نفسه. الزم الحرم، فإنك سيّد العرب، لا يعدل بك أهل الحجاز أحدا، ويتداعى الناس إليك من كلّ جانب.»
ذكر رأى آخر أشير به عليه [٧٣]
فأمّا محمد بن الحنفيّة، فإنه أتاه، فقال:
- «يا أخى، أنت أعزّ خلق الله علىّ، ولست أدّخرك نصيحتي [١] ، تنحّ عن الأمصار ما استطعت، ثمّ ابعث رسلك إلى الشام، فادعهم إلى نفسك فإن بايعوك، حمدت الله عليه، وإن اجتمع على غيرك، لم ينقص الله بذلك دينك، ولا عقلك، ولا يذهب به مروءتك ولا فضلك. إنى أخاف أن تأتى مصرا من الأمصار، فيختلف الناس بينهم، فمنهم طائفة معك، والأخرى عليك، فيقتتلوا، فتكون لأوّل الأسنّة، فإذا خير هذه الأمّة نفسا، وأبا، وأمّا، أضيعها دما، وأذلّها أهلا.» فقال له الحسين:
- «فأين أذهب يا أخى؟» قال:
«انزل مكّة، فإن اطمأنّت بك الدار فسبيل ذلك، وإن نبت لك، لحقت بالرمال، وشعف [٢] الجبال، وتنقّلت [٣] من بلد إلى بلد حتّى يفرق [٤] لك الرأى، فتستقبل الأمور استقبالا، وتستدبرها استدبارا.» فقال:
- «يا أخى، قد نصحت وأشفقت.»
стр. 597
ما كتبه إليه أهل الكوفة
ثمّ إنّ أهل الكوفة، من شيعة أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب ﵇ اجتمعوا، فكاتبوا الحسين بن علىّ:
- «إنّا قد [٧٤] اعتزلنا الناس، فلسنا نصلّى بصلاتهم، ولا إمام لنا، فلو أقبلت إلينا رجونا أن يجمعنا الله لك على الإيمان.» ثمّ اجتمع رؤساء الشيعة مثل سليمان بن صرد، والمسيّب بن نجبة [١] وأشباههم، وكتبوا إليه:
[ «بسم الله الرحمن الرحيم» ] [٢]- «لحسين بن علىّ من شيعته المؤمنين. أما بعد، فحىّ هلا، فإنّ الناس ينتظرونك، لا رأى لهم في غيرك، فالعجل، ثمّ العجل، والسلام.» ثمّ اجتمعوا ثالثة، فكتبوا إليه:
- «من شبث بن ربعىّ، وحجّار بن أبجر، ويزيد بن الحارث بن رويم، وعمرو بن الحجاج، ومحمد بن عمير. أمّا بعد، فقد اخضرّ الجناب، وأينعت الثمار، [وطمّت الجمام،] [٣] فإذا شئت فاقدم على جنود مجنّدة لك [٤] ، والسلام.» فاجتمعت الرسل كلّهم عند الحسين، وقرأ الكتب، وسأل الرسل عن أمر الناس، ثمّ كتب أجوبة كتبهم، وأنفذ مسلم بن عقيل بن أبى طالب إليهم، وقال له:
- «اذهب، فاعرف أحوال الناس، وانظر ما كتبوا به، فإن كان صحيحا قد اجتمع عليه رؤساؤهم، وتابعهم من يوثق به، خرجنا إليهم.» فسار مسلم إلى الكوفة، وبها النعمان بن بشير الأنصارى أميرا [٧٥] من قبل
стр. 598
يزيد. فلما تحدّث الناس بمقدمه دبّوا إليه، فبايعه منهم اثنا عشر ألفا. فقام عبد الله بن مسلم الحضرمي إلى النعمان بن بشير، فقال له:
- «إنك ضعيف، أو متضعّف، قد فسد البلاد، وليس يصلح ما ترى إلّا الغشم.» فقال النعمان:
- «لأن أكون ضعيفا وأنا فى طاعة الله، أحبّ إلىّ من أن أكون قويّا، وأنا فى معصية الله، وما كنت لأهتك سترا ستره الله.» فكتب بقول النعمان إلى يزيد وقيل له [١] :
- «إن كانت لك حاجة فى الكوفة، فابعث إليها رجلا قويّا ينفّذ أمرك، ويعمل مثل عملك، فإنّ النعمان بن بشير إمّا ضعيف، أو متضعّف.» فدعا يزيد كاتبه سرجون، وكان يستشيره، فأخبره الخبر.
ذكر رأى أشار به الكاتب على يزيد
قال له:
- «أكنت قابلا من معاوية لو كان حيّا.» قال:
- «نعم.» قال:
- «فاقبل منّى، فإنّه ليس للكوفة إلّا عبيد الله بن زياد، فولّه.» وكان يزيد ساخطا عليه، وهمّ بعزله عن البصرة. فكتب إليه برضاه عنه، وأنه قد ولّاه الكوفة مع البصرة، وكتب إليه [٧٦] أن يطلب مسلم بن عقيل، فيقتله.
فأقبل عبيد الله فى وجوه أهل البصرة، حتّى قدم الكوفة متلثّما، فلا يمرّ على مجلس من مجالسهم فيسلّم، إلّا قالوا:
- «وعليك السلام يا بن بنت رسول الله.» !
стр. 599
وهم يظنّون أنه الحسين بن علىّ، حتّى نزل القصر، واجما كئيبا لما رأى.
ثمّ جمع الناس فخطبهم، وأعلمهم نيّة يزيد [١] فى الإحسان إلى سامعهم ومطيعهم، والشدّة على مريبهم وعاصيهم، ووعد، وأوعد، وختم الخطبة بأن قال:
- «ليبق امرؤ على نفسه، الصدق ينبئ عنك لا الوعيد [٢] » ثمّ أخذ العرفاء أخذا شديدا، ودعا الناس، فقال:
- «اكتبوا لى العرفاء، ومن فيكم من طلبة أمير المؤمنين، وأهل الريب، الذين رأيهم الخلاف والشقاق، فمن كتبهم لنا، فهو بريء، ومن لم يكتب لنا أحدا، فليضمن لنا ما فى عرافته: أن لا يخالفنا منهم مخالف، ولا يبغى علينا فيهم باغ، فمن لم يفعل ذلك، فبرئت منه الذمّة وحلال علينا دمه وماله. وأيّما عريف وجد فى عرافته من بغية [٣] أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا، صلب على باب داره، وألقيت تلك العرافة من العطاء.»
[٧٧] ذكر تلافى عبيد الله ملك يزيد بعد أن أشرف على الذهاب، وما كان من حيله ومكايده
ثمّ إنّ عبيد الله دعا مولى له، فأعطاه ثلاثة آلاف درهم، وقال له:
- «اذهب، حتّى تسأل عن الرجل الذي يبايع أهل الكوفة [٤] ، فأعلمه: أنّك رجل من أهل حمص جئت [٥] لهذا الأمر، وهذا مال تدفعه إليه، ليتقوّى [٦] به.» فلم يزل يتلطّف، ويرفق، ويسترشد، حتّى دلّ على شيخ من أهل الكوفة
стр. 600
يأخذ [١] البيعة، فلقيه، فأخبره.
فقال الشيخ: «لقد سرّنى لقاؤك، وساءني. أما ما سرّنى من ذاك، فما هداك الله له، وأمّا ما ساءني، فإنّ أمرنا لم يستحكم بعد.» قال:
فأدخله عليه، وقبض منه المال، وبايعه، ورجع الرجل إلى عبيد الله، فأخبره.
مسلم ينتقل إلى بيت هانئ
وانتقل مسلم، حين وافى عبيد الله، إلى منزل هانئ بن عروة المرادىّ، وكتب إلى الحسين يخبره ببيعة بضعة عشر ألفا من أهل الكوفة، ويأمره بالقدوم عليه.
