← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

أقوّيهم به على قتال القاسطين.» وقام جماعة، فتكلّموا بمثل ذلك. فقال سليمان: - «حسبكم، من أراد من هذا شيئا، فليأت بماله عبد الله بن وال التيمي، فإذا اجتمع عنده ما يكفى جهّزنا به ذوى الخلّة من أشياعكم.» وكتب سليمان بن صرد إلى المدائن، وبها جماعة من الشيعة، ورأسهم سعد بن حذيفة بن اليمان، بما اجتمع عليه رأى القوم من إخوانهم، وذكّر بمقتل حجر وأصحابه، وبما يقاسيه الشيعة من الذلّ، وحضّهم على التوبة، واستقدمهم. فلما قرأ سعد بن حذيفة الكتاب على الشيعة الذين كانوا بالمدائن، أجابوه بالسمع والطاعة. فأجاب سليمان بن صرد، بما وجد عند الشيعة من الحرص، وأنهم جادّون ينتظرون الداعي، فإذا جاء [١٤٣] الصريخ أقبلنا ولم نعرّج، إن شاء الله. وكتب سليمان إلى أهل البصرة، وإلى من يتشيع بها بمثل ذلك، فجاءه الجواب بمثل ما أجابه أهل المدائن. ولم يزل الناس فى الاستعداد إلى أن هلك يزيد، وقام بالأمر مروان، ومدة ذلك ثلاث سنين وشهران. وهلك يزيد، وأمير العراق عبيد الله بن زياد، وهو بالبصرة، وخليفته بالكوفة عمرو بن حريث، واجتمعت الشيعة إلى سليمان بن صرد، وقالوا: - «قد مات هذا [١] الطاغية، وهم اليوم مضطربون مشغولون، فقم بنا نثب على عمرو بن الحريث، ثمّ نظهر الطلب بدم الحسين، ونتتبع قتلته فنقتلهم، وندعو الناس إلى أهل البيت المدفوعين عن حقوقهم.»

стр. 667

ذكر رأى سليمان بن صرد فى ذلك فلمّا أكثر الناس، وأطالوا عليه، قال لهم سليمان: - «رويدا، لا تعجلوا، إنّى قد نظرت فى ما تذكرون، فرأيت أنّ قتلة الحسين هم أشراف الكوفة، وفرسان العرب، وهم المطالبون بدمه، ومتى علموا ما تريدون علموا أنهم المطلوبون [١٤٤] فكانوا أشدّ شيء عليكم. وقد نظرت فى من معى منكم، فعلمت أنّهم لو خرجوا لم يدركوا ثأرهم، ولم يشفوا نفوسهم، ولم ينكأوا [١] فى عدوّهم، وكانوا لهم جزرا، ولكن بثّوا دعاتكم، فإنّى أرجو أن يكون الناس أسرع استجابة حيث هلك هذا الطاغية.» قدوم المختار، وما زعم ففعلوا، وخرجت منهم دعاة يدعون الناس، فاستجاب لهم ناس كثير بعد هلاك يزيد بن معاوية أضعاف من كان استجاب لهم قبل ذلك. فلما كان بعد ذلك، قدم المختار بن أبى عبيد، فزعم أنه من قبل المهدىّ محمد بن الحنفيّة يدعوهم إلى الطلب بدم الحسين. فكانت الشيعة قد انقادت لسليمان بن صرد. فكان المختار، إذا خاطب الشيعة، ودعاهم إلى نفسه، قالوا: - «هذا سليمان بن صرد شيخ الشيعة.» فيقول المختار: - «هذا ليس لكم بصاحب، إنما يريد أن يخرج فيقتل نفسه، ويقتلكم. ليس له بصر بالحرب، ولا علم بها.» فلا يقبل منه.

стр. 668

قدوم عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد من قبل ابن الزبير وقدم الكوفة عبد الله بن يزيد أميرا على حربها وثغرها، وقدم معه من قبل ابن الزبير إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبد الله [١٤٥] ، أميرا على خراج الكوفة. فبلغهما أنّ الشيعة خارجة، وأنهم [١] طائفتان: طائفة كثيرة مع سليمان بن صرد، وطائفة يسيرة مع المختار، وأشير على عبد الله بن يزيد أن يجمع الشرطة والمقاتلة ووجوه الناس وينهض إليهم، وقيل له: - «إذا صرت إلى منزله، دعوته، فإن أجابك حبسته [٢] ، وإن قاتلك، قاتلته وقد جمعت له وعبّأت وهو مغترّ.» وقيل له: - «إن لم تفعل بذاك، خرج [٣] عليك، وقد اشتدّت شوكته، وتفاقم أمره.» ذكر رأى عبد الله بن يزيد فنظر عبد الله بن يزيد، فإذا القوم يطلبون غيره بدم الحسين، فكره أن يستحضّهم. فقال لمن أشار عليه بما حكيناه: - «حدّثونى ما يريدون» قال: - «يذكرون أنهم يطلبون بدم الحسين.» فقال: - «أنا قتلت الحسين؟ لعن الله قاتل الحسين.»

стр. 669

وقال: - «الله بيننا وبين هؤلاء القوم، إن تركونا لم نطلبهم.» ثمّ خطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: - «فقد بلغني أنّ طائفة من أهل هذا المصر، أرادوا أن يخرجوا علينا، فسألت عن السبب الذي دعاهم إلى ذلك ما هو؟ فقيل [١٤٦] لى: إنّهم يطلبون بدم الحسين بن علىّ. فرحم الله هؤلاء القوم، قد- والله- دللت على أماكنهم، وأمرت بأخذهم، وقيل لى: ابدأ بهم، قبل أن يبدءوك، فأبيت ذلك، وقلت: إن قاتلوني قاتلتهم، وإن تركونى لم أطلبهم. وعلام يقاتلوننى؟ فو الله ما أنا قتلت حسينا، ولا أنا ممّن قاتله. ولقد أصبت بمقتله، رضى الله عنه. هؤلاء القوم آمنون، فليخرجوا، ولينتشروا ظاهرين، ثمّ ليسيروا إلى قاتل الحسين، فقد أقبل إليهم، وأنا ظهير لهم. هذا ابن زياد قاتل الحسين، وقاتل أخياركم، وأماثلكم، قد توجّه إليكم عهد العاهد به، على مسيرة ليلة من منبج [١] ، فقتاله والاستعداد له أجزى وأرشد من أن يجعلوا بأسكم بينكم، فيسفك بعضكم دماء بعض، فيلقاكم العدوّ غدا وقد رققتم [٢] ، وتلك أمنيّة عدوّكم، فإنّه قد أقبل إليكم. أعدى خلق الله لكم من ولى عليكم هو وأبوه سبع سنين لا يقلعان عن قتل أهل العفاف والدين، ومن قتل من تبغون دمه قد جاءكم، فاستقبلوه بحدّكم وشوكتكم، واجعلوها به، ولا تجعلوها بأنفسكم، [١٤٧] فإنّى لم آلكم نصحا، جمع الله كلمتنا، وأصلح لنا أئمتنا.» فخرج أصحاب سليمان بن صرد ظاهرين، يشترون السلاح، ويتجهّزون بما يصلحهم. وأما النفر الذين مع المختار، فإنهم سكتوا، لأنّ المختار كان يريد ألّا يهيج أمرا

стр. 670

حتّى ينظر: إلى ما يصير أمر سليمان بن صرد. ورجا أن تستجمع له الشيعة، فيكون أقوى على درك ما يطلب. اجتماع الأمر لسليمان بن صرد واجتمع لسليمان أمره فى سنة خمس وستين، وكان قد واعد أصحابه، وكاتب أهل المدائن وغيرهم لغرّة شهر ربيع الأوّل، فخرج فى تلك الليلة إلى المعسكر بالنخيلة، ودار فى الناس ووجوه أصحابه، فلم تعجبه عدّة الناس. فبعث حكيم بن منقذ فى خيل، وبعث الوليد بن حصين فى خيل، وقال: - «اذهبا حتّى تدخلا الكوفة، فناديا: يا لثارات الحسين! وابلغا المسجد الأعظم، فناديا بذلك.» فخرجا، فكأنّ خلق الله دعوا: يا لثارات الحسين. وكثر المستجيبون، وكثر البكاء والنحيب. وكان الرجل إذا سمع هذا النداء، فارق أهله وولده، وتركهم يبكون، ووثب إلى سلاحه [١٤٨] وودّعهم، ثمّ خرج. قال: فلم يصبح حتّى جاءه نحو ممن كان فى عسكره حين دخله، ثمّ دعا بديوانه حين أصبح، فوجد من جاء أربعة آلاف رجل من جملة ستّة عشر ألفا كانوا بايعوه، فقال: - «سبحان الله! أما هؤلاء بمؤمنين؟ أما يخافون الله؟ أما يذكرون ما أعطوا من العهود والمواثيق؟» وجعل يبعث ثقاته إلى من تخلّف عنه يذكّرهم الله. فخرج إليه نحو من ألف رجل. فحمد الله، وأثنى عليه، ثمّ قال: - «أيها الناس، إنه ما ينفعنا المكره، وإنما ينفعنا ذو النيّة. فمن كان يريد حرث

стр. 671

الدنيا، فو الله ما يأتى فيئا [١] ، ولا غنيمة، ما خلا رضوان الله، وما معنا ذهب ولا فضّة، ولا خزّ، ولا حرير، وما هو إلّا سيوفنا فى عواتقنا، ورماحنا فى أكفّنا، وزاد قدر البلغة إلى لقاء عدوّنا، فمن كان ينوي غير هذا، فلا يصحبنا.» فأجابه الناس: - «إنما خرجنا للَّه، وللتوبة إليه من ذنبنا، والطلب بدم ابن بنت رسول الله، وإنما نقدم على حدّ السيوف، وأطراف الرماح.» ذكر آراء أشير على سليمان ورأى رءاه وحده أما أكثر الناس، فأشاروا على سليمان أن يقصدوا الكوفة، وقالوا: - «إنّا خرجنا [١٤٩] نطلب بدم الحسين، وقتلة الحسين كلّهم بالكوفة: عمر بن سعد بن أبى وقّاص، ورؤوس الأرباع، وأشراف القبائل، فأين نذهب وندع الأوتاد. والله، ما نلقى، إن مضينا نحو الشام، وهذه الخيل التي أقبلت، إلّا عبيد الله وحده ممن نطلبه، ووراءكم ألدّهم بالكوفة، مثل عبيد الله. [٢] » فقال سليمان بن صرد: - «والله، لقد جئتم برأى، فهلمّوا أيها الناس بجميع ما عندكم.» فلمّا سمع هذا وأمثاله، قال: - «لكن أنا لا أرى لكم ذلك.» ذكر الرأى الذي رءاه سليمان قال: - «إنّ الذي قتل صاحبكم هو الذي عبّى إليه الجنود فألزم الناس المسير إليه

стр. 672

كارهين، وهدّدهم.» ثمّ قال: - «لا أمان له عندي دون أن يستسلم، فأمضى فيه حكمى، هذا الفاسق، ابن الفاسق، ابن مرجانة، عبيد الله بن زياد. فإن يظهر الله عليه كان من بعده أهون شوكة، ورجونا أن يدين لكم من وراءكم من أهل مصركم، فينظرون من شرك فى دم الحسين، فيقتلونه، وإن قاتلتم الآن أهل مصركم، ما عدم الرجل أن يرى رجلا غدا وقد قتل أخاه، أو أباه، أو حميمه، أو رجلا [١٥٠] لم يكن يريد قتله، فيكثر أعداؤكم، فاستخيروا الله وسيروا.» فتهيّأ الناس للخروج. ذكر رأى آخر رءاه أمير الكوفة عبد الله بن يزيد لمّا بلغ عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة أنّ سليمان خارج بأصحابه نحو عبيد الله بن زياد، رأيا أن يأتياهم، فيعرضا عليهم الإقامة، وأن تكون أيديهم واحدة، فإن أبوا إلّا الشخوص، سألوهم النظر حتّى يجهّزوا معهم جيشا، فيقاتلوا عدوّهم بكتف وحدّ [١] . فراسلا سليمان بن صرد وقالا: - «إنّا نريد أن نجيئك لأمر عسى الله أن يجعل لنا ولك فيه صلاحا.» فقال سليمان للرسول: - «قل لهما، فليأتيانا.» وأحسن سليمان تعبئة الناس، وجاء عبد الله بن يزيد، فى أشراف أهل الكوفة، وجاء إبراهيم فى جماعة من أصحابه. وكان عبد الله بن يزيد قال لكلّ رجل معروف علم أنّه شرك فى دم الحسين: لا تصحبنى، مخافة أن ينظروا إليه، فيعدوا

стр. 673

عليه. وكان عمرو بن سعد طول تلك الأيام التي كان سليمان فيها معسكرا بالنخيلة، لا يبيت إلّا فى قصر الإمارة مع عبد الله بن يزيد مخافة أن يأتيه القوم وهو غافل، فيقتل. ولما دخل عبد الله بن يزيد إلى سليمان، حمد الله، وأثنى عليه، [١٥١] ثمّ قال: - «إنّ المسلم أخو المسلم، لا يخونه، ولا يغشّه، وأنتم أهل مصرنا، وأحبّ الناس إلينا، فلا تفجعونا بأنفسكم، ولا تستبدّوا علينا برأيكم، ولا تنقصوا عددنا بخروجكم، وأقيموا معنا حتّى نتيسّر ونتهيّأ، فإذا علمتم أنّ عدوّنا قد شارف بلادنا خرجنا إليهم بجماعتنا، فقاتلناهم.» وتكلّم إبراهيم بنحو من هذا. فتكلّم سليمان، وحمد الله، وأثنى عليه، وقال: - «قد علمت أنّكما قد محضتمانى النصيحة، واجتهدتما فى المشورة، ونحن فقد خرجنا على نيّة، ولن ننقضها، ونسأل الله العزيمة، والتشديد.» فقالا: - «فأقيموا حتّى نجهّز معكم جيشا كثيفا، فتلقوا عدوّكم بكتف وجمع وحدّ.» فقال سليمان: - «تنصرفون ونرى رأينا.» فعرضا عليه الصبر عليهما، حتّى يجعلا له ولأصحابه خراج جوخى [١] دون الناس. فأبى سليمان وقال:

стр. 674

- «ما خرجنا للدنيا.» وإنما فعلا ذلك، لما داخلهم من إقبال عبيد الله بن زياد نحو العراق. وأبطأ على سليمان أصحابه من أهل البصرة والمدائن، فخرج من عسكره بالنخيلة، ومرّ نحو الأقساس [١] ، وتخلّف عنه ناس كثير. فقال سليمان: - «لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا، ٩: ٤٧ لأنّ الله كره [١٥٢] انبعاثهم، فثبّطهم.» ثمّ خرج حتّى صبّح قبر الحسين. فلما انتهى الناس إليه، صاحوا صيحة واحدة، وبكوا. فما روى يوم كان أكثر باكيا منه، وجعلوا يدعون الله، ويسألونه أن يتوب عليهم، وأحسن الناس بالمنطق، وزادهم ذلك بصيرة، وشحذ رأيهم، ووطّنوا أنفسهم على الجهاد، وحبّ الشهادة. كتاب عبد الله بن يزيد إلى سليمان بن صرد وما كان من جوابه ثمّ ساروا، فلحقهم كتاب من عبد الله بن يزيد، وهم بالقيّارة، مع المحلّ [٢] بن خليفة الطائىّ. قال المحلّ: فلقيته، وأبلغته السلام والكتاب، فاستقدم أصحابه حتّى ظنّ أن قد سبقهم. فوقف، وأشار إلى الناس، فوقفوا، ثمّ قرأ الكتاب، فإذا فيه: - «بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن يزيد إلى سليمان بن صرد ومن معه من المسلمين. سلام عليكم، أما بعد، فإنّ كتابي هذا

стр. 675

كتاب ناصح، وكم من ناصح مستغشّ، ومن غاشّ مستنصح. إنّه قد بلغني أن قد أقبل من الشام، جموع عظيمة، وأنتم تريدون أن تلقوهم بالعدد اليسير، وإنّه من يرد أن ينقل الجبال عن مراتبها، تكلّ معاوله، وينزع، وهو مذموم الفعل والعقل. يا قومنا، لا تطمعوا عدوّكم فى أهل بلادكم، فأنتم خيار كلّكم، ومتى يصبكم عدوّكم، أطمعهم ذلك فى من وراءكم [١٥٣] من أهل مصركم. يا قومنا، إنّهم إن يظهروا عليكم، يرجموكم، ويعيدوكم فى ملّتهم، ولن تفلحوا إذا أبدا [١] ، يا قومنا، إنّ أيدينا وأيديكم واحدة وعدوّنا وعدوّكم واحد، ومتى تجتمع كلمتنا نظهر على عدوّنا، ومتى تختلف تهن شوكتنا. يا قومنا، لا تستغشّوا نصحى، ولا تخالفوا أمرى، وأقبلوا حين يقرأ عليكم كتابي، أقبل الله بكم إلى طاعته، والسلام.» فلما قرأ الكتاب [٢] ، قال ابن صرد للناس: - «ماذا ترون؟» قالوا: - «ماذا نرى؟ قد أبينا هذا عليهم، ونحن فى مصرنا، وأهلنا، والآن حين خرجنا، ووطّأنا أنفسنا على الجهاد، نفتأ عزيمتنا؟ ما هذا برأى.» ثمّ نادوه: - «أخبرنا برأيك!» قال: - «رأيى أن لا ننصرف عمّا جمعنا الله عليه، لأنّا وهؤلاء مختلفون، لأنّهم لو ظهروا دعونا إلى الجهاد مع ابن الزبير، ونحن لا نرى الجهاد مع ابن الزبير إلّا

стр. 676

ضلالا، وإن ظهرنا رددنا الأمر إلى أهله، وإن أصبنا، فعلى نيّتنا، تائبين من ذنوبنا. لأنّ لنا شكلا، ولابن الزبير شكلا.» فانصرف الناس معه حتّى نزلوا هيت [١] . وكتب سليمان جواب الكتاب، ولا طفه، وأثنى عليه، واعتذر إليه، بأنّهم تائبون خرجوا على نيّة الجهاد، وتوجّهوا [١٥٤] لأمر لا ينقضونه. [٢] فلما أتى هذا الكتاب إلى عبد الله بن يزيد، قال: - «استمات القوم. أوّل كتاب يرد عليكم يكون بقتلهم.» بين سليمان بن صرد وزفر بن الحارث فى قرقيسيا وسار القوم إلى قرقيسيا، وبها زفر بن الحارث بن كلاب، قد تحصّن بها من القوم، ولم يخرج إليهم. فبعث سليمان إلى المسيّب بن نجبة، فقال له: - «ايت ابن عمّك هذا، فقل له: فليخرج لنا سوقا، فإنّا لسنا إيّاه نريد، إنّما صمدنا لهؤلاء المحلّين.» فانتهى المسيّب إلى الحصن، وانتسب، واستأذن. فقيل:

стр. 677

- «هذا رجل حسن الهيئة يستأذن عليك، ويزعم أنه المسيّب بن نجبة.» فقال زفر بن الحارث: - «هذا فارس مضر، وهو بعد رجل ناسك له دين، فأذنوا له.» وجاء، فأجلسه إلى جانبه، وسائله، وألطفه فى المسألة. ثمّ خاطبه المسيّب، وقال: - «ممّ تحصّن، إنه والله، ما إياكم نريد، وما قصدنا إلّا هؤلاء الظلمة المحلّين، فأخرج لنا سوقا، فإنّا لا نقيم بساحتك إلّا يوما أو بعض يوم.» فقال له زفر بن الحارث: - «إنّا لم نغلق أبواب المدينة إلّا لنعلم: إيّانا اعتريتم، أم غيرنا. وما نعجز عن الناس ما لم تدهمنا حيلة، وما نحبّ [١٥٥] أنّا بلينا بقتالكم، وقد بلغنا عنكم صلاح وسيرة حسنة جميلة.» ثمّ دعا ابنه، وأمر أن يضع لهم سوقا جامعة، وأمر للمسيّب بفرس وألف درهم. فقال المسيّب: - «أمّا المال، فلا حاجة لى فيه، ولا له خرجنا، وأما الفرس، فإنّى أقبله، فلعلّى أحتاج إليه إن غمز [١] فرسي تحتي.» وخرج حتّى أتى أصحابه، وأخرجت لهم السوق، وبعث إلى المسيّب بعشرين جزورا، وإلى سليمان بن صرد مثل ذلك. وكان سأل عن وجوه العسكر، فأخرج إلى كلّ واحد منهم بعشر جزائر وعلف كثير، وطعام واسع، وأخرج إلى العسكر عيرا عظيمة، وشعيرا كثيرا. وقال غلمان زفر للناس: - «هذه عير، فاجتزروا منها ما أحببتم، وهذا شعير، فاحتملوا ما أردتم، وهذا

стр. 678

دقيق، فتزوّدوا ما أطقتم.» فأخصب القوم، ولم يحتاجوا إلى كثير شيء من السوق التي أخرجت لهم. وبعث إليهم زفر بن الحارث: - «إنّى خارج إليكم، ومشيّعكم، ومشير عليكم برأى عندي، والله موفّقكم.» ذكر رأى أشار به زفر بن الحارث على سليمان بن صرد وأصحابه [١٥٦] ثمّ إنّ زفر خرج إليهم من الغد، وقد خرجوا على تعبئة، فسايرهم، وقال لسليمان: - «إنّه قد بعث بخمسة من الأمراء، وقد فصلوا من الرقّة الحصين بن نمير، وشرحبيل بن ذى الكلاع، وأدهم بن محرز الباهلي، وربيعة بن المخارق [١] الغنوي، وحملة [٢] بن عبد الله الخثعمي، وقد جاءوكم مثل الشوك والشجر، أتاكم والله عدد كثير، وحدّ حديد، وأيم الله، لقلّ ما رأيت رجالا أحسن هيئة ولا عدّة، ولا أخلق بكل خير، من رجال أراهم معكم، ولكنّه قد بلغني أنّه قد أقبلت إليكم عدّة لا تحصى.» قال ابن صرد: - «عَلَى الله تَوَكَّلْنا ٧: ٨٩، وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ. ١٢: ٦٧ [٣] » فقال لهم زفر: - «فهل لكم فى أمر أعرضه عليكم؟ لعلّ الله يجعل [٤] لنا ولكم فيه خيرا.»

стр. 679

قال سليمان: - «وما هو؟» قال: «نفتح لكم مدينتنا، فتدخلونها، فيكون أمرنا واحدا، وأيديكم مع أيدينا.» فقالوا: - «لا نفعل ذلك.» قال زفر: - «فتنزلون على باب مدينتنا، ونخرج، ونعسكر إلى جانبكم، فإذا جاءنا هذا العدّو قاتلناه جميعا.» فقال سليمان لزفر: - «قد أرادنا أهل مدينتنا على مثل ما ذكرت، ثمّ كتبوا إلينا به بعد ما فصلنا، فلم نفعل.» [١٥٧] قال زفر: - «فلو ضممتم رأينا إلى رأيهم، وأقمتم معنا، وكاتبتم أهل مصركم، فبادروا إليكم بما عرضوا عليكم لرجونا أن يصل إلينا عدوّنا ونحن مجتمعون بحدّ واحد، وشوكة واحدة، فكانت الدبرة عليهم.» فقالوا: - «فإنّا لا نفعل.» فقال زفر: - «فانظروا الآن ما أشير به عليكم، فاقبلوه، وخذوا به، فإنّى عدوّ القوم، وأحبّ أن يجعل الله الدائرة على القوم، وأنا لكم وادّ، أحبّ أن يحوطكم الله بالعافية. إنّ القوم قد فصلوا من الرقّة، فبادروهم إلى عين الوردة، فاجعلوا المدينة فى ظهوركم ويكون الرستاق والماء والمادة فى أيديكم، وما بين مدينتنا وبينكم فأنتم له آمنون. والله، لو أنّ خيولي كرجالى، لأمددتكم، اطووا المنازل الساعة

стр. 680

إلى عين الوردة، فإنّ القوم يسيرون سير العساكر، وأنتم على خيول، والله، لقلّ ما رأيت جماعة خيل أكرم منها. تأهّبوا إليها من يومكم هذا، فإنّى أرجو أن تسبقوهم إليها، وإن بدرتموهم إلى عين الوردة، فلا تقاتلوهم فى فضاء [١] ترامونهم، وتطاعنونهم، فإنّهم أكثر منكم، فلا آمن أن يحيطوا [١٥٨] بكم، ولا تقفوا لهم ترامونهم، وتطاعنونهم، فإنّه ليس لكم مثل عددهم، وإن استهدفتم لهم لم يلبّثوكم أن يصرعوكم، ولا تصفّوا لهم حين يلقونكم. فإنّى لا أرى معكم رجالا، ولا أرى جميعكم إلّا فرسانا، والقوم لاقوكم بالرجال والفرسان، فالفرسان تحمى رجالها، والرجال تحمى فرسانها، وأنتم لا رجال لكم تحمى فرسانكم. فالقوهم فى المقانب والكتائب. ثمّ بثّوها فى ما بين ميمنتهم وميسرتهم، واجعلوا مع كلّ كتيبة كتيبة إلى جانبها، فإن حمل على إحدى الكتيبتين، ترجّلت الأخرى، فنفّست عنها الخيل والرجال، ومتى ما شاءت كتيبة ارتفعت، ومتى ما شاءت كتيبة سفلت، ولو كنتم فى صفّ واحد، فزحفت إليكم الرجال، فدفعتم عن الصفّ انتقض، فكانت الهزيمة.» ثمّ وقف، فودّعهم، فأثنى الناس عليه، ودعوا له، وقالوا له خيرا. وقال له سليمان: - «نعم المنزول به أنت، أكرمت النزل [٢] ، وأحسنت الضيافة، ونصحت فى المشورة.» موقعة عين الوردة ثمّ إنّ القوم جدّوا فى السير، فجعلوا كلّ مرحلتين مرحلة، حتّى انتهوا إلى عين الوردة، وسبقوا القوم إليها، ونزلوا فى [١٥٩] غربيّها، فأقاموا خمسا لا يبرحون،

стр. 681

فاستراحوا فأراحوا خيلهم، ثمّ خطبهم سليمان، فأطال خطبته، وذكر الدنيا، فزهّد فيها، والآخرة فرغّب فيها، ثمّ قال: - «أمّا بعد، فقد أتاكم الله بعدوّكم الذي دأبتم له فى السير آناء الليل والنهار، تريدون فى ما تظهرون التوبة النصوح، ولقاء الله معذرين. فقد جاءوكم، بل أنتم جئتموهم فى دارهم وحيّزهم [١] ، فإذا لقيتموهم، فاصدقوهم، واصبروا، ولا يولّينّهم أحد دبره إلّا متحرّفا لقتال، أو متحيزا إلى فئة، ولا تقتلوا مدبرا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تقتلوا أسيرا إلّا أن يكون من قتلة إخواننا بالطّفّ، فإنّ هذه كانت سيرة أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب فى أهل هذه الدعوة.» ثمّ قال سليمان: - «إن قتلت، فأمير الناس المسيّب بن نجبة، فإن أصيب، فأمير الناس عبد الله بن سعد بن نفيل، فإنّ أصيب، فأمير الناس عبد الله بن وال، فإن أصيب، فأميرهم رفاعة بن شدّاد. [٢] ثمّ بعث المسيّب بن نجبة فى أربعمائة فارس، وقال له: - «سر حتّى تلقى أول عسكر من عساكرهم، فشنّ فيهم الغارة، فإن رأيت ما تحبّ، وإلّا فانصرف إلىّ، وإيّاك أن تنزل، أو ينزل أحد من [١٦٠] أصحابك.» فمضى المسيّب، حتّى لقى رجلا أعرابيا يسوق أحمرة. فقال: - «علىّ بالرجل.» فأتى به، فقال: - «كم بيننا وبين أدنى هؤلاء القوم؟» قال: - «أدنى عسكرهم إليك عسكر ابن ذى الكلاع، وبينه وبين الحصين بن نمير

стр. 682

اختلاف. ادّعى حصين أنه على جماعة الناس، وقال ابن ذى الكلاع: ما كنت لتولّى [١] علىّ. وقد تكاتبا فى ذلك إلى عبيد الله، [فهما ينتظران أمره] [٢] فهذا عسكر ابن ذى الكلاع على رأس ميل.» قال: فتركنا الأعرابىّ، ومضينا مسرعين، فو الله ما شعروا بشيء حتّى أشرفنا عليهم وهم غارّون فحملنا إلى جانب عسكرهم، فو الله، ما ثبتوا وانهزموا، وخلّوا لنا معسكرهم، فقتلنا منهم، وجرحنا، وأخذنا من المعسكر ما خفّ علينا، وصاح المسيّب فينا: - «الرجعة، الرجعة، إنكم قد نصرتم وغنمتم وسلمتم، فانصرفوا.» فانصرفنا إلى سليمان. عبيد الله بن زياد يسرّح الحصين بن نمير لدفع سليمان وأتى الخبر عبيد الله، فسرّح إلينا الحصين بن نمير مسرعا، حتّى نزل فى اثنى عشر ألفا، فخرجنا إليه وقد عبّى سليمان ميمنته وميسرته، ووقف فى القلب. فلما دنوا منّا دعونا إلى الجماعة مع عبد الملك بن مروان، وإلى الدخول فى طاعته، ودعوناهم إلى أن يدفعوا إلينا عبيد الله بن زياد [١٦١] فنقتله ببعض من قتله من إخواننا، وأن يخلعوا عبد الملك بن مروان، وإلى أن نخرج من بلادنا من آل الزبير، ثمّ نردّ الأمر إلى أهل بيت نبيّنا الذين هم أولى بالأمر. فأبى القوم، وأبينا. ثمّ حملت ميمنتنا على ميسرتهم فهزمتهم، وحلمت الميسرة، وحمل سليمان فى القلب فهزمناهم حتّى اضطررناهم إلى عسكرهم، فكان الظفر لنا حتّى حجز الليل بيننا وبينهم، وقد أحجزناهم فى عسكرهم.

стр. 683

فلما كان من الغد، صبّحهم ابن ذى الكلاع فى ثمانية آلاف، أمدّهم بها عبيد الله بن زياد، وكان عبيد الله أنفذ إليه يشتمه، ويقول: - «عملت عمل الأغمار، وضيّعت مسالحك وعسكرك. سر إلى الحصين بن نمير، حتّى توافيه، فهو أمير للناس.» فجاءه مددا، وغاديناهم القتال. فاقتتلنا قتالا لم ير الشيب والمرد مثله، وكان فينا قصّاص يقصّون، ويحضّون [١] ، ويقولون: - «أبشروا عباد الله، فحقّ لمن ليس بينه وبين لقاء الله، والراحة من أبرام الدنيا، وأذاها، إلّا فراق هذه النفس الأمّارة بالسوء، أن يكون سخيّا بفراقها، مسرورا بلقاء ربّه.» فاقتتلنا اليوم الثاني كقتال أمس، ثمّ اقتتلنا اليوم الثالث [١٦٢] مثل ذلك، إلى أن كثرنا أهل الشام، وانعطفوا [٢] علينا من كلّ جانب. فلما نظر سليمان إلى ذلك قال: - «عباد الله، من أراد البكور إلى ربّه، والتوبة من ذنبه، والوفاء بعهده، فإلىّ.» وكسر جفن سيفه، ففعل معه ناس كثير مثل ذلك، ومشى الناس بالسيوف، مصلتين، فقتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة، وجرحوا فيهم فأكثروا. مقتل سليمان بن صرد فلما رأى الحصين بن نمير صبرنا وبأسنا، بعث رجالا ترمى بالنبل، واكتنفهم الخيل والرجال. فقتل سليمان، وأخذ الراية المسيّب بن نجبة، فقاتل وأحسن وصبر صبرا لم ير مثله، وقاتل قتالا لم يسمع بمثله، وما ظنّ أحد أنّ رجلا واحدا

стр. 684

يقدر أن يبلى ما أبلى، إلى أن قتل، وأخذ الراية عبد الله بن سعد. قال: فبينا نحن نقاتل معه إذ جاء فرسان ثلاثة أنفذهم أهل المدائن على خيول مقلّمة تطوى المنازل يبشّروننا بخروج أصحابنا من المدائن وخروج المثنى بن محربة فى أهل البصرة، والجميع نحو من خمسمائة فارس. فقال عبد الله بن سعد لمّا قالوا له: أبشر بمجيء إخوانكم: - «ذلك لو جاءونا ونحن أحياء.» قال: فنظروا إلى ما أساء أعينهم، ولم يلبثوا أن قتل عبد الله بن سعد، ونادينا عبد الله بن [١٦٣] وال، وكان قد استلحم فى عصابة معه إلى جانبنا، فحمل عليهم رفاعة بن شدّاد، فكشفهم عنه، ثمّ أقبل إلى رايته، فأخذها، ونادى الناس: - «يا عباد الله، من أراد الحياة التي لا وفاة لها، والراحة التي لا نصب بعدها، والسرور الذي لا حزن فيه، فإلىّ.» ثمّ قاتلناهم، وكشفناهم. ثمّ انعطفوا علينا، وكثرونا من كلّ جانب حتّى ردّونا إلى مكاننا الذي كنّا به. (قال: وكنّا بمكان لا يقدرون أن يأتوا فيه، إلّا من وجه واحد) وحملت علينا خيل عظيمة فيها أدهم بن محرز عند المساء، فقتل عبد الله بن وال، فنادينا رفاعة، وقلنا: - «أمسك رايتك.» فقال: - «لا أريدها.» قلنا: - «إنّا للَّه، مالك؟» قال: - «ارجعوا بنا، فلعلّ [الله] [١] يجمعنا ليوم شرّ لهم.»

стр. 685

فوثب إليه عبد الله بن عوف بن أحمر. ذكر رأى رءاه ابن أحمر فقال: - «أهلكتنا، والله، لئن انصرفت ليركبنّ أكتافنا، فلا نبلغ فرسخا حتّى نهلك من عند آخرنا، فإن نجا منّا ناج أخذه الأعراب وأهل القرى فتقرّبوا به إليهم، فيقتل صبرا [١] . ننشدك الله أن تفعل. هذه الشمس قد طفلت للمغيب، وهذا الليل قد غشينا [١٦٤] هلمّ نقاتلهم على حالنا هذه، فإنّا الآن مجتمعون ممتنعون، فإذا غسق الليل ركبنا خيولنا أوّل الليل، فرمينا بها، فكان ذلك أوّل شأن حتّى نصبح، فنسير على مهل، ويحمل الرجل منّا جريحه، وينتظر صاحبه، ويسير العشرة والعشرون معا، ويعرف الناس الوجه الذي يأخذون، فيتّبع بعضهم بعضا. ولو كان ما ذكرت لم تقف أمّ على ولد، ولم يعرف رجل وجه صاحبه، ولم نصبح إلّا ونحن بين مقتول ومأسور.» فقال له رفاعة: - «نعم ما رأيت.» وأخذ يحمّل. فقال ابن أحمر: - «قاتل معنا ساعة واحدة، رحمك الله، ولا تلق بيدك إلى التهلكة.» وما زال يناشده حتّى احتبس عليه، وتحدّث الناس بما عزم عليه رفاعة من الرجوع، وكان لا تزال الجماعة تنادى: - «عباد الله، روحوا إلى ربّكم، والله، ما فى شيء من الدنيا خلف من رضا الله. قد بلغنا أنّ طائفة منكم يريدون الرجوع إلى ما خرجوا منه، وأن يركنوا إلى الدنيا

стр. 686

التي قليلا ما يلبثون فيها. ثمّ يحملون، فيقاتلون حتّى يقتلوا.» [١] فلما أمسى الناس ورجع أهل الشام إلى معسكرهم، نظر رفاعة إلى كلّ رجل قد عقربه [٢] ، وإلى [١٦٥] كلّ جريح لا يعين على نفسه. فدفعه إلى قومه. ثمّ سار بالناس ليلته كلّها حتّى عبر الخابور، وقطع المعابر كلّها وكان لا يمرّ بمعبر إلّا قطعه. وأصبح الحصين، فوجدهم قد ذهبوا، وكان رفاعة قد خلّف وراءهم أبا الجويريّة فى سبعين فارسا يسيرون وراء الناس فإذا سقط رحل حمله، وإذا سقط متاع قبضه حتّى يعرّفه. فلم يزالوا كذلك حتّى مرّوا بقرقيسيا، فبعث إليهم زفر من الطعام والعلف مثل ما كان بعثه فى المرة الأولى، وأرسل إليهم الأطبّاء، وقال لهم: - «أقيموا ما أحببتم، فلكم عندنا الكرامة والمواساة.» فأقاموا ثلاثا ثمّ تزوّدوا ما أحبّوا، ورحلوا. فاستقبلهم مددهم من البصرة، ومن المدائن، فتباكوا، وتناعوا إخوانهم، وانصرف أهل البصرة والمدائن إلى بلدانهم، وقدم الناس الكوفة والمختار محبوس. ووردت البشارة على عبد الملك بن مروان، فأظهر سرورا عظيما، وقال للناس: - «لم يبق بعد هؤلاء أحد عنده دفاع ولا امتناع.» ذكر ما كان من المختار بعد التوّابين [١٦٦] لما انصرف الناس إلى الكوفة إذ المختار محبوس، فكتب من حبسه إلى رفاعة بن شدّاد:

стр. 687

- «أما بعد، فمرحبا بالعصب الذين عظّم الله لهم الأجر، ورضى انصرافهم حين قفلوا. [١] إنّ سليمان قد قضى ما عليه، وتوفّاه الله، فجعل روحه مع أرواح الأنبياء والصدّيقين والشهداء والصالحين، ولم يكن بصاحبكم الذي به تنصرون. إنّى أنا الأمين المأمون المأمور، أنا أمير الجيش، وقاتل الجبّارين، والمنتقم من الأعداء، والمقيد من الأوتار [٢] . فأعدّوا، واستعدّوا، واستبشروا، وأبشروا. أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، وإلى الطلب بدماء أهل البيت، والدفع عن الضعفاء وجهاد المحلّين، والسلام عليك [٣] .» وتحدّث الناس بهذا من أمر المختار، فبلغ ذلك عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمّد، فخرجا فى الناس حتّى أتيا المختار، فأخذاه. وفى هذه الأيّام اشتدّت شوكة الخوارج بالبصرة، وقتل نافع بن الأزرق. ذكر السبب فى اشتداد شوكة الخوارج وما كان من أمرهم لما اشتغل أهل البصرة بالاختلاف الذي كان بين الأزد وربيعة وتميم، بسبب [١٦٧] مسعود بن عمرو، وكثرت جموع نافع بن الأزرق، فأقبل حتّى دنا من الجسر، فبعث إليه عبد الله بن الحارث مسلم بن عبيس بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس فى أهل البصرة، فخرج إليه، فأخذ يحوزه عن البصرة ويرفعه عن أرضها، حتّى بلغ مكانا من أرض الأهواز يقال له: دولاب. فتهيّأ الناس بعضهم لبعض وتزاحفوا، فجعل مسلم بن عبيس على ميمنته الحجاج بن باب الحميرىّ، وعلى ميسرته حارثة بن بدر التميمىّ، وجعل ابن الأزرق على

стр. 688

ميمنته عبيدة بن هلال اليشكرىّ، وعلى ميسرته الزبير بن الماحوز التميمىّ، ثمّ التقوا، فاضطربوا، واقتتل الناس قتالا لم ير قطّ أشدّ منه، فقتل مسلم بن عبيس أمير أهل البصرة، وقتل نافع بن الأزرق رأس الخوارج، وأمّر أهل البصرة عليهم الحجاج بن باب، وأمّرت الأزارقة عليهم عبد الله بن الماحوز، ثمّ عادوا، فاقتتلوا أشدّ قتال، فقتل الحجاج بن باب أمير أهل البصرة، وقتل عبد الله بن الماحوز أمير الأزارقة. ثمّ إنّ أهل البصرة أمّروا عليهم ربيعة بن الأحرم التميمي، وأمّرت الأزارقة عليهم عبيد الله بن الماحوز، ثمّ عادوا فاقتتلوا حتّى [١٦٨] أمسوا وقد كره بعضهم بعضا وملّوا القتال. فإنّهم لمتواقفون متحاجزون إذ جاءت الخوارج سريّة لهم جامّة لم تكن شهدت القتال، فحملت على الناس، فانهزموا، وقاتل أمير البصرة ربيعة بن الأحرم [١] ، فقتل، وأخذ الراية حارثة بن بدر، فقاتل ساعة وقد ذهب عنه الناس، فقاتل من وراء الناس فى حماتهم وأهل الصبر منهم. ثمّ أقبل بالناس حتّى نزل بهم منزلا بالأهواز، وبلغ ذلك أهل البصرة، فهالهم، وراعهم، وامتنع نومهم. وبعث بن الزبير الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة القرشىّ على تلك الحزّة [٢] ، فقدم، وعزل عبد الله بن الحارث، فأقبلت الخوارج نحو البصرة ليس دونها كبير مانع. ذكر اتّفاق جيّد اتّفق لأهل البصرة وهم فى تلك الحال فبينا الناس على حالهم تلك من الخوف والشدّة، إذ قدم المهلّب بن أبى صفرة

стр. 689

من قبل عبد الله بن الزبير معه عهده على خراسان. فقال الأحنف للحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة والناس عامّة: - «أيها الناس، لا والله، ما لهذا الأمر إلّا المهلّب، فاخرجوا [١٦٩] بنا إليه نكلّمه.» فخرج ومعه أشراف الناس، فكلّموه فى أن يتولّى قتال الخوارج، فقال: - «لا أفعل. هذا عهد أمير المؤمنين معى على خراسان، ولم أكن لأدع وجهى وأقاتل دونكم.» فدعاه ابن أبى ربيعة، فكلّمه فى ذلك، فقال له مثل ما قاله للقوم ولم يجبه. ذكر رأى صحيح وحيلة تمّت لأهل البصرة حتّى حارب عنهم المهلّب ثمّ اجتمع الناس، فأداروا بينهم الرأى، فاتّفقوا مع ابن أبى ربيعة، أن يكتبوا على لسان ابن الزبير: بسم الله الرحمن الرحيم- «من عبد الله بن الزبير عبد الله أمير المؤمنين، إلى المهلّب بن أبى صفرة، سلام عليك. فإنّى أحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو. أما بعد، فإنّ الحارث بن عبد الله كتب إلىّ يذكر الأزارقة المارقة، وأنهم أصابوا جندا للمسلمين كان عددهم جمّا، وأشرافهم كثيرا، وذكر أنهم قد أقبلوا نحو البصرة، وقد كنت وجّهتك إلى خراسان، وكتبت لك عليها عهدا، وقد رأيت حيث ذكر أمر هذه المارقة أن تخرج إليهم، وتلى قتالهم، ورجوت أن يكون ميمونا طايرك، مباركا

стр. 690

على أهل مصرك، والأجر فى ذلك أفضل [١٧٠] من المسير إلى خراسان، فسر إليهم راشدا، فقاتل عدوّ الله وعدوّك، ودافع عن حقّك وحقوق أهل مصرك، فإنّه لن يفوتك من سلطاننا خراسان، ولا غير خراسان، إن شاء الله، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.» فأتى المهلّب بذلك الكتاب فقرأه، فلمّا فهمه، قال: - «فإنّى والله لا أسير إليهم إلّا أن تجعلوا لى ما غلبت عليه، وتعطوني من بيت المال ما أتقوّى [١] به، ومن معى، وأنتخب من فرسان الناس ووجوههم وذوى الشرف من أحببت.» فقال جميع أهل البصرة: - «ذلك لك.» قال: «فاكتبوا على الأخماس بذلك كتابا.» ففعلوا، إلّا ما كان من مالك بن مسمع، وطائفة من بكر بن وائل، فاضطغنها [٢] عليهم المهلّب. فقال الأحنف وعبيد الله بن زياد بن ظبيان وأشراف أهل البصرة للمهلّب: - «وما عليك أن لا يكتب لك مالك بن مسمع، ولا من تابعه من أصحابه إذا أعطاك الذي أردت جميع أهل البصرة، وهل يستطيع مالك خلاف جماعة الناس، أو له ذلك؟ انكمش أيها الرجل، واعزم على أمرك، وسر إلى عدوّك.» ففعل ذلك المهلّب، وأمّر على الأخماس. [١٧١] فأمّر عبيد الله بن زياد بن ظبيان على خمس بكر بن وائل، وأمّر الحريش بن هلال السعدي على خمس بنى تميم.

стр. 691

وجاءت الخوارج حتّى انتهت إلى الجسر الأصغر عليهم عبيد الله بن الماحوز، فخرج إليهم المهلّب فى أشراف الناس وفرسانهم ووجوههم، فحاربهم عن الجسر ودفعهم عنه، فكان أوّل شيء دفعهم عنه البصرة، ولم يكن بقي لهم إلّا أن يدخلوها، فارتفعوا إلى الجسر الأكبر. ثمّ عبّى لهم، فسار فى الخيل والرجال، فلما رأوا أن قد أظلّ عليهم وانتهى إليهم ارتفعوا فوق ذلك مرحلة أخرى، فلم يزل يحوزهم مرحلة بعد مرحلة، ومنزلة بعد منزلة، حتّى انتهوا إلى منزل من منازل الأهواز يقال له: سلّى وسلّبرى [١] ، فأقاموا به. ولما بلغ حارثة بن بدر الغدانى أنّ المهلّب قد أمّر على قتال الأزارقة، قال لمن اتبعه وبقي معه من الناس: كرنبوا ودولبوا ... وحيث شئتم فاذهبوا قد أمّر المهلّب فأقبل من كان معه نحو البصرة، فصرفهم الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة إلى المهلّب. ولما نزل المهلّب بالقوم، خندق عليه، ووضع المسالح، وأذكى العيون، وأقام [١٧٢] الأحراس، ولم يزل الجند على مصافّهم والناس على راياتهم وأخماسهم، وأبواب الخنادق عليها رجال موكّلون بها، فكانت الخوارج إذا أرادوا بيات المهلّب وجدوا أمرا محكما وثيقا شديدا، فرجعوا ولم يقابلهم انسان قطّ كان أشدّ عليهم منه، ولا أغيظ لقلوبهم منه. فمن ذلك أنهم بعثوا عبيدة بن هلال والزبير بن الماحوز فى خيلين عظيمين

стр. 692

ليلا إلى معسكر المهلّب، فجاء الزبير من جانبه الأيمن، وعبيدة من جانبه الأيسر، ثمّ كبّروا وصاحوا بالناس، فوجدوهم على تعبئتهم ومصافّهم حذرين معدّين. فلما ذهبوا ليرجعوا، ناداهم عبيد الله بن زياد بن ظبيان، فقال: وجدتمونا وقرا أنجادا ... لا كشفا خورا ولا أوغادا فردّوا عليه وتشاتموا. فلما أصبح الناس أخرجهم المهلّب على تعبئتهم، وأخماسهم، ومواقفهم، وخرجت الخوارج على مثل ذلك من التعبئة، إلّا أنّهم أحسن عدّة، وأكرم خيولا، وأكثر سلاحا من أهل البصرة، وذلك أنّهم مخروا الأرض وجرّدوها، وأكلوا ما بين كرمان إلى الأهواز، فجاءوا وعليهم مغافر تضرب إلى صدورهم، [١٧٣] وعليهم دروع يسحبونها، وسوق من زرد يشدّونها بكلاليب الحديد إلى مناطقهم، والتقى الناس، وقاتلوا كأشدّ القتال، فصبر بعضهم لبعض عامّة النهار. ثمّ إنّ الخوارج شدّت على الناس أجمعها شدّة منكرة، فأجفل الناس وانصاعوا منهزمين لا يلوى امرؤ على ولد، حتّى بلغ البصرة هزيمة الناس، وخافوا السبي، وأسرع المهلّب حتّى سبقهم إلى مكان يفاع فى جانب سنن المنهزمين، ثمّ نادى الناس: - «إلىّ إلىّ عباد الله!» فثاب إليه جماعة من قومه، وثاب إليه سارية بن عمان، حتّى اجتمع إليه نحو من ثلاثة آلاف رجل. فلما نظر إلى من اجتمع، رضى جماعتهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: - «أما بعد، فإنّ الله يكل الجمع الكثير إلى أنفسهم فيهزمون، وينزل النصر على الجمع اليسير فيظهرون، ولعمري ما بكم الآن من قلّة، إنّى لجماعتكم لراض،

стр. 693

ولأنتم والله أهل الصبر وفرسان أهل المصر، وما أحبّ أنّ أحدا ممن انهزم معكم. لو كانوا فيكم ما زادوكم إلّا خبالا. عزمت على كلّ امرئ منكم لمّا أخذ عشرة أحجار معه، ثمّ امشوا بنا نحو معسكرهم، فإنهم الآن آمنون [١٧٤] وقد خرجت خيلهم فى طلب إخوانكم، فو الله إنّى لأرجو ألّا ترجع خيلهم حتّى تستبيحوا عسكرهم وتقتلوا أميرهم.» فقبلوا منه وفعلوا ما أمرهم به، ثمّ أقبل بهم زحفا، فلا والله ما شعرت الخوارج إلّا بالمهلّب يضاربهم فى جانب عسكرهم. ثمّ استقبلوا عبيد الله بن الماحوز وأصحابه وعليهم السلاح والدروع كاملا، فيأخذ الرجل من أصحاب المهلّب يستعرض وجه الرجل بالحجارة فيرميه حتّى يثخنه، ثمّ يطعنه برمحه، ويضاربه بسيفه، فلم يقاتلهم إلّا ساعة حتّى قتل عبيد الله بن الماحوز، وضرب الله وجوه أصحابه، وأخذ المهلّب عسكر القوم وما فيه، وقتل الأزارقة قتلا ذريعا، وأقبل من كان فى طلب أهل البصرة، منهم راجعا وقد وضع لهم المهلّب خيلا ورجالا فى الطريق تختطفهم وتقتلهم. فانكفئوا راجعين مفلولين مغلوبين، فارتفعوا إلى كرمان وجانب أصبهان. وأقام المهلّب بالأهواز، وانصرف الخوارج على تلك الحال من الفلول وقلّة العدد حتّى جاءتهم [١٧٥] مادّة لهم من قبل البحرين، فخرجوا نحو كرمان وإصبهان، وأقام المهلّب، فلم يزل ذلك مكانه حتّى جاء مصعب إلى البصرة، وعزل الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة عنها، وكتب المهلّب بالفتح كتابا بليغا. احتيال المختار وهو فى المحبس وفى هذه المدة التي جرى ما حكيناه، كان المختار يحتال من محبسه ويراسل الشيعة، حتّى اجتمعوا له، فراسله وجوههم مثل رفاعة بن شدّاد، والمثنى

стр. 694

بن محرمة [١] ، وسعد بن حذيفة بن اليمان، ويزيد بن أنس، وأحمر بن شميط [٢] ، وعبد الله بن شدّاد، وقالوا له: - «نحن لك بحيث يسرّك، فإن شئت أن نأتيك حتّى نخرجك، فعلنا.» فسرّ المختار باجتماعهم له وقال: - «لا تريدوا هذا، فإنّى خارج فى أيّامى هذه.» قال: وكان المختار قد بعث غلاما له يدعى رزينا، إلى عبد الله بن عمر يسأله أن يشفع له، فكتب له عبد الله بن عمر كتابا لطيفا إلى عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد يقول فيه: - «قد علمتما ما بيني وبين المختار بن أبى عبيد من الصهر، فأقسمت عليكما بحقّ ما بيني وبينكما لما خلّيتما سبيله.» فلما قرءا كتابه، أرسلا إلى المختار [١٧٦] وكفّلاه من قوم، وحلّفاه بالذي لا إله إلّا هو عالم الغيب والشهادة، لا يبغيهما غائلة، ولا يخرج عليهما ما كان لهما سلطان، فإن هو فعل فعليه ألف بدنة ينحرها لدى رتاج الكعبة ومماليكه كلّهم ذكرهم وأنثاهم أحرار. فحلف لهم بذلك. فكان المختار بعد ذلك يقول: - «قاتلهم الله، ما أحمقهم حين يرون أنّى أفي لهم باليمين التي حلّفونيها. أمّا يميني لهم بالله، فإنّه ينبغي لى إذا حلفت على يمين، فرأيت ما هو خير منها، أن أدع ما حلفت عليه، وآتى الذي هو خير، وأكفّر عن يميني، وأمّا هذه البدنة فأهون علىّ من بصقة، وما ثمن ألف بدنة مما يهولني، وأما عتق موالىّ، فو الله، لوددت أنه قد استتبّ لى أمرى ثمّ لم أملك مملوكا أبدا.»

стр. 695

ثمّ اختلفت الشيعة إلى المختار، ولم يزل يبايع له ويقوى أمره حتّى عزل ابن الزبير عبد الله بن يزيد، وإبراهيم بن محمد، وبعث عبد الله بن مطيع على عملهما إلى الكوفة، فقدم عبد الله بن مطيع، [١٧٧] وطلب المختار، وبعث إليه من يثق به ليأتيه به، فتمارض المختار، وألقى عليه قطيفة وجعل يتقفقف [١] . فأقبل صاحب عبد الله بن مطيع وأخبره بعلّته، فصدّقه، ولهى عنه. المختار يدعو الشيعة إلى محمد بن الحنفيّة وبعث المختار إلى أصحابه، فأخذ يجمعهم فى الدور حوله ويواطئ أصحابه على الوثوب بالكوفة فى المحرّم ويدعوهم إلى المهدىّ محمد بن الحنفيّة، ويزعم أنه وزيره وخليله والشيعة مجتمعة له. فتلاقى القوم يوما، فاجتمع رؤساؤهم فى منزل سعر بن أبى سعر الحنفىّ وفيهم عبد الرحمن بن شريح، وكان عظيم الشرف، وسعيد بن منقذ، والأسود بن جراد [٢] ، وقدامة بن مالك الجشمىّ، وقالوا: - «إنّ المختار يريد أن يخرج بنا وقد بايعناه، ولا ندري: أرسله إلينا محمد بن الحنفيّة أم لا؟ فانهضوا بنا إلى ابن الحنفيّة، فلنخبره بما قدم علينا وما دعانا إليه، فإن رخّص لنا فى اتّباعه اتّبعناه، وإن نهانا عنه اجتنبناه.» فخرجوا، فلحقوا بابن الحنفيّة وإمامهم عبد الرحمن بن شريح. قال الأسود بن جراد: فقلنا لابن الحنفيّة: [١٧٨]- «إنّ لنا إليك حاجة.» قال: «أفسرّ هي، أم علانية؟» فقلنا: «لا، بل هي سرّ.»

стр. 696

قال: «فرويدا إذا.» فمكث قليلا، ثمّ تنحّى عن مجلسه، وانفرد. فدعانا، فقمنا إليه، فبدأ عبد الرحمن بن شريح، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: كلام ابن شريح لابن الحنفيّة - «أما بعد، فإنكم أهل بيت خصّكم الله بالفضيلة، وشرّفكم بالنبوّة، وعظّم حقّكم على هذه الأمّة، فلا يجهل حقّكم إلّا مغبون الرأى، مبخوس [١] النصيب، وقد أصبتم بالحسين- رحمة الله عليه- فخصّتكم مصيبته وقد عمّت المسلمين. وقدم علينا المختار يزعم أنه قد جاءنا من تلقائكم، ودعانا إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، وإلى الطلب بدماء أهل البيت، والدفع عن الضعفاء، فبايعناه على ذلك، ثمّ رأينا أن نأتيك فنذكر لك ما دعانا إليه، فإن أمرتنا باتّباعه اتّبعناه، وإن نهيتنا عنه اجتنبناه.» ثمّ تكلّمنا واحدا واحدا وهو يستمع، حتّى إذا فرغ من الاستماع وفرغنا من الكلام، حمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبىّ محمّد- صلّى الله عليه-[١٧٩] ثمّ قال: جواب ابن الحنفيّة - «أما بعد، فإنكم ذكرتم ما خصّنا الله به من فضله، وإنّ الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، فله الحمد. أما ما ذكرتم من مصيبتنا

стр. 697

بالحسين، فإنّ ذلك كان فى الذكر الحكيم، وهي ملحمة كتبت عليه، وكرامة أهداها الله له، رفع الله بما كان منها درجات قوم عنده، ووضع بها آخرين، وكان أمر الله قدرا مقدورا. وأما ما ذكرتم من دعاء من دعاكم إلى الطلب بدمائنا، فو الله، لوددت أنّ الله انتصر لنا من عدوّنا بمن شاء من خلقه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لى ولكم.» قال: فخرجنا من عنده ونحن نقول: قد أذن لنا، ولو كره لقال: لا تفعلوا! قال: فجئنا وقوم من الشيعة ينتظرون مقدمنا ممن كنّا أعلمناه مخرجنا وأطلعناه على ذات أنفسنا ممن كان على رأينا من إخواننا، وقد كان بلغ المختار مخرجنا، فشقّ ذلك عليه، وخشي أن نأتيه بأمر يخذّل الشيعة عنه، وكان قد أرادهم على أن ينهض بهم قبل مقدمنا [١٨٠] فلم يتهيّأ له ذلك. فلم يكن إلّا شهرا وزيادة شيء حتّى أقبل القوم على رواحلهم، ودخلوا على المختار قبل دخولهم إلى رحالهم، فقال لهم: - «ما وراءكم؟ قد فتنتم وارتبتم؟» فقالوا له: - «قد أمرنا بنصرتك.» فقال: - «الله أكبر [١] ، أنا أبو إسحاق، اجمعوا لى الشيعة.» فجمع له منهم من كان قريبا، فقال: - «يا معشر الشيعة، إنّ نفرا منكم أحبّوا أن يعلموا مصداق ما جئت به، فرحلوا

стр. 698

إلى إمام الهدى، والنجيب المرتضى، وابن خير من مشى، حاشى النبىّ المصطفى، فسألوه عمّا قدمت له عليكم، فنبّأهم أنّى وزيره وظهيره ورسوله وخليله، وأمركم باتّباعى وطاعتي.» فقام عبد الرحمن بن شريح فقال: - «يا معشر الشيعة، إنّا كنّا أحببنا أن نستثبت لأنفسنا خاصّة، ولجميع إخواننا عامّة، فقدمنا على المهدىّ بن علىّ، فسألناه عن حربنا، وعمّا دعانا إليه المختار منها، فأمرنا بمظاهرته ومؤازرته، فأقبلنا طيّبة أنفسنا، منشرحة صدورنا، قد أذهب الله منها الشكّ والغلّ والريب، واستقامت لنا بصيرتنا [١٨١] فى قتال عدوّنا، فليبلغ هذا شاهدكم غائبكم، واستعدّوا، وتأهّبوا.» ثمّ جلس وقمنا رجلا رجلا، فتكلّمنا بنحو من كلامه، فاستجمعت له الشيعة، وحدبت [١] عليه. ذكر رأى سديد أشير به على المختار وما كان من تأتّى المختار له حتّى تمّ له كما أحبّ قال عامر الشعبي: كنت أنا وأبى أوّل من أجاب المختار، فلمّا تهيّأ أمره ودنا خروجه. قال له أحمر بن شميط، ويزيد بن أنس، وعبد الله بن شدّاد: - «إنّ أشراف أهل الكوفة مجتمعون على قتالك مع ابن مطيع، ونحن نضعف عنهم، فلو جاء مع أمرنا إبراهيم بن الأشتر رجونا بإذن الله، القوّة على عدوّنا، فإنّه فتى بئيس [٢] وابن رجل شريف بعيد الصوت، وله عشيرة ذات عزّ وعدد.»

стр. 699

فقال لهم المختار: - «فالقوه وادعوه وأعلموه ما أمرنا من الطلب بدم الحسين.» المختار يرسل إلى ابن الأشتر ويدعوه قال الشعبي: فخرجوا إليه وأنا [فيهم وأبى وتكلّم] [١] [١٨٢] يزيد بن أنس، فقال له: - «إنّا قد أتيناك فى أمر نعرضه عليك وندعوك إليه، فإن قبلته كان خيرا لك، وإن تركته فقد أدّينا إليك النصيحة، ويجب أن تكون عندك مستورا.» فقال له إبراهيم بن الأشتر: - «مثلي لا تخاف غائلته وسعايته، ولا التقرّب إلى السلطان باغتياب الناس، وإنّما أولئك، الصغار الأخطار الدقاق همما.» فقالوا له: - «إنّا ندعوك إلى أمر قد أجمع رأى الملأ من الشيعة، كتاب الله، وسنّة نبيّه، والطلب بدماء أهل البيت، والدفع عن الضعفاء.» وتكلّم أحمر بن شميط فقال له: - «إنّى ناصح ولحظّك محبّ، وإنّ أباك قد هلك وهو سيد الناس، وفيك منه خلف إن رعيت حقّ الله وقد دعوناك إلى أمر إن أجبتنا إليه عادت لك منزلة أبيك فى الناس، وأحييت أمرا قد مات. إنّما يكفى مثلك اليسير حتّى يبلغ الغاية التي لا مذهب وراءها.» ثمّ أقبل عليه القوم يدعونه ويرغّبونه. فقال لهم إبراهيم:

стр. 700

- «فإنّى أجيبكم إلى الطلب بدم الحسين وأهل بيته على أن تولّونى الأمر.» فقالوا: - «أنت لذلك أهل [ولكن] [١] ليس إلى ذلك سبيل. هذا المختار قد جاءنا من قبل المهدىّ، [١٨٣] وهو الرسول والمأمور بالقتال، وقد أمرنا بطاعته.» فسكت عنهم ابن الأشتر ولم يجبهم، وانصرفنا من عنده إلى المختار وأخبرناه، فغبر ثلاثا. ثمّ إنّ المختار دعا بضعة عشر رجلا من وجوه أصحابه- قال الشعبي- وأنا وأبى فيهم، فسار بنا، ومضى أمامنا يقدّ بنا بيوت الكوفة قدّا لا ندري أين يريد، حتّى وقف بنا على باب إبراهيم بن الأشتر، فاستأذنّا عليه، فأذن لنا، وألقيت لنا وسائد، فجلسنا عليها، وجلس المختار معه على فراشه. فقال المختار بعد أن حمد الله وأثنى عليه، وصلّى على محمد صلّى الله عليه: - «أما بعد، فإنّ هذا كتاب إليك من المهدىّ محمد بن علىّ أمير المؤمنين الرضا، وهو اليوم خير أهل الأرض، وابن خير أهل الأرض كلّها قبل اليوم بعد الأنبياء، وهو يسألك أن تنصرنا وتؤازرنا، فإن فعلت اغتبطت، وإن لم تفعل فهذا الكتاب حجّة عليك، وسيغنى الله المهدىّ محمّدا وأولياءه عنك.» قال الشعبي: وكان المختار قد دفع الكتاب إلىّ حين خرج من منزله، فلمّا قضى كلامه قال لى: - «ادفع الكتاب [١٨٤] إليه.» فدفعته إليه، فدعا بالمصباح، وفضّ خاتمه، ثمّ قرأ فإذا هو: - «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد المهدىّ إلى إبراهيم بن الأشتر، سلام عليك، فإنّى أحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو. أما بعد، فإنّى قد بعثت إليكم

стр. 701

بوزيرى وأمينى ونجيبي الذي ارتضيت لنفسي المختار، وقد أمرته لقتال عدوّى والطلب بدماء أهل بيتي، فانهض معه بنفسك وعشيرتك ومن أطاعك، فإن نصرتني وأجبت دعوتي وساعدت وزيرى كانت لك به فضيلة عندي، ولك بذلك أعنّة الخيل، وكلّ جيش غاز، وكل مصر ومنبر وثغر ظهرت عليه فى ما بين الكوفة وأقصى بلاد الشام، علىّ بالوفاء به، عهد الله وميثاقه، فإن فعلت نلت به عند الله أفضل الكرامة، وإن أبيت هلكت هلاكا لا تستقيله [١] . والسلام.» فلما قرأ إبراهيم الكتاب، قال: - «قد كتب إلىّ محمد بن الحنفيّة وكتبت إليه قبل اليوم، فما كان يكتب إلىّ إلّا باسمه واسم أبيه.» قال له المختار: - «إنّ ذلك زمان وهذا زمان.» قال إبراهيم: - «فمن يعلم أنّ هذا كتاب [١٨٥] محمّد بن الحنفيّة إلىّ؟» فقال له يزيد بن أنس وأحمر بن شميط وعبد الله بن كامل وجماعة.» - «نشهد كلّنا أنّ هذا كتاب محمّد بن الحنفيّة.» إبراهيم بن الأشتر يبايع المختار قال الشعبي: فشهدوا كلّهم إلّا أنا وأبى. قال: فتأخّر عند ذلك إبراهيم عن صدر الفراش، وأجلس المختار عليه، وقال: - «أبسط يدك أبايعك.» فبسط المختار يده، فبايعه. قال الشعبي: ثمّ دعا لنا بفاكهة، فأصبنا منها، ودعا

стр. 702

لنا بشراب من عسل، فشربنا، ثمّ نهضنا وخرج معنا ابن الأشتر، فركب المختار، وركب معه حتّى دخل رحله. فلما رجع إبراهيم منصرفا أخذ بيدي، فقال لى: - «انصرف بنا يا شعبىّ.» قال: فانصرفت معه، ومضى بى حتّى دخل رحله، وقال: - «يا شعبىّ، إنّى قد حفظت أنّك لم تشهد أنت ولا أبوك. أفترى هؤلاء شهدوا على غير حقّ؟» قال، فقلت: - «قد شهدوا على ما رأيت، وهم سادة القرّاء، ومشيخة المصر، وفرسان العرب، ولا أرى مثل هؤلاء يقولون إلّا حقّا.» قال: فو الله، لقد قلت هذه المقالة وأنا لهم متّهم [١] على شهادتهم، غير أنّى يعجبني الخروج وأنا أرى رأى القوم، وأحبّ تمام ذلك الأمر، فلم أطلعه على ما فى نفسي من ذلك. [١٨٦] فقال لى إبراهيم بن الأشتر: - «اكتب لى أسماءهم، فإنّى ليس كلّهم أعرف.» ودعا بصحيفة، ودواة، فكتب فيها: - «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما شهد عليه السائب بن مالك الأشعرى، وزيد بن أنس الأسدى، وأحمر بن شميط الأحمسىّ، ومالك بن عوف النهدىّ.. (حتّى أتى على أسماء القوم، ثمّ كتب:)

стр. 703

شهدوا أنّ محمد بن علىّ كتب إلى إبراهيم بن الأشتر يأمره بمؤازرة المختار ومظاهرته على قتال المحلّين، والطلب بدماء أهل البيت، وشهد على هؤلاء النفر الذين شهدوا بهذه الشهادة شراحيل بن عبد الله، وهو أبو عامر الشعبىّ الفقيه، وعبد الرحمن بن عبد الله محمد النخعىّ، وعامر بن شراحيل الشعبي.» فقلت: - «ما تصنع بذلك رحمك الله.» فقال: - «دعه يكون.» قال: ودعا إبراهيم عشيرته وإخوانه ومن أطاعه، وأقبل يختلف إلى المختار. خروج المختار قال هشام، قال أبو مخنف: فكان إبراهيم يروح كلّ عشيّة عند المساء إلى المختار، فيمكث عنده حتّى تصوّب النجوم، ثمّ ينصرف. فمكثوا بذلك يدبّرون أمرهم، حتّى اجتمع رأيهم على أن يخرجوا ليلة الخميس لأربع عشرة من ربيع الأول [١٨٧] سنة ستّ وستين، ووطّن على ذلك شيعتهم ومن أجابهم. فلما كان عند غروب الشمس، قام إبراهيم بن الأشتر، فأذّن، ثمّ استقدم، فصلّى بنا المغرب، ثمّ خرج بنا بعد المغرب حين قلت: أخوك أو الذئب [١] ، وهو يريد المختار، فأقبلنا علينا السلاح.

стр. 704

ما كان من قبل عبد الله بن مطيع وقد كان أتى إياس بن مضارب عبد الله بن مطيع، فقال له: - «إنّ المختار خارج إحدى الليلتين.» فخرج إياس فى الشرطة، وكان إياس أشار على ابن مطيع، فقال له: - «قد بعثت ابني إلى الكناسة، فابعث فى كلّ جبّانة [١] عظيمة بالكوفة رجلا من أصحابك فى جماعة من أهل الطاعة ليهاب المريب الخروج عليك.» فبعث ابن مطيع عبد الرحمن بن سعيد بن قيس إلى جبّانة السبيع، وقال: - «اكفنى قومك، ولا أوتينّ من قبلك.» وبعث بجماعة يجرون مجراه إلى الجبابين [٢] ووصّاهم أن يكفيه كلّ رجل قومه، وأن يحكم الوجه الذي وجّهه فيه، وبعث شبث بن ربعي إلى السبخة، وقال: - «إذا سمعت صوت القوم توجّه نحوهم.» فكان هؤلاء قد خرجوا يوم الإثنين، فنزلوا الجبابين، وخرج إبراهيم بن الأشتر من رحله بعد [١٨٨] المغرب يريد إتيان المختار وقد بلغه أنّ الجبابين قد حشيت رجالا وأنّ الشرط قد أحاطت بالسوق والقصر. فقال حميد بن مسلم- وكان صديقا لإبراهيم بن الأشتر يصير كلّ ليلة إلى المختار: خرجت مع إبراهيم من منزله بعد المغرب ليلة الثلاثاء حتّى مررنا بدار عمرو بن حريث ونحن مع ابن الأشتر كتيبة نحو مائة، علينا الدروع قد كفّرنا عليها بالأقبية ونحن متقلّدو السيوف ليس معنا سلاح غيره، فقلت لإبراهيم: - «خذ بنا فى الأزقّة وتجنّب السوق.»

стр. 705

وأنا أرى أنه يأخذ على ناحية بجيلة [١] ويخرج إلى دار المختار، فلا يلقانا من نكترث له. وكان إبراهيم فتى حدثا شجاعا فكان لا يكره أن يلقاهم، فقال: - «والله، لآمرّنّ على دار عمرو بن حريث إلى جانب القصر وسط السيوف، فلأرعبنّ عدوّنا ولأرينّهم هوانهم علينا.» قال: فأخذنا على باب الفيل، ثمّ على دار عمرو بن حريث حتّى إذا جاوزناها لقينا إياس بن مضارب فى الشرطة مظهرين السلاح، فقال لنا: - «من أنتم؟» فقال: - «إبراهيم بن الأشتر.» فقال له ابن مضارب: - «ما هذا الجمع الذي معك، وما تريد؟ والله إنّ [١٨٩] أمرك لمريب، ولقد بلغني أنك تمرّ كلّ عشيّة هاهنا، وما أنا بتاركك حتّى آتى بك الأمير، فيرى فيك رأيه.» فقال إبراهيم: - «لا أبا [٢] لغيرك، خلّ سبيلنا.» قال: - «كلّا والله، لا أفعل.» ومع إياس رجل من همدان يقال له: أبو قطن كان يصحب أمراء الشرطة، فهم يكرمونه ويؤثرونه- وكان صديقا لابن الأشتر، فقال ابن الأشتر: - «يا با قطن، أدن منّى.» ومع أبى قطن رمح طويل، فدنا أبو قطن منه ومعه الرمح وهو يرى أنّ ابن الأشتر يطلب إليه أن يشفع له إلى ابن مضارب، ليخلّى سبيله. فقال إبراهيم،
следующие страницы →