وأحوالهم.» فاستجابوا له إلى هذا الشرط. فكان الرجل ينزل هو وولده بمرقعات وكراريز [٢٧] ويركبون الطريق ووقع الاحتواء على ما فى القلعة من المال والثياب والرحل والدواب.
قال أبو نصر: وأحضر إلى المعسكر ببردشير من لحقه الطلب وأسر من أصحاب ابن بختيار وفيهم بلفضل بن بويه فتقدم الموفق بأن ضربت له خيمة مفردة، ثم استدعى أبا دلف لشكرستان بن ذكى وأبا الفضل ابن سودمند [١] العارض والوقت عتمة فقال لهما:
- «أمضيا إلى بلفضل ووبّخاه على مفارقته هذه الدولة وخدمته ابن بختيار وبالغا له فى القول والتعنيف.» وخرجا من بين يديه وبين أيديهما الفراشون بالشموع. وكانت الخيمة التي فيها أبو الفضل (كذا) ابن بويه قريبة من خيمته فنهض وقال لوندرش ابن خواجه بن سياهجنك وكان عنده:
- «قم بنا لنسمع ما تقوله رسلنا لأبي الفضل وما يجيبهم به.» وقال لى:
- «تعرف الطريق الذي يؤدى بنا إلى خيمته على الإصطبل؟» قلت: «نعم.» قال: «كن دليلنا.» ومنع الفراشين من اتباعه ومضى فى الظلمة وهو متكئ على يد وندرش وأنا بين يديه، حتى حصلنا من وراء الخيمة ووقفنا وهو قاعد بيني وبين وندرش فسمع أبادلف لشكرستان يعاتبه ويوبخه فقال له:
стр. 3467
- «يا أبادلف، دع هذا القول عنك فواللَّه ما بقي أحد من أكابر عسكركم وأصاغرهم إلّا وقد كاتب ابن بختيار واستدعاه وأطاعه ووالاه، حتى لو قلت إنّه ما تأخر عنه إلّا كتاب الملك والموفّق خاصّة لكنت صادقا.» وعاد الموفق إلى خيمته وعاد أبو دلف لشكرستان وأبو الفضل ابن سودمند [١] بعده ودخلا اليه فقال لشكرستان:
- «يا مولانا قد اعتذر فيما كان منه وسأل اقالته العثرة فيه.» فقال له الموفق:
- «وما الذي قاله [٢٨] لكما وحدّثكما به؟» فورّى لشكرستان ثم صدقه وقال:
- «ما فى عسكرك إلّا من هو متهم وما يمكنك أن تأخذ الجماعة بما فعلوه ولا أن تظاهرهم بما استعملوه وطىّ هذا الحديث أولى فى السياسة.» وحمل بلفضل بن بويه والديلم المأسورون إلى شيراز عند عود الموفق.
فأمّا بلفضل ونفر معه فإنّهم اعتقلوا إلى أن قبض على الموفق ثم أفرج عنهم.
وأمّا الباقون فإنّ وجوه الديلم سألوا الموفق فيهم فخلّى سبيلهم.
ونرجع إلى ذكر ما فعله الموفق بعد ذلك ببردشير.
قال أبو نصر:
ثم جمع الديلم الكرمانية من سائر النواحي وقال لهم:
- «من أراد المقام فى هذه الدولة على أن يستأنف تقرير ديوانه ويوجب له ما يجوز إيجابه لمثله، فليقم على هذا الشرط وعلى أنّه لا ضيعة ولا إقطاع وإنّما هو عطاء وتسبيب ومن أراد الانصراف فالطريق بين يديه.» فاستقرّ الأمر معهم على أن يعرضوا وتحلّ الإقطاعات التي فى أيديهم
стр. 3468
وتستقبل التقريرات [١] معهم كما تستقبل بالعجم الذين يردّون من بلاد الديلم.
وجلس لذلك ووجوه الديلم عن يمينه ووجوه الأتراك عن يساره والعرّاض والكتّاب والجرائد بين يديه. فكان يحضر الديلمي الذي له بكرمان السنون الكثيرة وفى يده الإقطاعات الكثيرة وأقلّ المقرّر له: خمسمائة ألف درهم، فيقبّل الأرض ويقف ويسأل عن اسمه واسم أبيه وعن بلده ثم يقرّر له التقرير القريب إلى أن حلّ الإقطاعات كلّها وردّ أصول التقريرات إلى بعضها وصرف الحشو وارتبط الصفو.
ولما فرغ من ذلك صرف أبا جعفر أستاذ هرمز عن كرمان وأخذ حاله الظاهرة لأنه ينقم عليه [٢٩] قبضه على أبى محمد القاسم بن مهدر فروخ، لما كان مقيما معه بغير إذنه ولا أمره وقلّد أبا موسى خواجه بن سياهجنك الحرب وخلع عليه وحمله على فرس بمركب ذهب وعوّل على أبى محمد القاسم [٢] فى أمر الخراج وخلع عليه وأخذ خطه بتصحيح ثلاثة آلاف ألف درهم من النواحي فى مدة قريبة قررها معه.
واتفق أن ورد عليه كتاب من أبى الفضل الإسكافى يخبره فيه ما غاظه من ذكر الحواشي له عند ورود كتابه بالفتح بالطعن عليه والقدح فيه. فما ملك نفسه عند وقوفه على ذلك، وتداخله من الامتعاض ما أقلقه وأزعجه.
واستدعى أبا منصور مردوست وأنفذه إلى شيراز وقاد معه خيلا وبغالا وحمله رسالة الى بهاء الدولة يقول فيها:
«قد خدمت الملك أولا وأخيرا ووفيته حقّ الصنيعة وحكم النصيحة ووجب أن ينجز لى ما وعدنيه من الإعفاء بعد الفتح، فإنّى لا أصلح لخدمة ولا عمل بعد اليوم.»
стр. 3469
وأظهر الانكفاء بعد إنفاذه أبا منصور مردوست، فاجتمع اليه وجوه الديلم الذين يسكن إليهم ويعول عليهم وعرّفوه غلط الرأى فى عوده قبل أن يرتب الأمور ويمهدها ويسددها ويهذبها وأشاروا عليه بالتوقف والتوفر على إصلاح الأعمال من جمع الأموال وإذا تكامل له ما يريده بعد مدة حمل إلى بهاء الدولة ما يرضيه به. وكان بين أن يقيم بموضعه ان طاب له المقام، فيه أو يسير إلى أصبهان ويأخذها وينتقل منها الى الجبل أو الى العراق. وحذّروه من الاجتماع مع بهاء الدولة والكون عنده وأعلموه أنه غير مأمون عليه مع خلو ذرعه وأمنه الأعداء. فلم يقبل [٣٠] منهم ما صدقوه فيه ونصحوه به وحمله فرط الإدلال على أن عاد إلى شيراز. وكان دخوله إياها فى يوم الأربعاء الثاني عشر من شعبان.
فحدّثنى غير واحد أنّ بهاء الدولة خرج لاستقباله. فلمّا لقيه وخدمه ورجعا داخلين إلى البار، فارقه الموفق فى وسط الطريق وعدل إلى داره والعسكر بأسره معه فى موكبه وبقي الملك فى غلمان خيله وخدمه وخاصته وانّ ذلك شق على بهاء الدولة وبلغ كل مبلغ منه وتحدّث به الناس وأكثروا الخوض فيه، وامتنع بهاء الدولة بعد هذا الاستقبال من استقبال أحد من وزرائه.
ونعود إلى ذكر الحوادث على سياقة الشهور
وفى يوم الاثنين الرابع من رجب توفى أبو الحسن أحمد بن على بن شجاع الشاهد.
وفى يوم الاثنين الحادي عشر منه توفّى أبو حفص عمر بن إبراهيم
стр. 3470
الكناني المقرئ [١] .
خروج لدفع القرّاد
وفى يوم الجمعة لثمان بقين منه توفى الأمير أبو سعد ابن بهاء الدولة ببغداد.
وفى يوم السبت لسبع بقين منه خرج أبو الحسن على بن الحسن البغدادي وأبو طاهر يغما الكبير إلى بادوريا دافعين لأصحاب قرّاد بن اللديد عنها.
ذكر السبب فى ذلك وما جرت عليه الحال فيه
كان لأبى طاهر يغما إقطاع جليل ببادوريا وانضاف إليه أن يقلّد ولايتها ونازع قراد بن اللديد فيها وأبو الحسن رشا الخلدى إذ ذاك كاتبه والمدبر لاموره وفيه استقصاء فى المعاملة وغلظة ولجاج ومنافرة. فاستعمل الاستقصاء مع أبى طاهر يغما والمنافرة والغلظة مع أبى نصر سابور بن أردشير [٣١] فى أمور اعترض فيها وأوامر امتنع فيها وثقل على المقطعين والأكرة، وردما كان يؤخذ من مال الخفارة والحماية ورقا قيمة الدينار به مائة وخمسون درهما الى العين مصارفة عشرين درهما بدينار عتيق.
فتضاعف التقرير وزاد التثقيل. وعملت لأبى نصر سابور الأعمال فى بادوريا وأطمع فى مال يحصل له منها: إمّا على الحرب أو على الصلح وأدت الحال إلى خروج يغما واليا للحرب وأبى الحسن البغدادي ناظرا فى استخراج الرسوم العربية، وأقاما مدة على ذلك. ووافى قراد ورشا فى
стр. 3471
جمع جمعاه ونزلا بالسندية ويغما وأبو الحسن البغدادي بالفارسية وبينهما أربعة فراسخ. وتطرق أصحاب قراد فقتلوا ثلاثة غلمان من الأتراك يقال لأحدهما: بايتكين الياروخى، وللآخر: الهاروني، وللثالث: المجدر، وصلبوا الهاروني ببيذ على شاطئ نهر عيسى.
