← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فتغاووا [١] عليه، ومنعته مضر، وجعلوا يقولون له: - «اسكت لا أبا لك.» فيقول: «والله، لا أسكت، فلقد أتاهم ما يوعدون.» فيقولون له: «اسكت.» فيقول: «لقد حلّ بهم ما يحذرون، انتهت والله أعمارهم، ذهبت والله ريحهم.» ولم يزل بذلك حتى تبيّن الذلّ فيهم، وتمّ لمعاوية تدبيره هذا. علىّ يدبّر لقتال أهل الفرقة بالشام واستأذن طلحة والزبير في العمرة، فأذن علىّ لهما، فلحقا بمكة، وأحبّ أهل المدينة [أن يعلموا] [٢] ما رأى علىّ في معاوية وانتقاضه، ليعرفوا بذلك رأيه في قتال أهل القبلة، أيقدم عليه، أم يجزع منه. وكان بلغهم أنّ الحسن ابنه دخل عليه، وحذّره، ودعاه إلى القعود وترك الناس. فدسّوا [٥١٩] زياد بن حنظلة التميمي، وكان منقطعا إلى علىّ، فدخل عليه وجلس إليه ساعة. ثم قال له علىّ: - «يا زياد، تيسّر.» قال: «لأىّ شيء؟» قال: «لغزو الشام.» قال زياد: «الأناة والرفق أمثل» ، وقال: ومن لا يصانع في أمور كثيرة ... يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم فتمثّل علىّ وكأنّه لا يريده:

стр. 457

متى تجمع القلب الذكىّ وصارما ... وأنفا حميّا تجتنبك المظالم فخرج زياد على الناس وهم ينتظرونه، فقالوا: - «ما وراءك؟» قال: «السيف يا قوم.» فعرفوا رأى علىّ. ودعا علىّ محمد بن الحنفية، فدفع إليه اللواء، وولّى عبيد الله بن عباس، ميمنته، وعمر بن أبى سلمة ميسرته، وجعل على مقدمته عمر بن الجرّاح ابن أخى أبى عبيدة بن الجراح، ولم يولّ أحدا ممن خرج على عثمان. واستخلف على المدينة قثمّ بن العباس، وكتب إلى أبى موسى، وإلى قيس بن سعد، وإلى عثمان بن حنيف أن يندبوا الناس إلى الشام، وأقبل يتجهّز، وخطب الناس، فدعاهم [٥٢٠] إلى النهوض، وحضّهم على قتال أهل الفرقة. ابتداء وقعة الجمل طلحة والزبير يريدان البصرة للإصلاح فبينا هو على ذلك، إذ أتاه من مكة عن عائشة أمّ المؤمنين وطلحة والزبير شيء آخر بخلاف ما هو فيه. ثم أتاه عنهم أنّهم يريدون البصرة للإصلاح. فقال: - «إن فعلوا فقد انقطع نظام المسلمين، وما كان عليهم في المقام [فينا مؤونة] [١] ولا إكراه.» فتعبّأ [٢] للخروج نحوهم، وخطب وندب الناس، فتثاقلوا. ولما رأى زياد بن حنظلة تثاقل الناس على علىّ انتدب وقال:

стр. 458

- «من تثاقل عنك يا أمير المؤمنين، فإنّا نقاتل معك ونخفّ بين يديك ما حملت أيدينا سيوفنا.» وأجابه رجلان من أعلام الأنصار. عائشة تريد طلحة ولمّا هرب بنو أمية لحقوا بمكّة، فاجتمعوا إلى عائشة، وكانوا ينتظرون أن يلي الأمر طلحة، لأن هوى عائشة كان معه، وكانت من قبل تشنّع على عثمان، وتحضّ عليه، وتخرج راكبة بغلة رسول الله- صلى الله عليه- ومعها قميصه وتقول: - «هذا قميص رسول الله، صلى الله عليه، ما بلى وقد بلى دينه، اقتلوا نعثلا، قتل الله نعثلا.» فلما صار [٥٢١] الأمر إلى علىّ كرهته وعادت إلى مكة بعد أن كانت متوجّهة إلى المدينة، ونادت: - «ألا، إنّ الخليفة قتل مظلوما، فاطلبوا بدم عثمان.» من استجاب لعائشة ومن اعتزل فأوّل من استجاب لها عبد الله بن عامر، ثم قام سعيد بن العاص والوليد بن عقبة وسائر بنى أمية. وكان قدم عبد الله بن عامر قريبا، ويعلى بن أمية من اليمن، واجتمع رأيهم بعد نظر طويل، وخطاب كثير، على البصرة، وقالوا: - «معاوية قد كفاكم الشام.» وكان مع يعلى ستمائة بعير، وستمائة ألف درهم، فأنفقهما في ذلك الوجه، وشتموا عبد الله بن عامر، وقالوا: - «لا أنت مسالم ولا أنت محارب، هلّا أقمت بالبصرة فمنعت حوزتك كما

стр. 459

منع معاوية، أو هلّا أرفدتنا اليوم بمالك كما فعل يعلى بن أمية.» فتكلّم بما لم يرضوه في جوابهم. وسأل الناس غير عائشة من أزواج النبىّ- صلى الله عليه- فأرادت حفصة الخروج، فأتاه عبد الله بن عمر بن الخطّاب، فطلب إليها أن تقعد، فقعدت. وبعثت أمّ الفضل بنت الحارث بن عبد المطّلب رجلا من جهينة، واستأجرته على أن يطوى ويأتى عليّا بكتابها، فقدم من جهتها بالخبر على علىّ. [٥٢٢] فأما المغيرة بن شعبة وسعيد بن العاص، فإنّهما خرجا من مكة مرحلة مع القوم، ثم تشاوروا. فقال المغيرة: - «عندي أنّ الرأى لنا أن نعتزل الجميع، فأيّهم أظفره الله أتيناه وقلنا: كان هوانا معك وصغونا إليك.» فاعتزلا وعادا إلى مكة ومعهما غيرهما. موقف آخر لسعيد بن العاص ويقال: إنّ سعيد بن العاص أتى طلحة والزبير فقال: - «إن ظفرتما، لمن يكون الأمر؟» قالا: «لأحدنا، أيّنا رضيه المسلمون.» قال: «لا، بل اجعلوه لولد عثمان، فإنكم خرجتم تطلبون بدمه.» قالا: لا والله، ما ندع مشايخ المهاجرين والأنصار ونجعل الخلافة في أبنائهم.» فقال: «ما أرانى أسعى إلّا في إخراجها من ولد عبد مناف.» سؤال وتنازع حول الإمرة فرجع مع من رجع، واستمرّ بالقوم المسير. فلما نزلوا ذات عرق أذّن مروان، ثم جاء حتى وقف عليهما، فقال:

стр. 460

- «على أيّكما أسلّم بالإمرة وأؤذّن بالصلاة؟» فقال ابن الزبير: «على أبى.» وقال ابن طلحة: «على أبى.» وتنازعا. فأرسلت عائشة إلى مروان: - «ما لك يا مروان! تريد أن تفرّق جماعتنا، ليصلّ ابن أختى بالناس.» فكان يصلّى بهم عبد الله بن الزبير حتى قدموا [٥٢٣] البصرة. فكانوا يقولون: - «لو ظفرنا لافتتنّا [١] ، وما كان ليخلّى الزبيريّون الأمر لطلحة، ولا الطلحيون الأمر للزبير.» وإنّ عليّا تجهّز في من خفّ معه، يبادرهم ليعترض عليهم دون البصرة، وخرج معه تسعمائة رجل في التعبئة التي كان تعبّأ بها إلى الشام، حتى انتهى إلى الربذة، وبلغه ممرّهم وقد فاتوه. فأقام هناك يأتمر. اتّفاق في ذلك الوجه فمما اتفق في ذلك الوجه، أنّ صاحب الجمل- الذي يقال له: «عسكر» وخبره مشهور- حكى أنه: لما اشترى منه الجمل بحكمه وركبته عائشة سألوه عن الطريق، وهل هو خبر؟ قال، فقلت: «أنا أهدى من القطا [٢] .» فأعطونى دنانير، وتقدّمتهم، وكانوا يسألوننى عن كلّ ماء، حتى نزلوا الحوءب [٣] ، فكان الحديث المشهور، فبينا نحن كذلك، إذا بابن الزبير يركض وينادى:

стр. 461

- «أدرككم علىّ بن أبى طالب، النجا النجا.» وشتموني ورحلوا، وانصرفت. فما سرت إلّا قليلا حتى لقيت علىّ بن أبى طالب ومعه ركب، فقال: «علىّ بالراكب.» فأتيته. فقال: «أين لقيت الظعينة؟» فقلت: [٥٢٤] «مكان كذا، وقد بعتهم جملي وأعطونى ناقتها وهي هذه تحتي، وأعطونى كيت وكيت.» قال: «وقد ركبته؟» قلت: «نعم. وسرت معهم إلى الحوءب وكان من أمرهم كذا وكذا، وارتحلوا وأقبلت.» قال علىّ: «فهل لك دلالة بذي قار؟» قلت: «نعم.» قال: «سر معنا.» علىّ يستشير الناس والحسن يذكر له ما كان قد أشار به عليه قبل فسرنا حتى نزلنا بذي قار. فأمر علىّ بجوالقين، فضمّ أحدهما إلى صاحبه، ثم جيء برحل، فوضع عليه، ثم صعد عليه، وخطب الناس وأعلمهم الخبر. ثم استشارهم، فقام الحسن، فبكى، وقال: - «أشرت عليك فعصيتني، فتقتل غدا بمضيعة [١] لا ناصر لك.»

