ثم نزل فضرب وجه دابته وقال لصاحب رايته:
- «أقدم بها.» ثم شدّ على القوم شدّة، وشدّ معه أصحابه. فضرب أهل الشام حتى انتهى إلى عسكرهم. ثم قاتلوه عند العسكر قتالا شديدا، فقتل صاحب رايته، ولاح له الظفر بما اضطرب من صفوف [٨] معاوية. ونظر علىّ، فرأى الظفر من قبله، فأخذ يمدّه بالرجال.
فالتفت معاوية إلى عمرو بن العاص، فقال:
- «أما ترى أهل العراق قد استعلوا؟» فقال عمرو: «هذا الهلاك. فهلمّ حيلة.» قال: «قل، ما عندك.»
ذكر مكيدة عمرو بن العاص
قال: «قد رأيت أمرا إن قبلته لا يزيدنا إلّا اجتماعا، ولا يزيدهم إلّا فرقة.» قال: «نعم.» قال: «نرفع المصاحف على الرماح، ثم نقول: ما فيها حكم بيننا وبينكم. فإن أبى بعضهم إلّا القتال، وجدت فيهم من يقول: لا نقاتل حتى ننظر ما يحكم القرآن.
فتقع بينهم الفرقة، فإن قالوا بأجمعهم: نقبل حكم القرآن، رفعنا هذه الحرب، ودافعناها [١] إلى أجل وحين.» فرفعوا المصاحف بالرماح، وقالوا:
- «عباد الله! هذا كتاب الله بيننا وبينكم، من لثغور الشام بعد أهل الشام، من لثغور العراق بعد أهل العراق؟»
стр. 527
فلما رأى الناس المصاحف، وسمعوا هذا الكلام، رقّت قلوبهم، وقد كان مسّهم النصب والملال. فقالوا:
- «نجيب إلى كتاب الله.» فلما رأى علىّ الفتور في أصحابه بعد الجدّ، صاح بهم:
- «عباد الله، امضوا على حقّكم، وصدقكم، وقتال عدوّكم. فإنّه معاوية، [٩] وعمرو بن العاص، وابن أبى سرح، والضحّاك بن قيس، ليسوا بأصحاب دين وقرآن. أنا أعرف بهم منكم، وصحبتهم أطفالا ورجالا. ويحكم! والله [١] ، إنهم ما رفعوا المصاحف. إنهم لا يعرفونها، ولا يعلمون ما فيها، وما رفعوها إلّا خديعة ومكيدة حين علوتموهم.» فقالوا:
- «ما يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله، فنأبى أن نقبله.» فقال لهم علىّ:
- «ويحكم! فإنّى إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم الله، ويعملوا بالقرآن، فإنّهم قد عصوا الله في ما أمرهم، ونبذوا كتابه، ونسوا عهده.»
القرّاء يهدّدون عليّا ويطالبون ترك القتال
فقال له مسعر بن فدكي [٢] ، وزيد بن حصن الطائي، ثم السّنبسىّ [٣] في عصابة معهما من القرّاء الذين صاروا خوارج بعد ذلك:
- «يا علىّ، أجب إلى كتاب الله إذا دعيت إليه، وإلّا دفعناك برمّتك إلى القوم، أو نفعل بك ما فعلنا بابن عفّان. والله، لتفعلنّها، أو لنفعلنّها بك.»
стр. 528
قال: «فاحفظوا عنّى مقالي، فإنّى آمركم بالقتال، وإن تعصوني، فافعلوا ما بدا لكم.» قالوا له: «فابعث إلى الأشتر! إمّا لا [١] ، فليأتك.» فأمسك علىّ. فنزل قوم فأحدقوا به.
فبعث إلى الأشتر يزيد بن هانئ السبيعي: أن ائتني. [١٠] فذهب، فأبلغه.
فقال: «ائته، فقل له: ليس هذه، الساعة، التي ينبغي أن تزيلني فيها عن موقفي.
إنّى قد رجوت أن يفتح الله لى، فلا تعجلني.» قال:
فرجع يزيد بن هانئ إلى علىّ، فأخبره. فما هو إلّا أن انتهى إلينا، فارتفع الرهج [٢] ، وعلت الأصوات من قبل الأشتر.
فقال له القوم: «والله ما نراك إلّا أمرته أن يقاتل.» فقال علىّ: «من أين ينبغي أن تروا ذلك؟ رأيتمونى ساررته؟ أليس إنّما كلّمته على رؤوسكم علانية وأنتم تسمعون؟» قالوا: «فابعث إليه بعزيمتك فليأتك، وإلّا- والله- اعتزلناك.» قال: «ويحك يا يزيد! عد إليه فقل له: أقبل [٣] إلينا، فإنّ الفتنة قد وقعت.» فأتاه، فقال له ذلك. فقال الأشتر:
- «ألرفع المصاحف؟» قال: «نعم، أما الله، لقد ظننت حين رفعت، أنها ستوقع اختلافا وفرقة. إنّها مشورة ابن العاهرة. ألا ترى أنّ الفتح قد وقع؟ ألا ترى إلى ما صنع الله لنا؟ أينبغى أن أدع هؤلاء وأنصرف عنهم؟»
стр. 529
قال يزيد بن هانئ: «أتحبّ أنك قد ظهرت هاهنا وأمير المؤمنين يقتل بمكانه، أو يسلّم إلى عدوّه؟» فقال: «لا والله، سبحان الله!» [١١] قال: «فإنّهم قد قالوا: لترسلنّ إلى الأشتر، فليأتك، أو لنقتلنّك كما قتلنا ابن عفّان.»
مالك يضع القتال ويقبل، بعد أن رأى النصر
فأقبل معى الأشتر حتى انتهى إليهم، فقال:
- «يا أهل العراق، يا أهل الذلّ والوهن! أحين علوتم القوم ظفرا، وظنّوا أنّكم [١] لهم قاهرون، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها؟ وقد- والله- تركوا ما أمر الله به فيها، وسنّه من أنزلت عليه، فلا تجيبوهم، يا قوم، أمهلونى عدو الفرس، فإنّى قد رأيت النصر.» قالوا: «إذا ندخل معك في خطيئتك.» قال: «فحدّثونى عنكم، وقد قتل أماثلكم، وبقي أراذلكم، متى كنتم محقّين؟:
أحين كنتم تقاتلون وخياركم يقتلون؟ فأنتم الآن إذا أمسكتم عن القتال مبطلون، أم الآن أنتم محقّون؟ فقتلاكم الذين لا تنكرون فضلهم وكانوا خيرا منكم، في النار إذا!» قالوا: «دعنا منك يا أشتر، قاتلناهم في الله، وندع قتالهم لله. إنّا لسنا مطيعيك ولا صاحبك [٢] ، فاجتنبنا.» فقال: «خدعتم والله، وانخدعتم، ودعيتم إلى وضع الحرب بعد أن غلبتم، فأجبتم. يا أصحاب الجباه السود، كنّا نظنّ صلاتكم زهادة في الدنيا، وشوقا إلى
стр. 530
لقاء الله! فلا أرى فراركم إلّا إلى الدنيا من الموت. ألا [١٢] قبحا [١] لكم. يا أشباه النيب [٢] الجلّالة! ما أنتم برائين بعدها عزّا أبدا. فابعدوا كما بعد القوم الظالمون.» فسبّوه، وسبّهم، وضربوا وجه دابته بسياطهم، وأقبل يضرب وجوه دوابهم بسوطه، وصاح بهم علىّ، فكفّوا [٣] .