فخرج أبو نصر سابور وأيوب حرب شيرزيل بن بلفوارس بالعسكر الى الفارسية وقرب قراد وأصحابه منها وتسرع سياهجنك ابن خواجة بن سياهجنك فى نفر من الديلم لمناوشة قوم من العرب. فاستجروه حتى فارق العسكر وحصل عند القرية المعروفة بالكلوذانية على رمية سهم من الفارسية.
ثم خرج من ورائه جماعة منهم قد كانوا تكمنوا فى ذرة قائمة هناك فأخذوه أسيرا. واضطرب الناس بذاك وكاتب أبو نصر سابور قلج- وكان ببغداد- بالخروج، فخرج فى عدّة من الغلمان والأكراد الذين برسمه، وسارت الجماعة إلى السندية وخيموا فى الجانب الشرقي بازائها ومضى قراد إلى حديثة الأنبار وهي على أربعة فراسخ منها. فما مضت أيام يسيرة حتى غضب قلج من شيء سأله فتوقف أبو نصر سابور [٣٢] عنه وخلع خيمه وخلع الغلمان خيمهم معه وعادوا واضطرّ أبو نصر سابور وأبو حرب شيرزيل والديلم إلى العود بعودهم وذلك فى شهر رمضان.
فأذكر وقد ورد علىّ كتاب أبى الحسن رشا يسألنى توسط أمره واستئذان أبى نصر سابور فى ورود صاحب له. فصرت اليه وأقرأته الكتاب فتباعد فى الجواب وقال:
- «اكتب اليه وقل له: والله لا قرّرت معك أمرا إلّا بعد أن أشفى منك صدرا» .» وخرجت من حضرته وتوقفت فى كتب الجواب ورد الرسول. فلم تمض ساعة حتى قلع قلج والغلمان ورحلوا فاستدعاني أبو نصر وقال:
стр. 3472
- «ما الذي أجبت به رشا؟» قلت: «ما قلته.» فقال: «وقد مضى رسوله.» قلت: «لا.» قال: «ارتجع الكتاب واكتب اليه: بأنّ وطأة الأولياء ثقلت على النواحي ولم أحب إخرابها بتطاول مقامي فيها وإذا كنت قد ندمت على ما مضى واستأنفت الطاعة والخدمة فأنفذ صاحبك» .» وركب عائدا إلى بغداد وكتبت الجواب قائما على رجلي لأنّ الأمر أعجل عن التلبث والتثبت، وخفنا أن يعرف العرب خبرنا فيكسبوا معسكرنا ويأخذوا من تأخر منّا أو يعارضونا فى طريقنا فيبلغوا أغراضهم منّا مع تفرقنا ودخولنا كما يدخل المنهزمون.
ووصل كتابي إلى أبى الحسن رشا فأنفذ أبا الفضل ابن الصابوني الموصلي واستقرّ الأمر مع المنصرف القبيح والطمع المتجدد على إطلاق سياهجنك فى الوقت وحده واندرجت القصّة على تزايد الفضيحة وتضاعف الأخلوقه. وقد كانت الكتب نفذت إلى الموفق بذكر ما فعل وعاد جوابه ينكره ويمنع من التعرض لبنى عقيل أو هياجهم [١] .
وفى يوم الأحد لستّ [٣٣] بقين منه توفّى [٢] أبو الحسن على بن محمد ابن عبيد الزجاج الشاهد، وكان مولده فى شهر رمضان من سنة خمس وتسعين ومائتين.
وفى يوم الخميس لليلتين بقيتا منه توفى أبو القاسم عبيد الله بن عثمان
стр. 3473
ابن حنيقا المحدّث [١] .
وفى يوم الثلاثاء الرابع من شعبان توفّى القاضي ابو الحسن محمد بن عبيد الله بن احمد بن معروف.
وفى يوم الخميس السادس منه توفى ابو عبد الله الحسين بن محمد بن الفراء الفقيه الشاهد بالجانب الشرقي [٢] .
ذكر القبض على الموفّق بشيراز
وفى يوم الخميس لعشر بقين منه قبض على الموفّق أبى على ابن إسماعيل بشيراز.
شرح الحال فى ذلك وفيما تقرّر عليه أمر النظر بعده
لما عاد إلى شيراز على ما قدمنا ذكره أقام على الاستعفاء وأعاد القول فيه وكرّره. وكانت فى قلب بهاء الدولة منه أمور قد ملأته وأوغرته وأحالت رأيه فيه وغيرته، وزال عنه ما كان يراعيه ويراقبه ويحتمله لأجله وبسببه.
وخافه الحواشي ومن كان بحضرة الملك لأنه ذكرهم وأطلق لسانه فيهم فأغروه به.
فحدّثنى أبو نصر بشر بن ابراهيم السنى قال:
стр. 3474
لما ورد الموفق قادما من كرمان أقام على الاستعفاء وواصل مراسلة بهاء الدولة فيه والإلحاح فى مسألته إياه. فحضر عنده أبو سعد فناخسره بن باجعفر وأبو دلف لشكرستان ابن ذكى وكانا يختصان به فى الليلة التي قبض عليه من غدها وقالا له وأبو العلاء الإسكافى حاضر:
- «أيها الموفق أىّ شيء آخر ما أنت عليه من ركوب الهوى ومخالفة الرأى فى هذا الاستعفاء، وما الذي تريده لنبلغه لك: إمّا بالملك أو بنفوسنا؟
فإن كان قد غاظك من أبى على ابن أستاذ هرمز [٣٤] أو أبى عبد الله الحسين بن أحمد فعل أو تريد بهما أمرا فنحن نضع عليهما من يفتك بهما ونقود الملك إلى أخذهما وتسليمهما إليك، أو كان فى نفسك غير ذلك فاصدقنا عنه وأطلعنا عليه لنتبع هواك فيه.» فقال لهما:
- «أمّا أبو على ابن أستاذ هرمز، فبيني وبينه عهد منذ كوننا بالأهواز وما أرجع عنه، وأمّا أن يكون فى نفسي ما أطويه عنكما فمعاذ الله. ولكنني قد خدمت هذا الملك وبلغت له أغراضه وما أريد الجندية بعد ما مضى.» فقالا- وقال أبو العلاء الإسكافي- له:
- «لا تفعل ودع ما قد ركبته من هذه الطريق وأقمت عليه من هذا اللجاج. فانه يؤدى إلى ما تندم عليه حين يتعذر الاستدراك ومتى قدّرت أنك تعفى وتقيم فى منزلك وينظر بعدك ناظر، وقد بلغت من الدولة ما بلغته وتقدمت بك المنزلة إلى ما تقدمت اليه، فقد قدّرت محالا. والصواب أن تدعنا لنمضى إلى الملك ونعرّفه عدولك عن رأيك ومقامك على خدمته والنظر فى أموره.» فأبى ثم قالوا له:
- «فإذا كنت على ما أنت عليه فأخّر ركوبك فى غد وارجع فكرك ونحضر
стр. 3475
عندك ويستقرّ بيننا فى غير هذا المجلس ما يكون العمل به.» فلم يقبل وركب من غد إلى دار المملكة ومعه العسكر. فلما دخل وجلس فى البيت الصلى [١] نظر فيما جرت عادته بالنظر فيه وأوصل جماعة القواد اليه وخاطبهم وقضى حوائجهم.
ثم قال لأبى الفضل ابن سودمند [٢] العارض والنقباء:
- «اخرجوا إلى الناس وانظروا فى أمورهم وتسلّموا رقاعهم بمطالبهم.» وترددت المراسلات بينه وبين بهاء الدولة فى حديث الإعفاء وبهاء الدولة يدفعه عن ذلك وهو مقيم عليه ومقيم على المطالبة به. ثم رأينا فى الدار أمورا متغيرة ووجوها متنكرة.
فقال [٣٥] له الصاحب أبو محمد ابن مكرم:
- «قد أحسست بما أنا مشفق منه، والرأى أن تقوم وتخرج، فانّ أحدا لا يقدم على منعك، وإذا حصلت فى دارك دبّرت أمرك بما تراه صوابا لنفسك.» فقال له: قد خفت أيها الصاحب وخرت فقم وانصرف. فراجعه القول قليلا ثم انصرف وركب وتبين الموفق من بعد أمره.
[قال أبو نصر] [٣] فقال لى:
- «امض وخذ لنفسك.» فقلت: «بل أقيم وأكون معك.» فزبرني وقال:
- «اخرج كما يقال لك.» فخرجت ولم يبق عنده إلّا أبو غالب بن خلف وأبو الفضل الإسكافى:
стр. 3476
فحدثت أنّ الحسين الساباطي الفراش خرج وقال لأبي غالب:
- «يا أستاذ اخرج.» وقال لأبي الفضل مثل ذلك وأغلق باب البيت وزرفنه ووكّل الفراشين به وأخذ أبو غالب وأبو الفضل واعتقلا ووكل بهما. وشاع الخبر بين الديلم الحاضرين فى الدار فتسللوا واحدا واحدا وتفرقوا فريقا فريقا ولم يجر من أحدهم قول فى ذلك. وأنفذ إلى دار الموفق من نقل جميع ما كان فيها من المال والثياب والرحل والسلاح والخدم والغلمان، وإلى اصطبلاته فحوّل ما فيها من الكراع والحمال.
[قال أبو نصر] : وترشح الأمين أبو عبد الله للنظر وأمر ونهى فى ذلك اليوم.
