← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الجماعة. [١] وعرف الحسن أن قيس بن سعد لا يوافقه على رأيه، فنزعه، وأمر عبيد الله بن عبّاس، وعلم عبيد الله بالذي يريد الحسن أن يأخذ لنفسه. فكتب إلى معاوية يسأله الأمان ويشترط لنفسه على الأموال التي أصاب، فشرط له ذلك معاوية. ذكر مكيدة لمعاوية يقال: إنّ معاوية دسّ إلى عسكر الحسن بن علىّ، حين نزل المدائن، وعلى مقدمته قيس بن سعد في اثنى عشر ألفا، وذلك قبل أن ينزعه، وكان معاوية أقبل من الشام، فنزل مسكن [٢] ، فدسّ معاوية من نادى في عسكر الحسن: - «ألا إنّ قيس بن سعد قد قتل، فانفروا!» فنفروا بسرادق الحسن، حتّى نازعوه بساطا كان تحته، وجرحوه، فخرج الحسن حتّى نزل المقصورة البيضاء بالمدائن. كتاب كتبه الحسن إلى معاوية في الصلح وكتب حينئذ الحسن بن علىّ إلى معاوية يطلب الأمان، فقال الحسن للحسين وعبد الله بن جعفر: - «إنّى كتبت إلى معاوية في الصلح.» فقال له الحسين:

стр. 562

- «أنشدك الله أن تصدّق [٤١] أحدوثة معاوية، وتكذّب أحدوثة علىّ.» فقال الحسن: - «اسكت، فإنّى أعلم بالأمر منك.» واشترط الحسن على معاوية: على أن يجعل له ما في بيت ماله. وخراج دارابجرد. وعلى أن لا يشتم علىّ وهو يسمع. وكان الذي في بيت المال بالكوفة خمسة آلاف ألف. [٠٠٠، ٠٠٠، ٥] ذكر حيلة واتّفاق طريف في هذا الشرط كان معاوية أرسل قبل أن ترد عليه صحيفة الحسن بالشرط، بصحيفة بيضاء مختوم [١] على أسفلها، وكتب إليه أن: - «اشترط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت، فهو لك.» ولمّا أتت الحسن هذه الصحيفة، اشترط فيها أضعاف الشروط التي كان سألها قبل ذلك، وأمسكها عنده، وأمسك معاوية صحيفة الحسن التي كان كتبها. فلمّا التقى معاوية والحسن، سأله الحسن أن يعطيه الشروط التي في السجل الذي ختمه معاوية في أسفله، فأبى معاوية أن يعطيه، وقال: - «ما لك إلّا ما سألتنيه بخطّك.» فاختلفا، وتنازعا، ولم ينفّذ للحسن من تلك الشروط شيئا. معاوية يكايد قيس بن سعد ثمّ إنّ الناس اجتمعوا إلى قيس بن سعد، وتعاقدوا [٤٢] على قتال معاوية.

стр. 563

فلمّا فرغ معاوية من عبيد الله والحسن، خلص إلى مكايدة رجل هو أهمّ إليه، وأبلغ مكيدة، ومعه أربعون ألفا. فراسله يذكّره بالله، ويقول له: - «على طاعة من تقاتل؟ قد بايعنى الذي أعطيته طاعتك.» وأبى قيس أن يلين له حتّى بعث إليه معاوية بسجلّ ختم في أسفله، وقال: - «أكتب ما شئت في هذا السجل، فهو لك.» واشترط قيس له ولشيعة علىّ الأمان، على ما أصابوا من الدماء، والأموال، ولم يسأل معاوية في سجلّه ذلك مالا، فأعطاه معاوية ذلك. الدّهاة الخمسة وكان قيس يعدّ في الدهاة، وكانوا خمسة يومئذ، وهم: معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة ابن شعبة، وقيس بن سعد، وعبد الله بن بديل. وكان قيس [و] [١] عبد الله بن بديل مع علىّ، والمغيرة بن شعبة معتزلا بالطائف، حتّى حكّم الحكمان. ما قاله الحسن بن علىّ في خطبته بعد الصلح وقبل أن يغادر الكوفة إلى المدينة ولمّا تمّ الصلح بين الحسن ومعاوية، قام الحسن في الناس خطيبا بالكوفة [٢] ، فقال: - «يا أهل العراق! إنّه سخّى [٣] بنفسي عنكم ثلاث: قتلكم أبى، وطعنكم إيّاى،

стр. 564

وانتهابكم متاعي.» وبرأ الحسن من جراحته، فتحوّل إلى المدينة. وحال أهل البصرة بينه وبين خراج [٤٣] دارابجرد، وقالوا: - «فيئنا. [١] » ولمّا دخل المدينة [٢] ، تلقّاه الناس، فصاحوا: - «يا مذلّ العرب!»

стр. 565

[المجلد الثاني] [تجارب العصر الأموي] أيّام معاوية بن أبى سفيان ذكر مماحكة [١] جرت بين المغيرة بن شعبة وبين عمرو بن العاص استعمل معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص على الكوفة، فأتاه المغيرة بن شعبة، فقال: - «استعملت عبد الله بن عمرو على الكوفة، وأباه عمرا على مصر، تكون أنت بين لحيي [٢] الأسد.» فعزله عنها واستعمل المغيرة على الكوفة، وبلغ عمرا ما قاله المغيرة لمعاوية، فدخل عمرو على معاوية، فقال: - «أتستعمل المغيرة على خراج الكوفة، فيغتال المال، ويذهب به، فلا تستطيع أن تأخذه منه؟ استعمل على الخراج رجلا يهابك، ويتّقيك.» فعزل المغيرة عن الخراج، واستعمله على الصلاة. فلقى المغيرة عمرا، فبدأ عمرو وقال: - «أنت المشير على أمير المؤمنين بما أشرت، فى عبد الله؟» قال: - «نعم.» قال:

стр. 566

- «فهذه بتلك!» المغيرة بن شعبة يختار الدعة ولمّا ولى المغيرة بن شعبة الكوفة، أتاها، وترك التشدّد، وإثارة الناس عن أهوائهم، وأحبّ السلامة، واختار الدعة، فكان يرى، فيقال له: فلان بن فلان يرى رأى الشيعة، وفلان يرى رأى الخوارج، فكان يقول: [٤٤]- «قضى الله أن لا تزالوا مختلفين، وسيحكم بين عباده.» فأمنه الناس. فكان عاقبة هذا الفعل منه أن لقيت الخوارج بعضها بعضا، ورأوا أنّ فى جهاد الناس الفضل والأجر. ففزعوا [١] إلى رؤسائهم، وتجمّعوا، وتمّت آراؤهم، واجتمع أمرهم، وبايعوا المستورد بن علّفة [٢] ، وكان زياد متحصّنا بفارس، قد عمر قلعة إصطخر. فكان معاوية يكاتبه، ويطالبه بالمال، ويستقدمه، فيأبى. فأرق معاوية ذات ليلة، فلمّا أصبح، دعا بالمغيرة بن شعبة، فقال له: - «كيف أنت بسرّ أستودعك؟» فقال: «يا أمير المؤمنين، إن تستودعنى، تستودع ناصحا، شفيقا، ورعا، وثيقا.» رأى لمعاوية وتدبير صحيح قال: «ذكرت زيادا واعتصامه بأرض فارس، وامتناعه بالقلعة، فلم أنم ليلتي.»