قبول الناس التحكيم، واستعلام معاوية
وتنادى الناس:
- «قد قبلنا أن نجعل القرآن بيننا وبين هؤلاء القوم حكما.» فجاء الأشعث بن قيس إلى علىّ وقال:
- «ما أرى الناس إلّا قد رضوا، وسرّهم أن تجيبوا القوم إلى ما دعوهم إليه من حكم القرآن. فإن شئت أتيت معاوية فاستعلمته ما يريد، فنظرت فيه.» قال: «ائته إن شئت، فسله.» فأتاه وقال: «يا معاوية، لأىّ شيء رفعتم المصاحف؟» قال: «لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله فيها، تبعثون منكم رجلا ترضون به، ونبعث منّا رجلا نرضى به، نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدوانه، ثم نتبع جميعا ما اتفقا عليه.» فقال له الأشعث: «هذا الحقّ.» ثم انصرف إلى علىّ بما قال معاوية.
فقال الناس: «قد رضينا وقبلنا.»
стр. 531
قال أهل الشام:
- «فإنّا قد اخترنا عمرو بن العاص.» وقال الأشعث وأولئك القوم الذين صاروا خوارج [١٣] بعد:
- «فإنّا قد رضينا بأبى موسى الأشعرى.»
علىّ لا يرضى بأبى موسى والناس يأبون إلّا إيّاه
قال علىّ: «فإنكم قد عصيتموني في أول الأمر، فلا تعصوني الآن. إنّى لا أرى أن أولّى أبا موسى.» قال الأشعث وزيد بن حصن الطائي ومسعر بن فدكي [١] :
- «لا نرضى إلّا به، فإنّه قد كان يحذّرنا ما وقعنا فيه.» قال علىّ: «فإنه ليس لى بثقة، قد فارقنى، وخذّل الناس عنّى، ثم هرب منّى حتى آمنته بعد أشهر، ولكن هذا ابن عباس، أولّيه ذلك.» قالوا: «والله ما نبالى: أنت كنت، أم ابن عباس. ما نريد إلّا رجلا هو منك ومن معاوية سواء.» قال علىّ: «فإنّى أجعله الأشتر.» فقال الأشعث: «وهل سعّر الأرض غير الأشتر، وهل نحن إلّا في حكم الأشتر؟» قال علىّ: «وما حكمه؟» قال: «أن يضرب بعضنا بعضا بالسيوف حتى يكون ما أردت.» قال: «فقد أبيتم إلّا أبا موسى.» قالوا: «نعم.»
стр. 532
قال: «فاصنعوا ما بدا لكم.» فبعثوا إليه وقد اعتزل القتال وهو يعرّض [١] . وأقبل الأشتر حتى جاء إلى علىّ فقال له:
- «ألزّنى [٢] بعمرو بن العاص، فوالله الذي لا إله إلّا هو، لئن ملأت عيني منه لأقتلنّه.» وجاء الأحنف بن قيس، فقال:
- «يا أمير المؤمنين، إنّك رميت بحجر الأرض، [١٤] وبمن حارب الله ورسوله أنف الإسلام، وهذا الرجل- يعنى أبا موسى- قد عجمته وحلبت [٣] أشطره، فوجدته كليل [٤] الشفرة [٥] ، قريب القعر، وإنه لا يصلح لهؤلاء القوم إلّا رجل يدنو منهم، حتى يصير في أكفّهم، ويبعد، حتى يصير بمنزلة النجم منهم، فإن أبيت أن تجعلني حكما، فاجعلني ثانيا، أو ثالثا، فإنّه لن يعتقد عقدة إلّا حللتها، ولن يحلّ عقدة إلّا عقدت لك أخرى أحكم منها.» فأبى الناس إلّا أبا موسى.
فقال الأحنف: «فإن أبيتم إلّا أبا موسى فادفئوا ظهره بالرجال.» ثم كتبوا: «هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين.» فقال عمرو: «اكتبوا اسمه واسم أبيه. هو أميركم، فأما أميرنا، فلا.»
стр. 533
ذكر رأى للأحنف
فقال الأحنف: «لا تمح اسم أمارة أمير المؤمنين، فإنّى أتخوّف إن محوتها، لا ترجع إليك، وإن قتل الناس بعضهم بعضا.» فأبى علىّ مليّا من النهار.
ثم إنّ أشعث بن قيس قال: «امح هذا الإسم، نزحه الله [١] .» فمحى، فقال علىّ:
- «الله أكبر، سنّة بسنّة، ومثل بمثل، والله، إنّى لكاتب رسول الله يوم الحديبيّة، إذ قالوا: لا نشهد لك [١٥] أنك رسول الله، فامح هذا، واكتب اسمك واسم أبيك.
فكتبه.» فقال عمرو بن العاص: «نشبّه بالكفار ونحن مؤمنون.» فقال له علىّ: «يا ابن النابغة، ومتى لم تكن للفاسقين وليّا، وللمسلمين عدوّا، وهل تشبه إلّا أمّا دفعت بك؟» فقام وقال: «لا يجمع بيني وبينك مجلس أبدا بعد هذا اليوم.» فقال علىّ: «وإنّى لأرجو أن يطهّر الله مجلسي منك ومن أشباهك.» فقال الأحنف:
- «أيها الرجل، إنّه ما لك ما كان لرسول الله، وإنّا- والله- ما حابيناك ببيعتنا، ولو علمنا أحدا من الناس أحقّ بهذا الأمر منك لبايعناه، ثم قاتلناك، وإنّى أقسم بالله، لئن محوت هذا الإسم عنك، والذي بايعك الناس عليه وقاتلتهم، لا يعود إليك أبدا.» قال الحسن البصرىّ:
стр. 534
وكان والله كما قال، وقلّ ما وزن رأيه برأى رجل إلّا رجح به.
مالك يأبى أن يخطّ اسمه في صحيفة التحكيم
وكتب الكتاب [١] ، وشهد فيه نفر من أصحاب علىّ ونفر من أصحاب معاوية.
ودعى له الأشتر، فقال:
- «لا صحبتني يميني، ولا نفعتني شمالي إن خطّ لى في هذه الصحيفة اسم على صلح، ولا موادعة. [١٦] أو لست على بيّنة من أمرى، ومن ضلال عدوّى؟
أولستم قد رأيتم الظفر، لو لم تجمعوا على الجور؟» فقال له الأشعث بن قيس:
- «إنك والله ما رأيت ظفرا، ولا جورا. هلمّ بك إلينا، فإنّه لا رغبة لك عنّا.» فقال: «بلى والله، الرغبة لى [٢] عنك في الدنيا للدنيا، وفي الآخرة للآخرة. ولقد سفك الله بيدي دماء رجال ما أنت عندي خير منهم، ولا أحرم دما.» قال عمارة:
فنظرت إلى ذلك الرجل، وكأنما قصع على أنفه الحمم- يعنى الأشعث.
