← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

- «يا عبّاس اركب- بنفسي أنت يا أخى- حتّى تلقاهم فتقول لهم: مالكم؟ وما بدا لكم؟ وتسألهم عما جاء بهم.» فأتاهم العبّاس، واستقبلهم فى نحو عشرين فارسا، فقال لهم: - «ما جاء بكم؟ وما بدا لكم؟» فقالوا: - «إنّ أمر الأمير قد جاء بكيت وكيت.» قال: - «فلا [١٠٧] تعجلوا حتّى أرجع إلى أبى عبد الله، فأعرض عليه ما ذكرتم.» فانصرف العبّاس يركض نحو الحسين، يخبره الخبر، وترك أصحابه يخاطبون القوم. ثمّ أقبل العبّاس يركض، فقال: - «إنّ أبا عبد الله يسألكم أن تنصرفوا هذه العشيّة حتّى ننظر فى هذا الأمر، فإنّ هذا الذي جئتم به، لم يجر [بينكم وبينه] [١] فيه منطق، فإذا أصبحنا التقينا، فإمّا رضيناه فاستسلمنا، وإمّا كرهناه فرددنا.» وكان الحسين قال للعبّاس: - «إرجع إليهم، فإن استطعت أن تؤخّرهم إلى غدوة وتدفعهم عنّا العشيّة، لعلّنا نصلّى لربّنا ونستغفره، ونوصى إلى أهلنا.» فجاءهم رسول عمر، فقام بحيث يسمعون الصوت، وقال: - «قد أجّلناكم إلى غد، فإن استسلمتم سرّحناكم إلى أميرنا، وإن أبيتم، فلسنا تاركيكم.» كلام الحسين لأصحابه فجمع الحسين أصحابه، وحمد الله، وأثنى عليه، ودعا دعاء كثيرا، وقال:

стр. 632

- «أمّا بعد، فإنّى لا أعرف أهل بيت أبرّ، ولا أوصل من أهل بيتي. فجزاكم الله عنّى خيرا، وإنّى لا أظنّ يومنا من هؤلاء إلّا غدا، وإنّى قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعا فى حلّ، ليس عليكم منّى ذمام. هذا الليل قد غشيكم [١٠٨] فاتّخذوه جملا، ليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، وتفرّقوا بسوادكم ومدائنكم، فإنّ القوم إنّما يطلبوننى، ولو قد أصابونى، لهوا عن طلب غيرى.» فقال له إخوته: - «لم نفعل ذلك؟ لنبقى بعدك؟ لا أرانا الله ذلك أبدا، قبّح الله العيش بعدك.» وتكلّم أهله كلّهم مثل ذلك. ثمّ قام مسلم بن عوسجة الأسدىّ فقال: - «نحن نخلّى عنك، ولم نعذر فيك! والله، لو لم يكن معى سلاح، لقذفتهم بالحجارة دونك حتّى أموت، ويعلم الله أنّا حفظنا غيبة رسول الله- صلّى الله عليه- والله، لو علمت أنّى أقتل، ثمّ أحيى، ثمّ أقتل، ثمّ أحرق، ثمّ يذرى بى، يفعل بى ذلك سبعين مرة، ما فارقتك. فكيف وإنّما هي قتلة واحدة، ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا.» ثمّ قام زهير بن القين، فقال مثل ذلك، وتكلّم جماعة أصحابه بمثل ذلك، وأشبه كلام بعضهم كلام بعض، وكانوا اثنين وثلاثين رجلا من الفرسان وأربعين راجلا. ثمّ أوصى الحسين، وقال لأخته: - «يا أخيّة، أقسم عليك، فبرّى قسمي، لا تشقّى علىّ جيبا، ولا تخمشي وجها، ولا تدعى علىّ بالويل والثبور إذا [١٠٩] أنا هلكت.» فبكت، فارتفعت الأصوات من جهة النساء، ولهنّ الرقّة والجزع.

стр. 633

وقالت أخته: - «بأبى وأمّى أبا عبد الله! استقتلت؟» فردّد غصّته، ثمّ قال: - «لو ترك القطا لنام.» فقالت: - «يا ويلتى! أفتغصب نفسك اغتصابا؟ فذلك أروع لقلبي، وأعظم لبلائى.» ثمّ لطمت وجهها وخرّت مغشيا عليها، فصبّ الحسين على وجهها الماء، وعزّاها بكلام طويل. يوم عاشوراء وحرسهم بالليل أصحاب عمر بن سعد. فلما أصبحوا- وذلك يوم الجمعة، وقيل: يوم السبت، وكان يوم عاشوراء- خرج الحسين، فعبّى أصحابه، وأمر بأطناب البيوت، فقرنت حتّى دخل بعضها فى بعض، وجعلوها وراء ظهورهم لتكون الحرب من وجه واحد، وأمر بحطب وقصب كانوا جمعوه وراء البيوت، وكان من ورائهم موضع منخفض كأنّها ساقية، فأمر، فحفروه من الليل فى ساعة، وجعلوه كالخندق، وطرح ذلك الحطب والقصب فيه، وألقى فيه النار، وقال: - «لا نؤتى من ورائنا.» قال الشعبي: ففعلوا ذلك، وكان لهم نافعا. وأمر الحسين بمسك، فميث فى جفنة عظيمة، واطّلى [١] ، وركب دابّته، ودعا بمصحف فوضعه [١١٠] أمامه، واقتتل أصحابه بين يديه قتالا شديدا.

стр. 634

جاء الحرّ تائبا فحرّك الحرّ دابّته، حتّى استأمن إلى الحسين، وقال له: - «بأبى أنت وأمى، ما ظننت الأمر ينتهى بهؤلاء القوم إلى ما أرى، وظننت أنّهم سيقبلون منك إحدى الخصال التي عرضتها عليهم، فقلت فى نفسي: لا أبالى أن أطيع [١] القوم فى بعض أمورهم، وأمّا الآن فإنّى جئت تائبا ومواسيا لك بنفسي حتّى أموت بين يديك، أترى لى ذلك توبة؟» قال: - «نعم. يتوب الله عليك ويغفر لك. انزل!» قال: - «أنا فارسا خير لك منّى راجلا، أقاتلهم على فرسي ساعة، وإلى النزول ما يصير آخر أمرى.» ثمّ بارز، فقتل واحدا بعد آخر. فلم يزل يبارز الواحد من أصحاب الحسين، فيقتل عدّة من أصحاب عمر بن سعد. فقام عمرو بن الحجاج رافعا صوته: - «يا حمقى، أتدرون من تقاتلون؟ [تقاتلون] [٢] فرسان المصر، وقوما مستميتين. والله، لا يبرز لهم منكم أحد إلّا قتل، لا تبرزوا لهم! فإنّهم قليل، وقلّ ما يبقون، وقد جهدهم العطش.» فقال عمر بن سعد: - «صدقت.» وأرسل فى الناس، فعزم عليهم أن: - «لا يبارز منكم رجل رجلا منهم.»

стр. 635

فأخذت الخيل تحمل، وأصحاب الحسين تثبت، وإنّما [١١١] هم اثنان وثلاثون فارسا. فقال عمر: - «ليتقدّم الرماة إلى هذه العدّة اليسيرة، فليرشقوهم بالنبل.» فتقدّموا، فلم يلبّثوهم أن عقروا خيلهم، فصاروا كلّهم رجّالة. وقاتلوا قتالا لم ير أعظم منه ولا أشدّ، إلّا أنهم كانوا إذا صرع الواحد منهم أو الإثنان تبيّن ذلك عليهم، وإذا قتلوا أضعاف عدّتهم من أولئك لم يتبيّن عليهم. ووصل الناس إلى الحسين، وقاتل بين يديه كلّ من استهدف للنبل، فرمى يمينا وشمالا، حتّى سقطوا، وجعل أصحابه يستقتلون بين يديه، ويسلّمون على الحسين، ويودّعونه، ثمّ يقاتلون حتّى يقتلوا. فكان أوّل من قتل من بنى أبى طالب علىّ الأكبر بن الحسين بن علىّ، ثمّ عبد الله بن مسلم بن عقيل، ثمّ محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب، ثمّ جعفر بن عقيل بن أبى طالب. قال: ثمّ رأينا غلاما كان وجهه شقّة قمر، فى يده سيف، وعليه قميص ونعلان، وقد انقطع شسع أحدهما. فحمل عليه رجل، فضربه بالسيف على رأسه، فوقع الغلام لوجهه، وصاح: - «يا عمّاه!» فجلّى الحسين كما يجلّى الصقر، ثمّ شدّ على الرجل بسيفه، فاتّقاه فضرب ساعده، [١١٢] فأطنّها [١] من المرفق وتنحّى عن الغلام، وانجلت الغبرة، فرأيت الحسين قائما على رأس الغلام، والغلام يفحص برجله الأرض، والحسين يقول: - «بعدا لقوم قتلوك، ومن خصمهم جدّك.»