стр. 567

فأراد المغيرة أن يطأطئ من زياد، فقال: - «ما زياد هناك، يا أمير المؤمنين.» قال: «بئس الوطاء [١] العجز، داهية العرب معه الأموال، متحصّن بقلاع [٤٥] فارس، يدبّر، ويربّض الخيل [٢] . ما يؤمنني أن يبايع لرجل من أهل هذا البيت، فإذا هو قد أعاد الحرب جذعة [٣] .» فقال المغيرة: «أتأذن لى، يا أمير المؤمنين، فى إتيانه؟» قال: «نعم، وتلطّف!» كان المغيرة يحفظ يدا لزياد عنده، فأتى المغيرة زيادا. فقال زياد لمّا رءاه: - «أفلح الزائر.» فقال المغيرة: - «إليك ينتهى الخبر، أنا المغيرة، إنّ معاوية استخفّه الوجل، حتّى بعثني إليك، ولم يكن يعلم أحدا يمدّ يده إلى هذا الأمر، غير [٤] الحسن، وقد بايع معاوية، فخذ لنفسك قبل التوطين، فيستغنى معاوية عنك.» قال: «أشر علىّ، وارم الغرض الأقصى، ودع عنك الفضول، فإنّ المستشار مؤتمن.» فقال المغيرة: - «فى محض الرأى بشاعة [٥] ، ولا خير فى التمذيق [٦] ، أرى أن يصل حبلك

стр. 568

بحبله، وتشخص إليه.» قال: «أرى، ويقضى الله.» وأقام زياد فى القلعة، وجعل يرتأى ويمكر. ذكر حيلة لزياد على معاوية فسنح لزياد من الرأى أن دعا بعض ثقاته، وبذل له، ومنّاه ووعده، وقال: - «امض، حتّى تأتى معاوية، فإنّه سيدعوك، ويسألك عنّى، فقل له: إنّك قد أمهلته، [٤٦] وأضربت عنه، مع ما قد احتجبه [١] من الأموال، وارتكبه من الأمور، حتّى قد شاع فى الناس: أنّك إنما ترخى له الحبل، وتساهله، للنسب بينكما. فإذا قال: وما ذاك؟ فقل: يقول الناس: إنّه أخوك، وإنّك قد عرفت ذاك له.» فذهب الرجل، حتّى أتى معاوية، فجرى بينهما ما لقّنه زياد. فقال معاوية: - «أو قد تحدّث الناس بذلك؟» قال: - «نعم.» فسكت معاوية، وخرج الرجل من عنده، وشاع المجلس، وقال الناس: - «زياد بن أبى سفيان.» ثمّ كاتب زياد معاوية، وأجابه، واستقرّت المكاتبة بينهما، إلى أن ورد على معاوية، على أن يرفع إليه حسابا بما صار إليه من الأموال، ويصدقه فى ما خرج منه إلى أمير المؤمنين، وما بقي عنده. فخرج إليه زياد، فأخبره بما حمله إلى علىّ بن أبى طالب- ﵇ وما

стр. 569

فرّقه فى الأرزاق، والحمالات [١] ، وبقّى بقيّة، وقال: - «قد أودعتها عند قوم.» فصدّقه معاوية، ومكث يردّده بذلك. ثمّ كتب زياد كتبا إلى قوم: - «قد علمتم ما لى عندكم من الودائع، وهي الأمانة الّتى يقول الله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، ٣٣: ٧٢ [٤٧] الآية [٢] ، فاحتفظوا بما قبلكم.» وسمّى فى الكتب بالذي أقرّ لمعاوية، ودسّ الكتب مع رسوله، وأمره أن يتعرّض لبعض من يبلغ معاوية، فتعرّض الرسول حتّى أخذ، فأتى به معاوية. فقال معاوية لزياد: - «لئن لم تكن مكرت بى، إنّ هذه الكتب لمن حاجتي.» فقرأها، فإذا هي بمثل ما أقرّ به لمعاوية. [٣] فقال معاوية: - «أخاف أن تكون مكرت بى، فصالحنى عليها.» فصالحه على شيء، ممّا ذكر أنّه عنده، فحمله. ذكر حيلة لعبد الله بن خازم كان عبد الله بن عامر، واليا على البصرة، من قبل معاوية، فأنفذ إلى خراسان قيس بن الهيثم [٤] ، واستبطأه فى بعض الأحوال، وكتب إليه، يستحثّه حمل المال.

стр. 570

وكان عبد الله بن خازم حاضرا، فقال لابن عامر: - «إنّك قد وجّهت إلى خراسان رجلا ضعيفا، وإنّى أخاف:- إن لقى حربا- أن ينهزم بالناس، فتهلك خراسان، وتفتضح أخوالك.» قال ابن عامر: - «فما الرأى؟» قال: «تكتب لى عهدا- إن هو انصرف عن عدوّ- قمت مقامه.» فكتب له، وسار عبد الله بن خازم إلى خراسان فجاشت جماعة من طخارستان فشاور [٤٨] قيس بن الهيثم الناس، فأشار عليه ابن خازم أن ينصرف حتّى يجتمع إليه أطرافه، فانصرف. فلمّا سار مرحلة أو مرحلتين، أخرج ابن خازم عهده، وقام بأمر الناس، ولقى العدوّ، فهزمهم. وبلغ الخبر المصرين [١] ، والشام، فغضبت القيسيّة وقالوا: - «خدع قيسا وابن عامر» . وأكثروا فى ذلك على معاوية، حتّى بعث إلى عبد الله بن خازم، فقدم به واعتذر ممّا قيل فيه. فقال معاوية: - «فإذا كان غدا، فقم فى الناس، واعتذر!» فرجع ابن خازم إلى أصحابه، فقال: - «قد أمرت بالخطبة، ولست صاحب كلام، فاجلسوا حول المنبر، فإذا تكلّمت، فصدّقونى.» فقام من الغد، فحمد الله، وأثنى عليه، ثمّ قال:

стр. 571

- «إنّما يتكلّف الخطبة، إمّا [١] من لا يجد بدّا منها، وإمّا أحمق يهمر [٢] رأسه، لا يبالى ما خرج منه، ولست بواحد منهما، وقد علم من عرفني أنّى بصير بالفرص، وثّاب عليها، وقّاف عند المهالك، أنفذ بالسريّة، وأقسم بالسويّة. أنشدكم بالله، من كان يعرف ذلك منّى، لمّا صدّقنى.» فقال أصحابه حول المنبر: - «صدقت.» فقال: «يا أمير المؤمنين، [إنّك ممّن] [٣] نشدتك، قل ما تعلم!» فقال: «صدقت.» [٤٩] ذكر تدبير نفذ للمغيرة بن شعبة على زياد قدم زياد الكوفة من عند معاوية، ونزل فى دار سلمى بن ربيعة الباهلىّ ينتظر أمر معاوية، أن يجيبه إمرته على الكوفة. فبلغ المغيرة بن شعبة- وهو أمير على الكوفة- أنّ زيادا ينتظر الإمرة. فدعا قطن بن عبد الله الحارثىّ، فقال: - «هل فيك من خير: تكفيني المؤونة حتّى آتيك من عند أمير المؤمنين؟» قال: «ما أنا بصاحب ذا.» فدعا عتيبة بن نهّاس [٤] ، فعرض عليه ذلك، فقبل. فخرج المغيرة، فلمّا قدم على معاوية، سأله أن يعزله، وأن يقطع له منازل بقرقيسا بين ظهري قيس. فلمّا سمع معاوية ذلك، خاف بائقته، وقال: - «والله، لترجعنّ إلى عملك يا با عبد الله.»