وقال عبيد الله لوجوه أهل الكوفة:
- «إنى أعلم أنه قد سار معى، وأظهر الطاعة لى من هو عدوّ للحسين، حين ظنّ أنّ الحسين قد دخل البلد، وغلب عليه، وو الله، ما عرفت منكم أحدا.» وقدم شريك بن الأعور [٧٨] من البصرة، وكان من شيعة علىّ، ﵇.
ذكر مكيدة بليغة لشريك ما تمّت له
فقال لهانىء:
- «مر مسلما يكون عندي، فإنّ عبيد الله يعودني.» وقال شريك لمسلم:
- «أرأيتك، إن أمكنتك من عبيد الله، تضربه بالسيف؟» قال:
- «نعم والله.» وأظهر شريك زيادة على ما به من الشكاة، وهو نازل فى دار هانئ. وجاء
стр. 601
عبيد الله يعود شريكا فى منزل هانئ.
فقال شريك لمسلم:
- «إذا تمكّن عبيد الله، فإنّى مطاوله الحديث، فاخرج إليه بسيفك، واقتله، فليس بينك وبين القصر من تحول دونه، وإن شفاني الله كفيتك البصرة.» فقال هانئ:
- «إنى لأكره قتل رجل فى منزلي.» وشجّعه شريك، وقال:
- «هي فرصة لك، وإيّاك أن تضيّعها، فانتهزها فيه، فإنّه عدوّ الله، وعلامتك أن أقول [١] : اسقونى ماء.» وجاء عبيد الله بن زياد، فدخل، وجلس، وسأل شريكا عن وجعه، وقال:
- «ما الذي تجد، ومتى اشتكيت؟» فلما طال سؤاله إيّاه، ورأى أنّ أحدا لا يخرج، خشي أن يفوته، فأخذ يقول:
- «اسقونى ويحكم [ماء] ، [٢] ما تنتظرون بنفسي [٣] [٧٩] لن [٤] تحيوها، اسقونيه [٥] وإن كانت نفسي فيه [٦] .» فقال ذلك مرّتين، أو ثلاثا.
فقال عبيد الله:
- «ما شأنه؟ أو ترونه يهجر؟» فقال هانئ:
стр. 602
- «نعم، أصلحك الله، هذا ديدنه منذ الصبح.» ففطن مولى لعبيد الله قائم على رأسه، فغمزه، فقام عبيد الله.
فقال شريك:
- «انتظر، أصلحك الله، فإنى أريد أن أوصّى إليك.» فقال:
- «أعود.» فلما خرج، قال شريك لمسلم:
- «ما منعك من قتله؟» قال:
- «خصلتان: أما إحداهما، فكراهة هانئ أن يقتل فى داره رجل. والأخرى، فحديث سمعته من علىّ عن النبىّ- صلّى الله عليه- أنّ الإيمان قيّد الفتك، فلا يفتك مؤمن.» فلبث شريك بن الأعور بعد ذلك ثلاثا ومات.
هانئ يطلب إلى القصر
ودعا عبيد الله هانئ بن عروة، فأبى أن يجيبه إلّا بأمان، فقال:
- «ماله وللأمان، هل أحدث حدثا؟» فجاءه بنو عمّه، ورؤساء العشائر، فقالوا:
- «لا تجعل على نفسك سبيلا، وأنت بريء.» وأتى به، فقال عبيد الله:
- «إيه [١] يا هانئ، ما هذه الأمور التي تربّص [٢] فى دورك لأمير المؤمنين، وعامّة المسلمين؟» قال:
стр. 603
- «وما ذاك، يا أمير المؤمنين!» قال:
- «جئت بمسلم بن عقيل، وأدخلته دارك [٨٠] وجمعت السلاح، والرجال فى دور حولك [١] ، وظننت أنّ ذلك يخفى.» فقال:
- «ما فعلت، وما مسلم عندي.» قال:
- «بلى، قد فعلت» قال:
- «لا، ما فعلت.» قال:
- «بلى.» فلما كثر ذلك، وأبى هانئ إلّا مجاحدته، دعا عبيد الله ذلك الدسيس الذي دسّه، وحمل على يده المال، وكان قد أنس بهم، وداخلهم، وجعل ينقل كلّ ما يكون منهم، إليه. فلما رءاه هانئ، قال له عبيد الله:
- «هل تعرف هذا؟» فعلم هانئ أنه كان عينا عليهم، فسقط فى خلده [٢] ساعة، ثمّ إنّ نفسه راجعته، فقال له:
- «اسمع منّى، فإنّى، والله الذي لا إله إلّا هو أصدقك: ما دعوته، ولكن نزل علىّ، فاستحييت من ردّه، ولزمني ذمامه، فأدخلته، وأضفته، وآويته. فإن شئت، أعطيتك موثقا، وما تطمئن إليه، لا أبغيك سوءا ولا غائلة، وإن شئت أعطيتك رهينة تكون فى يدك حتّى آتيك، وأنطلق إليه، فآمره أن يخرج من دارى إلى حيث شاء من الأرض، فأخرج من ذمامه وجواره.» فقال:
стр. 604
- «والله، لا تفارقني أبدا، حتّى تأتينى به.» قال:
- «والله، لا أجيئك به أبدا، أنا أجيئك بضيفي تقتله؟» قال: [٨١]- «والله، لتأتينّى به.» وقام الناس إليه، يناشدونه فى نفسه، ويقولون:
- «إنّه سلطان، وليس عليك فى دفعه إليه عار، ولا نقيصة.» فقال:
- «بلى والله، علىّ فى ذلك، الخزي والعار: أدفع جارى وضيفي إلى قاتله، وأنا صحيح، أسمع، وأرى، شديد الساعد، كثير الأعوان!» فقال عبيد الله بن زياد:
- «أدنوه منّى!» فأدنى منه، وله ضفيرتان قد رجّلهما [١] . فأمر بضفيرتيه، فأمسك بهما، واستعرض وجهه بقضيب فى يده، فلم يزل يضرب أنفه، وجبهته، وجبينه، حتّى نثر لحم خدّيه، وهشم أنفه. وتلوّى هانئ، وضرب بيده إلى قائم سيف شرطىّ ممّن حضر، فمانعه الرجل، ومنع.
فقال عبيد الله:
- «أحرورىّ سائر اليوم؟ حلّ لنا قتلك.» فقام أسماء بن خارجة، فقال:
- «أرسل غدر [٢] نحن منذ اليوم؟ أمرتنا أن نجيئك بالرجل، حتّى إذا جئناك به، فعلت به ما ترى، وزعمت أنّك تقتله.» فقال عبيد الله:
- «إنّك هاهنا.»
стр. 605
وأمر، فلهز، وتعتع ساعة، ثمّ ترك، فجلس، وسكت الناس.
وأمر بهانىء، فجعل فى بيت، ووكّل به من يحرسه. وبلغ ذلك مذحجا، فأقبلت إلى القصر، فقيل لعبيد الله:
- «هذه مذحج، قد اجتمعت [٨٢] بالباب.» فقال لشريح القاضي:
- «ادخل على صاحبهم، فانظر إليه، ثمّ اخرج، فأعلمهم أنّه حىّ.» فخرج إليهم شريح، فأعلمهم أنه رءاه وهو حىّ سالم، وإنّما عاتبه كما يعاتب الأمير رعيّته. فانصرفوا.
مسلم يقبل نحو القصر بالمبايعين
وبعث مسلم بن عقيل من يأتيه بالخبر. فأتوه بالخبر على وجهه، وأمر أن ينادى بشعاره:
- «يا منصور أمت.» وكان قد بايعه ثمانية عشر ألف [٠٠٠، ١٨] رجل. فاجتمعوا إليه، فعقد لجماعة على الأرباع، وقدّم أمامه صاحب ربع كندة، وأقبل نحو القصر، فتحرّز عبيد الله، وغلّق الأبواب. وسار مسلم حتّى أحاط بالقصر، وتداعى الناس، واجتمعوا، حتّى امتلأ المسجد والسوق، وما زالوا يتوثّبون [١] حتّى المساء.