стр. 462

فقال له علىّ: «إنّك لا تزال تحنّ [١] حنين الجارية، وما الذي أشرت به علىّ فعصيتك؟ تكلّم به ليسمعه الناس.» قال: «كنت قلت لك يوم أحيط بعثمان: أن تخرج من المدينة فلا تشهد قتله فأبيت. وقلت لك يوم قتل: لا تبايع حتى يأتيك وفود العرب وبيعة أهل الأمصار، فأبيت. ثم قلت لك حين فعل الرجلان ما فعلا أن: تجلس في بيتك حتى يصطلح الناس، فإن كان فساد كان على يدي غيرك [٥٢٥] فعصيتني في ذلك كلّه.» فقال: «أى بنىّ! أمّا قولك: لو خرجت من المدينة، فوالله لقد أحيط بنا كما أحيط به. - «وأمّا قولك: انتظره حتى يأتيك الوفود وأهل الأمصار، فإنّ الأمر أمر أهل المدينة، وعقدهم جائز على المسلمين، وكرهنا أن نضيع هذا الأمر فتكون فتنة.» - «وأمّا قولك حين خرج طلحة والزبير أن اجلس في بيتك، فإنّ ذلك كان وهنا على أهل الإسلام لو فعلته. وو الله ما زلت مقهورا منذ ولدت، منقوصا لا أصل إلى حقّى، ولا إلى شيء مما ينبغي لى.» - «وأما قولك: اجلس في بيتك، فكيف لى بما لزمني؟ أتريد أن أكون كالضبع التي يحاط بها ويقال [٢] : داب داب، أمّ عامر ليست هاهنا، حتى يحلّ عرقوباها. إذا لم أنظر في ما لزمني ويعنيني فمن ينظر فيه.» فكفّ عليك يا بنىّ. إنّ النبىّ- صلى الله عليه- قبض وما أرى أحقّ بهذا الأمر منّى، فبايع الناس أبا بكر، فبايعت كما بايعوا. ثم هلك أبو بكر وما أرى أحقّ بهذا الأمر منّى، فبايع الناس عمر، فبايعت [٥٢٦] كما بايعوا. ثم هلك عمر وما أرى أحقّ بهذا الأمر منّى، فجعلني سهما من ستة أسهم. ثم عدل عنّى إلى عثمان، فبايعت كما بايع الناس. ثم سار الناس إلى عثمان، فقتلوه، وأتونى طائعين غير

стр. 463

مكرهين، فبايعوني. فأنا مقاتل بمن اتبعنى من خالفني حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.» ولما قربت عائشة ومن معها من البصرة قدّمت عبد الله بن عامر وقالت: - «أنت لك صنائع فاذهب إلى صنائعك، فليلقوا [١] الناس.» وكتبت إلى رجال البصرة كالأحنف بن قيس وضبرة [٢] بن شيمان ووجوه الناس، وأقامت بالحفير تنتظر الجواب. عثمان بن حنيف يبعث رسولين إلى عائشة وطلحة والزبير ولما بلغ الخبر البصرة دعا عثمان بن حنيف عمران بن الحصين، وكان رجل عامة، وأبا الأسود الدئلي وكان رجل خاصّة وقال: - «انطلقا إلى هذه المرأة واعلما علمها وعلم من معها.» فانتهيا إليها والناس بالحفير، واستأذنا فأذن لهما، فسلّما وقالا: - «إنّ أميرنا بعثنا إليك نسألك عن مسيرك، فهل أنت مخبرتنا؟» فقالت: «والله ما مثلي يسير بالأمر المكتوم، ولا يمئى [٣] لبنيه الخبر، [إنّ الغوغاء] ، [٥٢٧] ونزّاع القبائل غزوا حرم رسول الله، ونالوا من قتل الامام، ما استحقّوا به لعنة الله، وفعلوا وفعلوا. فخرجت في المسلمين إلى هذا المصر، لأعلمهم ما فيه الناس وراءنا، وما ينبغي لهم بأن يأتوه من الإصلاح، وقرأت: لا

стр. 464

خير في كثير من نجواهم إلّا من أمر بصدقة، أو إصلاح بين النّاس [١] ، فهذا شأننا، نأمركم بالمعروف ونحضّكم عليه، وننهاكم عن منكر، ونحثّكم على تغييره.» فخرجا من عندها، وأتيا طلحة، فقالا ما قالا لعائشة وسألاه: ما الذي أقدمه؟ قال: «الطلب بدم عثمان.» قالا [٢] : «ألم تبايع عليّا؟» قال: «بلى، واللّجّ في عنقي، وما أستقيل عليّا، إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان.» ثم أتيا الزبير، فقالا: «ما أقدمك؟» قال: «الطلب بدم عثمان.» قالا: «ألم تبايع عليّا؟» قال: «بلى، واللّجّ في عنقي، وما أستقيل عليّا إن لم يحام على قتلة عثمان.» ومضى الرجلان، حتى دخلا على عثمان بن حنيف. فبدر أبو الأسود عمران وأنشد: يا بن حنيف قد أتيت فانفر ... وطاعن القوم وجالد واصبر [٥٢٨] وابرز لهم مستلئما وشمّر فقال عثمان بن حنيف: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [٣] ٢: ١٥٦. دارت رحى الإسلام وربّ الكعبة. فانظر أىّ زيفان تزيف.» فقال عمران: «إى والله، لتعركنّكم عركا طويلا.» قال: «فأشر علىّ يا عمران.»

стр. 465

قال: «إنّى قاعد، فاقعد.» قال: «بل أمنعهم حتى يأتى أمير المؤمنين.» فانصرف عمران، وقام عثمان في أمره، ونادى في الناس، وأمرهم بالتهيؤ. فلبسوا السلاح، واجتمعوا في المسجد الجامع، وأقبل عثمان بن حنيف على الكيد. كيد كاد به عثمان بن حنيف فمما كاد به لينظر ما رأى الناس: أن دسّ رجلا إلى الناس كوفيّا قيسيّا يقال له: قيس به العقدية، فقام وقال: - «أيها الناس، إنّ هؤلاء القوم الذين جاءوكم إن كانوا جاءوا خائفين، فقد جاءوا من مكان بعيد يأمن فيه الطير، وإن جاءوا يطلبون بدم عثمان، فما نحن بقتلة عثمان. أطيعونى في هؤلاء القوم، فردّوهم من حيث جاءوا.» فقال الأسود بن سريع: - «أو زعموا أنّا قتلة عثمان. إنما فزعوا إلينا [٥٢٩] يستعينون [١] بنا على قتلة عثمان منّا ومن غيرنا.» فتكلّم القيسىّ فحصبه الناس. فعرف عثمان أن لهم بالبصرة ناصرا ممن معه، فكسره ذلك. انتهاء عائشة ومن معها إلى المربد وأقبلت عائشة في من معها، حتى انتهوا إلى المربد [٢] ، فدخلوا من أعلاه،

стр. 466

ووقفوا حتى خرج عثمان في من معه، وخرج إليها من أراد أن يكون معها. واجتمع الناس بالمربد، وجعلوا يتوثّبون، واغتصّ المكان بالناس. فتكلّم طلحة وهو في ميمنة المربد، وعثمان في زهو [١] ميسرته، فأنصتوا، فذكر فضل عثمان، والبلد، وما استحلّوا منه، وعظّم ما أتى إليه، ودعا إلى الطلب بدمه، وقال في آخر كلامه: - «إنّه حدّ من حدود الله، فإن فعلتم أصبتم، وعاد أمركم، وإن تركتم لم يقم لكم سلطان، ولم يكن لكم نظام.» فقال من في ميمنة المربد: «صدقا وبرّا» . وقال من في الميسرة: «فجرا وغدرا. قد بايعا، ثم جاءا يقولان ما يقولان.» وتحاصب الناس، وتكلّموا. فتكلّمت عائشة. وكانت جهيرة الصوت، فحضّت [٥٣٠] على الطلب بدم عثمان والأخذ بالكتاب الذي يدعون إليه. وأقبل جارية بن قدامة السعدي، فقال: - «يا أمّ المؤمنين، لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك عرضة للسلاح. فقد كان لك ستر من الله وحرمة: فهتكت سترك، وأبحت حرمتك، إنّ من رأى قتالك فهو يرى قتلك. فإن كنت خرجت طائعة فارجعى إلى بيتك، وإن خرجت كارهة فاستعيني بالناس.» وخرج رئيس كل طائفة، فتكلّم فقال بعضهم: - «أمّا أنت يا زبير، فحوارىّ رسول الله- صلى الله عليه-، وأمّا أنت يا طلحة فوقيت رسول الله بيدك، وأرى أمّكما معكما، فهل جئتما بنسائكما؟» قالا: «لا.» قال: «فما أنا منكما.»