стр. 572

فأبى عليه، فلم يزده ذلك إلّا تهمة له، فردّه إلى عمله، فطرق المغيرة الكوفة ليلا. قال معيد بن خالد البجلىّ: - «فو الله إنّى لفوق القصر أحرسه، إذا قرع الباب [١] ، فأنكرناه، فلمّا خاف أن ندلّى عليه حجرا، تسمّى لنا. فنزلت إليه، وسلّمت، فتمثّل بقول القائل: بمثلي فاقرعى [٢] يا أمّ عمرو ... إذا ما هاجني السفر النّفور [٣] [٤٠] - «اذهب إلى ابن سميّة، فرحّله، حتّى لا يصبح إلّا من وراء الجيش [٤] .» فخرجت، فأتيناه، فأخرجناه، حتّى طرحناه، قبل أن يصبح من وراء الجيش. ذكر سياسة زياد العراق حتّى صلح بعد الفساد إنّه بلغ معاوية فساد أهل البصرة، وكثرة العيث، وضعف السلطان بها عن ضبط الناس، وكان والى البصرة عبد الله بن عامر، وكان فيه لين وكرم. فكان إذا أشير عليه بقطع السارق، عفا عنه، وإذا أشير بقتل من يستحقّ القتل، قال: - «أنا أتألّف الناس، وأتحبّب إليهم، فكيف أنظر فى وجه من قتلت أباه، أو أخاه، أو قطعته.» فكثر الفساد بالبصرة، فعزله معاوية، وكتب إليه يستزيره، وولّى حارث بن عبد الله الأزدىّ، فتركه أربعة أشهر، ثمّ عزله بزياد.

стр. 573

وإنما أراد معاوية أن يولّى زيادا، فولّى الحارث كالفرس المجلّل، فقدم زياد البصرة، فخطب خطبته البتراء [١] ، ثمّ قال: الخطبة البتراء - «أمّا بعد، فإنّ الجهالة الجهلاء، والضلالة العمياء، والعجز [٢] الموقد لأهله النار، الباقي عليهم سعيرها، ما يأتى سفهاؤكم، ويشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام، [٥١] ينبت [٣] فيها الصغير، ولا يتحاشى منها الكبير، [كأن لم تسمعوا بآى الله، ولم تقرأوا كتاب الله، ولم تسمعوا ما أعدّ [٤] الله من الثواب الكريم لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل معصيته، فى الزمن السرمد الذي لا يزول. أتكونون كمن طرفت عينه الدنيا، وسدّت مسامعه الشهوات، واختار الفانية على الباقية، ولا تذكرون [أنّكم] [٥] أحدثتم [٦] فى الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه [٧] [من ترككم] [٨] هذه المواخر [٩] المنصوبة، والضعيفة المسلوبة، فى النهار المبصر، والعدد غير قليل.

стр. 574

- «ألم تكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج [١] الليل، وغارة النهار؟ قرّبتم القرابة وباعدتم [الدين، تعتذرون] [٢] بغير العذر، [وتغطّون على المختلس] [٣] كلّ امرئ منكم يذبّ عن سفيهه، صنع من لا يخاف عاقبة، ولا يرجو معادا، فلم يزل بهم ما يرون من قيامكم دونهم، حتّى انتهكوا حرمة الإسلام، ثمّ أطرقوا [٤] وراءكم كنوسا فى مكانس الريب. حرام علىّ الطعام والشراب حتّى أسوّيها بالأرض، هدما وإحراقا، فإنّى رأيت آخر هذا الأمر، لا يصلح إلّا بما يصلح أوّله: لين فى غير ضعف وشدّة فى غير جبريّة [وعنف] [٥] . - «وإنّى أقسم بالله، لآخذنّ الولىّ بالولىّ، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والصحيح منكم بالسقيم، حتّى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: انج سعد، فقد هلك سعيد، أو تستقيم لى قناتكم. إنّ كذبة المنبر بلقاء [٦] مشهورة، فمن تعلّق لى بكذبة، فقد حلّت [٧] له معصيتي، من بيّت منكم فأنا ضامن لما [٥٢] ذهب له. إيّاى ودلج الليل! فإنّى لا أوتى بمدلج إلّا سفكت دمه، وقد أجّلتكم فى ذلك بقدر ما يأتى الخبر الكوفة ويرجع إليكم، وإيّاى ودعوى الجاهليّة! فإنّى لا أجد أحدا دعا بها إلّا قطعت لسانه.

стр. 575

- «لقد أحدثتم أحداثا، وقد أحدثنا لها عقوبات [١] فمن غرّق قوما غرّقناه، ومن حرّق على قوم حرّقناه، ومن نقب على قوم نقبت قلبه، ومن نبش قبرا دفنته حيّا. فكفّوا أيديكم وألسنتكم، أكفف يدي وأذاى. لا يظهر من أحد منكم خلاف ما عليه عامّتكم إلّا ضربت عنقه. - «وقد كانت بيني وبين قوم أحن، فجعلت ذلك دبر أذنى، وتحت قدمي. فمن كان منكم محسنا، فليزد إحسانا، ومن كان مسيئا، فلينزع عن إساءته. إنّى لو علمت أنّ أحدكم قد قتله السلّ من بغضي، لم أكشف له قناعا، ولم أهتك له سترا، حتّى يبدى لى صحيفته. فإذا فعل، لم أناظره، فاستأنفوا أموركم، وأعينوا على أنفسكم، فربّ مبتئس بقدومنا سيسرّ، ومسرور بقدومنا سيبتئس. - «أيها الناس، إنّا أصبحنا لكم ساسة، وعنكم ذادة، [٥٣] نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خوّلنا. فلنا عليكم السمع والطاعة فى ما أحببنا، ولكم علينا العدل فى ما ولينا، فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم. - «واعلموا أنّى مهما قصّرت عنه، فإنّى لا أقصّر عن ثلاث: لست محتجبا عن طالب حاجة منكم، ولو أتانى طارقا، ولا حابسا عطاء عن إبّانه ولا مجمّرا لكم بعثا، فادعوا الله بالصلاح لأئمّتكم، فإنّهم ساستكم المؤدّبون، وكهفكم الذي إليه تأوون، ومتى تصلحوا، يصلحوا [٢] ، ولا تشربوا قلوبكم بغضهم، فيشتدّ لذلك غيظكم، ويطول له حزنكم. ولا تدركوا حاجتكم، مع أنّه لو استجيب لكم،

стр. 576

كان شرّا لكم.» - «أسأل الله أن يعين كلّا على كلّ، وإذا رأيتمونى أنفذ فيكم أمرا، فأنفذوه على إذلاله، وأيم الله إنّ لى فيكم لصرعى كثيرا، فليحذر كلّ امرئ منكم أن يكون من صرعاى.» وأمهل الناس حتّى بلغ الخبر الكوفة، وعاد إليه وصول الخبر منها. فكان يؤخّر العشاء الآخرة حتّى يكون آخر من يصلّى. ثمّ يمهل بقدر ما يرى أنّ الإنسان يبلغ أقصى البصرة من أدناها، [٥٤] ثمّ يأمر صاحب شرطته بالخروج، فلا يرى إنسانا إلّا قتله. ذكر قتله البريء فأخذ ذات ليلة أعرابيا، فأتى به زيادا، فقال: - «هل سمعت النداء؟» قال: «لا، والله، إنّما قدمت بحلوبة لى، وغشيني الليل، فاضطررتها إلى موضع، وأقمت لأصبح، ولا علم لى بما كان من الأمير.» قال: «أظنّك صادقا والله، ولكن فى قتلك صلاح الأمّة» ! ثمّ أمر به فضربت عنقه. ضبطه البصرة بشدّة وتأكيده الملك لمعاوية وكان زياد أوّل من سدّد [١] أمر السلطان، وأكّد الملك لمعاوية، بعد أن كادت البصرة خاصّة تخرج عن حدّ الضبط، وتخرج بخروجها الملك كلّه. فتقدّم زياد

