← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ومن عجيب ما مرّ في حصار نهاوند أنّ رجلا [٤٣٥] يقال له: جعفر بن راشد، قال لطليحة: - «لقد أخذتنا خلّة [١] ، فهل بقي من أعاجيبك شيء تنفعنا به؟» فقال: «كما أنتم، حتى أنظر.» فأخذ كساء، فتقنّع به غير كثير، ثم قال: - «البيان، البيان، غنم الدقّان [٢] في البستان، مكان أرونان [٣] .» فدخلوا البستان، فوجدوا الغنم مسمنة. ثم جاء دينار إلى حذيفة، فصالحه عن ماه، فنسب إليه ماه [٤] . فكان يوافى الكوفة كل سنة. فقدم الكوفة في إمارة معاوية، فقام في الناس جميعا، فقال: - «يا معشر أهل الكوفة، إنّكم أول ما مررتم بنا كنتم خيار الناس، فغبرتم بذلك زمان عمر وعثمان، ثم تغيّرتم وفشت فيكم خلال أربع: بخل، وخبّ [٥] ، وغدر، وضيق، لم تكن فيكم واحدة منهنّ. فنظرت في ذلك، فإذا ذلك في مولّديكم، فعلمت من أين أتى، فإذا الخبّ من قبل النبط، والبخل من قبل فارس، والغدر من قبل خراسان، والضيق من قبل الأهواز.» فتح الرىّ ثم إنّ نعيم بن مقرّن فتح همذان، وسار إلى الرىّ، وكان بالرىّ يومئذ سياوخش ملكا عليها وهو سياوخش [٤٣٦] بن مهران بن بهرام شوبين. [فاستمدّ] [٦] أهل دنباوند، وطبرستان، وقومس، وجرجان، وقال:

стр. 387

- «قد علمتم أنّ هؤلاء إن حلّوا بالرىّ إنّه لا مقام لكم.» فاحتشدوا له. فناهده سياوخش، فالتقوا في سفح جبل الرىّ إلى جنب مدينتها، فاقتتلوا به. وكان الزينبىّ متوحّشا من سياوخش، فكاتب نعيم بن مقرّن، وصالحه وعاونه، وكان الزينبىّ قال لنعيم: - «إنّ القوم كثير وأنت في قلّة، فابعث معى رجلا أدخل بهم مدينتهم من مدخل لا يشعرون به، وناهدهم أنت، فإنّهم إذا خرجوا عليهم لم يثبتوا لذلك.» فبعث معه خيلا من الليل عليها ابن أخيه المنذر بن عمرو. فأدخلهم الزينبىّ المدينة ولا يشعر القوم، وبيّتهم نعيم بياتا، فشغلهم عن مدينتهم، فاقتتلوا، وصبروا حتى سمعوا التكبير من ورائهم. ثم إنّهم انهزموا فقتلوا مقتلة عظيمة، فأفاء الله على المسلمين بالرىّ نحوا من فيء المدائن، وصالحه الزينبىّ على أهل الرىّ ومرزبه [١] عليهم. [٤٣٧] وكتب نعيم بالفتح وبعث بالأخماس إلى عمر. توجّه بكير إلى آذربيجان وكان بكير بن عبد الله قد توجه إلى آذربيجان، فأمدّه نعيم بعد فتح الرىّ بسماك بن خرشة الأنصارى. مردانشاه يراسل نعيما في الصلح فأما المصمغان- وهو مردانشاه صاحب دنباوند والخزر والأرز والسرو [٢]- فإنّه راسل نعيما في الصلح على شيء يفتدى منه به، من غير أن يسأله النصر والمنعة. فقبل منه، وكتب على غير نصر ولا معونة على أحد، فجرى ذلك لهم.

стр. 388

فتح قومس وقدّم سويد بن مقرّن أخاه بأمر عمر إلى قومس، فلم يقم له أحد، وأخذها سلما، وكتب لهم أمانا، وقبل جزيتهم. فتح جرجان وطبرستان وآذربيجان ثم كاتب ملك جرجان رزبان [١] صول. ثم صار إليها، فبادره بالصلح، وتلقّاه، فدخل معه جرجان، وعسكر بها، وجبى إليه الخراج، وسمّى له فروجها، فسدّها بترك دهستان. فرفع الجزى عمن أقام بمنعتها، وأخذ الخراج من باقى أهلها، وكتب بينهم كتابا [٢] بالأمان وقبول الجزية ما نصحوا وقروا المسلمين، وعلى أنّ من سبّ مسلما [٤٣٨] بلغ جهده، ومن ضربه حلّ دمه. وراسله الإصبهبذ في الصلح أن يتوادعا ويجعل له شيئا على غير نصر ولا معونة على أحد. فكتب له بذلك كتابا على ألّا يؤووا للمسلمين بغية [٣] ، ولا يسلّوا لهم [٤] إلى عدوّ، ولا يدخل

стр. 389

عليه إلّا بإذنه، وكذلك سبيلهم. وكان بكير سار حين بعث إلى آذربيجان حتى إذا طلع بجبال خرشدان [١] طلع عليهم اسفندياذ بن الفرّخزاذ مهزوما من واج رود. فكان أول قتاله لقيه بآذربيجان، فاقتتلوا، فهزمه، وأخذ بكير اسفندياذ أسيرا. فقال له اسفندياذ: - «الصلح على آذربيجان أحبّ إليك أم الحرب؟» قال: «بل الصلح.» قال: «فأمسكنى عندك. فإنّ أهل آذربيجان إن لم أصالح عليهم أو أجئ لم يقيموا، وجلوا إلى الجبال التي حولها من القبج والروم. ومن كان على التحصن تحصّن إلى يوم ما.» فأمسكه عنده، فأقام وهو في يده، وصارت البلاد إليه إلّا ما كان من حصن. وقدم عليه سماك بن خرشة، وقد صار اسفندياذ في إساره. [٤٣٩] وفتح عتبة بن فرقد من جهته ما يليه. فقال بكير لسماك بن خرشة كالممازح: - «ما الذي أصنع بك وبعتبة؟ أريد أن أمضى قدما فأخلّفكما، فإن شئت فاذهب معى، وإن شئت أتيت عتبة، فقد أذنت لك.» وكاتب عمر في ذلك. فكتب إليه في الإذن على أن يتقدم نحو الباب، وأمره أن يستخلف على عمله. فاستخلف عتبة على ما افتتح. ومضى قدما، وقدّم إسفندياذ إلى عتبة، وأقرّ عتبة سماك بن خرشة، وليس بأبى دجانة، على عمل بكير الذي كان افتتح.

стр. 390

وجمع عمر آذربيجان كلّها لعتبة، وقد كان بهرام بن الفرّخان أخذ بطريق عتبة بن فرقد، وأقام له في عسكره حتى قدم عليه عتبة، فهزمه عتبة وهرب بهرام. فلما بلغ خبر هزيمته إسفندياذ وهو في الإسار عند بكير، قال: - «الآن تمّ الصلح وطفئت الحرب وعادت آذربيجان سلما.» فبعث بالأخماس. وكان بكير سبق عتبة بفتح ما ولى، وتمّ الصلح بعد ما هزم عتبة بهرام. فكتب عتبة بينه وبين أهل آذربيجان كتابا- حيث جمع له عمر بكير إلى عمله-[٤٤٠] بالأمان وشروط الجزية وقرى المسلمين وغير ذلك. فتح الباب والفتوح التي كانت بعده وأنفذ عمر سراقة بن عمرو- وكان يكنّى ذا النون [١]- إلى الباب وجعل على مقدّمته عبد الرحمن بن ربيعة، وسمى لإحدى مجنّبتيه حذيفة بن أسد، وسمى للأخرى بكير بن عبيد الله الليثي، وهو الذي كان بإزاء الباب قبل قدوم سراقة عليه. فلمّا قدم سراقة قدّم بكيرا في أدانى الباب، فدخل بكير بلاد الباب والملك يومئذ شهربراز [٢] الذي أفسد بنى إسرائيل وأعرى [٣] الشام منهم. فكاتب عبد الرحمن شهربراز، واستأمنه على أن يأتيه. ففعل، فأتاه، فقال له: - «إنى بإزاء عدو كلب وأمم مختلفة لا ينسبون إلى أحساب، وليس ينبغي لذي الحسب والعقل أن يعين هؤلاء ولا يستعين بهم على ذوى الأحساب [٤] والأصول، وذو الحسب قريب ذى الحسب حيث كان، ولست من الأرمن في