فضاق بعبيد الله أمره، وكان أكبر همّه أن يتمسّك بباب القصر، وليس معه فى القصر إلّا ثلاثون رجلا من الشرط، وعشرون رجلا من أشراف الناس، وأهل بيته، وجعل من فى القصر يشرفون فيشتمهم الناس، ويفترون على ابن زياد وأبيه، ويتّقون أن يرموهم بالحجارة. ففتح عبيد الله الباب الذي يلي دار الروميّين [٢]
стр. 606
ليدخل [٨٣] إليه من يأتيه، ودعا كثير بن شهاب، فأمره أن يخرج فى من أطاعه من مذحج، فيخذّل الناس عن مسلم بن عقيل، ويخوّفهم عقوبة السلطان، وغائلة أمرهم، وأمر محمد بن الأشعث بمثل ذلك، فى من أطاعه من كندة، أن يرفع راية أمان لمن جاءه من الناس، وقال لمثل هؤلاء من أهل الشرف مثل ذلك.
فخرجوا، وجاءوا بعدّة، فحبسوا، ورجع إليه الرؤساء من ناحية دار الروميّين، فدخلوا القصر، فقال لهم عبيد الله:
- «أشرفوا على القصر فمنّوا أهل الطاعة، وخوّفوا أهل المعصية.» فتكلّم القوم، وقالوا:
- «أيّها الناس! الحقوا بأهاليكم، ولا تعجّلوا الشرّ، ولا تتعرّضوا للقتل، فإنّ أمير المؤمنين، قد بعث جنوده من الشام، وقد أعطى الله الأمير عهدا لئن تمّمتم على حربكم، ولم تنصرفوا من عشيّتكم، أن يحرم ذرّيتكم العطاء، ويفرّق مقاتلتكم فى مغازي الشام على غير طمع، وأن يأخذ البريء بالسقيم، والشاهد بالغائب، حتّى لا يبقى له فيكم بقيّة من أهل المعصية، إلّا أذاقها وبال أمرها.» فأخذ الناس- كما [٨٤] سمعوا هذا وأشباهه من رؤسائهم- يتفرّقون. فكانت المرأة تأتى إلى ابنها، وأخيها، فتقول:
- «انصرف، فإنّ الناس يكفونك.» ويجيء الرجل إلى ابنه، وأخيه، فيقول:
- «غدا يأتيك جنود الشام، فما تصنع بالحرب؟» فينصرف به.
فما زال الناس يتفرّقون، حتّى أمسى مسلم بن عقيل، وما معه إلّا ثلاثون رجلا حين صلّيت المغرب، فصلّى بهم مسلم. فلما رأى أنه قد أمسى وليس معه إلّا أولئك، خرج متوجّها نحو كندة، فما بلغ الأبواب ومعه منهم عشرة. ثمّ خرج من الباب، فإذا ليس معه إنسان، والتفت فإذا هو لا يحسّ أحدا يدلّه على الطريق، ولا
стр. 607
على منزل، ولا يواسيه بنفسه إن عرض له عدوّ. فبقى متلدّدا فى أزقّة الكوفة، لا يدرى أين يذهب.
فمشى حتّى انتهى إلى باب امرأة [يقال لها: طوعة] [١] كانت أمّ ولد للأشعث، فزوّجها أسيدا [٢] الحضرمي، فولدت له بلالا. وكان بلال خرج مع الناس، وأمّه قائمة تنتظر، فسلّم مسلم عليها، فردّت عليه، فقال لها:
- «يا أمة الله، اسقيني ماء.» فدخلت، فسقته، فجلس، فقالت:
- «يا عبد الله، اذهب إلى أهلك.» فسكت، ثمّ عادت، فسكت، فقالت:
- «سبحان [٨٥] الله! قم إلى أهلك، فما يصلح الجلوس على بابى، ولا أحلّه لك.» فقال:
- «يا أمة الله، ما لي فى هذا المصر منزل، ولا عشيرة، فهل لك فى أجر ومعروف، ولعلّى أكافئك به بعد اليوم.» قالت:
- «وما ذاك؟» قال:
- «أنا مسلم بن عقيل، كذبني هؤلاء القوم، وغرّونى.» قالت:
- «أدخل!» ولم يكن بأسرع من أن جاء ابنها. فقالت:
- «يا بنىّ، مكرمة وافتك.» وأخذت عليه الإيمان، أن لا يخبر أحدا، فحلف، فأخبرته الخبر، فاضطجع وسكت.
وأخذ ابن زياد لا يسمع لأصحاب ابن عقيل صوتا، فقال لأصحابه:
стр. 608
- «أشرفوا، فانظروا ما بالهم؟» فأشرفوا، فلم يروا أحدا. قال:
- «فانظروا، فلعلّهم تحت الظلال قد كمنوا لكم.» فجعلوا يخفضون شعل النار فى أيديهم، وينظرون: هل فى الظلال أحد؟
فكانت أحيانا تضيء لهم، وأحيانا لا تضيء، كما يريدون. فدلّوا أنصاف الطّنان تشدّ بالحبال، ثمّ تجعل فيها النيران، ثمّ تدلّى إلى الأرض. ففعلوا ذلك من أقصى الظلال وأدناها، فلم يروا شيئا. فعلموا أنّ القوم انصرفوا نادمين.
فأعلموا ابن زياد، فأمر بفتح باب السدّة التي فى المسجد، ثمّ خرج فصعد المنبر، وخرج أصحابه، فجلسوا حوله [٨٦] قبل [١] العتمة، ونادى:
- «برئت الذمّة من رجل من الشرطة، أو العرفاء، أو المناكب [٢] والمقاتلة، صلّى العتمة إلّا فى المسجد!» فلم تكن إلّا ساعة حتّى امتلأ المسجد.
فقال الحصين بن تميم:
- «إن شئت، صلّى غيرك، ودخلت القصر، فإنّى لا آمن أن يغتالك بعض أعدائك.» فقال:
- «مر حرسى أن يقوموا ورائي، وزد فيهم، فإنّى لست بداخل بعد أن آثرت الخروج.» فصلّى بالناس، ثمّ قال:
- «أمّا بعد، فإنّ ابن عقيل، السفيه الجاهل، قد أتى ما رأيتم من الخلاف والشقاق، فبرئت الذمّة من رجل وجدناه فى داره، ومن جاء به فله ديته.» ثمّ توعّد الناس، وحضّهم على الطاعة، وخوّفهم الفرقة والفتنة. نادى حصين
стр. 609
بن تميم، فأجابه، وكان على شرطه، فقال:
- «ثكلتك أمّك إن ضاع باب سكة من سكك الكوفة، أو خرج هذا الرجل، ولم تأتنى به. فابعث مراصد على أفواه السكك، وأصبح غدا واستبرأ [١] الدور، وجس [٢] خلالها حتّى تأتينى بهذا الرجل.» ثمّ نزل ابن زياد، ودخل القصر، وأصبح ابن تلك العجوز، وهو بلال بن أسيد، فغدا إلى عبد الرحمان بن محمد بن [٨٧] الأشعث، فأخبره بمكان ابن عقيل عنده، وكان محمد بن الأشعث قد باكر ابن زياد، وهو عنده. فأقبل عبد الرحمان حتّى أتى أباه، فدنا منه، وسارّه.
فقال ابن زياد:
- «ما يقول ابنك؟» فقال:
- يقول: إنّ ابن عقيل فى دار من دورنا.» فنخس بالقضيب فى جنبه، وقال:
- «قم، وائتني به الساعة.» وبعث إلى خليفته، وهو فى المسجد أن:
- «ابعث مع ابن الأشعث سبعين رجلا من قيس.» وإنّما كره قومه لأنّه علم أنّ قومه يكرهون أن يصاب فيهم مثل ابن عقيل.
ففعل ذلك، وسار محمد بن الأشعث، حتّى أطاف بالدار.