ثم خرج الأشعث بالكتاب يقرأه على الناس ويعرضه عليهم، حتى مرّ به عروة بن أذيّه [٣]- وهو أخو بلال [٤]- فقرأه عليهم.
فقال عروة: «تحكمون في أمر الله الرجال؟ لا حكم إلّا لله.» وشدّ بسيفه، فضرب عجز دابته ضربة خفيفة، واندفعت الدابة. فصاح به أصحابه: أن املك يديك. فرجع، وغضب للأشعث أصحابه وقومه. فمشى إليه
стр. 535
الأحنف بن قيس، ومسعود بن فدكي [١] ، وخلق من بنى تميم، فتنصّلوا إليه واعتذروا. فقبل، وصفح.
ذكر خديعة أجازها معاوية على نفسه وتمّت له
[١٧] وكان أسر معاوية في أسارى كثيرين، رجلا من أود، يقال له: عمرو بن أوس، قاتل مع علىّ، فهمّ بقتل الجميع.
فقال له عمرو بن أوس: «إنّك خالي، فلا تقتلني.» وقامت بنو أود، فقالوا: «هب لنا أخانا.» فقال: «دعوه. لعمري، لئن كان صادقا، ليستغنينّ عن شفاعتكم، ولئن كان كاذبا لتأتينّ شفاعتكم من ورائه.» فقال له: «من أين صرت خالك، وما كان بيننا وبين أود مصاهرة؟» قال: «فإن أخبرتك [٢] ، فهو أمانى عندك؟» قال: «نعم.» قال: «ألست تعلم أنّ أمّ حبيبة بنت أبى سفيان زوج النبىّ- صلى الله عليه- أمّ المؤمنين؟» قال: «بلى.» قال: «فإنّى ابنها، وأنت أخوها، فأنت خالي.» قال معاوية: «ماله لله أبوه، أما كان في هؤلاء، من يفطن لها غيره؟» ثم قال للأوديّين:
- «استغنى عن شفاعتكم، فخلّوا سبيله» .
стр. 536
وتمّت لمعاوية، وخوطب: «خال المؤمنين.» وكان عمرو بن العاص أسر أيضا أسارى كثيرة، فراسله معاوية:
- «خلّ سبيل أسرائك، فلولا الأودىّ لوقعنا في قبيح من الأمور.» فما شعر الناس إلّا بأسرائهم قد خلّى سبيلهم.
ما قاله علىّ لأصحابه
فأما علىّ بن أبى طالب فإنّه قال لأصحابه:
- «لقد فعلتم فعلة ضعضعت قوة، وأسقطت [١٨] منّة [١] ، وأورثت وهنا وذلّة.
ولما كنتم الأعلين، وخاب عدوكم، ورأى الاجتياح، واستحرّ بهم القتل، ووجدوا ألم الجراح، رفعوا المصاحف، ودعوكم إلى ما فيها ليفتؤوكم عنها، ويقطعوا الحرب في ما بينكم وبينهم، ويتربّصوا ريب المنون، خديعة، ومكيدة، فأعطيتموهم ما سألوكموه، وأبيتم إلّا أن تدهنوا وتجوروا [٢] . وأيم الله، ما أظنّكم بعدها توافقون رشدا، ولا تصيبون باب حزم.» [٣]
ذكر حيلة للمغيرة بن شعبة ليعلم: أيجتمع الحكمان، أم يفترقان
كان الحكمان- وهما أبو موسى وعمرو بن العاص، اتفقا على أن يجتمعا
стр. 537
بأذرح [١] ويحضر وجوه أصحاب علىّ، ووجوه أصحاب معاوية، ويحضر علىّ ومعاوية في أربعمائة، ومدّة الأجل إلى أن يفصلا الحكم، ويرفعا ما رفع القرآن، وأن يختارا لأمّة محمد- صلى الله عليه- في ثمانية أشهر، أوّلها النصف من صفر، وآخرها انقضاء شهر رمضان.
فلما اجتمع الحكمان، وافاهم المغيرة بن شعبة في من حضر، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، في رجال كثير [١٩] ووافى معاوية في العدّة المذكورة، وأبى علىّ أن يوافى.
فقال المغيرة بن شعبة لرجال من ذوى الرأى من قريش:
- «هل ترون أحدا من الناس برأى يبتدعه، يستطيع أن يعلم: أيجتمع الحكمان، أم يفترقان؟» قالوا: «لا نرى أحدا يعلم ذلك.» قال: «فوالله، إنّى لأظنّ، [أنّى] [٢] سأعلمه منهما، [حين] [٣] أخلو بهما، وأراجعهما.» فدخل على عمرو بن العاص، وبدأ فقال:
- «يا أبا عبد الله، أخبرنى عما أسألك عنه: كيف ترانا معشر المعتزلة؟ فإنّا قد شككنا في الأمر الذي تبيّن لكم من هذا القتال، ورأينا أن نستأنى ونثبّت، حتى تجتمع الأمة.» قال: «أراكم معشر المعتزلة خلف الأبرار، وأمام الفجار في سخط الله.» فانصرف المغيرة، ولم يسأله عن غير ذلك. حتى دخل على أبى موسى، فقال له مثل ما قال لعمرو.
стр. 538
فقال أبو موسى: «أراكم أثبت الناس رأيا، فيكم بقية [١] المسلمين.» فانصرف المغيرة، ولم يسأله عن غير ذلك. فلقى الذين قال لهم ما قال، من ذوى الرأى من قريش، فقال:
- «لا يجتمع هذان أبدا على أمر واحد.» فلما اجتمع الحكمان وتكلّما [٢٠] قال عمرو بن العاص:
- «يا با موسى [٢] ، أرأيت أول ما تقضى به من الحقّ أن تقضى لأهل الوفاء بوفائهم، وعلى أهل الغدر بغدرهم.» قال أبو موسى: «وما ذاك؟» قال عمرو: «ألست تعلم أنّ معاوية وفي، وقدم للموعد الذي واعدناه؟» قال: «نعم.» قال: «أكتبها.» فكتبها أبو موسى.
ذكر الخديعة التي خدع بها عمرو أبا موسى
قال عمرو:
- «يا با موسى، أنت على أن تسمّى رجلا يلي أمر هذه الأمة، فسمّ لى، فإنّى أقدر أن أتابعك، منك، على أن تتابعني. [٣] » قال أبو موسى:
- «أسمّى لك عبد الله بن عمر.» وكان ابن عمر في من اعتزله.
стр. 539
فقال عمرو:
- «فأنا أسمّى لك معاوية بن أبى سفيان.» [١]
رواية أخرى في ذلك
وفي رواية أخرى: أنّ عمرا قال لأبى موسى:
- «ألست تعلم أنّ عثمان قتل مظلوما؟» قال: «أشهد.» قال: «ألست تعلم أنّ معاوية ولىّ دم عثمان؟» فقال: «بلى.» قال: «فإنّ الله قال: ومن قتل مظلوما، فقد جعلنا لوليّه سلطانا.» [٢] فما يمنعك من معاوية ولىّ دم عثمان، وهو من عرفت بيته في قريش، وهو الحسن السياسة، الصحيح التدبير، وهو أخو أمّ حبيبة، أمّ المؤمنين، وهو أحد الصحابة وكاتب الوحى.» فقال له أبو موسى: «أما ذكرت من شرفه وبيته، فإنّ [٢١] هذا الأمر ليس بالشرف يولّاه أهله، ولو كان بالشرف، كان لآل أبرهة بن الصباح، إنما هو لأجل الدين والفضل.»