стр. 391

شيء ولا من القبق [١] ، وإنّكم قد غلبتم على بلادي وأمّتى، وأنا اليوم منكم، ويدي مع أيديكم، وصفوي معكم، وجزيتنا إليكم، والنصر لكم، والقيام بما تحبّون، فلا تذلّونا بالجزية [٤٤١] فتوهنونا لعدوكم.» فقال عبد الرحمن: «فوقى أمير قد أظلّك، فسر إليه.» فجوّزه فسار إلى سراقة، فلقيه بمثل ذلك. فقال سراقة: «قد قبلت ذلك ممن كان معك على هذا ما دام عليه، ولا بدّ من الجزى ممن يقيم ولا ينهض.» فقبل ذلك، وكتب سراقة إلى عمر بن الخطّاب بذلك، فأجازه، وحسّنه، وصارت سنّة فيمن يحارب العدو من المشركين وفيمن لم يكن عنده الجزى أن يستنفروا، ثمّ يوضع عنهم جزى تلك السنة. ووجّه سراقة بعد ذلك بكير بن عبد الله، وحبيب بن مسلمة، وحذيفة بن أسد، وسلمان بن ربيعة إلى الجبال المطيفة بأرمينية، ووجه بكيرا إلى موقان، وحبيبا إلى تفليس، وحذيفة إلى جبال اللّان، وسلمان إلى الوجه الآخر، وكتب سراقة بالفتح وبمن وجّه من هؤلاء النفر. فأتى عمر بن الخطّاب أمر لم يكن يرى انّه يستمر بتلك السرعة بغير مؤونة. فلما استوسق الأمر بتلك الناحية واستحلوا عدل الإسلام مات سراقة واستخلف عبد الرحمن بن ربيعة. فأقرّ عمر عبد الرحمن على فرج الباب، وأمره بغزو الترك. فخرج [٤٤٢] عبد الرحمن بالناس حتى قطع الباب. فقال له شهربراز: «ما تريد أن [تصنع] [٢] ؟» قال: «أريد بلنجر.» قال: إنّا لنرضى منهم أن يدعونا من دون الباب.»

стр. 392

قال: «لكنّا لا نرضى منهم بذلك حتى نأتيهم في ديارهم. والله إنّ معنا لأقواما لو يأذن لنا أميرنا في الإمعان لبلغت بهم الروم.» قال: «وما هم؟» قال: «قوم صحبوا رسول الله- صلى الله عليه- ودخلوا في هذا الأمر بنيّة، كانوا أصحاب حياء وتكرّم في الجاهلية، فازداد حياؤهم وتكرّمهم، فلا يزال هذا الأمر دائما لهم، ولا يزال النصر معهم حتى يغيّرهم أمر، أو يلفتوا عن حالهم بمن يغيّرهم.» فغزا بلنجر- غزاه في زمن عمر- لم تئم فيها امرأة، ولا يتم فيها صبىّ. وبلغت خيله البيضاء على رأس مائتي فرسخ من بلنجر، ثم غزا فسلم أيضا، وغزا [غزوات] [١] في زمن عثمان، وأصيب عبد الرحمن حين تبدّل أهل الكوفة في إمارة عثمان، لما استعمل من كان ارتدّ واستعان بهم، فساد من طلب الدنيا، وعضّلوا بعثمان حتى كان يتمثل: وكنت وعمرا [٢] كالمسمّن كلبه ... فخدّشه أنيابه وأظافره [٤٤٣] وكان عبد الرحمن بن ربيعة لما غزا الترك، قالوا: - «ما اجترأ علينا هذا الرجل إلّا ومعهم الملائكة يمنعهم من الموت» . فتحصّنوا منه، وهربوا. فرجع بالغنم. فلمّا كان بعد ذلك غزا تلك الغزوات الأخر على تلك العادة، حتى إذا كان في زمن عثمان بعد السنين الستّ منه، غزا غزوة. وكان من الترك طائفة في الغياض مختفين، فرمى رجل منهم مسلما على غرّة، فقتله وهرب عنه أصحابه، فتجاسروا

стр. 393

بعد ذلك وتنادوا. فأمّا عبد الرحمن فقتل، واشتدّ القتال، وأخذ الراية سلمان بن ربيعة، وخرج بالناس على جيلان إلى جرجان، واجترأ الترك بعدها، ولم يمنعهم ذلك من اتخاذ جسد عبد الرحمن، فهم يستسقون به حتى الآن. ما جرى بين يزدجرد وآبان جاذويه في الرىّ ولما انتهى يزدجرد في مسيره بعد جلولاء إلى الرىّ كان عليها آبان جاذويه، فوثب عليه، فأخذه فقال: - «يا آبان جاذويه، تغدر بى؟» قال: «ولكنّك تركت ملكك وصار في يد غيرك وأريد أن أكتتب على ما كان لى من شيء، وما أردت من غير ذلك [١] .» وأخذ خاتم يزدجرد [٤٤٤] وكتب الصكاك على الأدم، وسجّل السجلّات بكل ما أعجبه، ثم ختم عليها، وردّ الخاتم. ثمّ أتى بعد سعدا فردّ عليه كلّ شيء في كتابه. واستوحش يزدجرد من آبان وكرهه. فخرج هاربا إلى أصبهان ومعه النار [٢] ، وأراد كرمان. ثم عزم على خراسان ليستمدّ الترك والصين وهو قريب منهم. فأتى مرو، فنزلها، وبنى للنار بيتا، واطمأنّ في نفسه. غزو خراسان وهزيمة يزدجرد في بلخ وخرج عبد الله بن عامر من البصرة في هذه السنة، وهي سنة إحدى وثلاثين، غازيا إلى خراسان. ففتح نيسابور وطوس ونسّا، حتى بلغ سرخس، وعلى مقدّمته الأحنف بن قيس. فلقيه الهياطلة، وهم أهل هراة، فهزمهم الأحنف، فبعثه

стр. 394

ابن عامر إلى طخارستان. فلمّا دنا الأحنف من مرو الشاهجان خرج منها يزدجرد نحو مرو الروذ، فنزلها، ونزل الأحنف مرو الشاهجان، وكتب يزدجرد إلى خاقان من مرو الروذ يستمدّه، وكتب إلى ملك الصغد يستمدّه. فخرج رسوله إليهما، وكتب إلى ملك الصين يستعينه. وخرج الأحنف [٤٤٥] من مرو الشاهجان، واستخلف عليه بعد ما لحقته الأمداد من أهل الكوفة قاصدا مرو الروذ. فلمّا بلغ مسيره يزدجرد خرج إلى بلخ. ونزل الأحنف مرو الروذ، وقدم أهل الكوفة، فساروا إلى بلخ، واتبعهم الأحنف، فالتقى أهل الكوفة ويزدجرد ببلخ، فهزم يزدجرد، وتوجّه في أهل فارس إلى النهر، فعبر، ولحق الأحنف بأهل الكوفة وقد فتحوا بلخ، وعاد الأحنف إلى مرو الروذ. وكتب عمر إلى الأحنف: «أمّا بعد، فلا تجوزوا النهر، واقتصروا على ما دونه.» وبلغ رسولا يزدجرد خاقان وعارك [١] ، فلم يستتبّ لهم [٢] إنجاده، حتّى عبر إليهم النهر مهزوما. فأنجده خاقان، فأقبل في الترك، وحشر أهل فرغانة والصغد، حتّى خرج بهم راجعا إلى خراسان. فعبر إلى بلخ، وعبر معه خاقان، فأرز أهل الكوفة إلى مرو الروذ، إلى الأحنف. ذكر رأى صحيح في وقت شدّة فاستشار الأحنف المسلمين. فاختلفوا، فبين قائل يقول: «نرجع إلى أبرشهر» [٣] [٤٤٦] ، وقائل يقول: «نقيم ونستمدّ.» وقائل يقول: «نناجزهم.»