فلمّا سمع مسلم وقع الحوافر، بادر إلى سيفه، وخرج إليهم، فاقتحموا عليه، فردّهم، ثمّ عادوا، فردّهم، حتّى ضربه رجل منهم بسيفه، فقطع شفته، وثناياه، وضربه مسلم بأعلى رأسه، كادت تأتى عليه، ولكن سلم. فلما رأى الناس ذلك، أخذوا يرمونه من فوق البيت.
стр. 610
محمد بن الأشعث يعطى الأمان لمسلم
فأقبل عليه محمد بن الأشعث، فقال:
- «إنك أثخنت، وعجزت عن القتال، فلم تقتل نفسك، أقبل إلىّ، ولك الأمان.» فقال: «آمن أنا؟» قال: «نعم.» وقال القوم: «أنت آمن.» فأمكن من نفسه، [٨٨] فدنوا منه، وحملوه. فقال:
- «يا محمد بن الأشعث، أراك ستعجز عن أمانى..» وذلك أنه نزع سيفه من عاتقه، فاستوحش.
- «.. فهل لك فى خير؟ تستطيع أن تبعث رجلا من عندك على لساني يبلغ حسينا- فإنّى أراه قد خرج، أو هو خارج غدا- فيقول له: إنّ ابن عقيل بعثني، وهو أسير، لا يرى أنه يمسي وهو يقتل، وهو يقول لك: ارجع بأهل بيتك، ولا يغرّك أهل الكوفة، فإنّهم أصحاب أبيك، الذي كان يتمنّى فراقهم بالموت، أو القتل، إنّ أهل الكوفة قد كذبوك، وكذبوني، وليس لكذوب [١] رأى.» فقال ابن الأشعث:
- «والله، لأفعلنّ، ولأعلمنّ الأمير عبيد الله، أنّى آمنتك.»
مسلم فى قصر ابن زياد
وذهب به إلى ابن زياد، وأنفذ رجلا على راحلة إلى الحسين بما قال مسلم.
فلما دخل به على ابن زياد، قال:
стр. 611
- «إنّى آمنته.» قال:
- «وما أنت والأمان، كأنما أرسلناك لتؤمنه، إنما أرسلناك لتأتينا [١] به.» فسكت، وانتهى بمسلم إليه. فقال:
- «إيه يا ابن عقيل، أتيت الناس، وأمرهم جميع وكلمتهم واحدة، لتشتّت بينهم، وتحمل بعضهم على بعض.» قال:
- «كلّا! [٨٩] لست لذلك أتيت، لكنّ أهل المصر زعموا أنّ أباك قتل خيارهم، وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم لنأمر بالمعروف والعدل، وندعو إلى حكم الكتاب.» وتراجعا الكلام إلى أن قال له ابن زياد:
- «قتلني الله، إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد فى الإسلام.» قال:
- «أما إنّك [٢] أحقّ من أحدث فى الإسلام، ما لم يكن فيه، وإنّك لا تدع سوء القتلة، وقبح المثلة، وخبث السريرة، ولؤم الغلبة. لا أحد [٣] من الناس أحقّ بها منك.» وأخذ ابن زياد يشتمه، ويشتم حسينا وعليّا، وأمسك مسلم لا يكلّمه.
ثمّ قال:
- «اصعدوا به فوق القصر، فاضربوا عنقه، ثمّ أتبعوا جسده رأسه.» فصعد وهو يقول:
- «اللهمّ احكم بيننا وبين قوم غرّونا، وخذلونا.» وأشرف به على موضع الحذّائين [٤] اليوم، فضربت عنقه، وأتبع جسده رأسه.
стр. 612
ثمّ أمر بهانىء بعد قتل مسلم، أن يخرج إلى السوق، فتضرب عنقه. فأخرج إلى حيث تباع فيه الغنم، وهو مكتوف [١] ، فجعل يقول:
- «وا مذحجاه، ولا مذحج لى اليوم.» ولا ينصره أحد، حتّى قتل. [٩٠] وأمر بكلّ من عرفه ممّن خرج مع مسلم، فأتى به إلى قومه، فضربت عنقه فيهم، وبعث برؤوس من قتل منهم إلى يزيد وكتب بالقصّة.
ولحق رسول مسلم الذي أشخصه محمد بن الأشعث، الحسين، وهو بزبالة لأربع ليال، فأخبره الخبر، وبلّغه الرسالة.
فقال له الحسين:
- «كلّ ما حمّ [٢] نازل، وعند الله نحتسب أنفسنا، وفساد أمّتنا.»
الحسين وآراء المشيرين عليه ذكر رأى أشير به على الحسين ﵇
لقيه عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، فقال له، وقد قدمت عليه كتب العراق:
- «يا بن عمّ، إنّى أتيت لحاجة أريد ذكرها لك نصيحة، فإن كنت ترى أنك مستنصحى، قلتها، وأدّيت ما علىّ من الحقّ فيها، وإن ظننت أنك لا تستنصحنى، كففت عمّا أريد أن أقول.» قال: فقال:
- «قل، فو الله ما أستغشّك، وما أظنّك بشيء من الهوى لقبيح من القول والفعل.»
стр. 613
قال: قلت:
- «بلغني أنّك تريد السير إلى العراق، وإنّى أشفق أن تأتى بلدا فيه عمّاله وأمراءه، ومعهم بيوت الأموال. وإنما الناس عبيد لهذه الدراهم والدنانير، [٩١] فلا آمن أن يقاتلك من وعدك بنصره، ومن أنت أحبّ إليه ممّن يقاتلك معه.» فقال الحسين:
- «جزاك الله خيرا يا بن عمّ، مهما يقض، يكن، وأنت عندي أحمد مشير، وأنصح ناصح.»
رأى أشار به عبد الله بن عباس على الحسين
وأتاه عبد الله ابن عبّاس [١] ، فقال:
- «يا ابن عمّ، إنّه قد أرجف الناس أنّك سائر إلى العراق، فبيّن لى ما أنت صانع.» فقال له:
- «إنى قد أجمعت السير إلى العراق فى أحد يومىّ هذين إن شاء الله.» فقال له ابن عبّاس:
- «فإنّى أعيذك بالله من ذلك، أخبرنى- رحمك الله- أتسير إلى قوم قد قتلوا أميرهم، وضبطوا بلادهم، ونفوا عدوّهم؟ فإن كانوا [٢] قد فعلوا ذلك، فسر إليهم، وإن كانوا إنّما دعوك إليهم، وأميرهم عليهم، قاهر لهم، وعمّاله يجبون بلادهم، فإنّهم دعوك إلى الحرب، ولا آمن أن يغرّوك، ويكذبوك، ويخذلوك، ويستنفروا إليك، فيكونوا أشدّ الناس عليك.»
стр. 614
فقال له الحسين:
- «فإنّى أستخير الله، وأنظر. [١] »
стр. 615
فجاءه من الغد ابن عبّاس، وقال له:
- «إبن عمّ، إنّى أتصبّر، ولا أصبر، وإنّى أتخوّف عليك فى هذا الوجه الهلاك. إنّ أهل العراق قوم [٩٢] غدر، فأقم بهذا البلد، فإنّك سيّد أهل الحجاز. فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا، فاكتب إليهم، فلينفوا عدوّهم، ثمّ اقدم عليهم، فإن أبيت إلّا الخروج، فسر إلى اليمن، فإنّ بها حصونا وشعابا، وهي أرض عريضة طويلة، ولأبيك بها شيعة، وأنت فى عزلة عن الناس، فتكتب وتبثّ دعاءك، فإنّى أرجو أن يأتيك ما تحبّ فى عافية.» فقال له الحسين:
- «يا ابن عمّ، إنّى أعلم أنّك ناصح شفيق، ولكنّى قد أجمعت على المسير.» فقال له ابن عبّاس:
- «فإن كنت سائرا، فلا تسر بنسائك، وصبيتك، فو الله إنّى أخاف أن تقتل كما قتل عثمان، ونساءه وولده ينظرون إليه، وو الله الذي لا إله إلّا هو: لو أعلم أنى إذا أخذت بشعرك وناصيتك، حتّى تجتمع علىّ وعليك الناس، أطعتنى وأقمت، لفعلت.» فلما أبى عليه، قال له:
стр. 616
- «قد أقررت عين ابن الزبير بتخليتك إيّاه والحجاز، وهو اليوم لا ينظر إليه معك.» وخرج من عند الحسين، ومرّ بعبد الله بن الزبير، فقال:
- «قرّت عينيك يا بن الزبير!» ثمّ قال: [٩٣]
يا لك من حمّرة [١] بمعمر ... خلا لك الجوّ، فبيضى واصفرى
ونقّرى ما شئت أن تنقّرى
قال: «وما ذاك؟» قال:
- «هذا الحسين يخرج إلى العراق، ويخلّيك والحجاز.»
