← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وردّ سعيد بن العاص أميرا على الكوفة. أهل الكوفة يردّون سعيد بن العاص فخرج أهل الكوفة [٤٧٧] عليهم السلاح يقدمهم مالك بن الحارث الأشتر، فتلقّوه وردّوه وقالوا: - «لا، والله، لا تلى [١] علينا حكما، ولا تدخلها علينا ما حملنا سيوفنا.» فرجع سعيد وقال للناس: - «أما اختلفتم إلّا لى؟ إنّما كان يكفيكم أن تبعثوا إلى أمير المؤمنين رجلا وتضعوا لى رجلا، وهل يخرج الألف لهم عقول إلى رجل؟» ومضى سعيد حتى قدم على عثمان فأخبره الخبر. فقال عثمان: «ما يريدون، أخلعوا يدا [٢] عن الطاعة؟» قال: «أظهروا أنّهم يريدون البدل.» قال: «فمن يريدون؟» قال: «أبا موسى.» قال: «أثبتنا أبا موسى عليهم. والله لا نجعل لأحد منهم عذرا، ولا نترك لهم حجّة، ولنصيرنّ كما أمرنا حتى يبلغ الله ما يريد.» وكان يزيد بن قيس لما استغوى [٣] الناس على سعيد بن العاص، خرج منه ذكر قبيح [٤] لعثمان. فأقبل إليه القعقاع بن عمرو حتى أخذه.

стр. 422

فقال: «ما تريد يا قعقاع، ألك علينا في أن نستعفى سبيل؟» قال: «وهل إلّا ذاك؟» قال: «لا.» وإنما قال ذلك لما لم يتمّ له جميع ما يريد- فقال له [٤٧٨] القعقاع: - «فأمسك عن الكلام واستعف كيف شئت.» كثر الناس على عثمان وكلّموا عليّا فيه فلما كانت سنة أربع وثلاثين كتب أصحاب رسول الله- صلى الله عليه- بعضهم إلى بعض أن: «اقدموا، فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد.» وكثر الناس على عثمان ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد، وأصحاب رسول الله يرون ويسمعون، ليس منهم أحد يذبّ ولا ينهى. فاجتمع الناس فكلّموا علىّ بن أبى طالب، ﵇. فدخل علىّ على عثمان فقال: - «إنّ الناس ورائي، وقد كلّمونى فيك، وو الله ما أدرى ما أقول لك، وما أعرف شيئا تجهله، ولا أدلّك على أمر لا تعرفه، إنّك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشيء فنبلّغكه وما خصصنا بأمر دونك. قد رأيت وسمعت وصحبت رسول الله- صلى الله عليه- ونلت صهره، وما ابن أبى قحافة بأولى بعمل الحقّ منك، ولا ابن الخطّاب بأولى بشيء من الخير منك وأنت أقرب إلى رسول الله، صلى الله عليه، رحما. فالله الله في نفسك. فإنّك والله ما تبصّر من عمى ولا تعلّم من جهل، [٤٧٩] وإنّ الطريق لواضح بيّن، وإنّ أعلام الدين لقائمة. تعلم يا عثمان، أنّ أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هدى وهدى، واستقام وأقام سنّة معلومة، وأمات بدعة

стр. 423

معلومة. فوالله إنّ كلّا لبيّن، وإنّ السنن لقائمة لها أعلام، وإنّ البدعة لقائمة لها أعلام. وإنّى أحذّرك الله وسطوته ونقماته، وأحذّرك أن تكون إمام هذه الأمّة الذي سمعنا به، فإنّه كان يقال: [١] يقتل في هذه الأمّة إمام يفتح [٢] به عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة، ويلبس عليهم أمورهم، ويتركهم شيعا لا يبصرون الحق لعلوّ الباطل، يموجون فيها موجا.» قال عثمان: «قد والله علمت أنّك تقول [الذي قالوه] [٣] أما والله لو كنت بمكاني ما عنّفتك، ولا أسلمتك، ولا عبت عليك، وإنّى ما جئت منكرا [٤] إن وصلت رحما، وسددت خلّة، وأويت ضائعا، وولّيت شبيها بمن كان يولّى عمر. أنشدك الله يا على، هل تعلم أنّ مغيرة بن شعبة ليس هناك؟ قال: «نعم.» قال: «فتعلم أنّ عمر ولّاه.» قال: «نعم.» قال: «فلم تلومني أن [٤٨٠] ولّيت عبد الله بن عامر في رحمه وقرابته؟» قال علىّ: «سأخبرك. إنّ عمر كان كلّ من ولّى فانّما يطأ على صماخه، إن بلغه حرف خلعه [٥] ، ثم بلغ أقصى الغاية، وأنت لا تفعل. ضعفت ورققت على أقربائك.»

стр. 424

قال عثمان: «هم أقرباؤك أيضا.» قال علىّ: «أجل. لعمري إنّ رحمهم منّى لقريبة، ولكن الفضل في غيرهم.» قال: هل تعلم أنّ عمر ولّى معاوية خلافته كلّها، فقد ولّيته.» قال على: «أنشدك الله، هل تعلم أنّ معاوية كان أخوف من عمر، من يرفأ غلام عمر، منه؟» قال: «نعم.» قال علىّ: «فإنّ معاوية يقطع الأمر [١] دونك، وأنت تعلم، فيقول للناس: هذا أمر عثمان، فيبلغك، فلا تغيّر على معاوية.» ثمّ خرج علىّ من عنده وخرج عثمان على أثره، فجلس على المنبر، فقال: أما بعد، فإنّ لكلّ شيء آفة ولكل أمر عاهة، وإنّ آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة عيّابون طعّانون يرونكم ما تحبون ويسرّون ما تكرهون، يقولون لكم ويقولون، أمثال النعام يتبعون أول ناعق، أحبّ مواردها إليها البعيد، لا يشربون [٤٨١] إلّا تبرّضا [٢] ولا يردون إلّا عكرا، لا يقوم لهم رائد، قد أعيتهم الأمور، وتعذّرت عليهم المكاسب، ألا! والله عبتم علىّ بما أقررتم لابن الخطّاب بمثله، ولكنّه وطئكم برجله، وضربكم بيده، وقمعكم بلسانه، فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم، ولنت لكم، ووطّأت لكم كنفى، وكففت يدي ولساني، فاجترأتم علىّ. أما والله، لأنا أعزّ نفرا، وأقرب ناصرا، وأكثر عددا وأقمن. إن قلت: هلمّ، أتى إلىّ، [٣] ولقد أعددت لكم

стр. 425

أقرانكم، وأفضلت عليكم فضولا، وكشرت لكم عن نابي، وأخرجتم [منّى] [١] خلقا لم أكن أحسنه، ومنطقا لم أنطق به. فكفّوا عليكم [٢] ألسنتكم وطعنكم وعيبكم على ولاتكم، فقد كففت عنكم من لو كان هو الذي يكلّمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا. ألا، فما تفقدون من حقّكم. والله ما قصّرت في بلوغ ما كان يبلغ من قبلي، ومن لم تكونوا تختلفون عليه. فضل فضل من مال. فما لى لا أصنع في الفضل ما أريد، فلم كنت إماما؟» فقام مروان بن الحكم فتكلّم، فقال عثمان: - «اسكت لا سكتّ [٣] ، [٤٨٢] دعني وأصحابى، ما منطقك في هذا، ألم أتقدّم إليك ألّا تنطق بحرف؟» فسكت مروان ونزل عثمان. ثم دخلت سنة خمس وثلاثين فيها كان ظهور السبائيّة [٤] وخروج أهل مصر إلى المدينة لقتل عثمان وكان سبب ذلك أن عبد الله بن سبا كان يهوديّا من أهل صنعاء، وأمّه سوداء. فأسلم أيام عثمان، ثم تنقّل في بلدان المسلمين يحاول بدعة. فبدأ بالحجاز، ثم بالبصرة، ثم بالكوفة، ثم بالشام. فلم يجتمع له أمر على ما يريد، فمضى نحو مصر.