стр. 395

وخرج المشركون من بلخ حتّى نزلوا على الأحنف مرو الرّوذ. وكان الأحنف حين بلغه عبور خاقان نهر بلخ غازيا له، خرج في عسكره ليلا يتسمّع: هل يسمع برأى ينتفع به؟ فلمّا خرج مرّ برجلين ينقّيان علفا، إمّا تبنا، وإمّا شعيرا، وأحدهما يقول لصاحبه: - «الرأى للأمير أن يلقى العدوّ حيث لقيهم أوّلا، فإنّه أرعب لهم.» فقال له صاحبه: - «أخطأت الرأى، إن لقى العدوّ مصحرا في بلادهم لقى جمعا كثيرا بعدد قليل، فإن جالوا جولة اصطلمونا. ولكنّ الرأى للأمير أن يسندنا إلى هذا الجبل، ليكون النهر بيننا وبين عدونا خندقا، وكان الجبل في ظهورنا، نأمن أن نؤتى من خلفنا، وكان قتالنا من وجه واحد، [و] [١] رجونا أن ينصرنا الله.» فرجع، واجتزأ بها. وذلك في ليلة مظلمة. فلما أصبح جمع الناس، ثم قال: - «إنكم قليل، وعدوّكم كثير، فلا يهولنّكم: ف كَمْ من فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله، وَالله مَعَ الصَّابِرِينَ ٢: ٢٤٩ [٢] . ارتحلوا من مكانكم، فاستندوا إلى هذا الجبل، فاجعلوه [٤٤٧] في ظهوركم، واجعلوا النهر بينكم وبين عدوكم، وقاتلوه من وجه واحد.» ففعلوا، وقد أعدوا ما يصلحهم في عشرة آلاف من أهل البصرة، وأهل الكوفة نحو منهم. وأقبلت الترك ومن اجتلبت من الصغد وغيرهم حتى نزلوا بهم. فكانوا يغادونهم ويراوحونهم ويتنحّون عنهم بالليل ما شاء الله. وطلب الأحنف علم مكانهم بالليل. فخرج ليلة بعد ما علم علمهم طليعة لأصحابه حتى كان قريبا من عسكر خاقان، فوقف. فلما كان في وجه الصبح خرج فارس الترك بطوقه، وضرب بطبله، ووقف من العسكر موقفا يقفه مثله.

стр. 396

فحمل عليه الأحنف، فاختلفا طعنتين سبقه الأحنف، فقتله. قال الأحنف: فارتجزت: إنّ على الرئيس حقّا حقّا ... أن يخضب الصعدة أو تندقّا ثم وقف موقف التركي، وأخذ طوقه، وخرج آخر من الترك، ففعل فعل صاحبه، فحمل عليه الأحنف، فقتله. ثم وقف موقف التركىّ الثاني. [٤٤٨] قال الأحنف: فارتجزت: إنّ الرئيس يرتبى ويطلع ... ويمنع الحلاء [١] إمّا أربعوا وأخذ طوق التركىّ، ثم خرج ثالث، ففعل فعل الرجلين، ووقف دون الثاني منهما، فحمل عليه الأحنف، فقتله، قال: وارتجزت: جرى الشموس ناجزا بناجز ... محتفل في جريه [٢] مشارز ثم انصرف إلى عسكره ولا يعلم بذلك أحد. وكان من شيمة الترك أنّهم لا يخرجون حتى يخرج ثلاثة من كبرائهم وفرسانهم يضربون بالطبول، ثم يخرجون بعد خروج الثالث. فخرجت الترك ليلتئذ بعد الثالث على فرسانهم مقتّلين. فتشاءموا، وتشاءم خاقان وتطيّر وقال: - «قد طال مقامنا وأصيب هؤلاء القوم بمكان لم يصب بمثله أحد منّا، مالنا

стр. 397

في قتال هؤلاء القوم من خير، انصرفوا بنا.» فكان وجوههم راجعين، وارتفع النهار للمسلمين ولا يرون شيئا. وأتاهم الخبر بانصراف خاقان إلى بلخ، وقد كان يزدجرد [٤٤٩] ترك خاقان بمرو الروذ، وخرج إلى مرو الشاهجان فتحصّن منه حارثة بن النعمان خليفة الأحنف، فحصرهم واستخرج خزائنه من موضعها وخاقان ببلخ ينتظره مقيم له. فقال المسلمون: «نحن نتبع خاقان.» فقال: «بل أقيموا مكانكم.» ولما جمع يزدجرد ما كان في يديه مما وضع بمرو وأعجل عنه، وأراد أن يستقلّ منها، حاول أمرا عظيما من خزائن أهل فارس، وكان أراد اللحاق بخاقان. فقال أهل فارس: «ما تريد أن تصنع؟» قال: أريد اللحاق بخاقان فأكون معه أو بالصين.» فقالوا له: «مهلا، فإنّ هذا رأى سوء. إنّك إنّما تأتى قوما في مملكتهم وتدع أرضك وقومك، ولكن ارجع بنا إلى هؤلاء القوم فنصالحهم، فإنّهم أوفياء وأهل دين، وهم يلون بلادنا، وإنّ عدوّا يلينا في بلادنا أحبّ إلينا من عدوّ يلينا في بلاده، ولا دين لهم، فلا ندري ما وفاءهم.» فأبى عليهم، فأبوا عليه. قالوا: - «فدع خزائننا نردّها إلى بلادنا ومن يليها، [٤٥٠] لا تخرجها من بلادنا إلى غيرها.» فأبى. فقالوا: «فإنّا لا ندعك.» فاعتزلوا وتركوه في حاشيته. ثم اقتتلوا، فهزموه، وأخذوا الخزائن واستولوا عليها، ونكبوه، وكتبوا إلى الأحنف بالخبر. فاعترضهم المسلمون والمشركون بمرو، فقاتلوه، وأصابوه في آخر القوم، وأعجلوه عن الأثقال ومضى حتى قطع النهر إلى فرغانة والترك، فلم يزل مقيما زمان عمر كلّه يكاتبهم ويكاتبونه إلى

стр. 398

زمان عثمان. فأقبل أهل فارس إلى الأحنف، فصالحوه، وعاقدوه، ودفعوا الخزائن والأموال، وتراجعوا إلى بلدانهم وأموالهم، على أفضل ما كانوا في زمان الأكاسرة. فكانوا كأنّهم في ملكهم. إلّا أنّ المسلمين أوفى لهم وأعدل عليهم. وأصاب الفارس يوم يزدجرد كسهم الفارس يوم القادسية. ولما سمع خاقان ما لقى يزدجرد وخروج المسلمين مع الأحنف من مرو الروذ نحوه، ترك بلخ وعبر النهر، وأقبل الأحنف حتى نزل [٤٥١] بلخ، وأنزل أهل الكوفة في كورها الأربع، ثم رجع إلى مرو الروذ، فنزل بها، وكتب بفتح خاقان ويزدجرد إلى عمر، وبعث إليه بالأخماس. ووفد الوفود إليه. حوار بين خاقان ورسول يزدجرد ولما عبر خاقان النهر، وعبر معه حاشية آل كسرى مع يزدجرد لقوا رسول يزدجرد الذي كان نفذ إلى ملك الصين، فسألوه عما وراءه. فقال: لما قدمت عليه بالكتاب والهدايا كافأنا بما ترون.- وأراهم هديته وجوابه عن كتاب يزدجرد إليه- قال لى: - «قد علمت أنّ حقّا على الملوك إنجاد الملوك على من غلبهم، فصف لى صفة هؤلاء القوم الذين أخرجوكم من بلادكم، فإنّى أراك، تذكر قلّة منهم وكثرة منكم، ولا يبلغ أمثال هؤلاء القليل الذين تصف [منكم [١]] معما أسمع من كثرتكم إلّا بخير عندهم وشرّ فيكم.» فقلت: «سلني عما أحببت أخبرك.» قال: «أيوفون بالعهد؟» [٤٥٢]

стр. 399

قلت: «نعم.» قال: «وما يقولون لكم قبل أن يقاتلوكم؟» قلت: «يدعوننا إلى واحدة من ثلاث: إما دينهم، فإن أجبناهم أجرونا مجراهم، أو الجزية والمنعة، أو المنابذة.» قال: «فكيف طاعتهم أمراءهم؟» قلت: «أطوع قوم لمرشدهم.» قال: «فما يحرّمون وما يحلّون؟» فأخبرته. قال: «أفيحلّون [١] ما حرّم عليهم، أو يحرّمون [٢] ما حلّل لهم؟» قلت: «لا.» قال: «فإنّ هؤلاء القوم لا يهلكون أبدا حتى يبدّلوا.» ثم قال: «أخبرنى عن لباسهم» . فأخبرته، «وعن مطاياهم» فقلت: - «الخيل العراب.» ووصفتها. فقال: «نعمت الحصون هذه.» ووصفت له الإبل وبروكها وانبعاثها بحملها. فقال: «هذه صفة دوابّ طوال الأعناق.» وكتب معه إلى يزدجرد: «إنّه لم يمنعني أن أبعث إليك بجيش أوّله بمرو، وآخره بالصين، الجهالة بما يحق علىّ، ولكن هؤلاء القوم الذين وصف لى رسولك صفتهم، لو يحاولون الجبال لهدّوها، ولو خلّى سربهم أزالونى