خروج الحسين إلى العراق لقاء بين الحسين والفرزدق
وخرج الحسين فى أهل بيته، ونسائه، وصبيته. فلقى الفرزدق الشاعر بالصفاح، فتواقفا، فقال له الحسين:
- «بيّن لنا نبأ الناس خلفك.» فقال له الفرزدق:
- «الخبير سألت. قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بنى أميّة، والله يفعل ما يشاء.» فقال له الحسين:
стр. 617
- «صدقت، الأمر لله، يفعل ما يشاء.» ثمّ حرّك راحلته، وقال:
- «السلام عليك.» وافترقا.
ما كان من أمر رسوله قيس بن مسهر
وقد كان وصل إلى الحسين كتاب مسلم بن عقيل، قبل أن يقتل بأيام، يقول فيه:
- «أما بعد، فإنّ الرائد لا يكذب أهله. إنّ جميع أهل الكوفة معك، فأقبل حين تقرأ كتابي، والسلام.» فأقبل الحسين بصبيانه ونسائه لا يلوى على شيء، ولا يسمع قول أحد، حتّى بلغ الحاجر من بطن الدومة [١] ، وبعث قيس بن مسهر إلى الكوفة بكتاب يعرّفهم [٩٤] فيه أنه شخص إليهم، لما عرفه من اجتماع ملأهم على نصره، والطلب بحقّه.
فلما انتهى قيس إلى القادسيّة، وجد خيل ابن زياد منظومة ما بينها وبين الكوفة، فأخذه الحصين بن تميم، فبعث به إلى ابن زياد.
فقال له ابن زياد:
- «اصعد القصر، فسبّ الكذّاب بن الكذّاب.» فصعد قيس بن مسهر القصر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثمّ قال:
- «أيّها الناس، هذا حسين بن علىّ خير خلق الله، ابن فاطمة بنت رسول الله، وأنا رسوله إليكم، وفارقته بالحاجر [٢] ، فأجيبوه!» ثمّ لعن زيادا وابنه، واستغفر لعلىّ بن أبى طالب. فأمر به عبيد الله فرمى به من
стр. 618
فوق القصر، فمات.
الحرّ بن يزيد يقبل بخيله
وأقبل الحسين، حتّى نزل شراف، وأمر فتيانه فاستقوا من الماء، ثمّ ساروا صدر يومهم. فقال رجل:
- «الله أكبر.» فقال الحسين:
- «الله أكبر، ممّ كبّرت؟» قال:
- «رأيت النخل.» فقال رجلان أسديّان كانا معه:
- «إنّ هذا مكان ما رأينا به نخلا قطّ.» قال الحسين:
- «فما تريانه رأى.» فقالا:
- «نراه والله رأى هوادي [١] الخيل.» فقال:
- «وأنا، والله، أرى ذلك.» فقال الحسين:
- «أما لنا ملجأ نعدل إليه، [٩٥] نجعله فى ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد؟» قال: فقلنا له:
- «نعم، هذا ذو حسم [٢] إلى جنبك، تميل إليه عن يسارك.» فأخذ إليه، ومال أصحابه معه. فما كان بأسرع من أن طلعت علينا هوادي
стр. 619
الخيل، فتبيّنّاها، وعدلنا. فلما رأونا قد عدلنا عن الطريق، عدلوا، كأنّ [١] أسنّتهم اليعاسيب، وكأنّ [٢] راياتهم أجنحة الطير، فسبقناهم، فنزل الحسين، وضربت أبنيته، وجاءنا القوم وهم ألف رجل، مع الحرّ بن يزيد التميمي.
فأقبل حتّى وقف هو وخيله مقابل الحسين وأصحابه فى حرّ الظهيرة، فأمر الحسين أن يسقى القوم، فقام فتيانه يسقون الخيل بالأتوار والطساس حتّى أرووها.
فكان سبب تقدّم الحرّ فى ألف رجل أنّ عبيد الله بن زياد بعث الحصين بن تميم، وكان على شرطه، على أن ينزل القادسيّة، وينظّم ما بين القطقطانية وخفّان بالمسالح. فقدّم الحرّ هذا بين يديه فى ألف رجل يستقبل الحسين، ويكون معه يسايره، ويحفظه إلى أن يرد [٣] عليه الخبر.
فحضرت الصلاة، فأذّن مؤذّن الحسين، [٩٦] ثمّ أقام. فخرج الحسين فى إزار ونعلين، وقال:
- «أيّها الناس، معذرة إلى الله، وإليكم. إنّى لم آتكم حتّى أتتنى كتبكم، وقدمت علىّ رسائلكم أن اقدم علينا، فإنّه ليس لنا إمام. فإن كنتم على ذلك، فقد جئتكم، فإن تعطوني ما أطمئنّ إليه من عهودكم أقدم مصركم، وإن كنتم لمقدمي كارهين، انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه إليكم.» فسكتوا عنه.
فقال الحسين للحرّ:
- «أتريد أن تصلّى بأصحابك؟» قال:
- «لا، بل تصلّى أنت ونصلّى بصلاتك.» فصلّى بهم الحسين، وانصرف الحرّ إلى مكانه، وأخذ كلّ رجل منهم بعنان
стр. 620
دابّته، وجلس فى ظلّها. فلما كان وقت العصر، أمر الحسين أن يتهيّأوا للرحيل، ففعلوا. ثمّ إنّه خرج، فأمر مناديه، فنادى بالعصر، واستقدم الحسين، فصلّى بالقوم، ثمّ سلّم، وانصرف إلى القوم بوجهه، فحمد الله وأثنى عليه، وأعاد على القوم قريبا من مقالته الأولى.
فقال الحرّ:
- «إنّا، والله، لا ندري هذه الكتب، والرسل التي تذكر.» فدعا الحسين بخرجين مملوّين كتبا فنشرها بين أيديهم. فقال له الحرّ:
- «لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، إنما أمرنا، إذا نحن لقيناك، ألّا نفارقك [٩٧] حتّى نقدمك الكوفة على عبيد الله بن زياد.» فقال له الحسين:
- «الموت أدنى إليك من ذلك.» ثمّ قال لأصحابه:
- «انصرفوا بنا.» فلما ذهبوا لينصرفوا، حال القوم بينه وبين الانصراف.
فقال الحسين للحرّ:
- «ثكلتك أمّك، ما تريد؟» قال:
- «أما والله، لو غيرك من العرب يقولها ما تركت ذكر أمّه، كائنا من كان، ولكن لا سبيل إلى ذكر أمّك، إلّا بأحسن ما نقدر عليه.» فقال له الحسين:
- «فما تريد؟» قال:
- «أن أنطلق بك إلى عبيد الله بن زياد.» فقال له الحسين:
стр. 621
- «إذا [١] لا أتبعك.» فقال له الحرّ:
- «إذا [٢] لا أدعك.» فترادّا القول: فلمّا طال الكلام، قال الحرّ:
- «إنّى لم أومر بقتالك، إنّما أمرت ألّا أفارقك حتّى تقدم الكوفة. فإذا أتيت حيطانها، فخذ طريقا لا يدخلك المدينة، ولا يؤدّيك إليها، ولا يردّك عنها يكون بيني وبينك نصفا، وتكون بالخيار، بين أن تكتب إلى يزيد إن أردت، أو إلى ابن زياد، إن أردت، فلعلّ الله يأتى بأمر يرزقني فيه العافية أن أبتلى بشيء من أمرك.» فتراضيا، وتياسر الحرّ عن طريق القادسيّة، وسايره الحسين. وأخذ الحسين يخطب [٩٨] القوم ويذكّرهم الله، ويدلّهم على نفسه ومكانه عن النبوّة والحكمة، واستحقاقه للإمامة دون الفجرة الفسقة.