فلما كان آخره استدعى الصاحب أبو على الحسن بن أستاذ هرمز- وقد كان بعد فتح الأهواز اعتزل الأمور وأقام فى منزله واقتصر على حضور الدار فى الأوقات التي يجلس فيها بهاء الدولة الجلوس العام- واستخلف له أبو الفضل بن ماوزند فوقفت الأمور ولم تكن له ولا لأبي الفضل دربة بالتمشية والتنفيذ وخلّى أبو العباس الوكيل وقد كان قبض عليه وقرر أمره وأعيد إلى ما كان ناظرا فيه.
[قال أبو نصر] [١] : وكان أبو الخطاب يكره أبا غالب ابن خلف ولا يريده [٣٦] فقال له أبو منصور مردوست:
- «أراك تكاتب الوزير أبا العباس ابن ماسرجس وغيره فى الورود ليردّ إليهم النظر فى الأمور وقد عوّلت من الصاحب أبى علىّ على من ليس يحلى ولا يمرّ فيما يراد منه. وهذه أسباب تدعو إلى الوقوف والحاجة الى ردّ الموفق وما كان يمشى الأمر ويخفف فيه إلّا أبو غالب. فلو أطلقته
стр. 3477
واستخدمته لترخّى على يده ما لا يترخى على يد غيره وكفينا دخول من لا يؤمن بيننا.» فقبل منه وأطلقه وجعله خليفة للصاحب أبى علىّ ونظر وكفى. وكان بهاء الدولة يرعى له ما كان يخدمه به فى أيام الموفق والحواشي يحتمونه لانبساطه فى عطائهم وقضاء حوائجهم. ومضت مديدة فأعجب أبا الخطاب تخفيفه عنه، واستمال الجند وتوفر عليهم وأعطته الكفاية والسعادة ما كان له فى ضمنهما وتمسك بأبى الخطّاب وتمسك أبو الخطاب به وتفرد بالأمور وتقلدها وزارة ورئاسة. وخرج الصاحب أبو على من الوسط.
حوادث عدّة
وفى ليلة الجمعة لليلتين بقيتا منه توفّى أبو الحسن محمد بن عبد الله بن أخى ميمى المحدث.
وفى يوم الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان ورد الكتاب إلى أبى نصر سابور بذكر القبض على الموفق وأن يقبض على ولده وأهله وأصحابه وأسبابه فاستعمل الجميل وأنذر ولده وأقاربه حتى انصرفوا عن دورهم وأخذوا لنفوسهم. ثمّ أنفذ إلى منازلهم فكانت خالية منهم وأجاب عن الكتاب بأنّ الخبر سبق الى القوم قبل ورود ما ورد عليه به واقتصر على ان أدخل يده فى ضياعه بطريق خراسان مديدة. ثم كتب من فارس بالإفراج لولده أبى المعمر وأقرّ أبو نصر [٣٧] سابور وأبو القاسم الحسين بن محمد بن مما وأبو نعيم المحسن بن الحسن على ما كانوا يتولّونه.
وفى يوم السبت لليلتين بقيتا منه توفّى أبو الحسين ابن أبى الزيال الشاهد.
وفى روز أبان من ماه شهريور الواقع فى هذا الشهر أخرج الصاحب أبو
стр. 3478
محمد بن مكرّم إلى عمان متقلدا لها.
وفى روز مهر من ماه شهرير [١] الواقع فيه أخرج أبو جعفر أستاذ هرمز ابن الحسن الى كرمان.
وفى ليلة يوم الإثنين الثالث عشر من شوال احترق سوق الزرّادين بباب الشعير.
وفى يوم الخميس لسبع بقين منه قلد القاضي أبو عبد الله الحسين بن هرون الضبّى مدينة المنصور رحمة الله عليه مضافة إلى الكرخ والكوفة وسقى الفرات وقلد القاضي أبو محمد عبد الله بن محمد الأكفانى الرصافة وأعمالها عوضا عن المدينة التي كان يليها وقلد القاضي أبو الحسن الخرزي طريقي دجلة وخراسان مضافا إلى عمله بالحضرة وقرئت عهودهم على ذلك.
وفى هذا الشهر ورد الخبر بأنّ المقلد بن المسيب ملك دقوقا وخانيجار.
وأقرّ بها أبا محمد جبرائيل الملقب بدبوس الدولة نائبا عنه.
وفى يوم الخميس مستهل ذى القعدة ورد الكتاب من فارس بتقليد أبى على ابن سهل الدورقي ديوان السواد واستخلافه عليه أبا منصور عبد الله ابن الإصطخرى الكاتب فيه.
وفى يوم الأحد الرابع منه توفّى أبو محمد القاسم بن الحسين الموسوي العلوي.
وفى يوم الإثنين الخامس منه تكلّم الديلم فى أمر النقد وفساده وكانت المعاملات يومئذ بالورق وقصدوا دار ابى نصر سابور [٣٨] بدرب الديزج على سبيل الشغب.
стр. 3479
أقوى الأسباب في تملّك الخانيّة وانقراض السامانيّة
وفى هذا الشهر ورد الخبر بأنّ بغرا خاقان [١] قصد بخارا واستولى عليها ودفع ولد أبى القاسم نوح بن منصور عنها.
وحدثني أبو الحسين ابن زيرك قال: حدثني أبو الحسين ابن اليسع التميمي الفارسي وكان من أعيان التجار قال:
كنت ببخارا حين وردت عساكر الخانية فصعد خطباء السامانية إلى منابر الجوامع واستنفروا الناس وقالوا عن السامانية قد عرفتم حسن سيرتنا فيكم وجميل صحبتنا لكم وقد أطلنا هذا العدوّ وتعيّن عليكم نصرنا والمجاهدة دوننا، فاستخيروا الله تعالى فى مساعدتنا ومضافرتنا.
وأكثر أهل بخارا حملة سلاح وأهل ما وراء النهر كذلك. فلما سمع العوام ذلك قصدوا الفقهاء عندهم واستفتوهم فى القتال فمنعوهم منه وقالوا:
- «لو كان الخانية ينازعون فى الدين لوجب قتالهم فأمّا المنازعة [٢] فى الدنيا فلا فسحة لمسلم فى التغرير بنفسه والتعرض لإراقة دمه. وسيرة القوم جميلة وأديانهم صحيحة واعتزال الفتنة أولى. فكان ذاك من أقوى الأسباب فى تملك الخانية وهرب السامانية وانقراض ملكهم ودخل الخانية بخارا فأحسنوا السيرة ورفقوا بالرعية.
وفيه ورد أبو الحسن محمد بن أحمد بن علان العارض من فارس لتجريد الغلمان إلى هناك واجتمع الشريف أبو الحسن ابن يحيى والمناصح أبو الهيجاء والسعيد أبو طاهر وأبو الحسن ابن علان فى دار أبى نصر سابور. فأحضروا
стр. 3480
الغلمان وخاطبوهم على الخروج فطالبوا بما تأخر لهم من الأقساط والإقامات وبذل لهم سابور إطلاق القسط لمن يخرج دون من يقيم حتى إذا أعطى المجردين ننظر فى أمر المقيمين وترجح القول ووقف الاستقرار.
وفى يوم الاثنين الثامن عشر من ذى الحجة توفى أبو الفرج المعافى بن زكريا المعروف بابن طرارا بالنهروان وكان رجلا يعرف علوما كثيرة [١] وفى هذا يوم الجمعة لليلة بقيت منه توفى أبو عبد الله الحسين بن يحيى بن الحندقوقا الهاشمي عن ست وخمسين سنة وثلاثة أشهر.
وفى اليوم الثالث من الخمسة المسترقة خرج بهاء الدولة إلى كوار وسار منها إلى فسا.
وحج بالناس فى هذه السنة أبو الحارث محمد بن محمد بن عمر.
ورود طاهر بن خلف كرمان
وفى هذه السنة ورد طاهر بن خلف المعروف بشير يار بك كرمان منافرا لخلف أبيه. ثم تغلب عليها وملكها وانضوى إليه كثير من عساكرها وانتهى أمره إلى الهزيمة والعود إلى سجستان.
شرح ذلك على ما حدثني به أبو عبد الله الفسوي
وقد سقناه سياقة لم نذكر فيها أيام ما جرى وشهوره لاشكال ذلك علينا.
إلّا أنّ المدة على غالب ظني فيما بين سنة تسعين وثلاثمائة.
وصدر من سنة احدى وتسعين وثلاثمائة.
стр. 3481
لما قلد الموفق أبو على أبا موسى خواجة بن سياهجنك أعمال كرمان وصرف من صرف من الديلم على السبيل التي قدمنا ذكرها، صار أبو موسى الى جيرفت فتتبع أموال الديلم المبعدين واستثار ودائعهم وطالب حرمهم وأسبابهم وصادرهم وقبض على جماعة الباقين وقتلهم وطردهم وصلب [٤٠] نفسين من وجوه الكتّاب لإنكاره عليهما تصرفهما مع ابن بختيار وأظهر الاستقصاء والغلظة.
واتفق أن نافر طاهر بن خلف خلفا أباه ونازعه الأمر وجرت بينهما حروب أدّت طاهرا إلى الهرب وقصد كرمان ملتجئا إلى بهاء الدولة. فلما دخل المفازة التي بين سجستان وبينها ضلّ الطريق فيها ولحقه ولحق من معه جهد شديد. ثمّ خلص على أسوا حال. ولقيه الديلم الفلّ والمنفيون من أصحاب ابن بختيار فأطمعوه [١] فى أخذ كرمان والتغلب عليها وأعلموه أنّ من وراءهم من الديلم على نفور من بهاء الدولة وكراهية له لما عاملهم الموفّق به وأنّهم وإياهم يجتمعون على طاعته ويخلصون فى مظاهرته.