стр. 540
قال: «فاخلع صاحبك، حتى أخلع صاحبي، ثم نتّفق.» فاجتمعا على ذلك، وخرجا إلى الناس، وقالا:
- قد اتّفقنا.
فقال أبو موسى لعمرو: «تقدّم، فاخلع صاحبك بحضرة الناس.» فقال عمرو: «سبحان الله! أتقدّم عليك وأنت في موضعك وسنّك وفضلك؟
تقدّم أنت.» فقدّمه، فقال أبو موسى:
- «إنّا- والله، أيها الناس- قد اجتهدنا رأينا، ولم نأل [١] الإسلام وأهله خيرا، ولم نر أصلح لهذه الأمة من خلع هذين الرجلين، وقد خلعت عليّا ومعاوية كخلع خاتمي هذا.» فقام عمرو، فقال:
- «لكنّى خلعت صاحبه عليّا كما خلع، وأثبتّ معاوية.» فلم يبرحا حتى استبّا.
ذكر من خالف علىّ بن أبى طالب في رأيه، وأشار بالحرب عليه، وما كان من جوابه واعتذاره
لما انصرف علىّ بن أبى طالب من صفّين، كثر خوض الناس، وخالفه القوم الذين صاروا خوارج، وكانوا طول طريقهم يتدافعون، ويتضاربون بالسياط. فلما صاروا إلى النّخيلة [٢] ورأوا سور الكوفة لقيه عبد الله بن وديعة الأنصارى، ودنا منه، وسلّم عليه، وسايره، [٢٢] فقال له:
- «ما سمعت الناس يقولون في أمرنا؟»
стр. 541
قال:
- «منهم المعجب به، ومنهم الكاره له، كما قال الله : ولا يزالون مختلفين، إلّا من رحم ربّك. [١] » فقال له: «فما قول ذى الرأى فيه.» فقال: «أما قول ذى الرأى فيه، فيقولون: إنّ عليّا كان له جمع عظيم ففرّقه، وكان له حصن حصين فهدمه. فحتى متى يبنى ما هدم، وحتى متى يجمع ما فرّق. فلو كان مضى بمن أطاعه إذ عصاه من عصاه، فقاتل حتى يظهر، أو يهلك، كان ذلك الحزم.» فقال علىّ:
- «أنا هدمت أم هدموا، أنا فرّقت أم فرّقوا؟ أما قولهم: إنّه لو كان مضى بمن أطاعه إذا عصاه من عصاه، فقاتل حتى يظهر، أو يهلك كان ذلك الحزم، فوالله ما غبي [٢] ذلك علىّ، وإنّى كنت سخيّا بنفسي عن الدنيا طيّب النفس بالموت. ولقد هممت بالإقدام على القوم، فنظرت إلى هذين قد ابتدرانى- يعنى الحسن والحسين- ونظرت إلى هذين قد استقدماني- يعنى محمد بن علىّ وعبد الله بن جعفر- فعلمت أنه إن هلكا انقطع نسل محمد، فكرهت ذلك، وأشفقت على هذين أن يهلكا. وأيم الله، لئن لقيتهم بعد يومى هذا [٢٣] لألقينّهم [٣] وليس معى أحد منهم.»
стр. 542
بكاء النساء على القتلى وما قاله علىّ لابن شرحبيل
ثم مضى غير بعيد، فمرّ بالشباميّين [١] ، فسمع رجّة شديدة وبكاءا كثيرا، فوقف، فخرج إليه حرب بن شرحبيل الشبامي، فقال له علىّ:
- «أيغلبكم [٢] نساؤكم؟ ألا تنهنهونهنّ عن هذا الرنين؟» فقال: «يا أمير المؤمنين، لو كانت دارا أو دارين، قدرنا على ذلك، ولكنّه قتل من هذا الحىّ مائة وثمانون قتيلا، ليس دار إلّا فيها بكاء. فأما نحن معاشر الرجال، فإنّا لا نبكي، ولكننا نفرح، أمّا نفرح بالشهادة.» فقال: «رحم الله قتلاكم وموتاكم» .
فأقبل يمشى معه وعلىّ راكب. فوقف وقال له:
- «إرجع، فإنّ مشى مثلك معى فتنة للوالي، ومذلّة للمؤمن.»
مروره بالناعطيّين، وما قاله فيهم
ثم مضى، حتى مرّ بالناعطيّين، فسمع رجلا منهم يقال له: عبد الرحمان بن مزيد، يقول لآخر:
- «والله ما صنع علىّ شيئا: ذهب، ثم انصرف في غير شيء.» فلما نظروا إلى علىّ أبلسوا [٣] ، فقال: «وجوه ما رأوا الشام.» ثم أقبل على أصحابه، فقال:
- «قوم فارقناهم آنفا، خير من هؤلاء.»
стр. 543
ثم أنشد:
أخوك الذي إن أجرضتك [١] ملمّة ... من الدهر، لم يبرح لبثّك واجما [٢]
وليس أخوك بالذي إن تشعّبت ... عليك أمور ظلّ يلحاك دائما [٣]
[٢٤] ثم مضى، فلم يزل يذكر الله، حتى دخل القصر.
تشاتم القوم واضطرابهم بالسياط
ثم إنّ القوم الذين كانوا معه يتشاتمون طول طريقهم، ويضطربون بالسياط، ويقول بعضهم لبعض:
- «أدهنتم في أمر الله، وحكّمتم.» ويقول قوم:
- «فرّقتم جماعتنا، وفارقتم إمامنا.»
مفارقة الخوارج عليّا نزولهم بحرورى وعدم دخولهم الكوفة مع علىّ
لم يدخلوا معه الكوفة حتى أتوا حروري [٤] ، فنزل بها منهم اثنا عشر ألفا.
стр. 544
فنادى مناديهم:
- «إنّ أمير القتال شبث بن ربعي، وأمير الصلاة عبد الله بن الكوّاء، والأمر شورى بعد الفتح، والبيعة لله، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.»
ما دار بين شيعة علىّ والخوارج عند دخوله الكوفة
ولما دخل علىّ الكوفة، وفارقته الخوارج، وثبت إليه شيعته وقالوا:
- «في أعناقنا لك بيعة ثانية. نحن أولياء من واليت، وأعداء من عاديت.» فقال بقيّة الخوارج:
- «استبقتم أنتم وأهل الشام في الكفر، كفرسي رهان، بايع أهل الشام معاوية على ما أحبّوا وكرهوا، وبايعتم عليّا [على] [١] أنكم أولياء من والى، وأعداء من عادى.» فقال لهم زياد بن النضر [٢] :
- «والله يا قوم، ما بسط علىّ يده فبايعناه قطّ، إلّا على كتاب الله وسنّة نبيّه، ولكنّكم لما خالفتموه جاءته شيعته، فقالوا: نحن أولياء من واليت، [٢٥] وأعداء من عاديت. ونحن كذلك، وهو هاد، ومن خالفه ضالّ.»