стр. 636

ثمّ قال: - «عزّ، والله، على عمّك أن تدعوه، فلا يجيبك، أو يجيبك، ثمّ لا ينفعك.» ثمّ احتمله، فكأنى أنظر إلى رجلي الغلام يخطّان فى الأرض، وقد وضع الحسين صدره على صدره. قال: فقلت فى نفسي: ما يصنع به؟ فجاء به حتّى ألقاه مع ابنه علىّ بن الحسين والقتلى حوله من أهل بيته، فسألت عن الغلام، فقيل لى: القاسم بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب- صلوات الله على جميعهم. ومكث الحسين طويلا من النهار، وكلما انتهى إليه رجل انصرف عنه وكره أن يتولّى قتله، حتّى أتاه مالك بن النسير، فضربه على رأسه بالسيف، فقطع برنس خزّ كان عليه، وأدمى رأسه، فألقى ذلك البرنس، ودعا بقلنسوة، فلبسها واعتمّ، وكان قد أعيا وبلّد [١] ، ولم يبق له قوّة، وجهده العطش. فدنا إلى الماء ليشربه، فرماه حصين بن تميم بسهم، فوقع فى فمه يتلقّى الدم من فيه، فيرمى به إلى السماء. ثمّ حمد الله وأثنى [١١٣] عليه، ثمّ جمع يده وقال: - «اللهمّ أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تذر منهم أحدا.» ثمّ أقبل إليه شمر بن ذى الجوشن فى نحو من عشرة من رجّالة أهل الكوفة، وطلب منزل الحسين الذي فيه ثقله. فمشى نحوهم [٢] ، فحالوا بينه وبين رحله. فقال الحسين: - «ويلكم! إن لم يكن لكم دين، فكونوا فى دنياكم أحرارا، امنعوا أهلى من طغامكم وجهّالكم.» قال ابن ذى الجوشن:

стр. 637

- «ذلك لك.» وأقدم عليه بالرجّالة. قال عبد الله بن عماد: فلقد رأيته وهو يحمل على من فى يمينه فيطردهم، وعلى من فى شماله فيطردهم وعليه قميص خزّ وهو معتمّ، فو الله، ما رأيت مكثورا [١] قتل ولده وأهل بيته وأصحابه، أربط جأشا منه، ولا أمضى جنانا، ولا أجرأ مقدما [٢] . والله، ما رأيت قبله ولا بعده مثله، إن كانت الرجّالة لتنكشف عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب. فكأنّى بزينب أخته وهو على تلك الحال، قد خرجت وأنا أنظر إلى قرطها يجول بين أذنها وعاتقها وهي تقول: - «ليت السماء انطبقت على الأرض.» وكان قد دنا عمر بن سعد من الحسين، فقالت: - «يا بن سعد [١١٤] أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟» وكأنّى أنظر إلى دموع [عمر بن] [٣] سعد تسيل على خدّيه ولحيته، وصرف وجهه عنها. فنادى فى الناس شمر: - «ويحكم! ما تنتظرون بالرجل؟ اقتلوه، ثكلتكم أمّهاتكم!» فحمل عليه من كل جانب، وضرب على كتفه وطعن. فقال شمر لخولي بن يزيد الأصبحى: - «انزل، فاحتزّ رأسه.» فضعف وأرعد. - فقال له سنان بن أنس وهو الذي طعنه:

стр. 638

- «فتّ الله عضديك!» فنزل، فذبحه وأخذ رأسه. سلب الحسين وانتهاب نساءه وسلب الحسين حتّى سراويله، وترك مجرّدا، ومال الناس على الإبل والمتاع، فانتهبوه وانتهبوا نساءه، فإن كانت المرأة لتنازع ثوبها عن ظهرها حتّى تغلب عليه، فيذهب به، حتّى جاء عمر بن سعد، فقال: - «لا يدخلنّ بيت هؤلاء النسوة أحد، ولا يعرضنّ لهذا الغلام المريض.» يعنى علىّ بن الحسين، وكان مريضا. وقتل من أصحاب الحسين ﵇ اثنان وسبعون رجلا، وسرّح برأسه إلى بن زياد. كلام دار بين على بن الحسين وابن زياد فحدّث حميد بن مسلم، قال: كنت واقفا عند ابن زياد حين عرض عليه علىّ بن الحسين ﵉، فقال: - «ما اسمك؟» قال: - «علىّ بن الحسين.» قال: - «أولم يقتل الله علىّ بن الحسين؟» فسكت. فقال له ابن زياد: «مالك [١١٥] لا تتكلّم؟» قال: - «قد كان لى أخ يقال له: علىّ بن الحسين أيضا، [فقتله الناس] .» فقال: - «قد قتله الله.»

стр. 639

فسكت. فقال ابن زياد: - «مالك لا تتكلّم؟» قال: - الله يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ٣٩: ٤٢ [١] وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ الله ٣: ١٤٥ [٢] قال: - «أنت والله منهم، ويحكم، انظروا هذا قد أدرك [٣] والله إنّى لأحسبه رجلا.» فكشف عنه بعض أصحاب ابن زياد، فقال: - «نعم، قد أدرك» فقال: - «أقتله.» فقال علىّ: - «فوكّل بهؤلاء النسوة من يكون محرما لهنّ يسير معهنّ إن كنت مسلما.» فقال ابن زياد: - «دعوه، سر أنت معهنّ.» وبعث بهنّ معه إلى الشام. ما قاله يزيد بعد تسلّم كتب البشارة فيقال: إنّ يزيد لمّا وردت عليه كتب البشارة، دمعت عينه وقال: - «كنت أرضى من طاعتهم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن سميّة، أمّا إنّى لو كنت صاحبه لعفوت عنه.» ولمّا وضعت الرؤوس بين يدي يزيد، قال يزيد:

стр. 640

نفلّق [١] هاما من رجال أعزّة علينا، وهم كانوا أعقّ وأظلما ثمّ جهّز النساء وعلىّ بن الحسين، وضمّ إليهم جيشا حتّى ردّهم إلى المدينة. ذكر حيل ابن الزبير كان ابن الزبير يظهر أنه عائذ بالبيت، ويبايع الناس سرّا. وبلغ ذلك يزيد بن معاوية، فأعطى الله عهدا: ليوثقنّ فى سلسلة. فبعث بسلسلة من فضّة وعمرو بن العاص [١١٦] يومئذ عامل مكّة، وكان شديدا عليه، ولكنّه كان كثير المداراة رفيقا. فلما ورد البريد بالسلسلة رفق حتّى ردّه ردّا جميلا. وخطب الناس، وعاب أهل الكوفة خاصّة، وأهل العراق عامّة بقتل الحسين، وبكى وقال: - «لقد كان لأبى عبد الله- رضى الله عنه- فى ما جرى على أبيه وأخيه من هؤلاء القوم ناه، ولكنّه ما حمّ نازل.» ثمّ عظّم ما جرى عليه واستفظعه، وقال فى كلامه: - «لقد قتلوه كثيرا صيامه بالنهار، طويلا صلاته بالليل، ما كان يبدل بالقرآن غناء، ولا بالصيام شرب الخمر، ولا بالمجالس فى حلق الذكر الركض فى طلب الصيد.» يعرّض بيزيد. فثار إليه أصحابه وقالوا له: - «أيّها الرجل! أظهر بيعتك، فلم يبق بعد الحسين أولى بهذا الأمر منك.» فقال: - «لا تعجلوا!» وعلا أمره بمكّة، وكاتبه أهل المدينة وقالوا: - «أمّا إذ هلك الحسين فليس أحد ينازع ابن الزبير.»