فصبا إلى ذلك وحدّث نفسه به وعقد عزمه عليه ولم يكن له قدرة على إظهاره مع الشدة التي لاقاها فى طريقه ونزل نرماسير وكتب إلى أبى الفتح عبد العزيز بن أحمد العامل بها وببمّ بأنه ورد منحازا إلى بهاء الدولة وداخلا فى جملته. فتلقاه أبو الفتح بالجميل وحمل إليه ما يحمل إلى مثله من الأنزال وواصله بذلك مدة من الأيام وكان يزيد له ولمن معه فى كلّ يوم اثنى عشر ألف درهم وكتب بخبره إلى أبى موسى خواجة بن سياهجنك وأبى محمد القاسم بن مهدر فروخ.
ثم بدت من طاهر بوادي الفساد ولاحت شواهد سوء الاعتقاد وبلغ ذلك
стр. 3482
أبا محمد القاسم وهو ببردشير فانزعج منه وكان يقاربه أكراد قتال يعرفون بالمالكية فاستدعاهم وتوجه معهم الى دارزين وخرج إليهم بما يريده من قصد طاهر والإيقاع به فقالوا له:
- «هذا رجل قد اجتمع إليه الديلم [٤١] وكثرت عدته وقويت شوكته وما نستطيع لقاءه ومقاومته ولكننا نسلك سبيل الحيلة عليه ويمضى منا جماعة على وجه الاستئمان اليه فإذا حصلوا عنده طلبوا غرّته فى بعض متصيداته فإنّه كثير الصيد مشغوف بالركوب إليه فى كل وقت فتكون قد بلغت الغرض ولم تركب الخطر.» فكتب أبو محمد الى أبى موسى خواجة بن سياهجنك بما جرى بينه وبين هؤلاء الأكراد واستشاره فيه فأجابه ب:
- «انّى أعرف بهذه الأمور وأملك لها وأولى بها منك، وينبغي أن تخلى بيني وبينها وتدعني وما أدبره منها وتتشاغل بشأنك وتتوفر على ما يتعلق بك.» فاغتاظ من هذا الجواب وصرف الأكراد وأقام بموضعه من دارزين وصار أبو موسى خواجة من جيرفت اليه على أن يجتمعا ويقصدا طاهرا بنرماسير.
فلما حصل على مرحلة من دارزين جمع ابن خلف عساكره فاستشارهم فيما يفعله فقالوا له: أحوالنا ضعيفة وعددنا قليلة ولا فضل فينا للحرب إلّا بعد الاستظهار بالدواب والاسلحة. واستقر الرأى بينه وبينهم على أن يتوجهوا إلى الجروم ويعتصموا بأهلها وهم قوم عصاة متغلبون وفيهم بأس وقوة فصاروا إليها ورجع أبو موسى وأبو محمد إلى جيرفت واستعاد الأكراد المالكية فلم يعودوا. وجمعا من معهم من الجيل وأطلقا لهم المال ووافقاهم على النهوض لقصد الجروم وقصد ابن خلف وفى مضىّ ما مضى من الأيام ثبت ابن خلف وحصّل لنفسه وللديلم الذين معه عدة وسلاحا وكراعا.
وتوجه أبو موسى وأبو محمد للقائه فلقياه فى القرية المعروفة بنهر خره هرمز
стр. 3483
على مرحلة من جيرفت لأنه قد كان سار إليها، وصفّا مصافّهما. [٤٢] وكان من عادة ابن خلف فى حروبه أن يتفرد فى سرية من غلمانه بعد أن يطعمهم ويسقيهم ويتردّد على مصافّه فيسوى أصحابه ويرتبهم ويتأمّل مصافّ من بإزائه فإن وجد فيه خللا حمل على موضعه. فرأى فى بعض تردده ضعفا فى جانب من مصاف أبى موسى فحمل عليه وكسر المصاف منه وقتل جماعة وأسر أبا موسى وقد أصابته ضربة فى رأسه وأبا محمد القاسم وثلاثين رجلا من القواد منهم وندرين بن الحسين بن مستر وشوزيل بن كوس (كذا) وشيرزيل بن على ومن يجرى مجراهم وكفّ عن القتل واستباح السواد وغنم هو وأصحابه منه ما تأثلت أحوالهم به وتمم الى جيرفت ودخلها واستولى على معظم أعمال كرمان وملكها وطالبه الديلم وقصدوه وتكاثروا عنده وأرادوه. وصار الفلّ من جيش بهاء الدولة الى السيرجان واجتمعوا فيها وكانوا عددا كثيرا وكاتبوا بهاء الدولة بالصورة فانزعج منها وقد كان قبض الموفق قبل هذا الحادث بمديدة.
وعمل ابن خلف على قصد السيرجان فخرج عنها من فيها طالبين شيراز.
فلما حصلوا بقطرة ورد عليهم كتاب بهاء الدولة بالتوقف فى موضعهم وأعلمهم تجريده أبا جعفر أستاذ هرمز بن الحسن إليهم لتدبير أمرهم وقصد عدوهم. فتوقفوا ولحق بهم أبو جعفر فأخذهم وعدل إلى هراة إصطخر.
فادخل يده فى إقطاعات الديلم بفارس وتناول ارتفاعها واستخرج أموالها وأطلق لمن معه ما أرضاهم به واستدعى من بهاء الدولة المدد فأنفذ اليه مردجاوك التركي مع طائفة كبيرة من الأتراك وثلاثمائة رجل من الديلم الخوزستانية ووعده [٤٣] بأن يتبعه بعسكر آخر ورسم له قصد ابن خلف ومناجزته.
فسار فى نواحي كورة إصطخر ومدّ يده إلى كل موجود فى الاقطاعات
стр. 3484
المحلولة وصار الى السيرجان وأقام بها خمسة أيام على انتظار حانويه بن حلمويه (كذا) للزطّى وكان قد استدعاه. فوافاه فى عدة وافرة من أصحابه ورحل الى ناختة وهي على عشرين فرسخا من السيرجان ونزل بها. ورتب فى السيرجان ركابية وقوما من المجمزين ليبادروا إليه بخبر للعسكر الذي يتوقع خروجه من شيراز فورد إليهم أحدهم وأعلمه بانفصال القوم من شيراز وقربهم من السيرجان وأنهم على إغذاذ السير وطي المنازل.
وكان بنو خواجه بن سياهجنك وأقارب القواد المأسورين يهنجمون فى كل يوم على بهاء الدولة ويطالبونه بتجريد العساكر مع صاحب جيش كبير لاستنقاذهم واستخلاصهم ويقولون: إنّ أبا جعفر أستاذ هرمز شيخ كبير لم تبق فيه حركة ولا نهضة. فجرد المظفر أبا العلاء عبيد الله بن الفضل وضم اليه وجوه الديلم والأتراك من شهرستان بن اللشكرى وأمثاله وأرسلانتكين الكوركيرى وخيركين (كذا) الطيبي ومن جرى مجراهما.
قال ابو عبد الله:
فحدثني من كان حاضرا مجلس أستاذ هرمز يوم جاءه الخبر بانفصال أبى بالعسكر من شيراز وعنده جماعة من الديلم يأكلون على مائدته أنه لما عرف ذلك اضطرب وخفف الاكل ونهض وقد تقدم بضرب البوق للرحيل فاجتمع اليه مردجاوك ووجوه الأولياء وقالوا له:
- «تغرر بنا وبدولة سلطاننا وتحمل نفسك وتحملنا على هذا الخطر الذي يوجب الحزم وتجنّبه والتوقف على الاستظهار [٤٤] الذي هو أولى ما أخذنا به.» [قال المحدث لأبي عبد الله] [١] وأبو جعفر يسمع أقوالهم ويقول: اضربوا
стр. 3485
البوقات، وحملوا.
فلما تردد الخطاب منهم وقلّ إصغاء ابى جعفر إلى ذلك قال له مردجاوك:
- «إذا كنت قد أقمت على أمرك فامض لشأنك فإنّنى لا أتبعك.» فقال له أبو جعفر حينئذ:
- «إذا وصلنا اسبهسلار أبو العلاء غدا وفتح كان الاسبهسلار وكنت أنت مردجاوك وصرت انا أستاذ هرمز ورجعنا على أعقابنا إلى باب السلطان بالذلّ والخيبة وتصورنا بصورة من لم يكن عنده خير حتى جاء مجوسي فعمل وأغنى.» هذا لفظ أستاذ هرمز فكان هذا القول حرّك مردجاوك وهزّه وبعثه على متابعته فقال له:
- «الأمر لك.» وسارا حتى نزلا بخشار وقد كان طاهر بن خلف أحسن معاملة أبى موسى خواجة بن سياهجنك ودعا أبا محمد القاسم إلى وزارته والنظر فى أموره، فعلله ودافعه وواصل أبا جعفر أستاذ هرمز بالرسل والملطفات وعرّفه أخبار طاهر ومجاري أموره ومتصرفات تدبيره ومتقررات عزائمه.
فلما حصل أبو جعفر بخشار وبينها وبين جيرفت عشرون فرسخا وبين بمّ [١] مثل ذلك وابن خلف بجيرفت وافاده كتاب أبى محمد يذكر فيه ما عمل عليه ابن خلف بجيرفت من قصده بمّ ويشير عليه بسبقه الى دارزين واعتراضه فى طريقه- ودارزين هذه فى سهل يحيط به شعاب وجبال- فانفذ أبو جعفر قطعة من جيشه أمرهم بأن يكمنوا لابن خلف وأصحابه فى المواضع التي لا يحسون بهم فيها ثم يخرجوا عليهم منها عند تفرقهم فى
стр. 3486
السير فيوقعوا بهم فمضوا وفعلوا ذلك وبلغوا فيه المبلغ الذي أدركوا [٤٥] بعض غرضهم به وأسروا جماعة من رجاله وقواده ثم عادوا إلى ابى جعفر وقد رحل من خشار إلى سروستان كرمان وهي على اثنى عشر فرسخا من بم.