стр. 577

فى العقوبة، وجرّد السيف، وأخذ بالظنّة، وعاقب على الشبهة، وخافه الناس خوفا شديدا، حتّى أمن الناس بعضهم بعضا، وحتّى كان الشيء يسقط من الرجل أو المرأة، فلا يعرض له أحد، حتّى يأتيه صاحبه فيأخذه، وتبيت المرأة لا تغلق عليها بابها. وساس الناس سياسة لم ير مثلها، وهابه الناس هيبة لم يهابوها [١] أحدا قبله، وأدرّ العطاء. وقيل لزياد: - «إنّ السبل مخوفة.» فقال: [٥٥]- «لا أعانى شيئا وراء المصر، حتّى أغلب على المصر وأصلحه، فإن غلبني المصر، فغيره أشدّ غلبة.» فلمّا ضبط المصر، تكلّف ما وراء ذلك، فأحكمه. وكان يقول: - «لو ضاع حبل بيني وبين خراسان، علمت من أخذه.» وكتّب خمسمائة رجل من مشيخة أهل البصرة فى صحابته، فرزقهم ما بين الثلاثمائة إلى الخمسمائة، واستعان بعدّة من أصحاب رسول الله، صلّى الله عليه. وزياد أوّل من سير بين يديه بالحربة، ومشى بين يديه بالعمد الحديد، واتّخذ الحرس رابطة خمسمائة [٢] ، فكانوا لا يبرحون المسجد، وجعل خراسان أرباعا، فولّى كلّ ربع رجلا كافيا. قطع أيدى الحاصبين فى الكوفة ولمّا مات المغيرة بن شعبة، كتب معاوية إلى زياد بعهده على الكوفة، فكان

стр. 578

أوّل من جمعت له البصرة والكوفة، واستخلف على البصرة سمرة بن جندب، وشخص إلى الكوفة، وكان زياد يقيم ستّة أشهر بالبصرة، وستّة أشهر بالكوفة. فلمّا دخل الكوفة صعد المنبر، وقال فى خطبته: - «إنى أردت أن أشخص [٥٦] إليكم فى ألفين من شرط البصرة، ثمّ ذكرت أنكم أهل حقّ، وأنّ حقّكم طال ما دمغ الباطل، فأتيتكم فى أهل بيتي.» فلمّا فرغ من خطبته، حصب على المنبر، فجلس، حتّى أمسكوا. ثمّ دعا قوما من خاصّته، فأمرهم أن يأخذوا أبواب المسجد، ثمّ قال: - «ليأخذ كلّ امرئ منكم جليسه، ولا يقولنّ: لا أدرى من جليسي.» ثمّ أمر بكرسىّ، فوضع له بباب المسجد، فدعا أربعة أربعة، يحلفون باللَّه: - «ما منّا من حصبك.» فمن حلف خلّاه، ومن لم يحلف، حبسه وعزله، حتّى صار إلى ثمانين [١] ، فقطع أيديهم على المكان. قال الشعبي: فو الله ما تعلّقنا عليه بكذبة، وما وعدنا خيرا أو شرّا إلّا أنفذه. ولمّا قدم الكوفة، أتاه عمارة بن عقبة بن أبى معيط، فقال: - «إنّ عمرو بن الحمق يجمع من شيعة أبى تراب.» فقام إليه عمرو بن الحارث [٢] فقال: - «ما يدعوك إلى رفع ما لا تتيقّنه، ولا تدرى ما عاقبته.» فقال زياد:

стр. 579

- «كلاكما لم يصب: أنت حيث تكلّمنى فى هذا علانية، وعمرو حين يردّك عن كلامك. قوما إلى عمرو بن الحمق، فقولا له: ما هذه الزرافات [٥٧] الّتى تجتمع إليك؟ من أرادك، وأردت كلامه، ففي المسجد.» استخلاف زياد سمرة على الكوفة وتشدّده فى أمر الحروريّة ثمّ استخلف زياد على الكوفة سمرة بن الجندب، وهو من أصحاب رسول الله- صلّى الله عليه- وخرج زياد إلى البصرة، وعاد إلى الكوفة، وقد قتل سمرة ثمانية آلاف من الناس، فقال له زياد: - «هل تخاف أن تكون قتلت أحدا بريئا؟» قال: - «لو قتلت إليهم مثلهم، ما خشيت ذلك.» ! وكان زياد قد تشدّد فى أمر الحروريّة، وأوصى سمرة بذلك، وكان سمرة يخلفه على البصرة، إذا خرج إلى الكوفة، وعلى الكوفة، إذا خرج إلى البصرة، فقتل سمرة منهم خلقا كثيرا. ذكر حيلة للمهلّب بخراسان كان زياد ولّى الحكم بن عمرو ناحية من خراسان، وكتب إليه: - «إنّ أهل ختّل [١] سلاحهم اللّبود، وآنيتهم الذهب.»

стр. 580

فغزاهم، حتّى إذا توسّطهم، أخذوا عليه بالشعاب والطرق، وأحدقوا به فعىّ [١] بالأمر، فتولّى المهلّب الحرب، وولى المغيرة بن أبى صفرة أمر العسكر، ولم يزل المهلّب يحتال، حتّى أخذ عظيما من عظماء الأعاجم [٥٨] فقال له: - «اختر بين أن أقتلك، وبين أن تخرجنا من هذا المضيق.» فقال له: - «أوقد النار حيال طريق من هذه الطرق، ومر بالأثقال فلتوجّه نحوه، حتّى إذا ظنّ القوم أنّكم قد دخلتم الطريق لتسلكوه، فإنّهم [٢] سيجتمعون لكم، ويعرون [٣] ما سواه من الطرق، إلّا من لا يبالى به، فبادروهم إلى غيره، فإنّهم لا يدركونكم حتّى تخرجوا منه.» ففعلوا ذلك، ونجوا، وغنموا غنيمة عظيمة، والقوم كانوا أتراكا. أسماء كتّاب معاوية ومطالبته الهدايا فى النوروز والمهرجان كتب له على الرسائل عبيد الله بن أوس الغسّانى، ثمّ تولّى له ديوان ما بالعراق من صوافي كسرى وآل كسرى، وكتب له على الخراج سرجون بن منصور الرومىّ. وكان لمعاوية كاتب يقال له: عبد الرحمان بن الدرّاج، كان من مواليه، فقلّده خراج العراق لمّا قلّد المغيرة الحرب بها، وطالب أهل السواد بأن يهدوا إليه فى النوروز، والمهرجان. ففعلوا ذلك، فبلغ عشرة آلاف ألف [٠٠٠، ٠٠٠، ١٠] درهم