стр. 467

واعتزل. قتال وتوادع وأقبل حكيم بن جبلة فأنشب القتال، فاقتتلوا إلى الليل، وقتل خلق. ثم إنهم توادعوا على أن يكتبوا إلى المدينة، ويستعلموا [١] الناس: هل بايعا مكرهين؟ فإن بايعا مكرهين خرج عثمان بن حنيف، وإن كانا بايعا طائعين خرج طلحة [٥٣١] والزبير. فجرى خطب طويل بالمدينة لما ورد الرسول من البصرة، ليس لذكره وجه في ما نحن بسبيله. وكان الناس كتبوا بينهم كتابا شرط فيه ألّا يضارّ أحد بأحد في سوق ولا طريق إلى أن تعود الرسل. إلّا أن محمد بن طلحة قام يوما في المسجد مقام عثمان بن حنيف، فتعرض له عثمان، وجاء بعض الحرس، فنحّاه، وظنّ أنه جاء في شرّ. ووصل كتاب عثمان بن حنيف إلى علىّ بما كان من الناس. فكتب علىّ- رضى الله عنه- يعجّزه ويقول: - «ما أكرها على فرقة، وإنّما أكرها على جماعة، فإن كانا يريدان الخلع، فلا عذر لهما. [٢] » ما جرى على عثمان بن حنيف فقدم الكتاب على عثمان، واتّفق أن تأخّر ابن حنيف عن الصلاة، فقدّما

стр. 468

عبد الرحمان بن عتّاب، فشهر الزطّ [١] السلاح ومنعوه. ثمّ اقتتلوا في المسجد، وصبر الرجّالة لهم، فقتلوهم عن آخرهم وهم أربعون رجلا. وأدخلوا الرجال على عثمان، فما وصل إليه إلّا بعد أن لحقه مكروه عظيم. [٥٣٢] وأرسلوا إلى عائشة يستشيرونها في أمره. فأمرت بقتله، فناشدها قوم فيه، وأذكروها بصحبته رسول الله- صلى الله عليه- فأشار مجاشع بن مسعود بضربه فضربوه أسواطا، ونتفوا شعر لحيته ورأسه حتى حاجبيه وعينيه، وأشفار عينيه. ثم حبسوه. فغضب له قوم، وثار حكيم بن جبلة، وأصبح بيت المال والحرس في يدي طلحة والزبير. وقال حكيم بن جبلة: «لست أخاف الله إن لم أنصر عثمان بن حنيف.» فجاء في جماعة من عبد القيس وبكر بن وائل، فأتى ابن الزبير في مدينة الرزق. فقال: - «ما لك يا حكيم، ما تريد؟» قال: «أن نرتزق من هذا الطعام، وأن تحلّوا عثمان، فيقيم في دار الإمارة على ما كتبتم بينكم حتى يقدم علىّ. وأيم الله لو أجد أعوانا لألحقنّكم بمن قتلتم. فقد أحلّ الله لنا دماءكم بمن قتلتم من إخواننا. أما تخافون الله، بم تستحلّون سفك الدماء؟» قال: «بدم عثمان.» قال: «فالذين قتلتموهم قتلة عثمان! أما تخافون [٥٣٣] الله ومقته وعقوبته؟» فقال ابن الزبير: «لا نرزقكم من هذا الطعام، ولا نخلّى سبيل عثمان بن حنيف حتى نخلع عليّا.» قال حكيم: «اللهمّ إنّك حكم عدل.» ثم قال لأصحابه: «إنّى لست في شكّ من قتال هؤلاء القوم.»

стр. 469

قتال شديد ضرب فيه رجل ساق حكيم فاقتتلوا قتالا شديدا. وضرب رجل ساق حكيم، فقطعها. فأخذ حكيم ساقه ورماه بها، فأصاب عنقه، فصرعه. ثم حبا إليه فقتله واتكى عليه، فانتهى إليه رجل وقال له: «من قتلك؟» قال: «وسادتى.» وقتل سبعون رجلا من عبد القيس. وقال حكيم حين قطعت رجله: يا فخذ لن تراعى ... إنّ معى ذراعي [أحمى بها كراعى] [١] فاحتمل الرجل حكيما وضمّه في ستين من أصحابه. فتكلّم يومئذ وإنّه لقائم على رجل- وإنّ السيوف لتأخذهم- لا يتعتع: - «إنّا خلّفنا هذين، وقد بايعا عليّا، وأعطياه الطاعة، ثم أقبلا مخالفين يطلبان بدم عثمان، وهما كاذبان، وإنّما أراغا [٢] المال والإمرة.» وأخذته السيوف، فأنيم، وأنيم أصحابه، وأفلت حرقوص بن زهير وحده. ونادى منادى عائشة: - «ألا من كان فيهم من قبائلكم أحد ممن غزا [٥٣٤] المدينة، فليأتنا بهم.» فجيء بهم كما يجاء بالكلاب، فقتلوا. فما أفلت منهم غير حرقوص. فخشّنوا صدور بنى سعد، وإنهم لعثمانية، حتى انفردوا. وغضب عبد القيس لمن قتل منهم بعد الوقعة، ثم أمرا للناس بأعطياتهم، وفضّلا أهل السمع. فخرجت عبد القيس وكثير من بكر بن وائل. فبادروا إلى بيت المال، وركبهم

стр. 470

الناس، وخرجوا حتى نزلوا على طريق علىّ، وأقام طلحة والزبير بالبصرة ليس معهما مخالف. وكتبوا إلى أهل الشام بما صنعوا، وقصّوا القصة وأطالوا، وذكروا أنّهم أقاموا حدّ الله، وأنهم قد أعذروا، وقضوا ما عليهم، فنناشدكم الله في أنفسكم إلّا نهضتم بمثل ما نهضنا به. وكتبوا إلى أهل الكوفة بمثل ذلك، وإلى أهل اليمامة بمثله. وكتبت عائشة إلى أهل الكوفة كتابا بليغا طويلا تحضّهم على إقامة كتاب الله، وتذكر لهم ما صنعوا بالبصرة. وكتبت إلى رجال بأسمائهم وقالت: - «ثبّطوا الناس عن نصرة هؤلاء القوم، والزموا بيوتكم» . ولما قتلوا حكيما وأصحابه همّوا بقتل عثمان بن حنيف [٥٣٥] فقال لهم عثمان: - «ما شئتم، إن أخى سهلا بالمدينة مع علىّ، وهو وال بها، فإن قتلتموني انتصر.» فخلّوا عنه، وصلّى بالناس عبد الله بن الزبير. وكتبت عائشة بنت أبى بكر إلى زيد بن صوحان: «من عائشة أم المؤمنين وحبيبة الرسول إلى ابنه الخالص زيد بن صوحان. أمّا بعد، فإذا أتاك كتابي هذا فاقدم وانصرنا على أمرنا، فإن لم تفعل فخذّل الناس عن علىّ بن أبى طالب.» فكتب إليها زيد بن صوحان: «إلى عائشة بنت أبى بكر. أمّا بعد، فأنا ابنك الخالص إن اعتزلت من هذا الأمر، ورجعت إلى بيتك، وإلّا فأنا أوّل من نابذك.» وقال: «رحم الله عائشة. أمرت أن تلزم بيتها، وأمرنا أن نقاتل، فتركت ما أمرت به، وأمرتنا به، وصنعت ما أمرنا به ونهتنا عنه.» وكان علىّ- ﵇ حين انتهى إلى الربذة، أقام، وأرسل إلى أهل

стр. 471

الكوفة، وكاتبهم، واستدعى من المدينة ما أحبّ من سلاح وغيره. وقدم عثمان بن حنيف الربذة على علىّ منتوف شعر الوجه كلّه، وقال: - «يا أمير المؤمنين [٥٣٦] بعثتني ذا لحية، وجئتك أمرد.» قال: «أصبت خيرا وأجرا. اللهم احلل ما عقدا، ولا تبرم ما أحكما، وأرهما المساءة في ما عملا. [١] » ماذا جرى في الكوفة ؟ فأمّا أهل الكوفة، فلمّا انتهى إليهم رسول علىّ استشاروا أبا موسى. فقال لهم: - «إنما هما أمران: القعود سبيل الآخرة، والخروج سبيل الدنيا.» وجعل يثبّط الناس. إلى أن أنفذ علىّ- ﵇ ابن عباس والأشتر، فلم يغنيا، وكان بعث بهاشم بن عتبة إلى أبى موسى يستنفر الناس. فكتب إليه هاشم: - «إنى قدمت على رجل مشاقّ ظاهر الغلّ.» فبعث علىّ الحسن وعمارا، وكتب إلى أبى موسى: - «أما بعد، فكنت أرى أن بعدك من هذا الأمر الذي لم يجعل الله لك فيه نصيبا سيمنعك من ردّ أمرى. وقد بعثت الحسن بن علىّ، وعمار بن ياسر، وبعثت قرطة بن كعب واليا. فاعتزل عملنا مذموما مدحورا.» فقدم الحسن بن علىّ وعمار بن ياسر. فلطف الحسن وقال: - «أيها الناس! أجيبوا أميركم، وسيروا إلى إخوانكم. فإنّه سيوجد لهذا الأمر من ينفر إليه. فوالله أن يليه أهل [٥٣٧] النهى أمثل في العاجلة، وخير في العاقبة، فأجيبوا دعوتنا، وأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم.» فقام زيد بن صوحان فقال:

стр. 472

- «يا قوم! سيروا إلى أمير المؤمنين وسيد المسلمين، وانفروا إليه أجمعين.» فقام القعقاع بن عمرو، فقال: - «أيها الناس! إنّى لكم ناصح وعليكم شفيق، ولأقولنّ لكم قولا هو الحقّ، إنّه لا بدّ لنا من إمارة تنظم الناس، وتردع الظالم، وتعزّ المظلوم، وهذا علىّ ولى ما ولى، وقد أنصف في الدعاء، وإنما يدعو إلى الإصلاح، فانفروا، وكونوا من هذا الأمر بمرأى ومسمع.» ثم تكلّم سيحان، وقال مثل قول القعقاع، وتكلّم عدىّ بن حاتم في قومه لمّا بلغه كلام الحسن وجواب الناس وقال: - «قد بايعنا هذا الرجل، ودعانا إلى أمر جميل، ونحن سائرون.» وتكلّم هند بن عمرو، وحجر بن عدىّ، والأشتر، وقالوا مثل ذلك. وقال الحسن: - «أيها الناس! إنّى غاد، فمن شاء منكم أن يخرج معى على الظهر، ومن شاء فليخرج في الماء.» فنفر معه تسعة آلاف رجل، وروى أيضا أنهم كانوا اثنى عشر ألفا، [٥٣٨] وأخرج أبو موسى من القصر، وشدّد عليه الأشتر. علىّ يرسل القعقاع إلى أهل البصرة فلمّا وردوا على علىّ ذا قار، تلقّاهم علىّ، فرحّب بهم، وأثنى عليهم. ثم دعا القعقاع بن عمرو، فأرسله إلى أهل البصرة، وقال: - «الق هذين الرجلين، فادعهما إلى الألفة والجماعة، وعظّم عليهما الفرقة.» ووصاه بما أراد. ثم قال له: «كيف أنت صانع في ما جاءك منهم مما ليس عندك وصاة منّى؟»

стр. 473

قال: «نلقاهم بالذي أمرت به. فإذا جاءنا أمر ليس عندنا منك فيه وصاة اجتهدنا الرأى، وكلّمناهم على قدر ما نسمع منهم ونرى أنّه ينبغي.» قال: «أنت لها.» فخرج القعقاع حتى قدم البصرة. فبدأ بعائشة، فسلّم عليها، ثم قال: - «أى أمّه! ما أشخصك. وما أقدمك؟» قالت: «أى بنىّ! الإصلاح [١] بين الناس.» قال: «فابعثى إلى طلحة والزبير، حتى تسمعي كلامي وكلامهما.» فبعثت إليهما، فجاءا. فقال: سألت أم المؤمنين: ما أشخصها وأقدمها هذه البلاد؟ فقالت: - «الإصلاح [٢] بين الناس.» [فقلت] : «فما تقولان أنتما: متابعان، أم مخالفان؟» قالا: «متابعان.» قال: [٥٣٩] فأخبرانى ما وجه هذا الصلاح؟ فوالله لئن عرفناه لنصلحنّ [٣] ، وإن أنكرناه لا نصلح.» [٤] قالا: «قتلة عثمان. فإن هذا إن ترك كان تركا للقرآن، وإن عمل به كان إحياءا للقرآن.» قال: «قد قتلتم بالبصرة من زعمتم أنهم قتلة عثمان، وأنتم كنتم قبل قتلهم أقرب إلى الاستقامة منكم اليوم، قتلتم ستمائة إلّا رجلا فغضب لهم ستة آلاف، فاعتزلوكم، وخرجوا من بين أظهركم، وطلبتم ذلك الواحد الذي أفلت- يعنى

стр. 474

حرقوص بن زهير- فمنعه ستة آلاف وهم على رجل [١] . فإن تركتموهم كنتم تاركين لما تقولون، وإن قاتلتموهم والذين اعتزلوا فأديلوا عليكم، فالذي حذرتم وقوّيتم به هذا الأمر أعظم مما أراكم تكرهون، وإن أنتم أحميتم مضر وربيعة من أهل هذه البلاد، فاجتمعوا على حربكم وخذلانكم نصرة لهؤلاء، كما اجتمع هؤلاء لأهل هذا الحدث العظيم والذنب الكبير.» قال: أقول: «إنّ هذا الأمر دواؤه التسكين، فإذا سكن احتلجوا. فإن أنتم تابعتمونا فعلامة [٥٤٠] خير، وتباشير رحمة، ودرك بثأر هذا الرجل، وعافية لهذه الأمة. وإن أبيتم إلّا مكاثرة هذا الأمر واعتسافه كانت علامة شرّ، وذهاب هذا الثأر، وفناء هذه الأمة. فآثروا العافية ترزقوها، وكونوا مفاتيح خير كما كنتم تكونون، ولا تتعرّضوا للبلاء ولا نتعرض له فيصرعكم ويصرعنا. إنّ هذا الأمر الذي أنتم فيه، أمر ليس يقدّر، وليس كالأمور، ولا كقتل الرجل الرجل، ولا النفر الرجل، ولا القبيلة الرجل.» فقالوا: «إذا أحسنت وأصبت المقالة. فارجع، فإن قدم علىّ وهو على مثل رأيك صلح هذا الأمر.» فرجع إلى علىّ، فأخبره الخبر، فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصلح، كرهه من كرهه، ورضيه من رضيه. وأقبلت وفود البصرة نحو علىّ حين نزل بذي قار. فجاء وفد تميم وبكر قبل رجوع القعقاع لينظروا ما رأى إخوانهم من أهل الكوفة وعلى أىّ حال نهضوا [إليهم] [٢] وليعلمو [٣] هم أنّ الذي عليه رأيهم الإصلاح، ولا يخطر قتالهم على بالهم. فلما لقوا عشائرهم [٥٤١] من أهل الكوفة بالذي بعثهم فيه عشائرهم من أهل

стр. 475

البصرة، وقالوا لهم مثل مقالتهم، فأدخلوهم إلى علىّ، فأخبروه بخبرهم. فسأل علىّ جرير بن شرس عن طلحة والزبير، وعن نياتهما، فأخبره بدقيق أمرهما وجليله، وحتى تمثّل له [طلحة] [١] : ألا أبلغ بنى بكر رسولا ... فليس إلى بنى كعب رسول سيرجع ظلمكم منكم عليكم ... طويل الساعدين له فضول فتمثّل علىّ عندها: ألم تعلم أبا سمعان أنّا ... نردّ الشيخ مثلك ذا الصداع ونذهل عقله بالحرب حتى ... يقوم، فيستجيب بغير [٢] داع فدافع عن خزاعة جمع بكر [٣] ... وما بك يا سراقة من دفاع وتحدّث الناس بهذه الأبيات، وتداولوها، لأنّ طلحة كان يديم إنشاد البيتين الأوّلين. ورجع القعقاع من عند أم المؤمنين وطلحة والزبير بمثل رأيهم. فجمع علىّ الناس، ثم قام على الغرائر، فخطب، وذكر الجاهلية وشقاءها [٥٤٢] والإسلام والسعادة، وإنعام الله على الأمة بالجماعة، وحضّ الناس على الألفة. ثم قال: - «إنّ قوما حسدوا هذه الأمة التي أفاء الله عليها ما أفاءه على الفضيلة، وأرادوا ردّ الأمور على أدبارها، والله مصيب أمره، وبالغ ما أراد. ألا وإنّى راحل