стр. 641

وبلغ ابن الزبير [١] أنّ مروان تمثّل لمّا اجتاز به البريد ومعه سلسلة من فضة وجامعة يجعل فيها ابن الزبير: فخذها، فليست للعزيز بخطّة ... وفيها مقال لامرئ متذلّل أعامر إنّ القوم ساموك خطّة ... وذلك فى الجيران، غزلا [٢] بمغزل [١١٧] أراك إذا قد صرت [٣] للقوم ناضحا ... يقال له بالغرب [٤] أدبر وأقبل وأرسل مروان ابنيه وقال: - «اذهبا فتعرّضا لابن الزبير، ثمّ تمثّلا بهذه الأبيات إذا بلّغته الرسل الرسالة.» ففعلا، فلما تعرّضا لينشداه، بادر ابن الزبير وقال: - «إى بنى مروان، قد سمعت ما قال أبو كما، فاذهبا، فأنشداه: إنّى لمن نبعة صمّ مكاسرها ... إذا تناوحت القصباء والعشر فلا ألين لغير الحقّ أسأله ... حتّى يلين لضرس الماضغ الحجر» عزل عمرو بن سعيد وتولية الوليد مكّة ثمّ إنّ يزيد اتّهم عمرو بن سعيد وظنّ أنه يقدر على أخذ ابن الزبير وليس يفعل، فعزله، وولّى الوليد بن عقبة. وخرج عمرو حتّى قدم على يزيد، فرحّب به يزيد، وأدنى مجلسه، ثمّ عاتبه فى أشياء كان يأمر بها فى ابن الزبير فلا ينفذها.

стр. 642

فقال: - «يا أمير المؤمنين، الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، وإنّ جلّ وأهل مكّة قد كانوا مالوا إليه، وأعطوه الرضا، ودعا بعضهم بعضا إليه سرّا وجهرا، ولم يكن معى جند أتقوّى بهم عليه لو ناهضته، وقد كان يحذر منّى ويتحرّز، [١١٨] وكنت أنا أرفق به وأداريه لئلّا يستوحش، فإذا استمكنت منه وثبت عليه، مع [١] أنى ضيّقت عليه، ومنعته من أشياء لو تمكّن منها كانت معونة له، وجعلت على مكّة وطرقها وشعابها رجالا لا يدعون أحدا يدخلها حتّى يكتبوا لى اسمه، واسم أبيه، وما جاء فيه، وما الذي يريد. فمن كان من أصحابه أو ممّن اتّهمه، رددته صاغرا، وقد بعثت الوليد، وسيأتيك من أثره وعمله ما تعرف به مبالغتى فى أمرك، ومناصحتى لك.» فعذره يزيد، وتلقاه بجميل [٢] ، ولبث الوليد مدّة بمكّة، ثمّ عزله يزيد، وولّى عثمان بن محمد بن أبى سفيان. فكان حدثا، فلم يضبط الأمر، ولا كان له رأى. ذكر الحال فى المدينة وظهر فى المدينة أنّ يزيد بن معاوية يشرب الخمر حتّى يترك الصلاة، وصحّ عندهم ذلك، وصحّ غيره ممّا يشبهه، فجعلوا يجتمعون لذلك [٣] حتّى خلعوه، وبايعوا عبد الله بن حنظلة الغسيل، ووثبوا على عثمان بن محمد بن أبى سفيان ومن معه من بنى أميّة ومن يرى رأيهم، فنفوهم وكانوا ألف رجل. فخرجوا حتّى نزلوا دار مروان بن الحكم، فحاصرهم الناس حصارا ضعيفا، فتولّى تدبيرهم مروان، لأنّ عثمان بن محمد كان غرّا لا يرجع [١١٩] إلى رأيه. وكتب مروان إلى يزيد كتابا من جماعة بما جرى عليهم ويطلبون الغوث منه. قال الرسول: فلما وردت على يزيد، قال:

стр. 643

- «أما تكون بنو أميّة ومواليهم ألف رجل بالمدينة؟» قلت: - «بلى.» قال: - «فما استطاعوا أن يقاتلوهم ساعة من نهار؟» فقلت: - «أجمع الناس كلّهم عليهم، فلم تكن لهم بهم طاقة.» فكتب إلى عبيد الله بن زياد أن اغز ابن الزبير، فقال: - «والله لا أجمعهما للفاسق أبدا: أقتل ابن رسول الله وأغزو البيت؟» وندب مسلم بن عقبة المرّى، وهو شيخ كبير مريض [١] ، للمدينة، فخرج ونادى أن: - «سيروا إلى [٢] الحجاز على أخذ أعطياتكم كملا، ومعونة مائة دينار توضع فى يد الرجل من ساعته.» فانتدب له اثنا عشر ألف رجل. ووصّاه يزيد، إذا ظفر، أن ينهب المدينة ثلاثة أيّام، وذلك فى سنة ثلاث وستّين. وكان معاوية وصّى يزيد: - «إذا أرابك من أهل المدينة ريب، فارمهم بمسلم بن عقبة.» ولمّا بلغ أهل المدينة خبر مسلم ومن معه، أخذوا على بنى أميّة المحصورين فى دار مروان العهود والمواثيق، ألّا يدلّوا على عورة لهم، ولا يبغونهم غائلة. وأخرجوهم، فلقوا [١٢٠] مسلم بن عقبة بوادي القرى مع أثقالهم، فسأل مسلم عمرو بن عثمان بن عفّان عن القوم واستشاره، فقال: - «علىّ عهد ألّا أدلّ على عورة.» فانتهزه مسلم وقال: - «والله، لولا أنّك ابن عثمان، لضربت عنقك، والله، لا أقيلها [٣] قرشيّا بعدك.»

стр. 644

وبلغ ذلك الناس، فهابوه. وقال مروان لابنه عبد الملك: - «ادخل قبلي إلى مسلم لعلّه يجتزى [١] بك منّى.» فدخل عليه عبد الملك، فقال: - «هات ما عندك، أخبرنى خبر الناس، وكيف ترى؟» ذكر رأى عبد الملك وما ظهر من حزمه قال: - «نعم، أرى أن تسير بمن معك، فتركب هذا الطريق إلى المدينة، حتّى إذا انتهيت إلى أدنى نخل بها نزلت، فاستظلّ الناس بظلّه، وأكلوا من صفوه، حتّى إذا كان الليل، أذكيت الحرس الليل كلّه عقبا بين أهل عسكرك، حتّى إذا أصبحت وصلّيت الصبح، مضيت بهم، وتركت المدينة ذات اليسار، ثمّ أدرت بالمدينة، حتّى تأتيهم من قبل الحرّة [٢] مشرّقا، ثمّ تستقبل القوم، فإذا استقبلتم، أشرقت الشمس عليهم، وطلعت من أكتاف أصحابك، فلا توذيهم، وتقع فى وجوههم فتوذيهم، ويرون ما دمتم مشرّقين [١٢١] ايتلاق بيضكم، وحرابكم، وأسنّة رماحكم وسيوفكم ودروعكم وسواعدكم، ما لا ترونه أنتم لشيء من سلاحهم ما داموا مغرّبين، ثمّ قاتلهم [٣] ، واستعن الله عليهم.» فقال له مسلم:

стр. 645

- «لله أبوك، أىّ امرئ ولد إذ ولدك [١] ، لقد رأى بك خلفا.» ثمّ إنّ مروان لقيه، فقال له: - «إيه.» فقال: - «أليس قد لقيك عبد الملك؟» قال: - «بلى، وأىّ رجل عبد الملك! [قلّ] [٢] ما كلّمت من رجال قريش شبيها به.» وقعة الحرّة وإباحة المدينة ثلاثا ثمّ ارتحل، وعمل برأى عبد الملك، فكانت وقعة الحرّة، وذلك فى سنة ثلاث وستّين، وهي من أعظم الوقائع وأشدّها. هزم فيها مسلم بن عقبة مرارا، وأهل المدينة مرارا، وكثر القتلى فى الفريقين، ولم يكن فى اقتصاص الحديث بأسره فائدة، إلّا أنّ آخره كان قتل عبد الله بن حنظلة الغسيل، وخلق من أهل المدينة وصالحيهم، وانهزم الناس. فأباح مسلم المدينة ثلاثا يقتلون الناس ويأخذون الأموال. بايع أهل المدينة ليزيد بن معاوية على أنّهم خول له وجيء بيزيد بن وهب بن ربيعة- وهو من وجوه قريش- فقال له: - «بايع!» فقال: - «أبايع على سنّة أبى بكر وعمر.» قال: - «اقتلوه!» قال: - «فإنّى أبايع.» قال:

стр. 646

- «لا والله! لا أقيلك عثرتك.» فقام مروان بن الحكم وكلّمه، لصهر كان بينهما، فأمر بمروان، [١٢٢] فوجئت عنقه، ثمّ قال: - «بايعوا على أنّكم خول ليزيد بن معاوية.» ثمّ أمر بقتل يزيد بن وهب. هذا، وبلغ أهل مكّة ما جرى على أهل المدينة، وما ارتكب منهم. ففتّ ذلك فى أعضادهم، وجاءهم [١] منه أمر عظيم، وعرفوا أنّه نازل بهم. ذكر اتّفاق حسن اتّفق لمسلم بن عقبة فى مسيره إلى أهل المدينة وحيلة لأهل المدينة ما [٢] تمّت كان بعث أهل المدينة إلى كلّ ماء بينهم وبين أهل الشام، فصبّوا فيه زقّا من قطران، وعوّر، فأرسل الله عليهم السماء حتّى لم يحتاجوا أن يستقوا بدلو، حتّى وردوا المدينة. موت مسلم بن عقبة ورمى الكعبة وإحراقها وابن الزبير محاصر فيها واستخلف مسلم على المدينة روح بن زنباع متوجّها إلى مكّة، يريد ابن الزبير. فلمّا كان ببعض الطريق هلك، وذلك فى آخر المحرّم من سنة أربع وستّين. ولمّا حضره الموت، دعا الحصين بن نمير السلولي [٣] ، وقال له:

стр. 647

- «يا برذعة الحمار، والله، لولا أنّ أمير المؤمنين عهد إلىّ- إن حدث بى حدث- أن أستخلفك لما ولّيتك، ولكن انظر وصيّتى، وإيّاك والمخالفة! خذ عنّى أربعا: أسرع السير، وعجّل الوقائع، وعمّ الأخبار، ولا تمكّن قريشا من أذنك.» [١] ومات. [١٢٣] وخرج الحصين بن نمير إلى مكّة، وقد بايع أهل مكّة ابن الزبير، وقدم عليه نجدة بن عامر مع الخوارج يمنعون البيت، فحاصرهم الحصين، وأخرج ابن الزبير إليهم أخاه المنذر بن الزبير. فلما اشتدّ القتال، دعوه إلى المبارزة، فخرج وقتل، وقتل معه عدّة من وجوه أصحاب ابن الزبير، ولم يزل القتال دائما بينهم طول صفر. ولمّا مضت ثلاثة أيّام من شهر ربيع الأوّل، نصبوا المجانيق على البيت، ورموه بالحجارة والنار، وأخذوا يرتجزون ويقولون: خطّارة [٢] مثل الفنيق [٣] المزبد [٤] ... نرمي بها أعواد هذا [٥] المسجد واحترقت الكعبة، وتصدّع منها ثلاثة أمكنة، واحترق ما كان فيها من خشب، وما عليها من كسوة. وقد قيل: إنما احترقت، لأنّ أصحاب ابن الزبير كانوا يوقدون حولها، فطارت إليها شرره ليلة ريح، فاحترقت.

стр. 648

خلافة معاوية بن يزيد ولم يزل الحصار والقتال واقعا على ابن الزبير- وهو يصابر- إلى أن ورد نعى يزيد بعد أربعة وستّين يوما من الحصار، وذلك فى جمادى الأولى سنة ثلاث وستّين، ويقال: أربع وستّين، [١٢٤] وكانت ولايته ثلاث سنين وكسرا، وبايع الناس معاوية بن يزيد بن معاوية بالشام، وبايعوا عبد الله بن الزبير بالحجاز. ذكر سوء رأى ابن الزبير وضعف تدبيره، ومخالفته من أشار عليه بالصواب حتّى فاتته الخلافة مكث أهل الشام مع الحصين بن نمير يقاتلون ابن الزبير، وليس عندهم خبر وقد ضيّقوا على ابن الزبير، فبلغ ابن الزبير موت يزيد، فصاح: - «إنّ طاغيتكم قد هلك، فمن شاء منكم أن يدخل فى ما دخل فيه الناس [١] ، فليفعل، ومن كره، فليلحق بالشام.» فلم يسمع الناس منه. فدعا ابن الزبير الحصين بن نمير، وقال:

стр. 649

- «ادن منّى!» فخرج أحدهما إلى الآخر، فطاوله الحديث، إلى أن دعى الذي أخبر ابن الزبير بالخبر، وكان ديّنا فاضلا، وبينه وبين الحصين صهر، فلما سمع الحصين كلامه، عرف صحة الخبر، فقال لابن الزبير: - «إن يك هذا الرجل هلك، فأنت أحقّ من أرى بهذا الأمر، هلمّ فلنبايعك، على أن تخرج معى إلى الشام، [١٢٥] فإنّ هذا الجند الذي معى، هم وجوه الناس، وفرسانهم، فو الله، لا يختلف عليك اثنان، وتؤمن الناس، وتهدر هذه الدماء التي كانت بيننا وبينك، والتي كانت بيننا وبين أهل الحرّة.» فأبى ابن الزبير أن يخرج إلى الشام، وكان ذلك من جدّ مروان وإقباله، وإدبار ابن الزبير. وكان من ردّ ابن الزبير على الحصين أن قال: - «أنا أهدر تلك الدماء، حتّى أقتل بكل رجل عشرة.» فأخذ الحصين يكلّمه سرّا، وهو يجيبه جهرا. فقال الحصين بن نمير: - «قبّح الله من يعدّك [١] بعد هذا داهيا، أو أريبا [٢] . قد كنت أظنّ أنّ لك رأيا، ألا، أرانى أكلّمك سرّا وتكلّمنى جهرا، وأدعوك إلى الخلافة، وتوعدني بالقتل، وأبذل لك طاعة فى من معى، وتهدّدهم بالهلاك.» ثمّ خرج من عنده، وصاح فى الناس بالرحيل، وخرج إلى المدينة. وقدم ابن الزبير، فأرسل إليه: - «أما خروجي إلى الشام، فلا يمكن، فإنّى أتبرّك بالبيت، ولكن بايعوا لى

стр. 650

هناك، فإنّى بعد ذلك أو منكم، وأقدم عليكم [١] .» فردّ عليه الحصين، وقال: - «إن أنت لم تقدم بنفسك، وجدنا من نبايعه هناك.» وأقبل بأصحابه نحو المدينة. [١٢٦] فاستقبله علىّ بن الحسين بن علىّ، ﵇، فسلّم عليه، ولم يكد يلتفت إليه أحد، واجترأ [٢] أهل المدينة وأهل الحجاز على أهل الشام، وذلّوا حتّى كان لا ينفرد منهم رجل إلّا أخذ بلجام دابّته، ونكّس عنها. فكانوا يجتمعون فى عسكرهم، ولا يتفرّقون. فاجتمعت إليهم بنو أميّة، وقالوا: - «لا نبرح حتّى تحملونا.» ففعلوا. فخرج بنو أميّة بنسائهم وعيالاتهم، ومضى ذلك الجيش، حتّى دخل الشام. ولم يلبث معاوية بن يزيد إلّا ثلاثة أشهر، حتّى مات. ويقال: بل مكث أربعين يوما، وكان أقرّ عمّال أبيه. خطبة ابن زياد بالبصرة بعد انتهاء موت يزيد بن معاوية إليها وبلغ موت يزيد بن معاوية عبيد الله بن زياد بالبصرة، فصعد المنبر، وخطب الناس، وقال: - «يا أهل البصرة! قد علمتم قيامي بأمركم، وجبايتى الأموال، وتفرقتها، وانسبوني، فو الله، تجدوني مهاجرا إليكم، ووالدي ومولدي فيكم ودارى. ولقد