стр. 581

فى سنة. ثمّ دعا بالدهاقين، فسألهم عمّا كان من صوافي كسرى، فعرّف [٥٩] أنّ الديوان بحلوان، فبعث، فأحضر، ثمّ استخرج ما كان فيه، فكان أوّل ذلك كلواذى للأساورة، والكتّاب، والحاشية. وكان كسرى لا يقطع الكتّاب أكثر من ثلاثين جريبا. فكتب ابن الدرّاج إلى معاوية بذلك، فكتب إليه معاوية: أن استصفها، واستخرج ما فيها. ففعل، فبلغت صوافي معاوية على يده خمسين ألف ألف [٠٠٠، ٠٠٠، ٥٠] . وكان عمرو بن سعيد بن العاص يكتب له على ديوان الجند. معاوية واتخاذ ديوان الخاتم وكان معاوية أوّل من اتّخذ ديوان الخاتم. وكان سبب ذلك أنّه كتب لعمرو بن الزبير بمائة ألف [٠٠٠، ١٠٠] درهم إلى زياد، وهو عامله على العراق، ففضّ عمرو الكتاب، وجعلها مائتي ألف [٠٠٠، ٢٠٠] درهم. فلما رفع زياد حسابه قال له معاوية: - «ما كتبت له إلّا مائة ألف.» وقال معاوية: - «المائة الألف ينبغي أن تؤخذ منه.» فحبسه مروان، فصار عبد الله بن الزبير إلى مروان، وهو على المدينة، فأخبره بقصّته، فقال مروان: - «فإنّ الخبر كيت وكيت.» فقال عبد الله: - «أرأيت- إن أعطيناكها- ألك عليه سبيل؟» قال: - «لا.» قال:

стр. 582

- «فابعث، فخذها.» ففعل. [٦٠] واتّخذ [١] معاوية ديوان الخاتم، وقلّده عبد الله بن مجمّر، وكان قاضيا [٢] . من سيرة زياد وكان زياد يجلس فى كلّ يوم، إلّا يوما فى الجمعة، فيبدأ برسل عمّاله، فينظر فى ما قدموا له، ويسألهم عن بلادهم، ويجيبهم عن كتبهم، ثمّ ينظر فى نفقاته، وفى أعطيات رجاله، ثمّ فى ما دخل من البياعات، وفى الأسعار، ويسأل عن الأخبار، وينظر فى ما يحتاج إليه من حفر نهر، وإصلاح قنطرة، أو تسهيل عقبة، أو نقل طريق إلى غيره، ثمّ يأخذ فى كتب العمّال، فيمليها بنفسه، فكان معاوية يفعل مثل ذلك سواء، ولا يخالفه حتّى كبر [٣] . وكان الضحّاك بن قيس يملى وهو يسمع. وخلا زياد يوما على كاتبه أسرارا له، وبحضرته عبيد الله ابنه. فنعس زياد، فقام لينام، وقال لعبيد الله: - «تعهّد هذا، لا يغيّر شيئا ممّا رسمته له.» فعرض لعبيد الله حاجة إلى البول، واشتدّ به ذلك، وكره أن ينبّه أباه، وكره أن يقوم عن الكاتب ويخلّيه، فشدّ إبهاميه بخيط، وختمهما، وقام لحاجته، فاستيقظ زياد قبل عوده. فلمّا نظر إلى الكاتب سأله عن خبره، فأخبره، فأحمد ذلك من فعل عبيد الله. وأهدى زياد إلى معاوية [٦١] هدايا كثيرة، وكان فيها عقد جوهر نفيس، فأعجب به معاوية. فلما رأى ذلك زياد، قال له:

стр. 583

- «يا أمير المؤمنين، دوّخت لك العراق، وجبيت لك برّها وبحرها، وغثّها وسمينها، وحملت لك لبّها وقشرها.» فقال له يزيد: - «أين فعلت ذلك؟ لقد نقلناك من ولاء ثقيف إلى عزّ قريش، ومن عبيد إلى أبى سفيان، ومن القلم إلى المنابر، وبعد، فما أمكنك شيء ممّا اعتددت به، إلّا بنا.» فقال معاوية: - «حسبك! وريت بك زنادي.» كلّ شيء هالك ! وقلّد معاوية عبد الرحمان بن زياد خراسان بعد موت أبيه، وكان سخيّا، فلم يزل عليها إلى أن ولى يزيد، وقتل الحسين بن علىّ- ﵉ واستخلف على عمله قيس بن الهيثم، وأقبل إلى يزيد، فأنكر قدومه، ثمّ رضى عنه، وسأله عمّا حصل له، فاعترف له بعشرين ألف ألف [٠٠٠، ٠٠٠، ٢٠] درهم، فسوّغه إيّاها [١] ، وكان معه من العروض أكثر منها. فقال يوما لكاتبه إصطفانوس: - «ويحك! كيف يجيئني النوم وهذا المال عندي؟» فقال له: - «وكم مبلغه؟» ، فقال: - «قدّرت منه لمائة سنة، فى كلّ يوم ألف درهم، لا أحتاج منه إلى شراء رقيق، ولا كراع، ولا عرض من الأعراض [٢] .» [٦٢]

стр. 584

فقال له إصطفانوس: - «أنام الله عينك أيّها الأمير، لا تعجب من نومك وعندك هذا المال، ولكن اعجب من نومك إن ذهب، ثمّ نمت.» قال: والله، لقد ذهب ذلك المال كلّه، أودع بعضه فجحد، وأنفق بعضه، وسرق أسبابه بعضه، فآل أمره إلى أن باع فضّة كانت حلية مصحفه، وكان يركب حمارا صغيرا تنال رجله الأرض عليه. فلقيه مالك بن زياد [١] ، فقال له: - «ما فعل المال الذي كنت تقول فيه ما تقول؟» فقال: - «كلّ شيء هالك، إلّا وجهه [٢] ، يا با يحيى!» تحريض معاوية بين سعيد بن العاص ومروان وكتب معاوية إلى سعيد بن العاص: أن: - «اقبض أموال مروان، واهدم داره.» فأمسك سعيد عن ذلك. ثمّ كاتبه فى ذلك ثانيا، فراجعه سعيد، فقال: - «يا أمير المؤمنين، قرابته قريبة.» فكتب إليه ثالثا، بقبض أمواله، وهدم داره، فلم يفعل. فعزل سعيدا [٣] ، وولّى مروان، وكتب إليه أن: - «اهدم دار سعيد.» فأرسل الفعلة، وركب ليهدمها، فقال له سعيد: - «يا با عبد الملك، أتهدم دارى؟» قال: - «نعم! كتب إلىّ أمير المؤمنين، ولو كتب إليك، لفعلت.» قال:

стр. 585

- «ما كنت لأفعل.» قال: - «بلى والله، لو كتب إليك لفعلت.» قال: - «كلّا، يا با عبد الملك.» [٦٣] وقال لغلامه: - «انطلق، وجئني بكتب معاوية.» فجاء بها، فقرأها عليه فى ما كتب فى هدم داره. فقال مروان: - «يا با عثمان! وردت عليك هذه الكتب فى هدم دارى، فلم تفعل، ولم تعلمني!» قال: - «ما كنت لأهدم دارك، ولا أمنّ عليك، وإنّما أراد معاوية أن يحرّض بيننا.» فقال مروان: - «بأبى أنت، والله أكثر منّا ريشا وعقبا.» ورجع ولم يهدم دار سعيد. بين سعيد ومعاوية وقدم سعيد على معاوية، فقال: - «يا با عثمان، كيف تركت أبا عبد الملك؟» قال: - «تركته ضابطا لأعمالك، منفّذا لأمرك.» قال: - «إنّه لصاحب الخبزة كفى نضجها، فأكلها.» قال: - «كلّا، والله يا أمير المؤمنين، إنّه مع قوم لا يجمل [١] بهم السوط، ولا يحلّ [٢] لهم السيف، يتهادون كوقع النبل، سهم لك، وسهم عليك.» قال:

стр. 586

- «ما الذي باعد بينك وبينه؟» قال: - «خافني على شرفه، وخفته على شرفى.» قال: - «فماذا له عندك؟» قال: - «أسرّه غائبا، وأسوؤه شاهدا.» قال: - «تركتني يا با عثمان، فى هذه الهنات؟» قال: - «إنّك تحمّلت الثقل، وكفيت الحرم [١] ، وكنت قريبا، فلو دعوت لأجبت، ولو وهيت لرقعت [٢] .» [٦٤] كلام واقع ارتفع به صاحبه ومن الكلام الواقع الذي ارتفع به صاحبه، كلام عبيد الله بن زياد لمعاوية. وذلك أنّه وفد على معاوية، بعد موت أبيه، فقال له معاوية: - «من استخلف أخى على عمله؟» قال عبيد الله: - «استخلف خالد بن أسيد على الكوفة، وسمرة بن الجندب على البصرة.» فقال له معاوية: - «لو استعملك أبوك، لاستعملتك.» فقال عبيد الله: - «أنشدك الله، أن يقولها لى أحد بعدك لو ولّاك أبوك، أو عمّك، ولّيتك.» وكان معاوية لا يولّى أحدا حتّى يمتحنه بولاية الطائف، فإن أحسن الولاية، ولّاه مكّة، فإن وفى، ولّاه معها المدينة، ثمّ يرتّبه كذلك، فلما قال عبيد الله بن زياد ما قال، استرجحه، وعهد إليه، ووصّاه، وولّاه مكان أبيه. فغزا خراسان، وفتح

стр. 587

رامين [١] ، ونسف [٢] ، وبيكند [٣] ، وهي من بخارى. فقدم بألفين من سبى بخارى، وكلّهم جيّد الرمى بالنشّاب. وكان معاوية ولّى البصرة عبد الله بن عمرو بن غيلان، فاحتال له أهل البصرة، حتّى عزله عنهم. ذكر حيلتهم هذه [٦٥] خطب عبد الله بن عمرو بن غيلان [٤] ، على منبر البصرة، فحصبه رجل من بنى ضبّة، فأمر به، فقطعت يده، فأتته بنو ضبّة، فقالوا: - «إنّ صاحبنا جنى ما جنى، وقد بلغ الأمير [٥] في عقوبته، ولا نأمن أن يبلغ خبره أمير المؤمنين أنه قطع على فاحشة، ونسألك أن تكتب إلى أمير المؤمنين أنه قطع على تبرئة [٦] ، وأمر لم يضح [٧] .» فكتب لهم إلى معاوية بما سألوه، فأمسكوا الكتاب عندهم، حتّى بلغ رأس السنة. ثمّ وافوه، فقالوا: - «يا أمير المؤمنين، إنّه قطع صاحبنا، وهذا كتابه بإقراره على غير ذنب.» فقرأ الكتاب، وقال: - «أمّا القود من عمّالى، فلا سبيل إليه، ولكن، إن شئتم، ودينا صاحبكم.» قالوا:

стр. 588

- «فده.» فوداه من بيت المال، وعزل عبد الله، وولّى عبيد الله بن زياد. ذكر بعض سيرة معاوية، وآرائه، ودهائه ما قاله عمر فيه كان عمر بن الخطّاب كثيرا ما يقول: - «تذكرون كسرى وقيصر ودهيهما، وسياستهما وعندكم معاوية.» بين معاوية وعمرو بن العاص فممّا يحضرنا من ذلك: أنّ عمرو بن العاص، كان وفد إلى معاوية ومعه أهل مصر، فقال لهم عمرو: - «انظروا، إذا دخلتم على ابن هند، فلا تسلّموا عليه [٦٦] بالخلافة، فإنّه أعظم لكم في عينه، وصغّروه ما استطعتم.» فلمّا قدموا عليه، قال معاوية لحاجبه: - «كأنّى بابن النابغة، قد صغّر شأنى عند القوم، فإذا دخل الرجل، أو الوفد، فتعتعوهم [١] أشدّ ما يكون، فلا يبلغنّى رجل منهم، إلّا وقد أهمّته نفسه. [٢] » فكان أوّل من دخل عليه رجل من مصر، يقال له: ابن خيّاط، فدخل وقد تعتع، فقال: - «السلام عليك، يا رسول الله!» فتتابع القوم على ذلك، فلمّا خرجوا من عنده، قال لهم عمرو:

стр. 589

- «لعنكم الله، نهيتكم أن تسلّموا عليه بالإمارة، فسلّمتم عليه بالنبوّة!» وكان معاوية قد لبس ذلك اليوم أبهى لباسه، واكتحل، وكان من أجمل الناس، إذا فعل ذلك. بينه وبين عمر بن الخطّاب ومن ذلك أنّ عمر بن الخطّاب، كان خرج إلى الشام، فرأى معاوية في موكب يتلقّاه، ثمّ راح إليه في موكب. فقال له عمر: - «يا معاوية! تغدو في موكب، وتروح في مثله. ويبلغني أنّك تتصبّح في منزلك، وذوو الحاجات ببابك.» فقال: - «يا أمير المؤمنين، العدوّ بها قريب، ولهم عيون وجواسيس فأردت أن يروا للإسلام عزّا.» فقال عمر: - «إنّ هذا [٦٧] لكيد رجل لبيب، أو خدعة رجل أريب.» فقال معاوية: - «يا أمير المؤمنين مرني بما شئت أصر إليه.» قال: - «ويحك! ما ناظرتك [١] في أمر أعتب عليك فيه، إلّا تركتني لا أدرى: آمرك، أم أنهاك [٢] !» ما كان بينه وبين المغيرة ومن ذلك أنّ المغيرة كتب إلى معاوية:

стр. 590

- «أمّا بعد، فإنّى كبرت، ودقّ عظمى، وشنفت [١] لى قريش، فإن رأيت أن تعزلني، فاعزلنى.» فكتب إليه معاوية: - «جاءني كتابك تذكر أنّه كبرت سنّك، فلعمرى، ما أكل عمرك غيرك، وتذكر أنّ قريشا شنفت لك، ولعمري، ما أصبت خيرا إلّا منهم، وتسألنى أن أعزلك، فقد فعلت، فإن تك صادقا فقد شفعتك [٢] ، وإن تك مخادعا، فقد خادعتك.» فلما ورد المغيرة باب معاوية، ذهب كاتبه إلى سعيد بن العاص، وأشار عليه أن يخطب ولاية الكوفة، ودلّه على وجوه من الرغائب. فلما بلغ ذلك المغيرة، شقّ عليه، ودخل على يزيد بن معاوية، وعرّض له بالبيعة، فدخل يزيد على أبيه. فأعلمه ذلك، فدعا معاوية المغيرة، ورفق به، وردّه إلى الكوفة، وسأله أن يأخذ بيعة يزيد على الناس. [٦٨] وقال عمرو بن العاص: - «ما رأيت معاوية متّكئا قطّ، واضعا إحدى رجليه على الأخرى، كاسرا [٣] عينه، يقول لرجل: تكلّم، إلّا رحمته.» بين معاوية وهانئ حكى الشعبىّ: أنّ وفد الكوفة قدموا على معاوية لمّا أراد البيعة ليزيد، وفيهم هانئ بن عروة المرادي. فبينا أنا جالس إذ قال هانئ بن عروة: - «العجب من معاوية، يريد أن يقسرنا على بيعة ابنه يزيد، وحاله حاله [٤] ، وما ذاك بكائن.»