ذكر احتجاج الخوارج مع علىّ ﵇
أتى علىّ بن أبى طالب رجلان من الخوارج: زرعة بن البرج الطائي [٣] وحرقوص بن زهير السعدي، فدخلا عليه، فقالا له:
стр. 545
- «لا حكم إلّا لله.» فقال علىّ: «لا حكم إلّا لله.» فقال حرقوص: «فتب من خطيئتك، وارجع عن قضيّتك، واخرج بنا إلى عدوّنا نقاتلهم، حتى نلقى ربنا.» فقال علىّ: «قد أردتكم على ذلك فعصيتموني. وقد كتبنا بيننا وبين القوم كتابا وشروطا، وأعطينا عليها عهودنا ومواثيقنا، وقد قال الله تعالى: وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتهم، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها، وقد جعلتم الله عليكم كفيلا، إنّ الله يعلم ما تفعلون» [١] فقال له حرقوص: «ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه.» فقال علىّ: «ما هو ذنب، ولكنّه عجز من الرأى، وضعف في العقل، وقد تقدّمت فنهيتكم عنه.» فقال له زرعة: «أما والله، يا علىّ، لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله، لأقاتلنّك.» فقال علىّ: «يوسى [٢] لك، ما أشقاك [٢٥] كأنّى بك قتيلا تسفى عليك الريح.» قال: «وددت أن قد كان ذاك.» فخرجا من عنده يحكّمان.
صياح أثناء خطبته
ثم إنّ عليّا خطب ذات يوم. فإنّه لفي خطبته، إذ صاح صائح من جانب المسجد:
- «يا علىّ، لا حكم إلّا لله.»
стр. 546
فقال علىّ: «الله أكبر، كلمة حقّ يراد بها باطل. إن سكتوا غممناهم [١] ، وإن تكلّموا حججناهم، وإن خرجوا علينا قاتلناهم.» فوثب يزيد بن عاصم المحاربي، فقال:
- «الحمد لله، اللهمّ إنّا نعوذ بك من إعطاء الدنيّة في ديننا. يا علىّ، أبالقتل تخوّفنا؟ أما والله، إنّى لأرجو أن نضربكم بها عما قليل، غير مصفّحات، ثم لنعلم أيّنا أولى بها صليّا. [٢] » فقال علىّ:
- «أما إنّ لكم عندنا ثلاثا ما صحبتمونا لا نمنعكم:» «لا نمنعكم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه.» «ولا نمنعكم الفيء، ما دامت أيديكم فيه مع أيدينا.» «ولا نقاتلكم حتى تبدأونا.» ثم رجع إلى مكانه الذي كان فيه من خطبته.
وخرج الرجلان يحكّمان، واجتمع معهم قوم. فبعث علىّ عبد الله بن العباس، وقال له:
- «لا تعجل إلى جوابهم حتى آتيك.»
ذكر ما جرى بينهم من الجدال ورجوعهم مع علىّ وهذه الدفعة الأولى من خروجهم
[٢٧] فخرج ابن عباس إليهم، فأقبلوا يكلّمونه. فلم يصبر حتى راجعهم، فقال:
- «ما الذي نقمتم من الحكمين؟ وقد قال الله : فابعثوا حكما من أهله
стр. 547
وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفّق الله بينهما [١] ، فكيف بأمّه محمد، صلّى الله عليه؟» فقالت الخوارج: «أمّا ما جعل حكمه إلى الناس وأمرهم بالنظر فيه والإصلاح له، فهو إليكم كما أمر به، وأمّا ما حكم فأمضاه، فليس للعباد أن ينظروا فيه، حكم في الزاني مائة جلدة، وفي السارق بقطع يده، وليس لأمثال هذا أن ينظر فيه مخلوق.» قال ابن عباس: «فإنّ الله يقول: يحكم به ذوا عدل منكم. [٢] » فقالوا له: «أو تجعل الحكم في الصيد والحدث يكون بين المرأة وزوجها، كالحكم في دماء المسلمين؟» وقالت الخوارج: «قلنا له، فهذه الآية بيننا وبينك. أعدل عندك ابن العاص، وهو يقاتلنا، ويسفك دماءنا؟ فإن كان عدلا فلسنا عدلا، وقد حكّمتم في أمر الله الرجال، وقد أمضى الله حكمه في معاوية وحزبه أن يقتلوا. ثم كتبتم بينكم وبينهم كتابا جعلتم نيّتكم الموادعة والاستفاضة، وقد قطع الله تعالى الاستفاضة [٢٨] والموادعة بين المسلمين وأهل الحرب، إلّا من أقرّ بالجزية.» ثم خرج علىّ حتى انتهى إليهم وهم يخاصمون ابن عباس، فقال:
- «انته عن كلامهم! ألم أنهك- رحمك الله؟» ثم تكلّم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
- «اللهمّ، إنّ هذا مقام، من فلج [٣] فيه، كان أولى بالفلج [٤] يوم القيامة، ومن
стр. 548
نطف [١] فيه، أو وعث [٢] ، فهو في الآخرة أعمى وأضلّ سبيلا [٣] .» ثم قال: «من زعيمكم؟» قالوا: «ابن الكوّاء.» قال علىّ: «فمن أخرجكم علينا.» قالوا: «حكومتكم يوم صفّين.» قال: «أنشدكم الله، هل تعلمون أنهم حيث رفعوا المصاحف، فقلتم: نجيبكم [٤] إلى كتاب الله، قلت لكم: إنى أعلم بالقوم منكم، إنّهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، صحبتهم وعرفتهم أطفالا ورجالا. امضوا على حقكم وصدقكم. فلما رفع القوم لكم المصاحف خديعة ودهنا [٥] ومكيدة، فرددتم علىّ رأيى وقلتم: لا بل نقبل منهم، فقلت لكم: اذكروا قولي ومعصيتكم إيّاى. فلما أبيتم إلّا الكتاب اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيى القرآن، وأن يميتا ما أمات القرآن. فإن حكما حكم القرآن [٢٩] فليس لنا أن نخالف حكمه، وإن أبينا، فنحن [٦] منه برءاء» .
فقالوا له: «فخبّرنا: أتراه [٧] عدلا تحكيم الرجال في الدماء؟» فقال: «إنّا لسنا الرجال حكّمنا، إنّما حكّمنا القرآن، وهذا القرآن إنّما هو خطّ مسطور بين دفّتين لا ينطق، إنما يتكلّم به الرجال.» قالوا: «فخبّرنا عن الأجل: لم جعلته في ما بينك وبينهم؟»
стр. 549
قال: «ليعلم الجاهل، ويثبت العالم. ولعلّ الله يصلح في هذه المدة هذه الأمة، ادخلوا مصركم، رحمكم الله.» فدخل القوم من عند آخرهم.
ابتداء يوم النهر
ثم اجتمعوا بالكوفة، وتذكروا أمرهم، وكاتبوا إخوانهم بالبصرة، وتواعدوا ليوم يخرجون فيه إلى المدائن، ومنها إلى النهر. ففعلوا ذلك، واستعرضوا الناس، وقتلوا عبد الله بن خبّاب بن الأرتّ [١] ، وبلغ ذلك عليّا، فسار إليهم. ثم لما اجتمعوا كلّمهم واستعطفهم. فأبوا إلّا قتاله، وجرت بينهم مخاطبات تركت ذكرها.