وسار ابن خلف إلى بم وتوجه أبو جعفر للقائه وقد رتب المصاف وجعل سيره زحفا على تأهب واستعداد حتى إذا حصل بدارزين وافاه من عرّفه خروج ابن خلف لتلقيه وقتاله. فماج الناس وخافوا واضطرب الجند وحاروا واجتمعوا على أبى جعفر وقالوا له:
- «غررتنا وغررت بنا وأشرنا عليك بالصواب فخالفتنا ولم تقبل منا وحملك العجب بنفسك والخوف على اسبهسلاريتك على التوجه فى هذا الوجه قبل وصول المدد إلينا وتحصيلنا فى هذا الموضع على مثل هذه الصورة.» وبادر الفرسان من الأتراك والأكراد ليعرفوا الخبر فصادفوا ابن خلف قد خرج من بم كالطليعة فى عدة يسيرة ليشاهد عسكر أستاذ هرمز ويحزر عدته، فواقعوه وعاد الى بم وعادوا الى دارزين. وأصبح ابو جعفر والعسكر مشغّب عليه وهو متحير فى أيديهم. فبينما هو يلاطفهم ويداريهم أحضره الأكراد رجلا ذكروا أنّه جاسوس لابن خلف فقال له:
- «أنت جاسوس ابن خلف» .
قال: «لا ولكنى رسول ديررشت بن ماهويه لصاحب لأبي جعفر ببم وهذا كتابه إليك يخبرك فيه بانصراف ابن خلف الى سجستان.» فلما سمع قوله ووقف على الكتاب أظهره عند العسكر فسكنوا وزالوا عما كانوا عليه من الهنجمة وسار بعد ان قدم جماعة من المعروفية الى باب بم ليمنعوا الناس من دخولها ويعدلوا بهم إلى قرية تعرف بقرية [٤٦] القاضي
стр. 3487
على فرسخين منها فى سمت نرماسير ونزل بقرية القاضي واستأمن اليه كثير من الديلم الكرمانية الذين انضووا إلى ابن خلف وكان الموفق قد طردهم فقبلهم ورد عليهم إقطاعهم.
ولما حصل بهذه الناحية اجتمع اليه وجوه العسكر وألحّوا عليه فى اقتفاء أثر ابن خلف وانتزاع الماسورين من يده. فعللهم ودفعهم من يوم الى يوم الى ان عقدوا هنجمة اقترحوا فيها النهوض بهم فى طلبه. فاستدعى الوجوه وقال لهم:
- «قد أيّدنا الله تعالى ونصرنا وبلغنا فى الظفر غاية ما أمّلنا وقدرنا، وليس يجب ان نقابل ذلك بالبغي وطلب الغاية التي ربما ادّت الى الندامة وقد مضى العدو هاربا من بين أيدينا وان اتبعناه الى رأس المفازة ولززناه فى القتال والمكافحة ورأى المفازة أمامه والعسكر وراءه لم نأمن أن يحمل نفسه على الأشد ويقاتل قتال المستقتل وربما نصر ورجعنا على أعقابنا مفلولين فنكون قد أضعنا الحزم وحصلنا على الندم بعد الفوت.» فكان هذا القول طريقا الى سكون القوم ورجوعهم عما كانوا عليه من المطالبة بالمسير. وعاد ابن خلف الى سجستان ومعه أبو موسى خواجه بن سياهجنك وأبو محمد القسم بن مهدر فروخ والقواد المأسورون وانتقل أستاذ هرمز إلى بمّ وأقام بها أياما والكتب واردة عليه بأنّ المظفر أبا العلاء مجدّ فى المسير الى مستقره.
وحصل أبو العلاء بقرية الجوز وأنفذ حاجبين من حجابه برسالة الى أبى جعفر والعسكر يعلمهم فيها قربه منهم وهم إذ ذاك بقرية القضى ويشير عليهم بالإتمام الى بمّ ليقع [٤٧] الاجتماع بها. وكان غرضه فى هذه الرسالة يعرف ما عند القوم وأن يزور الأمر فيما كان وقف عليه من صرف أبى جعفر وردّه
стр. 3488
الى شيراز مع الأولياء الشيرازيين والمقام [١] بكرمان ناظرا فيها.
وكان قد صحب أبا العلاء عبد الله بن عبد العزيز برسم خلافة الوزارة. فلما وردت هذه الرسالة على أبى جعفر تبين المراد [٢] فيها واستدعى وجوه الديلم سرا وقرر معهم ما يجيبون به عنها. وحضر الرسولان [٣] فى الحفل وأعادا القول فقام الوجوه وقالوا:
- «هذه البلاد لنا ونحن فتحناها بعد تغلب السجزية عليها وهذا الرجل- وأومأوا الى أبى جعفر أستاذ هرمز- اسبهسلارنا ومن جاءنا فتكناه وفعلنا به وصنعنا ويجب أن تعيدا هذا الجواب وتنصحا لهذا المجوسي حتى ينصرف ولا يفسد أمرا قد صلح ويحلّ نظاما قد ترتّب.» وكادوا يثبون بالرسولين حتى خلّصهما أبو جعفر وصرفهما وعادا الى أبى العلاء وعرّفاه ما جرى فكتب الى بهاء الدولة به وعلم أنه لا فائدة فى مقامه فعاد مع العسكر الى شيراز. وصار أبو محمد عبد الله بن عبد العزيز الى ابى جعفر وأقام أبو جعفر واليا وأبو محمد موقعا عن مجلس الوزارة، ثم أنفذ أبو اسحق ابراهيم ابن أحمد بدلا من أبى محمد.
وكان الوزير أبو غالب محمد بن على لانحرافه عن أبى على ابن أستاذ هرمز وأبى جعفر والده قال لبهاء الدولة:
- «إنّ بكرمان إقطاعات محلولة وأموالا موجودة وقد استولى عليها أبو جعفر وأقاربه وتوزعوها وتقسموها.» وأشار بالاختيار من ينفذ للنظر فى ذلك ويقرر الأمر فى الاقطاعات وافراد ما يفرد للخاص واجتذاب ما يلوح من الأموال. فعوّل على أبى [٤٨]
стр. 3489
الفضل محمد بن القاسم [١] بن سودمند [٢] العارض فى الخروج وتولّى هذه الحال وخرج على طريق الكورة.
فلما حصل فى جيرفت حمل أبو جعفر الديلم على الهنجمة فعقدوا هنجمة قتلوا فيها علىّ بن احمد بن يحيى وكان أحد الكتاب الكفاة الدهاة وإليه الإشراف على أبى إسحق إبراهيم بن أحمد ونهبوا دور الحواشي وبلغ أبا الفضل ذلك، فقبض على أبى القاسم الطويل الحاجب صاحب أستاذ هرمز وضربه ألف عصا وراسل أستاذ هرمز بالانكفاء الى شيراز وأنّه متى لم يفعل قبض عليه. فخرج وصار الى حضرة بهاء الدولة.
وتوسط أبو الفضل الأعمال وأقام بها ستة أشهر وأقام الهيبة ورتّب الأمور وأسقط جماعة من الديلم وطردهم وقرر للباقين أقساطا وسلم بها الى أكثرهم ضياعا وأفرد للخاص ما كان له ارتفاع وافر وقبض على الإصفهبذ بن ذكى وكنجر بن العلوي وكانا خرجا فى صحبته من شيراز.
قال أبو عبد الله:
فحدثني بعض الحواشي المختصين، أنّ أقوى الدواعي كان فى إخراج أبى الفضل ابن سودمند الى كرمان ما كان فى نفس بهاء الدولة على الاصفهبذ بن ذكى لأنه كان واجهه فى سنة الصلح مع الديلم بالأهواز بالقول القبيح وامتنع من البيعة له إلّا بعد المراوضة الطويلة والتعب الكثير وانه دبّر ما أراده من القبض عليه وشفاء صدره منه بإخراج أبى الفضل وإخراجه معه حتى تمّ له ببعده ما حاوله فيه. وعاد أبو الفضل الى شيراز على طريق الروذان ومعه خمسمائة ألف درهم وشيء كثير من السلاح والثياب.