стр. 591

وغلام من قريش قاعد في حلقته، فقام، فدخل على معاوية، فأخبره بقول هانئ، فقال له: - «أنت سمعت هانئا يقوله؟» قال: - «نعم.» قال: - «فاخرج من هذا الباب وائت حلقته من باب من أبواب المسجد، غير بابك الذي خرجت منه، فقل له إذا خفّ من عنده: - «أيّها الشيخ! قد سمعت مقالتك، ولست في زمن أبى بكر ولا عمر، ولا أحبّ لك أن تتكلّم بهذا الكلام، فإنّهم بنو أميّة، وجرأتهم جرأتهم، وإقدامهم ما قد علمت.» ثمّ قال له معاوية: - «.. إذا فرغت من كلامك، فقل له: - إنه لم يدعني إلى هذا، إلّا النصيحة لك. ثمّ احفظ عليه ما يقول.» فأقبل الفتى إلى مجلس هانئ، فلما خفّ من عنده، دنا منه، فكلّمه بهذا [٦٩] الكلام. فقال له: - «يا بن أخى، والله ما بلغت نصيحتك لى كلّ هذا، وإنّ هذا الكلام لكلام معاوية، وأعرفه، وأشهد به.» فقال الفتى: «ما أنا ومعاوية! والله ما يعرفني، ولا يدرى من أنا.» قال: - «يا بن أخى، فلا عليك، ولكن إذا لقيته فقل له: يقول لك هانئ: لا والله، لا إلى ما أردت من سبيل، انهض يا بن أخى!» فذهب الفتى، فأعلم معاوية ما قال، فقال:

стр. 592

- «بالله نستعين عليه.» ثمّ أذن للوفد، وقال لهم: - «ارفعوا حوائجكم.» ففعلوا، فلما عرض كتاب هانئ على معاوية، قال: - «يا هانئ ما صنعت شيئا، فزد [١] .» فزاد هانئ ومعاوية يقول: - «ما صنعت شيئا، هات حوائجك!» حتّى لم يدع حاجة لمن [٢] يهتمّ به إلّا رفعها وقضاها. ثمّ قال: - «يا هانئ لم تصنع شيئا.» فقال: - «يا أمير المؤمنين، قد بقيت حاجة.» قال- «وما هي؟» قال: - «بيعة يزيد، أتولّاها له بالعراق.» قال: - «هي إليك.» فقدم هانئ، فقام بأمر يزيد، وتولّى المغيرة بن شعبة البيعة. من تشبّه بمعاوية في ذلك وتشبّه بمعاوية عبد الملك، وذلك أنه لمّا أراد البيعة للوليد، وجّه الوليد إلى القين، وعاملة [٣] ، فأصلح بينهم، وكانت بينهما دماء، فاحتملها. فكانت القين وعاملة أوّل من دعا إلى الوليد. ثمّ أراد [٧٠] الوليد ذلك عبد العزيز ابنه، فوجّهه إلى قيس بن غسّان، وكانت بينهما دماء، فأصلح بينهم، واحتمل دماءهم، فكانت قيس وغسّان أوّل من دعا

стр. 593

إلى عبد العزيز. ثمّ صنع ذلك سليمان لمّا وقع بين قيس وحمير بدمشق من الدماء ما وقع. وجّه ابنه أيّوب، فأصلح بينهم، واحتمل دماءهم، ومات أيّوب قبل أن تظهر له بيعة. ثمّ صنع ذلك يزيد بن عبد الملك. كتب إليه ابن هبيرة من الجزيرة، يشير عليه: أن يوجّه الوليد بن يزيد، ليصلح ما بين قيس وتغلب. فوجّهه، فأصلح بينهم، واحتمل دماءهم، فكانوا أوّل من تكلّم في أمر الوليد، وذلك في حياة أبيه، حتّى بايع [١] بعد هشام له. كلام لمعاوية وقال معاوية: - «إنّى لأرفع نفسي، أن يكون ذنب أعظم من عفوي، أو جهل أكبر من حلمي، أو عورة لا أواريها بستري، أو إساءة أكثر من إحسانى.»

стр. 594

أيّام يزيد بن معاوية وما جرى فيها من الأحداث الّتى يليق ذكرها بهذا الكتاب وصايا معاوية ليزيد كان معاوية وطّأ لابنه يزيد الأمور، وأخذ على الوفود له البيعة، فلما مرض [٧١] المرضة التي توفّى فيها، دعا به وقال: - «إنى لا أتخوّف عليك أن ينازعك هذا الأمر الذي استتبّ لك، إلّا أربعة نفر من قريش: الحسين بن علىّ بن أبى طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمان بن أبى بكر. - «فأمّا عبد الله بن عمر، فرجل قد وقذته [١] العبادة، وإذا لم يبق أحد غيره، بايعك.. - «وأما حسين بن علىّ، فإنّ أهل العراق لن يدعوه، حتّى يخرجوه، فإن خرج عليك، فظفرت عليه، فاصفح عنه، فإنّ له رحما ماسّة، وحقّا عظيما.. - «وأمّا ابن أبى بكر، فرجل ليست له همّة إلّا في النساء، واللهو. - «وأمّا الذي يجثم عليك جثوم الأسد، ويراوغك روغان الثعلب، فإذا أمكنته

стр. 595

فرصة وثب، فذاك ابن الزبير، فإن هو فعلها بك، فقدرت عليه، فقطّعه آرابا.» فلما مات معاوية امتنع هؤلاء من البيعة، وخرج عبد الله بن الزبير، والحسين، إلى مكّة لمّا أخذهما عامل يزيد بالبيعة، وكانا يومئذ بالمدينة. وأما عبد الله بن عمر، فلم يتشدّد عليه، وكذلك عبد الرحمان بن أبى بكر. فلما قدم عبد الله بن الزبير والحسين مكّة، اجتمع الناس على الحسين، وابن الزبير قد [٧٢] لزم جانب الكعبة، فهو قائم يصلّى عندها عامة نهاره ويطوف، ثمّ يأتى الحسين في من يأتى، ولا يزال يشير عليه بالرأى، وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير، قد عرف أنّ أهل الحجاز لا يطيعونه، ولا يبايعونه أبدا، ما دام الحسين بالبلد، وأنّ الحسين أعظم في نفوسهم، وأعينهم منه، وأطوع في الناس منه. وبلغ أهل العراق امتناع الحسين من البيعة ليزيد، وأنه لحق بمكّة، فأرجفوا [١] بيزيد. ذكر رأى أشير به على الحسين بن علىّ ﵉ كان عبد الله بن مطيع لقى الحسين، وهو يريد مكّة، فقال: - «جعلني الله فداءك، أين تريد؟» قال: - «أما الآن، فإنّى أريد مكّة، وأما بعد، فإنى أستخير الله .» قال: - «خار الله لك، وجعلنا فداءك، فإذا أتيت مكّة، فإيّاك أن تقرب الكوفة، فإنّها بلدة مشؤومة قتل بها أبوك، وخذل فيها أخوك، واغتيل بطعنة كادت تأتى على

стр. 596

نفسه. الزم الحرم، فإنك سيّد العرب، لا يعدل بك أهل الحجاز أحدا، ويتداعى الناس إليك من كلّ جانب.» ذكر رأى آخر أشير به عليه [٧٣] فأمّا محمد بن الحنفيّة، فإنه أتاه، فقال: - «يا أخى، أنت أعزّ خلق الله علىّ، ولست أدّخرك نصيحتي [١] ، تنحّ عن الأمصار ما استطعت، ثمّ ابعث رسلك إلى الشام، فادعهم إلى نفسك فإن بايعوك، حمدت الله عليه، وإن اجتمع على غيرك، لم ينقص الله بذلك دينك، ولا عقلك، ولا يذهب به مروءتك ولا فضلك. إنى أخاف أن تأتى مصرا من الأمصار، فيختلف الناس بينهم، فمنهم طائفة معك، والأخرى عليك، فيقتتلوا، فتكون لأوّل الأسنّة، فإذا خير هذه الأمّة نفسا، وأبا، وأمّا، أضيعها دما، وأذلّها أهلا.» فقال له الحسين: - «فأين أذهب يا أخى؟» قال: «انزل مكّة، فإن اطمأنّت بك الدار فسبيل ذلك، وإن نبت لك، لحقت بالرمال، وشعف [٢] الجبال، وتنقّلت [٣] من بلد إلى بلد حتّى يفرق [٤] لك الرأى، فتستقبل الأمور استقبالا، وتستدبرها استدبارا.» فقال: - «يا أخى، قد نصحت وأشفقت.»