ثم تنادوا أن:
- «دعوا مخاطبة علىّ وأصحابه، وبادروا إلى الجنة.» فصاحوا:
- «الرواح الرواح إلى الجنة!»
علىّ يعبّئ ويرفع راية أمان
فعبّى علىّ- ﵇ أصحابه، ورفع راية أمان مع أبى أيوب [٣٠] الأنصارى، فناداهم أبو أيوب فقال:
- «من جاء هذه الراية منكم، ممن لا يقتل ولا يستعرض، فهو آمن، ومن انصرف منكم إلى الكوفة، أو المدائن، وخرج من هذه الجماعة، فهو آمن. إنه لا
стр. 550
حاجة لنا- بعد أن نصيب قتلة إخواننا منكم- في سفك دمائكم.» فقال فروة بن نوفل الأشجعى:
- «والله ما أدرى: على أىّ شيء، أقاتل علىّ بن أبى طالب.» فانصرف في خمسمائة فارس. وخرج إلى علىّ منهم نحو ذلك. وكانوا أربعة آلاف، ورئيسهم عبد الله بن وهب الراسبي.
وكان علىّ قدّم الخيل دون الرجال، وصفّ الناس وراء الخيل صفّين، وصفّ المرامية أمام الصفّ الأول، وقال لأصحابه:
- «كفّوا عنهم حتى يبدءوكم، فإنّهم لو قد شدّوا عليكم وخلفهم رجال [١] ، لم ينتهوا إليكم إلّا لاغبين [٢] ، وأنتم له قارّون حامّون [٣] .» فأقبل الخوارج وهم يتنادون:
- «الرواح الرواح إلى الجنّة.» وشدّوا، فلم تثبت خيل علىّ لشدّتهم، وافترقت الخيل فرقتين: فرقة نحو الميمنة، وفرقة نحو الميسرة. وأقبلوا نحو الرجال، فاستقبلت المرامية [٣١] وجوههم بالنبل، وعطفت عليهم الخيل من الميمنة والميسرة، ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف، فما لبّثوهم أن أناموهم عن آخرهم.
قال حكيم بن سعد:
ما هو إلّا أن لقينا أهل النهر، فما لبّثناهم، كأنّما قيل لهم: موتوا! فماتوا.
ولم يقتل من أصحاب علىّ إلّا سبعة، واستخرج ذو الثديّة، على الحكاية المعروفة، وخبره مشهور. وانصرف علىّ إلى معكسره بالنخيلة من ظاهر الكوفة، وأمر الناس أن يسيروا على تعبئتهم إلى الشام.
стр. 551
استبدال الشام بالنهر
وقد كان علىّ همّ بالخروج إلى الشام قبل. فلما عظمت الشوكة من الخوارج، وأخذوا في الاستعراض، وقتلوا الصالحين، قال الناس:
- «يا أمير المؤمنين، علام تخلّف هؤلاء المارقة وراءنا، يخلفوننا في أبنائنا ونساءنا بالقتل، فنبدأ بهم.
ولما انصرف إلى معسكره بالنخيلة، أمرهم أن يوطّنوا أنفسهم على الجهاد، وأن يسيروا إلى عدوهم. فتسلّلوا من معسكرهم، فدخلوا إلّا رجالا قليلا من وجوه الناس، وترك المعسكر.
فلما رأى ذلك علىّ، دخل الكوفة، وانكسر عليه [٣٢] رأيه في المسير، وذلك في سنة ثمان وثلاثين.
ثم جرت بين علىّ وأصحابه خطوب ومخاطبات يستنهضهم ويأبون [١] ، ويخطب فيهم ويستمدّهم، ويستدعى نصرهم، ويستبطئهم، فيتثاقلون، وخطبه مشهورة معروفة.
إلى أن طمع معاوية في العراق، وبثّ دعاته سرّا وجهرا إلى البصرة يطلب دم عثمان، وسرّب خيله في أطراف علىّ- ﵇ فأنفذ النعمان بن بشير في ألفى رجل إلى عين التمر، وبها مالك بن كعب في ألف رجل من قبل علىّ. فلما سمع القوم به، تسلّلوا إلى الكوفة حتى بقي مالك في مائة رجل، وكتب إلى علىّ يخبره، واستمدّه.
فخطب علىّ، وأمرهم بالخروج، فتثاقلوا. فواقعهم مالك في من تبعه، وأمر أصحابه أن يجعلوا حيطان المدينة في ظهورهم ويقاتلوا. وكتب إلى محنف بن
стр. 552
سليم أن يمدّه وهو قريب منه وقاتلهم ابن كعب في العصابة التي معه أشدّ قتال يكون.
اتفاق جيّد وقع لمالك حتى هزم النعمان ومن معه
[٣٣] ووجّه محنف ابنه إليه، عبد الرحمان [١] ، في خمسين رجلا. فانتهوا إلى مالك وأصحابه وقد كسروا جفون سيوفهم واستقتلوا. فلما رءاهم أهل الشام، وذلك عند المساء، ظنّوا أنّ لهم مددا، فانهزموا، واتبعهم مالك، فقتل منهم ثلاثة نفر، ومضوا على وجوههم. فأما غيره من سرايا معاوية، فإنّهم كانوا يظفرون ويقتلون ويغنمون وينصرفون.
وأما من حصل من قبل بالبصرة لأجل التضريب بين الناس، فإنّه بلغ ما أراد، ووقعت الفتنة والعصبية، فطمع أهل فارس، وكرمان في عمّال علىّ، فغلب أهل كلّ ناحية على ما يليهم، فأخرجوا عمّالهم.
فاستشار علىّ أصحابه في من يضبط به فارس وكرمان. فقال ابن عباس:
- «أدلّك على رجل صليب الرأى عالم بالسياسة، كاف، ولىّ.» قال: «من هو؟» قال: «زياد.» قال: «هو لها.» فتوجّه ابن عباس إلى عمله بالبصرة. وكان زياد يخلفه بها. فضمّ إليه أربعة آلاف رجل، وولّى فارس، فدوّخها حتى استقاموا. [٣٤]
стр. 553
ذكر سياسة زياد لهذا الوجه
حدّث قوم من أهل فارس قالوا:
ورد زياد نواحي فارس، وهي تضطرم. فلم يزل يبعث إلى رؤسائها، يعد من نصره ويمنّيه، ويخوّف من خالفه ويوعده، ويضرّب بعضهم ببعض، ويدارى من يرى مداراته، حتى دلّ بعضهم على عورة بعض، وهربت طائفة، وأقامت طائفة، يقتل بعضها بعضا، حتى صفت له فارس، فلم يلق فيها جمعا، ولا حربا، ولم يقف موقفا واحدا للقتال. وفعل مثل ذلك بكرمان حتى صفت أيضا له.
فقال الناس:
- «ما رأينا سيرة أشبه بسيرة كسرى أنوشروان، من سيرة هذا العربىّ، في اللين، والمداراة، والعلم بما يأتى.»
دخول بسر بن أرطاة المدينة ومكة وهروب عمّال علىّ
ثم كثرت غارات معاوية على أطراف علىّ، ووجّه بسر بن أرطاة إلى الحجاز.