стр. 3490
[٤٩] ذكر ما جرى عليه أمر طاهر بن خلف بعد عوده
لمّا انصرف من بم دخل المفازة وصار إلى سجستان ومعه أبو موسى خواجة بن سياهجنك وأبو محمد القاسم بن مهدر فروخ والديلم المأسورون وحصل على باب البلد. فخرج اليه خلف أبوه وقاتله وجرت بينهما وقائع كثيرة فى أيام متتابعة ووقف الأمر فى المناجزة. وراسل الديلم المأسورون طاهر ابن خلف وكانوا من الأعيان المذكورين والشجعان المشهورين وبذلوا له فتح البلد وأخذه إذا اطلقهم وأعطاهم من السلاح ما يرضيهم وشرطوا عليه تخليتهم إذا بلغ مراده بهم ليرجعوا الى منازلهم. فتقبل البذل منهم والتزم الشرط لهم وأفرج عنهم وسلّم إليهم سلاحا اختاروه وقاتلوا قتالا شديدا وأبلوا بلاء كثيرا ونصرهم الله تعالى وأجرى الفتح على أيديهم وملك طاهر وصعد أبوه إلى قلعة له تعرف بقلعة الحبل، على خمسة فراسخ من البلد، وتحصن بها ووفى طاهر للديلم بما وافقهم عليه وأعطاهم وخلع عليهم وحملهم وزودهم وخلّى لهم عن سبيلهم. وبقي أبو موسى وأبو محمد فى يده. فأمّا أبو موسى، فإنّه قرّر عليه صلحا صح له بعضه وكان أولاده على حمل باقيه وتوفيته، فعاجلته المنية وترامى به جرح الضربة التي أصابته فى رأسه الى الوفاة، لأنّها وقعت فى موضع ضربة قديمة، واستقام أمر طاهر وأقام أبو محمد القاسم عنده. وشرع خلف فى أن يفسد على ابنه ويصرف الديلم عنه. فلم يتمّ له ذاك لأنّهم [٥٠] كانوا مائلين اليه وحاول الفساد للرعية أيضا. فكانت رغبتهم فى ابنه أفضل منها فيه لسوء معاملة الشيخ لهم وقبح سيرته بهم وإن أظهر من التمليس ما كان يظهره حتى إذا اعتاد الفساد على هذه الوجه عدل الى اعمال الحيلة وراسل ابنه وقال له:
стр. 3491
- «قد أخذنا من المقاطعة بأكثر حظّ وانتهينا فيها الى أبعد حدّ، وتأملت امرى فلم أجد لى ولدا باقيا غيرك ولا خلفا مأمولا سواك، ووجدتني قد كبرت وتقضّى عمرى إلّا القليل وقد رأيت أن أسلم الأمر والبلد والقلعة وما لى فيها إليك وأزيل الوحشة العارضة بيني وبينك وأتوفّر على أمر الله تعالى فى المدة الباقية لى معك وأقتصر على البلغة من العيش فى كنفك ومن يدك.
فإنّى لست آمن أن يقضى الله تعالى علىّ قضاءه، فيستولى على هذه القلعة من فيها ويخرج مالي ونعمتي وما جمعته طول تدبرى إلى غير ولدي ومن بقاؤه بقاء ذكرى.» ولم يزل يراسله ويطمعه حتى استغرّه وخدعه وتقرر بينهما أن يركب ابنه إلى أسفل القلعة وينزل خلف ويجتمعا على قنطرة كانت لخندق من دونها ويشاهد كل واحد منهما صاحبه ويوصى خلف إليه ويعرّفه ماله ومواضعه.
وركب طاهر وحده وجاء إلى تحت القلعة ونزل خلف على مثل هذه الصورة والتقيا على القنطرة وقبّل طاهر يد أبيه وعانقه أبوه وضمّ رأسه إلى صدره وكان تحت القنطرة فى حافات الخندق دغل كثير من بردى وحشيش يستتر فيه المستتر به، وقد كمّن له خلف مائة رجل فى أيديهم سيوف. فلما ضمّه خلف إلى صدره بكى بكاء أجهش فيه حتى علا صوته، وخرج القوم [٥١] فأمسكوا طاهر وأصعدوا به الى القلعة وقتله خلف وغسله بيده ودفنه. وتأدى الخبر الى أصحاب طاهر فاستسلموا لخلف وسلّموا البلد إليه وعاد إلى موضعه منه.
وتوصّل أبو محمد القسم الى أن أحضر جمازات وأكرادا وجعلها على قرب منه ثم خرج وركبها وهرب وصار الى شيراز فقلد العرض ووزر بعد ذلك على ما نذكره فى موضعه.
وكان أعداء خلف يراقبونه لأجل طاهر ابنه وما ظهر من نجابته ورجلته
стр. 3492
وشجاعته ونجدته. فلما هلك طمع فيه وجرّد إليه يمين الدولة أبو القاسم محمود عسكرا واستولى على بلده وقلعته وأخذه الى خراسان فجعله بالجوزجان مخلى فيها كمعتقل ومطلقا كمحبوس، وأجرى عليه ما احتاج اليه لاقامته ونفقاته، ثمّ توفى بعد مدة وحصلت سجستان مع خراسان إلى هذه الغاية [١] .
سنة احدى وتسعين وثلاثمائة
أولها يوم الأحد وأول يوم من كانون الأول سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة وألف للإسكندر وروز رام من ماه آذر سنة تسع وستين وثلاثمائة ليزدجرد.
فى يوم الأربعاء الحادي عشر من المحرم حضر الأتراك دار أبى نصر سابور بن أردشير بدرب الديزج وتردد بينه وبينهم خطاب فى أمر التجريد أدّى الى توثيبهم به على ابى الحسن ابن علان العارض وهرب أبو نصر ووقع الفتنة بين الغلمان والعامة.
شرح الحالة فى ذلك
قد ذكرنا ورود أبى الحسن ابن علان لإخراج الغلمان إلى فارس وكان أبو نصر سابور قد حصل من المال ما سلّمه الى أبى الحسن وأعدّه عنده لينصرف [٥٢] فى نفقاتهم وما يتقرر عليه أمورهم.
стр. 3493
فلما كان فى يوم الأربعاء المذكور حضر أبو الحسن دار ابى نصر وحضر الغلمان. فجدد الخطاب معهم فى الخروج وجد بهم فيه. فامتنعوا منه إلّا بعد أن توفّوا استحقاقاتهم وتردد فى ذلك ما انتهى الى بذل ابى نصر للخارجين اطلاق الثلث مما وجب لهم بالحضرة والثلث بالأهواز والثلث الباقي بشيراز، وأن يكون الإطلاق العاجل لمن يخرج خاصة. فأغضبهم ذلك ووثبوا بأبى الحسن وهجموا على أبى نصر وهرب من بين أيديهم. وبادر العلويون والعامة فدفعوهم عن الدار ورموهم بالآجرّ من السطوح وخرج الأتراك مغيظين محفظين وثارت الفتنة بينهم وبين أهل الكرخ واجتمعوا من غد وصاروا الى قتال العامة من القلايين وباب الشعير وعظم الأمر وانضوى الى الأتراك اهل السنة من سائر المواضع وصار أهل الكرخ إلى ابى الحسن ابن يحيى العلوي وشكوا اليه حالهم وما قد أطلّهم. فقال لهم:
- «لا قدرة لى على هؤلاء القوم ولا طاقة لى بهم.» وأنفذ ابو القاسم ابن مما جماعة من الديلم فأجلسهم على القنطرة لمنع القتال من تلك الجهة وعبر أبو الحسن ابن يحيى فى اليوم الثالث الى دار المملكة ومعه وجوه العلويين والفقهاء الذين بالقطيعة واجتمعوا مع وجوه الأتراك وأعلموهم أنّهم لا يعلمون لأبي نصر سابور خبرا ولا عندهم محاماة عنه وسألوهم كفّ الأصاغر عن الفتنة والإبقاء على المستورين من الرعية وأنفذوا بالمعروفية وصرفوهم. وطالب الأتراك أبا الحسن ابن علان بإطلاق ما حصل من المال فى يده فى الأقساط والتمس الديلم ما يجب لهم فيه فسلم وذاك فرق وبطل [٥٣] التجريد.
وتصور أبو نصر سابور وهو فى الاستتار وقوع التوازر عليه واتفاق الجماعة من أبى الحسن ابن يحيى وأبى يعقوب أخيه وأبى القاسم ابن مما على التجعد منه والعداوة له. فخرج عن بغداد الى القصر ومنها الى سورا ثم
стр. 3494
الى البطيحة. وكتب الى بهاء الدولة بما أو غربه صدره عليهم ونسب فيه جميع ما جرى من الفساد وأخذ المال ووقف أمر التجريد واثارة الفتنة إليهم.
وفى يوم السبت لليلتين بقيتا منه توفى مرمارى بن طوبى الجاثليق [١] .
وفى روز خرداذ من ماه ذى [٢] الواقع فى هذا الشهر عاد بهاء الدولة من فسا إلى شيراز.
ولما فارق أبو نصر سابور موضعه ونظره خاف أبو الحسن على ابن أبى على، لأنه كان صاحبه ومختصا به، فأخفى شخصه وبعد عن البلد. وزادت الفتنة وتسلط أهل الذعارة فقلّد أبو الفوارس بهستون ابن ذرير الشرطة ونزل دار أبى الحسن محمد بن عمر التي على دجلة وقبض على جماعة من العيارين وقتلهم وكبس دورهم ومنازلهم واستعمل السطوة وأقام الهيبة فاستقام الأمر به. وحدث من الأتراك معارضة له فى بعض ما فعله، فاستعفى وعاد إلى داره بالجانب الشرقي وأقام ابو القاسم ابن العاجز على النظر.
ذبح المقلّد على فراشه
وفى ليلة الأربعاء لسبع بقين من صفر قتل حسام الدولة أبو حسان المقلّد بن المسيب العقيلي بالأنبار غيلة.
стр. 3495
ذكر الحال فى ذلك
قد ذكرنا ما كان من غلمانه الأتراك فى خروجهم من داره وأخذهم دوابّه وهربهم منه وأنه تبعهم وظفر بهم وقتل وقطع أحد عشر غلاما منهم وأعاد الباقين إلى خدمته وهم على خوف منه وإشفاق من عظم هيبته وسوء [٥٤] معاملته. فقيل: إنّ أحدهم راعى الفرصة منه وذبحه فى الليلة المذكورة وهو سكران وهرب. وقد قيل: إنّ أحد فراشيه فعل ذلك به، إلّا أنّ الغلام أثبت.
وقد كان المقلد راسل جماعة كثيرة من وجوه الأولياء ببغداد واستمالهم ووعدهم وأطمعهم وحدث نفسه بدخول الحضرة والاستيلاء على المملكة وأصّل فى ذلك أصولا كاد غرضه بها يتم. فاتفق من أمر الله تعالى جل وعزّ مالا يغالب فيه.