فقال له الحرّ، وهو يسايره:
- «يا حسين! أذكّرك الله فى نفسك، فو الله، لئن قاتلت لتقتلنّ.» فقال له الحسين:
- «أبا الموت تخوّفنى؟» وأنشده أبياتا، وهي أبيات تمثّل بها:
سأمضى، فما بالموت عار على الفتى ... إذا ما نوى حقّا، وجاهد مسلما
وآسى الرجال الصالحين بنفسه ... وفارق شرّا أن يعيش ويرغما [٣]
стр. 622
فكان يسير الحرّ ناحية، والحسين ناحية. فبينا هم كذلك، فطلع عليهم أربعة من الفرسان، فعدلوا إلى الحسين، فسلّموا عليه، فمنعهم الحرّ أن يسيروا معه.
فقال الحسين:
- «مالك تمنعهم؟» فقال الحرّ:
- «هؤلاء لم يأتوا معك، وإنّما هم أهل الكوفة.» قال الحسين:
- «هم بمنزلة من جاء معى، فإنّهم أنصارى وأعوانى، وقد أعطيتنى ألّا تعرض لى بشيء، حتّى آتى الكوفة. فإن تمّمت على ما كان بيني وبينك، وإلّا ناجزتك.» قال: وكفّ عنهم الحرّ.
فقال الحسين للقوم:
- «أخبرونى [٩٩] خبر الناس وراءكم.» فقالوا:
- «أمّا أشراف الناس، فقد أعظمت رشوتهم، وملئت غرائرهم، واستميل ودّهم، واستخلصت نصيحتهم، وهم ألّب عليك، وأمّا سائر القوم، فأفئدتهم معك، وسيوفهم غدا مشهورة عليك.» قال:
- «فخبّرونى عن رسولي إليكم.» فقالوا:
- «من هو؟» قال:
- «قيس بن مسهر الصيداوي.» فقالوا:
- «نعم، أخذه الحصين بن تميم، فبعث به إلى ابن زياد، فأمره ابن زياد بلعنك ولعن أبيك، فصلّى عليك وعلى أبيك، ولعن ابن زياد وأباه، ودعا الناس إلى
стр. 623
نصرتك، وأخبرهم بمقدمك، فأمر به ابن زياد، فألقى من طمار القصر، فمات.» فتغرغرت [١] عينا الحسين بالدموع، ولم يملك دمعه، ثمّ قال:
- فَمِنْهُمْ من قَضى نَحْبَهُ، وَمِنْهُمْ من يَنْتَظِرُ، وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. ٣٣: ٢٣ [٢]
ما قاله الطرمّاح بن عدىّ للحسين
فقالوا [٣] له بعد ما دنوا منه:
- «والله، إنّا لننتظر، فما نرى معك أحدا، ولو لم يقاتلك إلّا هؤلاء الذين نراهم ملازميك، لكفى بهم، فكيف وقد رأينا قبل خروجنا من الكوفة ما لم نر قطّ مثلهم ناسا فى صعيد واحد عرضوا ليسرّحوا إليك، فننشدك الله إن قدرت [١٠٠] ألّا تقدّم شبرا إلّا فعلت. فهاهنا بلد منعك الله به، حتّى ترى رأيك، فسر بنا حتّى ننزلك جبلنا الذي يدعى أجأ، امتنعنا به والله من ملوك غسّان، وحمير، ومن النعمان، ومن الأسود والأحمر [٤] ، والله ما دخل علينا ذلّ قطّ، ثمّ تبعث الرجال إلى من ينزل أجأ، وسلمى من طيّء، فيأتيك الرجال [٥] ، وأنا زعيم لك بعشرين ألف طائىّ يضربون بين يديك بالسيوف. [٦] » فقال الحسين:
- «جزاك الله وقومك خيرا. إنّه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم من أهل الكوفة قول لسنا نقدر معه على الانصراف، ولا ندري علام تنصرف بنا وبهم الأمور فى
стр. 624
العاقبة.» فودّعوه وقالوا:
- «قد حملنا ميرة من الكوفة لأهلينا، فنحن نحملها إليهم، ونعود إليك.» [١]
نزول الحسين بنينوى وقدوم راكب بكتاب من ابن زياد
وسار الحسين، فجعل يتياسر، فيأتيه الحرّ بن يزيد، فيردّه وأصحابه، فجعل إذا ردّهم إلى الكوفة ردّا شديدا امتنعوا عليه. فلم يزالوا كذلك، حتّى انتهوا إلى المكان الذي نزل به الحسين [٢]﵇ فإذا راكب على نجيب له، وعليه السلاح متنكّبا قوسه، مقبل من الكوفة، فوقفوا جميعا ينتظرونه. فلما انتهى إليهم، سلّم [١٠١] على الحرّ وأصحابه، ولم يسلّم على الحسين وأصحابه، ودفع إلى الحرّ كتابا من عبيد الله بن زياد، فإذا فيه:
- «أما بعد، فجعجع [٣] بالحسين وأصحابه حيث يبلغك كتابي، ويقدم عليك رسولي، فلا تنزله إلّا بالعراء فى غير حصن وعلى غير ماء. وقد أمرت رسولي أن يلزمك حتّى تردّه بإنفاذ أمرى، والسلام.» فلما قرأه الحرّ، قال:
- «هذا كتاب الأمير عبيد الله، يأمرنى أن أجعجع بكم فى المكان الذي يأتينى كتابه، وهذا رسوله وقد أمرنى ألّا يفارقني حتّى أنفذ أمره.» وأخذ الحرّ يريدهم على النّزل هناك على غير ماء، ولا فى قرية، فقالوا:
стр. 625
- «دعنا ننزل فى هذه القرية.- يعنون الغاضريّة- أو تلك- يعنون نينوى- أو تلك، أو تلك.» فقال:
- «لا والله، ما أستطيع هذا. أما ترون الرجل قد بعثه عينا علىّ.» فقال زهير بن القين وكان مع الحسين:
- «يا ابن بنت رسول الله، إنّ قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم، فلعمرى ليأتينا من بعد من ترى، من لا قبل لنا به.» فقال الحسين:
- «لا أبدأهم بالقتال.» فقال زهير:
- «فسر بنا إلى هذه القرية القريبة حتّى ننزلها، فإنّها حصينة، وهي على [١٠٢] شاطئ الفرات، فإن منعونا قاتلناهم، فقتالهم اليوم أهون من قتال من يجيء بعدهم» .
فقال الحسين:
- «وأيّة قرية هي؟» قال:
- «العقر.» فقال الحسين، ﵇:
- «اللهمّ أعوذ بك من العقر!» [١] ثمّ نزل، وذلك يوم الخميس الثاني من المحرّم سنة إحدى وستّين.
стр. 626
عمر بن سعد والخيار الصعب
وكان عبيد الله بن زياد قد ولّى عمر بن سعد بن أبى وقّاص الرىّ، وكتب عهده عليها، وجهّز معه أربعة آلاف، لأنّ الديلم كانوا غلبوا على دستبى [١] ، فخرج عمر بن سعد، وكان قد عسكر بحمّام أعين.
فلما كان من أمر الحسين ما كان، كتب عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد أن:
- «سر إلى الحسين، فإذا فرغنا ممّا بيننا وبينه، سرت إلى عملك.» فكتب إليه عمر بن سعد:
- «إن رأيت أن تعفيني، فعلت.» فقال عبيد الله:
- «نعم، على أن تردّ إلينا عهدنا.» فاستعظم عمر بن سعد أمر الحسين، وكان يستشير نصحاءه، فلا يشير عليه أحد به، ثمّ حلا فى قلبه الإمارة، فاستجاب وأقبل فى أربعة آلاف حتّى نزل بالحسين فى غد يوم نزل فيه الحسين بالمكان الذي ذكرناه.
