← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

فوثب علىّ، واصطلم أذنى كما ترى وقال: - «إذا رجعت إلى أمّك، فأخبرها أن عمير بن الأهلب الضبّى فعل بك هذا.» وتمام أبيات عمير بن الأهلب: أطعنا بنى تيم بن مرّة شقوة ... وهل تيم إلّا أعبد وإماء لقد كان عن نصر ابن ضبّة أمّه ... وشيعتها مندوحة وغناء [٥٥٩] وروى عن الصعب بن عطيّة قال: كان منّا رجل يدعى الحارث، قال يومئذ: - «يا آل مضر، علام نقتل بعضنا بعضا؟» فنادوا: «لا ندري، إلّا أنّا إلى قضاء.» وما يكفّون. وقال القعقاع بعد ذلك: ما رأيت شيئا أشبه بشيء من قتال القلب يوم الجمل بقتال صفّين. لقد رأيتنا ندافعهم بأسنّتنا، ونتكئ على أزجّتنا [١] ، وهم مثل ذلك، حتى لو أنّ الرجال مشت عليها لاستقلّت بهم. وقال عبد الله بن سنان الكاهلي: لما كان يوم الجمل ترامينا بالنبل حتى [فنيت] [٢] وتطاعنّا بالرماح حتى تشبّكت في صدورنا وصدورهم، حتى لو سيّرت عليها الخيل لسارت. ثم قال علىّ: - «السيوف يا أبناء المهاجرين.» قال الشيخ: فما دخلت دار الوليد بالبصرة وسمعت صوت القصّارين يضربون إلّا ذكرت ذلك اليوم، وما شبّهت هودج عائشة إلّا بالقنفذ.

стр. 492

حمل الهودج من بين القتلى ثم أمر علىّ ﵇، بحمل الهودج من بين القتلى. وقد كان القعقاع وزفر بن الحارث أنزلاه عن ظهر البعير، فوضعاه إلى جنب البعير. فأقبل محمد بن أبى بكر ومعه عمّار حتى احتملاه، وأدخل محمد يده. فقالت: [٥٦٠] «من أنت، ويلك؟» قال: «أنا أخوك محمد.» قالت: «بل مذمّم!» قال: «يا أخيّة! هل أصابك شيء؟» قالت: «ما أنت من ذاك؟» قال: «فمن إذا الضّلّال؟» قالت: «بل الهداة.» وانتهى إليها علىّ فقال: «كيف أنت أمّه؟» قالت: «بخير.» قال: «يغفر الله لك.» قالت: «ولك.» وأما الزبير فإنه تبعه ابن جرموز فقتله. وأما الأحنف فقصد عليّا ومعه ابن جرموز. فقال علىّ للأحنف: «تربّصت.» فقال: «ما كنت أرانى إلّا قد أحسنت، وبأمرك كان أمير المؤمنين، فارفق، فإنّ طريقك الذي سلكت بعيد، وأنت غدا أحوج منك أمس، فاعرف إحسانى،

стр. 493

واستصف مودّتى، ولا تقولنّ مثل هذا. فإنّى لم أزل لك ناصحا. [١] » وحملت عائشة إلى دار عبد الله بن خلف الخزاعي. وكان عبد الله هذا قتل يوم الجمعة مع عائشة، وقتل عثمان أخوه مع علىّ. وأما الجرحى فإنهم انسلّوا في جوف الليل، ودخلوا البصرة من كان يطيق الانبعاث. وسألت عائشة عن عدة ممن كانوا معها وممن كانوا عليها. فكلّما نعى واحد منهم قالت: «﵀.» فأما علىّ فصلّى على قتلى هؤلاء، وجمع الأسلاب إلى [٥٦١] المسجد بالبصرة، ونادى: «من عرف شيئا فليأخذه، إلّا سلاحا كان في الخزائن عليها سمة السلطان.» وصلّى علىّ في المسجد، ثم دخل البصرة، فأتاه الناس. ثم راح إلى عائشة على بغلته، وهي في دار عبد الله بن خلف، وهي أعظم دار بالبصرة. فوجدوا النساء يبكين على عبد الله وعثمان ابني خلف، وصفيّة بنت الحارث مختمرة تبكى، فلمّا رأته قالت: - «يا علىّ، يا قاتل الأحبّة، يا مفرّق الجمع، أيتم الله منك بنيك كما أيتمت ولد عبد الله.» فلم يردّ عليها شيئا، ولم يزل على حاله، حتى دخل على عائشة. فسلّم عليها، وقعد عندها. ثم قال: - «جبهتنا صفيّة. أما إنى لم أرها منذ كانت جارية حتى اليوم.» فلما خرج علىّ أقبلت عليه، فأعادت عليه الكلام. فكفّ بغلته ثم قال: «لهممت- وأشار إلى باب من أبواب الدار- أن أفتح هذا الباب وأقتل من فيه، ثم هذا، وأقتل من فيه.» وكان ناس من الجرحى لجأوا إلى عائشة. فأخبر علىّ بمكانهم فتغافل عنهم.

стр. 494

فسكتت صفيّة، وخرج علىّ. فقال له رجل من الأزد: «ما تفلتنا هذه المرأة.» فغضب وقال: «مه! لا تهتكنّ سترا، [٥٦٢] ولا تدخلنّ دارا، ولا تهيجنّ امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم، وسفّهن أمراءكم وصلحاءكم، فإنهنّ ضعاف. ولقد كنّا نؤمر بالكفّ عنهنّ وهنّ مشركات، وإنّ الرجل ليكافئ المرأة ويتناولها بالضرب، فيعيّر به عقبه من بعده. فلا يبلغنّى عن أحد عرض لامرأة، فأنكّل به شرار الناس.» [١] ومضى علىّ، فلحق به رجل فقال: «يا أمير المؤمنين، قام رجلان ممن لقيت على الباب فتناولا من هو أمضّ لك شتيمة من صفيّة.» قال: «ويحك، لعلّها عائشة!» قال: «نعم.» فبعث القعقاع بن عمرو إلى الباب. فأقبل بمن كان عليه. فأحالوا على رجلين. فقال: «أضرب أعناقهما..» ثم قال: «بل أنهكهما عقوبة..» ثم قال: «لا، بل أضربهما مائة أخرجهما من ثيابهما.» ثم بايع أهل البصرة حتى الجرحى والمستأمنة. فلما فرغ من بيعتهم نظر في بيت المال، فإذا فيه ستمائة ألف. فقسمها على من شهد معه. فأصاب كلّ رجل منهم خمسمائة. فقال لهم: «لكم إن أظفركم الله بالشام، مثلها إلى أعطياتكم.» فخاض في ذلك السبائية وطعنوا على علىّ من وراء وراء.

стр. 495

سيرة علىّ في من قاتل يوم الجمل وكان من سيرة علىّ ألّا يقتل مدبرا، ولا يذفّف على جريح، ولا يكشف سترا، [٥٦٣] ولا يأخذ مالا. فقال قوم يومئذ: - «ما يحلّ لنا دماءهم، ويحرّم علينا أموالهم؟» فقال علىّ: «القوم أمثالكم. من صفح عنّا فهو منّا ونحن منه، ومن لجّ حتّى يصاب فقتاله منّى على الصدر والنحر، وإنّ لكم في خمسه لغنى.» فيومئذ تكلّمت الخوارج. وكتب كتاب البشارة إلى عامله بالمدينة. وكان زياد بن أبى سفيان ممّن اعتزل. فلمّا انجلت الحرب، ذكره علىّ، واستبطأه. فقال ابن أخيه عبد الرحمان بن أبى بكرة، وكان ورد مستأمنا: - «هو مستأمن يا أمير المؤمنين.» فقال: «امش أمامى، فاهدني إليه.» ففعل. فلمّا دخل عليه قال: «تقاعدت وتربّصت.» فاعتذر زياد. فقبل عذره، واستشاره في من يولّيه البصرة، وأراده عليها. فقال: «يا أمير المؤمنين، رجل من أهل بيتك يسكن إليه الناس، فإنّه أجدر أن يطمئنّوا إليه، وسأكفيه وأشير عليه.» فافترقا على ابن عبّاس، وولّى زيادا الخراج وبيت المال. السبائيّة ترتحل بغير إذن علىّ وأعجلت السبائية عليّا عن المقام، وارتحلوا بغير إذنه. فارتحل على آثارهم ليقطع عنهم أمرا إن كانوا أرادوه. وقد كان له مقام لولاهم. [٥٦٤]