فدخل المدينة ومكة، وهرب عمال علىّ، وقتل شيعة علىّ. ومضى نحو اليمن، وكان على [٣٥] اليمن عبيد الله بن العباس، فهرب إلى الكوفة، واستخلف عبد الله بن عبد المدان، فأتاه بسر [١] ، فقتله، ولحق ثقل [٢] عبد الله وفيه ابنان له صغيران، فقتلهما، وبلغ ذلك عليّا، فوجّه جارية بن قدامة في ألفين، ووهب بن مسعود في ألفين.
стр. 554
فسار جارية حتى أتى نجران، وقتل خلقا من شيعة عثمان، وهرب بسر منه، وتبعه حتى دخل مكة والمدينة، وأرجف الناس بموت علىّ. فأخذ الناس ببيعة الحسن بن علىّ، فأبوا، ثم خافوه، فبايعوه، فأقام [١] مدة، ثم انصرف إلى الكوفة.
العراق لعلىّ، والشام لمعاوية
ثم جرت مكاتبات كثيرة بين علىّ- ﵇ وبين معاوية، استقرّ آخرها على وضع الحرب بينهما، ويكون لعلىّ العراق، ولمعاوية الشام، لا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش، [ولا غارة] [٢] ولا غزوة، وأن يضعا السيف، ولا يريقا دماء المسلمين، فتراضيا على ذلك.
تحالف الخوارج لقتل علىّ، ومعاوية، وعمرو بن العاص
واجتمع بعد ذلك نفر ممن يرى رأى الخوارج، فتذاكروا أصحاب النهر، وترحّموا عليهم، وعابوا ولاتهم، وقالوا:
- «ما نصنع بالبقاء بعدهم؟ فلو قتلنا أئمة الضلال، لرجونا الأجر والثواب.» فتحالف عبد الرحمان بن ملجم، والبرك بن عبد الله، [٣٦] وعمرو بن بكر التميمي أن يأتى كلّ واحد منهم واحدا من الأئمة الثلاثة يعنون: عليّا، ومعاوية، وعمرو بن العاص، فيغتالونهم.
فأمّا ابن ملجم فقال: «أنا أكفيكم علىّ بن أبى طالب.» وكان من أهل مصر.
وقال البرك بن عبد الله: «أنا أكفيكم معاوية.» وقال عمرو بن بكر: «أنا أكفيكم عمرو بن العاص.»
стр. 555
فتعاهدوا، وتواثقوا، وأخذوا أسيافهم وسمّوها، واتّعدوا لسبع عشرة من شهر رمضان، أن يثب كلّ واحد منهم على صاحبه الذي توجّه له.
ما جرى بين ابن ملجم وقطام في الكوفة وتعاونهما على قتل علىّ
فأما ابن ملجم، فإنّه دخل الكوفة، ورأى امرأة يقال لها: قطام، وكان علىّ قتل أباها وأخاها يوم النهر، وكانت فائقة الجمال، فالتبست بعقله، ونسى حاجته التي جاء لها، فخطبها، فقالت [١] :
- «لا أتزوّجك حتى تشترط إلىّ.» فقال: «ما شرطك؟» قالت: «ثلاثة آلاف، وعبد، وقينة [٢] ، وقتل علىّ!» قال: «هو لك، وو الله ما وردت إلّا لقتل علىّ.» قالت: «فأنا ألتمس لك من يساعدك على أمرك.» فطلبت له رجلا من قومها، والتمس عبد الرحمان آخر، فصاروا ثلاثة، وأخذوا أسيافهم في الليلة [٣٧] التي واعد عبد الرحمان بن ملجم أصحابه، وجلسوا مقابلي السدّة التي يخرج منها علىّ للصلاة.
فلما خرج، ضربه ابن ملجم، وأقرنه [٣] ، وهرب، وتصايح الناس، فأخذ ابن ملجم، وحمل إلى علىّ.
فلما رءاه، قال: «أى عدوّ الله! ألم أحسن إليك؟»
стр. 556
قال: «بلى.» قال: «فما حملك على هذا؟» قال: «شحذته أربعين صباحا، فسألت الله أن يقتل به شرّ خلقه.» فقال علىّ:
- «لا أراك إلّا مقتولا به [١] ، ولا أراك إلّا شرّ خلق الله.» ثم مات علىّ بن أبى طالب- ﵇ وذلك في شهر [٢] رمضان سنة أربعين.
قتل ابن ملجم وحرقه
وأحضر الحسن بن علىّ بن أبى طالب- ﵉ ابن ملجم. فلما دخل عليه، قال:
- «هل لك في خصلة [٣] ؟ إنّى والله ما أعطيت الله عهدا إلّا وفيت به، وكنت أعطيت الله عهدا عند الحطيم [٤] أن أقتل معاوية وعليّا، أو أموت دونهما، فإن شئت خلّيت بيني وبينه، ولك الله علىّ إن لم أقتله، أو قتلته ثم بقيت، أن آتيك حتى أضع يدي في يدك.» فقال له الحسن:
- «أما والله، حتى تعاين النار فلا!» ثم قدّمه، فضرب عنقه. ثم أخذه الناس، فأدرجوه في بوارىّ [٥] ، ثم أحرقوه
стр. 557
بالنار.
ما كان من أمر برك ومعاوية
وأمّا البرك، فإنّه قعد لمعاوية، فلما [٣٨] خرج للصلاة، ضربه بالسيف، فوقع في أليته [١] ، فأخذ فقال:
- «إنّ عندي خبرا أسرّك به، فإن أخبرتك، أينفعنى ذلك؟» قال: «نعم.» قال: «إنّ عليّا قتله أخ لى في هذه الليلة.» وحدّثه الحديث.
قال: «فلعلّه لم يقدر على ذلك.» قال: «بلى، إنّ عليّا يخرج وحده، وليس معه من يحرسه.» فأمر به معاوية، فضربت عنقه.
ما كان من أمر عمرو بن بكر، وعمرو بن العاص
وأمّا عمرو بن بكر، فجلس لعمرو بن العاص، وكان اشتكى بطنه، فأمر خارجة بن أبى حبيبة، وكان على شرطه، ليصلّى بالناس. فخرج، وشدّ عليه ابن بكر، وهو يرى أنه عمرو، فضربه فقتله. فأخذه الناس، فانطلقوا به إلى عمرو، وسلّموا عليه بالإمرة، فقال:
- «من هذا؟» قالوا [٢] : «عمرو.» قال: «فمن قتلت؟»
стр. 558
قالوا: «خارجة.» قال: «والله يا فاسق، ما ظننته غيرك.» قال عمرو: «أردتنى، وأراد الله خارجة.» وقدّمه عمرو، وقتله.
ما قالته عائشة في قتل علىّ
ولما انتهى إلى عائشة قتل علىّ، قالت:
فألقت عصاها واستقرّت بها النّوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر
وقالت: «من قتله؟» قيل: «رجل من مراد.» قالت: [٣٩]
فإن يك نائيا، فلقد نعاه ... نعاة ليس في فيها التّراب
أسماء كتّاب علىّ بن أبى طالب صلوات الله عليه
كتب له سعيد بن نمران الهمداني، وكان يكتب له عبد الله بن جعفر أيضا، وعبيد الله بن أبى رافع.