стр. 400

ما داموا على ما وصف، فسالمهم وارض منهم بالمساكنة، ولا تهجهم ما لم يهيجوك.» [٤٥٣] وأقام يزدجرد وآل كسرى بفرغانة معهم عهد بخاقان. ثم جرى ما جرى من قبل عمر، رضى الله عنه. ذكر كتّاب عمر وجمل من سياسته كان يكتب لعمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الأرقم، وعبد الله بن خلف الخزاعي أبو طلحة الطلحات على ديوان البصرة، وأبو حبيرة بن الضحّاك الأنصارى على ديوان الكوفة. فأمّا زيد بن ثابت فإنّه كان كاتب النبىّ- صلى الله عليه- فكان يخلو به عمر. فقال له يوما: - «إنّى استصحبتك لكتب أسرارى الذي رأيت رسول الله- صلى الله عليه- يفعله بك. فأخبرنى عن كتبه كيف كانت إلى الملوك وغيرهم.» فقال زيد: «اعفني يا أمير المؤمنين.» فقال له: «ممّ ذاك؟» قال زيد: «إنّ رسول الله ﷺ قال لى: يا زيد! إنّى انتخبتك، فاحفظ أسرارى، واكتم ما استحفظتك. فضمنت له ذلك.» فأمسك عمر عن معاودته، لكن كان يملى عليه ويستعين برأيه. وكان زيد ذا رأى [٤٥٤] ونفاذ. وكان عمر يقول لكتّابه ويكتب إلى عمّاله: - «إنّ القوة على العمل أن لا تؤخروا عمل اليوم لغد، فإنّكم إذا فعلتم ذلك تداكّت الأعمال عليكم، فلا تدرون بأيّها تبدأون، وأيّها تؤخّرون.»

стр. 401

تدوينه الدواوين وكان عمر أول من دوّن الدواوين من العرب. وكان سبب ذلك أنّ أبا هريرة قدم عليه من البحرين ومعه مال، فلقى عمر. فقال له عمر: - «ماذا جبيت؟» قال: «خمسمائة ألف درهم.» فقال عمر: «أتدرى ما تقول؟» قال: «نعم، مائة ألف، ومائة ألف، ومائة ألف، ومائة ألف، ومائة ألف.» فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: - «أيّها الناس، قد جاء مال عظيم، فإن شئتم كلنا كيلا، وإن شئتم أن يعدّ عددنا.» فقام رجل فقال: «يا أمير المؤمنين، هؤلاء الأعاجم يضبطون هذا بالديوان.» قال: «فدوّنوا الدواوين.» وكان عمر بعث بعثا بعد أن آمن الفيرزان [١] وحضره فقال: - «يا أمير المؤمنين، هذا البعث قد أعطيت أهله الأموال، فإن تخلّف منهم رجل وأخلّ [٤٥٥] بمكانه ما يدرى صاحبك به؟» وأشار عليه بالديوان وفسّره له، فوضع عمر الديوان. وكان أبو موسى الأشعرى كتب إلى عمر رضى الله عنه: - «انّ المال كثر وكثر من يأخذه، فلسنا نحصيه إلّا بالأعاجم، فاكتب إلينا برأيك.» فكتب إليه عمر: «لا تعدهم في شيء سلبهم الله إياه، أنزلوهم حيث أنزلهم الله

стр. 402

وتعلّموا.» فاستكتب أبو موسى زيادا، وكتب عمر إلى أبى موسى يستقدمه. فاستخلف زياد عمران بن حصين وقدم عليه. فقال عمر: - «لئن كان أبو موسى استخلف حدثا لقد استخلف الحدث كهلا.» ثمّ دعا بزياد وقال: «أكتب إلى خليفتك بما يجب أن يعمل به.» فكتب إليه كتابا ودفعه إلى عمر، فنظر فيه، ثم قال: «أعد» ، فكتب غيره، ثم قال: «أعد» ، فكتب الثالث. فقال عمر بعد ذلك: - «لقد بلغ ما أردت في الكتاب الأول، ولكنّى ظننت أنّه قد روّى فيه، ثم بلغ في الثاني ما أردت، فكرهت أن أعلمه ذلك لئلّا يدخله العجب، فوضعت منه [٤٥٦] لئلّا يهلك» . وكان عمر يملى على كاتب بين يديه وزياد حاضر. فكتب الكاتب غير ما قال عمر. فقال له زياد: «يا أمير المؤمنين، إنه يكتب غير ما قلت له.» فقال عمر: «أنّى علمت هذا.» فقال: «رأيت رجع فيك وخطّه، فرأيت ما أجارت كفه غير ما رجعت به شفتيك.» فاستحسنه عمر. ثم قال له يوما: «يا زياد، هل أنت حامل كتابي إلى أبى موسى في عزلك عن كتابته؟» قال: «نعم، يا أمير المؤمنين. ولكن أعن عجز أم خيانة؟» قال: «لا عن واحد منهما، ولكنّى أكره أن أحمل فضل عقلك على الرعيّة.»

стр. 403

وضعه التأريخ وكان عمر أول من كتب التاريخ من الهجرة، لأنّ أبا موسى كتب إليه أنه: «تأتينا منك كتب ليس فيها تاريخ.» - وكانت العرب تؤرّخ بعام الفيل. فجمع عمر الناس للمشهورة. فأشار بعضهم: أن يؤرّخ بمبعث النبي- صلى الله عليه. وقال بعضهم: «بمهاجرته.» .. فأرّخ به. وكان ذلك في سنة سبع عشرة، أو ثماني عشر من الهجرة. ثم قالوا: «بأىّ الشهور نبدأ؟» [٤٥٧] فقال بعضهم: «بشهر رمضان.» فقال عمر: - «بل بالمحرّم، فهو منصرف الناس من حجّهم، وهو شهر حرام.» فأجمعوا على المحرّم. ودخل كاتب لعمرو بن العاص على عمر، فحاوره فأحسن الكلام، فقال عمر: - «ألست ابن القين بمكة؟» فقال: بلى. فقال عمر: «لا يلبث القلم، أو يبلغ بصاحبه.» [١] وكان عمر إذا استعمل عاملا كتب له عهدا، وأشهد عليه رهطا من المهاجرين والأنصار واشترط عليه ألّا يركب برذونا، ولا يأكل ما لا يقدر عليه أوساط رعيّته، ولا يلبس رقيقا، ولا يتّخذ بابا دون حاجات الناس.

стр. 404

أنتم المؤمنون وأنا أميركم وهو أول من خوطب ب «أمير المؤمنين» وذاك أنّ أبا بكر خوطب ب «خليفة رسول الله» - صلى الله عليه- فلما خلف عمر خوطب ب «خليفة خليفة رسول الله» . قال عمر: «أمر يطول. إذا جاء خليفة آخر قلتم: «خليفة خليفة خليفة رسول الله» ، بل أنتم «المؤمنون» وأنا «أميركم» . وهو أول من جمع الناس على إمام [يصلّى بهم التراويح] [١] [٤٥٨] في شهر رمضان، وكتب به إلى البلدان وأمرهم بذلك، وزاد في مصابيح المساجد. وهو أول من حمل الدرّة وضرب بها. فمن ذلك ما رويناه أنّ عمر بن الخطّاب- رضى الله عنه- أتى بمال، فجعل يقسمه بين الناس، فازدحموا عليه. فأقبل سعد بن أبى وقاص يزاحم الناس حتى خلص إليه، فعلاه عمر بالدرّة، وقال: - «إنك أقبلت لا تهاب سلطان الله في الأرض. فأحببت أن أعلمك أنّ سلطان الله لا يهابك.» ورأت الشفاء بنت عبد الله قوما يقصدون في المشي، ويتكلّمون رويدا. فقالت: «ما هذا؟» قالوا: «نسّاك.» فقالت: «كان والله عمر إذا تكلّم أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع. هو والله الناسك حقّا.» وذكر قوم رجلا بين يدي عمر، ووصفوه وقالوا:

стр. 405

- «هو فاضل لا يعرف الشرّ.» قال: «أجدر له أن يقع فيه.» واستعمل عمر عتبة بن أبى سفيان على كنانة، فقدم عليه بمال. فقال عمر: - «ما هذا يا عتبة؟» قال: «هذا مال خرجت به معى فتجرت فيه.» قال: «ومالك تخرج المال معك في هذا الوجه، فصيّره في بيت المال.» فلمّا ولى عثمان [٤٥٩] قال لأبى سفيان: - «إن طلبت ما أخذ عمر من عتبة رددته عليك.» فقال أبو سفيان: إنّك إن خالفت صاحبك الذي تقدّمك ساء رأى الناس فيك، إياك أن تردّ على من قبلك فيردّ عليك من يجيء بعدك. كان معجبا بسياسات ملوك العجم وكان عمر يكثر الخلوة بقوم من الفرس يقرأون عليه سياسات الملوك وسيّما ملوك العجم الفضلاء، وسيّما أنوشروان، فإنّه كان معجبا بها، كثير الاقتداء بها. وكان أنوشروان مقتديا بسيرة أردشير آخذا نفسه بها، وبعهده الذي كتبناه فيما مضى، مطالبا به غيره. وكان أردشير متبعا لبهمن وكورس، مقتديا [١] بهما. فهؤلاء جلّة ملوك الفرس وفضلاؤهم الذين ينبغي أن يقتدى بأفعالهم وسيرهم وتتعلّم سياساتهم ويتشبّه بهم. وروينا عن عمران بن سوادة أنه قال: دخلت على عمر، فذكرت أشياء مما عابه [٢] بها الناس فأصغى إلىّ: وضع رأس درّته في ذقنه، ووضع أسفلها على فخذه يستمع إلى ما أقول، إلى أن قلت:

стр. 406

- «وإنّ الرعيّة يشكون منك عنف السياق.» فشرع الدرّة، ثم مسحها حتى أتى على آخرها، ثم قال: - «أم والله، إنّى لأرتع فأشبع، وأسقى فأروى، وأنهز [١] [٤٦٠] العروض وأؤدّب [٢] (أؤرب؟) قدري، وأزجر اللقوف [٣] ، وأسوق خطري [٤] ، وأضمّ الهيوب [٥] ، وألحق العطوف [٦] ، وأكثر الزجر، وأقلّ الضرب، وأشهر العصا، وأدفع باليد [٧] .» فبلغ ذلك معاوية بعد، فقال: «كان والله عالما برعيّته.»

стр. 407

خلافة عثمان بن عفّان ذكر ما يجب ذكره من حديث الشورى وما يليق منه بهذا الكتاب لما قتل عمر بن الخطّاب- رضى الله عنه- قيل له حين طعن: - «استخلف.» فأبى أن يسمّى رجلا بعينه وقال: - «عليكم هؤلاء الرهط الذين توفّى رسول الله، صلى الله عليه، وهو عنهم راض: علىّ، وعثمان ابنا عبد مناف، وعبد الرحمان، وسعد خالا رسول الله- صلى الله عليه- والزبير بن العوام حوارىّ رسول الله- صلى الله عليه- وابن عمّته، وطلحة الخير. فليختاروا رجلا منهم، ويشاوروا ثلاثة أيام، وليصلّ بالناس صهيب، ولا يأتينّ اليوم الثالث إلّا وعليكم أمير منكم، ويحضر عبد الله بن عمر مشيرا، ولا شيء له من الأمر، وطلحة شريككم في الأمر، فإن قدم في الأيام الثلاثة فأحضروه أمركم، وإن مضت الأيام الثلاثة قبل قدومه فاقضوا أمركم.» [٤٦١] وقال لأبى طلحة الأنصارى: «إنّ الله تعالى طال ما أعزّ الإسلام بكم، فاختر

стр. 408

خمسين رجلا من الأنصار، فاستحثّ هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا.» وقال لصهيب: - «صلّ بالناس ثلاثة أيام، وأدخل عليّا، وعثمان، والزبير، وسعدا، وعبد الرحمان بن عوف، وطلحة- إن قدم- وأحضر عبد الله بن عمر، ولا شيء له من الأمر، وقم على رؤوسهم. فإن اجتمع خمسة ورضوا واحدا منهم وأبى واحد فاشدخ رأسه واضرب رأسه بالسيف، وإن اتّفق أربعة فرضوا واحدا وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما، وإن رضى ثلاثة منهم رجلا واحدا وثلاثة رجلا منهم فحكّموا عبد الله بن عمر، فأىّ الفريقين حكم فليختاروا رجلا منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمان بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع عليه الناس.» فخرجوا من عنده، فقال لعلىّ قوم كانوا معه من قريش [١] : «ما ترى؟» فقال علىّ: «إن أطيع فيكم قومكم، لم تؤمّروا أبدا.» [٢] وتلقّاه العباس، فقال له علىّ: «عدلت عنّا» . قال: «وما علمك؟» [٣] قال: - «قرن بى عثمان وقال: كونوا مع الأكثر، فإن رضى رجلان

стр. 409

رجلا [١] [٤٦٢] ورجلان رجلا، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمان بن عوف. فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمان، وعبد الرحمان صهر عثمان لا يختلفون: فيولّيها عثمان أو يولّيها عثمان عبد الرحمان، فلو كان الآخران معى لم ينفعانى، بله أنّى لا أرجو إلّا أحدهما.» فقال العباس: - «لم أدفعك في شيء إلّا رجعت إلىّ مستأخرا بما [٢] أكره، أشرت عليك عند وفاة رسول الله- صلى الله عليه- أن تسأله فيمن هذا الأمر، فأبيت، ثمّ أشرت عليك بعد وفاته أن تعاجل الأمر، فأبيت، ثمّ أشرت عليك حين سمّاك عمر في الشورى ألّا تدخل معهم، فأبيت. احفظ عنّى واحدة: كلّما عرض عليك القوم، فقل: لا، إلّا أن يولّوك، واحذر هؤلاء الرهط، فإنّهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم به غيرنا، وأيم الله، لا نناله إلّا بشرّ لا ينفع معه خير.» فأجابه علىّ بما سمع بعضه ولم يسمع بعضه، وتمثّل بأبيات [٣] . والتفت، فرأى أبا طلحة، فكره مكانه. فقال أبو طلحة:

стр. 410

- «لم ترع [١] أبالحسن» . وكان خلع عبد الرحمان نفسه، ورضوا أن يكون هو الذي يختار للمسلمين، [٤٦٣] وقد كان جاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة والقوم في البيت يتشاورون، فجلسا بالباب فحصبهما [٢] سعد وأقامهما. ولما كان اليوم الرابع صعد عبد الرحمان المنبر في الموضع الذي كان يجلس فيه رسول الله- صلى الله عليه- ثم قال: «أيّها الناس، إنّى قد سألتكم سرّا وجهرا عن إمامكم، فلم أجدكم تعدلون بأحد الرجلين: إما علىّ وإما عثمان. فقم إلىّ يا علىّ!» فوقف تحت المنبر، وأخذ عبد الرحمان بيده، فقال: - «هل أنت مبايعى على كتاب الله وسنّة نبيّه وفعل أبى بكر؟» قال: «اللهم لا، ولكن على جهدي وطاقتي.» قال: فأرسل يده، ثم نادى: «قم يا عثمان!» فأخذ بيده وهو في موقف علىّ الذي كان فيه، فقال: - «هل أنت مبايعى على كتاب الله وسنّة نبيّه وفعل أبى بكر؟» قال: «اللهم نعم.» فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان، ثم قال: - «اللهم اسمع واشهد، اللهمّ اسمع واشهد: إنّى جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان.» فازدحم الناس يبايعون عثمان، وكان عبد الرحمان [٤٦٤] قعد مقعد النبىّ- صلى الله عليه- من المنبر، وأقعد عثمان على الدرجة الثانية.

стр. 411

قال: وجعل الناس يبايعونه، وتلكّأ علىّ، فقال عبد الرحمان: فَمَنْ [١] نَكَثَ، فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ، وَمن أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ الله فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً. ٤٨: ١٠ فرجع علىّ يشقّ الناس حتّى بايع عثمان وهو يقول: - «خدعة وأيّما خدعة» . ذكر هذه الخدعة كان سبب قول علىّ: «خدعة.» أن عمرو بن العاص كان لقى عليّا في ليالي الشورى فقال: - «إنّى أحبّك وأريد نصحك: إنّ عبد الرحمان رجل مجتهد، ومتى أعطيته العزيمة كان أزهد له فيك، فلا تظهر كلّ الرغبة، ولا تبذل له من نفسك إلّا الجهد والطاقة، ولا تضمن له كلّ ما يسألك وأوم إلى التواضع.» [٢] ثمّ أتى عثمان، فقال له: - «إنّ عبد الرحمان ليس والله يبايعك إلّا بالعزيمة، فاقبل ما يعطيك، وأعطه ما يسألك.» فلذلك قال علىّ: «خدعة.» وقد قيل: إنّ عليّا قال ذلك لأجل ما ذكرناه من اقتران عثمان وعبد الرحمان. قال: ثمّ انصرف عثمان [٤٦٥] إلى بيت فاطمة بنت قيس، والناس معه، فقام المغيرة بن شعبة خطيبا، فقال: - «يا أبا محمد، الحمد لله الذي وفّقك. ما كان لنا غير عثمان- وعلىّ جالس. فقال عبد الرحمان:

стр. 412

- «يا ابن الدبّاغ، ما أنت وذاك، والله ما كنت أبايع أحدا من هؤلاء إلّا قلت فيه هذه المقالة. وكان أول ما كتبه عثمان إلى أمراء الأجناد في الفروج: «أما بعد، فانّكم حماة المسلمين، وذادتهم، وقد وضع عنكم عمر ما لم يغب عنّا، بل كان عن ملأ منّا، فلا يبلغنّى عن أحد منكم تغيير ولا تبديل، فيغيّر الله ما بكم، ويستبدل بكم غيركم.» وكتب إلى عمّال الخراج كتابا يحضّهم فيه على العدل، وكتابا إلى العامّة يأمرهم فيه بالطاعة والاقتداء وترك الإبتداع. مقتل يزدجرد وما تمّ عليه من الاتفاقات الطريفة إنّ يزدجرد لما وقع إلى أرض فارس بقي سنين. ثم أتى كرمان، فأقام بها مثل ذلك. فطلب إليه دهقان كرمان شيئا، فلم يجبه إليه، فطرده عن [٤٦٦] بلاده. ثم أجمع أن ينزل خراسان، فأتى سجستان، فأقام بها، ثم سار إلى مرو، ومعه الرهن من أولاد الدهاقين، ومعه من رؤسائهم فرّخزاد. فلمّا قدم مرو، واستغاث منها الملوك، وكتب إليهم يستمدّهم مثل صاحب الصين، وملك فرغانة، وملك كابل، وملك الخزر، كان الدهقان بمرو ماهويه، وكان له ابن يسمّى نزار، فوكّل ماهويه ابنه نزار [١] بمدينة مرو، وتقدّم إليه وإلى أهل المدينة ألّا يفتحوا الباب ليزدجرد، وقال لهم: - «ليس هذا لكم بملك لأنّه قد سلّم بلاده وجاءكم مفلولا مجروحا، ومرو لا تحتمل ما تحتمل غيرها من الكور. فإذا جئتكم غدا فلا تفتحوا الباب.» فلمّا أتاهم فعلوا ذلك.

стр. 413

وانصرف [فرّخزاذ] [١] ، فجثا بين يدي يزدجرد وقال: - «استصعبت عليك مرو، وهذه العرب قد أتتك.» قال: «فما الرأى؟» قال: «أن تلحق ببلاد الترك، فتقيم بها، حتى يتبيّن لنا أمر العرب. فإنّهم لا يدعون بلدة إلّا دخلوها.» قال: «لست أفعل، ولكن أرجع عودي على بدئي.» فعصاه ولم يقبل رأيه. فسار يزدجرد، [وأتى نزار دهقان مرو] [٢] ، وأجمع على صرف الدهقنة عن [٤٦٧] ابنه نزار إلى سنجان [٣] ابن أخيه. فبلغ ذلك ماهويه وهو أبو نزار وعمل في هلاك يزدجرد، وكتب إلى نيزك طرخان يخبره أن يزدجرد وقع إليه مفلولا، ودعاه إلى القدوم عليه، ليكون أيديهما معا في أخذه والاستيثاق منه، فيقتلوه، ويصالحوا عليه العرب، وجعل له في كلّ يوم ألف درهم، وسأله أن يكتب إلى يزدجرد مما كرا له لينحّى عامّة جنده، ويحصل في طائفة من خواصّه، فيكون أضعف لركنه وأهون لشوكته، وقال: - «تعلمه في كتابك إليه الذي عزمت عليه في مناصحته ومعونته على العرب: أن يشتقّ لك اسما من أهل الدرجات بكتاب مختوم بالذهب، وتعلمه أنك لست قادما عليه حتى تنحّى عنه فرّخزاد.» فكتب نيزك بذلك إلى يزدجرد، فلمّا ورد عليه كتابه بعث إلى عظماء مرو، فاستشارهم. فقال له سنجان: «لست أرى أن تنحّى عنك أصحابك ولا فرّخزاد لشيء.»

стр. 414

وقال نزار: «بل أرى أن تبايعه [١] يعنى نيزك- وتجيبه إلى ما سأل.» فقبل رأيه، وفرّق عنه جنوده، وأمر [٤٦٨] فرّخزاد [أن يأتى] [٢] لأجمة سرخس، فصاح فرّخزاد، وشق جيبه وتناول عمودا بين يديه يريد ضرب نزار به، وقال: - «يا قتلة الملوك، قتلتم ملكين، وأظنّكم قاتلي.» هذا، ولم يبرح فرّخزاذ. حتى كتب له يزدجرد كتابا بخطّ يده، نسخته: «هذا كتاب لفرخزاذ: إنك قد أسلمت يزدجرد وأهله وولده وحاشيته وما معه، إلى ماهويه دهقان مرو.» وأشهد عليه بذلك. فأقبل نيزك إلى موضع من مرو يقال له حلبندان [٣] . فلما أجمع يزدجرد على لقائه والمسير إليه، أشار عليه أبو نزار ألّا يلقاه في السلاح فيرتاب به وينفر عنه، ولكن يلقاه بالملاهي والمزامير. ففعل، وسار إليه كذلك، وتقاعس عنه أبو نزار، وكردس نيزك أصحابه كراديس. فلما تدانيا استقبله نيزك ماشيا ويزدجرد على فرس له. فأمر لنيزك بجنيبة من جنائبه، فركبها، فتوسط عسكره، فتواقفا. فقال له نيزك في ما يقول: «زوّجنى إحدى بناتك لأناصحك وأقاتل معك عدوّك.» فقال له يزدجرد: «علىّ تجترئ يا كلب!» فعلاه نيزك بمخفقته. وصاح يزدجرد: [٤٦٩]- «غدر الغادر.»

стр. 415

وركض منهزما، ووضع أصحاب نيزك سيوفهم فيهم، فأكثروا القتلى. يزدجرد والطحّان وانتهى يزدجرد في هزيمته إلى مكان من أرض مرو، فنزل عن فرسه، ودخل بيت طحّان، مكث فيه ثلاثة أيام. فقال له الطحان: «أيها الشقىّ، اخرج فاطعم شيئا فإنّك جائع منذ ثلاث.» قال: «لست أصل إلى ذلك إلّا بزمزمة.» وكان رجل من زمامة مرو قريبا منه، فأتاه الطحّان، وسأله أن يزمزم [١] عليه ليأكل. ففعل ذلك. فلما انصرف إلى مرو سمع أبا نزار يذكر يزدجرد ويطلبه، فأتاه، فسأله وأصحابه عن حليته. فوصفوه. فأخبرهم أنّه رءاه في بيت طحان وهو رجل جعد مقرون حسن الثنايا مقرّط مسوّر. فوجه إليه رجلا من الأساورة، وأمره أن يخنقه بوتر ويطرحه في نهر مرو. فلقوا الطحان، فضربوه ليدلّ عليه، فلم يفعل وجحدهم أن يعرف أين يتوجّه. فلما أرادوا الانصراف عنه، قال رجل منهم: - «إنى أجد ريح المسك فلو تتبّعته.» فنظر إلى طرف ثوب من ديباج في الماء، فاجتذبه إليه، فإذا هو يزدجرد، فسأله ألّا يقتله ولا يدلّ عليه: [٤٧٠] ويجعل له خاتمه وسواره ومنطقته. فقال: «أعطنى أربعة دراهم [٢] وأخلّى عنك.» قال: «ويحك! خاتمي لك وثمنه لا يحصى!» فأبى عليه.