стр. 651

ووليتكم، وما أحصى ديوان مقاتلتكم إلّا سبعين ألفا، ولقد أحصى اليوم ثمانين ألفا، وما كان ديوان عيالكم إلّا سبعين ألفا، وقد أحصى اليوم مائة ألف وأربعين ألفا، وما تركت لكم ذا ظنّة أخافه [١٢٧] عليكم، إلّا وهو فى سجنكم. وقد توفّى أمير المؤمنين يزيد، واختلف أهل الشام، وأنتم اليوم أكثر الناس عددا، وأوسعهم بلادا. فاختاروا رجلا ترضونه [و] [١] تجتمعون عليه، إلى أن يجتمع أهل الشام، فإن اختاروا من ترضونه دخلتم فى ما دخلوا فيه، وإن كرهتم ذلك، كنتم على جديلتكم، فما بكم إلى أحد من أهل البلدان حاجة، وما يستغنى الناس عنكم.» [٢] ذكر طمع عبيد الله فى الخلافة وما احتال فيه وكان عبيد الله قد أنفذ بالليل إلى شقيق بن ثور، ومالك بن مسمع وحصين بن المنذر، وفرّق فيهم مالا كثيرا. فلما خطبهم هذه الخطبة، قام هؤلاء، وهم رؤساء الناس، فقالوا: - «ما لنا غيرك، ولا نعرف أحدا هو أقوى على هذا الأمر منك.» وبايعه هؤلاء، وبايعه الناس. فجعل الرجل إذا خرج من عنده، مسح يده على الحائط ويقول: - «أظنّ ابن مرجانة أنّا نولّيه أمرنا فى الفرقة، كما تولّاه إلى اليوم؟» فلم تمض بعبيد الله أيّام حتّى جعل سلطانه يضعف. فكان يأمر بالأمر، فلا يمتثل، ويرتأى الرأى، [١٢٨] فلا يقبل ويردّ عليه، ويأمر بحبس الظنين، فيحال

стр. 652

بين أعوانه وبينه. فبينا هو كذلك، إذ ظهر رجل بالبصرة، يدعو إلى ابن الزبير، وكثر الناس معه. فبلغ ذلك عبيد الله، وأراد أخذه، فامتنع عليه، وكثف جمعه، وقعد الناس عن عبيد الله، وقال فى خطبته: - «يا أهل البصرة، قد عرفتم بيعتي فى أعناقكم، وحرصي على ضبط أموركم، وقد تقاعد عنّى من يريد فرقتكم، وأن يضرب بعضكم وجوه بعض آخر بالسيف. وو الله يا أهل البصرة، لقد لبسنا الخزّ واليمنة [١] واللّيّن من الثياب، حتّى لقد أجمته [٢] جلودنا، فما نبالى أن نلبس الحديد أيّاما.» فما لبث أن رمى بجماع الناس، فقال لهم: - «أيّها الناس، إنّ هذا المال فيكم، فخذوا أعطياتكم، وأرزاق ذراريّكم.» وأمر الكتّاب بتحصيل الناس، وتخريج الأسماء، واستعجلهم حتّى وكّل بهم من يحبسهم فى ديوان، وأسرج لهم الشموع، فكانوا يأخذون المال، ويتقاعدون عنه، فكفّ عن إخراج المال، وكان فى بيت مال البصرة يومئذ ألف ألف [٠٠٠، ٠٠٠، ١] درهم، فنقل ما بقي منها إلى من أودعها عنده. ودعا عبيد الله [١٢٩] محاربة [٣] السلطان وأرادهم على القتال. فقال له أخوه عبد الله بن زياد: - «قد علمت أنّ الحرب دول، فلعلّها تدول عليك، وقد اتخذنا أموالا بين أظهر هؤلاء القوم، فإن ظفروا بك أهلكونا، ثمّ أهلكوها، فلم تبق لك باقية.» وقال له:

стр. 653

- «والله لئن قاتلت القوم لأعتمدنّ على ظبة سيفي حتّى يخرج من صلبي.» فلما رأى عبيد الله ذلك، همّ بالهرب، فاحتال بالليل حتّى فرّ مستخفيا إلى مسعود بن عمرو، وكان سيّد الأزد، حتّى حصل فى داره. ذكر حيلته فى ذلك وجّه عبيد الله إلى الحارث بن قيس الأزدى، وذكّره بيد له عنده، وسأله أن يحمله إلى منزله، ويكتم أمره، حتّى يجتمع الناس. فقال له الحارث: - «إنّ مسعود [١] بن عمرو سيّد الأزد، وإن طلبك عندي لم أقدر على الامتناع منه، ولكن سأحتال لك من قبل امرأته، فإنّها بنت عمّه.» فقال له ابن زياد: - «فخذ معك مالا تطمعها فيه.» قال: - «هات.» فحمل معه مائة ألف درهم، فخرج بها الحارث حتّى أتى بها امرأة مسعود، ومعه عبيد الله، وعبد الله ابنا زياد، فاستأذن عليها، فأذنت له، ودخل. [١٣٠] ثمّ قال لها الحارث: - «قد أتيتك بأمر تسودين به نساءك، وتظهرين به فضل قومك، وتتعجّلين الغنى فى دنياك، هذه مائة ألف دينار، خذيها وضمّى عبيد الله.» فقالت: - «أخاف ألّا يرضى مسعود.» فقال الحارث: - «ألبسيه ثوبا من ثيابه، وأدخليه بيتك، وخلّى بيننا وبين مسعود.»

стр. 654

فقبضت المال، وفعلت، ودخل الحارث على مسعود، وأخذ يحدّثه بحديث عبيد الله، فقال: - «إنّه كان يتعوّد من طارق الشرّ، وإنّك من طوارق الشرّ.» وقام حتّى دخل على ابنة عمّه، وأخذ برأسها ليضربها، فخرج عبيد الله، وقال: - «والله لقد أجارتنى ابنة عمّك عليك، وهذا ثوبك علىّ، وطعامك فى مذاخرى [١] ، وقد التفّ علىّ بيتك.» وشهد له الحارث. ولم يزالا [٢] به حتّى سكون ورضى. ثمّ ركب مسعود من ليلة، ومعه الحارث، وجماعة من قومه، فطاف فى الأزد ومجالسهم، وقال: - «إن ابن زياد قد فقد، ولا نأمن اضطراب الناس، وأن يلطّخوكم به.» فقد كان أبوه زياد استجاربهم ومنعوه، فأصبحوا فى السلاح، فلمّا أصبح الناس، وفقدوا [١٣١] ابن زياد، قالوا: - «أين توجّه؟» فقالت عجوز من بنى عقيل: - «أين ترونه توجّه؟ اندحس، والله، فى أجمة أبيه.» فقال الناس: - «صدقت. ما هو إلّا فى الأزد.» ثمّ اجتمع الناس على عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وهو الذي يلقّب ببّة [٣] ، على أن يقعد لهم، حتّى يجتمع أمر الناس،

стр. 655

فتولّى الأمر. واضطرب الناس بالبصرة، ووقعت الفتنة بين الأزد وتميم، وتأدّى إلى الحرب، فبعث مسعود مع ابن زياد مائة من الأزد حتّى خرجوا به إلى الشام. ذكر ما حفظ على ابن زياد فى طريقه من الآراء قال عبيد الله ذات ليلة: - «إنّه قد ثقل علىّ ركوب الإبل، فوطّئوا لى على ذى حافر.» قال: فألقيت له [١] قطيفة على حمار، فركبه [٢] ، وإنّ رجليه لتكاد أن تخدّان فى الأرض. قال بشّار بن شريح اليشكري: فإنّه يسير ويحدّثنى، إذ سكت سكتة طويلة، فقلت: والله ما سكت إلّا لشيء فى نفسه. فدنوت منه، فقلت: - «أنائم أنت؟» قال: - «لا.» قلت: - «فما أسكتك؟» قال: - «كنت [١٣٢] أحدّث نفسي.» قال، قلت: - «أفلا أحدّثك ما كنت تحدّث به نفسك؟» قال: - «هات، فو الله ما أراك تصيب، ولا تكيس.» قلت: - «تقول: ليتني لم أكن قتلت حسينا.» قال: - «وماذا؟» قلت:

стр. 656

- «تقول: ليتني لم أكن قتلت من قتلت.» قال: - «وماذا؟» قلت: - «تقول [١] : ليتني لم أكن بنيت البيضاء.» قال: - «وماذا؟» قلت: - «تقول: ليتني لم أكن استعملت الدهاقين على العرب.» قال: - «وماذا؟» قلت: - «تقول [٢] : ليتني كنت أسخى ممّا كنت.» فقال لى: - «والله، ما نطقت بصواب، ولا سكتّ عن خطأ: أما الحسين، فإنّه سار إلىّ يريد قتلى، فاخترت أن أقتله على أن يقتلني، وأما البيضاء، فإنّى اشتريتها من عبد الله بن عثمان الثقفي، فأرسل يزيد بألف ألف [٠٠٠، ٠٠٠، ١] درهم، فأنفقتها عليها، فإن بقيت فلأهلى، وإن هلكت لم آس على ما لم أغرم عليه [٣] ، وأما استعمال الدهاقين، فإنّ ابن أبى بكرة وزاذانفروخ رفعا علىّ عند معاوية، حتّى ذكرا قشور الأرزّ، وبلّغا خراج العراق مائة ألف ألف [٠٠٠، ٠٠٠، ١٠٠] يضمنانها، فخيّرنى معاوية بين الضمان والعزل، فكرهت العزل، فكنت [١٣٣] إذا استعملت العرب كسروا الخراج، وإن أقدمت على الرجل منهم أوغرت [٤] صدور عشيرته، وإن أغرمت [٥] قومه أضررت بهم، وإن تركته ضاع لى حقّ وأنا أعرف

стр. 657

مكانه، فوجدت الدهاقين أعرف بالجباية، وأوفى بالأمانة، وأهون على المطالبة منكم، مع أنّى قد جعلتكم أمناء عليهم، وأمّا قولك فى السخاء، فما كان لى مال أجود به عليكم، ولو شئت لأخذت بعض مالكم، فخصصت به بعضكم دون بعض، فتقولون: ما أسخاه! ولكن عممتكم به، وكان عندي أنفع لكم، ولكنّى سأخبرك بما حدّثت به نفسي: قلت: ليتني قاتلت أهل البصرة، فإنّهم بايعوني طائعين، وأيم الله، إنّى حرصت على ذلك، ولكن إخوتى أتونى، وقالوا: إن قاتلتهم، وظهروا عليك، لم يبقّوا منّا أحدا، وإن تركتهم تغيّب الرجل منّا عند أخواله وأصهاره. فرقّ لهم قلبي. وكنت أقول: ليتني أخرجت أهل السجن، فضربت أعناقهم. وأما إذ فاتتنى هاتان الخصلتان، فليتني أقدم الشام ولم يبرموا أمرا.» [١٣٤]

стр. 658

خلافة مروان بن الحكم كان لا يريد الخلافة ولكن ابن زياد أطمعه فيها وقدم عبيد الله بن زياد الشام، وكان قدمها الحصين بن نمير ومن معه [١] ، وهمّ مروان بن الحكم أن يسير إلى ابن الزبير فيبايعه، واجتمع الناس على ذلك. فذهب عبيد الله حتّى لقى مروان، وقال: - «استحييت لك ممّا تريد، أنت كبير قريش وسيّدها تصنع ما تصنع؟» فقال: - «ما فات شيء بعد.» واجتمع إليه بنو أميّة ومواليهم، وتجمّع إليه أهل اليمن، وهو يقول: - «ما فات شيء بعد.» كالمعتذر إليه. المروانيّون والزبيريّون واحتجاجاتهم وكان الضحّاك بن قيس بدمشق لمّا قدم عبيد الله بن زياد، وكان يهوى هوى ابن الزبير، والنعمان بن بشير بحمص يبايع لابن الزبير، وزفر بن الحارث بقنّسرين

стр. 659

يبايع لابن الزبير. وكان حسّان بن مالك بن بحدل الكلبي يرى الأمر لبنى أميّة، ويهوى هواهم، لأنّه كان خال خالد بن يزيد بن معاوية، فهو يحبّ أن يبايع له، وكان بالأردن، فجمع الناس وخطبهم، وقال: - «أيها الناس، ما شهادتكم على ابن الزبير، وعلى قتلى أهل الحرّة؟» قالوا: - «نشهد أنّ ابن الزبير منافق، وأنّ قتلى أهل [١٣٥] الحرّة فى النار.» قال: - «فما شهادتكم على يزيد بن معاوية وقتلاكم بالحرّة؟» قالوا: - «نشهد أنّ يزيد مؤمن، وأنّ قتلانا فى الجنّة.» قال: - «وأنا أشهد- لئن كان دين يزيد بن معاوية حقا يومئذ- إنّه اليوم وشيعته على حقّ، وإن كان ابن الزبير يومئذ وشيعته على باطل، إنّه اليوم وشيعته على باطل.» قالوا: - «صدقت، نحن نبايعك ونقاتل معك من خالفك على أن تجنّبنا عبد الله وخالدا ابني يزيد، فإنّهما غلامان، ونكره أن يأتينا الناس بشيخ ونأتيهم بصبىّ.» فكتب حسّان بن مالك إلى الضحّاك بن قيس: - «إنّك تبايع ابن الزبير، وقد عرفت حقوق بنى أميّة عليك.» وعظم عليه الفرقة، ودعاه إلى الجماعة. وكتب جماعة بنى أميّة بمثل ذلك. فأبى الضحّاك بن قيس، ومن يرى رأيه. واجتمعت بنو أميّة ومن يرى رأيهم، فبايعوا مروان لسنّه، وذلك فى المحرّم سنة خمس وستين. وكان مروان لا يحدّث نفسه بذلك، ولا يحلم به، حتّى قدم عليه عبيد الله بن زياد من البصرة، فأطمعه، واتّفق ما حكيناه [١٣٦] من أمر حسّان، وجواب أهل الشام له. وكان الحصين بن نمير لقى مروان، فشرط عليه شروطا أجابه مروان إليها،

стр. 660

فكان يهوى هواه. فلقى مالك بن هبيرة الحصين بن المنذر، وقال له: - «هلمّ نبايع هذا الغلام الذي نحن ولدنا أباه وهو ابن أختنا، فقد عرفت منزلتنا كانت من أبيه وهو غدا يحملنا على رقاب العرب.» يعنى خالد بن يزيد. فقال حصين: - «لا، لعمري ما تأتينا العرب بشيخ فنأتيهم [١] بصبىّ.» فقال مالك: - «هذا، ولمّا نرد تهامة، ولمّا يبلغ الحزام الطّبيين [٢] .» فقال الحصين: - «مهلا يا با سليمان!» فقال له مالك: - «اسمع كلامي، والله لئن استخلفت مروان وآل مروان، ليحسدنّك على [٣] سوطك، وشراك نعلك، وظلّ شجرة تستظلّ بها. إنّ مروان أبو عشرة، وأخو عشرة، وعمّ عشرة، فإن بايعتموه كنتم عبيدا لهم، ولكن عليكم بابن أختكم خالد.» فأبى الناس إلّا شيخا، فاجتمعوا على مروان، وقالوا: - «مروان خليفتنا، على أن يكون الأمر بعده لخالد بن يزيد.» فلما اجتمع رأى الناس رضى حسّان بن بحدل أيضا، وتمّ [١٣٧] الأمر لمروان، وسار إلى الضحّاك، والتقيا بمرج راهط، فاقتتلا قتالا عظيما، وقتل من أهل الشام مقتلة عظيمة لم يقتلوا مثلها قطّ، وقتل الضحّاك. وخرج نعمان بن بشير، لمّا بلغه مقتل الضحّاك، هاربا من حمص ليلا، ومعه

стр. 661

امرأته وثقله، فتحيّر [١] ليلته كلّها، وطلبه قوم، فظفر به، وحزّ رأسه، وجيء به إلى مروان. وأطبق أهل الشام على مروان واستوسقوا [٢] له، فجاء [٣] إلى مصر، وعليها عبد الرحمان بن جحدر [٤] القرشىّ، يدعو إلى ابن الزبير، فقاتله فقتله، وآمن الناس، وبايعه أهلها، فرجع إلى دمشق. أسماء كتّاب يزيد ووزرائه كتب ليزيد عبيد الله بن أوس الغسّانى كاتب معاوية. وكتب له على ديوان الخراج سرجون بن منصور، وهو الذي أشار عليه، لمّا بلغه مسير الحسين إلى الكوفة بأن يولّى عبيد الله بن زياد، وقد مرّ ذكره، وكتب إليه عن يزيد: - «أما بعد، فإنّ المحبوب [٥] مسبوب يوما ما، والمسبوب محبوب يوما ما، وقد انتميت إلى منصب كما قال الأوّل: رفعت فجاوزت السحاب وفوقه ... فما لك إلّا مرقب الشمس مرقب [١٣٨] وقد ابتلى بالحسين زمانك بين الأزمان، وبلدك بين البلدان. وبليت به من بين العمّال، فإمّا أن تعتق [٦] ، أو تعود عبدا، والسلام.» وقلّد سلمة بن حريد الأزدى من كتّاب فلسطين الخراج بمصر، وكان يكتب

стр. 662

لعبد الله بن الزبير، يقوم بجميع أموره، إلى أن قتل. واجتمع الناس على عبد الملك بن مروان، وفيهم عبد الله بن صفوان بن أميّة بن خلف. وأمّا عبيد الله بن زياد، فكتب له مهران الترجمان، وقام بأمره كلّه، ولم يزل معه إلى أن مات يزيد، فأخرجه أهل البصرة من بلادهم. وقلّد يزيد بن معاوية سلم بن زياد خراسان، وكان يكتب له اصطفانوس، فأقام بها، إلى أن ظهر ابن الزبير، وتوفّى يزيد. فاستخلف سلم على خراسان عبد الله بن خازم، وانصرف فى سنة أربع وستين، وتباطأ فى مسيره ليعلم على ما تستقرّ الأمور، فورد البصرة فى سنة خمس وستين. فدعا سلم يوما بإصطفانوس، وسلّم اثنى عشر ألف ألف [٠٠٠، ٠٠٠، ١٢] دينار، وقال له: - «احتفظ به، فما فيه قيمة درهم [١] ظلم فيه مسلم ولا معاهد.» فقال [١٣٩] اصطفانوس بالفارسيّة: - «فمن أين هذا كلّه!» فقال: - «من هدايا العمّال وأهل الكور والدهّاقين.» وكان أهل خراسان أحبّوا سلما محبة ما أحبّوها واليا قطّ، وسمّى باسمه أيّام ولايته، أكثر من عشرين ألف مولود، ثمّ ثاروا به حين بلغهم موت يزيد حتّى استخلف عليهم، وخرج، وهلك مروان بن الحكم بعد تسعة أشهر من ولايته، وجعل ولىّ عهده ابنه عبد الملك، وبعده سليمان، وكان سبب هلاكه أنّ الناس أشاروا عليه أن يتزوّج أمّ خالد بن يزيد ليغضّ منه، لأنّ الناس كانوا يتشوّفونه [٢] ، وينتظرون بلوغه.

стр. 663

ذكر حيلة مروان بن الحكم التي عادت بهلاكه فتزوّج مروان أمّ خالد، فدخل يوما على مروان وعنده جماعة كثيرة، فمشى بين الصفّين، فالتفت مروان إلى من حوله، فقال: - «إنه ما علمت لأحمق، تعالى يا بن الرطبة الاست.» يقصّر به ليسقطه من عين الناس. فرجع [١٤٠] إلى أمّه، وبكى بين يديها، وقال: - «خاطبني بحضرة الناس بكذا.» فقالت له أمّه: - «لا تعرّفنّ أحدا، ولا يعرفنّ هو منك، واسكت فإنّى أكفيكه.» فدخل عليها مروان، وقال لها: - «هل قال لك خالد فىّ شيئا؟» فأنكرته، وبسطت له وجهها، وقالت: - «وأىّ شيء يقول خالد فيك؟» ثمّ مكثت [١] أيّاما حتّى أنس مروان، فنام عندها، فغطّته بوسادة وأمسكتها عليه حتّى مات [٢] .

стр. 664

أيّام عبد الملك بن مروان وكان مروان قبل هلاكه بعث بعثين: أحدهما إلى المدينة، عليهم حبيش بن دلجة، والآخر إلى العراق، عليهم عبيد الله بن زياد. فأما عبيد الله، فسار حتّى نزل الجزيرة، وأتاه الخبر بها بموت مروان، وخرج إليه الشيعة من الكوفة، وهم الذين تسمّوا بالتوّابين، يطلبون بدم الحسين بن علىّ [١] ، وسنذكر من أخبار التوّابين وأخبار أهل المدينة، ما يليق ذكره بهذا الكتاب. خبر التوّابين فأما خبر التوابين [٢] ، فإنّه لما قتل الحسين بن علىّ، ﵉ [٣] ، اجتمعت الشيعة بالكوفة، ولام بعضها بعضا، ورأوا أنّهم جنوا جناية عظيمة باستدعائهم [١٤١] الحسين إلى الكوفة، ثمّ تقاعدهم عنه، إلى أن جرى عليه ما

стр. 665

جرى، وأنه لا يغسل عنهم هذا العار [١] ، ولا يمحو عنهم هذا الإثم، إلّا الخروج والتوبة إلى الله، والطلب بدمه، إلى أن يقتلوا قاتليه أو يقتلوا قبل ذلك. فاجتمع الكلّ إلى خمسة من الرؤساء، وهم: سليمان بن صرد، والمسيّب بن نجبة [٢] ، وعبد الله بن سعد بن نفيل الأزدى، وعبد الله بن وال التميمىّ، ورفاعة بن شدّاد البجلىّ. ثمّ اجتمع هؤلاء الخمسة على سليمان بن صرد، وكانت له صحبة من النبىّ، ﷺ ، فرأسوه [٣] ، وقالوا: - «لا بدّ من رئيس واحد تكون له راية يحفّ بها، ورأى يصدر عنه.» فرضوا بسليمان بن صرد، وخطبهم سليمان خطبة طويلة، قال فى آخرها: - «كونوا كتوّابى بنى إسرائيل، إذ قال لهم نبيّهم: إنكم ظلمتم أنفسكم باتّخاذكم العجل، فتوبوا إلى بارئكم، فاقتلوا أنفسكم، ذلكم خير لكم عند بارئكم [٤] . وإنّى أرى أنّ الله قد سخط عليكم مما [٥] أتيتموه فى أمر ابن نبيّكم، فلا يرضيه شيء أو تبيروا [٦] قتلة الحسين، فلا تهابوا الموت، فو الله ما هابه أحد إلّا ذلّ.» وتكلّم كلاما كثيرا يشبه هذا. [١٤٢] فقال خالد بن سعد: - «أمّا أنا، فو الله، لو أعلم أنّ قتلى نفسي يخرجني من ذنبي، ويرضى عنّى ربّى، لقتلتها، ولكن هذا الذي ذكرته من قتل الأنفس إنما أمر به قوم، فأشهد الله ومن حضر، أنّ كلّ مال أملكه، سوى سلاحي الذي أقاتل به، صدقة على المسلمين،

стр. 666

أقوّيهم به على قتال القاسطين.» وقام جماعة، فتكلّموا بمثل ذلك. فقال سليمان: - «حسبكم، من أراد من هذا شيئا، فليأت بماله عبد الله بن وال التيمي، فإذا اجتمع عنده ما يكفى جهّزنا به ذوى الخلّة من أشياعكم.» وكتب سليمان بن صرد إلى المدائن، وبها جماعة من الشيعة، ورأسهم سعد بن حذيفة بن اليمان، بما اجتمع عليه رأى القوم من إخوانهم، وذكّر بمقتل حجر وأصحابه، وبما يقاسيه الشيعة من الذلّ، وحضّهم على التوبة، واستقدمهم. فلما قرأ سعد بن حذيفة الكتاب على الشيعة الذين كانوا بالمدائن، أجابوه بالسمع والطاعة. فأجاب سليمان بن صرد، بما وجد عند الشيعة من الحرص، وأنهم جادّون ينتظرون الداعي، فإذا جاء [١٤٣] الصريخ أقبلنا ولم نعرّج، إن شاء الله. وكتب سليمان إلى أهل البصرة، وإلى من يتشيع بها بمثل ذلك، فجاءه الجواب بمثل ما أجابه أهل المدائن. ولم يزل الناس فى الاستعداد إلى أن هلك يزيد، وقام بالأمر مروان، ومدة ذلك ثلاث سنين وشهران. وهلك يزيد، وأمير العراق عبيد الله بن زياد، وهو بالبصرة، وخليفته بالكوفة عمرو بن حريث، واجتمعت الشيعة إلى سليمان بن صرد، وقالوا: - «قد مات هذا [١] الطاغية، وهم اليوم مضطربون مشغولون، فقم بنا نثب على عمرو بن الحريث، ثمّ نظهر الطلب بدم الحسين، ونتتبع قتلته فنقتلهم، وندعو الناس إلى أهل البيت المدفوعين عن حقوقهم.»

стр. 667

ذكر رأى سليمان بن صرد فى ذلك فلمّا أكثر الناس، وأطالوا عليه، قال لهم سليمان: - «رويدا، لا تعجلوا، إنّى قد نظرت فى ما تذكرون، فرأيت أنّ قتلة الحسين هم أشراف الكوفة، وفرسان العرب، وهم المطالبون بدمه، ومتى علموا ما تريدون علموا أنهم المطلوبون [١٤٤] فكانوا أشدّ شيء عليكم. وقد نظرت فى من معى منكم، فعلمت أنّهم لو خرجوا لم يدركوا ثأرهم، ولم يشفوا نفوسهم، ولم ينكأوا [١] فى عدوّهم، وكانوا لهم جزرا، ولكن بثّوا دعاتكم، فإنّى أرجو أن يكون الناس أسرع استجابة حيث هلك هذا الطاغية.» قدوم المختار، وما زعم ففعلوا، وخرجت منهم دعاة يدعون الناس، فاستجاب لهم ناس كثير بعد هلاك يزيد بن معاوية أضعاف من كان استجاب لهم قبل ذلك. فلما كان بعد ذلك، قدم المختار بن أبى عبيد، فزعم أنه من قبل المهدىّ محمد بن الحنفيّة يدعوهم إلى الطلب بدم الحسين. فكانت الشيعة قد انقادت لسليمان بن صرد. فكان المختار، إذا خاطب الشيعة، ودعاهم إلى نفسه، قالوا: - «هذا سليمان بن صرد شيخ الشيعة.» فيقول المختار: - «هذا ليس لكم بصاحب، إنما يريد أن يخرج فيقتل نفسه، ويقتلكم. ليس له بصر بالحرب، ولا علم بها.» فلا يقبل منه.

стр. 668

قدوم عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد من قبل ابن الزبير وقدم الكوفة عبد الله بن يزيد أميرا على حربها وثغرها، وقدم معه من قبل ابن الزبير إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبد الله [١٤٥] ، أميرا على خراج الكوفة. فبلغهما أنّ الشيعة خارجة، وأنهم [١] طائفتان: طائفة كثيرة مع سليمان بن صرد، وطائفة يسيرة مع المختار، وأشير على عبد الله بن يزيد أن يجمع الشرطة والمقاتلة ووجوه الناس وينهض إليهم، وقيل له: - «إذا صرت إلى منزله، دعوته، فإن أجابك حبسته [٢] ، وإن قاتلك، قاتلته وقد جمعت له وعبّأت وهو مغترّ.» وقيل له: - «إن لم تفعل بذاك، خرج [٣] عليك، وقد اشتدّت شوكته، وتفاقم أمره.» ذكر رأى عبد الله بن يزيد فنظر عبد الله بن يزيد، فإذا القوم يطلبون غيره بدم الحسين، فكره أن يستحضّهم. فقال لمن أشار عليه بما حكيناه: - «حدّثونى ما يريدون» قال: - «يذكرون أنهم يطلبون بدم الحسين.» فقال: - «أنا قتلت الحسين؟ لعن الله قاتل الحسين.»

стр. 669

وقال: - «الله بيننا وبين هؤلاء القوم، إن تركونا لم نطلبهم.» ثمّ خطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: - «فقد بلغني أنّ طائفة من أهل هذا المصر، أرادوا أن يخرجوا علينا، فسألت عن السبب الذي دعاهم إلى ذلك ما هو؟ فقيل [١٤٦] لى: إنّهم يطلبون بدم الحسين بن علىّ. فرحم الله هؤلاء القوم، قد- والله- دللت على أماكنهم، وأمرت بأخذهم، وقيل لى: ابدأ بهم، قبل أن يبدءوك، فأبيت ذلك، وقلت: إن قاتلوني قاتلتهم، وإن تركونى لم أطلبهم. وعلام يقاتلوننى؟ فو الله ما أنا قتلت حسينا، ولا أنا ممّن قاتله. ولقد أصبت بمقتله، رضى الله عنه. هؤلاء القوم آمنون، فليخرجوا، ولينتشروا ظاهرين، ثمّ ليسيروا إلى قاتل الحسين، فقد أقبل إليهم، وأنا ظهير لهم. هذا ابن زياد قاتل الحسين، وقاتل أخياركم، وأماثلكم، قد توجّه إليكم عهد العاهد به، على مسيرة ليلة من منبج [١] ، فقتاله والاستعداد له أجزى وأرشد من أن يجعلوا بأسكم بينكم، فيسفك بعضكم دماء بعض، فيلقاكم العدوّ غدا وقد رققتم [٢] ، وتلك أمنيّة عدوّكم، فإنّه قد أقبل إليكم. أعدى خلق الله لكم من ولى عليكم هو وأبوه سبع سنين لا يقلعان عن قتل أهل العفاف والدين، ومن قتل من تبغون دمه قد جاءكم، فاستقبلوه بحدّكم وشوكتكم، واجعلوها به، ولا تجعلوها بأنفسكم، [١٤٧] فإنّى لم آلكم نصحا، جمع الله كلمتنا، وأصلح لنا أئمتنا.» فخرج أصحاب سليمان بن صرد ظاهرين، يشترون السلاح، ويتجهّزون بما يصلحهم. وأما النفر الذين مع المختار، فإنهم سكتوا، لأنّ المختار كان يريد ألّا يهيج أمرا

стр. 670

حتّى ينظر: إلى ما يصير أمر سليمان بن صرد. ورجا أن تستجمع له الشيعة، فيكون أقوى على درك ما يطلب. اجتماع الأمر لسليمان بن صرد واجتمع لسليمان أمره فى سنة خمس وستين، وكان قد واعد أصحابه، وكاتب أهل المدائن وغيرهم لغرّة شهر ربيع الأوّل، فخرج فى تلك الليلة إلى المعسكر بالنخيلة، ودار فى الناس ووجوه أصحابه، فلم تعجبه عدّة الناس. فبعث حكيم بن منقذ فى خيل، وبعث الوليد بن حصين فى خيل، وقال: - «اذهبا حتّى تدخلا الكوفة، فناديا: يا لثارات الحسين! وابلغا المسجد الأعظم، فناديا بذلك.» فخرجا، فكأنّ خلق الله دعوا: يا لثارات الحسين. وكثر المستجيبون، وكثر البكاء والنحيب. وكان الرجل إذا سمع هذا النداء، فارق أهله وولده، وتركهم يبكون، ووثب إلى سلاحه [١٤٨] وودّعهم، ثمّ خرج. قال: فلم يصبح حتّى جاءه نحو ممن كان فى عسكره حين دخله، ثمّ دعا بديوانه حين أصبح، فوجد من جاء أربعة آلاف رجل من جملة ستّة عشر ألفا كانوا بايعوه، فقال: - «سبحان الله! أما هؤلاء بمؤمنين؟ أما يخافون الله؟ أما يذكرون ما أعطوا من العهود والمواثيق؟» وجعل يبعث ثقاته إلى من تخلّف عنه يذكّرهم الله. فخرج إليه نحو من ألف رجل. فحمد الله، وأثنى عليه، ثمّ قال: - «أيها الناس، إنه ما ينفعنا المكره، وإنما ينفعنا ذو النيّة. فمن كان يريد حرث
следующие страницы →