وحكى عن عبيد الله أنه قال: كتبت بين يدي علىّ ﵇ فقال:
- «ألق [١] دواتك، وأطل سنّى قلمك، وفرّج بين السطور، وقرمط [٢] بين
стр. 559
الحروف.» وكنّا ذكرنا أنه استكتب زيادا على خراج البصرة وديوانها لمّا استخلف ابن عباس عليها.
ولزياد سياسات يصلح أن تذكر في هذا الكتاب، فإنّا إنما نذكر كتّاب الخلفاء لأجل ما عزمنا على ذكر سياستهم، ولم يمض إلى هذا الوقت أحد منهم عرفت له سياسة غير زياد، ونحن نذكر ذلك في آخر أيّام معاوية، إن شاء الله
.
стр. 560
بيعة الحسن بن علىّ
وبويع الحسن بالخلافة في سنة أربعين [١] ، وأوّل من بايعه قيس بن سعد [٢] ، وكان قيس على مقدّمة أهل العراق، ويقال: إنّهم كانوا أربعين ألفا، بايعوا عليّا على الموت.»
نزع قيس وتأمير عبيد الله بن عبّاس
ولمّا قتل علىّ، واستخلف [٤٠] أهل العراق الحسن، كان الحسن لا يريد القتال، ولكنّه يريد أن يأخذ لنفسه ما استطاع من معاوية، ثمّ يدخل في
стр. 561
الجماعة. [١] وعرف الحسن أن قيس بن سعد لا يوافقه على رأيه، فنزعه، وأمر عبيد الله بن عبّاس، وعلم عبيد الله بالذي يريد الحسن أن يأخذ لنفسه. فكتب إلى معاوية يسأله الأمان ويشترط لنفسه على الأموال التي أصاب، فشرط له ذلك معاوية.
ذكر مكيدة لمعاوية
يقال: إنّ معاوية دسّ إلى عسكر الحسن بن علىّ، حين نزل المدائن، وعلى مقدمته قيس بن سعد في اثنى عشر ألفا، وذلك قبل أن ينزعه، وكان معاوية أقبل من الشام، فنزل مسكن [٢] ، فدسّ معاوية من نادى في عسكر الحسن:
- «ألا إنّ قيس بن سعد قد قتل، فانفروا!» فنفروا بسرادق الحسن، حتّى نازعوه بساطا كان تحته، وجرحوه، فخرج الحسن حتّى نزل المقصورة البيضاء بالمدائن.
كتاب كتبه الحسن إلى معاوية في الصلح
وكتب حينئذ الحسن بن علىّ إلى معاوية يطلب الأمان، فقال الحسن للحسين وعبد الله بن جعفر:
- «إنّى كتبت إلى معاوية في الصلح.» فقال له الحسين:
стр. 562
- «أنشدك الله أن تصدّق [٤١] أحدوثة معاوية، وتكذّب أحدوثة علىّ.» فقال الحسن:
- «اسكت، فإنّى أعلم بالأمر منك.» واشترط الحسن على معاوية:
على أن يجعل له ما في بيت ماله.
وخراج دارابجرد.
وعلى أن لا يشتم علىّ وهو يسمع.
وكان الذي في بيت المال بالكوفة خمسة آلاف ألف. [٠٠٠، ٠٠٠، ٥]
ذكر حيلة واتّفاق طريف في هذا الشرط
كان معاوية أرسل قبل أن ترد عليه صحيفة الحسن بالشرط، بصحيفة بيضاء مختوم [١] على أسفلها، وكتب إليه أن:
- «اشترط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت، فهو لك.» ولمّا أتت الحسن هذه الصحيفة، اشترط فيها أضعاف الشروط التي كان سألها قبل ذلك، وأمسكها عنده، وأمسك معاوية صحيفة الحسن التي كان كتبها. فلمّا التقى معاوية والحسن، سأله الحسن أن يعطيه الشروط التي في السجل الذي ختمه معاوية في أسفله، فأبى معاوية أن يعطيه، وقال:
- «ما لك إلّا ما سألتنيه بخطّك.» فاختلفا، وتنازعا، ولم ينفّذ للحسن من تلك الشروط شيئا.
معاوية يكايد قيس بن سعد
ثمّ إنّ الناس اجتمعوا إلى قيس بن سعد، وتعاقدوا [٤٢] على قتال معاوية.
стр. 563
فلمّا فرغ معاوية من عبيد الله والحسن، خلص إلى مكايدة رجل هو أهمّ إليه، وأبلغ مكيدة، ومعه أربعون ألفا. فراسله يذكّره بالله، ويقول له:
- «على طاعة من تقاتل؟ قد بايعنى الذي أعطيته طاعتك.» وأبى قيس أن يلين له حتّى بعث إليه معاوية بسجلّ ختم في أسفله، وقال:
- «أكتب ما شئت في هذا السجل، فهو لك.» واشترط قيس له ولشيعة علىّ الأمان، على ما أصابوا من الدماء، والأموال، ولم يسأل معاوية في سجلّه ذلك مالا، فأعطاه معاوية ذلك.
الدّهاة الخمسة
وكان قيس يعدّ في الدهاة، وكانوا خمسة يومئذ، وهم: معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة ابن شعبة، وقيس بن سعد، وعبد الله بن بديل. وكان قيس [و] [١] عبد الله بن بديل مع علىّ، والمغيرة بن شعبة معتزلا بالطائف، حتّى حكّم الحكمان.
ما قاله الحسن بن علىّ في خطبته بعد الصلح وقبل أن يغادر الكوفة إلى المدينة
ولمّا تمّ الصلح بين الحسن ومعاوية، قام الحسن في الناس خطيبا بالكوفة [٢] ، فقال:
- «يا أهل العراق! إنّه سخّى [٣] بنفسي عنكم ثلاث: قتلكم أبى، وطعنكم إيّاى،
стр. 564
وانتهابكم متاعي.» وبرأ الحسن من جراحته، فتحوّل إلى المدينة. وحال أهل البصرة بينه وبين خراج [٤٣] دارابجرد، وقالوا:
- «فيئنا. [١] » ولمّا دخل المدينة [٢] ، تلقّاه الناس، فصاحوا:
- «يا مذلّ العرب!»
стр. 565
[المجلد الثاني]
[تجارب العصر الأموي]
أيّام معاوية بن أبى سفيان
ذكر مماحكة [١] جرت بين المغيرة بن شعبة وبين عمرو بن العاص
استعمل معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص على الكوفة، فأتاه المغيرة بن شعبة، فقال:
- «استعملت عبد الله بن عمرو على الكوفة، وأباه عمرا على مصر، تكون أنت بين لحيي [٢] الأسد.» فعزله عنها واستعمل المغيرة على الكوفة، وبلغ عمرا ما قاله المغيرة لمعاوية، فدخل عمرو على معاوية، فقال:
- «أتستعمل المغيرة على خراج الكوفة، فيغتال المال، ويذهب به، فلا تستطيع أن تأخذه منه؟ استعمل على الخراج رجلا يهابك، ويتّقيك.» فعزل المغيرة عن الخراج، واستعمله على الصلاة. فلقى المغيرة عمرا، فبدأ عمرو وقال:
- «أنت المشير على أمير المؤمنين بما أشرت، فى عبد الله؟» قال:
- «نعم.» قال: