بوزيرى وأمينى ونجيبي الذي ارتضيت لنفسي المختار، وقد أمرته لقتال عدوّى والطلب بدماء أهل بيتي، فانهض معه بنفسك وعشيرتك ومن أطاعك، فإن نصرتني وأجبت دعوتي وساعدت وزيرى كانت لك به فضيلة عندي، ولك بذلك أعنّة الخيل، وكلّ جيش غاز، وكل مصر ومنبر وثغر ظهرت عليه فى ما بين الكوفة وأقصى بلاد الشام، علىّ بالوفاء به، عهد الله وميثاقه، فإن فعلت نلت به عند الله أفضل الكرامة، وإن أبيت هلكت هلاكا لا تستقيله [١] . والسلام.» فلما قرأ إبراهيم الكتاب، قال:
- «قد كتب إلىّ محمد بن الحنفيّة وكتبت إليه قبل اليوم، فما كان يكتب إلىّ إلّا باسمه واسم أبيه.» قال له المختار:
- «إنّ ذلك زمان وهذا زمان.» قال إبراهيم:
- «فمن يعلم أنّ هذا كتاب [١٨٥] محمّد بن الحنفيّة إلىّ؟» فقال له يزيد بن أنس وأحمر بن شميط وعبد الله بن كامل وجماعة.» - «نشهد كلّنا أنّ هذا كتاب محمّد بن الحنفيّة.»
إبراهيم بن الأشتر يبايع المختار
قال الشعبي: فشهدوا كلّهم إلّا أنا وأبى. قال: فتأخّر عند ذلك إبراهيم عن صدر الفراش، وأجلس المختار عليه، وقال:
- «أبسط يدك أبايعك.» فبسط المختار يده، فبايعه. قال الشعبي: ثمّ دعا لنا بفاكهة، فأصبنا منها، ودعا
стр. 702
لنا بشراب من عسل، فشربنا، ثمّ نهضنا وخرج معنا ابن الأشتر، فركب المختار، وركب معه حتّى دخل رحله.
فلما رجع إبراهيم منصرفا أخذ بيدي، فقال لى:
- «انصرف بنا يا شعبىّ.» قال: فانصرفت معه، ومضى بى حتّى دخل رحله، وقال:
- «يا شعبىّ، إنّى قد حفظت أنّك لم تشهد أنت ولا أبوك. أفترى هؤلاء شهدوا على غير حقّ؟» قال، فقلت:
- «قد شهدوا على ما رأيت، وهم سادة القرّاء، ومشيخة المصر، وفرسان العرب، ولا أرى مثل هؤلاء يقولون إلّا حقّا.» قال:
فو الله، لقد قلت هذه المقالة وأنا لهم متّهم [١] على شهادتهم، غير أنّى يعجبني الخروج وأنا أرى رأى القوم، وأحبّ تمام ذلك الأمر، فلم أطلعه على ما فى نفسي من ذلك. [١٨٦] فقال لى إبراهيم بن الأشتر:
- «اكتب لى أسماءهم، فإنّى ليس كلّهم أعرف.» ودعا بصحيفة، ودواة، فكتب فيها:
- «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما شهد عليه السائب بن مالك الأشعرى، وزيد بن أنس الأسدى، وأحمر بن شميط الأحمسىّ، ومالك بن عوف النهدىّ.. (حتّى أتى على أسماء القوم، ثمّ كتب:)
стр. 703
شهدوا أنّ محمد بن علىّ كتب إلى إبراهيم بن الأشتر يأمره بمؤازرة المختار ومظاهرته على قتال المحلّين، والطلب بدماء أهل البيت، وشهد على هؤلاء النفر الذين شهدوا بهذه الشهادة شراحيل بن عبد الله، وهو أبو عامر الشعبىّ الفقيه، وعبد الرحمن بن عبد الله محمد النخعىّ، وعامر بن شراحيل الشعبي.» فقلت:
- «ما تصنع بذلك رحمك الله.» فقال:
- «دعه يكون.» قال: ودعا إبراهيم عشيرته وإخوانه ومن أطاعه، وأقبل يختلف إلى المختار.
خروج المختار
قال هشام، قال أبو مخنف:
فكان إبراهيم يروح كلّ عشيّة عند المساء إلى المختار، فيمكث عنده حتّى تصوّب النجوم، ثمّ ينصرف. فمكثوا بذلك يدبّرون أمرهم، حتّى اجتمع رأيهم على أن يخرجوا ليلة الخميس لأربع عشرة من ربيع الأول [١٨٧] سنة ستّ وستين، ووطّن على ذلك شيعتهم ومن أجابهم.
فلما كان عند غروب الشمس، قام إبراهيم بن الأشتر، فأذّن، ثمّ استقدم، فصلّى بنا المغرب، ثمّ خرج بنا بعد المغرب حين قلت: أخوك أو الذئب [١] ، وهو يريد المختار، فأقبلنا علينا السلاح.
стр. 704
ما كان من قبل عبد الله بن مطيع
وقد كان أتى إياس بن مضارب عبد الله بن مطيع، فقال له:
- «إنّ المختار خارج إحدى الليلتين.» فخرج إياس فى الشرطة، وكان إياس أشار على ابن مطيع، فقال له:
- «قد بعثت ابني إلى الكناسة، فابعث فى كلّ جبّانة [١] عظيمة بالكوفة رجلا من أصحابك فى جماعة من أهل الطاعة ليهاب المريب الخروج عليك.» فبعث ابن مطيع عبد الرحمن بن سعيد بن قيس إلى جبّانة السبيع، وقال:
- «اكفنى قومك، ولا أوتينّ من قبلك.» وبعث بجماعة يجرون مجراه إلى الجبابين [٢] ووصّاهم أن يكفيه كلّ رجل قومه، وأن يحكم الوجه الذي وجّهه فيه، وبعث شبث بن ربعي إلى السبخة، وقال:
- «إذا سمعت صوت القوم توجّه نحوهم.» فكان هؤلاء قد خرجوا يوم الإثنين، فنزلوا الجبابين، وخرج إبراهيم بن الأشتر من رحله بعد [١٨٨] المغرب يريد إتيان المختار وقد بلغه أنّ الجبابين قد حشيت رجالا وأنّ الشرط قد أحاطت بالسوق والقصر.
فقال حميد بن مسلم- وكان صديقا لإبراهيم بن الأشتر يصير كلّ ليلة إلى المختار:
خرجت مع إبراهيم من منزله بعد المغرب ليلة الثلاثاء حتّى مررنا بدار عمرو بن حريث ونحن مع ابن الأشتر كتيبة نحو مائة، علينا الدروع قد كفّرنا عليها بالأقبية ونحن متقلّدو السيوف ليس معنا سلاح غيره، فقلت لإبراهيم:
- «خذ بنا فى الأزقّة وتجنّب السوق.»
стр. 705
وأنا أرى أنه يأخذ على ناحية بجيلة [١] ويخرج إلى دار المختار، فلا يلقانا من نكترث له.
وكان إبراهيم فتى حدثا شجاعا فكان لا يكره أن يلقاهم، فقال:
- «والله، لآمرّنّ على دار عمرو بن حريث إلى جانب القصر وسط السيوف، فلأرعبنّ عدوّنا ولأرينّهم هوانهم علينا.» قال: فأخذنا على باب الفيل، ثمّ على دار عمرو بن حريث حتّى إذا جاوزناها لقينا إياس بن مضارب فى الشرطة مظهرين السلاح، فقال لنا:
- «من أنتم؟» فقال:
- «إبراهيم بن الأشتر.» فقال له ابن مضارب:
- «ما هذا الجمع الذي معك، وما تريد؟ والله إنّ [١٨٩] أمرك لمريب، ولقد بلغني أنك تمرّ كلّ عشيّة هاهنا، وما أنا بتاركك حتّى آتى بك الأمير، فيرى فيك رأيه.» فقال إبراهيم:
- «لا أبا [٢] لغيرك، خلّ سبيلنا.» قال:
- «كلّا والله، لا أفعل.» ومع إياس رجل من همدان يقال له: أبو قطن كان يصحب أمراء الشرطة، فهم يكرمونه ويؤثرونه- وكان صديقا لابن الأشتر، فقال ابن الأشتر:
- «يا با قطن، أدن منّى.» ومع أبى قطن رمح طويل، فدنا أبو قطن منه ومعه الرمح وهو يرى أنّ ابن الأشتر يطلب إليه أن يشفع له إلى ابن مضارب، ليخلّى سبيله. فقال إبراهيم،
стр. 706
وتناول الرمح من يده:
- «إنّ رمحك هذا لطويل.» ثمّ حمل به إبراهيم بن الأشتر على ابن مضارب، فطعنه فى ثغرة نحره، فصرعه، وقال لرجل من قومه:
- «انزل، فاحتزّ رأسه.» فنزل إليه، فاحتزّ رأسه، وتفرّق أصحابه، ورجعوا إلى ابن مطيع. فبعث ابن مطيع ابنه راشدا مكان أبيه على الشرط، وبعث مكان راشد بن إياس سويد بن عبد الرحمن المنقرىّ تلك الليلة، وأقبل إبراهيم الأشتر إلى المختار ليلة الثلاثاء، فدخل عليه، فقال له إبراهيم:
- «إنّا اتّعدنا للخروج ليلة الخميس [١٩٠] وقد حدث أمر لا بدّ من الخروج الليلة.» قال المختار:
- «وما هو؟» قال:
- «عرض لى إياس بن مضارب فى الطريق ليحبسنى بزعمه، فقتلته وهذا رأسه مع أصحابى على الباب.» فقال المختار:
- «فبشّرك الله بخير، فهذا طائر صالح، وهو أوّل الفتح، إن شاء الله.» ثمّ قال المختار:
- «قم يا سعيد بن منقذ، فأشعل النار فى الهرادىّ [١] ، ثمّ ارفعها للمسلمين، وقم يا عبد الله بن شدّاد، فناد: يا منصور أمت، وقم أنت يا قدامة بن مالك، فناد:
يا لثارات الحسين.»
стр. 707
ثمّ استدعى المختار درعه وسلاحه، فأتى به، فلبسه.
فقال إبراهيم للمختار:
- «إنّ هؤلاء الرؤوس الذين وضعهم ابن مطيع فى الجبابين، يمنعون إخواننا أن يأتونا ويضيّقون عليهم، فلو أنّى خرجت بمن معى حتّى آتى قومي فيأتينى كلّ من بايعنى منهم، ثمّ سرت بهم فى نواحي الكوفة، ودعوت بشعارنا، فخرج إلىّ من أراد الخروج إلينا، ومن قدر على إتيانك من الناس، فمن أتاك من الناس حبسته عندك إلى من معك، ولم تفرّقهم، فإن عوجلت وأتيت، كان معك من تمنع به، وأنا لو قد فرغت من هذا الأمر عجلت إليك فى الخيل والرجال.» قال له:
- «فاعجل، [١٩١] وإياك أن تسير إلى أميرهم تقاتله، ولا تقاتل أحدا وأنت تستطيع ألّا تقاتل، واحفظ ما وصّيتك به، إلّا أن يبدأك أحد بقتال.» فخرج إبراهيم بن الأشتر من عنده فى الكتيبة التي أقبل فيها حتّى أتى قومه، فاجتمع إليه جلّ من كان بايعه وأجابه. ثمّ إنّه سار بهم فى سكك الكوفة طويلا وهو يتجنّب السكك التي فيها الأمراء حتّى انتهى إلى مسجد السّكون. فعجلت إليه خيل لزحر [١] بن قيس، فشدّ عليهم إبراهيم وأصحابه، فكشفوهم حتّى انتهوا إلى زحر بن قيس، فانصرف عنهم وركب بعضهم بعضا كلّما لقيهم زقاق دخل فيه منهم طائفة، فانصرفوا يسيرون، ثمّ خرج إبراهيم يسير حتّى انتهى إلى جبّانة أثير، فوقف فيها طويلا ونادى أصحابه بشعارهم. فبلغ سويد بن عبد الرحمن المنقري مكانهم فى جبانة أثير، فرجا أن يصيبهم فيحظى بذلك عند ابن مطيع، فلم يشعر ابن الأشتر إلّا وهم معه فى الجبّانة.
فلما رأى ذلك ابن الأشتر قال لأصحابه:
стр. 708
- «يا شرطة الله انزلوا إلى هؤلاء الفسّاق الذين خاضوا فى دماء أهل بيت رسول الله، صلّى الله عليه.» فنزلوا، ثمّ شدّ عليهم إبراهيم [١٩٢] فضربهم حتّى أخرجهم إلى الصحراء، وولّوا منهزمين يركب بعضهم بعضا وهم يتلاومون، فيقول قائل منهم:
- «إنّ هذا لأمر [١] يراد، ما يلقون لنا جماعة إلّا هزمونا.» ولم يزل إبراهيم يهزمهم حتّى أدخلهم الكناسة.
وقال أصحاب إبراهيم لإبراهيم:
- «اتّبعهم واغتنم ما قد دخلهم من الرعب، فقد علم الله إلى من تدعو وما تطلب، وإلى ما يدعون وما يطلبون.» قال:
- «لا، ولكن سيروا بنا إلى صاحبنا حتّى يؤمن الله بنا وحشته ويكون من أمره على علم، ويعرف هو أيضا ما كان من غنائنا [٢] فيزداد هو وأصحابه قوّة وبصيرة إلى قواهم وبصائرهم، مع أنّى لا آمن أن يكون قد أتى.» فأقبل إبراهيم فى أصحابه، فلما أتى دار المختار وجد الأصوات عالية والقوم يقتتلون وقد جاء شبث بن ربعي من قبل السبخة، فعبّى له المختار والناس يقتتلون، وجاء إبراهيم من قبل القصر، فبلغ حجّارا وأصحابه أنّ إبراهيم قد جاءهم من ورائهم. فتفرّقوا قبل أن يأتيهم إبراهيم وذهبوا فى الأزقّة والسكك، وحملت طائفة من أصحاب المختار على شبث بن ربعىّ وهو [١٩٣] يقاتل يزيد بن أنس، فخلّى لهم الطريق حتّى اجتمعوا جميعا. ثمّ اضطرّ شبث إلى أن ترك لهم السكة.
وأقبل شبث حتّى أتى ابن مطيع، فقال له:
стр. 709
- «ابعث إلى أمراء الجبابين [١] ليأتوك، فاجمع إليك جميع الناس، ثمّ انهد إلى هؤلاء القوم فقاتلهم، وابعث إليهم من تثق به فليكفك قتالهم، فإنّ أمر القوم قد قوى وقد ظهر المختار، واجتمع له أمره.» وبلغ ذلك المختار من مشورة شبث على ابن مطيع، فخرج فى جماعة من أصحابه حتّى نزل فى ظهر دير هند مما يلي بستان زائدة فى السبخة، وخرج أبو عثمان النهدي، فنادى فى شاكر وهم مجتمعون فى دورهم يخافون أن يظهروا فى الميدان لقرب كعب بن أبى كعب منهم. وكان كعب هذا قد أخذ عليهم بأفواه السكك حين بلغه أنهم يخرجون، وسدّ طرقهم. فلما أتاهم أبو عثمان النهدي فى عصابة من أصحابه، نادى:
- «يا لثارات الحسين، يا منصور أمت، يا أيها الحىّ المهتدون، ألا إنّ أمين [٢] آل محمد قد خرج، فنزل دير هند، وبعثني داعيا ومبشّرا، فاخرجوا [١٩٤] إليه، رحمكم الله.» فخرج القوم من الدور يتداعون:
- «يا لثارات الحسين.» ثمّ ضاربوا كعب بن أبى كعب حتّى خلّى لهم الطريق، فأقبلوا إلى المختار حتّى نزلوا معه فى عسكره، وخرج عبد الله بن قراد فى جماعة من خثعم نحو المائتين، حتّى لحق بالمختار، ونزلوا معه فى عسكره وقد كان عرض لهم كعب بن أبى كعب، فلما عرفهم ورأى أنهم قومه خلّى عنهم ولم يقاتلهم، وخرجت شبام إليهم فتوافى إلى المختار ثلاثة آلاف وثمانمائة من جملة اثنى عشر ألفا كانوا بايعوه، فاستجمعوا له قبل انفجار الفجر، فأصبح وقد فرغ من تعبئته.
ثمّ إنّ ابن مطيع بعث إلى أهل الجبابين، فأمرهم أن ينضمّوا إلى المسجد، وقال
стр. 710
لراشد بن إياس بن مضارب:
- «ناد فى الناس فليأتوا المسجد.» فنادى المنادى:
- «ألا برئت الذمّة من رجل لم يحضر المسجد الليلة.» فتوافى الناس فى المسجد، فلما اجتمعوا، بعث ابن مطيع شبث بن ربعىّ فى نحو ثلاثة آلاف إلى المختار، وبعث راشد بن إياس فى أربعة آلاف إلى المختار، وبعث راشد بن إياس فى أربعة آلاف من الشرط.
فسرّح المختار إبراهيم بن الأشتر قبل راشد بن إياس فى تسعمائة مقاتل، ويقال: [١٩٥] فى ستمائة فارس وستمائة راجل، وبعث نعيم بن هبيرة أخا مصقلة بن هبيرة فى ثلاثمائة فارس وستمائة راجل نحو شبث، وقال لهما:
- «امضيا حتّى تلقيا عدوكما، وإذا لقيتماهم، فانزلا فى الرجال وعجّلا القراع، وابدءاهم بالإقدام، وتستهدفا لهم فإنّهم أكثر منكم، ولا ترجعا إلىّ حتّى تظهرا، أو تقتلا.» فتوجّه إبراهيم بن الأشتر إلى راشد وقدّم المختار يزيد بن أنس فى تسعمائة أمامه، وتوجّه نعيم بن هبيرة قبل شبث.
فقال سعر بن أبى سعر: لما انتهينا إلى شبث قاتلناه قتالا شديدا، فجعل نعيم بن هبيرة يضاربهم حتّى أشرقت الشمس، وضربناهم حتّى أدخلناهم البيوت، فسمعت شبث بن ربعىّ ينادى أصحابه:
- «يا حماة السوء، بئس فرسان الحقائق أنتم، أمن عبيدكم تهربون؟» قال: فثابت إليه منهم جماعة، فشدّ علينا وقد تفرّقنا وهزمنا. فصبر نعيم بن هبيرة فقتل، ونزل سعر بن أبى سعر فأسر، [وأسرت أنا] [١] وأسر خليد مولى
стр. 711
حسّان، وأسر أبو سعيد الصيقل.
قال: فسمعت أبا سعيد الصيقل هذا يقول: سمعت شبث بن ربعي يقول لخليد:
- «من أنت؟» قال:
- «خليد مولى حسّان.» فقال [١٩٦] له شبث:
- «يا ابن المتكاء، تركت بيع الصحناء [١] بالكناسة، وكان جزاء من أعتقك أن تعدو [٢] عليهم بسيفك تضرب رقابهم، اضربوا عنقه.» فقتل، ورأى سعرا الحنفىّ، فرفعه، فقال:
- «أخو بنى حنيفة؟» فقال:
- «نعم.» قال:
- «ويحك! ما أردت إلى اتباع هؤلاء السبائية، قبّح الله رأيك؟ دعوا ذا.» فقلت فى نفسي: قتل المولى وترك العربىّ، إن علم أنى مولى قتلني، فلما عرضت عليه، قال:
- «من أنت؟» فقلت:
- «من بنى تيم الله.» قال:
- «أعربيّ أنت أم مولى.» فقلت:
- «لا، بل عربىّ، أنا من آل زياد بن أبى حفصة.» فقال:
- «ذكرت الشرف المعروف، الحق بأهلك.» فأقبلت حتّى انتهيت إلى الحمراء، وكانت لى بصيرة فى قتال القوم، فجئت إلى المختار، وقد وضعت فى نفسي أن آتى أصحابى حتّى أقتل معهم أو أظفر بظفرهم.
стр. 712
قال: فأتيته وقد سبقني إليه سعر الحنفىّ وجاءه قتل نعيم وأقبلت إليه خيل شبث، فدخل من ذلك أصحاب المختار أمر كبير.
قال: فدنوت من المختار، فأخبرته بما كان من أمرى، فقال لى:
- «اسكت، فليس هذا بمكان الحديث.» وجاء شبث [١٩٧] حتّى أحاط بالمختار وبيزيد بن أنس، وكان ابن مطيع أنفذ ابن رويم فى ألفين من قبل سكّة لحّام، فوقفوا فى أفواه تلك السكك، وجعل المختار يزيد بن أنس على خيله، وخرج هو فى الرجّالة.
قال: فحملت علينا خيل شبث حملتين فما يزول رجل منّا من مكانه، فقال يزيد بن أنس لنا:
- «يا معشر الشيعة، قد كنتم تقتلون، وتقطع أيديكم وأرجلكم وتسمل عيونكم، وترفعون على جذوع النخل فى حبّ أهل بيت [نبيّكم] [١] وأنتم مقيمون فى بيوتكم وطاعة عدوّكم، فما ظنكم بهؤلاء القوم إن ظهروا عليكم اليوم، إذا والله لا يدعون منكم عينا تطرف، وليقتلنّكم صبرا، ولترونّ فى أولادكم وأزواجكم وأموالكم ما الموت خير منه، والله، لا ينجيكم منهم إلّا الصدق والصبر والطعن الصائب فى أعينهم، والضرب الدراك على هامهم، فتيسّروا للشدة، وتهيّئوا للحملة، فإذا حرّكت رأسى مرتين فاحملوا.» فتهيّأنا، وجثونا على الركب، وانتظرنا أمره.
وكان إبراهيم بن الأشتر حين توجه إلى راشد، لقيه فى مراد، فإذا معه أربعة آلاف، فقال إبراهيم [١٩٨] لأصحابه:
- «لا يهولنّكم كثرة هؤلاء، فو الله لربّ رجل خير من عشرة، ولربّ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله، وَالله مَعَ الصَّابِرِينَ ٢: ٢٤٩ [٢] .»
стр. 713
ثمّ قال:
- «يا خزيمة بن نصر، سر إليهم فى الخيل.» ونزل هو يمشى فى الرجال، واقتتل الناس، فاشتدّ قتالهم، وبصر خزيمة [١] بن نصر العبسىّ براشد بن إياس، فحمل عليه فطعنه فقتله، ثمّ نادى:
- «قتلت راشد وربّ الكعبة.» وانهزم أصحاب راشد، وأقبل إبراهيم بن الأشتر نحو المختار، وبعث إليه من يبشّره بالفتح عليه. فلما جاءهم البشير، كبّروا، واشتدّت أنفسهم، ودخل أصحاب ابن مطيع الفشل، وسرّح ابن مطيع حسّان بن قائد بن بكير العبسىّ فى جيش كثيف، فاعترض إبراهيم ليردّه بالسبخة، فقدّم إبراهيم خزيمة بن نصر إلى حسّان بن قائد فى الخيل، ومشى إبراهيم نحوه فى الرجال، فانهزموا، وتخلّف حسّان بن قائد فى أخريات الناس يحميهم، وحمل عليه خزيمة، فلما رءاه عرفه، فقال له:
- «يا حسّان، قد عرفتك، فالنجا.» فعثر لحسان فرسه، فوقع، فقال:
- «لعا لك [٢] [١٩٩] أبا عبد الله.» وابتدره الناس، فأحاطوا به، فضاربهم ساعة بسيفه.
فناداه خزيمة:
- «إنّك آمن يا با عبد الله، لا تقتل نفسك.» وجاء حتّى وقف عليه، ونهنه الناس عنه، ومرّ به إبراهيم.
فقال خزيمة:
стр. 714
- «هذا ابن عمّى، وقد آمنته.» فقال إبراهيم:
- «أحسنت.» وأمر خزيمة بفرسه حتّى أتى به فحمله عليه، وقال:
- «الحق بأهلك.» وأقبل إبراهيم نحو المختار وشبث محيط بالمختار ويزيد بن أنس. فلما رءاه يزيد بن الحارث وهو على أفواه السكك التي تلى السبخة، أقبل نحوه ليصدّه عن شبث وأصحابه، فبعث إبراهيم طائفة من أصحابه مع خزيمة بن نصر، فقال:
- «أغن عنّا يزيد بن الحارث.» وصمد هو فى بقيّة أصحابه نحو شبث بن ربعي، فلما رءاه أصحاب شبث، أخذوا ينكصون وراءهم رويدا رويدا، فلما دنا إبراهيم من شبث وأصحابه حمل عليهم، فانكشفوا حتّى انتهوا إلى أبيات الكوفة، وحمل خزيمة بن نصر على يزيد بن الحارث بن رويم، فهزمه، وازدحم القوم على أفواه السكك فوق البيوت، وأقبل المختار فى جماعة الناس إلى يزيد بن الحارث، فلما انتهى أصحاب المختار إلى [٢٠٠] أفواه السكك، رمته تلك المرامية بالنبل، فصدّوهم عن دخول الكوفة، ورجع الناس من السبخة منهزمين إلى ابن مطيع وجاء قتل راشد بن إياس، فسقط فى يديه، فقال عمرو بن الحجاج الزبيدي لابن مطيع:
- «أيها الرجل لا تسقط فى خلدك ولا تلق بيديك [١] ، أخرج إلى الناس فاندبهم إلى عدوّك، فإنّ الناس كثير عددهم وكلّهم معك إلّا هؤلاء الطائفة التي خرجت عليك، والله مخزيها وأنا أول منتدب، فاندب معى طائفة ومع غيرى طائفة.»
стр. 715
فخرج ابن مطيع، فخطب الناس وحضّهم، وقال فى خطبته:
- «أيها الناس، قاتلوا عن حرمكم وعن مصركم، وامنعوا من فيئكم، والله لئن لم تفعلوا ليشاركنّكم فى فيئكم من لا حقّ له فيه، والله لقد بلغني أنّ فيهم من محرّريكم خمسمائة رجل عليهم أمير منهم، وإنما ذهاب عزّكم وسلطانكم حين يكثرون.» ثمّ نزل.
وكان يزيد بن الحارث منعهم أن يدخلوا الكوفة، ومضى المختار من السبخة حتّى ظهر إلى الجبّانة، وقال:
- «نعم مكان المقاتل هذا.» فقال له إبراهيم بن الأشتر: [٢٠١]- «قد هزمهم الله وفلّهم، وأدخل الرعب قلوبهم وتنزل هاهنا! سر بنا، فو الله ما دون القصر أحد يمنع، ليقم هاهنا كل شيخ ضعيف وذى علّة، وضعوا ما كان لكم من ثقل ومتاع بهذا الموضع حتّى نسير إلى عدوّنا.» ففعلوا. واستخلف المختار عليهم أبا عثمان النهدىّ، وقدّم إبراهيم الأشتر أمامه، وعبّى أصحابه على الحال التي كانوا عليها فى السبخة، وبعث عبد الله بن مطيع عمرو بن الحجاج فى ألفى رجل، فخرج عليهم من السكّة المعروفة بالثوريّين، فبعث المختار إليهم أن:
- «اطوه ولا تقم عليه.» فطواه إبراهيم، ودعا المختار يزيد بن أنس، فأمره أن يصمد لعمرو بن الحجاج، فمضى نحوه، ومضى المختار فى أثر إبراهيم، وأمره أن يدخل الكوفة من قبل الكناسة، فمضى وخرج إليه من سكّة ابن محرز، وأقبل شمر بن ذى الجوشن فى ألفين، فسرّح المختار إليه سعيد بن منقذ الهمدانىّ، فواقعه، وبعث إلى إبراهيم أن:
стр. 716
- «اطوه وامض على وجهك.» فمضى حتّى انتهى إلى سكّة شبث وإذا نوفل بن مساحق [٢٠٢] فى نحو خمسة آلاف رجل وقد أمر ابن مطيع، فنودي فى الناس أن:
- «الحقوا بابن مساحق.» واستخلف شبث بن ربعىّ على القصر، وخرج ابن مطيع حتّى وقف بالكناسة.
فقال حصيرة بن عبد الله: إنّى لأنظر إلى ابن الأشتر حين أقبل فى أصحابه، حتّى إذا دنا منهم، قال لهم:
- «انزلوا.» فنزلوا. فقال:
- «اقرنوا خيولكم بعضها إلى البعض، ثمّ امشوا إليهم مصلتين، ولا يهولنّكم أن يقال: جاءكم شبث بن ربعىّ، وآل عتيبة بن النهاس، وآل الأشعث، وآل فلان وفلان ... » حتّى [سمّى] [١] بيوتا من بيوتات أهل الكوفة، وقال:
- «إنّ هؤلاء لو وجد أوّلهم حرّ السيف لرأيتم قد انصفقوا عن ابن مطيع انصفاق المعزى عن الذئب.» قال حصيرة: فإنّى لأنظر إليه وإلى أصحابه حتّى قرنوا خيولهم وحتّى أخذ بن الأشتر أسفل قبائه، فأدخله فى منطقة له حمراء من حواشي البرد وقد شدّ بها على القباء وقد كفّر بالقباء على الدرع، ثمّ قال لأصحابه:
- «شدّوا عليهم فدى لكم عمّى وخالي.» قال: فو الله ما لبّثهم [٢٠٣] أن هزمهم، فركب بعضهم بعضا على فم السكّة، وازدحموا، وانتهى ابن الأشتر إلى ابن مسحاق، فأخذ بلجام دابّته ورفع عليه
стр. 717
السيف، فقال له ابن مساحق:
- «يا ابن الأشتر، أنشدك الله، أتطلبنى بثأر، هل بيني وبينك من حنة [١] ؟» فخلّى سبيله وقال:
- «اذكرها» .
فكان يذكرها له.
وأقبلوا حتّى دخلوا الكناسة فى آثار القوم حتّى دخلوا المسجد وحصروا ابن مطيع ثلاثا.
وجاء المختار حتّى نزل جانب السوق، وولّى حصار القصر إبراهيم بن الأشتر، ويزيد بن أنس، وأحمر بن شميط، فلما اشتدّ الحصار على بن مطيع كلّمه الأشراف، وكان يفرّق فيهم الدقيق من القصر.
فقام إليه شبث بن ربعىّ فقال له:
- «أصلحك الله، أنظر لنفسك ومن معك، فو الله ما عندنا غناء عنك ولا عن أنفسهم.» قال ابن مطيع:
- «هاتوا، أشيروا علىّ برأيكم.» قال شبث:
- «الرأى أن تأخذ لنفسك من هذا الرجل أمانا وتخرج ولا تهلك نفسك ومن معك.» قال ابن مطيع: [٢٠٤]- «والله إنّى لأكره أن آخذ منه أمانا والأمور مستقيمة لأمير المؤمنين بالحجاز كلّه وبالبصرة.»
стр. 718
قال:
- «فتخرج ولا يشعر بك أحد حتّى تنزل منزلا بالكوفة عند من تثق به، فلا يعلم بمكانك حتّى تخرج فتلحق بصاحبك.» فقال لأسماء بن خارجة ولغيره من أشراف الناس:
- «ما ترون فى ما أشار به علىّ شبث؟» فقالوا:
- «ما نرى الرأى إلّا ما أشار به عليك.» قال:
- «فرويدا حتّى أمسى.» فلما أمسى جمعهم، وحمد الله، وأثنى عليهم [١] وردّوا عليه مثله، وقال:
- «جزاكم الله خيرا، أخذ امرؤ حيث أحبّ.» ثمّ خلّى عن القصر، وخرج من نحو درب الروميّين حتّى أتى دار أبى موسى، ففتح أصحابه الباب ونادوا:
- «يا بن الأشتر، آمنون نحن؟» قال:
- «أنتم آمنون.» فخرجوا، وبايعوا المختار، وجاء المختار حتّى دخل القصر، فبات به وأصبح، فخطب الناس وحضّ على البيعة، وقال:
- «أيها الناس، لا والذي جعل السماء سقفا محفوظا، والأرض فجاجا سبلا [٢] ، ما بايعتم بعد بيعة علىّ بن أبى طالب وآل علىّ أهدى منها.» ثمّ نزل، [٢٠٥] فدخل ودخل الناس وأشرافهم، فبسط يده، وابتدره الناس
стр. 719
فبايعوه، وجعل يقول:
- «تبايعون على كتاب الله، وسنّة نبيّه، والطلب بدماء أهل البيت، وجهاد المحلّين، والدفع عن الضعفاء، وقتال من قاتلنا، ومسالمة من سالمنا، والوفاء ببيعتنا، لا نقيلكم، ولا نستقيلكم.» فإذا قال [الرجل] [١] : نعم، بايعه.
وأقبل المختار يمنّى الناس، ويستجرّ مودّتهم ومودّة الأشراف، ويحسن السيرة جهده. وجاء ابن كامل، وكان على شرطته، فقال:
- «إنّ ابن مطيع فى دار أبى موسى، وقد عرفت ذلك بالصحّة.» فلم يجبه بشيء، فأعادها عليه، فلم يجبه، فظنّ ابن كامل أنّ ذلك لا يوافقه، وكان ابن مطيع قبل للمختار صديقا. فلما أمسى بعث إلى ابن مطيع بمائة ألف [٠٠٠، ١٠٠] درهم، وقال له:
- «تجهّز بهذه واخرج، فإنّى قد شعرت بمكانك، وظننت أنه لم يمنعك من الخروج إلّا أنه ليس فى يدك ما يقوّيك على الخروج.» وأصاب المختار فى بيت مال الكوفة تسعة آلاف ألف [٠٠٠، ٠٠٠، ٩] فأعطى أصحابه الذين قاتل [٢٠٦] بهم حين حصر ابن مطيع فى القصر، وهم ثلاثة آلاف وثمانمائة رجل، خمسمائة كل رجل، وأعطى ستة آلاف من أصحابه أتوه بعد ما أحاط بالقصر، وأقاموا معه تلك الأيّام الثلاثة مائتين مائتين، واستقبل الناس بخير، ومنّاهم، وأحسن السيرة وأدنى الأشراف.
المختار يولّى الولايات ويعقد الألوية
ثمّ ولّى الولايات، وعقد الألوية، فأوّل رجل عقد له المختار راية عبد الله بن
стр. 720
الحارث أخو الأشتر، عقد له على آذربيجان، وبعث سعد بن حذيفة بن اليمان على حلوان، وكان معه ألفا فارس ورزقه ألف درهم فى كلّ شهر، وأمره بقتال الأكراد وإقامة الطرق، وكتب إلى عمّاله على الجبال أن يحملوا أموال كورهم إلى سعد بن حذيفة بن اليمان بحلوان، وبعث عبد الرحمن بن سعيد بن قيس إلى الموصل وبها محمد بن الأشعث بن قيس من قبل الزبير، فتنحى له عن الموصل، ثمّ شخص إلى المختار مع أشراف قومه وغيرهم، فبايع له ودخل فى ما دخل فيه أهل بلده.
ثمّ وثب المختار بمن كان معه بالكوفة من قتلة الحسين، ﵇ [٢٠٧] والمتابعين على قتله، فقتل من قدر عليه وهرب بعضهم فلم يقدر عليه.
وكان سبب ذلك أنّ مروان بن الحكم لما استوسقت له الشام بالطاعة، بعث عبيد الله بن زياد إلى العراق، وجعل له ما غلب عليه، وأمره أن ينهب الكوفة إذا ظفر بأهلها ثلاثا.
وقد كنّا ذكرنا من أمر التوّابين وابن زياد ما كان بعين الوردة، ثمّ بعد ذلك مرّ بأرض الجزيرة وبها قيس عيلان [١] على طاعة ابن الزبير، فلم يزل عبيد الله مشتغلا بهم عن العراق نحوا من سنة، ثمّ أقبل إلى الموصل، وكتب عبد الرحمن بن سعيد بن قيس عامل المختار على الموصل إلى المختار:
- «أما بعد، فإنّى أخبرك أيها الأمير، أنّ عبيد الله بن زياد قد دخل أرض الموصل، ووجّه قبلي خيله ورجاله، وأنّى قد انحزت إلى تكريت حتّى يأتينى رأيك وأمرك، والسلام.» فكتب إليه:
- «قد أصبت، فلا تبرحنّ مكانك حتّى يأتيك أمرى.»
стр. 721
ثمّ بعث المختار إلى يزيد بن أنس، فدعاه وقال:
- «يا يزيد، إنّ العالم ليس كالجاهل، وإنّى أخبرك خبر من [٢٠٨] لم يكذب ولم يكذب [١] ، أنا صاحب الخيل التي تجرّ جعابها وتضفر أذنابها حتّى توردها منابت الزيتون [٢] ، اخرج إلى الموصل حتّى تنزل أدانيها، فإنّى ممدّك بالرجال.» فقال يزيد بن أنس:
- «سرّح معى ثلاثة آلاف من الفرسان أنتخبهم وخلّنى والفرج الذي توجّهنى له، فإن احتجت إلى الرجال فسأكتب إليك.» وقال المختار:
- «فاخرج وانتخب على اسم الله من أحببت.» فخرج فانتخب ثلاثة آلاف فارس، وخرج معه المختار، وانصرف وقال له:
- «إذا لقيت عدوّك فلا تناظرهم، وإذا أمكنتك الفرصة فلا تؤخّرها، ولكن خبرك [٣] عندي كلّ يوم وأنا ممدّك وإن لم تستمدّ، لأنه أشدّ لعضدك، وأعزّ لجندك، وأرعب لعدوّك.» فقال له يزيد بن أنس:
- «لا تمدّنى إلّا بدعائك، فكفى به مددا.» فقال الناس:
- «صحبك الله، وأدّاك وأيّدك.» وودّعوه. فقال لهم:
- «سلوا الله لى الشهادة. وأيم الله لئن لقيتهم ففاتني النصر، لا تفوتني الشهادة
стр. 722
إن شاء الله.» وكتب المختار إلى عبد الرحمن بن سعيد بن قيس:
- «أما بعد، فخلّ بين يزيد [٢٠٩] وبين البلاد إن شاء الله، والسلام عليك.» وخرج يزيد بن أنس، فبات بالمدائن، ثمّ اعترض أرض جوخى [١] ، حتّى خرج بهم فى الراذانات، وحتّى قطع بهم إلى الموصل ونواحيها، وبلغ مكانه ومنزله عبيد الله بن زياد، وسأل عن عدّتهم، فأخبرته عيونه أنه خرج معه من الكوفة ثلاثة آلاف فارس.
فقال عبيد الله:
- «فأنا أبعث إلى كلّ ألف ألفين.» وبعث إليه ربيعة بن المخارق وعبد الله بن حملة كلّ واحد منهما فى ثلاثة آلاف، ثمّ قال:
- «أيّكما سبق فهو أمير على صاحبه.» فسبق ربيعة بن المخارق، ونزل بيزيد بن أنس وهو بباتلىّ [٢] ، فخرج إليه يزيد بن أنس وهو مريض مضنى، فطاف فى أصحابه على حمار معه الرجال يمسكونه، فجعل يطوف على الأرباع، ويقف على ربع ربع، ويقول:
- «يا شرطة الله، اصبروا، وصابروا عدوّكم تظفروا، فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً ٤: ٧٦ [٣] . إن هلكت فأميركم ورقاء بن عازب الأسدى، فإن هلك فأميركم عبد الله بن ضمرة العدوىّ [٤] ، فإن هلك فأميركم سعر بن أبى سعر
стр. 723
الحنفىّ.» [٢١٠] قال: ونحن نرى فى وجهه أنّ الموت قد نزل به. ثمّ عبّى ميمنة وميسرة، وجعل ورقاء بن عازب على الخيل، ونزل هو بين الرجال على السرير، ثمّ قال:
- «ابرزوا لهم بالعراء، وقدّمونى فى الرجال، ثمّ إن شئتم فقاتلوا عن أميركم [١] ، وإن شئتم ففرّوا عنه.» قال: فأخرجناه وذلك يوم عرفة سنة ستّ وستين. فأخذنا نمسك أحيانا ظهره، فيقول: اصنعوا كذا، اصنعوا كذا. فيأمر بأمره، ثمّ لا يكون بأسرع من أن يغلبه الوجع، فيوضع هنيهة ويقتتل الناس، فحملت ميمنتنا على ميسرتهم، وميسرتنا على ميمنتهم، وحمل ورقاء بن عازب ومعه الخيل من ميسرتنا، فهزمهم، فلم يرتفع الضحى حتّى هزمناهم وحوينا عسكرهم، وانتهينا إلى ربيعة بن المخارق صاحبهم وقد انهزم عنه أصحابه وهو نازل ينادى:
- «يا أولياء الحقّ، يا أهل السمع والطاعة، إلىّ إلىّ، أنا ابن المخارق.» فحمل عليه عبد الله بن ورقاء الأسدى، وعبد الله بن ضمرة العدوى، فقتلاه.
قال: وأتى يزيد بن أنس بثلاثمائة أسير وهو فى السوق، فأخذ يومى بيده [٢١١] أن:
- «اضربوا أعناقهم.» فقتلوا من عند آخرهم، وما أمسى يزيد بن أنس حتّى مات، وكان أوصى بأنّ الأمير بعده ورقاء بن عازب، فصلّى عليه ودفنه.
ذكر رأى رءاه ورقاء بن عازب
ثمّ إنّ ورقاء بن عازب دعا رؤوس الأرباع وفرسان أصحابه، فقال لهم:
стр. 724
- «يا هؤلاء، ماذا ترون فى ما أخبرتكم، إنّما أنا رجل منكم.» وكان أعلمهم أنّ عبيد الله أقبل فى ثمانين ألفا من أهل الشام.
فقال ورقاء:
- «لست بأفضلكم رأيا، فأشيروا علىّ. هذا الرجل قد جاءكم فى جدّه وحدّه، ولا أرى لنا بهم طاقة على هذه الحال، وقد هلك يزيد بن أنس أميرنا، وتفرّقت عنّا طائفة منّا، فلو انصرفنا اليوم من تلقاء أنفسنا قبل أن نلقاهم وقبل أن نبلغهم، فيعلموا إنما ردّنا عنهم هلاك صاحبنا فلا يزالوا هائبين لنا ولقتلنا أميرهم، ولأنّا إنما نعتلّ لانصرافنا بموت صاحبنا، فإنّا إن لقيناهم اليوم لم ينفعنا هزيمتنا إيّاهم قبل اليوم إذا هزمونا.» فقالوا:
- «فإنّك والله نعم [٢١٢] ما رأيت، انصرف بنا، رحمك الله.» فبلغ منصرفهم المختار وأهل الكوفة، ولم يعلموا كيف كان الأمر.
فكان رأى ورقاء الأول صوابا وتركه إنفاذ الكتب بالبشارة وتعريفه صاحبه الصورة خطأ
فأرجف الناس أن يزيد بن أنس هلك، وأنّ الناس انهزموا وما أشبه ذلك، فقلق المختار، وبعث المختار عينا له، فعاد إليه بالخبر [١] .
فدعا المختار إبراهيم بن الأشتر، فعقد عليه على سبعة آلاف رجل وقال له:
- «سر حتّى إذا لقيت جيش ابن أنس فارددهم معك، ثمّ سر بهم حتّى تلقى عدوّك فتناجزهم.» فخرج إبراهيم وعسكر بحمّام أعين.
стр. 725
ذكر اضطراب الناس على المختار وطمعهم فيه بعد خروج إبراهيم الأشتر
لما خرج إبراهيم كثر إرجاف الناس بالمختار، وقالوا:
- «تأمّر علينا بغير رضى منّا ولا ولاية من محمّد بن علىّ، وقد أدنى موالينا، فحملهم على رقابنا، وغصبنا عبيدنا، فحرب [١] بذلك أيتامنا وأراملنا.» [٢] واتّعدوا منزل شبث بن ربعىّ. [٢١٣] وكان شبث إسلاميّا جاهليّا. وقالوا:
- «هو شيخنا.» فأتوه، فذاكروه هذا الحديث. ولم يكن فى جميع ما عمله المختار شيء [٣] أعظم على الناس من أن جعل للموالي نصيبا من الفيء.
فقال لهم شبث:
- «دعوني حتّى ألقاه.» فلقيه، فلم يدع شيئا مما أنكره أصحابه إلّا ذاكره به، فكان لا يذكر لهم خصلة إلّا قال المختار له:
- «أرضيهم، وآتى كلّ شيء أحبّوا.» حتّى ذكر الموالي والمماليك، فقال:
- «عمدت إلى موالينا وهم فيء آفاءهم الله علينا وهذه البلاد كلّها، فأعتقنا رقابهم نأمل الأجر من الله والشكر منهم، فلم ترض بذلك، حتّى جعلتهم شركاء فى فيئنا.»
стр. 726
فقال المختار:
- «إنّا سنتركهم لمواليهم، فهل تجعلون لى على أنفسهم- إن أنا فعلت ذلك- عهد الله وميثاقه وما أطمئنّ إليه من الأيمان، أن يقاتلوا معى بنى أمية وابن الزبير؟» فقال شبث:
- «ما أدرى، حتّى أخرج إلى أصحابى فأذاكرهم ذلك.» [١] فخرج ولم يرجع، وأجمع رأى أشراف الكوفة على قتال المختار.
فركب شبث وشمر بن ذى الجوشن ومحمّد بن الأشعث وغيرهم حتّى دخلوا على كعب بن أبى كعب الخثعمىّ، وذكروا [٢١٤] ما اجتمع عليه رأيهم من قتال المختار، وقالوا:
- «تأمّر علينا بغير رضى منّا، وزعم أنّ ابن الحنفيّة بعثه إلينا، وقد علمنا أنّه لم يبعثه، وفعل وصنع، وأخذ عبيدنا وموالينا، وأطعمهم فيئنا.» وسألوه أن يجيبهم إلى ما سألوه من قتاله معهم. فرحّب بهم كعب وأجابهم إلى ما دعوه إليه. ثمّ دخلوا على عبد الرحمن بن مخنف، فدعوه إلى ذلك.
ذكر رأى صحيح لعبد الرحمن
فقال لهم:
- «يا هؤلاء، إن أبيتم إلّا أن تخرجوا لم أخذلكم، وإن أطعتم لم تخرجوا.» فقالوا:
- «ولم؟» فقال:
- «لأنّى أخاف أن تتفرّقوا، وتختلفوا، وتتخاذلوا، ومع الرجل والله شجعاؤكم [٢]
стр. 727
وفرسانكم من أنفسكم. أليس معه فلان وفلان؟ ثمّ معه عبيدكم ومواليكم، وكلمة هؤلاء واحدة وهؤلاء أشدّ حنقا عليكم من عدوّكم، فهو يقاتلكم بشجاعة العرب وعداوة العجم، وإن انتظر تموه قليلا كفيتموه بقدوم أهل الشام، أو مجيء أهل البصرة [٢١٥] فتكونوا قد كفيتموه بغيركم ولم تجعلوا بأسكم بينكم.» فقالوا:
- «ننشدك الله أن تخالفنا وتفسد علينا.» قال:
- «فأنا رجل منكم فإذا شئتم فاخرجوا.» فلقى بعضهم بعضا، وقالوا:
- «ننتظر حتّى يذهب عنه ابن الأشتر.» فأمهلوا حتّى إذا بلغ إبراهيم ساباط خرجوا إلى جبابينهم بجماعة الرؤساء، فلما بلغ المختار اجتماع الناس عليه مثل شمر بن ذى الجوشن، وشبث بن ربعىّ، وحسان بن قائد، وربيعة بن ثروان، وحجّار بن أبجر، ورؤيم بن الحارث، وعمرو بن الحجاج الزبيدي، وغيرهم ممن ذكرناهم قبل، ومن لم نذكرهم، بعث رسولا يركض إلى إبراهيم الأشتر وهو بساباط أن:
- «لا تضع كتابي من يدك حتّى تقبل بمن معك.» وبعث إليهم فى ذلك اليوم:
- «أخبرونى ما تريدون فإنّى صانع كلّ ما أحببتم.» قالوا:
- «فإنّا نريد أن تعتزلنا، فإنّك زعمت أنّ ابن الحنفيّة بعثك ولم يبعثك.» فأرسل إليهم المختار أن:
- «ابعثوا إليه من قبلكم وفدا، وأبعث من قبلي وفدا، ثمّ انظروا فى ذلك حتّى تتبيّنوه.»