стр. 476

غدا، فارتحلوا. ولا يرحلنّ أحد أعان على عثمان بشيء، في شيء من أمور الناس، وليغن سفهاؤهم عنّى أنفسهم.» ذكر السبب في نقض ما أشرف عليه القوم من الإصلاح فاجتمع نفر منهم: علباء بن الهيثم، وعدىّ بن حاتم، وشريح بن أوفى، والأشتر، وغيرهم من طبقتهم ممن سار إلى عثمان، أو رضى بسير من سار. وجاءهم ابن السوداء، وخالد بن ملجم، ومعهم المصريّون، فتشاوروا. ذكر آراء هؤلاء، وما تقرّر عليه الرأى في ما اجتمعوا عليه، ودبّوا [١] له من الحيلة في نقض الصلح فقال القوم: «هذا والله علىّ، وهو أعلم وأبصر بكتاب الله ممن يطلب قتلة عثمان، وأقربهم إلى العمل بذلك، وهو يقول ما يقول، ولم ينفر إليه إلّا هم، والقليل من غيرهم. [٥٤٣] فكيف به إذا شامّ القوم وشامّوه، ورأوا قلّتنا في كثرتهم. أنتم والله ترادون، وما أنتم بأنجى [٢] من شيء.» فقال الأشتر: - «أما طلحة والزبير فقد عرفنا أمرهما. وأما علىّ فلم نعرف أمره حتى كان اليوم، ورأى الناس فينا واحد، وإن يصطلحوا مع علىّ فعلى دمائنا. فهلمّوا نتوثب على علىّ [٣] فتعود فتنة يرضى منا فيها بالسكوت.» فقال عبد الله بن السوداء:

стр. 477

- «بئس الرأى رأيت. أنتم يا قتلة عثمان من أهل الكوفة بذي قار ألفان وخمسمائة. وهذا ابن الحنظليّة في خمسة آلاف بالأشواق إلى أن يجدوا إلى قتالكم سبيلا فارق [١] على ظلعك.» وقال علباء بن الهيثم: - «انصرفوا بنا ودعوهم، فإن قلّوا كان أقوى لعدوّهم عليهم، وإن كثروا كان أحرى أن يصطلحوا عليكم، ارجعوا فتعلّقوا ببلد من البلدان، وامتنعوا من الناس.» فقال ابن السوداء: - «بئس ما رأيت، ودّ- والله- الناس أنكم على جديلة، ولم تكونوا مع قوم برءاء، ولو كان ذلك الذي تقول لتخطّفكم كلّ شيء.» فقال عدىّ بن حاتم: - «والله ما رضيت، ولا كرهت. ولقد عجبت [٥٤٤] من تردّد من تردّد عن قتله في خوض الحديث. فأما إذا وقع ونزل من الناس بهذه المنزلة، فإنّ لنا عناقا من خيول، وسلاحا محمولا. فإن أقدمتم أقدمنا، وإن أمسكتم أمسكنا.» فقال ابن السوداء: «أحسنت.» وقال سالم بن ثعلبة: - «من كان أراد بما أتى الدنيا، فإنّى لم أرد ذلك. والله لئن لقيتهم غدا لا أرجع إلى شيء [٢] ، ولئن طال بقائى إذا أنا لاقيتهم لا يزد على جزر جزور [٣] . وأحلف بالله، إنكم لتفرقون السيف فرق قوم لا تصير أمورهم إلّا إلى السيف.» فقال ابن السوداء: «قد قال قولا.»

стр. 478

وقال شريح بن أوفى: - «أبرموا أموركم، ولا تؤخّروا أمرا ينبغي لكم تعجيله، ولا تعجّلوا أمرا ينبغي لكم تأخيره، فإنّا عند الناس بشرّ المنازل، فلا أدرى ما الناس صانعون غدا إذا هم التقوا.» وتكلّم عبد الله بن السوداء فقال: - «يا قوم، إنّ عزّكم في خلطة الناس، فصانعوهم. وإذا التقى الناس غدا فأنشبوا القتال، ولا تفرّغوهم للنظر الطويل. فإنّ من أنتم معه لا يجد بدّا من أن يمتنع ويشغل الله عليّا وطلحة والزبير، ومن رأى رأيهم، عما تكرهون، [٥٤٥] فأبصروا الرأى وتفرّقوا عليه والناس لا يشعرون.» وأصبح علىّ على ظهر. فمضى ومضى الناس حتى انتهى إلى عبد القيس فنزل بهم والناس يتلاحقون به وقد قطعهم. ولما بلغ أهل البصرة نزول علىّ حيث نزل اجتمعوا إلى طلحة والزبير، وأشاروا عليهما أن يبعثا خيلا فتبيّت [١] عليّا قبل أن يجتمع الناس إليه. فنهى الزبير وقال: - «نرجو الصلح، وقد رددنا وافدهم- يعنى القعقاع- على أمر، وأرجو أن يتمّ.» فقام ضبرة بن شيمان إلى طلحة فقال: - «يا طلحة! أيتهزّأ بنا هذا الرجل؟ إنّ الرأى في الحرب خير من الشدّة.» فقال: - «يا ضبرة! إنّا وهم مسلمون، وهذا أمر حدث، ولم يكن قبل اليوم، ولسنا ننتظر نزول قرآن فيه، ولا فيه من رسول الله- صلى الله عليه- سنّة، وهو علىّ

стр. 479

ومن معه.» فأما أصحاب علىّ فتحركوا. وقام [١] علىّ فقال: - «إنّ الذي ندعو إليه من إقرار هؤلاء هو شرّ، وهو خير من شرّ منه وهو كامن، وقد كاد يبين لنا، وجاءت الأحكام من المسلمين بإيثار أعمّهما منفعة وأحوطهما.» وأقبل [٥٤٦] كعب بن سور، فقال: - «ما تنتظرون يا قوم بعد تورّدكم أوائلهم؟ اقطعوا هذا من العنق. فقالوا: - «يا كعب! إنّ هذا أمر بيننا وبين إخواننا، وهو أمر ملتبس، وإنّ الشيء يحسن عندنا اليوم، ويقبح عند إخواننا. فإذا كان من الغد قبح عندنا وحسن عندهم، وإنّا لنحتجّ عليهم بالحجة، فلا يرونها حجة، ثم يحتجون بها على أمثالنا. ونحن نرجو الصلح إن أجابونا إليه، وإلّا فإنّ آخر الداء الكىّ.» ذكر فتوى لعلىّ بن أبى طالب ﵇ في تلك الحال وقام إلى علىّ- ﵇ جماعة من أهل الكوفة يسألونه عن إقدامهم على القوم، وسألوه: ما الذي يرى. فقال علىّ: «الإصلاح وإطفاء النائرة، لعلّ الله يجمع شمل هذه الأمة بنا، ويضع حربهم. فقد أجابونى.» قالوا: «فإن لم يجيبوا؟» قال: «تركناهم ما تركونا.»

стр. 480

قالوا: «فإن لم يتركونا؟» قال: «دفعناهم عن أنفسنا.» وقام إليه أبو سلامة الدلاني [١] فقال: - «أترى لهؤلاء القوم حجّة [٥٤٧] في ما اجتمعوا له وطلبوه من هذا الدم؟» قال: «نعم.» قال: «فترى لك حجّة بتأخيرك ذلك؟» قال: «نعم، إنّ الشيء إذا كان لا يدرك، فالحكم فيه أحوطه وأعمّه نفعا.» فقال: «ما حالنا وحالهم إن ابتلينا غدا؟» قال: «إنّى لأرجو ألّا يقتل أحد منّا ومنهم تقىّ [٢] قلبه لله بما يصنع، إلّا دخل الجنة. [٣] » علىّ يخطب سائلا كفّ الألسن والأيدى وقام علىّ فخطب وقال: - «أيها الناس! كفّوا ألسنتكم عن هؤلاء وأيديكم، فإنهم إخوانكم، وإياكم أن تسبقونا. فإنّ المخصوم من خصم اليوم.» ثم ارتحل على تعبئة، حتى إذا أطلّ على القوم بعث إليهم: - «إن كنتم على ما فارقتم القعقاع بن عمرو، فكفّوا حتى ننزل وننظر في هذا الأمر.»