стр. 426

فلمّا أتاها، قال لأهلها في ما يقول: - «أنا أعجب ممن يصدّق بأنّ عيسى يرجع، ويكذّب بأنّ محمدا لا يرجع، وقد قال الله: «إنّ الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد.» [١] فمحمد أحقّ بالرجوع.» فوضع لهم الرجعة. ثم قال: «ما من نبىّ إلّا وله وصىّ، وعلىّ وصىّ محمّد. ثم قال: «من أظلم ممن لم يجز وصيّة رسول الله- صلى الله عليه- ووثب على حقّ ليس له، وتناول [أمر] [٢] الأمة؟» ثم قال: «هذا عثمان قد غصب عليّا، وغيّر وبدّل، وكان وكان، فانهضوا [٤٨٣] في الأمر، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، واطعنوا على أمرائكم تجدوا مقالا، وادعوا إلى هذا الأمر.» وبثّ دعاة في الأمصار، وكاتب من استفسده في الأمصار وكاتبوه. ودعوا في السرّ إلى ما عليه رأيهم، وأظهروا الأمر بالمعروف، وتكاتب أهل الأمصار، حتى أوسعوا الأرض إذاعة، وتناولوا المدينة. فدخل قوم على عثمان، فقالوا: - «يا أمير المؤمنين، أيأتيك ما يأتينا؟» قال: «لا، ما جاءني إلّا السلامة.» قالوا: «فإنّا قد أتانا كيت وكيت.» قال: «فأشيروا علىّ.» قالوا: «نشير عليك أن تبعث رجالا ممن تثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم.» فدعا جماعة من وجوه الصحابة فيهم عمار بن ياسر، فأرسل أحدهم إلى

стр. 427

الكوفة، وأرسل آخر إلى البصرة، وأرسل عمارا إلى مصر، وأرسل ابن عمر إلى الشام، وفرّق الباقين في البلاد. فرجعوا جميعا قبل عمار فقالوا: - «أيها الناس، ما أنكرنا شيئا ولا أنكره أعلام المسلمين، ولا عوامّهم، والناس ساكتون [٤٨٤] قارّون.» فاستبطأ الناس عمّارا، فلم يفجأهم إلّا كتاب من عبد الله بن أبى سرح يخبرهم: أنّ عمارا قد استماله قوم بمصر، وقد انقطعوا إليه، منهم: عبد الله بن السوداء، وسودان بن حمران، وفلان وفلان. فكتب عثمان إلى أهل الأمصار: «أما بعد، فإنّى آخذ العمّال بموافاتي في كلّ موسم، فاقدموا علىّ.» فقدم عليه عبد الله بن عامر، ومعاوية، وعبد الله بن سعد، وأدخل في المشورة سعدا وعمرا. فقال: - «ويحكم! ما هذه الشكاة، وما هذه الإذاعة؟ إنّى والله لخائف أن تكونوا مصدوقا عليكم، وما يعصب هذا إلّا بى.» فقالوا: «لا والله، ما صدقوا ولا برّوا، ولا يجلّ الأخذ بها، والانتهاء إليها.» قال: «فأشيروا علىّ.» قالوا: «هذا أمر يصنع في السرّ، ثم يلقى إلى غير ذى المعرفة، فيخبر به، فيتحدّث به الناس في مجالسهم.» قال: «فما دواء ذلك؟» قالوا: «طلب هؤلاء القوم، ثم قتل الذين يخرج هذا من عندهم.» وقال معاوية: «ولّيتنى، فولّيت قوما لا يأتيك عنهم إلّا الخير.» قال: «فما الرأى؟» قال: «حسن الأدب.» قال: «فما ترى [٤٨٥] يا عمرو؟»

стр. 428

قال: «أرى أنك قد لنت لهم، وأرخيت عنهم، وزدتهم على ما كان يصنع عمر، فأرى أن تصنع كما كان يصنع عمر.» فتكلّم عثمان بكلام ليّن ونفّر، فشخص معاوية وعبد الله بن سعد، ورجع ابن عامر وسعيد معه، وردّ سائر الأمراء إلى أعمالهم. وكان معاوية قد قال لعثمان غداة ودّعه: - «يا أمير المؤمنين، انطلق معى إلى الشام قبل أن يهجم عليك من لا قبل لك به، فإنّ أهل الشام على الأمر، لم يزولوا.» فقال: «أنا أبيع جوار رسول الله- صلى الله عليه- وإن كان فيه قطع خيط عنقي؟» قال: «فأبعث إليك جندا منهم يقيم بين ظهرانىّ أهل المدينة لنائبة إن نابت.» قال: «أنا أقتّر على جيران رسول الله- صلى الله عليه- الأرزاق بجند يساكنهم وأضيّق على دار الهجرة والنصرة!» قال: «والله يا أمير المؤمنين لتقاتلنّ [١] ، ولتغزينّ.» قال: «حسبي الله ونعم الوكيل.» فقال معاوية: «يا أيسار الجزور، وأين أيسار الجزور!» ثم خرج. ثمّ إنّ السبائية كاتبوا أهل الأمصار أن يتوافوا المدينة لينظروا في ما يريدون، وأظهروا [٤٨٦] أنهم يأمرون بالمعروف، ويسألون عثمان عن أشياء لتطير [٢] في الناس، ولتحقّق عليه. فتوافوا المدينة، وأرسل عثمان رجلين فقال: - «انظرا [٣] ما يريدون، واعلما علمهم.» فأتياهم وداخلاهم حتى أمنوهما، فأخبروهما بما يريدون، فقالا:

стр. 429

- «من معكم من أهل المدينة؟» قالوا: «ثلاثة نفر.» قالا: « [فهل إلّا؟] » [١] قالوا: «لا.» قالا: «فكيف تريدون أن تصنعوا؟» قالوا: «نريد أن نذكر له أشياء قد زرعناها في قلوب الناس، ثم نرجع إليهم فنقول: إنّا قرّرناه بها. فلم يخرج منها ولم يتب [٢] ، ثم نخرج بعد ذلك كأنّا حجاج حتى نقدم فنحيط به فنختلعه، فإن أبى قتلناه فكانت إيّاها.» فرجعا إلى عثمان بالخبر، فضحك وقال: - «اللهم سلّم هؤلاء النفر [٣] ، أما عمّار فحمل علىّ ذنب غيرى وعركه [٤] بى، وأمّا محمد بن أبى بكر، فإنه رجل معجب يرى أنّ الحقوق لا تلزمه، وأما ابن [سهله] [٥] فإنّه يتعرض للبلاء.» ثم خطب عثمان، فجمع أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة، وخبّرهم بما جاء به الرجلان، واعتذر مما تجنى الناس عليه، واستشارهم. فأشار قوم بقتلهم، ولان عثمان، فأبى أولئك إلّا قتلهم، وأبى إلّا تركهم. [٤٨٧] فرجعوا إلى بلادهم وفي نيّاتهم أن يغزوه مع الحجّاج كالحجّاج. فتكاتبوا وقالوا: موعدهم في ضواحي المدينة في شوال. فلمّا كان ذلك الوقت اجتمعوا، فنزلوا قرب المدينة- وذلك سنة خمس وثلاثين- وعدّتهم ألفا رجل، ينقصون

стр. 430

قليلا أو يزيدون، من أهل البصرة والكوفة. وخرج أهل مصر ومعهم ابن السوداء، وكنانة بن بشر، وسودان بن حمران، وفي أهل الكوفة زيد بن صوحان، والأشتر النخعي، وفي أهل البصرة حكيم بن جبلة وبشر بن شريح وأميرهم حرقوص بن زهير، ثم تلاحق بهم الناس. فأمّا أهل مصر فإنّهم كانوا يشتهون عليّا، وأمّا أهل البصرة فإنّهم كانوا يشتهون طلحة، وأما أهل الكوفة فإنّهم كانوا يشتهون الزبير [١] . وكان خروجهم جميعا، وقلوبهم شتى في من يختارون، ولا تشكّ فرقة إلّا أنّ الفلج معها، حتى إذا كانوا من المدينة على ثلاث، تقدّم ناس من أهل البصرة، فنزلوا ذا خشب، وناس من أهل الكوفة، فنزلوا الأعوص، وجاءهم ناس من أهل مصر وتركوا عامّتهم [٤٨٨] بذي المروة، وقالوا: - «لا تعجلوا ولا تعجلونا! حتى ندخل المدينة ونرتاد، فإنّه بلغنا أنّهم قد عسكروا لنا. فوالله إن كان أهل المدينة استحلّوا قتالنا، وهم لم يعلموا علمنا [٢] لهم إذا علموا علمنا أشدّ، وإنّ أمرنا هذا لباطل، وإن لم يستحلّوا قتالنا، ووجدنا الذي بلغنا باطلا لنرجعنّ إليكم بالخبر.» قالوا: «فاذهبوا!» فدخل رجلان، فلقيا أزواج النبىّ- صلى الله عليه- وطلحة، والزبير، وعليّا، وقالوا: - «إنّما نؤمّ هذا البيت، ونستعفى هذا الوالي من بعض عمّالنا، ما جئنا إلّا لذلك.» [واستأذناهم] [٣] للناس بالدخول، فكلّهم أبى ونهى [٤] .