стр. 496

وكان عدّة القتلى يوم الجمل عشرة آلاف من الفريقين. وتحدّث الناس: إنّ أهل المدينة علموا بيوم الجمل يوم الخميس قبل أن تغرب الشمس، وفيه كان القتال، وذلك من نسر مرّ بماء حول المدينة معه شيء متعلّق، فتأمّله الناس، فوقع، فإذا كفّ فيها خاتم نقشه: «عبد الرحمان بن عتّاب» . ثم جعل من بين مكة والمدينة ممن قرب من البصرة أو بعد، قد علموا بالوقعة مما تنقل إليهم النسور من الأيدى والأقدام. تجهيز علىّ عائشة وجهّز علىّ عائشة لغرّة رجب سنة ستّ وثلاثين بكلّ شيء ينبغي لها، وأخرج معها كلّ من نجا ممن خرج معها إلّا من أحبّ المقام. واختار من نساء البصرة المعروفات أربعين امرأة، وأمر أخاها محمدا بالخروج معها، وخرج في تشييعها أميالا، وسرّح بنيه معها يوما. ما جرى بين معاوية وقيس وكان علىّ بن أبى طالب ولّى قيس بن سعد بن عبادة مصر لما قتل عثمان، فسار إليها، وبايع أهلها لعلىّ بن أبى طالب، ودارى الناس. فاستجاب له أهل مصر إلّا أهل قرية يقال لها: «خرنبا [١] » ، فإنّ أهلها أعظموا قتل عثمان، وكانوا نحو عشرة آلاف رجل من الوجوه الفرسان [٥٦٥] فكره قيس أن يهيّجهم، فراسلهم قيس وراسلوه يقولون: - «إنّا لا نقاتلك، فابعث عمّالك، فالأرض أرضك، ولكن دعنا على حالنا حتى

стр. 497

ننظر إلى ما يصير أمر الناس.» فأمسك عنهم، وأرسل إليهم عمّاله، فجباهم، ثم توثّب عليه قوم بمصر، فداراهم. وكان قيس ذا حزم ورأى. فجبى الخراج لا ينازعه أحد. وخرج أمير المؤمنين إلى أهل الجمل وهو على مصر، ورجع إلى أرض الكوفة من البصرة وهو بمكانه. فكان أثقل خلق الله على معاوية لقربه من الشام مخافة أن يقبل إليه علىّ في أهل العراق ويقبل إليه قيس في أهل مصر فيقع معاوية بينهما. فكتب إليه معاوية وعلىّ بن أبى طالب بالكوفة يومئذ، يعظّم عليه قتل عثمان، ويذكر له أنّ صاحبه أغرى به الناس، وحملهم على قتله، ويحمل قيسا على متابعته، ويضمن له سلطان العراقين إذا ظهر، ما بقي [١] ، ويشترط له سلطان الحجاز يولّيه من شاء من أهله، ويقول له بعد ذلك: - «وسلني غير هذا مما تحبّ، فإنّك لا تسألنى شيئا إلّا أجبتك إليه.» فأجابه قيس بالاعتذار من قتل عثمان، وأنّه لم يشهده [٥٦٦] ولا صاحبه أمير المؤمنين، ولا رضيه، واستمهله مما عرض عليه من متابعته، وقال: - «لى فيه نظر ورأى.» فلما نظر في كتابه معاوية وقرأه لم يره إلّا مباعدا [٢] ، ولم يأمن أن يكون مكايدا، فكتب كتابا آخر يقول له: - «لم أرك تدنو فأعدّك سلما، ولم أرك تباعد فأعدّك حربا، وليس مثلي من يصانع بالخداع [٣] ومعى أعنّة الخيل، وعدد الرجال.» فلما قرأ قيس كتابه ورأى أنه لا يقبل منه المدافعة [٤] ، أظهر له ذات نفسه

стр. 498

وكتب إليه: - «العجب من اغترارك بى وطمعك في واستسقاطك رأيى، تسومني الخروج من طاعة أولى الناس بالإمارة، وأقولهم بالحقّ، وأقربهم إلى الرسول، وأهداهم سبيلا، وتأمرنى بالدخول في طاعتك، طاعة أبعد الناس من هذا الأمر، وأقولهم بالزور، وأضلّهم سبيلا، وأبعدهم من الله ورسوله وسبيله، ولد ضالّين مضلّين، طاغوت من طواغيت إبليس، فأما قولك: إنّى مالئ عليك [١] خيلا ورجلا، فوالله إن لم أشغلك بنفسك حتى تكون نفسك أهمّ إليك، إنّك لذو جدّ والسلام.» [٥٦٧] فلما أتى معاوية كتاب قيس بن سعد هذا. يئس منه، وثقل عليه مكانه، وأخذ في طريق الحيلة عليه، والمكيدة له. ذكر مكيدة معاوية لقيس وما تمّ له عليه فأخذ معاوية يكيد قيسا من قبل علىّ، فيظهر مرة كتابا يفتعله من قيس إليه بأنه: منكر لقتل عثمان، تائب إلى الله منه، وأنّ هواه وميله معه، في أشياء تشبه هذا الكلام، ومرة يظهر رسولا يزعم: أنّه من قبله ويلقّنه وما يقوّى به قلوب شيعته من أهل الشام، ومرة يقول لثقاته: لا تسبّوا قيس بن سعد، فإنّه لنا شيعة [٢] تأتينا نصيحته سرّا، ألا ترون ما يفعل بإخوانكم من أهل حزبنا يجرى عليهم أرزاقهم. ويؤمن سربهم ويحسن إلى كل راكب قدم عليه منكم؟ فسمع جواسيس أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب وعيونه ذلك، فكتبوا إليه به. ولم يزل معاوية بأمثال هذا المكائد حتى اتهم علىّ قيسا، وجمع ثقاته، وقال لهم ما كتب إليه من أمر قيس، فقالوا: - «يا أمير المؤمنين [٥٦٨] ما يريبك إلى ما لا يريبك [٣] . اعزل قيسا، وابعث

стр. 499

بثقتك مكانه.» فقال علىّ: «إنّى والله ما أصدّق هذا على قيس.» فقال عبد الله بن جعفر: «اعزله يا أمير المؤمنين، فوالله، لئن كان هذا حقّا لا يعتزل لك.» فبينا هم كذلك إذ جاء كتاب من قيس بن سعد يخبره: - «إنّ رجالا قد سألونى أن أكفّ عنهم وأدعهم حتى يستقيم أمر الناس فنرى ويروا، فرأيت أن أكفّ [١] عنهم، وألّا أتعجّل حربهم، فلعلّ الله يعطف بقلوبهم [٢] » فقال عبد الله بن جعفر: «يا أمير المؤمنين، ما أخوفنى أن يكون هذا ممالأة منه لهم. فمره بقتالهم.» فكتب إليه علىّ: - «أما بعد، فسر إلى القوم الذين ذكرت، فإن دخلوا في ما دخل فيه المسلمون، وإلّا فناجزهم، والسلام.» فلما أتى قيس بن سعد الكتاب، لم يتمالك أن كتب: - «أما بعد، يا أمير المؤمنين، فقد عجبت لأمرك بقتال قوم كافّين عنك مفرّغيك لقتال عدوّك، وإنك متى حاربتهم ساعدوا عليك عدوّك. فأطعنى يا أمير المؤمنين، واكفف عنهم، فإنّ الرأى تركهم.» فلما أتى عليّا كتاب قيس قرأه على أصحابه. فقال عبد الله بن جعفر: - «ابعث محمد بن أبى بكر [٥٦٩] على مصر يكفك، فقد بلغني عن قيس هنات وأقوال.» [٣] يعنى ما كان يشيعه معاوية عنه. فكتب علىّ عهد محمد بن أبى بكر على مصر. فلما قدم محمد مصر، خرج

стр. 500

قيس، فلحق بالمدينة. فأخافه مروان والأسود بن البختري حتى إذا خاف أن يقتل، ركب راحلته وطمر [١] إلى علىّ. وبلغ ذلك معاوية، فكتب إلى مروان والأسود يتغيّظ عليهما ويقول: - «أمددتما عليّا بقيس بن سعد ورأيه ومكانته، والله لو أنكما أمددتماه بمائة ألف مقاتل ما كان ذلك بأغيظ لى من إخراجكما قيس بن سعد إلى علىّ.» ولما قدم قيس على علىّ وباثّه، ثم جاءهم قتل محمد بن أبى بكر، عرف أنّ قيس بن سعد كان يدارى أمورا عظاما من المكاره، وأنّ من كان يحمله على عزل قيس لم يكن ينصح له. فأطاع علىّ قيس بن سعد بعد ذلك في الأمر [٢] كلّه. ابتداء وقعة صفّين قميص عثمان وأصابع نائلة وكان أهل الشام قدم عليهم النعمان بن بشير بقميص عثمان الذي قتل فيه مخضّبا بدمه، وبأصابع زوجته «نائلة» ، مقطوعة البراجم [٣] : إصبعان منها مع شيء من الكفّ، وإصبعان مقطوعتان من أصولهما، ونصف [٥٧٠] الإبهام. فكان معاوية يضع القميص على المنبر، ويعلّق منه الأصابع، ويشنّع به، ويكاتب الأجناد. فثاب إليه الناس وبكوا سنة والقميص بتلك الحال. وآلى رجال من أهل الشام ألّا يأتوا النساء، ولا يمسّهم الماء للغسل إلّا من الاحتلام، ولا يناموا على الفرش، حتى يقتلوا قتلة عثمان، ومن عرض [٤] دونهم بشيء، أو تفنى أرواحهم.

