرد محمد بن أميرويه المجرى ليعرف حقيقة ما ذكره. وقد كان بعض الديلم عرف ابن بختيار فنزل إليه وشاله وأركبه دابة كانت تحته ليحمله إلى الموفق لأنه قال له: احملنى اليه. وبينما الديلمي فى ذلك اعترضه غلام تركي من غلمان قلج، فقال له: - «تريد ان تبقى على من حاربنا ولو ملكونا لما أبقوا علينا.» - وعنده أنّ ابن بختيار أحد الديلم. فقال له: - «يا بنىّ، هذا ابن بختيار وأريد أن أحمله إلى الموفّق» . فقال له: «تحمله أنت ويكون الأثر والجعالة التي جعلت لمن يحضره لك» . قال: «لا، ولكن نتشارك فى ذلك» . وتراضيا. وعرف قوم من الساسة والأتباع ما هما فيه، فقالوا: - «بل نحن أحق بحمله.» ووقعت المنازعة فيه وقوعا انتهى إلى قتله وحزّ رأسه وأن أخذه التركي وركب فرسه وحرك ولقيه محمد بن أميرويه وجوامرد أبو ذرعانى فعادا معه. فذكر أبو نصر أنّ ابن أميرويه بادر [٢٤] الى الموفق وقد حصل على فرسخ من دارزين وأعلمه الصورة. فانكفأ حينئذ عائدا وجلس على سطح

стр. 3462

دار وأحضر رأس ابن بختيار فطرح بين يديه. وصعد وجوه الديلم وهنّأوه [١] بالظفر ودعوا له وفى وجوههم الوجوم وفى قلوبهم الغم إلّا رزمان بن زريزاذ، فانه لمّا رأى الرأس رفسه برجله وقال للموفق: - «الحمد لله الذي بلّغك غرضك وأجرى قتله وأخذ الثأر منه على يدك وحقق رؤياى التي كنت ذكرتها لك.» قال أبو نصر: وقد كان رزمان قال للموفق فى بعض الأيّام بشيراز: - «رأيت البارحة فى المنام صمصام الدولة وهو يقول لى: امض الى الموفق فقل له حتى يأخذ بثأرى من ابن بختيار.» ثم نزل الموفق من السطح إلى خيمة لطيفة ضربت له وكتب إلى بهاء الدولة بالفتح كتابا بخط يده نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم» - «علقت هذه الأحرف غدوة يوم الإثنين لثلاث ليال بقين من جمادى الآخرة من الموضع المعروف بدارزين على خمسة فراسخ من بمّ وبين يدي رأس ابن بختيار وقد استولى القتل على أكثر من خمسمائة رجل من الديلم. وأما الرجّالة والزطّ فلم يقع عليهم إحصاء. بلّغ الله تعالى مولانا شاهانشاه فى جميع أموره وسائر أعداء دولته نهاية آماله وآمال خدمه وكتابي ينفذ بالشرح ليوقف عليه ويعظم الشكر للَّه عز اسمه على ما وفق له من هذا الفتح المبارك بمنّه. وقد استوهب البشارة جماعة من

стр. 3463

الأولياء المقيمين معى وذكرت ذلك لئلا يوهب شيء منها لغيرها إن شاء الله تعالى.» قال أبو نصر: وأمرنى بإحضار هميان من جملة همايين كانت على أوساط غلمانه الأتراك [٢٥] وفتحه وصبّ دنانير كانت فيه وقال: - «نادوا من جاء بديلمى فله كذا وبراجل كوجىّ أو زطّىّ فله نصف ذلك.» فكان يؤتى بالديلمى والراجل فيقتلان على بعد من موضعه ومرأى من عينه حتى قتل عدد كثير [١] . وحضره نيكور بن الداعي وولد للفاراضى وسألاه فى قريب لهما قد كان أخذ وحمل ليقتل. ولم يزالا يخضعان ويقبلان الأرض وهو يقول لهما: - «قد عرفتم إحسانى إليكم وما جعل لكم من الذنوب عند الملك بالتوفر عليكم وهؤلاء القوم طلبوا الملك وساعدوا الأعداء ولا يجوز الإبقاء عليهم والصفح عنهم.» فبينما الخطاب يجرى بينهما وبينه، إذ دخل نقيب لهما فقال: - «قد قتل الرجل،» فنهضا من مجلسه وقعدا للعزاء به وصار إليهما معزّيا. ما دار بين الموفّق وبرنجشير المنجّم وسألت أبا نصر عن المنجم الذي ذكر أبو منصور مردوست من حكمه ما ذكره فقال: «نعم. هذا رجل يكنى بأبى عبد الله ويعرف ببرنجشير، وكان يخدم

стр. 3464

صمصام الدولة. فلما قتل صار فى جملة رزمان بن زريزاذ بالصمصامية. وكان رزمان يحضر كثيرا بين يدي الموفق ويؤاكله ويشاربه وينادمه ويؤانسه. فجرى فى بعض الليالي عند حصولنا بفسا ذكر للنجوم والأحكام، فقال: - «معى منجم يدّعى من علم ذلك طرفا. فان رسم إحضاره أحضرته.» فقال له الموفق: - «هاته.» فاستدعاه. فلما رآه قبلته عينه وقلبه وسقاه، وقال له: - «ما عندك فيما قصدناه.» قال: «الظفر [١] لك يا مولانا، وأنت تملك وتقتل ابن بختيار فى اليوم الفلاني.» قال له الموفق: - «ان كنت تقول هذا زرقا لتجعله فألا محمودا قبلناه، وإن كان عن علم وعلى حكم من أين استدللت عليه؟» قال: «ما هو زرق، ولكنّه [٢٦] قول على أصل ومعى مولد ابن بختيار وعليه قطع فى اليوم الذي ذكرته لبلوغ درجة قسمة طالعه فى تربيع المريخ.» فقال له الموفق: - «إنّ صحّ حكمك خلعت عليك وأحسنت إليك واستخدمتك واختصصتك وإن بطل فبأى شيء تحكم على نفسك؟» قال: «بما حكمت.»

стр. 3465

[قال] [١] : «ولما حصلنا بجيرفت عاودت هذا المنجم الخطاب وقلت له: - «أنت مقيم على ذلك الحكم؟» قال: «نعم.» وكان قد جاءنا خبر ابن بختيار بأنّه بدرفاذ فقلت له: - «الرجل على منزل منّا ونحن سائرون إليه الليلة وقد بقي إلى اليوم الذي نصصت عليه خمسة أيام.» فقال: «أمّا ما حكمت به فأنا مقيم عليه، ولست أعلم ما بقي بينكم وبين ابن بختيار.» وكانت الوقعة وقتل ابن بختيار فى اليوم الذي ذكره. قال أبو عبد الله الفسوي: ودفن جسد ابن بختيار فى قبة بدارزين دفن فيها أبو طاهر سليمان بن محمد بن إلياس لما قتله زريزاذ عند عوده من خراسان لقتال كوركير بن جستان [٢] ومضى من كان مع ابن بختيار من الأتراك إلى خبيص وراسلوا الأتراك الذين مع الموفق حتى خاطبوه فى ايمانهم وقبولهم وأجابهم فوردوا واختلطوا بالعسكر. قال أبو نصر: وسار الموفق طالبا لبردشير وأبو جعفر أستاذ هرمز مقيم فيها على حصار من فى القلعة من أصحاب ابن بختيار. فلما وردها وعرف القوم هلاك ابن بختيار راسلوا الديلم الذين مع الموفق وسألوهم أخذ الأمان لهم ليفتحوا القلعة ويدخلوا فى الطاعة فخاطبوه على ذلك فقال: - «لا أمان لهم عندي إلّا على أن ينصرفوا بمرقعات ويخلوا عن أموالهم

стр. 3466

وأحوالهم.» فاستجابوا له إلى هذا الشرط. فكان الرجل ينزل هو وولده بمرقعات وكراريز [٢٧] ويركبون الطريق ووقع الاحتواء على ما فى القلعة من المال والثياب والرحل والدواب. قال أبو نصر: وأحضر إلى المعسكر ببردشير من لحقه الطلب وأسر من أصحاب ابن بختيار وفيهم بلفضل بن بويه فتقدم الموفق بأن ضربت له خيمة مفردة، ثم استدعى أبا دلف لشكرستان بن ذكى وأبا الفضل ابن سودمند [١] العارض والوقت عتمة فقال لهما: - «أمضيا إلى بلفضل ووبّخاه على مفارقته هذه الدولة وخدمته ابن بختيار وبالغا له فى القول والتعنيف.» وخرجا من بين يديه وبين أيديهما الفراشون بالشموع. وكانت الخيمة التي فيها أبو الفضل (كذا) ابن بويه قريبة من خيمته فنهض وقال لوندرش ابن خواجه بن سياهجنك وكان عنده: - «قم بنا لنسمع ما تقوله رسلنا لأبي الفضل وما يجيبهم به.» وقال لى: - «تعرف الطريق الذي يؤدى بنا إلى خيمته على الإصطبل؟» قلت: «نعم.» قال: «كن دليلنا.» ومنع الفراشين من اتباعه ومضى فى الظلمة وهو متكئ على يد وندرش وأنا بين يديه، حتى حصلنا من وراء الخيمة ووقفنا وهو قاعد بيني وبين وندرش فسمع أبادلف لشكرستان يعاتبه ويوبخه فقال له:

стр. 3467

- «يا أبادلف، دع هذا القول عنك فواللَّه ما بقي أحد من أكابر عسكركم وأصاغرهم إلّا وقد كاتب ابن بختيار واستدعاه وأطاعه ووالاه، حتى لو قلت إنّه ما تأخر عنه إلّا كتاب الملك والموفّق خاصّة لكنت صادقا.» وعاد الموفق إلى خيمته وعاد أبو دلف لشكرستان وأبو الفضل ابن سودمند [١] بعده ودخلا اليه فقال لشكرستان: - «يا مولانا قد اعتذر فيما كان منه وسأل اقالته العثرة فيه.» فقال له الموفق: - «وما الذي قاله [٢٨] لكما وحدّثكما به؟» فورّى لشكرستان ثم صدقه وقال: - «ما فى عسكرك إلّا من هو متهم وما يمكنك أن تأخذ الجماعة بما فعلوه ولا أن تظاهرهم بما استعملوه وطىّ هذا الحديث أولى فى السياسة.» وحمل بلفضل بن بويه والديلم المأسورون إلى شيراز عند عود الموفق. فأمّا بلفضل ونفر معه فإنّهم اعتقلوا إلى أن قبض على الموفق ثم أفرج عنهم. وأمّا الباقون فإنّ وجوه الديلم سألوا الموفق فيهم فخلّى سبيلهم. ونرجع إلى ذكر ما فعله الموفق بعد ذلك ببردشير. قال أبو نصر: ثم جمع الديلم الكرمانية من سائر النواحي وقال لهم: - «من أراد المقام فى هذه الدولة على أن يستأنف تقرير ديوانه ويوجب له ما يجوز إيجابه لمثله، فليقم على هذا الشرط وعلى أنّه لا ضيعة ولا إقطاع وإنّما هو عطاء وتسبيب ومن أراد الانصراف فالطريق بين يديه.» فاستقرّ الأمر معهم على أن يعرضوا وتحلّ الإقطاعات التي فى أيديهم

стр. 3468

وتستقبل التقريرات [١] معهم كما تستقبل بالعجم الذين يردّون من بلاد الديلم. وجلس لذلك ووجوه الديلم عن يمينه ووجوه الأتراك عن يساره والعرّاض والكتّاب والجرائد بين يديه. فكان يحضر الديلمي الذي له بكرمان السنون الكثيرة وفى يده الإقطاعات الكثيرة وأقلّ المقرّر له: خمسمائة ألف درهم، فيقبّل الأرض ويقف ويسأل عن اسمه واسم أبيه وعن بلده ثم يقرّر له التقرير القريب إلى أن حلّ الإقطاعات كلّها وردّ أصول التقريرات إلى بعضها وصرف الحشو وارتبط الصفو. ولما فرغ من ذلك صرف أبا جعفر أستاذ هرمز عن كرمان وأخذ حاله الظاهرة لأنه ينقم عليه [٢٩] قبضه على أبى محمد القاسم بن مهدر فروخ، لما كان مقيما معه بغير إذنه ولا أمره وقلّد أبا موسى خواجه بن سياهجنك الحرب وخلع عليه وحمله على فرس بمركب ذهب وعوّل على أبى محمد القاسم [٢] فى أمر الخراج وخلع عليه وأخذ خطه بتصحيح ثلاثة آلاف ألف درهم من النواحي فى مدة قريبة قررها معه. واتفق أن ورد عليه كتاب من أبى الفضل الإسكافى يخبره فيه ما غاظه من ذكر الحواشي له عند ورود كتابه بالفتح بالطعن عليه والقدح فيه. فما ملك نفسه عند وقوفه على ذلك، وتداخله من الامتعاض ما أقلقه وأزعجه. واستدعى أبا منصور مردوست وأنفذه إلى شيراز وقاد معه خيلا وبغالا وحمله رسالة الى بهاء الدولة يقول فيها: «قد خدمت الملك أولا وأخيرا ووفيته حقّ الصنيعة وحكم النصيحة ووجب أن ينجز لى ما وعدنيه من الإعفاء بعد الفتح، فإنّى لا أصلح لخدمة ولا عمل بعد اليوم.»

стр. 3469

وأظهر الانكفاء بعد إنفاذه أبا منصور مردوست، فاجتمع اليه وجوه الديلم الذين يسكن إليهم ويعول عليهم وعرّفوه غلط الرأى فى عوده قبل أن يرتب الأمور ويمهدها ويسددها ويهذبها وأشاروا عليه بالتوقف والتوفر على إصلاح الأعمال من جمع الأموال وإذا تكامل له ما يريده بعد مدة حمل إلى بهاء الدولة ما يرضيه به. وكان بين أن يقيم بموضعه ان طاب له المقام، فيه أو يسير إلى أصبهان ويأخذها وينتقل منها الى الجبل أو الى العراق. وحذّروه من الاجتماع مع بهاء الدولة والكون عنده وأعلموه أنه غير مأمون عليه مع خلو ذرعه وأمنه الأعداء. فلم يقبل [٣٠] منهم ما صدقوه فيه ونصحوه به وحمله فرط الإدلال على أن عاد إلى شيراز. وكان دخوله إياها فى يوم الأربعاء الثاني عشر من شعبان. فحدّثنى غير واحد أنّ بهاء الدولة خرج لاستقباله. فلمّا لقيه وخدمه ورجعا داخلين إلى البار، فارقه الموفق فى وسط الطريق وعدل إلى داره والعسكر بأسره معه فى موكبه وبقي الملك فى غلمان خيله وخدمه وخاصته وانّ ذلك شق على بهاء الدولة وبلغ كل مبلغ منه وتحدّث به الناس وأكثروا الخوض فيه، وامتنع بهاء الدولة بعد هذا الاستقبال من استقبال أحد من وزرائه. ونعود إلى ذكر الحوادث على سياقة الشهور وفى يوم الاثنين الرابع من رجب توفى أبو الحسن أحمد بن على بن شجاع الشاهد. وفى يوم الاثنين الحادي عشر منه توفّى أبو حفص عمر بن إبراهيم

стр. 3470

الكناني المقرئ [١] . خروج لدفع القرّاد وفى يوم الجمعة لثمان بقين منه توفى الأمير أبو سعد ابن بهاء الدولة ببغداد. وفى يوم السبت لسبع بقين منه خرج أبو الحسن على بن الحسن البغدادي وأبو طاهر يغما الكبير إلى بادوريا دافعين لأصحاب قرّاد بن اللديد عنها. ذكر السبب فى ذلك وما جرت عليه الحال فيه كان لأبى طاهر يغما إقطاع جليل ببادوريا وانضاف إليه أن يقلّد ولايتها ونازع قراد بن اللديد فيها وأبو الحسن رشا الخلدى إذ ذاك كاتبه والمدبر لاموره وفيه استقصاء فى المعاملة وغلظة ولجاج ومنافرة. فاستعمل الاستقصاء مع أبى طاهر يغما والمنافرة والغلظة مع أبى نصر سابور بن أردشير [٣١] فى أمور اعترض فيها وأوامر امتنع فيها وثقل على المقطعين والأكرة، وردما كان يؤخذ من مال الخفارة والحماية ورقا قيمة الدينار به مائة وخمسون درهما الى العين مصارفة عشرين درهما بدينار عتيق. فتضاعف التقرير وزاد التثقيل. وعملت لأبى نصر سابور الأعمال فى بادوريا وأطمع فى مال يحصل له منها: إمّا على الحرب أو على الصلح وأدت الحال إلى خروج يغما واليا للحرب وأبى الحسن البغدادي ناظرا فى استخراج الرسوم العربية، وأقاما مدة على ذلك. ووافى قراد ورشا فى
следующие страницы →