стр. 416

قال يزدجرد: «قد كنت أخبرت أنّى سأحتاج إلى أربعة دراهم، وأضطرّ إلى أن يكون أكلى أكل الهرّ، فقد عانيته.» ثمّ انتزع أحد قرطيه، وأعطاه الطحّان مكافأة لكتمانه عليه، ودنا منه كأنّه يكلّمه بشيء، فأنذر الرجل أصحابه، وأتوه، فطلب إليهم يزدجرد ألّا يقتلوه، وخوّفهم ما عليهم من دينهم من ذاك [١] . وقال: - «آتوني الدهقان أو سرّحونى إلى العرب، فإنّهم يستحيون مثلي من الملوك.» فأخذوا ما كان عليه من الحلىّ، فجعلوه في جراب، وختموا عليه، ثمّ خنقوه بوتر، وطرحوه في نهر مرو، فجرى به الماء حتّى انتهى إلى فوهة الدريق [٢] ، فتعلّق بعود، فأخذ من هناك. ثم تفقّد أبو نزار أحد قرطيه، فأخذ الذي دلّ عليه، فضربه حتّى أتى على نفسه، وبعث بما أصيب له إلى الخليفة يومئذ، فأغرم الخليفة الدهقان قيمة القرط المفقود. رواية أخرى في ذلك وقد حكى في رواية أخرى: أنّ نزار وسنجان كانا متباغضين [٤٧١] متحاسدين، وخصّ به نزار فحسده سنجان، فظهر ذلك لنزار، فجعل يوغر صدر يزدجرد ويسعى في قتله، ولم يزل يغرى يزدجرد بسنجان حتّى عزم على قتله، وأفشى ما كان عليه عزم من ذلك إلى امرأة من نسائه كان نزار واطأها. فأرسلت إلى نزار [٣] تبشّر بإجماع يزدجرد على قتل سنجان، وفشا الحديث وبلغ سنجان. فجمع جموعا وتوجّه نحو القصر الذي فيه يزدجرد، وبلغ ذلك نزار، فنكص عن سنجان لكثرة جمعه، وأرعب ذلك يزدجرد. فخرج ذاهبا على وجهه راجلا ينجو

стр. 417

بنفسه، فمشى نحوا من فرسخين حتى وقع إلى رحى من ماء، فدخل بيت الرحى، فجلس فيه كالّا لغبا، فرآه صاحب الرحى ذا هيئة، وطرّة، وبزّة كريمة. ففرش له وأتاه بطعام. فطعم ومكث عنده يوما وليلة. فسأله صاحب الرحى أن يأمر له بشيء، فبذل له منطقته، وكانت مكلّلة بجوهر. فأبى صاحب الرحى أن يقبلها وقال: - «إنما يرضيني من هذه المنطقة أربعة دراهم آكل بها وأشرب» . فأخبره ألّا ورق معه، فتملّقه صاحب الرحى حتى إذا [٤٧٢] أغفى، قام إليه بفأس، فضرب بها هامته، فقتله، وأخذ ما كان عليه من ثياب وحلىّ، وألقى جيفته في النهر وبقر بطنه، فأدخل فيه من أصول طرفاء كانت نابتة على النهر ليحبس [١] جثته في الموضع الذي ألقاها فيه، فلا ينتقل [٢] فيعرف ويطلب وما أخذ من سلبه، وهرب على وجهه. وبلغ قتل يزدجرد رجلا من الأهواز كان مطرانا على مرو يقال له: إيليا، فجمع من كان قبله من النصارى، وقال: - «إنّ ملك الفرس قتل وهو ابن شهريار بن كسرى وإنّما شهريار ولد شيرين المؤمنة التي عرفتم حقّها وإحسانها إلى أهل ملّتها وكانت بنت قيصر. ثم لهذا الملك عنصر في النصرانية مع ما نال النصارى في ملك جدّه من الشرف، حتى بنى لهم البيع، وشدّ [٣] ملّتهم، فينبغي أن نجزى هذا الملك بقدر طاقتنا من الكرامة، وقد رأيت أن أبنى له ناووسا وأحمل جثّته في كرامة، حتى أجعلها فيه.» فقال النصارى: «أمرنا لأمرك تبع.» فأمر المطران، فبنى له في جوف بستانه بمرو ناووس، ومضى بنفسه ومعه نصارى [٤٧٣] مرو حتى استخرج جثّة يزدجرد، وكفّنها في تابوت، وحمله ومن

стр. 418

كان معه من النصارى على عواتقهم حتى أتوا به الناووس، وواروه فيه، وردموا بابه. وقيل: بل حمله إلى إصطخر فوضع في الناووس هناك. وذلك في سنة إحدى وثلاثين للهجرة. وكان ملك يزدجرد عشرين سنة منها أربع سنين في دعة وستّ عشرة سنة في تعب من محاربة العرب إيّاه، ومحنته بهم، وغلظتهم عليه. وكان آخر ملك ملك من آل أردشير بن بابك، وصفا الملك بعده للعرب. ما جرى في خلافة عثمان مما تستفاد منه تجربة وقد كنّا ذكرنا ما يجب ذكره من خلافة عثمان- رضى الله عنه- وما تمّ منه على الوجه الذي اقتصصناه. ثم جرى بعد ذلك مما تستفاد منه تجربة أنّ قوما من المسلمين أنكروا منه أشياء، فكانوا يتذاكرونها بينهم، وذلك بالعراق خاصّة وبالمدينة دون غيرهما. ثم انتشر منهم طائفة في سائر الأعمال ينعون [١] على عثمان أمورا ويشنّعون عليه. فسيّر عثمان منهم نفرا إلى الشام ليذلّهم بمعاوية، وجرى لهم معه خطب طويل. ثم تكاتبوا [٤٧٤] بعد ذلك، وجميع ذلك شبيه بالسرّ [٢] . إلى أن شرب الوليد بن عقبة، وهو وال على الكوفة خمرا وشهد عليه به من لم يمكن ردّ شهادته، فاستقدمه عثمان المدينة وجلده الحدّ، وردّ مكانه سعيد بن العاص، فورد سعيد، وأمر بغسل المنبر من مقامه، فكلّمه في ذلك قوم من قريش، فأبى عليهم، وغسل الموضع ودارى الناس، فلم يتمّ له ما أراد، وشغّب عليه الناس.

стр. 419

ثم أجمع رأى الناس على أن يبعثوا إلى عثمان رجلا يكلّمه ويخبره بأحداثه. فأرسلوا إليه عامر بن عبد القيس التيمي، وكان يعدّ من النسّاك. فأتاه فدخل عليه فقال: - «إنّ ناسا من المسلمين اجتمعوا ونظروا في أعمالك، فوجدوك قد ركبت أمورا عظاما، فاتق الله، وتب إليه، وانزع عنها.» فقال عثمان: «انظروا إلى هذا، فإنّ الناس يزعمون أنه قارئ، ثم يجئ فيكلّمنى في المحقّرات [١] ويزعم أنها عظائم، فوالله ما يدرى أين الله.» قال عامر: «أنا لا أدرى أين الله؟» قال: «نعم، والله لا تدرى أين الله.» قال عامر: «بلى والله، إنى لأدرى أنّ الله لك لبالمرصاد.» فأرسل عثمان إلى معاوية [٤٧٥] بن أبى سفيان، وإلى عبد الله بن سعد بن أبى سرح، وإلى سعيد بن العاص، وإلى عمرو بن العاص وأمثالهم، فجمعهم يشاورهم ويخبرهم بما بلغ منه. فلما اجتمعوا عنده قال: - «إنّ لكل امرئ وزراء نصحاء، وإنّكم وزرائى ونصحائى وأهل ثقتي، وقد صنع الناس ما رأيتم، وطلبوا إلىّ أن أعزل عمّالى وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبّون. فاجتهدوا لى رأيكم ثم أشيروا علىّ.» فقال عبد الله بن عامر: - «رأيى لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك، وأن تجمّرهم في المغازي حتى يذلّوا لك، فلا تكون همّة أحدهم إلّا نفسه، وما هو فيه من دبر دابّته وقمل فروته.» ثم أقبل على سعيد بن العاص فقال: «ما رأيك؟»

стр. 420

قال: «يا أمير المؤمنين، إن كنت تريد رأينا فاحسم عنّا الداء، واقطع ما تخاف من الأصل، واعمل برأيى.» قال: «وما هو؟» قال: «إنّ لكلّ قوم قادة متى تهلك تفرّقوا ولا يجتمع لهم أمر.» فقال عثمان: «إنّ هذا الرأى لولا ما فيه.» ثم أقبل على معاوية، فقال: «ما رأيك؟» قال: «رأيى يا أمير المؤمنين أن تردّ عمّالك على [٤٧٦] الكفاية لما قبلهم، وأنا ضامن لما قبلي.» ثم أقبل على عبد الله بن سعد، فقال: «ما رأيك؟» قال: «يا أمير المؤمنين، الناس أهل طمع، فأعطهم من هذا المال تعطف عليك قلوبهم. ثم أقبل على عمرو بن العاص، فقال: «ما رأيك؟» قال: «أرى أنك قد ركبت الناس بما يكرهون فاعتزم أن تعتزل، فإنّك قد ولّيت الناس بنى أميّة وحملتهم على أرقابهم، فاعتزل، فإن أبيت فامض قدما.» فقال له عثمان: «مالك، قمل فروك مذ عزلتك، أهذا الجدّ منك؟» فسكت عنه عمرو حتى إذا تفرّق القوم قال عمرو: - «لا والله يا أمير المؤمنين، لأنت أعزّ علىّ من ذلك، ولكن قد علمت أنّ الناس قد علموا أنّك جمعتنا لتستشيرنا، وسيبلغهم قول كلّ رجل منّا. فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا [١] بى لأقود إليك خيرا، وأدفع عنك شرّا.» فردّ عثمان عمّاله على أعمالهم، وأمرهم بالتضييق على من قبلهم، وأمرهم بتجمير [٢] الناس في البعوث، وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه ويحتاجوا إليه.

стр. 421

وردّ سعيد بن العاص أميرا على الكوفة. أهل الكوفة يردّون سعيد بن العاص فخرج أهل الكوفة [٤٧٧] عليهم السلاح يقدمهم مالك بن الحارث الأشتر، فتلقّوه وردّوه وقالوا: - «لا، والله، لا تلى [١] علينا حكما، ولا تدخلها علينا ما حملنا سيوفنا.» فرجع سعيد وقال للناس: - «أما اختلفتم إلّا لى؟ إنّما كان يكفيكم أن تبعثوا إلى أمير المؤمنين رجلا وتضعوا لى رجلا، وهل يخرج الألف لهم عقول إلى رجل؟» ومضى سعيد حتى قدم على عثمان فأخبره الخبر. فقال عثمان: «ما يريدون، أخلعوا يدا [٢] عن الطاعة؟» قال: «أظهروا أنّهم يريدون البدل.» قال: «فمن يريدون؟» قال: «أبا موسى.» قال: «أثبتنا أبا موسى عليهم. والله لا نجعل لأحد منهم عذرا، ولا نترك لهم حجّة، ولنصيرنّ كما أمرنا حتى يبلغ الله ما يريد.» وكان يزيد بن قيس لما استغوى [٣] الناس على سعيد بن العاص، خرج منه ذكر قبيح [٤] لعثمان. فأقبل إليه القعقاع بن عمرو حتى أخذه.

стр. 422

فقال: «ما تريد يا قعقاع، ألك علينا في أن نستعفى سبيل؟» قال: «وهل إلّا ذاك؟» قال: «لا.» وإنما قال ذلك لما لم يتمّ له جميع ما يريد- فقال له [٤٧٨] القعقاع: - «فأمسك عن الكلام واستعف كيف شئت.» كثر الناس على عثمان وكلّموا عليّا فيه فلما كانت سنة أربع وثلاثين كتب أصحاب رسول الله- صلى الله عليه- بعضهم إلى بعض أن: «اقدموا، فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد.» وكثر الناس على عثمان ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد، وأصحاب رسول الله يرون ويسمعون، ليس منهم أحد يذبّ ولا ينهى. فاجتمع الناس فكلّموا علىّ بن أبى طالب، ﵇. فدخل علىّ على عثمان فقال: - «إنّ الناس ورائي، وقد كلّمونى فيك، وو الله ما أدرى ما أقول لك، وما أعرف شيئا تجهله، ولا أدلّك على أمر لا تعرفه، إنّك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشيء فنبلّغكه وما خصصنا بأمر دونك. قد رأيت وسمعت وصحبت رسول الله- صلى الله عليه- ونلت صهره، وما ابن أبى قحافة بأولى بعمل الحقّ منك، ولا ابن الخطّاب بأولى بشيء من الخير منك وأنت أقرب إلى رسول الله، صلى الله عليه، رحما. فالله الله في نفسك. فإنّك والله ما تبصّر من عمى ولا تعلّم من جهل، [٤٧٩] وإنّ الطريق لواضح بيّن، وإنّ أعلام الدين لقائمة. تعلم يا عثمان، أنّ أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هدى وهدى، واستقام وأقام سنّة معلومة، وأمات بدعة

стр. 423

معلومة. فوالله إنّ كلّا لبيّن، وإنّ السنن لقائمة لها أعلام، وإنّ البدعة لقائمة لها أعلام. وإنّى أحذّرك الله وسطوته ونقماته، وأحذّرك أن تكون إمام هذه الأمّة الذي سمعنا به، فإنّه كان يقال: [١] يقتل في هذه الأمّة إمام يفتح [٢] به عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة، ويلبس عليهم أمورهم، ويتركهم شيعا لا يبصرون الحق لعلوّ الباطل، يموجون فيها موجا.» قال عثمان: «قد والله علمت أنّك تقول [الذي قالوه] [٣] أما والله لو كنت بمكاني ما عنّفتك، ولا أسلمتك، ولا عبت عليك، وإنّى ما جئت منكرا [٤] إن وصلت رحما، وسددت خلّة، وأويت ضائعا، وولّيت شبيها بمن كان يولّى عمر. أنشدك الله يا على، هل تعلم أنّ مغيرة بن شعبة ليس هناك؟ قال: «نعم.» قال: «فتعلم أنّ عمر ولّاه.» قال: «نعم.» قال: «فلم تلومني أن [٤٨٠] ولّيت عبد الله بن عامر في رحمه وقرابته؟» قال علىّ: «سأخبرك. إنّ عمر كان كلّ من ولّى فانّما يطأ على صماخه، إن بلغه حرف خلعه [٥] ، ثم بلغ أقصى الغاية، وأنت لا تفعل. ضعفت ورققت على أقربائك.»

стр. 424

قال عثمان: «هم أقرباؤك أيضا.» قال علىّ: «أجل. لعمري إنّ رحمهم منّى لقريبة، ولكن الفضل في غيرهم.» قال: هل تعلم أنّ عمر ولّى معاوية خلافته كلّها، فقد ولّيته.» قال على: «أنشدك الله، هل تعلم أنّ معاوية كان أخوف من عمر، من يرفأ غلام عمر، منه؟» قال: «نعم.» قال علىّ: «فإنّ معاوية يقطع الأمر [١] دونك، وأنت تعلم، فيقول للناس: هذا أمر عثمان، فيبلغك، فلا تغيّر على معاوية.» ثمّ خرج علىّ من عنده وخرج عثمان على أثره، فجلس على المنبر، فقال: أما بعد، فإنّ لكلّ شيء آفة ولكل أمر عاهة، وإنّ آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة عيّابون طعّانون يرونكم ما تحبون ويسرّون ما تكرهون، يقولون لكم ويقولون، أمثال النعام يتبعون أول ناعق، أحبّ مواردها إليها البعيد، لا يشربون [٤٨١] إلّا تبرّضا [٢] ولا يردون إلّا عكرا، لا يقوم لهم رائد، قد أعيتهم الأمور، وتعذّرت عليهم المكاسب، ألا! والله عبتم علىّ بما أقررتم لابن الخطّاب بمثله، ولكنّه وطئكم برجله، وضربكم بيده، وقمعكم بلسانه، فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم، ولنت لكم، ووطّأت لكم كنفى، وكففت يدي ولساني، فاجترأتم علىّ. أما والله، لأنا أعزّ نفرا، وأقرب ناصرا، وأكثر عددا وأقمن. إن قلت: هلمّ، أتى إلىّ، [٣] ولقد أعددت لكم

стр. 425

أقرانكم، وأفضلت عليكم فضولا، وكشرت لكم عن نابي، وأخرجتم [منّى] [١] خلقا لم أكن أحسنه، ومنطقا لم أنطق به. فكفّوا عليكم [٢] ألسنتكم وطعنكم وعيبكم على ولاتكم، فقد كففت عنكم من لو كان هو الذي يكلّمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا. ألا، فما تفقدون من حقّكم. والله ما قصّرت في بلوغ ما كان يبلغ من قبلي، ومن لم تكونوا تختلفون عليه. فضل فضل من مال. فما لى لا أصنع في الفضل ما أريد، فلم كنت إماما؟» فقام مروان بن الحكم فتكلّم، فقال عثمان: - «اسكت لا سكتّ [٣] ، [٤٨٢] دعني وأصحابى، ما منطقك في هذا، ألم أتقدّم إليك ألّا تنطق بحرف؟» فسكت مروان ونزل عثمان. ثم دخلت سنة خمس وثلاثين فيها كان ظهور السبائيّة [٤] وخروج أهل مصر إلى المدينة لقتل عثمان وكان سبب ذلك أن عبد الله بن سبا كان يهوديّا من أهل صنعاء، وأمّه سوداء. فأسلم أيام عثمان، ثم تنقّل في بلدان المسلمين يحاول بدعة. فبدأ بالحجاز، ثم بالبصرة، ثم بالكوفة، ثم بالشام. فلم يجتمع له أمر على ما يريد، فمضى نحو مصر.
следующие страницы →