стр. 501

خروج علىّ بن أبى طالب إلى صفّين وبلغ عليّا خبر معاوية وما يصنعه، فبعث إليه برسل، وخرج من الكوفة، فعسكر بالنخيلة، وقدم عليه عبد الله بن عباس، بمن نهض معه من البصرة، وتهيّأ منها إلى صفّين، واستشار الناس. فأشار عليه قوم أن يبعث الجنود ويقيم، وأشار آخرون بالمسير، فأبى إلّا المباشرة. فجهّز الناس. وبلغ الخبر معاوية، فدعا عمرو بن العاص واستشاره. فقال: «إذا بلغك أنه يسير فسر بنفسك ولا تغب عنه برأيك ومكيدتك.» قال معاوية: «فجهّز الناس.» فخرج عمرو إلى الناس، وحضّضهم وضعّف عليّا وأصحابه وقال: - «إنّ أهل العراق قد فرّقوا جمعهم، وأوهنوا شوكتهم [٥٧١] وقطعوا حدّهم. ثمّ إنّ أهل البصرة مخالفون لعلىّ وقد قتلهم، ووترهم، وتفانت صناديدهم يوم الجمل، وإنما سار علىّ في شرذمة قليلة، منهم من قتل خليفتكم، فالله في حقّكم أن تضيّعوه، وفي دمكم أن تبطلوه.» وبعث علىّ بن أبى طالب زياد بن النضر طليعة في ثمانية آلاف و [بعث معه] [١] شريح بن هانئ، ووجّه من المدائن معقل بن قيس في ثلاثة آلاف، وأمره أن يأخذ على الموصل حتى يوافيه، وسار بنفسه حتى انتهى إلى الرقّة، وقال لأهلها: - «اجسروا لى جسرا حتى أعبر من هذا المكان إلى الشام.» فأبوا. وكانوا ضمّوا إليهم السفن. فنهض علىّ من عندهم ليعبر من جسر منبج، وخلّف عليهم الأشتر، ورحل ليمضى بالناس ويعبر بهم.

стр. 502

فنادى الأشتر: «يا أهل هذا الحصن، إلىّ، إنّى أقسم بالله، لئن مضى أمير المؤمنين ولم تجسروا له عند مدينتكم جسرا حتى يعبر، لأجرّدنّ فيكم السيف، ثم لأقتلنّ الرجال، وأخر بنّ الديار، ولأنهبنّ الأموال.» فلقى بعضهم بعضا، فقالوا: «هو الأشتر، ويفي بما حلف عليه، ويأتى بما هو شرّ منه.» فنادوه: «نعم، إنّا ناصبون لكم جسرا، فأقبلوا.» فجاء علىّ، فنصبوا له الجسر، فعبر علىّ بالأثقال [٥٧٢] والرجال. ثمّ أمر علىّ الأشتر، فوقف في ثلاثة آلاف فارس حتى لم يبق من الناس أحد إلّا عبر، ثم عبر آخر الناس رجلا. فأما زياد بن النضر وشريح بن هانئ، فسارا أمام علىّ- كما ذكرنا- من الكوفة، آخذين على شاطئ الفرات من قبل البرّ مما يلي الكوفة، حتى بلغا عانات، فبلغهما [أخذ علىّ] على طريق الجزيرة [١] ، وإنّ معاوية قد أقبل من دمشق في جنود أهل الشام، فقالا: - «والله ما هذا لنا برأى: أن نسير وبيننا وبين المسلمين وأمير المؤمنين هذا البحر، ومالنا خير في أن نلقى جنود الشام بقلّة من معنا منقطعين من المدد. فذهبوا ليعبروا من عانات، فمنعهم أهل عانات، وحبسوا عنهم السفن. فأقبلوا راجعين حتى عبروا من هيت [٢] ، ثمّ لحقوا عليّا، فقال ﵇: - مقدّمتى تأتينى من ورائي!» فتقدّم إليه زياد وشريح، وأخبراه بما رأيا. فقال: «سدّدتما.»

стр. 503

ثم مضى. فلما عبر الفرات قدّمهما أمامه. وأرسل معاوية أبا الأعور السّلمى في جند عظيم من أهل الشام، فأرسلا إلى علىّ: - «إنّا قد لقينا أبا الأعور السّلمى في جمع من أهل الشام ودعوناهم، فلم يجبنا منهم أحد، فمرنا بأمرك.» وكان علىّ أمرهما ألّا يبدءا بقتال حتى يدعوا إلى الحقّ، ويكون مبدأ القتال من غيرهما. [٥٧٣] فأرسل علىّ ﵇ الأشتر، فقال: - «يا مال، إنّ زيادا وشريحا أرسلا إلىّ أنهما لقيا أبا الأعور السلمى في جمع من أهل الشام، وأخبرنى الرسول أنهم متواقفون، فالنجا إلى أصحابك النجا، فإذا قدمت عليهم فأنت عليهم، وإياك أن تبدأهم، ولا يجر منّك شنآنهم على قتالهم قبل دعائهم مرة بعد مرة، ولا تدن منهم دنوّ من يريد أن ينشب الحرب، ولا تباعد منهم بعد من يهاب الناس، حتى أقدم عليك، فإنّى حثيث [١] السير في أثرك إن شاء الله.» وكتب إلى زياد وشريح بالسمع له والطاعة. فخرج الأشتر، والتقى مع القوم، وكفّ عن القتال إلى أن حمل أبو الأعور، فثبتوا له. ثم انصرف أهل الشام في تلك الليلة لما أدركهم المساء [٢] ، وأقبل من الغد، وجاء الأشتر من المكان الذي كان فيه، ولم يزل يزحف حتى وقف في المكان الذي كان فيه بالأمس أبو الأعور. فقال الأشتر لسنان بن مالك: - «انطلق إلى أبى الأعور، فادعه إلى المبارزة.» فقال: «إلى مبارزتي، أو إلى مبارزتك؟» فقال الأشتر: «لو أمرتك بمبارزته فعلت؟» قال: «نعم، والله لو أمرتنى أن أعترض صفّهم بسيفي، ما رجعت حتى أضرب

стр. 504

فيهم بسيفي.» فقال له الأشتر: «يا ابن أخى، أطال الله بقاءك، [٥٧٤] قد- والله- ازددت فيك رغبة. لا، ما أمرتك بمبارزته، وإنما أمرتك أن تدعوه إلى مبارزتي. إنّه لا يبرز إلّا لذوي الأسنان والكفاءة والشرف، وأنت- ولربّك الحمد- من أهل الشرف والكفاءة، غير أنك في حدث السنّ. وليس [هو] بمبارز الأحداث، ولكن ادعه إلى مبارزتي.» فأتاه ونادى: «آمنونى، فإنّى رسول.» فأومن حتى جاء إلى أبى الأعور. قال: فدنوت منه وقلت «إنّ الأشتر يدعوك إلى المبارزة.» قال: فسكت عنّى طويلا ثم قال: «إنّ خفّة الأشتر، وسوء رأيه حمله على إجلاء عمّال عثمان بن عفّان من العراق، ومن خفّة الأشتر أن سار إلى بن عفّان في داره حتى قتله في من قتله، فأصبح متبعا [١] بدمه. ألا، لا حاجة لى في مبارزته.» قال: قلت له: «إنّك قد تكلّمت، فاسمع منّى أجبك.» قال: «لا حاجة لى في الاستماع منك ولا في جوابك، اذهب عنّى.» وصاح بن أصحابه، فانصرفت عنه، ولو سمع إلىّ لأجبته بحجّة صاحبي. فرجعت إلى الأشتر، فأخبرته أنه قد أبى المبارزة. فقال: - «لنفسه نظر.» القتال على الماء وأقمنا متحاجزين يوما ونتحارس ليلتنا. فلما أصبحنا نظرنا فإذا القوم قد

стр. 505

انصرفوا من تحت ليلتهم، ويصبّحنا علىّ غدوة. فقدّم الأشتر في من كان معه في [٥٧٥] تلك المقدمة. وجاء علىّ في أثره حتى لحق بالأشتر وانتهى إلى معاوية. قال: فلمّا انتهينا إلى معاوية وجدناه قد عسكر في موضع سهل أفيح، قد اختاره قبل قدومنا، إلى جانب شريعة الفرات، ليس في ذلك الصقع كلّه شريعة غيرها، وجعلها في حيّزه، وبعث عليها بأبى الأعور يمنعها ويحميها. قال: فارتفعنا على الفرات رجاء أن نجد شريعة غيرها نستغني بها عن شريعتهم، فلم نجدها. قال: فأتينا عليّا، فأخبرناه بعطش الناس، وقال له الأشتر: - «إنّ القوم قد سبقوك إلى الشريعة وإلى سهولة المنزل [١] ، فإن رأيت سرنا حتّى نجوزهم إلى القرية التي خرجوا منها، فننزل في منزلهم، فإنهم يشخصون في إثرنا، فإذا لحقونا نزلنا فكنّا [نحن] [٢] وهم على السواء.» فكره ذلك علىّ وقال: «ليس كل الناس يقوى على المسير.» ونزل بهم، فقال علىّ: «قاتلوهم على الماء.» وبعث إلى معاوية برسول يقول: - «إنّا سرنا إليك، ومن رأينا الكفّ، إلى أن تنظر لنفسك، وننظر، وامتنعنا من قتالك، فبدأتنا، وهذا الماء تمنعنا منه، فخلّ بين الناس وبين الشريعة حتى ننظر [٣] ، وإن كان الأعجب إليك أن نترك ما جئنا له، ونترك الناس يقتتلون على الماء، حتى [٥٧٦] يكون الغالب هو الشارب.» فقال معاوية لأصحابه: «ما ترون؟» فأما أكثر الناس قال: «ولا نعمى عين، نمنعهم الماء كما منعوه عثمان، فإن رجعوا كان ذلك فلّا لهم.»

стр. 506

فقال عمرو: «خلّ بينهم وبين الماء، فإنّ القوم لن يعطشوا [وأنت ريّان] [١] ولكن بغير الماء، فانظر في ما بينك وبينهم.» فارتفع الصياح من كل جانب: - «امنعوهم الماء، منعهم الله يوم القيامة.» وكان الرسول صعصعة بن صوحان، فقال صعصعة: - «إنما يمنعه الله يوم القيامة الكفرة، والفسقة شربة الخمر: ضربكم من الناس.» فتوثبوا إليه يشتمونه ويتهدّدونه. فقال معاوية: «كفّوا عن الرجل فإنه رسول.» قال صعصعة: «فخرجت من عنده ومن رأيه منع الماء. فما انتهيت إلى علىّ حتى رأيت الخيل تسرّب إلى أبى الأعور ليكفّنا عن الماء. فأبرز [نا] [٢] علىّ إليهم وقال: - «قاتلوهم على الماء.» فارتمينا، ثم اطّعنّا، ثم تجالدنا بالسيوف، إلى أن انهزموا، وصار الماء في أيدينا. قال: فقلنا: «لا والله، لا نسقيهموه بعد أن غلبنا عليه بالسيف.» فأرسل إلينا علىّ أن: «خذوا من الماء حاجتكم، وارجعوا إلى عسكركم، وخلّوا عنهم، فإنّ الله قد نصركم عليهم ببغيهم وظلمهم.» ثم أقبل علىّ يأمر [٥٧٧] ذا الشرف من الناس، فيخرج ومعه جماعة، ويخرج معاوية إليه مثله، فيقتتلان في خيلهما، ثم ينصرفان، وأخذوا يكرهون أن يلقوا بجميع [أهل] [٣] العراق أهل الشام لما يتخوّفون أن يكون في ذلك من

стр. 507

الاستيصال والهلاك، إلى أن [تقضّى شهر ذى] [١] الحجة. فلما دخل المحرّم توادع علىّ ومعاوية إلى انقضائه طمعا في الصلح، وتردّدت الرسل، وطال الكلام بينهما، فما استقام بينهما الصلح. وانقضى المحرّم فأمر علىّ مرثد بن الحارث الجشميّ، فنادى أهل الشام عند غروب الشمس: - «ألا، إنّ أمير المؤمنين يقول لكم: إنّى استدمتكم [٢] لتراجعوا الحقّ وتنيبوا إليه، واحتججت عليكم بكتاب الله، ودعوتكم إليه، فلم تناهوا عن طغيان، ولم تجيبوا إلى حقّ، وإنى قد نبذت [٣] إليكم على سواء، إنّ الله لا يحبّ الخائنين.» ففزع [٤] أهل الشام إلى أمرائهم، وخرج معاوية وعمرو في الناس يكتّبان الكتائب، ويعبّئان الناس، وأوقدوا النيران، وبات علىّ ليلته كلّها يعبّئ الناس، ويكتّب الكتائب، ويدور في الناس، ويحرّضهم. من وصايا علىّ لأصحابه يوم صفّين وكان في ما يوصّيهم: - «إذا قاتلتموهم وهزمتموهم، فلا تقتلوا [٥٧٨] مدبرا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثلوا بقتيل، فإذا وصلتم إلى رجال القوم فلا تهتكوا سترا، ولا تدخلوا دارا إلّا بإذن، ولا تأخذوا شيئا من أموالهم إلّا ما وجدتم في عسكرهم، ولا تهيجوا امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم، فإنهنّ ضعيفات القوى» . كان هذا كلامه في يوم الجمل، وصفّين، ويوم النهروان، وكان يحرّض فيقول: - «عباد الله، غضّوا الأبصار، واخفضوا الأصوات، وأقلّوا الكلام، ووطّنوا

стр. 508

أنفسكم على المنازلة والمبارزة، والمبالطة [١] ، والمعانقة، واثبتوا، واذكروا الله كثيرا، لعلّكم تفلحون، ولا تنازعوا فتفشلوا، وتذهب ريحكم، واصبروا إنّ الله مع الصابرين [٢] ، اللهمّ ألهمهم الصبر، وأنزل عليهم النصر، وأعظم لهم الأجر.» اقتتلوا ولكلّ فئة أحد عشر صفا ولما أصبح علىّ في ميمنته وميسرته، ومعاوية في مثل ذلك، وبايع رجال من أهل الشام على الموت، فعقلوا أنفسهم بالعمائم. فكان المعقّلون [٣] خمسة صفوف، وكانوا يخرجون ويصفون أحد عشر صفا، ويخرج أهل العراق أحد عشر صفا. [٥٧٩] فخرجوا أول يوم من صفر، واقتتلوا، وعلى من خرج يومئذ من الكوفة الأشتر، وعلى أهل الشام حبيب بن مسلمة، وذلك يوم الأربعاء، فاقتتلوا عامة نهارهم. ثم تراجعوا وقد انتصف بعضهم من بعض. فلما كان اليوم الثاني، خرج هاشم بن المرقال. وخرج إليه أبو الأعور السلمى في خيلهما ورجالهما، فاقتتلوا عامة نهارهم، وصبر بعضهم لبعض. وخرج اليوم الثالث عمار بن ياسر. وخرج إليه عمرو بن العاص في خيلهما ورجلهما فاقتتلوا كأشدّ ما يكون القتال، وكان مع عمار زياد بن النضر [٤] على الخيل، فأمره عمار أن يحمل، فحمل في خيله وصبر له الناس، وشدّ عمار في الرجال، فأزال ابن العاص عن موقفه، ثم انصرف كلّ واحد عن صاحبه وتراجع الناس. وخرج اليوم الرابع محمد بن علىّ، وهو ابن الحنفية، فخرج إليه عبيد الله بن عمر في جمعين عظيمين، فاقتتلوا كأشدّ القتال:

стр. 509

فأرسل عبيد الله إلى ابن الحنفية، أن: «اخرج إلىّ!» فقال: «نعم!» وخرج يمشى. وبصر به علىّ، فقال: «من هذان المتبارزان؟» فقيل له: «ابنك وعبيد الله بن عمر.» فحرّك دابّته، [٥٨٠] ثم نادى محمدا، فوقف له. فقال: «أمسك دابتي!» فأمسكها. ثم مشى إليه علىّ وقال: «أبرز [لك] [١] ، فهلمّ إلىّ!» فقال: «ليست لى في مبارزتك حاجة.» قال: «بلى، هلمّ!» قال: «لا.» فرجع ابن عمر، وأخذ محمد بن الحنفية يعاتب أباه في منعه، ثم خروجه بنفسه، إلى من ليس [كفؤا له] [٢] هو ولا أبوه. فجرى بينهما كلام مذكور [٣] . ثم تحاجز الناس. فلما كان اليوم الخامس خرج عبد الله بن العباس، وخرج إليه الوليد بن عقبة، فاقتتلوا قتالا شديدا، ودنا ابن العباس من الوليد بن عقبة والوليد يشتم بنى عبد المطلب. فأرسل إليه ابن عباس أن: ابرز لى! فأبى. وقاتل ابن عباس قتالا

стр. 510

شديدا، وغشى الناس بنفسه. وخرج اليوم السادس قيس بن سعد الأنصارى، فخرج إليه ابن ذى الكلاع الحميري، فاقتتلا قتالا شديدا، ثم انصرفا، ذلك بعد قتل كثير في الفريقين. وخرج الأشتر في اليوم السابع، وعاد إليه حبيب بن مسلمة، وذلك يوم الثلاثاء، فاقتتلا كأشدّ ما يكون من قتال، ثم انصرفا عند الظهر وكلّ غير غالب. ثم إنّ عليّا قال: «حتى متى لا نناهض هؤلاء القوم [٥٨١] بأجمعنا؟» فقام في الناس عشية الثلاثاء ليلة الأربعاء بعد العصر، فخطبهم فقال: - «الحمد لله الذي لا يبرم ما نقض، ولا ينقض ما أبرم، ولو شاء ما اختلف اثنان من خلقه، ولا تنازعت الأمة في شيء من أمره ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله، وقد ساقتنا وهؤلاء القوم الأقدار، فلفّت [١] بيننا في هذا المكان، فلو شاء عجّل النعمة، وكان منه التغيير حتى يكذّب الظالم ويعلم الحقّ أين مصيره، ولكنّه جعل الدنيا دار الأعمال، وجعل الآخرة هي دار القرار، ليجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى. [٢] ألا، إنّكم لاقوا [٣] القوم غدا، فاطلبوا وجه الله بأعمالكم، وأطيلوا الليلة القيام، وأكثروا تلاوة القرآن، وسلوا الله الصبر والنصر، والقوهم بالجدّ والحزم، وكونوا صادقين.» فوثب الناس إلى سيوفهم ورماحهم ونبالهم يصلحونها. ومرّ بهم كعب بن جعيل التغلبي وهو يقول: أصبحت الأمّة في أمر عجب ... والملك مجموع غدا لمن غلب فقلت قولا صادقا غير كذب ... إنّ غدا يهلك أعلام العرب

стр. 511

ولما كان من الليل، خرج علىّ يعبّئ الناس ليلته كلّها حتى إذا أصبح زحف الناس، وخرج إليه معاوية في أهل الشام. فجعل علىّ يقول: «من هذه القبيلة» ، و «من هذه الكتيبة؟» [٥٨٢] فتنسب له، حتى إذا عرفهم ورأى مراكزهم، قال للأزد: «أكفونى الأزد.» وقال لخثعم: «أكفونى خثعم.» وأمر كلّ قبيلة أن تكفيه أختها، وإذا لم يجد لقبيلة منهم أختها سمّى لها قبيلة أخرى. ثم تناهض الناس يوم الأربعاء، فاقتتلوا نهارهم كلّه، وانصرفوا عند المساء وكلّ غير غالب. حتى إذا كان يوم الخميس، وهو التاسع، صلّى علىّ بغلس [١] ، فيقال: إنه لم يغلّس أشدّ من تغليسه يومئذ. ثم خرج بالناس. وكان علىّ- ﵇ يبدأ القوم بالمسير إليهم. فإذا رأوه وقد زحف استقبلوه بوجوههم. فلما صلّى علىّ، دعا دعاء كثيرا، وقال في آخر دعائه: «اللهمّ إن أظهرتنا على عدوّنا فجنّبنا البغي، وسدّدنا للحقّ، وإن أظهرتهم علينا فارزقني الشهادة، واعصم بقيّة أصحابى من الفتنة.» ثم خرج وعلى ميمنته عبد الله بن بديل، وعلى ميسرته عبد الله بن العباس وقرّاء أهل العراق مع ثلاثة نفر: مع عمار بن ياسر، ومع قيس بن سعد، ومع عبد الله بن بديل، والناس على راياتهم وعلىّ في القلب في أهل المدينة بين أهل الكوفة وأهل البصرة وأكثر من معه من أهل المدينة، الأنصار. ثم زحف إليهم بالجمع. ورفع معاوية قبّة [٥٨٣] عظيمة وقد ألقى عليها الكرابيس، وبايعه عظم أهل الشام على الموت، وبعث إلى خيل أهل دمشق، فأحاطت بقبّته، وزحف عبد الله بن بديل في الميمنة نحو حبيب بن مسلمة، فلم يزل يحوزه ويكشف خيله من الميسرة حتى اضطرّهم إلى قبّة معاوية عند الظهر، وحضّ عبد الله بن بديل

стр. 512

أصحابه، وحرّضهم، وذكّرهم بالله، وأثنى عليه، وعضّ من معاوية وسبّه، وقاتل قتالا شديدا، وحضّ علىّ أصحابه. خطبة في حضّ على حرب ووصايا فيها فقال: - «إنّ الله قد دلّكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم [١] ، وأخبركم أنه يحبّ الذين يقاتلون في سبيله صفّا كأنّهم بنيان مرصوص [٢] فسوّوا صفوفكم، وقدّموا الدارع، وأخّروا الحاسر، وعضّوا على الأضراس، فإنه أنبى للسيوف عن الهام، والتووا في أطراف الرماح، فإنّه أمور للأسنّة، وغضّوا الأبصار، فإنّه أربط للجأش، وأميتوا الأصوات، فإنّه أطرد للفشل، وأولى بالوقار. راياتكم، فلا تميلوها، ولا تجعلوها إلّا بأيدي شجعانكم. أجزأ امرؤ [وقذ] [٣] قرنة وآسى أخاه بنفسه، ولم يكل قرنه إلى أخيه، فيكسب [٥٨٤] به لائمة ودناءة، وكيف لا، وهذا يقاتل اثنين وهذا ممسك يده قائما ينظر إليه؟ من يفعل ذلك، يمقته الله. قال الله لقوم: لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل، وإذا لا تمتّعون إلّا قليلا [٤] ، استعينوا بالصدق والصبر، فإنّ الله ينزل بعد الصبر النصر» . خطبة يزيد بن قيس الأرحبى وخطب يزيد بن قيس الأرحبى، فقال بعد حمد الله:

стр. 513

- «إنّ هؤلاء القوم، والله، لا يقاتلوننا [١] على إقامة دين رأونا ضيّعناه، وإحياء حقّ رأونا أمتناه، ولن يقاتلونا [٢] إلّا على هذه الدنيا ليكونوا جبابرة فيها ملوكا. فلو ظهروا عليكم- ولا أراهم الله ذلك- لزموكم بمثل سعيد، والوليد، وعبد الله بن عامر السفيه الضالّ، يجيز أحدهم في مجلسه بمثل ديته ودية أبيه وجدّه، ثم يقول: «هذا لى، ولا إثم علىّ» ! كأنّما أعطى تراثه عن أبيه وأمّه! وإنما هو مال الله أفاءه الله علينا. فقاتلوا- عباد الله- القوم الظالمين الحاكمين بغير ما أنزل الله، ولا تأخذكم في جهادهم لومة لائم، فإنّهم من عرفتم وخبرتم. والله ما ازدادوا إلى يومهم هذا إلّا شرّا.» ابن بديل ينتهى إلى قبة معاوية وقاتلهم عبد الله بن بديل في الميمنة حتى انتهى إلى قبّة معاوية. ثم إنّ الذين تبايعوا [٥٨٥] على الموت، أقبلوا إلى معاوية، فأمرهم أن يصمدوا لابن بديل. وبعث حبيب بن مسلمة في ميسرته، فحمل بهم وبمن كان معه على ميمنة الناس، فهزمهم، وانكشف أهل العراق من قبل الميمنة حتى لم يبق منهم إلّا ابن بديل في مائتين إلى الثلاثمائة من القرّاء قد أسند بعضهم على بعض ظهره، وانجفل الناس. فأمر علىّ سهل بن حنيف، فاستقدم في من كان معه من أهل المدينة، فاستقبلتهم جموع لأهل الشام عظيمة، فاحتملتهم حتى ألحقتهم بالميمنة إلى موقف علىّ في القلب، فمرّ علىّ ومعه بنوه نحو الميسرة. قال [٣] : فوالله، إنّى لأرى النبل يمرّ بين عاتقه ومنكبه، وما من بنيه واحد إلّا يقيه بنفسه، فيتقدّم فيحول بين اهل الشام وبينه، فيأخذه بيده إذا فعل ذلك فيلقيه بين

стр. 514

يديه أو من ورائه. فبصر به أحمر مولى أبى سفيان أو عثمان، فعرفه. فقال علىّ: «وربّ الكعبة، قتلني الله إن لم أقتلك أو تقتلني.» كلام بين علىّ والحسن أثناء القتال فأقبل نحوه، وخرج إليه كيسان مولى علىّ، فاختلفا ضربتين، فقتله مولى بنى أمية، وينتهزه علىّ، فتقع يده في جيب درعه، فجبذه، ثم حمله على عاتقه. فكأنى أنظر إلى رجليه تختلفان على عنق علىّ، ثم ضرب [٥٨٦] به الأرض، فكسر منكبه وعضده، وشدّ ابنا علىّ: الحسين ومحمد عليه، فضرباه بأسيافهما، حتى إذا قتلاه، أقبلا إلى أبيهما والحسن قائم معه. قال له: «يا بنىّ، ما منعك أن تفعل كما يفعل أخواك؟» فقال: «كفيانى يا أمير المؤمنين!» ثم إن أهل الشام دنوا منه، فوالله ما يزيده قربهم منه سرعة في مشيه. فقال له الحسن: «ما ضرّك لو سعيت حتى تنتهي إلى هؤلاء الذين قد صبروا لعدوّك من أصحابك؟» فقال: «يا بنىّ، إنّ لأبيك يوما لا يعدوه، ولا يبطئ به السعى، ولا يعجل به اليه المشي، وإنّ أباك لا يبالى: وقع على الموت، أو وقع عليه الموت [١] .» مالك يحضّ المنهزمين على الصمود ولما أقبل علىّ نحو الميسرة، مرّ به الأشتر يركض نحو الفزع قبل الميمنة. فقال له علىّ: «يا مال!» قال: «لبيك يا أمير المؤمنين!» قال: «ائت هؤلاء، فقل لهم: أين فراركم من الموت الذي لا تعجزونه، إلى

стр. 515

الحياة التي لا تبقى لكم؟» فمضى، واستقبل الناس منهزمين، فقال لهم هذه الكلمات التي أمره علىّ بها. ثم قال: «إلىّ، أيها الناس إلىّ! أنا مالك بن الحارث..» ثم ظنّ أنه بالأشتر أعرف في الناس، فقال: «أنا الأشتر، إلىّ، إلىّ!» فأقبلت طائفة إليه [٥٨٧] وذهبت عنه طائفة، فقال: - «عضضتم بهَنِ آبائكم [١] ، ما أقبح ما قاتلتم منذ اليوم! يا أيها الناس، أخلصوا إلى مذحجا.» فأقبلت مذحج، فقال: - «عضضتم بصمّ الجندل، ما أرضيتم ربكم، ولا نصحتم له في عدوكم، وكيف ذلك وأنتم أبناء الحرب، وأصحاب الغارات وفتيان الصباح، وفرسان الطراد، وحتوف الأقران، ومذحج الطعان الذين لم يكونوا يسبقون [٢] بثأرهم، ولا تطلّ دماؤهم، ولم تعرفوا في موطن بخسف، فأنتم حدّ أهل مصركم، وما تفعلوا في هذا اليوم فإنّه مأثور بعد اليوم، فاتقوا مأثور الحديث، واصدقوا عدوكم اللقاء، فإنّ الله مع الصادقين. فو الذي نفس مالك بيده، ما من هؤلاء- وأشار بيده إلى أهل الشام-[رجل] [٣] على مثل جناح بعوضة من محمد- صلى الله عليه- إنكم ما أحسنتم القراع، فاجلوا سواد وجهى يرجع في وجهى دمى. عليكم بهذا السواد الأعظم، فإنّ الله لو قد فضّه تبعه من بجانبيه كما تبع مؤخّر السيل مقدّمه.» قالوا: «خذ بنا حيث أحببت.» فصمد نحو عظمهم مما يلي الميمنة، وأخذ يزحف إليهم ويردّهم، ويستقبله

стр. 516

شباب من [٥٨٨] همدان، وكانت همدان يومئذ ثمانمائة مقاتل. فانهزموا آخر الناس، وكانوا صبروا في الميمنة، حتى أصيب منهم مائة وثمانون رجلا، وقتل منهم أحد عشر رئيسا يتتابعون على الراية. فمرّوا بالأشتر وهم يقولون: - «ليت لنا عدّتنا من العرب يحالفوننا على الموت، ثم نستقدم نحن وهم، فلا ننصرف حتى نقتل أو نظهر.» فقال لهم الأشتر: «إلىّ، أنا أخالفكم وأعاقدكم على أن لا نرجع أبدا حتى نظفر أو نهلك.» فأتوه، فوقفوا معه، وزحف الأشتر، وثاب [١] إليه الناس، وأخذ لا يصمد لكتيبة إلّا كشفها، وبيده صفيحة يمانية إذا طأطأها خلت فيها ماء منصبّا، وإذا رفعها كاد يغشى البصر شعاعها، وجعل يضرب بسيفه ويقول: - «الغمرات [٢] ثم ينجلينا.» فبصر به الحارث بن جهمان والأشتر مقنّع في الحديد، فلم يعرفه. فدنا منه وقال: - «جزاك الله خيرا منذ اليوم عن أمير المؤمنين وجماعة المسلمين.» فعرفه الأشتر فقال: «يا ابن جهمان، إنّ مثلك لا يتخلّف عن مثل مواطنى هذا [الذي أنا فيه] [٣] .» فعرفه ابن جهمان لما تكلّم، وكان من أعظم الرجال وأطولهم، فقال له: - «جعلت فداك، لا والله، ما علمت بمكانك إلّا الساعة [٥٨٩] ولا أفارقك حتى الموت.» ورآه منقذ وحمير ابنا قيس الناعطيّان.

стр. 517

فقال منقذ لحمير: «ما في العرب مثل هذا إن كان قتاله عن نيّة.» فقال له حمير: «وهل النيّة إلّا ما تراه يصنع.» قال: «إنّى أخاف أن يكون يحاول ملكا.» وحمل الأشتر في بعض حملاته، فكشف أهل الشام حتى ألحقهم بصفوف معاوية، وذلك بين صلاة العصر والمغرب، وانتهى إلى عبد الله بن بديل، وهو في عصبة من القرّاء بين المائتين إلى الثلاثمائة، وقد لصقوا بالأرض كأنهم جثى، فكشف عنهم أهل الشام، فأبصروا إخوانهم قد دنوا منهم. فقالوا: «ما فعل أمير المؤمنين؟» قالوا: «حىّ صالح يقاتل في الميسرة، ويقاتل الناس أمامه.» فقالوا: «والحمد لله، قد كنّا ظننّا أن قد هلك وهلكتم.» إبن بديل يعصى مالكا ويقتل وقال عبد الله بن بديل لأصحابه: «استقدموا بنا، رحمكم الله!» فأرسل إليه الأشتر أن: «لا تفعل، أثبت للناس، وقاتل، فإنّه خير لهم، وأبقى لك ولأصحابك.» فعصاه ومضى كما هو نحو معاوية، وحوله كأمثال جبال الحديد، وفي يده سيفان، وقد خرج. فهو أمام أصحابه. فأخذ كلما دنا منه رجل قتله، حتى قتل تسعة، ودنا من معاوية، فنهض إليه الناس [٥٩٠] من كلّ جانب، وأحيط به حتى قتل ناس من أصحابه، ورجعت طائفة قد خرجوا منهزمين. فبعث الأشتر ابن جهمان، فحمل على أهل الشام الذين يتّبعون من كان نجا من أصحاب ابن بديل، حتى نفّسوا عنهم، وانتهوا إلى الأشتر. فقال لهم: - «ألم يكن رأيى خيرا لكم من رأيكم لأنفسكم؟ ألم آمركم أن تثبتوا مع

стр. 518

الناس؟» وكان معاوية لما رأى عبد الله بن بديل يضرب قدما، قال: - «أترونه كبش القوم!» فلما قتل أرسل إليه لينظر: من هو؟ فلم يعرفه أحد. فأقبل إليه حتى وقف عليه، فقال: - «بلى، هذا عبد الله بن بديل، هذا والله كما قال» : أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّها ... وإن شمّرت يوما له الحرب شمّرا ثم إنّ الأشتر حمل حملة أزال أهل الشام عن موقفهم، حتى ألحقهم بالصفوف الخمسة المعقّلة بالعمائم حول معاوية، ثم شدّ عليهم شدّة أخرى، فصرع الصفوف الأربعة المعقّلين، حتى انتهوا إلى الخامس حول معاوية. فدعا معاوية بفرسه، فركبه. وكان يقول: - «أردت أن أنهزم فذكرت قول ابن الإطنابة: [٥٩١] أبت لى عفّتى، وأبى بلائي [١] ... وأخذى الحمد بالثمن الربيح [٢] وإجشامى [٣] على المكروه نفسي ... وإقدامى على البطل المشيح [٤]

стр. 519

وقولي كلّما جشأت وجاشت [١] ... مكانك، تحمدي، أو تستريحي [٢] فمنعني من الفرار.» [٣] [١ بن ٢] وإنّ عليّا لما رأى ميمنته قد عادت إلى مواقفها ومصافّها، وكشفت من

стр. 520

بإزائها، أقبل حتى انتهى إليهم، فقال: - «إنّى قد رأيت جولتكم، وانحيازكم عن صفوفكم، تحوزكم الجفاة الطغام [١] ، وأعراب الشام، وأنتم لهاميم العرب، والسنام الأعظم، وعمّار الليل بتلاوة القرآن، وأهل دعوة الحق إذ ضلّ الخاطئون. فلولا إقبالكم بعد إدباركم، وكرّكم بعد انحيازكم، وجب عليكم ما وجب على المولّى يوم الزحف دبره، وكنتم من الهالكين، ولكن هوّن وجدي، وشفى بعض أحاح [٢] نفسي أنّى رأيتكم بأخرة حزتموهم [٣] ، كما حازوكم، وأزلتموهم عن مصافّهم كما أزالوكم، تحسّونهم [٤] بالسيوف، يركب أولاهم أخراهم، كالإبل المطرودة إليهم. فالآن، فاصبروا، نزلت عليكم السكينة وثبّتكم الله باليقين وإنّ الفارّ لا يزيد في عمره ولا يرضى ربّه، [٣] فموت المرء محقّا قبل موجدة [٥] الله، والذلّ اللازم، والعار الباقي، واغتصاب الفيء من يده، وفساد العيش، خير من الرضا بالتأنيس [٦] لهذه الخصال، والإقرار عليها.» فصبر القوم، وقتل الفرسان من الجانبين. فقتل ذو الكلاع وعبيد الله بن عمر، وتنادت ربيعة- حيث انتهى إليها علىّ- بينها: - «إن أصيب علىّ فيكم، وقد لجأ إليكم، افتضحتم آخر الدهر، وتشاءم بكم المسلمون.» وقال لهم شقيق بن ثور: - «يا معشر ربيعة، لا عذر لكم في العرب إن وصل إلى علىّ فيكم ومنكم

стр. 521

رجل حىّ.» فقاتل القوم قتالا شديدا حين جاءهم علىّ، لم يكونوا قاتلوا مثلها. ففي ذلك قال علىّ ﵇: لمن راية سوداء يخفق ظلّها ... إذا قيل: قدّمها حضين، تقدّما يقدّمها في الموت حتى يردّها [١] ... حياض المنايا تقطر الموت والدّما أذقنا ابن هند ضربنا وطعاننا ... بأرماحنا حتّى تولّى وأحجما جز الله قوما قاتلوا [٢] في لقائهم ... لدى الموت، قوما ما أعفّ وأكرما [٣] [٤] مّتل عمّار بن ياسر قال: وسمعت عمارا يقول: - «والله، إنّى لأرى قوما يضربونكم ضربا يرتاب منه المبطلون، وأيم الله، لو ضربونا حتى يبلّغونا سعفات هجر [٤] ، لعلمنا أنّا على الحقّ، وأنّهم على الباطل.» ثم حمل حتى وصل إلى عمرو بن العاص، فقال له:

стр. 522

- «لقد قاتلت هذه الراية ثلاثا مع رسول الله- صلى الله عليه- وهذه الرابعة، ما هي بأبّر ولا أتقى.» قال: ورأيت عمارا جاء إلى هاشم بن عتبة، وهو صاحب راية علىّ، فقال: - «يا هاشم، الجنة تحت ظلال السيوف، اليوم، ألقى الأحبة، محمدا وحزبه.» فحملا، ولم يرجعا. ولما قتل عمار، قال علىّ لربيعة وهمدان: - «أنتم درعي ورمحي.» فانتدب له نحو من اثنى عشر ألفا، وتقدّمهم علىّ على بغلته، فحمل وحملوا معه، حملة رجل واحد، فلم يبق لأهل الشام صفّ إلّا انتقض، وقتلوا كلّ من انتهى إليه، حتى بلغوا معاوية. علىّ يبارز معاوية ثم نادى علىّ معاوية: - «يا معاوية، لم تقتل الناس بيننا؟ هلمّ أحاكمك إلى الله، فأيّنا قتل صاحبه استقامت له الأمور.» فقال له عمرو: - «أنصفك الرجل.» فقال معاوية: - «ما أنصفت، وإنّك [٥] لتعلم أنه لم يبارزه أحد قطّ إلّا قتله.» فقال عمرو: - «ما يجمل بك إلّا مبارزته.» قال معاوية:

стр. 523

- «طمعت فيها بعدي.» ما دبّره علىّ لإزالة كتيبة ومرّ علىّ بكتيبة فرءاهم لا يزولون. فحرّض عليهم وقال: - «إنّ هؤلاء لا يزولون [١] إلّا بضرب دراك [٢] يفلق الهام، ويطيح العظام، وتسقط منه المعاصم والأكفّ، وحتى تصدع جباههم بعمد الحديد، وتنتثر حواجبهم على الصدور. أين أهل الصبر وطلّاب الأجر؟» فثابت [٣] إليه عصابة. فدعا ابنه محمدا، فقال: - «امش نحو أهل هذه الراية مشيا رويدا على هينتك [٤] ، حتى إذا أشرعت في صدورهم الرماح، فأمسك حتى يأتيك أمرى.» ففعل، وأعدّ علىّ مثلهم. فلما دنا منهم محمد، فأشرع الرماح في صدورهم، أمر علىّ الذين أعدّهم، فشدّوا عليهم، فنهض محمد بمن معهم في وجوههم، فزالوا عن مواقفهم، وأصابوا منهم. ثم اقتتلوا بعد المغرب قتالا شديدا. فما صلّى أكثر الناس إلّا إيماء. العالي من جعل المعركة خلف ظهره وقتل عبد الله بن كعب المرادىّ. فمرّ به الأسود بن قيس المرادىّ، فقال: - «يا أسود!» فقال: «لبيك.» وعرفه، وكان بآخر رمق. فقال:

стр. 524

- «عزّ [٦] علىّ بمصرعك [١] . أما والله، لو شهدتك لآسيتك، ولدافعت عنك.» ثم نزل إليه وقال: - «أما والله، إن كان جارك، ليأمن بوائقك. ولقد [٢] كنت من الذاكرين الله كثيرا، أوصنى- رحمك الله.» فقال: - «أوصيك بتقوى الله، وأن تناصح أمير المؤمنين، وتقاتل معه المحلّين حتى يظهر أو تلحق بالله. وأبلغه عنى السلام، وقل له: قاتل على المعركة حتى تجعلها خلف ظهرك، فإنّه من أصبح غدا والمعركة خلف ظهره، كان العالي.» ثم لم يلبث أن مات. فأقبل الأسود إلى علىّ، فأخبره، فقال: - «﵀، جاهد فينا عدوّنا في الحياة، ونصح لنا في الوفاة.» واقتتل الناس تلك الليلة كلها حتى الصباح- وهي ليلة الهرير- حتى تقصّفت الرماح، ونفد [٣] النبل، وصار الناس إلى السيوف، وأخذ علىّ يسير في ما بين الميمنة والميسرة، ويأمر كلّ كتيبة من القرّاء [٤] أن تقدم على التي تليها، ولم يزل يفعل ذلك ويقوم بهم، حتى إذا أصبح كانت المعركة كلها خلف ظهره، والأشتر في ميمنة الناس، وابن عباس في الميسرة، وعلىّ في القلب، والناس يقتتلون من كلّ جانب، وذلك يوم الجمعة.

стр. 525

الظفر يلوح للأشتر ومعاوية يلتمس حيلة وكان علىّ يراسل الأشتر ويرفده، وكان الأشتر [٧] تولّى القتال عشيّة الخميس وليلة الجمعة كلّها ويوم الجمعة إلى ارتفاع النهار، وقد كلّ الناس، وأخذ يقول لأصحابه: - «ازحفوا قيد هذا الرمح.» وزحف بهم نحو أهل الشام. فإذا فعلوا، قال: - «ازحفوا قاب [١] هذا القوس.» فإذا فعلوا، سألهم مثل ذلك، حتى ملّ الناس الإقدام. فلما رأى الأشتر ذلك، قال: - «أعيذكم بالله أن ترضعوا الغنم سائر اليوم.» ثم دعا بفرسه، وترك رايته مع حيّان بن هوذة [٢] ، وخرج يسير في الكتائب ويقول: - «من يشرى نفسه لله ويقاتل مع الأشتر، حتى يظهر، أو يلحق بالله؟» فلا يزال [٣] رجل من [٤] الناس قد خرج إليه وحيّان بن هوذة واقف بالراية، فلما اجتمع إليه ناس كثير، أقبل حتى رجع إلى المكان الذي كان فيه من الميمنة. ثم قال لأصحابه: - «شدّة- فدى لكم عمّى وخالي- ترضون بها الربّ، وتعزّون بها الدين، إذا شددت، فشدّوا.»

стр. 526

ثم نزل فضرب وجه دابته وقال لصاحب رايته: - «أقدم بها.» ثم شدّ على القوم شدّة، وشدّ معه أصحابه. فضرب أهل الشام حتى انتهى إلى عسكرهم. ثم قاتلوه عند العسكر قتالا شديدا، فقتل صاحب رايته، ولاح له الظفر بما اضطرب من صفوف [٨] معاوية. ونظر علىّ، فرأى الظفر من قبله، فأخذ يمدّه بالرجال. فالتفت معاوية إلى عمرو بن العاص، فقال: - «أما ترى أهل العراق قد استعلوا؟» فقال عمرو: «هذا الهلاك. فهلمّ حيلة.» قال: «قل، ما عندك.» ذكر مكيدة عمرو بن العاص قال: «قد رأيت أمرا إن قبلته لا يزيدنا إلّا اجتماعا، ولا يزيدهم إلّا فرقة.» قال: «نعم.» قال: «نرفع المصاحف على الرماح، ثم نقول: ما فيها حكم بيننا وبينكم. فإن أبى بعضهم إلّا القتال، وجدت فيهم من يقول: لا نقاتل حتى ننظر ما يحكم القرآن. فتقع بينهم الفرقة، فإن قالوا بأجمعهم: نقبل حكم القرآن، رفعنا هذه الحرب، ودافعناها [١] إلى أجل وحين.» فرفعوا المصاحف بالرماح، وقالوا: - «عباد الله! هذا كتاب الله بيننا وبينكم، من لثغور الشام بعد أهل الشام، من لثغور العراق بعد أهل العراق؟»

стр. 527

فلما رأى الناس المصاحف، وسمعوا هذا الكلام، رقّت قلوبهم، وقد كان مسّهم النصب والملال. فقالوا: - «نجيب إلى كتاب الله.» فلما رأى علىّ الفتور في أصحابه بعد الجدّ، صاح بهم: - «عباد الله، امضوا على حقّكم، وصدقكم، وقتال عدوّكم. فإنّه معاوية، [٩] وعمرو بن العاص، وابن أبى سرح، والضحّاك بن قيس، ليسوا بأصحاب دين وقرآن. أنا أعرف بهم منكم، وصحبتهم أطفالا ورجالا. ويحكم! والله [١] ، إنهم ما رفعوا المصاحف. إنهم لا يعرفونها، ولا يعلمون ما فيها، وما رفعوها إلّا خديعة ومكيدة حين علوتموهم.» فقالوا: - «ما يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله، فنأبى أن نقبله.» فقال لهم علىّ: - «ويحكم! فإنّى إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم الله، ويعملوا بالقرآن، فإنّهم قد عصوا الله في ما أمرهم، ونبذوا كتابه، ونسوا عهده.» القرّاء يهدّدون عليّا ويطالبون ترك القتال فقال له مسعر بن فدكي [٢] ، وزيد بن حصن الطائي، ثم السّنبسىّ [٣] في عصابة معهما من القرّاء الذين صاروا خوارج بعد ذلك: - «يا علىّ، أجب إلى كتاب الله إذا دعيت إليه، وإلّا دفعناك برمّتك إلى القوم، أو نفعل بك ما فعلنا بابن عفّان. والله، لتفعلنّها، أو لنفعلنّها بك.»

стр. 528

قال: «فاحفظوا عنّى مقالي، فإنّى آمركم بالقتال، وإن تعصوني، فافعلوا ما بدا لكم.» قالوا له: «فابعث إلى الأشتر! إمّا لا [١] ، فليأتك.» فأمسك علىّ. فنزل قوم فأحدقوا به. فبعث إلى الأشتر يزيد بن هانئ السبيعي: أن ائتني. [١٠] فذهب، فأبلغه. فقال: «ائته، فقل له: ليس هذه، الساعة، التي ينبغي أن تزيلني فيها عن موقفي. إنّى قد رجوت أن يفتح الله لى، فلا تعجلني.» قال: فرجع يزيد بن هانئ إلى علىّ، فأخبره. فما هو إلّا أن انتهى إلينا، فارتفع الرهج [٢] ، وعلت الأصوات من قبل الأشتر. فقال له القوم: «والله ما نراك إلّا أمرته أن يقاتل.» فقال علىّ: «من أين ينبغي أن تروا ذلك؟ رأيتمونى ساررته؟ أليس إنّما كلّمته على رؤوسكم علانية وأنتم تسمعون؟» قالوا: «فابعث إليه بعزيمتك فليأتك، وإلّا- والله- اعتزلناك.» قال: «ويحك يا يزيد! عد إليه فقل له: أقبل [٣] إلينا، فإنّ الفتنة قد وقعت.» فأتاه، فقال له ذلك. فقال الأشتر: - «ألرفع المصاحف؟» قال: «نعم، أما الله، لقد ظننت حين رفعت، أنها ستوقع اختلافا وفرقة. إنّها مشورة ابن العاهرة. ألا ترى أنّ الفتح قد وقع؟ ألا ترى إلى ما صنع الله لنا؟ أينبغى أن أدع هؤلاء وأنصرف عنهم؟»

стр. 529

قال يزيد بن هانئ: «أتحبّ أنك قد ظهرت هاهنا وأمير المؤمنين يقتل بمكانه، أو يسلّم إلى عدوّه؟» فقال: «لا والله، سبحان الله!» [١١] قال: «فإنّهم قد قالوا: لترسلنّ إلى الأشتر، فليأتك، أو لنقتلنّك كما قتلنا ابن عفّان.» مالك يضع القتال ويقبل، بعد أن رأى النصر فأقبل معى الأشتر حتى انتهى إليهم، فقال: - «يا أهل العراق، يا أهل الذلّ والوهن! أحين علوتم القوم ظفرا، وظنّوا أنّكم [١] لهم قاهرون، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها؟ وقد- والله- تركوا ما أمر الله به فيها، وسنّه من أنزلت عليه، فلا تجيبوهم، يا قوم، أمهلونى عدو الفرس، فإنّى قد رأيت النصر.» قالوا: «إذا ندخل معك في خطيئتك.» قال: «فحدّثونى عنكم، وقد قتل أماثلكم، وبقي أراذلكم، متى كنتم محقّين؟: أحين كنتم تقاتلون وخياركم يقتلون؟ فأنتم الآن إذا أمسكتم عن القتال مبطلون، أم الآن أنتم محقّون؟ فقتلاكم الذين لا تنكرون فضلهم وكانوا خيرا منكم، في النار إذا!» قالوا: «دعنا منك يا أشتر، قاتلناهم في الله، وندع قتالهم لله. إنّا لسنا مطيعيك ولا صاحبك [٢] ، فاجتنبنا.» فقال: «خدعتم والله، وانخدعتم، ودعيتم إلى وضع الحرب بعد أن غلبتم، فأجبتم. يا أصحاب الجباه السود، كنّا نظنّ صلاتكم زهادة في الدنيا، وشوقا إلى

стр. 530

لقاء الله! فلا أرى فراركم إلّا إلى الدنيا من الموت. ألا [١٢] قبحا [١] لكم. يا أشباه النيب [٢] الجلّالة! ما أنتم برائين بعدها عزّا أبدا. فابعدوا كما بعد القوم الظالمون.» فسبّوه، وسبّهم، وضربوا وجه دابته بسياطهم، وأقبل يضرب وجوه دوابهم بسوطه، وصاح بهم علىّ، فكفّوا [٣] . قبول الناس التحكيم، واستعلام معاوية وتنادى الناس: - «قد قبلنا أن نجعل القرآن بيننا وبين هؤلاء القوم حكما.» فجاء الأشعث بن قيس إلى علىّ وقال: - «ما أرى الناس إلّا قد رضوا، وسرّهم أن تجيبوا القوم إلى ما دعوهم إليه من حكم القرآن. فإن شئت أتيت معاوية فاستعلمته ما يريد، فنظرت فيه.» قال: «ائته إن شئت، فسله.» فأتاه وقال: «يا معاوية، لأىّ شيء رفعتم المصاحف؟» قال: «لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله فيها، تبعثون منكم رجلا ترضون به، ونبعث منّا رجلا نرضى به، نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدوانه، ثم نتبع جميعا ما اتفقا عليه.» فقال له الأشعث: «هذا الحقّ.» ثم انصرف إلى علىّ بما قال معاوية. فقال الناس: «قد رضينا وقبلنا.»
следующие страницы →