стр. 481

فأقاموا ثلاثة أيام لم يكن بينهم قتال. قال: فكنّا نرسل إليهم وندعوهم. وبعث علىّ تلك العشيّة عبد الله بن عباس إلى طلحة والزبير. وبعثا هما من العشىّ محمد بن طلحة إلى علىّ وأن [١] يكلّم كل واحد صاحبه. فأرسل علىّ إلى رؤساء أصحابه ما خلا أولئك الذين ساروا إلى عثمان، وأرسل طلحة والزبير إلى رؤساء أصحابهما [٥٤٨] وباتوا على الصلح بليلة لم يبيتوا بمثلها سرورا بالعافية مما أشرفوا عليه، وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشرّ ليلة باتوها قطّ، قد أشرفوا على الهلكة، وجعلوا يتشاورون ليلتهم كلها حتى اجتمعوا على إمضاء ما كانوا همّوا به من إنشاب [٢] الحرب في السرّ، واستسرّوا به خوفا من أن يفطن لهم. فغدوا مع الغلس وما يشعر بهم. فانسلّوا انسلالا وعليهم ظلمة. فخرج مضريّهم إلى مضريّهم، وربعيّهم إلى ربعيّهم، ويمانيّهم إلى يمانيّهم، فوضعوا فيهم السلاح، فتنادى أهل البصرة، وثار كلّ قوم في وجوه أصحابهم الذين نهنهوهم. وخرج طلحة والزبير، ووجوه الناس من مضر، وبعثا إلى الميمنة والميسرة فعبّوهما، وقالا: - «ما هذا؟» قالوا: طرقنا أهل الكوفة ليلا. فقالا: «قد علمنا أنّ عليّا غير منته حتى يسفك الدماء ويستحلّ الحرمة، وأنه لن يطاوعنا.»

стр. 482

ورجعا بأهل البصرة [وقصف أهل البصرة أولئك] [١] حتى ردّوهم إلى عسكرهم. فسمع علىّ وأهل الكوفة الصوت. وقد كان ابن السوداء، والأشتر، وأصحابهما قد وضعوا رجلا قريبا [٥٤٩] من علىّ، ووصّوه بما يريدون. وقالوا: - «إذا سمعت عليّا يسأل عن الخبر، فتقدّم وقل كيت وكيت.» فلما قال على: «ما هذا؟» قال ذلك الرجل: - «ما فجئنا إلّا وقوم منهم قد بيّتونا، فرددناهم من حيث جاءوا، فوجدنا القوم على رجل فركبوا وثار الناس.» وقال علىّ لصاحب ميمنته: «ايت الميمنة.» وقال لصاحب ميسرته: «ايت الميسرة.» وقال: «فلقد علمت أن طلحة والزبير غير منتهيين حتى يسفكا الدم ويستحلّا الحرمة، وأنهما لن يطاوعانا.» والسبائية لا تفتر [إنشابا [٢]] . فنادى علىّ: «يا أيها الناس كفّوا، فلا شيء!» وكان يحبّ أن يبدأ لتكون الحجّة على القوم. وخرج الأحنف بن قيس وبنو سعد مشمّرين قد بعثوا حرقوص بن زهير إلى علىّ، فقال: - «يا علىّ، إنّ قومنا بالبصرة يزعمون أنك إن ظهرت عليهم غدا، إنّك تقتل رجالهم وتسبى نساءهم.» فقال: «ما مثلي يخاف هذا منه. فهل أنت مغن عنى قومك؟» قال: «نعم. واختر منى واحدا من اثنين: إما أن آتيك، فأكون معك بنفسي، وإما أن أكفّ عنك عشرة آلاف سيف.»

стр. 483

قال: «بل اكفف عنّى عشرة آلاف سيف.» فرجع، [٥٥٠] ودعا قومه إلى القعود والكفّ، ففعلوا. ما جرى بين علىّ وطلحة والزبير من حديث ثم إن الزبير خرج على فرس له، على سلاح، فقيل لعلىّ: - «هذا الزبير.» قال: «أما إنه أحرى الرجلين إن ذكّر بالله أن يذكر.» وخرج طلحة، فخرج إليهما علىّ، ودنا منهما حتى اختلف أعناق دوابّهما فقال علىّ: - «لعمري لقد أعددتما سلاحا، وخيلا، ورجالا إن كنتما أعددتما عذرا عند الله فاتقيا الله، ولا تكونا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها من بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً ١٦: ٩٢ [١] ألم أكن أخا لكما في دينكما تحرّمان دمى وأحرّم دمكما؟ فهل من حدث أحلّ لكما دمى؟» قال طلحة: «ألّبت على عثمان.» قال علىّ: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ الله دِينَهُمُ الْحَقَّ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ٢٤: ٢٥ [٢] . يا طلحة، تطلب بدم عثمان، فلعن الله أشدّنا كان عليه. يا زبير! أتذكر يوم مررت مع رسول الله- صلى الله عليه- في بنى غنم، فنظر إلىّ وضحك وضحكت إليه، فقلت: لا يدع ابن أبى طالب زهوه، فقال لك رسول الله: مه! إنّه ليس كذلك، ولتقاتلنّه وأنت له ظالم؟» فقال: «اللهم نعم. ولو ذكرت، ما سرت مسيري هذا. والله لا أقاتلك أبدا.» [٥٥١] فانصرف علىّ، وحكى ذلك لأصحابه. ورجع الزبير إلى عائشة فقال لها:

стр. 484

- «ما كنت في موطن مذ عقلت وأنا أعرف فيه أمرى غير موطني هذا.» قالت: «ما تريد أن تصنع؟» قال: «أريد أن أدعهم وأذهب.» قال له ابنه عبد الله: «جمعت هذين الغارّين حتى إذا جرّد بعضهم لبعض أردت أن تتركهم وتذهب. أحسست رايات بن أبى طالب وعلمت أنها فتية أنجاد.» فغضب الزبير حتى أرعد، ثم قال: - «ويحك! إنّى قد حلفت ألّا أقاتله.» قال: كفّر عن يمينك. فدعا غلاما له يقال له: مكحول، فأعتقه. فقال عبد الله بن سليمان التيمىّ: لم أر كاليوم أخا إخوان ... أعجب من مكفّر الأيمان بالعتق في معصية الرحمان وإنّما حكينا هذه الحكاية، لأنّ فيها تجربة تستفاد، وإن ذهب ذلك على قوم، فإنّا ننبّه عليه، وذلك أنّ المحنق ربما سكّن بالكلام الصحيح، والساكن ربما أحنق بالزور من الكلام، وذلك بحسب تأتّى من يريد ذلك، وإتيانه من وجهه. [٥٥٢] ما يحفظ من كلام الأحنف في الاعتزال وحضّ الناس عليه إنّه لما رجع من عند علىّ لقيه هلال بن وكيع، وهو سيّد رهطه، فقال: - «ما رأيك؟» قال: «مكاتفة أمّ المؤمنين. أفتدعنا؟ وتعزل عنّا؟ وأنت سيّدنا؟» قال: «إنّما أكون سيدكم غدا إذا قتلت وبقيت.»

стр. 485

فقال هلال: «سبحان الله، تقول هذا وأنت شيخنا؟» فقال: «أنا الشيخ المعصىّ وأنت الشابّ المطاع.» ولما ابتدأ القتال قال علىّ لأصحابه: ابتداء القتال- «أيكم يعرض عليهم هذا المصحف ويدعوهم إلى ما فيه، فإن قطعت يده أخذه بيده الأخرى، فإن قطعت أخذه بأسنانه؟» فقال فتى شابّ: «أنا.» فطاف على أصحابه يعرض ذلك عليهم، فلم يقبله إلّا ذاك الفتى. فقال له علىّ: - «اعرض عليهم هذا وقل: هو بيننا وبينكم من أوّله إلى آخره، فالله الله في دمائنا ودمائكم.» فحمل القوم على الفتى وبيده المصحف، فقطعت يداه، فأخذه بأسنانه حتى قتل. فقال علىّ لأصحابه: - «قد طاب لكم الضراب.» فقاتلوهم، فالتحمت الحرب، واشتدّ القتال إلى العصر. ثم انهزم أصحاب الجمل وعائشة يومئذ في هودجها على الجمل الذي يقال له: [٥٥٣] «عسكر» . وانهزم الزبير نحو وادي السباع، وتشاغل الناس عنه، واتبعه قوم. فلما رأى الفرسان تتبعه، كرّ عليهم. فلما عرفوه رجعوا عنه، وتركوه. وكان علىّ وصّاهم ألّا يتبعوا مدبرا، ولا يجهزوا على جريح. وأصاب طلحة سهم، فشكّ ركبته بصفحة الفرس، فامتلأ موزجه دما وضعف. فانتهى إلى القعقاع في نفر وهو يقول: - «إلىّ عباد الله! الصبر الصبر.»

стр. 486

فقال له: - «يا با محمد! إنك لجريح، وإنك عما تريد لعليل، فادخل الأبيات.» فقال: «يا غلام! أدخلنى، وأبغنى مكانا.» فأدخل ومعه غلام ورجلان. واقتتل الناس بعده، وأقبل الناس في هزيمتهم. فلما انتهوا إلى الجمل، عادوا قلبا كما كانوا حيث التقوا، وعادوا في أمر جديد، ووقفت الميمنة والميسرة. وقالت عائشة لكعب بن سور وهو آخذ خطام الجمل: - «يا كعب: خلّ عن البعير، وتقدّم بكتاب الله، فادعهم إليه.» ودفعت إليهم مصحفا. فاستقبلهم بالمصحف. وكانت السبائية أمام الناس يخافون أن يجرى الصلح. فاستقبلهم كعب بالمصحف، وعلىّ يزعهم، ويأبون إلّا إقداما، فرشقوا كعبا رشقا [٥٥٤] واحدا، فقتلوه، ورموا الهودج. فجعلت عائشة تنادى: - «البقية، البقية يا نبىّ الله!» فيأبون إلّا إقداما. أول ما أحدثته عائشة فكان أول ما أحدثته عائشة حين رأت الناس يأبون إلّا قتالها أن قالت: «أيها الناس! العنوا قتلة عثمان وأشياعهم.» وأقبلت تدعو، وضجّ أهل البصرة بالدعاء. وسمع علىّ الدعاء، فقال: - «ما هذه الضجّة؟» قالوا: «عائشة تدعو ويدعون معها على قتلة عثمان.» فأقبل علىّ يدعو ويقول: - «اللهمّ العن قتلة عثمان وأشياعهم.»

стр. 487

وذمرت [١] عائشة الناس لما رأت أنّ الناس لا يريدون غيرها ولا يكفّون. فازدلفت مضر البصرة، فقصفت مضر الكوفة حتى زوحم علىّ. فكانت الحرب صبيحة هذا اليوم مع طلحة والزبير، فلما انهزم الزبير، وأصيب طلحة، وذلك بعد الظهر، صارت الحرب مع عائشة. قال محمد بن الحنفية: دفع أبى إلىّ اللواء، وقال: - «احمل!» فحملت حتى لم أر موضعا لحملة- وقد كان زوحم علىّ. فنخس علىّ قفا محمد، وقال: «تقدّم!» وقال: فلم أجد متقدما إلّا على سنان فقلت: - «لا أجد متقدّما.» [٥٥٥] فتناول الرمح من يدي متناول لا أدرى من هو. فنظرت، فإذا أبى بين يدىّ. و [اقتتلت] [٢] المجنّبتان حين تزاحفتا قتالا يشبه ما فيه القلبان، وارتجز الفرسان، وكثر القتلى وتنادى الكماة في عسكر علىّ وعسكر عائشة، لما رأوا الصبر الشديد: - «يا أيها الناس! طرّفوا إذا فرغ الصبر ونزع النصر.» فجعلوا يتوخّون [٣] الأطراف: الأيدى والأرجل، فما رأيت وقعة قطّ قبلها ولا بعدها، ولا سمع بها، أكثر يدا مقطوعة ورجلا مقطوعة منها، لا يدرى صاحبها. فكان الرجل من هؤلاء وهؤلاء إذا أصيب بشيء من أطرافه استقتل [إلى أن يقتل] [٤] .

стр. 488

ونادت عائشة من هودجها بصوت عال فيه كسرة [١] : - «إيه، لله أنتم. جالدوا جلادا يتفادى منه، بخّ بخّ، سيوف أبطحية، وسيوف قرشية.» ونادت بنو ضبّة: «ويها جمرة الجمرات.» وأحدقوا بجملها حتى أسرع فيهم القتل ورقّوا. وكانت عائشة تقول: - «ما زال رأس الجمل معتدلا حتى قتلت بنو ضبّة حولي.» وضربوا ضربا ليس بالتقدير، حتى إذا كثر القتلى وظهر في العسكر التطريف كره بعضهم بعضا، وارتدّت [٥٥٦] المجنّبتان، فصارتا في القلب. ثم تلاقوا جميعا بقلبيهم. فأخذ ابن يثربى برأس الجمل، وارتجز وادّعى قتل علباء بن الهيثم، وزيد بن صوحان، وهند بن عمرو، فقال: أنا لمن ينكرنى ابن يثربى ... قاتل علباء وهند الجمل وزيد صوحان على دين علىّ فناداه عمار: «لقد لذت بحريز وما إليك من سبيل، فإن كنت صادقا فاخرج من هذه الكتيبة إلىّ.» فترك الزمام، وبرز حتى كان بين صفّ عائشة وصفّ علىّ، وأقبل إليه عمار، وهو يومئذ ابن تسعين سنة وقد شدّ وسطه بحبل، وعليه فرو. فضربه ابن يثربى فنحا [٢] له درقته، فنشب السيف فيها، وأسفّ عمار لرجليه، فضربه فقطعما، فوقع على استه، وحماه [٣] أصحابه فارتثّ [٤] بعد، فأتى به علىّ بن أبى طالب. فقال:

стр. 489

- «استبقني يا أمير المؤمنين.» فقال: «بعد ثلاثة تضرب وجوههم بسيفك؟» وأمر به، فضربت عنقه. وتتابع الناس على زمام الجمل حتى قتل أربعون رجلا يرتجزون ويأخذون [٥٥٧] الخطام فيقتلون. فحدّث عبد الله بن الزبير قال: أمسيت يوم الجمل وبى سبع وثلاثون جراحة من طعنة وضربة، وما رأيت مثل يوم الجمل قطّ، ما ينهزم منّا أحد وما يأخذ بخطام الجمل أحد إلّا قتل. فأخذت بالخطام، فقالت عائشة: - «من أنت؟» قلت: «ابن الزبير.» قالت: «وثكل أسماء.» ومرّ بى الأشتر، فعرفته، وعانقته، وسقطنا جميعا، وناديت: - «اقتلوني ومالكا.» فجاء ناس منّا، فقاتلوا عنّا حتى تحاجزنا، وضاع منّى الخطام. فسمعت عليّا وهو ينادى: - «اعقروا الجمل، فإنّه إن عقر تفرّقوا.» فضربه رجل، فسقط، فما سمعت قطّ أشدّ من عجيج الجمل. وفي رواية أبى بكر بن عيّاش عن علقمة أنه قال: قلت للأشتر: «قد كنت كارها لقتل عثمان، فما أخرجك بالبصرة؟» قال: «إنّ هؤلاء بايعوه، ثم نكثوا، وكان ابن الزبير هو الذي هزّ عائشة على

стр. 490

الخروج، فكنت أدعو الله أن يلقّينيه، فلقيني كفّة لكفّة [١] . فما رضيت لشدّة ساعدي أن قمت في الركاب، فضربته ضربة على رأسه فصرعته.» قلت: «فهو القائل: اقتلوني ومالكا؟» قال: «لا. ما تركته وفي نفسي منه شيء. [٥٥٨] ذاك عبد الرحمان بن عتّاب بن أسيد، لقيني، فاختلفنا ضربتين، فصرعنى وصرعته، فجعل يقول: نحن مصطرعون، اقتلوني ومالكا، والناس لا يعلمون من مالك، فلو يعلمون لقتلوني.» ثم قال أبو بكر بن عيّاش: «هذا كأنك شاهده.» [٢] وتحدّث عوف بن أبى رجاء قال: رأيت رجلا قد اصطلمت أذنه فقلت: - «أخلقة، أم شيء أصابك؟» قال: «أحدّثك: بينا أنا امشى بين القتلى يوم الجمل، فإذا رجل يفحص برجله، وهو يقول: لقد أوردتنا حومة الموت أمّنا ... ولم ننصرف إلّا ونحن رواء [٣] قال: قلت: «يا عبد الله قل: لا إله إلّا الله.» قال: «أدن منّى، ولقّنّى، فإنّ في أذنى وقرا.» قال: فدنوت منه، فقال لى: - «ممن أنت؟» قلت: «رجل من أهل الكوفة.» قال:

стр. 491

فوثب علىّ، واصطلم أذنى كما ترى وقال: - «إذا رجعت إلى أمّك، فأخبرها أن عمير بن الأهلب الضبّى فعل بك هذا.» وتمام أبيات عمير بن الأهلب: أطعنا بنى تيم بن مرّة شقوة ... وهل تيم إلّا أعبد وإماء لقد كان عن نصر ابن ضبّة أمّه ... وشيعتها مندوحة وغناء [٥٥٩] وروى عن الصعب بن عطيّة قال: كان منّا رجل يدعى الحارث، قال يومئذ: - «يا آل مضر، علام نقتل بعضنا بعضا؟» فنادوا: «لا ندري، إلّا أنّا إلى قضاء.» وما يكفّون. وقال القعقاع بعد ذلك: ما رأيت شيئا أشبه بشيء من قتال القلب يوم الجمل بقتال صفّين. لقد رأيتنا ندافعهم بأسنّتنا، ونتكئ على أزجّتنا [١] ، وهم مثل ذلك، حتى لو أنّ الرجال مشت عليها لاستقلّت بهم. وقال عبد الله بن سنان الكاهلي: لما كان يوم الجمل ترامينا بالنبل حتى [فنيت] [٢] وتطاعنّا بالرماح حتى تشبّكت في صدورنا وصدورهم، حتى لو سيّرت عليها الخيل لسارت. ثم قال علىّ: - «السيوف يا أبناء المهاجرين.» قال الشيخ: فما دخلت دار الوليد بالبصرة وسمعت صوت القصّارين يضربون إلّا ذكرت ذلك اليوم، وما شبّهت هودج عائشة إلّا بالقنفذ.

стр. 492

حمل الهودج من بين القتلى ثم أمر علىّ ﵇، بحمل الهودج من بين القتلى. وقد كان القعقاع وزفر بن الحارث أنزلاه عن ظهر البعير، فوضعاه إلى جنب البعير. فأقبل محمد بن أبى بكر ومعه عمّار حتى احتملاه، وأدخل محمد يده. فقالت: [٥٦٠] «من أنت، ويلك؟» قال: «أنا أخوك محمد.» قالت: «بل مذمّم!» قال: «يا أخيّة! هل أصابك شيء؟» قالت: «ما أنت من ذاك؟» قال: «فمن إذا الضّلّال؟» قالت: «بل الهداة.» وانتهى إليها علىّ فقال: «كيف أنت أمّه؟» قالت: «بخير.» قال: «يغفر الله لك.» قالت: «ولك.» وأما الزبير فإنه تبعه ابن جرموز فقتله. وأما الأحنف فقصد عليّا ومعه ابن جرموز. فقال علىّ للأحنف: «تربّصت.» فقال: «ما كنت أرانى إلّا قد أحسنت، وبأمرك كان أمير المؤمنين، فارفق، فإنّ طريقك الذي سلكت بعيد، وأنت غدا أحوج منك أمس، فاعرف إحسانى،

стр. 493

واستصف مودّتى، ولا تقولنّ مثل هذا. فإنّى لم أزل لك ناصحا. [١] » وحملت عائشة إلى دار عبد الله بن خلف الخزاعي. وكان عبد الله هذا قتل يوم الجمعة مع عائشة، وقتل عثمان أخوه مع علىّ. وأما الجرحى فإنهم انسلّوا في جوف الليل، ودخلوا البصرة من كان يطيق الانبعاث. وسألت عائشة عن عدة ممن كانوا معها وممن كانوا عليها. فكلّما نعى واحد منهم قالت: «﵀.» فأما علىّ فصلّى على قتلى هؤلاء، وجمع الأسلاب إلى [٥٦١] المسجد بالبصرة، ونادى: «من عرف شيئا فليأخذه، إلّا سلاحا كان في الخزائن عليها سمة السلطان.» وصلّى علىّ في المسجد، ثم دخل البصرة، فأتاه الناس. ثم راح إلى عائشة على بغلته، وهي في دار عبد الله بن خلف، وهي أعظم دار بالبصرة. فوجدوا النساء يبكين على عبد الله وعثمان ابني خلف، وصفيّة بنت الحارث مختمرة تبكى، فلمّا رأته قالت: - «يا علىّ، يا قاتل الأحبّة، يا مفرّق الجمع، أيتم الله منك بنيك كما أيتمت ولد عبد الله.» فلم يردّ عليها شيئا، ولم يزل على حاله، حتى دخل على عائشة. فسلّم عليها، وقعد عندها. ثم قال: - «جبهتنا صفيّة. أما إنى لم أرها منذ كانت جارية حتى اليوم.» فلما خرج علىّ أقبلت عليه، فأعادت عليه الكلام. فكفّ بغلته ثم قال: «لهممت- وأشار إلى باب من أبواب الدار- أن أفتح هذا الباب وأقتل من فيه، ثم هذا، وأقتل من فيه.» وكان ناس من الجرحى لجأوا إلى عائشة. فأخبر علىّ بمكانهم فتغافل عنهم.

стр. 494

فسكتت صفيّة، وخرج علىّ. فقال له رجل من الأزد: «ما تفلتنا هذه المرأة.» فغضب وقال: «مه! لا تهتكنّ سترا، [٥٦٢] ولا تدخلنّ دارا، ولا تهيجنّ امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم، وسفّهن أمراءكم وصلحاءكم، فإنهنّ ضعاف. ولقد كنّا نؤمر بالكفّ عنهنّ وهنّ مشركات، وإنّ الرجل ليكافئ المرأة ويتناولها بالضرب، فيعيّر به عقبه من بعده. فلا يبلغنّى عن أحد عرض لامرأة، فأنكّل به شرار الناس.» [١] ومضى علىّ، فلحق به رجل فقال: «يا أمير المؤمنين، قام رجلان ممن لقيت على الباب فتناولا من هو أمضّ لك شتيمة من صفيّة.» قال: «ويحك، لعلّها عائشة!» قال: «نعم.» فبعث القعقاع بن عمرو إلى الباب. فأقبل بمن كان عليه. فأحالوا على رجلين. فقال: «أضرب أعناقهما..» ثم قال: «بل أنهكهما عقوبة..» ثم قال: «لا، بل أضربهما مائة أخرجهما من ثيابهما.» ثم بايع أهل البصرة حتى الجرحى والمستأمنة. فلما فرغ من بيعتهم نظر في بيت المال، فإذا فيه ستمائة ألف. فقسمها على من شهد معه. فأصاب كلّ رجل منهم خمسمائة. فقال لهم: «لكم إن أظفركم الله بالشام، مثلها إلى أعطياتكم.» فخاض في ذلك السبائية وطعنوا على علىّ من وراء وراء.

стр. 495

سيرة علىّ في من قاتل يوم الجمل وكان من سيرة علىّ ألّا يقتل مدبرا، ولا يذفّف على جريح، ولا يكشف سترا، [٥٦٣] ولا يأخذ مالا. فقال قوم يومئذ: - «ما يحلّ لنا دماءهم، ويحرّم علينا أموالهم؟» فقال علىّ: «القوم أمثالكم. من صفح عنّا فهو منّا ونحن منه، ومن لجّ حتّى يصاب فقتاله منّى على الصدر والنحر، وإنّ لكم في خمسه لغنى.» فيومئذ تكلّمت الخوارج. وكتب كتاب البشارة إلى عامله بالمدينة. وكان زياد بن أبى سفيان ممّن اعتزل. فلمّا انجلت الحرب، ذكره علىّ، واستبطأه. فقال ابن أخيه عبد الرحمان بن أبى بكرة، وكان ورد مستأمنا: - «هو مستأمن يا أمير المؤمنين.» فقال: «امش أمامى، فاهدني إليه.» ففعل. فلمّا دخل عليه قال: «تقاعدت وتربّصت.» فاعتذر زياد. فقبل عذره، واستشاره في من يولّيه البصرة، وأراده عليها. فقال: «يا أمير المؤمنين، رجل من أهل بيتك يسكن إليه الناس، فإنّه أجدر أن يطمئنّوا إليه، وسأكفيه وأشير عليه.» فافترقا على ابن عبّاس، وولّى زيادا الخراج وبيت المال. السبائيّة ترتحل بغير إذن علىّ وأعجلت السبائية عليّا عن المقام، وارتحلوا بغير إذنه. فارتحل على آثارهم ليقطع عنهم أمرا إن كانوا أرادوه. وقد كان له مقام لولاهم. [٥٦٤]
следующие страницы →