فبعث عمر بن سعد من يسأله: ما الذي جاء به. فجاء [١٠٣] الرسول حتّى سلّم على الحسين، وأبلغه رسالة عمر.
فقال الحسين:
- «كتب إلىّ أهل مصركم أن اقدم، فأمّا إذا كرهتموني، فأنا أنصرف عنهم.» فانصرف إلى عمر بجوابه. فقال عمر بن سعد! - «إنى لأرجو أن يعافيني الله من حربه.» وكتب إلى عبيد الله بذلك.
стр. 627
اشتداد العطش على الحسين وأصحابه
واشتدّ على الحسين وأصحابه العطش، فدعا العبّاس بن علىّ [١] ، فبعثه فى ثلاثين فارسا وعشرين راجلا، وبعث معهم بعشرين قربة. فدنوا من الماء ليلا.
فقال عمرو بن الحجاج الزبيدىّ، وكان قد أرسله عمر بن سعد فى خمسمائة على الشريعة يمنعون الحسين وأصحابه من الماء بكتاب ورد عليه من عبيد الله:
- «من الرجل، وما جاء بك؟» قال:
- «جئنا نشرب من هذا الماء الذي حلّأتمونا [٢] عنه.» فقال:
- «اشرب هنّأك الله.» قال:
- «لا والله، ما أشرب والحسين ومن ترى من أصحابه عطاش.» فقال:
- «لا سبيل إلى سقى هؤلاء، إنّما وضعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء.» فلما دنا أصحابه قال لرجّالته:
- «إملأوا قربكم.» وشدّ على القوم مع أصحابه فملأوا قربهم، وثار بهم عمرو بن الحجاج، فقاتلهم العبّاس وأصحابه، حتّى انصرف أصحاب القرب [١٠٤] بالقرب، فأدخلوها على الحسين وأصحابه.
التقاء بين الحسين وعمر بن سعد
وبعث الحسين إلى عمر أن:
- «القنى الليلة، بين عسكري وعسكرك.» فخرج إليه عمر بن سعد فى نحو من عشرين فارسا، وأقبل الحسين فى مثل
стр. 628
ذلك. فلما التقيا، أمر الحسين أصحابه أن يتنحّوا، وأمر عمر بن سعد أصحابه بمثل ذلك، فانكشفتا عنهما حيث لا تسمع أصواتهما، فتكلّما، فأطالا، حتّى ذهب هزيع من الليل. ثمّ انصرف كلّ واحد إلى أصحابه، وتحدّث الناس بينهم بالظنون ولا يدرون حقيقة شيء. ثمّ التقيا بعد ذلك مرارا ثلاثا وأربعا.
كتاب ابن سعد إلى ابن زياد فى ما دار بينه وبين الحسين
فكتب عمر بن سعد إلى عبيد الله بن زياد:
- «أما بعد، فإنّ الله قد أطفأ النائرة، وجمع الكلمة، وأصلح أمر الأمّة. هذا الحسين قد أعطانى:
أن يرجع إلى المكان الذي أتى منه.
أو أن نسيّره إلى أىّ ثغر من الثغور شئنا، فيكون رجلا من المسلمين: له ما لهم، وعليه ما عليهم، أو أن يأتى أمير المؤمنين يزيد، فيضع يده فى يده، فيرى فيه رأيه، وفى هذا لكم رضى، وللأمّة صلاح.» [١] فلما قرأ عبيد الله الكتاب، قال:
- «هذا كتاب ناصح لأميره، وشفيق على قومه، قد قبلت.»
ما أشار به شمر على ابن زياد
فقام إليه شمر بن ذى الجوشن، فقال:
- «تقبل هذا منه، وقد نزل بأرضك [١٠٥] وإلى جنبك؟ فإنّما وافى ليزيل
стр. 629
سلطانك. والله، لئن رحل من بلادك ولم يضع يده فى يدك، ليكوننّ أولى بالقوّة والعزّ، ولتكوننّ أولى بالضعف والعجز، فلا تعطه هذه المنزلة، فإنّها من الوهن، ولكن لينزل على حكمك، فإن عاقبت، فأنت أولى بالعقوبة، وإن عفوت، كان ذلك لك. ولقد بلغني أنّ الحسين وعمر بن سعد يجلسان، فيحدّثان عامّة الليل.» فقال عبيد الله بن زياد:
- «نعم ما رأيت، الرأى رأيك.» ثمّ قال ابن زياد:
- «اخرج أنت بجواب كتاب عمر بن سعد. فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمى، فإن فعلوا، فليبعث بهم إلىّ سلما، وإن أبوا، فقاتلوهم. فإن فعل عمر بن سعد، فاسمع منه وأطع، وإن أبى، فأنت الأمير على الناس، وثب عليه، واضرب عنقه، وابعث إلىّ برأسه.»
جواب ابن زياد لكتاب ابن سعد
ثمّ كتب إلى عمر بن سعد:
- «أمّا بعد، إنّى لم أبعثك إلى الحسين لتطاوله، وتكفّ عنه، ولا لتمنّيه السلامة والبقاء، ولا لتقعد له شافعا عندي. انظر: إن نزل الحسين وأصحابه على حكمى واستسلموا، فابعث بهم، وإن أبوا، فازحف إليهم حتّى تقتلهم وتمثل بهم، [١٠٦] فإنّهم لذلك مستحقّون [١] . فإن أنت فعلت جزيناك خيرا، لأنك السامع المطيع، وإن
стр. 630
أنت أبيت، فاعتزل عملنا وجندنا، وخلّ بين شمر بن ذى الجوشن وبين العسكر [فإنّا قد أمرنا بأمرنا] [١] ، والسلام.»
قدوم شمر بالكتاب
فقدم شمر بالكتاب، فقرأه عمر، وقال لشمر:
- «ما لك ويلك! لا قرّب الله داراك! وقبّح الله ما قدمت به! إنّك أنت ثنّيته عمّا كتبت به إليه، وقد- والله- أفسدت علينا أمورا رجونا معه الصلاح، والله يا شمر! لا يستسلم حسين، إنّ نفسه نفس أبيّة.» فقال له شمر:
- «أخبرنى ما أنت صانع، تمضى لأمر أميرك، وإلّا فخلّ بيني وبين العسكر.» قال:
- «لا، ولا كرامة لك! أنا أتولّى ذلك.» قال:
- «فدونك!»
زحف ابن سعد نحو الحسين
فركب عمر بن سعد فى الناس، ثمّ زحف نحوهم، والحسين جالس أمام بيته محتب [٢] بسيفه.
فقال له العبّاس بن علىّ:
- «يا أخى أتاك القوم، أما تراهم؟» وكان الحسين قد خفق برأسه [على ركبتيه،] [٣] فنهض ثمّ قال:
стр. 631
- «يا عبّاس اركب- بنفسي أنت يا أخى- حتّى تلقاهم فتقول لهم: مالكم؟
وما بدا لكم؟ وتسألهم عما جاء بهم.» فأتاهم العبّاس، واستقبلهم فى نحو عشرين فارسا، فقال لهم:
- «ما جاء بكم؟ وما بدا لكم؟» فقالوا:
- «إنّ أمر الأمير قد جاء بكيت وكيت.» قال:
- «فلا [١٠٧] تعجلوا حتّى أرجع إلى أبى عبد الله، فأعرض عليه ما ذكرتم.» فانصرف العبّاس يركض نحو الحسين، يخبره الخبر، وترك أصحابه يخاطبون القوم. ثمّ أقبل العبّاس يركض، فقال:
- «إنّ أبا عبد الله يسألكم أن تنصرفوا هذه العشيّة حتّى ننظر فى هذا الأمر، فإنّ هذا الذي جئتم به، لم يجر [بينكم وبينه] [١] فيه منطق، فإذا أصبحنا التقينا، فإمّا رضيناه فاستسلمنا، وإمّا كرهناه فرددنا.» وكان الحسين قال للعبّاس:
- «إرجع إليهم، فإن استطعت أن تؤخّرهم إلى غدوة وتدفعهم عنّا العشيّة، لعلّنا نصلّى لربّنا ونستغفره، ونوصى إلى أهلنا.» فجاءهم رسول عمر، فقام بحيث يسمعون الصوت، وقال:
- «قد أجّلناكم إلى غد، فإن استسلمتم سرّحناكم إلى أميرنا، وإن أبيتم، فلسنا تاركيكم.»