стр. 597

ما كتبه إليه أهل الكوفة ثمّ إنّ أهل الكوفة، من شيعة أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب ﵇ اجتمعوا، فكاتبوا الحسين بن علىّ: - «إنّا قد [٧٤] اعتزلنا الناس، فلسنا نصلّى بصلاتهم، ولا إمام لنا، فلو أقبلت إلينا رجونا أن يجمعنا الله لك على الإيمان.» ثمّ اجتمع رؤساء الشيعة مثل سليمان بن صرد، والمسيّب بن نجبة [١] وأشباههم، وكتبوا إليه: [ «بسم الله الرحمن الرحيم» ] [٢]- «لحسين بن علىّ من شيعته المؤمنين. أما بعد، فحىّ هلا، فإنّ الناس ينتظرونك، لا رأى لهم في غيرك، فالعجل، ثمّ العجل، والسلام.» ثمّ اجتمعوا ثالثة، فكتبوا إليه: - «من شبث بن ربعىّ، وحجّار بن أبجر، ويزيد بن الحارث بن رويم، وعمرو بن الحجاج، ومحمد بن عمير. أمّا بعد، فقد اخضرّ الجناب، وأينعت الثمار، [وطمّت الجمام،] [٣] فإذا شئت فاقدم على جنود مجنّدة لك [٤] ، والسلام.» فاجتمعت الرسل كلّهم عند الحسين، وقرأ الكتب، وسأل الرسل عن أمر الناس، ثمّ كتب أجوبة كتبهم، وأنفذ مسلم بن عقيل بن أبى طالب إليهم، وقال له: - «اذهب، فاعرف أحوال الناس، وانظر ما كتبوا به، فإن كان صحيحا قد اجتمع عليه رؤساؤهم، وتابعهم من يوثق به، خرجنا إليهم.» فسار مسلم إلى الكوفة، وبها النعمان بن بشير الأنصارى أميرا [٧٥] من قبل

стр. 598

يزيد. فلما تحدّث الناس بمقدمه دبّوا إليه، فبايعه منهم اثنا عشر ألفا. فقام عبد الله بن مسلم الحضرمي إلى النعمان بن بشير، فقال له: - «إنك ضعيف، أو متضعّف، قد فسد البلاد، وليس يصلح ما ترى إلّا الغشم.» فقال النعمان: - «لأن أكون ضعيفا وأنا فى طاعة الله، أحبّ إلىّ من أن أكون قويّا، وأنا فى معصية الله، وما كنت لأهتك سترا ستره الله.» فكتب بقول النعمان إلى يزيد وقيل له [١] : - «إن كانت لك حاجة فى الكوفة، فابعث إليها رجلا قويّا ينفّذ أمرك، ويعمل مثل عملك، فإنّ النعمان بن بشير إمّا ضعيف، أو متضعّف.» فدعا يزيد كاتبه سرجون، وكان يستشيره، فأخبره الخبر. ذكر رأى أشار به الكاتب على يزيد قال له: - «أكنت قابلا من معاوية لو كان حيّا.» قال: - «نعم.» قال: - «فاقبل منّى، فإنّه ليس للكوفة إلّا عبيد الله بن زياد، فولّه.» وكان يزيد ساخطا عليه، وهمّ بعزله عن البصرة. فكتب إليه برضاه عنه، وأنه قد ولّاه الكوفة مع البصرة، وكتب إليه [٧٦] أن يطلب مسلم بن عقيل، فيقتله. فأقبل عبيد الله فى وجوه أهل البصرة، حتّى قدم الكوفة متلثّما، فلا يمرّ على مجلس من مجالسهم فيسلّم، إلّا قالوا: - «وعليك السلام يا بن بنت رسول الله.» !

стр. 599

وهم يظنّون أنه الحسين بن علىّ، حتّى نزل القصر، واجما كئيبا لما رأى. ثمّ جمع الناس فخطبهم، وأعلمهم نيّة يزيد [١] فى الإحسان إلى سامعهم ومطيعهم، والشدّة على مريبهم وعاصيهم، ووعد، وأوعد، وختم الخطبة بأن قال: - «ليبق امرؤ على نفسه، الصدق ينبئ عنك لا الوعيد [٢] » ثمّ أخذ العرفاء أخذا شديدا، ودعا الناس، فقال: - «اكتبوا لى العرفاء، ومن فيكم من طلبة أمير المؤمنين، وأهل الريب، الذين رأيهم الخلاف والشقاق، فمن كتبهم لنا، فهو بريء، ومن لم يكتب لنا أحدا، فليضمن لنا ما فى عرافته: أن لا يخالفنا منهم مخالف، ولا يبغى علينا فيهم باغ، فمن لم يفعل ذلك، فبرئت منه الذمّة وحلال علينا دمه وماله. وأيّما عريف وجد فى عرافته من بغية [٣] أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا، صلب على باب داره، وألقيت تلك العرافة من العطاء.» [٧٧] ذكر تلافى عبيد الله ملك يزيد بعد أن أشرف على الذهاب، وما كان من حيله ومكايده ثمّ إنّ عبيد الله دعا مولى له، فأعطاه ثلاثة آلاف درهم، وقال له: - «اذهب، حتّى تسأل عن الرجل الذي يبايع أهل الكوفة [٤] ، فأعلمه: أنّك رجل من أهل حمص جئت [٥] لهذا الأمر، وهذا مال تدفعه إليه، ليتقوّى [٦] به.» فلم يزل يتلطّف، ويرفق، ويسترشد، حتّى دلّ على شيخ من أهل الكوفة

стр. 600

يأخذ [١] البيعة، فلقيه، فأخبره. فقال الشيخ: «لقد سرّنى لقاؤك، وساءني. أما ما سرّنى من ذاك، فما هداك الله له، وأمّا ما ساءني، فإنّ أمرنا لم يستحكم بعد.» قال: فأدخله عليه، وقبض منه المال، وبايعه، ورجع الرجل إلى عبيد الله، فأخبره. مسلم ينتقل إلى بيت هانئ وانتقل مسلم، حين وافى عبيد الله، إلى منزل هانئ بن عروة المرادىّ، وكتب إلى الحسين يخبره ببيعة بضعة عشر ألفا من أهل الكوفة، ويأمره بالقدوم عليه. وقال عبيد الله لوجوه أهل الكوفة: - «إنى أعلم أنه قد سار معى، وأظهر الطاعة لى من هو عدوّ للحسين، حين ظنّ أنّ الحسين قد دخل البلد، وغلب عليه، وو الله، ما عرفت منكم أحدا.» وقدم شريك بن الأعور [٧٨] من البصرة، وكان من شيعة علىّ، ﵇. ذكر مكيدة بليغة لشريك ما تمّت له فقال لهانىء: - «مر مسلما يكون عندي، فإنّ عبيد الله يعودني.» وقال شريك لمسلم: - «أرأيتك، إن أمكنتك من عبيد الله، تضربه بالسيف؟» قال: - «نعم والله.» وأظهر شريك زيادة على ما به من الشكاة، وهو نازل فى دار هانئ. وجاء
следующие страницы →