стр. 431

فاجتمع قوم من أهل مصر، فأتوا عليّا، ونفر من أهل البصرة، فأتوا طلحة، ونفر من أهل الكوفة، فأتوا الزبير. فأما المصريّون فانّهم لما أتوا عليّا وجدوه في عسكر عند أحجار الزيت [١] ، فسلّم المصريّون على علىّ وعرّضوا، فصاح بهم، وطردهم، وقال: - «ارجعوا لا صحبكم الله.» فانصرفوا من عنده على ذلك. وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى حيث [٤٨٩] هو، وقد أرسل ابنيه إلى عثمان. فسلّم البصريّون عليه، وعرّضوا له، فصاح بهم وطردهم، وقال قريبا مما قال علىّ. وأتى الكوفيّون الزبير وهو في جماعة وقد سرّح ابنه عبد الله إلى عثمان، فسلّموا عليه، وعرّضوا له، فصاح بهم وقال مثل ما قال صاحباه. فانصرف القوم إلى عساكرهم وهي على ثلاث مراحل كي يفترق أهل المدينة، ثم يكرّوا راجعين. فافترق أهل المدينة وكرّوا راجعين. فلم يفجأ أهل المدينة إلّا والتكبير في نواحي المدينة، فنزلوا في مواضع عساكرهم. وأحاطوا بعثمان وقالوا: - «من كفّ يده فهو آمن.» وصلّى عثمان بالناس أياما، ولزم الناس بيوتهم، ولم يمنعوا أحدا من الكلام. فأتاهم الناس فكلّموهم وفيهم علىّ. فقال: - «ما ردّكم بعد ذهابكم؟» قالوا: «أخذنا مع بريد كتابا بقتلنا.»

стр. 432

وأتاهم طلحه، فقالوا له مثل ذلك. وأتاهم الزبير فقالوا له مثل ذلك. وأجمعوا على أن يعتزل عثمان، وهو في ذلك يصلّى بهم، وهم يصلّون خلفه، ويغشى [٤٩٠] عثمان من شاء وهم في عينه أدقّ من التراب. وكتب إلى أهل الأمصار يستمدّهم، ويشكو ما يلقى، بكتاب [١] بليغ. فأتاهم الكتاب، وخرجوا على الصعب والذلول. فبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري، وبعث عبد الله بن سعد معاوية بن حديج السكوني، وخرج من أهل الكوفة القعقاع بن عمرو. وكان بالكوفة جماعة يحضّضون على إغاثة أهل المدينة مثل حنظلة بن الربيع وأشباهه من أصحاب النبىّ- صلى الله عليه- فكانوا يطوفون على مجالسها ويقولون: - «يا أيها الناس، إنّ الكلام اليوم وليس به غدا، وإنّ النظر يحسن اليوم ويقبح غدا، انهضوا إلى نصرة خليفتكم.» وقام بالبصرة عمران بن الحصين وأنس بن مالك في أمثالهما من أصحاب النبىّ- صلى الله عليه- يقولون مثل ذلك، وقام بالشام عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء في أمثالهما من أصحاب النبىّ- صلى الله عليه- يقولون مثل ذلك، وقام بمصر خارجة في أشباه له. ولما جاءت الجمعة التي [على] [٢] أثر [نزول] [٣] المصريّين مسجد الرسول [٤٩١] خرج عثمان، فصلّى بالناس، ثم قام على المنبر، فقال: - «الله الله يا معشر الغزّى [٤] ! فامحوا الخطأ بالصواب.»

стр. 433

فقام محمد بن مسلمة فقال: «أنا أشهد بذلك.» فأخذه حكيم بن جبلة، فأقعده. فقام زيد بن ثابت، فقال: «أبغنى [١] الكتاب.» فثار إليه محمد بن أبى بكر فنتره [٢] وأقعده وقال: «اقطع!» وقام الناس بأجمعهم ثائرين بأهل المدينة، فحصبوهم، حتى أخرجوهم من المسجد، وحصبوا عثمان حتى صرع عن المنبر مغشيّا عليه، فاحتمل وأدخل داره. وكان المصريّون لا يطمعون في مساعدة أحد من أهل المدينة إلّا في ثلاثة فإنّهم كانوا يراسلونهم: محمد بن أبى بكر، ومحمد بن جعفر، وعمار بن ياسر. وسار ناس مستقتلين منهم: سعد بن مالك، والحسن [٣] بن علىّ، وأبو هريرة، وزيد بن ثابت، فبعث إليهم عثمان بعزمه لما انصرفوا، فانصرفوا. وأقبل علىّ وطلحة والزبير حتى دخلوا على عثمان يعودونه [٤٩٢] من صرعته، ثم رجعوا إلى منازلهم. وكان الناس قبل ذلك وافقوه على أشياء وجد فيها اعتذارا، وعلى أشياء لم يجد فيها مقالا [٤] ، فقال: - «أستغفر الله وأتوب إليه.» وأخذوا ميثاقه وكتبوا عليه شرطا، وأخذ عليهم ألّا يشقّوا عصا، ولا يفارقوا جماعة ما قام لهم بشرطهم. ثم قالوا: «نريد ألّا يأخذ أهل المدينة عطاء، فإنّما هذا المال لمن قاتل عليه، ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب محمد.»

стр. 434

فرضوا، وأقبلوا معه حتى خطب عثمان، وقال: «ألا من كان له زرع فليلحق بزرعه، ومن كان له ضرع فليحلب، ألا! إنّه لا مال لكم عندنا، إنما هذا المال لمن قاتل عليه، ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب محمد، صلّى الله عليه.» فغضب الناس وقالوا: - «هذا مكر بنى أميّة.» راكب له شأن ورجع وفد المصريين راضين، فبيناهم في الطريق إذا هم براكب يتعرّض، فمرّة يرونه، ومرّة يغيب عنهم، فقالوا: «إنّ لهذا الرجل لشأنا.» فأخذوه، وقرّروه، فقال: «أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر.» ففتشوه فإذا هم بكتاب [٤٩٣] على لسان عثمان، عليه خاتمه، إلى عامله بمصر، قد جعل في إداوة [يابسة] [١] يأمر بأن يقتلهم، أو يقطع أيديهم وأرجلهم، أو يصلبهم. فأقبلوا حتى قدموا المدينة، فأتوا عليّا، فقالوا: - «ألم تر إلى عدوّ الله! إنّه كتب فينا بكذا وكذا، بعد الميثاق الذي بيننا وبينه، وإنّ الله قد أحلّ لنا دمه، قم معنا إليه.» قال: «والله لا أقوم معكم!» قالوا: «فلم كتبت إلينا؟» قال: «والله ما كتبت إليكم كتابا قطّ.» فنظر بعضهم إلى بعض، ثم قال بعضهم لبعض:

стр. 435

- «ألهذا تقاتلون؟ أم لهذا تغضبون؟» فخرج علىّ من المدينة إلى قرية، وانطلق القوم حتى دخلوا على عثمان، فقالوا: - «كتبت فينا بكذا وكذا.» فقال عثمان: «إنّما هما ثنتان: إمّا أن تقيموا علىّ رجلين من المسلمين، أو يميني بالله، الذي لا إله إلّا هو، ما كتبت، ولا أمللت، ولا علمت. وقد علمتم أنّ الكتاب يكتب على لسان الرجل، وينقش الخاتم على الخاتم.» فقالوا: «لئن كنت كاذبا في يمينك فقد أحلّ الله دمك، ولئن كنت صادقا لقد ضعفت عن الأمر، حين لا تضبط [٤٩٤] من أمرك هذا المقدار.» وقد حاصروه، وقد ذكر الناس في هذه الروايات أشياء شنعة لم نذكرها. وقد كان عثمان لما أحسّ بانصراف المصريين إليه من الطريق، أتى عليّا في منزله، فقال: - «يا ابن عمّ! إنّه ليس منزل، وإنّ قرابتي قريبة، ولى حقّ عظيم عليك، وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم، وهم مصبّحىّ، وأنا أعلم أنّ لك عند الناس قدرا، وأنّهم يستمعون منك، فأنا أحبّ أن تركب إليهم، فتردّهم عنّى. فإنّى لا أحبّ أن يدخلوا علىّ، فإنّ تلك جرأة منهم علىّ، ويسمع بذلك غيرهم.» فقال علىّ: «على م أردّهم؟» قال: «على أن أصير إلى ما أشرت به علىّ، ورأيته لى، ولست أخرج من يديك.» فقال علىّ: «إنّى قد كنت كلّمتك مرّة بعد مرّة، وكل ذلك تخرج فتتكلّم وتقول وتقول، وذلك كلّه فعل مروان بن الحكم، وسعيد بن العاص وعبد الله بن عامر، ومعاوية، تطيعهم وتعصينى.» قال: وأمر الناس المهاجرين والأنصار، فركبوا معه. وأرسل عثمان إلى عمار

стр. 436

بن ياسر، فكلّمه أن يركب مع علىّ، فأبى. ومضى علىّ في [٤٩٥] المهاجرين والأنصار، وهم ثلاثون رجلا. فكلّمهم علىّ ومحمد بن مسلمة حتى رجعوا. فلما رجع علىّ إلى عثمان وأعلمه أنهم رجعوا، وكلّمه علىّ كلاما كان في نفسه، وخرج إلى بيته، مكث عثمان ذلك اليوم حتى إذا كان الغد جاءه مروان بن الحكم، فقال له: - «تكلّم، وأعلم الناس أن أهل مصر علموا أنّ ما بلغهم عن إمامهم كان باطلا، وقد رجعوا، فإنّ خطبتك تسير في البلاد قبل أن يتحلّب [١] الناس عليك من أمصارهم، فيأتيك أمر لا تستطيع دفعه.» [فأبى] [٢] عثمان، ولم يزل به مروان حتى خرج، فجلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: - «أما بعد، فإنّ هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمر، فلما تيقّنوا أنه باطل رجعوا إلى بلادهم.» فقال له عمرو بن العاص: - «اتق الله يا عثمان! فإنّك قد ركبت نهابير [٣] وركبناها معك، فتب إلى الله نتب معك.» فناداه عثمان: «وإنّك هناك يا ابن النابغة قملت جبّتك منذ عزلتك عن العمل.» فنودي من ناحية أخرى: «أظهر [٤٩٦] التوبة يا عثمان يكفّ الناس عنك.» ونودى من ناحية اخرى بمثل ذلك. فرفع عثمان يده واستقبل القبلة، فقال: - «اللهمّ إنّى أول تائب إليك.»

стр. 437

ورجع إلى منزله. ثمّ إنّ عليّا جاءه، فقال له: - «تكلّم كلاما يسمعه الناس عامّة ويشهد الله على ما في قلبك من النزوع والإنابة، فإنّ البلاد قد تمخّضت عليك، فلا آمن ركبا آخر يقدمون من الكوفة أو البصرة، فتقول لى: اركب إليهم، فلا أركب، ولا أسمع لك عذرا، وتراني قد قطعت رحمك واستخففت بحقّك.» فخرج عثمان، فخطب الخطبة المشهورة التي يقول فيها: - «إنى نزعت وتبت مما فعلت، إذ التوبة خير من التمادي في الهلكة، والله أيها الناس، لئن ردّنى الحق عبدا، لأذلّنّ ذلّ العبد، ولأكوننّ كالمرقوق الذي إن ملك صبر، وإن عتق شكر. فليأتنى وجوهكم. فوالله لأنزلنّ عند رأيكم، ولأنتهينّ إلى حكمكم.» فرقّ له الناس وبكى من بكى منهم، وعلت الأصوات بالنشيج. فقال له سعيد بن زيد: «اتقّ الله [٤٩٧] يا أمير المؤمنين في نفسك، وأتمم على ما قلت.» فلما نزل عثمان وجد في منزله مروان، وسعدا، ونفرا من بنى أميّة لم يشهدوا الخطبة. قال مروان: «يا أمير المؤمنين، أتكلّم، أم أصمت؟» فقال بعض أهله: «لا، بل اصمت، فأنتم والله قاتلوه، إنّه قال مقالة مشهورة لا ينبغي أن ينزع عنها.» فأقبل عليها [١] مروان بكلام قبيح إلى أن سكّتها عثمان. ثم قال مروان: «أتكلّم، أم أصمت؟»

стр. 438

قال: «بل تكلّم.» فقال مروان: «بأبى وأمّى، لوددت أن مقالتك هذه كانت وأنت ممتنع منيع، وكنت أول من رضى بها، وأعان عليها، ولكنّك قلت حين بلغ الحزام الطبيين، وحين أعطى الخطّة الغليظة [١] الذليل، والله لإقامة على خطيئة تستغفر منها، أجمل من توبة تجبر عليها، وقد اجتمع بالباب مثل الجبل من الناس.» فقال عثمان: «فاخرج إليهم، فكلّمهم، فإنّى أستحى أن أكلّمهم.» فخرج مروان إلى الباب والناس يركب بعضهم بعضا، فقال: - «ما شأنكم؟ [٤٩٨] قد اجتمعتم كأنّكم جئتم لنهب، كلّ إنسان آخذ [٢] بأذن صاحبه، شاهت الوجوه، ألا، من أريد؟ جئتم أن تنزعوا ملكنا من أيدينا؟ اخرجوا عنّا، أما والله لئن رمتمونا لتلقون ما لا يسرّكم ارجعوا، فوالله ما نحن بمغلوبين على ما في أيدينا.» فرجع الناس إلى علىّ يشكون إليه. فجاء علىّ مغضبا حتى دخل على عثمان، فقال: - «أما رضيت من مروان ولا رضى منك، إلّا بإخراجك عن دينك وعقلك، مثل جمل الظعينة، يقاد حيث شاء ربّته [٣] ؟. والله ما مروان بذي رأى في دينه، ولا في نفسه، وإنّى لأراه سيوردك ولا يصدرك، وما أنا بعائد بعد هذا لمعاتبتك، فقد أكثرت وأكثرت. أذهب [٤] شرفك وغلبت على أمرك.» فلما خرج علىّ دخل إليه بعض أهله فقال: - «إنى سمعت قول علىّ لك، وإنه ليس يعاودك، فقد خالفته مرارا وأطعت مروان.»

стр. 439

قال: «فما أصنع؟» قال: «تتقى الله وحده وتطيعه يرشدك، فإنّ مروان ليس له [٤٩٩] عند الناس قدر، ولا هيبة، ولا محبّة، وأراه سيقتلك، فأرسل إلى علىّ واستصلحه، فإنّه يعطف عليك ولا يعصى، وقوله مقبول.» فأرسل عثمان إلى علىّ، فأبى أن يأتيه وقال: - «قد أعلمته أنّى غير عائد إليه.» ومكث عثمان لا يخرج ثلاثة أيام حياءا من الناس. ثم ذهب عثمان بنفسه حتى أتى عليّا في منزله ليلا، وجعل يقول: - «إنى غير عائد، وإنّى فاعل، وإنّى فاعل [١] .» فقال له علىّ: «أبعد ما تكلّمت به على منبر رسول الله- صلى الله عليه- وأعطيت من نفسك، وبكيت حتى اخضلّت لحيتك بالدمع، وأبكيت الناس، ودخلت منزلك. وخرج مروان إلى الناس يشتمهم على بابك، ويتلقّاهم بما يكرهونه؟» وانصرف من عند علىّ، ولم يزل علىّ متنكّبا عنه، لا يفعل ما كان يفعل، إلّا أنّه لما منع الماء وحصر امتعض له وغضب غضبا شديدا، وكلّم طلحة وغيره حتى دخلت الروايا إلى عثمان. ولما رأى عثمان ما نزل به وما قد انبعث عليه من الناس كتب إلى معاوية، وهو بالشام. يسأله أن يبعث له مقاتلة الشام على كلّ صعب وذلول. [٥٠٠] فلما جاء معاوية كتابه تربّص، وكره إظهار مخالفة أصحاب النبي- صلى الله عليه- فلمّا أبطأ نصره على عثمان كتب إلى أهل الشام يستنفرهم، ويعظّم حقّه، ويذكر

стр. 440

أمر الخلفاء، وما أمر الله به من طاعتهم ويقول: - «والعجل، العجل، فإنّ القوم معاجلىّ.» فقام قوم يحضّضون على نصره، وانتدب خلق كثير. وكتب عثمان إلى عبد الله بن عامر بالبصرة: أن اندب إلىّ أهل البصرة، وكتب إلى أهل البصرة نسخة كتابه إلى الشام. فقامت الخطباء من أهل البصرة بحضرة عبد الله بن عامر يحضّون على نصر [١] عثمان، وعلى المسير إليه، فيهم مجاشع بن مسعود، وهو يومئذ سيّد قيس في البصرة. فتسارع الناس، وكان أشار مروان على عثمان بمقاربة من حوله من أهل مصر وغيرهم حتى يقوى، وقال له: - «أعطهم ما سألوك، وطاولهم ما طاولوك، وأرسل إلى علىّ يكلّمهم.» فراسل عليّا وقال: - «إنّ الأمر بلغ القتل، فاردد الناس عنّى، فإنّ الله لهم أن أعتبهم من كلّ ما يكرهون، وأعطيهم الحقّ من نفسي وغيرى، وإن كان في ذلك سفك دمى.» فراسله علىّ بأنّ: - «الناس إلى عدلك! أحوج منهم [٥٠١] إلى قتلك، وإنّى لأرى قوما لا يرضون إلّا بالرضا، وقد كنت أعطيتهم في المرة الأولى من العهود ما نقضته، ولم تف به لهم.» فقال عثمان: «أعطهم اليوم ما يحبّون، فوالله لأفينّ.» فخرج علىّ إلى الناس، فقال: - «أيها الناس! إنّكم إنّما طلبتم الحقّ وقد أعطيتموه. إنّ عثمان يزعم أنه منصفكم من نفسه ومن غيره، وراجع عن جميع ما تكرهون، فاقبلوا منه.» قال الناس:

стр. 441

- «قد قبلنا، فاستوثق لنا، فإنّا لا نرضى بقول دون فعل.» فقال علىّ: «ذلك لكم.» وأخبر عثمان الخبر، فقال عثمان: «اضرب بيني وبينهم أجلا تكون لى فيه مهلة، فإنّى لا أقدر على ردّ ما كرهوا في يوم واحد.» فقال علىّ: «ما حضر بالمدينة فلا أجل فيه، وما غاب، فأجله وصول أمرك.» قال: «نعم، ولكن أجّلنى في ما في المدينة ثلاثة أيام.» فقال علىّ: «نعم.» فخرج علىّ، وكتب بينهم وبين عثمان كتابا على الأجل، شرط فيه أن يردّ كل مظلمة، ويعزل كلّ عامل كرهه المسلمون، ثم أخذ عليه في الكتاب أعظم ما أخذ الله على أحد من خلقه من عهد أو ميثاق، وأشهد ناسا من وجوه المهاجرين والأنصار. [٥٠٢] فكفّ المسلمون عنه، ورجوا أن يفي لهم بما أعطاهم. يوم الدار فجعل يتأهّب للقتال، ويستعدّ بالسلاح، وكان اتّخذ جندا عظيما من رقيق الخمس. فلمّا انقضت الأيام الثلاثة، وهو على حاله، لم يغيّر شيئا مما كرهوه، ولا عزل عاملا ثار به الناس وهجموا. فدخلوا يومئذ وما سلّموا عليه بالخلافة، وقالوا: - «سلام عليكم.» فقال من حضره: «عليكم السلام.» فتكلّم الناس، وذكروا ما صنع عبد الله بن سعد بمصر من استيثاره بغنائم المسلمين، وتحامله عليهم وعلى أهل الذمّة، فإذا قيل له في ذلك، قال: - «هذا كتاب أمير المؤمنين.» ثم ذكروا ما أحدثه بالمدينة وأطالوا، وقالوا:

стр. 442

- «إنّا رحلنا من مصر، لا نريد إلّا دمك أو تنزع الخلافة، فردّنا علىّ ومحمد بن مسلمة، وضمنّا له [١] النزوع عن كل ما تكلّمنا فيه.. (ثم أقبلوا على محمد وقالوا: «هل قلت [٢] لنا ذلك؟» قال محمد: «نعم» ) .. فرجعنا إلى بلادنا حتى إذا كنّا بالبويب، أخذنا غلامك على راحلة من صدقات المسلمين ومعه كتابك وخاتمك إلى عبد الله بن سعد تأمره فينا بجلد ظهورنا والمثلة بنا بالقطع والحبس الطويل، [٥٠٣] وهذا كتابك، ثم فعلت وفعلت.» فحمد الله عثمان وأثنى عليه وقال: «والله ما كتبت ولا أمرت ولا شوورت [٣] .» قالوا: «فمن كتبه؟» قال: «لا أدرى.» قالوا: «فيجترأ عليك، ويبعث بغلامك، وجمل من صدقات المسلمين، وينقش [٤] خاتمك، ويكتب إلى عاملك في إعلام المسلمين بهذه العظائم وأنت لا تعلم! ليس مثلك [٥] من يلي الخلافة، اخلع نفسك من هذا الأمر كما خلعك الله منه.» فأبى وقال: «لا أنزع قميصا ألبسنيه الله، ولكنّى أتوب من كلّ ما تكرهون.» قالوا: «قد فعلت ذلك وكذبت، وقد وقعت عليك التهمة مع ما بلونا منك في مرات كثيرة، من الجور في الحكم والأثرة في القسم، والعقوبة لمن أمر بالمعروف، وإظهارك التوبة مرة بعد مرة، ثم رجوعك إلى كلّ منكر. ولقد كنّا رجعنا عنك وما كان لنا أن نرجع حتى نخلعك ونستبدل بك من نرضاه، ومن لم نجرّب عليه ما جرّبناه عليك، فاردد خلافتنا.»

стр. 443

فأجابهم عثمان بجوابه الأول، فآذنوه [١] بالحرب، وشدّدوا عليه الحصار. فصعد بعض عبيد [٥٠٤] عثمان إلى سطح داره، فدلّى منه حجرا، فقتل رجلا يقال له: دينار. فأرسلوا إلى عثمان أن: - «أمكنّا من قاتله.» فقال عثمان: «والله ما أعرف قاتله [٢] .» فباتوا تلك الليلة. فلمّا أصبحوا، وهو يوم الجمعة، أحضروا نارا ونفطا، ودخلوا من ناحية الحرم [٣] ، فأضرموا جوانب الدار، فاحترقت. فقال عثمان لأصحابه: - «ما بعد الحريق شيء، فمن كانت لى عليه طاعة فليمسك يده، فإنّما يريدني القوم، ولو كنت في أقصاكم لتخطّوكم إلىّ، ولو وجدوني في أدناكم ما تخطّونى إليكم.» فأبى مروان وقال: «والله لا وصلوا إليك وفي روح.» وخرج إلى الناس بسيفه وعليه درع. فناوشوه القتال. ثمّ خرج إليه غلام شابّ طوال، فضربه مروان على ساقه، وضرب الغلام مروان على رقبته، فسقط لا ينبض منه عرق، وقتل المغيرة بن الأخنس، وجرح عبد الله بن الزبير، وانهزم من في الدار، وخرجوا هرّابا في طرق المدينة، وخلص إلى عثمان، فقتل قبل أن يلحقه الغوث من الأمصار. أسماء كتّاب عثمان [٥٠٥] كتب له مروان بن الحكم، وكتب له عبد الملك بن مروان على ديوان المدينة،

стр. 444

وأبو جبيرة على ديوان الكوفة، وعبد الله بن الأرقم على بيت المال، وكتب أهيب مولاه [١] ، وكتب له حمران مولاه، فأنكر عليه شيئا، فنفاه إلى البصرة، فلم يزل بها حتى قتل عثمان. سبب سقوط هذا الكاتب من عين عثمان وكان سبب نفيه إيّاه أنّ عثمان اشتكى شكاة، فقال له: - «اكتب العهد بعدي لعبد الرحمان بن عوف.» فانطلق حمران إلى عبد الرحمان بن عوف فقال له: - «البشرى!» فقال: «لك البشرى، فماذا؟» فأخبره الخبر. فصار عبد الرحمان إلى عثمان، فأخبره بما قال حمران، فقلق عثمان، وخاف أن يشيع، فنفاه لذلك. ذكر تدبير تمّ لعثمان بمعاونة علىّ رضى الله عنه [٢] ورأيه لما حصر عثمان الحصار الأول كان علىّ بخيبر، فلمّا قدم أرسل إليه عثمان. فذهب إليه، فكلّمه عثمان، وأذكره بحقّه من الإسلام والقرابة والصهر، وماله في عنقه من العهد. ثم قال له: - «ولو لم يكن من هذا شيء، ثمّ كنّا نحن [٥٠٦] في جاهليّة، لكان عيبا على عبد مناف أن يبتزّهم أخو بنى تيم ملكهم [٣] » . يعنى طلحة، وقد كان اجتمع إلى طلحة قوم وطمع فيها. فتكلّم علىّ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

стр. 445

- «أما بعد، فكلّ ما ذكرت من حقّك علىّ كما ذكرت، وأما قولك: لو كنّا في جاهلية لكان عيبا على عبد مناف أن يبتزّهم أخو بنى تيم، فصدقت وسيأتيك الخبر.» ثم خرج فدخل المسجد، فرأى أسامة جالسا، فدعاه، واعتمد عليه، وخرج يمشى إلى طلحة، فلمّا دخل عليه، وجد داره ممتلئة بالرجال، فقام عليه وقال: - «يا طلحة! ما هذا الأمر الذي وقفت فيه؟» فقال: «يا أبا الحسن، أبعد ما مسّ الحزام الطبيين؟» فسكت علىّ وانصرف حتى أتى بيت المال، فقال: - «افتحوا هذا الباب.» فلم يقدر على المفاتيح، وتأخّر عنه صاحب المفاتيح، فقال: «اكسروه.» فكسر باب بيت المال، وقال: - «أخرجوا المال.» وجعل يعطى الناس. فبلغ الذين في دار طلحة ما صنع علىّ، فجعلوا يتسلّلون إليه، حتى ترك طلحة وحده، وبلغ الخبر عثمان، فسرّ به، ثم أقبل طلحة [٥٠٧] عامدا إلى دار عثمان. فقال بعض الصحابة: - «والله لأنظرنّ ما يقول هذا.» قال: فتبعته، فاستأذن على عثمان. فلمّا دخل عليه، قال: - «يا أمير المؤمنين، أستغفر الله وأتوب إليه. أردت أمرا، فحال الله بيني وبينه.» فقال عثمان: - «إنّك والله، ما جئت تائبا، ولكنّك جئت مغلوبا. الله حسيبك يا طلحة.»

стр. 446

خلافة الإمام على ذكر بيعة علىّ بن أبى طالب ﵇ لمّا قتل عثمان اجتمع عامة المهاجرين والأنصار على علىّ [١] ، فأتوه، فتأبّى عليهم، وقال: - «أنا وزيرا خير لكم منّى أميرا [٢] .» فارتدّ الناس عنه وأتوا طلحة والزبير فتكلّما في قتل عثمان بما ظنّوه توعّدا، فقالوا لطلحة والزبير: - «إنّ كلامكما لوعيد.» ثم انصرفوا عنهما وقال بعضهم لبعض: - «إن رجع الناس إلى أمصارهم بقتل عثمان ولم يقم بعد قائم بهذا الأمر، لم نأمن اختلاف الناس وفساد الأمة.» فعادوا إلى علىّ وخاطبوه. فأخذ الأشتر بيد علىّ، فقبضها علىّ. فقال الأشتر: «ما لك تتعسّر، [٥٠٨] وأنت ترى ما فيه الناس؟» فقال علىّ: «أبعد ثلاثة؟»

стр. 447

فقال له الأشتر: «أما والله لئن تركتها لتعصرنّ عينيك عليها حينا.» فبايعوه. وفي ما رواه صاحب التاريخ، قال: اجتمع أهل الأمصار وقالوا: - «دونكم يا أهل المدينة، فقد أجّلناكم ثلاثا [١] ، فو الله لئن لم تفرغوا لنفعلنّ ولنفعلنّ.» فغشى الناس عليّا وقالوا: - «ترى ما نزل بالناس وما ابتلينا به من بين تلك القرى؟» فقال علىّ: «دعوني والتمسوا غيرى، فإنّا مستقبلون أمرا له وجوه. لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول.» فقالوا: «ننشدك بالله. ألا ترى ما نرى؟، ألا ترى الفتنة؟ أما تخاف الله؟» قال: «اعلموا أنّى- إن أجبتكم- ركبت بكم [٢] ما أعلم، وإن تركتموني فإنّما أنا كأحدكم، ألا، إنّى أسمعكم، وأطوعكم لمن ولّيتموه.» فافترقوا على ذلك، واتّعدوا لغد، وتشاور الناس في ما بينهم، وقالوا: - «إن دخل طلحة والزبير فقد استقامت.» فبعث المصريّون بصريّا إلى الزبير وقالوا: «احذر لا تحابه. [٣] » - وكان رسولهم حكيم بن جبلة في نفر- فجاؤوا يحدونه بالسيف. وبعثوا إلى طلحة [٥٠٩] كوفيّا وقالوا: «احذر لا تحابه.» وبعثوا بنفر، فجاؤوا يحدونه بالسيف. وبعثوا الأشتر إلى علىّ، وأهل الكوفة وأهل البصرة شامتون بصاحبيهم، وأهل مصر فرحون بما اجتمع عليه أهل المدينة، وقد صار أهل الكوفة والبصرة كالأتباع، وهم جشعون. فلما أصبحوا يوم الجمعة حضر الناس المسجد. وجاء علىّ حتى صعد المنبر،

стр. 448

فقال: - «يا أيها الناس، عن ملأ وإذن، إنّ هذا أمركم ليس لأحد فيه حقّ إلّا من رضيتم وأمّرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر، فإن شئتم قعدت لكم، وإلّا فلا أحد على أحد.» قالوا: «نحن على ما افترقنا عليه بالأمس.» وقام الأشتر، فقدّم طلحة، وقال له: - «بايع.» فقال: «أمهلنى أنظر.» فجرّد سيفه وقال: «لتبايعنّ، أو لأضعنّه بين عينيك.» فقال طلحة: «وأين المذهب [١] عن أبى حسن.» فصعد المنبر، فبايعه. فنظر رجل من بعيد يقتاف، فقال: - «إنّا لله، أول يد [٢] بايعت أمير المؤمنين يد شلّاء، لا يتمّ هذا الأمر أبدا.» وكان طلحة وقى رسول الله بيده حين رأى سهما أقبل نحو وجهه، فأصاب السهم يده، وشلّت يده. ثمّ قدّم الزبير، [٥١٠] فبايع، وفي الزبير خلاف، ثم تتابع الناس بالبيعة لا يكرهها أحد، وذلك يوم الجمعة لخمس بقين من ذى الحجة سنة خمس وثلاثين. وخطب على- رضى الله عنه- خطبته المشهورة [٣] ، واجتمع إلى علىّ عدة من الصحابة فيهم طلحة والزبير، فقالوا: - «يا علىّ، إنّا اشترطنا إقامة الحدود، وإنّ هؤلاء القوم قد اشتركوا في قتل هذا الرجل، وأحلّوا [٤] بأنفسهم.»

стр. 449

فقال لهم: «يا إخوتاه، إنّى لست أجهل ما تعلمون، ولكن كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم. ها هم هؤلاء، وقد ثارت معهم عبيدكم، وثابت إليهم أعرابكم، وهم خلالكم، يسومونكم ما شاءوا، فهل ترون موضعا لقدرة على شيء مما تريدون؟» قالوا: «لا.» قال: «فإنّى والله لا أرى إلّا رأيا ترونه، إلّا أن يشاء الله. إنّ الناس من هذا الأمر- إن حرّك- على أمور: فرقة ترى ما ترون، وفرقة لا ترى ما ترون، وفرقة لا ترى لا هذا ولا هذا، حتى يهدأ الناس وتقع القلوب مواقعها، وتؤخذ الحقوق. فاهدأوا [١] عنّى، وانظروا ماذا يأتيكم، ثم عودوا.» [٥١١] ثمّ إنّ بنى أمية تهاربت وخرجت عن المدينة. فاشتدّ علىّ- ﵇ على قريش وحال بينهم وبين الخروج على حالها تلك. ثم خرج علىّ في اليوم الثاني فقال: - «يا أيها الناس، أخرجوا عنكم الأعراب.» وقال: - «يا أيها الأعراب، الحقوا بمياهكم.» فأبت السبائية، وأطاعهم الأعراب. ودخل علىّ بيته، ودخل عليه عدة من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه- فيهم طلحة والزبير. فقال لهم علىّ: «دونكم ثأركم، فاقتلوه.» فقالوا: «قد عسوا [٢] عن ذلك.» فقال لهم: «هم والله بعد اليوم أعسى [٣] .» وتمثّل: ولو أنّ قومي طاوعتنى سراتهم ... أمرتهم أمرا يديخ الأعاديا

стр. 450

وقال طلحة: «تدعني، فآتى البصرة، فلا يفجأوك إلّا وأنا في خيل.» وقال الزبير: «آتى الكوفة، فلا يفجأوك إلّا وأنا في خيل.» فقال: «حتى أنظر.» وسمع المغيرة بذلك المجلس. ذكر رأى جيّد للمغيرة فجاء المغيرة حتى دخل على علىّ- ﵇ فقال: - «إنّ حولك من يشير ويرى، ولك علىّ حقّ الطاعة، وأنّ النصح رخيص، وأنت بقية الناس، [٥١٢] وأنا لك ناصح. واعلم أنّ الرأى اليوم تحوز [١] به ما في غد، وأن الضياع اليوم يضيع به ما في غد. أقرر معاوية على عمله، وأقرر ابن عامر على عمله، واردد عمّال عثمان عامك هذا، واكتب بإثباتهم على أعمالهم، فإذا بايعوا لك واطمأنّ الأمر عزلت من أحببت، وأقررت من أحببت.» فقال علىّ: «والله، لو كان ساعة من نهار لاجتهدت فيها رأيى [٢] ، ولا ولّيت أمثال هؤلاء [ولا مثلهم يولّى [٣]] ، وما كنت متخذ المضلّين عضدا [٤] .» فقال المغيرة: «فإذ قد أبيت فاترك معاوية، فإنّ له جرأة، وأهل الشام يطيعونه، ولك حجّة في إثباته، كان عمر بن الخطّاب قد ولّاه الشام كلّها.» فقال علىّ: «لا والله لا أستعمله يومين.» فقام المغيرة وانصرف، ثم عاد إليه بعد ذلك، فقال:

стр. 451

- «إنّى أشرت عليك أول مرة بالذي أشرت، وخالفتني. ثم رأيت بعد ذلك رأيا، وأنا الآن أرى أن تصنع الذي رأيت، فتنزعهم، وتستعين بمن تثق به، فقد كفى الله أمرهم، وهم أهون شوكة من ذاك.» رأى لابن عباس وما أشار به على علىّ وخرج المغيرة، وتلقّاه ابن عباس خارجا. فدخل إلى علىّ، فقال: - «يا أمير المؤمنين، أخبرنى [٥١٣] عن شأن المغيرة، ولم خلا بك؟» قال: «إنّه جاءني بعد مقتل عثمان بثلاثة أيام وقال: أخلنى. ففعلت. فقال: كيت وكيت. فأجبته بكيت وكيت. فانصرف من عندي وأنا أعرف فيه أنّه يرى أنّى مخطئ. ثم عاد إلىّ الآن، فقال: كيت وكيت. فقال ابن عباس: «أمّا في المرة الاولى فقد نصحك، وأمّا في المرة الأخرى فقد غشّك.» قال له: «وكيف نصحنى؟» قال ابن عباس: «لأنّك تعلم أنّ معاوية وأصحابه أهل دنيا، فمتى تثبتهم، لا يبالون من ولى هذا الأمر، ومتى تعزلهم، يقولوا: أخذ الأمر بغير شورى وهو قتل صاحبنا، وحمّلك ما قدر عليه من الذنب، فتنتقض عليك الشام. ولا آمن طلحة والزبير أن يكرّا عليك.» فقال علىّ: «أما ما ذكرت من إقرارهم، فوالله ما أشكّ أنّ ذلك خير في عاجل الدنيا لإصلاحها، وأما الذي يلزمني من الحق، والمعرفة بعمّال عثمان، فوالله لا أولّى منهم أحدا أبدا، فإن أقبلوا فذلك خير، وإن أدبروا بذلت لهم السيف.» قال ابن عباس: «فأطعنى، وادخل دارك، والحق بما لك بينبع، وأغلق بابك، فإنّ العرب تجول [٥١٤] جولة وتضطرب، ولا تجد غيرك. فإنّك والله لو نهضت مع هؤلاء القوم ليحمّلنّك الناس غدا دم عثمان.»

стр. 452

فأبى علىّ وقال لابن عباس: - «سر إلى الشام، فقد ولّيتكها.» فقال ابن عباس: «ما هذا والله برأى. معاوية رجل من بنى أمية، وهو ابن عمّ عثمان، وعامله على الشام، ولست آمن أن يضرب عنقي بعثمان، أو أدنى ما هو صانع أن يحبسني فيتحكّم علىّ.» قال علىّ: «ولم تظنّ ذلك؟» قال: لقرابة ما بيني وبينك، ولأنّ كلّ ما عليك فهو علىّ، ولكن اكتب إلى معاوية، فمنّه، وعده.» فقال علىّ: «إنّ هذا ما لا يكون أبدا.» وتمثّل: فما ميتة، إن متّها غير عاجز ... بعار، إذا ما غالت النفس غولها فقال ابن عباس: «أنت- يا أمير المؤمنين- رجل شجاع، ولست بأرب في الحرب. أما سمعت رسول الله- صلى الله عليه- يقول: الحرب خدعة؟» قال: «بلى.» قال ابن عباس: «أنا والله، لئن أطعتنى لأصدرنّ بهم بعد ورد، ولأتركنّهم ينظرون في دبر الأمور، ولا يعرفون ما كان وجهها، في غير نقصان عليك ولا إثم [٥١٥] لك.» فقال علىّ: «يا ابن عباس، لست من هنيّاتك وهنيّات [١] معاوية في شيء، تشير علىّ وأرى، فإذا عصيتك فأطعنى.» فقال ابن عباس: «أفعل، إنّ أيسر ما لك عندي السمع والطاعة.»

стр. 453

علىّ يفرّق عمّاله على الأمصار وفرّق علىّ- ﵇ عمّاله في سنة ست وثلاثين. فبعث عثمان بن حنيف على البصرة، وعمارة بن شهاب على الكوفة، وعبيد الله بن عباس على اليمن، وقيس بن سعد على مصر، وسهل بن حنيف على الشام. فأما سهل، فإنّه خرج حتى إذا كان بتبوك لقيته خيل. فقالوا: «من أنت؟» قال: «أمير [١] على الشام.» فردّوه، ولم يدعوه يتجاوزها. وأما قيس بن سعد، فإنّه لما انتهى إلى أيلة، لقيته خيل.» فقالوا: «من أنت؟» فقال: «من فالّة عثمان، أطلب من آوى إليه، وأنتصر به.» قالوا: «فمن أنت؟» قال: «قيس بن سعد.» قالوا: «امض.» فدخل مصر فافترق الناس: فبعضهم دخل في الجماعة وكانوا معه، وفرقة اعتزلت وقالت: - «إن قتل قتلة عثمان [فنحن معكم] [٢] ، وإلّا فنحن على جديلتنا.» وأمّا عثمان بن حنيف، فإنّه سار، ولم يردّه أحد عن دخول البصرة، ولم يوجد لابن عامر في ذلك رأى ولا تدبير، [٥١٦] وافترق الناس بالبصرة كما افترقوا بمصر.

стр. 454

وأما عمارة، فلمّا صار بزبالة، لقيه طليحة بن خويلد، وكان خرج يطلب بدم عثمان. وقال له: - «ارجع، فإنّ الناس لا يريدون بأميرهم بدلا، وإن أبيت ضربت عنقك.» فرجع وهو يقول: «أحرز الخطر ما تماسّك الشرّ خير من شرّ منه» [١]- فصار مثلا. وعلقه عمار بن ياسر إلى أن قتل. وانطلق عبيد الله بن عباس إلى اليمن. فجمع يعلى بن أميّة كلّ ما كان جباه، وخرج وسار على حاميته إلى مكة، فقدمها بالمال. فدعا علىّ طلحة والزبير فقال: - «إنّ الذي كنت أحدّثكم به قد وقع، وإنّما هي فتنة كالنار، كلما سعّرت ازدادت واستثارت.» فقالا له: «ائذن لنا نخرج من المدينة.» فقال: «سأمسك الأمر ما استمسك، فإذا لم أجد بدّا فآخر الداء الكىّ.» وكتب إلى أبى موسى، وهو بالكوفة، وإلى معاوية، وهو بالشام. فأمّا أبو موسى فكتب إليه بطاعة أهل الكوفة، وبيّن الكاره منهم لما كان، والراضي بما كان، حتى كان علىّ على الواضحة [٢] من أمر أهل الكوفة. [٥١٧] وأمّا معاوية فلم يكتب بشيء، ولم يجب الرسول، وجعل يردّده. وكان كلّما تنجّزه تمثّل بشعر [٣] لا يحصل منه على بيّنة، حتى أحكم أمر نفسه، وواطأ من أراد. وأتى على الرسول ثلاثة أشهر. ثم دعا بأحد ثقاته، ووصاه، ودفع طومارا مختوما إليه، عنوانه: «من معاوية إلى علىّ.»

стр. 455

وقال: «إذا دخلت المدينة فاقبض على أسفل الطومار ليقرأ الناس العنوان.» ثم أوصاه بأشياء يفعلها، ويقولها، وسرّح رسول علىّ معه. فلما دخلا المدينة رفع رسول معاوية الطومار، فتفرّق الناس إلى منازلهم وقد علموا أنّ معاوية ممتنع، ومضى الرسول حتى دخل على علىّ، فدفع إليه الطومار، ففضّ خاتمه، فلم تجد في جوفه كتابا. فقال للرسول: «ما وراءك؟» قال: «آمن أنا؟» قال: «نعم، لعمري إنّ الرسل لآمنة.» قال: «ورائي أنى تركت قوما لا يرضون إلّا بالقود.» قال: «ممن؟» قال: «من خيط رقبتك، ولقد تركت ستين شيخا يبكى تحت قميص عثمان وهو منصوب لهم، قد ألبسوه منبر دمشق.» فقال: «منى يطلبون دم عثمان، ألست موتورا [٥١٨] كترة عثمان؟ اللهمّ إنّى أبرأ إليك من دم عثمان، نجا والله قتلة عثمان إلّا أن يشاء الله، فإنّه إذا أراد أمرا أمضاه، اخرج.» قال: «وأنا آمن؟» قال: «وأنت آمن.» فخرج وصاحب السبائية واقف، فقالوا: - «هذا الكلب وافد الكلاب، اقتلوه.» فنادى: «يا آل مضر، يا آل قيس [١] ، الخيل والنبل! أحلف بالله ليردّنّها عليكم أربعة آلاف خصىّ، فانظروا كم الفحولة والركّاب.»