كلام الحسين لأصحابه
فجمع الحسين أصحابه، وحمد الله، وأثنى عليه، ودعا دعاء كثيرا، وقال:
стр. 632
- «أمّا بعد، فإنّى لا أعرف أهل بيت أبرّ، ولا أوصل من أهل بيتي.
فجزاكم الله عنّى خيرا، وإنّى لا أظنّ يومنا من هؤلاء إلّا غدا، وإنّى قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعا فى حلّ، ليس عليكم منّى ذمام. هذا الليل قد غشيكم [١٠٨] فاتّخذوه جملا، ليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، وتفرّقوا بسوادكم ومدائنكم، فإنّ القوم إنّما يطلبوننى، ولو قد أصابونى، لهوا عن طلب غيرى.» فقال له إخوته:
- «لم نفعل ذلك؟ لنبقى بعدك؟ لا أرانا الله ذلك أبدا، قبّح الله العيش بعدك.» وتكلّم أهله كلّهم مثل ذلك.
ثمّ قام مسلم بن عوسجة الأسدىّ فقال:
- «نحن نخلّى عنك، ولم نعذر فيك! والله، لو لم يكن معى سلاح، لقذفتهم بالحجارة دونك حتّى أموت، ويعلم الله أنّا حفظنا غيبة رسول الله- صلّى الله عليه- والله، لو علمت أنّى أقتل، ثمّ أحيى، ثمّ أقتل، ثمّ أحرق، ثمّ يذرى بى، يفعل بى ذلك سبعين مرة، ما فارقتك. فكيف وإنّما هي قتلة واحدة، ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا.» ثمّ قام زهير بن القين، فقال مثل ذلك، وتكلّم جماعة أصحابه بمثل ذلك، وأشبه كلام بعضهم كلام بعض، وكانوا اثنين وثلاثين رجلا من الفرسان وأربعين راجلا.
ثمّ أوصى الحسين، وقال لأخته:
- «يا أخيّة، أقسم عليك، فبرّى قسمي، لا تشقّى علىّ جيبا، ولا تخمشي وجها، ولا تدعى علىّ بالويل والثبور إذا [١٠٩] أنا هلكت.» فبكت، فارتفعت الأصوات من جهة النساء، ولهنّ الرقّة والجزع.
стр. 633
وقالت أخته:
- «بأبى وأمّى أبا عبد الله! استقتلت؟» فردّد غصّته، ثمّ قال:
- «لو ترك القطا لنام.» فقالت:
- «يا ويلتى! أفتغصب نفسك اغتصابا؟ فذلك أروع لقلبي، وأعظم لبلائى.» ثمّ لطمت وجهها وخرّت مغشيا عليها، فصبّ الحسين على وجهها الماء، وعزّاها بكلام طويل.
يوم عاشوراء
وحرسهم بالليل أصحاب عمر بن سعد. فلما أصبحوا- وذلك يوم الجمعة، وقيل: يوم السبت، وكان يوم عاشوراء- خرج الحسين، فعبّى أصحابه، وأمر بأطناب البيوت، فقرنت حتّى دخل بعضها فى بعض، وجعلوها وراء ظهورهم لتكون الحرب من وجه واحد، وأمر بحطب وقصب كانوا جمعوه وراء البيوت، وكان من ورائهم موضع منخفض كأنّها ساقية، فأمر، فحفروه من الليل فى ساعة، وجعلوه كالخندق، وطرح ذلك الحطب والقصب فيه، وألقى فيه النار، وقال:
- «لا نؤتى من ورائنا.» قال الشعبي: ففعلوا ذلك، وكان لهم نافعا.
وأمر الحسين بمسك، فميث فى جفنة عظيمة، واطّلى [١] ، وركب دابّته، ودعا بمصحف فوضعه [١١٠] أمامه، واقتتل أصحابه بين يديه قتالا شديدا.
стр. 634
جاء الحرّ تائبا
فحرّك الحرّ دابّته، حتّى استأمن إلى الحسين، وقال له:
- «بأبى أنت وأمى، ما ظننت الأمر ينتهى بهؤلاء القوم إلى ما أرى، وظننت أنّهم سيقبلون منك إحدى الخصال التي عرضتها عليهم، فقلت فى نفسي: لا أبالى أن أطيع [١] القوم فى بعض أمورهم، وأمّا الآن فإنّى جئت تائبا ومواسيا لك بنفسي حتّى أموت بين يديك، أترى لى ذلك توبة؟» قال:
- «نعم. يتوب الله عليك ويغفر لك. انزل!» قال:
- «أنا فارسا خير لك منّى راجلا، أقاتلهم على فرسي ساعة، وإلى النزول ما يصير آخر أمرى.» ثمّ بارز، فقتل واحدا بعد آخر.
فلم يزل يبارز الواحد من أصحاب الحسين، فيقتل عدّة من أصحاب عمر بن سعد.
فقام عمرو بن الحجاج رافعا صوته:
- «يا حمقى، أتدرون من تقاتلون؟ [تقاتلون] [٢] فرسان المصر، وقوما مستميتين. والله، لا يبرز لهم منكم أحد إلّا قتل، لا تبرزوا لهم! فإنّهم قليل، وقلّ ما يبقون، وقد جهدهم العطش.» فقال عمر بن سعد:
- «صدقت.» وأرسل فى الناس، فعزم عليهم أن:
- «لا يبارز منكم رجل رجلا منهم.»
стр. 635
فأخذت الخيل تحمل، وأصحاب الحسين تثبت، وإنّما [١١١] هم اثنان وثلاثون فارسا.
فقال عمر:
- «ليتقدّم الرماة إلى هذه العدّة اليسيرة، فليرشقوهم بالنبل.» فتقدّموا، فلم يلبّثوهم أن عقروا خيلهم، فصاروا كلّهم رجّالة. وقاتلوا قتالا لم ير أعظم منه ولا أشدّ، إلّا أنهم كانوا إذا صرع الواحد منهم أو الإثنان تبيّن ذلك عليهم، وإذا قتلوا أضعاف عدّتهم من أولئك لم يتبيّن عليهم.
ووصل الناس إلى الحسين، وقاتل بين يديه كلّ من استهدف للنبل، فرمى يمينا وشمالا، حتّى سقطوا، وجعل أصحابه يستقتلون بين يديه، ويسلّمون على الحسين، ويودّعونه، ثمّ يقاتلون حتّى يقتلوا.
فكان أوّل من قتل من بنى أبى طالب علىّ الأكبر بن الحسين بن علىّ، ثمّ عبد الله بن مسلم بن عقيل، ثمّ محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب، ثمّ جعفر بن عقيل بن أبى طالب.
قال: ثمّ رأينا غلاما كان وجهه شقّة قمر، فى يده سيف، وعليه قميص ونعلان، وقد انقطع شسع أحدهما. فحمل عليه رجل، فضربه بالسيف على رأسه، فوقع الغلام لوجهه، وصاح:
- «يا عمّاه!» فجلّى الحسين كما يجلّى الصقر، ثمّ شدّ على الرجل بسيفه، فاتّقاه فضرب ساعده، [١١٢] فأطنّها [١] من المرفق وتنحّى عن الغلام، وانجلت الغبرة، فرأيت الحسين قائما على رأس الغلام، والغلام يفحص برجله الأرض، والحسين يقول:
- «بعدا لقوم قتلوك، ومن خصمهم جدّك.»