ذكر ما جرى عليه الأمر بعد قتله على ما حدثني به ابو الفتح عيسى بن إبراهيم
قال لما قتل المقلد لم يكن قرواش حاضرا بالأنبار وهو الأكبر من أولاده وكانت خزائنه بها وعساكره بسقى الفرات. وخاف أبو الحسين عبد الله بن ابراهيم بن شهرويه بادرة الجند ونهبهم. فراسل أبا منصور قراد بن اللديد وكان قريبا منه بالسندية واستدعاه اليه وقال له:
- «أنا اجعل قرواش ولدا لك وأزوّجه ببعض بناتك وأقرر معه مقاسمتك على ما خلفه أبوه فى خزائنه وتكون عونا له على الحسن عمّه. فانه ربما طمع فى الاستيلاء على الأمر بعد المقلد. فأنفذ الرسل إلى قرواش يحثّه على المبادرة واللحاق. وصار قراد إلى الأنبار ونزل فى دار الإمارة بها وحرس الخزائن وحسم الأطماع وحضر قرواش بعد أيام واجتمعا وتقاسما على المال
стр. 3496
وتحالفا وتعاقدا على التعاضد. وقد كان قراد قبل ورود [١] قراوش أطلق للجند شيئا من ماله وارتجع عوضه بعد ذلك. فلمّا عرف الحسن بن المسيب ما جرى واستبداد قراوش بقراد، علم أن الأمر والغرض قد فاته وامتنع عليه من الأمر [٥٥] ما كان يقدّره. فشكا الى عسكر ابن أبى طاهر وأبى المعضاد كلاب بن الكلب وجماعة من المسيّبيين [٢] الحال وقال:
- «يا قوم يرث قراد بن اللديد مال بنى المسيب وهم أحياء؟» فقال له عسكر:
- «هذا من عملك ولخوف ابن أخيك منك.» فقال: «ومن أى شيء خاف وما الذي يريده؟» قال: «لو سكن منك إلى خلوص النية وصلة الرحم وحفظه فيما خلفه أبوه له لما أدخل بينك وبينه غريبا ولكنت أولى به وكان أولى بالمحاماة عنك.» فقال له الحسن:
- «أنا على ذاك ومهما سمتمونيه من توثقه عليه بذلته لكم.» وكتب عسكر ابن أبى طاهر الى قراوش بما جرى وترددت الرسل بينه وبينه فيه حتى استقر الأمر على أن يسير الحسن الى الأنبار مظهرا فإذا وقعت العين على العين قبضا على قراد وارتجعا منه ما أخذه ولم يدخل أبو الحسين ابن شهرويه فى القصة ولا عرفها.
وانحدر الحسن وقرب من الأنبار وبرز قراوش وقراد للقائه. وبينما الفريقان متصافّان متواقفان إذ جاء بعض العرب فأسرّ الى قراد شيئا. فولّى هاربا يطلب طريق البرية وتبعه قرواش والحسن وأصحابهما وجدّوا فى
стр. 3497
طلبه. ففاتهم واجتاز بحلته فلم يدخلها ومضى على وجهه. وتلاقى الحسن وقراوش وتعانقا وبكى كل واحد منهما وقال الحسن لقرواش قولا جميلا استماله به وبذل له أن يكون بحيث يؤثره ويحبه، واتفقا على ارتجاع ما أخذه قراد من الخزائن. وأنفذا الى زوجته بنت محمد ابن مقن وأخت غريب ورافع وطالبها بما فى بيوتها من ذلك فامتنعت عليهما وخاطبتهما خطابا فيه بعض الغلظة وأجاباها بمثله وأدخلا الى البيوت من أخرج المال والأعدال اللذين حصلا بقسم قراد [٥٦] من مال المقلد وأخذاها وانكفأ الى الأنبار وأقاما أياما.
وحمل قراوش الى الحسن عمه ثيابا وفرشا وسلاحا وغير ذلك وسار الى الكوفة وواقع بنى خفاجة بناحية زبارا [١] وظفر بهم ومضوا بعد هذه الوقعة الى الشام وكانوا هناك إلى أن استدعى أبو جعفر الحجاج أبا على الحسن بن ثمال فورد ووردوا على ما نذكره من بعد فى موضعه.
وفى ليلة يوم الأربعاء مستهل ربيع الاول توفّى أبو الحسن على بن محمد الإسكافى.
وفى يوم الخميس لليلتين خلتا منه توفّى أبو بكر ابن حمدان البزاز.
القادر بالله يجعل ابنه أبا الفضل ولىّ عهده ويلقّبه الغالب بالله
وفى يوم الأحد الخامس منه جلس الخليفة القادر بالله أطال الله بقاءه للحاج الخراسانية وأعلمهم أنّه قد جعل الأمير أبا الفضل ابنه ولىّ عهده ولقّبه:
الغالب بالله، وقرئت عليهم الكتب المنشأة بذلك.
стр. 3498
شرح الحال فى ذلك
جلس على السدّة العالية بثياب سود متقلدا سيفا بحمائل فى البيت المعروف ببيت الرصاص، وبين يديه نهر يجرى الماء فيه الى دجلة، ودخل اليه الأشراف والقضاة والشهود والفقهاء وأهل خراسان العائدون من الحج وقرئ فى المجلس على رؤوس الملأ كتاب بتقليده أبا الفضل ولده العهد بعده وتلقيبه الغالب بالله تعالى ولا غالب إلّا الله وحده لا شريك له، وكان له من السن فى هذا الوقت ثماني سنين وأربعة أشهر وأيام. وكتب الى البلاد بأن يخطب له بعده على نسخة قررت بحضرته وكانت بعد إتمام الدعاء له:
«اللهم وبلّغه الأمل فى ولده أبى الفضل الغالب بالله تعالى ولى عهده فى المسلمين. [٥٧] اللهمّ وال من والاه من العباد وعاد من عاداه فى الأقطار والبلاد، وانصر من نصره بالحق والسداد، واخذل من خذله بالغي والعتاد.
اللهمّ ثبّت دولته وشعاره وانبذ الى من نابذ الحق وأنصاره» .
ذكر السبب فى تقليده العهد على هذه السن
قد ذكرنا فيما قدمناه من أخبار خراسان حال الواثقى [١] ووقوعه الى هرون بن ايلك بغراخاقان واستيلاءه عليه وتقدم منزلته عنده. وكان أبو الفضل التميمي الفقيه قصد بلاد الخانية واجتمع مع هذا الواثقى فاتفقا على ان افتعلا كتابا عن الخليفة أطال الله بقاءه بتقليد الواثقى العهد بعده واظهرا ذلك عند بغراخاقان وأنّ أبا الفضل ورد فيه. وصادف هذا الأمر رأيا جميلا من بغراخاقان فى الواثقى ومنزلة لطيفة له عنده فقوّاه واكّده، وتقدم بأن يخطب
стр. 3499
له فى بلاده بعد الخليفة أطال الله بقاءه. وشاع الحديث فى أعمال خراسان ووردت به الكتب الى الخليفة أطال الله بقاءه فأنكره وأكبره وغاظه ما تمّ منه وأزعجه. وأوجب الرأى عنده أن رتّب الأمير أبا الفضل ولده فى ولاية عهده وكتب الى سائر الأعمال والأطراف بذلك والى أمراء خراسان والخانية بتكذيب الواثقى وتفسيقه وبعده عن استحقاق ما ادعاه لنفسه.
فحدثني القاضي ابو القاسم على بن المحسن التنوخي [١] قال:
كان هذا الرجل وهو عبد الله بن عثمان من ولد الواثق بالله يشهد بنصيبين عند الحكام فيها وعند صدقة بن على بن المؤمّل خليفة القاضي أبى على التنوخي والدي على القضاء [٥٨] بها، وإليه مع الشهادة الخطابة فى المسجد الجامع. وكان يفسد على صدقة ويحاول أن يقوم مقامه فى خلافة والدي.
واجتمع صدقة وأهل نصيبين على أن كتبوا محضرا بتفسيقه وشهدوا بذلك عند صدقة شهادة سمعها وقبلها وأنفذ الحكم بها وكتب إلى والدي بالصورة وانفذ اليه المحضر والسجلّ عليه. فقبل ذلك والدي وأمضى الحكم به وأنفذه وأشخص الواثقى إلى بغداد.
فلما ورد خاطبه خطابا قبيحا وأوقع به مكروها واعتقله فى حبس الشرطة حتى خاطبه فى أمره أبو الفرج عبد الواحد بن محمد الببغاء [٢] الشاعر للبلدية التي كانت بينه وبين الواثقى فأطلقه. ونزل غرفة فى الفرضة بإزاء دار المملكة وذلك فى أيام عضد الدولة.
قال القاضي ابو القاسم:
وكان يواصله ابو العباس احمد بن عيسى المالكي لصداقة بينهما وبلدية.
стр. 3500
فحدّث ابو العباس قال: حضرت عنده ليلة فى غرفته وقلت له:
- «الصواب أن تستعطف القاضي أبا على التنوخي وتوسط بينك وبينه أبا الفرج الببغاء وتصلح أمرك معه.» -[١] وأنا أخاطبه وأكرر هذا الرأى عليه وهو معرض عنى فقلت له:
- «أسمعت ما أشرت عليك به؟» فقال لى:
- «يا أبا العباس، أنت جاهل. أنا مفكر كيف أطفئ شمع هذا الملك الذي نحن بإزاء داره وأخذ ملكه وأنت تقول لى: استصلح التنوخي.» قال أبو العباس:
فلما سمعت قوله قلت: «سلاما» وقمت من فورى منصرفا عنه وخائفا من أذية تتطرق علىّ به وقطعته.
قال القاضي أبو القاسم:
فلما ظهر من حديثه فيما وراء النهر بخراسان ما ظهر، وقلد الخليفة أطال الله بقاءه أبا الفضل ولده ولاية عهده وطعن على الواثقى فأنكر أمره، بلغه [٥٩] حال المحضر الذي كان أنفذ الى والدي من نصيبين بتفسيقه من جهة بعض ما أخبر به بحديثه [٢] فاستدعيت الى الدار العزيزة استدعاء حثيثا لم تجر عادة به فمضيت ودخلت على أبى الحسن ابن حاجب النعمان فقال لى:
- «ما الذي جرى منك، فإنّ الطلب لك ما ينقطع» .
قلت: «ما أعلم انّه حدث ما يقتضى ذلك.» وكتب بخبري فخرج الجواب بأنّه: بلغنا حال محضر أنفذ إلى والده من نصيبين بتفسيق الواثقى وأنّه أسجل به. فتطالبه بإحضاره وإحضار السجلّ
стр. 3501
عليه. فأقرأنى ذلك وقلت:
- «السمع والطاعة.» وانصرفت وأنا خائف من أن يكون هذا المطلوب قد ضاع فيما ضاع لنا وتشاغلت بالتفتيش عنه فوجدته وحملته من غد وسلّمته. فلما حمل إلى حضرة الخليفة أطال الله بقاءه، رده وقال للرئيس:
- «سله هل حفظ على والده إقراره بما أسجل به.» فسألنى عن ذلك فقلت:
- «نعم قد كان أقرّ عندي به.» ورسم إحضار القضاة والشهود والفقهاء، ففعل ذاك. وحضر القوم ومنهم القاضي أبو محمد ابن الأكفانى والقاضي أبو الحسن الخرزي وأبو حامد الإسفراينى والشهود بأسرهم وعمل كتاب على سجلّ والدي بإنفاذى ما سمعته من حكمه به وأشهدت الجماعة المذكورة على نفسي فيه. وكان ذلك فى جملة ما أنفذ الى خراسان وجرح الواثقى به.
وحكى القاضي أبو القاسم:
انّ هذا الواثقى دخل بغداد بعد ما جرى له بخراسان ونزل دارا وراء داره بباب البصرة. ثم انتقل عنها لما عرف خبره وشاع أمره وانه رآه فى بعض الأيام بالكرخ وهو لا يعرفه [قال] فرأيت رجلا عليه قباء [٦٠] واذارى [١] وعمامة شاهجانية وهو يمشى منحنيا ويداه معقودتان من ورائه كفعل الخراسانية. وكان معى أبو العباس المالكي. فلما رآه سلم عليه وقبّل كتفه فنهره وزبره بلفظ الفارسية الخراسانية فقال له المالكي:
- «إنّما سلّمت عليك وعندي أنّك صديقنا الذي يعرفنا ونعرفه. فإذا
стр. 3502
أنكرت ذلك فالله معك.» والتفت إلىّ وقال:
- «تعرف هذا الرجل؟» قلت: «لا.» قال: «هذا الواثقى الذي ادّعى ولاية العهد بخراسان.»
ذكر ما جرى عليه أمر الواثقى بعد ذلك على ما عرفته من القاضي أبى جعفر السمناني [١]
لم يسمع بغراخاقان فيه قول قائل ولا أحاله عن العناية به والعصبية له محيل. فلمّا توفّى وملك أحمد بن على قراخان كاتبه الخليفة أطال الله بقاءه، بإبعاده. فلم يكن عنده الموضع الذي كان له عند بغراخاقان. فأنفذه إلى موضع يعرف بأسفاكند وجعله كالمحبوس فيه بعد أن أقام له ما يحتاج اليه وأقام هناك مدة ثم صار الى بغداد كاتما نفسه ونزل بباب البصرة وانتهى الى الخليفة أطال الله بقاءه خبره فتقدم بطلبه، وانتقل الى التوثة ولقيه جماعة من الفقهاء فأعطاهم وبرّهم ووصلهم. ثم انحدر الى البصرة ومضى منها الى فارس وكرمان وعاود بلاد الترك فلم يتم له ما حاوله من قبل ونفذت كتب الخليفة أطال الله بقاءه بتتبعه وأخذه فهرب من هناك وصار إلى خوارزم وأقام بها. ثم فارقها وقصد الأمير يمين الدولة أبا القاسم محمودا وأخذه وأصعد به الى بعض القلاع فكان فيها محبوسا محروسا موسعا عليه الى أن مات.
وفى شهر ربيع الأول توفى أبو شجاع بكران بن بلفوارس [٦١] بواسط.
стр. 3503
وفى يوم الأربعاء لليلة بقيت منه قبل القاضي أبو عبد الله الضبّى شهادة أبى الحسن على بن الحسن بن العلاف الواسطي.
وفى سحرة يوم الجمعة لليلة خلت من شهر ربيع الاول توفّى أبو القاسم عيسى بن على بن عيسى بن داود بن الجراح [١] وصلّى عليه القاضي أبو عبد الله الضبّى وقد كان أبو القاسم جلس وحدث وصار اليه أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي [٢] وخلق كثير. فسمعوا منه وكتبوا عنه وكان رجلا فاضلا يعرف علوما كثيرة من علوم الدين والمنطق والفلسفة.
وفى هذا اليوم توفى أبو النضر كعب بن عمرو البلخي المحدث.
وفى يوم الخميس السابع منه قلد القاضي أبو حازم محمد بن الحسن الواسطي القضاء بواسط وأعمالها وقرئ عهده فى الموكب بدار الخلافة.
وفى يوم الخميس لسبع بقين منه توفى أبو حفص عمر بن وهب المقرئ وكان شيخا صالحا.
ذكر قتل علىّ بن طاهر الكاتب
وفى ليلة السبت لسبع بقين منه قتل أبو الحسن على بن طاهر الكاتب.
شرح الحال فى ذلك
قد كان مضى إلى مصر هاربا من أبى الحسن محمد بن عمر، فأقام بها
стр. 3504
مدة وعاد فى هذا الوقت مع الحاج، وتحدث الناس بأنه ورد بموافقة من صاحب مصر وللشروع له فى الفساد على الدولة العباسية.
فلما كان فى الليلة المذكورة كبسه العيارون فى داره بدرب المقير من سوبقة [١] غالب وعلوه بالسيوف ليقتلوه فقامت جاريته من دونه للمدافعة عنه فضربوا يدها ضربة أبانتها، وضربوه عدة ضربات فاضت منها نفسه وأخذوا جميع ما وجدوه من ماله ورحله وانصرفوا. وحضر أبو الحسن محمد بن احمد بن علان من غد فتولّى تجهيزه ودفنه فى داره.
وفى يوم الأحد لست بقين منه خرج أبو القاسم الحسين بن محمد بن مما إلى شيراز بمرقعة.
[٦٢] ذكر السبب فى ذلك وما جرى عليه أمره فى خروجه إلى حين رجوعه
لما انحدر أبو نصر سابور من بغداد مستترا على ما قدمنا ذكره، وأخذ المال المجموع للتجريد وأطلق فى الاقساط كتب أبو نصر إلى بهاء الدولة وأحال فى جميع ما جرى على أبى الحسن ابن يحيى وأبى يعقوب أخيه وأبى القاسم ابن مما.
وكان ينوب عن أبى القسم بفارس أبو الحسين ابن عبد الملك ابن على النقيب وبين أبى القاسم وبين أبى الخطاب والأمين أبى عبد الله مودة قديمة، وهما إذ ذاك المتقدمان والمدبران وعلى عناية بأبى القاسم ومحاماة عنه.
فخرجا الى أبى الحسين [ابن] [٢] عبد الملك بما يكتب به أبو نصر سابور
стр. 3505
فيه وبما قد كوتب به أبو نصر من الاستدعاء إلى فارس ورسما له مكاتبة أبى القاسم بذلك وبأن يسبقه الى الورود والحضور.
فخرج متعجلا بمرقعة ووصل فى يوم الثلاثاء لخمس بقين من جمادى الاولى قبل أبى نصر سابور ونزل على الأمين أبى عبد الله، فتكفل بامره وخاطب بهاء الدولة فيه ونضح هو عن نفسه فيما كان قرف به، وعاونته الجماعة عداوة لأبى نصر سابور وعناية به، واستقامت حاله ورسم له المقام الى أن يحضر أبو نصر ويصلح ما بينه وبينه ويعود الى بغداد فى جملته.
فأقام ووصل أبو نصر وأبو جعفر الحجاج، فقرر لهما النظر فى أعمال العراق وأصلح أمر ابى القاسم معهما على دخل من رأى أبى نصر وباطنه فيه وأخرج امامهما لتوطئة ما يجب توطئته قبل موردهما.
تقليد الحسن بن أستاذ هرمز أعمال الأهواز
وفى هذا الوقت ورد الخبر بتقليد الصاحب أبى على الحسن بن أستاذ هرمز أعمال الأهواز وأنه أخرج إليها ولقّب بعميد الجيوش.
ذكر ما جرى فى ذلك
حدثني أبو الحسين فهد بن عبيد الله كاتب عميد الجيوش [٦٣] قال: لما دخل الصاحب أبو على فى طاعة بهاء الدولة بالسوس وسلّم الأمر إليه اعتزل الأمور وسار فى صحبته إلى فارس وأقام على بابه.
فلما مضت له سنة وكسر استأذن فى المضىّ إلى خراسان، فمنع من ذلك وروسل بما سكن منه به ووعد الوعد الجميل فيه.
وقبض على الموفق أبى على ابن إسماعيل وكان نافرا منه فردّت إليه