стр. 456

فتغاووا [١] عليه، ومنعته مضر، وجعلوا يقولون له: - «اسكت لا أبا لك.» فيقول: «والله، لا أسكت، فلقد أتاهم ما يوعدون.» فيقولون له: «اسكت.» فيقول: «لقد حلّ بهم ما يحذرون، انتهت والله أعمارهم، ذهبت والله ريحهم.» ولم يزل بذلك حتى تبيّن الذلّ فيهم، وتمّ لمعاوية تدبيره هذا. علىّ يدبّر لقتال أهل الفرقة بالشام واستأذن طلحة والزبير في العمرة، فأذن علىّ لهما، فلحقا بمكة، وأحبّ أهل المدينة [أن يعلموا] [٢] ما رأى علىّ في معاوية وانتقاضه، ليعرفوا بذلك رأيه في قتال أهل القبلة، أيقدم عليه، أم يجزع منه. وكان بلغهم أنّ الحسن ابنه دخل عليه، وحذّره، ودعاه إلى القعود وترك الناس. فدسّوا [٥١٩] زياد بن حنظلة التميمي، وكان منقطعا إلى علىّ، فدخل عليه وجلس إليه ساعة. ثم قال له علىّ: - «يا زياد، تيسّر.» قال: «لأىّ شيء؟» قال: «لغزو الشام.» قال زياد: «الأناة والرفق أمثل» ، وقال: ومن لا يصانع في أمور كثيرة ... يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم فتمثّل علىّ وكأنّه لا يريده:

стр. 457

متى تجمع القلب الذكىّ وصارما ... وأنفا حميّا تجتنبك المظالم فخرج زياد على الناس وهم ينتظرونه، فقالوا: - «ما وراءك؟» قال: «السيف يا قوم.» فعرفوا رأى علىّ. ودعا علىّ محمد بن الحنفية، فدفع إليه اللواء، وولّى عبيد الله بن عباس، ميمنته، وعمر بن أبى سلمة ميسرته، وجعل على مقدمته عمر بن الجرّاح ابن أخى أبى عبيدة بن الجراح، ولم يولّ أحدا ممن خرج على عثمان. واستخلف على المدينة قثمّ بن العباس، وكتب إلى أبى موسى، وإلى قيس بن سعد، وإلى عثمان بن حنيف أن يندبوا الناس إلى الشام، وأقبل يتجهّز، وخطب الناس، فدعاهم [٥٢٠] إلى النهوض، وحضّهم على قتال أهل الفرقة. ابتداء وقعة الجمل طلحة والزبير يريدان البصرة للإصلاح فبينا هو على ذلك، إذ أتاه من مكة عن عائشة أمّ المؤمنين وطلحة والزبير شيء آخر بخلاف ما هو فيه. ثم أتاه عنهم أنّهم يريدون البصرة للإصلاح. فقال: - «إن فعلوا فقد انقطع نظام المسلمين، وما كان عليهم في المقام [فينا مؤونة] [١] ولا إكراه.» فتعبّأ [٢] للخروج نحوهم، وخطب وندب الناس، فتثاقلوا. ولما رأى زياد بن حنظلة تثاقل الناس على علىّ انتدب وقال:

стр. 458

- «من تثاقل عنك يا أمير المؤمنين، فإنّا نقاتل معك ونخفّ بين يديك ما حملت أيدينا سيوفنا.» وأجابه رجلان من أعلام الأنصار. عائشة تريد طلحة ولمّا هرب بنو أمية لحقوا بمكّة، فاجتمعوا إلى عائشة، وكانوا ينتظرون أن يلي الأمر طلحة، لأن هوى عائشة كان معه، وكانت من قبل تشنّع على عثمان، وتحضّ عليه، وتخرج راكبة بغلة رسول الله- صلى الله عليه- ومعها قميصه وتقول: - «هذا قميص رسول الله، صلى الله عليه، ما بلى وقد بلى دينه، اقتلوا نعثلا، قتل الله نعثلا.» فلما صار [٥٢١] الأمر إلى علىّ كرهته وعادت إلى مكة بعد أن كانت متوجّهة إلى المدينة، ونادت: - «ألا، إنّ الخليفة قتل مظلوما، فاطلبوا بدم عثمان.» من استجاب لعائشة ومن اعتزل فأوّل من استجاب لها عبد الله بن عامر، ثم قام سعيد بن العاص والوليد بن عقبة وسائر بنى أمية. وكان قدم عبد الله بن عامر قريبا، ويعلى بن أمية من اليمن، واجتمع رأيهم بعد نظر طويل، وخطاب كثير، على البصرة، وقالوا: - «معاوية قد كفاكم الشام.» وكان مع يعلى ستمائة بعير، وستمائة ألف درهم، فأنفقهما في ذلك الوجه، وشتموا عبد الله بن عامر، وقالوا: - «لا أنت مسالم ولا أنت محارب، هلّا أقمت بالبصرة فمنعت حوزتك كما

стр. 459

منع معاوية، أو هلّا أرفدتنا اليوم بمالك كما فعل يعلى بن أمية.» فتكلّم بما لم يرضوه في جوابهم. وسأل الناس غير عائشة من أزواج النبىّ- صلى الله عليه- فأرادت حفصة الخروج، فأتاه عبد الله بن عمر بن الخطّاب، فطلب إليها أن تقعد، فقعدت. وبعثت أمّ الفضل بنت الحارث بن عبد المطّلب رجلا من جهينة، واستأجرته على أن يطوى ويأتى عليّا بكتابها، فقدم من جهتها بالخبر على علىّ. [٥٢٢] فأما المغيرة بن شعبة وسعيد بن العاص، فإنّهما خرجا من مكة مرحلة مع القوم، ثم تشاوروا. فقال المغيرة: - «عندي أنّ الرأى لنا أن نعتزل الجميع، فأيّهم أظفره الله أتيناه وقلنا: كان هوانا معك وصغونا إليك.» فاعتزلا وعادا إلى مكة ومعهما غيرهما. موقف آخر لسعيد بن العاص ويقال: إنّ سعيد بن العاص أتى طلحة والزبير فقال: - «إن ظفرتما، لمن يكون الأمر؟» قالا: «لأحدنا، أيّنا رضيه المسلمون.» قال: «لا، بل اجعلوه لولد عثمان، فإنكم خرجتم تطلبون بدمه.» قالا: لا والله، ما ندع مشايخ المهاجرين والأنصار ونجعل الخلافة في أبنائهم.» فقال: «ما أرانى أسعى إلّا في إخراجها من ولد عبد مناف.» سؤال وتنازع حول الإمرة فرجع مع من رجع، واستمرّ بالقوم المسير. فلما نزلوا ذات عرق أذّن مروان، ثم جاء حتى وقف عليهما، فقال:

стр. 460

- «على أيّكما أسلّم بالإمرة وأؤذّن بالصلاة؟» فقال ابن الزبير: «على أبى.» وقال ابن طلحة: «على أبى.» وتنازعا. فأرسلت عائشة إلى مروان: - «ما لك يا مروان! تريد أن تفرّق جماعتنا، ليصلّ ابن أختى بالناس.» فكان يصلّى بهم عبد الله بن الزبير حتى قدموا [٥٢٣] البصرة. فكانوا يقولون: - «لو ظفرنا لافتتنّا [١] ، وما كان ليخلّى الزبيريّون الأمر لطلحة، ولا الطلحيون الأمر للزبير.» وإنّ عليّا تجهّز في من خفّ معه، يبادرهم ليعترض عليهم دون البصرة، وخرج معه تسعمائة رجل في التعبئة التي كان تعبّأ بها إلى الشام، حتى انتهى إلى الربذة، وبلغه ممرّهم وقد فاتوه. فأقام هناك يأتمر. اتّفاق في ذلك الوجه فمما اتفق في ذلك الوجه، أنّ صاحب الجمل- الذي يقال له: «عسكر» وخبره مشهور- حكى أنه: لما اشترى منه الجمل بحكمه وركبته عائشة سألوه عن الطريق، وهل هو خبر؟ قال، فقلت: «أنا أهدى من القطا [٢] .» فأعطونى دنانير، وتقدّمتهم، وكانوا يسألوننى عن كلّ ماء، حتى نزلوا الحوءب [٣] ، فكان الحديث المشهور، فبينا نحن كذلك، إذا بابن الزبير يركض وينادى:
следующие страницы →