стр. 728
وهو يريد أن يريّثهم [١] بهذه المقالة [٢١٦] ليقدم عليه إبراهيم الأشتر وقد أمر أصحابه فكفّوا أيديهم، وأخذ أهل الكوفة عليهم بأفواه السكك، فليس شيء يصل إلى المختار ولا إلى أصحابه من الماء إلّا القليل يجيئهم إذا غفلوا عنه.
ثمّ إنّ شمر بن ذى الجوشن أتى أهل اليمن، فقال لهم:
- «إن اجتمعتم فى مكان نجعل فيه مجنّبتين ونقاتل من وجه واحد، فأنا صاحبكم، وإلّا فلا، والله لا أقاتل فى سكة واحدة ضيّقة ونقاتل من غير وجه.» وانصرف إلى جماعة قومه فى جبّانة بنى سلول [٢] ، ولما بلغ المختار ذلك، جعل يواصل مكاتبة إبراهيم، فلما بلغ إبراهيم بن الأشتر خبره، نادى من يومه فى الناس، وسار بقيّة عشيّته تلك، ثمّ نزل سويعة، فتعشّى هو وأصحابه، وأراحوا دوابّهم شيئا كلا شيء، ثمّ سار بقيّة ليلته كلّها وصلّى الغداة بسورا، ثمّ سار من يومه وصلّى صلاة العصر على باب الجسر من الغد، ثمّ سار حتّى بات ليلته فى المسجد. ولما كان اليوم الثالث من مخرجهم على المختار خرج المختار إلى المنبر فصعده وكان شبث بن ربعىّ بعث إليه ابنه [٢١٧] يقول له:
- «إنما نحن عشيرتك وكفّ يمينك، والله لا نقاتلك أبدا فثق بذلك منّا، وكان كارها لقتاله، ولما حضرت الصلاة واجتمع أهل اليمن كره كلّ رأس أن يتقدّمه صاحبه.» فقال لهم عبد الرحمن بن مخنف:
- «هذا أول الخلاف، قدّموا الرضا فيكم، فإنّ فيكم سيّد قرّاء أهل المصر، فليصلّ بكم رفاعة بن شدّاد.» ففعلوا، فلم يزل يصلّى بهم حتّى كان يوم الوقعة.
ثمّ إنّ المختار لمّا نزل، عبّى أصحابه، فقال إبراهيم بن الأشتر:
стр. 729
- «إلى أىّ الفريقين أحبّ إليك أن نسير.» فنظر المختار وكان ذا رأى، فكره أن يسير إلى قومه، فلا يبالغ فى قتالهم، فقال:
- «سر إلى مضر بالكناسة، وكان عليهم شبث بن ربعىّ، وأنا أسير إلى أهل اليمن.» ففعلا. ثمّ إنّ القوم اقتتلوا كأشدّ قتال اقتتله قوم [١] ، وانكشف من أصحاب المختار أحمر بن شميط وعبد الله بن كامل وأصحابهما، فلم يرع المختار إلّا وقد جاءه الفلّ قد أقبل فقال:
- «ما وراءكم؟» فقالوا:
- «هزمنا.» قال:
- «فما فعل أحمر بن شميط؟» قالوا:
- «تركناه قد نزل عند مسجد القصّاص وقد نزل معه ناس [٢١٨] من أصحابه.» وقال أصحاب ابن كامل:
- «ما ندري ما فعل.» فصاح بهم أن انصرفوا، ثمّ أقبل معهم قطعة، ثمّ بعث عبد الله بن قراد الخثعمي وكان على أربعمائة من أصحابه، فقال:
- «سر فى أصحابك إلى ابن كامل، فإن يكن هلك، فأنت مكانه، وإن تجده حيّا، فسر فى مائة من أصحابك كلّهم فارس، وادفع إليهم بقيّة أصحابك، ومرهم بالحدّ معه والمناصحة، ثمّ امض فى المائة حتّى تأتى جبّانة السبيع.» فمضى، فوجد عبد الله بن كامل واقفا عند حمّام عمرو بن حريث معه ناس من
стр. 730
أصحابه قد صبروا وهو يقاتل القوم، فدفع إليه ثلاثمائة من أصحابه، ثمّ مضى حتّى نزل جبّانة السبيع، وأخذ فى السكك حتّى انتهى إلى مسجد عبد القيس، فوقف عنده، وقال لأصحابه:
- «ما ترون؟» وهم مائة خيار. قالوا:
- «أمرنا لأمرك تبع.» فقال:
- «والله إنّى لأحبّ أن يظهر المختار، وو الله إنّى لكاره أن يهلك أشراف قومي وعشيرتي اليوم، وو الله لأن أموت أحبّ إلىّ من أن آتيهم من ورائهم فيهلكون على يدي.» ثمّ وقف، وبعث المختار مالك بن عمرو النهدي- وكان من أشدّ [٢١٩] الناس بأسا- فى مائتي رجل، وبعث عبد الرحمن بن شريك فى مائتي فارس إلى أحمر بن شميط، وثبت هؤلاء مكانه، فانتهوا إليه وقد علاه القوم وكثروا عليه، فاقتتلوا عند ذلك كأشدّ القتال.
ومضى الأشتر حتّى لقى شبث بن ربعي وخلقا من مضر كانوا معه، فقال لهم إبراهيم:
- «ويحكم انصرفوا، فو الله ما أحبّ أن يصاب أحد من مضر على يدي، فلا تهلكوا أنفسكم.» فأبوا، فقاتلوه، فهزمهم، وجاءت البشرى إلى المختار من قبل إبراهيم بهزيمة مضر، فبعث المختار بالبشرى إلى أحمر بن شميط وإلى ابن كامل والناس على أحوالهم كلّ سكّة منهم قد أغنت [١] ما يليها، واجتمعت شبام وقد رأّسوا عليهم أبا القلوص، وقد أجمعوا أن يأتوا أهل اليمن من ورائهم، فقال بعضهم لبعض:
стр. 731
- «أما والله، لو جعلتم حدّكم هذا على من خالفكم من غيركم، لكان أصوب.
فسيروا إلى مضر وإلى ربيعة فقاتلوهم.» وشيخهم أبو القلوص ساكت لا يتكلّم، فقالوا:
- «ما رأيك؟» فقال:
- «قال الله : قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ من الْكُفَّارِ، وَلْيَجِدُوا [٢٢٠] فِيكُمْ غِلْظَةً ٩: ١٢٣ [١] . قوموا!» فقاموا، فمشى بهم قيس رمحين أو ثلاثة، ثمّ قال:
- «اجلسوا.» فجلسوا. ثمّ مشى بهم الثانية أنفس من ذلك شيئا، ثمّ الثالثة كذلك، ثمّ قعد، فقالوا له:
- «يا با القلوص، والله إنك عندنا لأشجع العرب، فما يحملك على الذي تصنع؟» قال:
- «إنّ المجرّب ليس كمن لم يجرّب، إنّى أردت أن ترجع إليكم أنفسكم، وكرهت أن أحملكم على القتال وأنتم على حال دهش.» قالوا:
- «أنت أبصر بما صنعت.» فلما خرجوا إلى جبّانة السبيع استقبلهم قوم، فهزموهم وقتلوا رئيسهم ودخلوا الجبّانة فى آثارهم يتنادون:
- «يا لثارات الحسين.» فأجابهم ابن شميط:
- «يا لثارات الحسين.» وقاتل يومئذ رفاعة بن شدّاد حتّى قتل، وقتل خلق من الأشراف واستخرج من دور الوادعيّين خمسمائة أسير. فأتى بهم المختار مكتّفين، فأخذ رجل من
стр. 732
بنى نهد من رؤساء أصحاب المختار يقال له عبد الله بن شريك لا يخلو بعربىّ إلّا خلّى سبيله. فرفع ذلك إلى المختار، فقال المختار:
- «اعرضوهم علىّ، فانظروا كلّ من شهد منهم قتل الحسين فأعلمونى به.» فأخذوا لا يمرّ عليه رجل شهد قتل الحسين إلّا قالوا له:
- «هذا ممن شهد [٢٢١] قتله.» فقدّمه، فيضرب عنقه، حتّى قتل منهم قبل أن يخرج مائتين وأربعين قتيلا، وأخذ أصحابه كلّما رأوا رجلا قد كانوا تأذّوا به، وكان يماريهم، أو يضرّبهم، خلوا به فقتلوه، حتّى قتل ناس كثير منهم، وما يشعر بهم المختار.
ثمّ أخبر به المختار من بعد، فدعا بمن بقي من الأسارى فأعتقهم وأخذ عليهم المواثيق ألّا يجامعوا عليه عدوه ولا يبغوه ولا لأصحابه غائلة، إلّا سراقة بن مرداس البارقىّ، فإنّه أمر به أن يساق معه إلى المسجد، ونادى منادى المختار من أغلق عليه بابه فهو آمن إلّا رجلا شرك فى دم آل محمّد.
وكان يزيد بن الحارث بن رؤيم وحجّار بن أبجر بعثا لهما رسلا، فقالا لهم:
- «كونوا قريبا من أهل اليمن، فإن ظهروا، فلتكن علامتكم كذا وإن ظهر عليكم فلتكن علامتكم كذا.» [١] فلما هزم أهل اليمن أتتهم رسلهم بعلامتهم، فقاما جميعا فقالا لقومهما:
- «انصرفوا إلى بيوتكم.» فانصرفوا.
فأما عمرو بن الحجاج الزبيدي، فإنّه كان ممن شهد قتل الحسين، فركب راحلته، ثمّ ذهب عليها، فأخذ طريق شراف وواقصة، فلم ير حتّى الساعة، ولا
стр. 733
يدرى [٢٢٢] أرض لحسته [١] ، أم سماء حصبته!
مقتل شمر بن ذى الجوشن
وأما شمر بن ذى الجوشن، فإنّ المختار أنفذ فى طلبه غلاما يدعى رزينا.
فحدّث مسلم بن عبد الله الكنانىّ [٢] ، قال: تبعنا رزين [٣] غلام المختار فلحقنا، وقد خرجنا من الكوفة على خيولنا مضمّرة، فأقبل يتقطّر به فرسه. فلما دنا منه قال لنا شمر:
- «اركضوا وتباعدوا، فلعلّ العبد يطمع فىّ.» قال: فركضنا وأمعنّا، وطمع العبد فى شمر، وأخذ شمر يستطرد له، حتّى إذا انقطع عن أصحابه حمل عليه شمر، فدقّ ظهره، وأتى المختار فأخبر بذلك، فقال:
- «بؤسا لرزين، أما لو يستشيرنى ما أمرته أن يخرج لأبى السابغة.» ومضى شمر حتّى نزل ساتيدما، فنزل إلى جانب قرية يقال لها: الكلبانية [٤] على شاطئ نهر إلى جانب تلّ، ثمّ أرسل إلى تلك القرية، فأخذ منها علجا فضربه، ثمّ قال:
- «النجا بكتابي إلى مصعب بن الزبير.» [وكتب عنوانه: للأمير مصعب بن الزبير] [٥] من شمر بن ذى الجوشن. فمضى العلج حتّى دخل قرية فيها بيوت وفيها أبو عمره، وكان المختار بعثه فى تلك الأيام إلى تلك القرية لتكون مسلحة فى ما بينه وبين أهل البصرة، فلقى ذلك
стр. 734
العلج علجا من تلك القرية، [٢٢٣] فأقبل يشكو إليه ما لقى من شمر، فسألوا العلج عن مكانه، فأخبرهم به، فإذا ليس بينهم إلّا ثلاثة فراسخ فساروا إليه.
قال: وكنّا قلنا لشمر تلك الليلة:
- «لو أنّك ارتحلت بنا من هذا المكان، فإنّا نتخوّف به.» فقال:
- «أكلّ هذا فرقا من الكذّاب، والله لا أتحوّل منه ثلاثة أيام، ملأ الله قلوبكم رعبا.» فو الله ما شعرنا إلّا وقد أشرفوا علينا من التلّ، فكبّروا، ثمّ أحاطوا بنا وخرجنا نشتدّ على أرجلنا وتركنا خيلنا، وأعجل شمر عن لبس سلاحه.
قال: فأمر على شمر وإنّه لمؤتزر ببرد يقاتلهم، وكان أبرص، فكأنّى أنظر إلى بياض ما بين كشحيه وهو يطاعن الأقوام، فما هو إلّا أن أمعنت ساعة إذ سمعت التكبير وقائلا يقول:
- «قتل الله الخبيث.»
سراقة حلف أنه رأى الملائكة
فأما سراقة بن مرادس البارقىّ، فإنّه حلف واجتهد فى اليمين أنه رأى الملائكة معهم تقاتل على خيول بلق، وقال لهم:
- «أنتم أسرتمونى؟ ما أسرنى إلّا قوم على دوابّ لهم بلق، عليهم ثياب بيض.» فقال المختار:
- «أولئك الملائكة، اصعد المنبر، فأعلم الناس ذلك.» فصعد واجتهد فى اليمين وأخبرهم بذلك. [٢٢٤] ثمّ نزل فخلا به المختار وقال:
- «إنى علمت أنك لم تر الملائكة، وإنما أردت ما قد عرفت: ألّا أقتلك، فاذهب عنّى حيث أحببت، لا تفسد علىّ أصحابى.»
стр. 735
فخلّى عنه، وذهب حتّى لحق بمصعب بن الزبير، وقال:
ألا أبلغ أبا إسحاق أنّى ... رأيت الخيل دهما [١] مصمتات
أرى عينىّ ما لم تراءاه ... كلانا عالم بالتّرّهات
وانجلت وقعة السبيع عن سبعمائة وثمانين قتيلا وكانت يوم الأربعاء لستّ ليال بقين من ذى الحجّة سنة ستّ وستّين.
تجرّد المختار لقتلى الحسين
وخرج أشراف الناس، فلحقوا بالبصرة، وتجرّد المختار لقتلى الحسين، وقال:
- «ما من ديننا ترك قوم قتلوا الحسين أحياء يمشون فى الدنيا آمنين. بئس ناصر آل محمد إذا أنا فى الدنيا، أنا إذا الكذّاب كما سمّونى. الحمد لله الذي جعلني سيفا ضربهم به، ورمحا طعنهم به، وطالب وترهم، والقائم بحقّهم، سمّوهم، ثمّ تتبّعوهم، حتّى تفنوهم. إنه لا يسوغ لى طعام ولا شراب حتّى أطهّر الأرض منهم وأنقّى المصر منهم.» [٢٢٥] ودلّ عبد الله بن دبّاس، على نفر ممن قتل الحسين. منهم: عبد الله بن أسيد بن النزال الجهنىّ، ومالك بن النّسير البدّىّ وحمل بن مالك المحاربي. فبعث إليهم المختار، فأخذوا وأدخلوا عليه عشاء.
فقال لهم المختار:
- «يا أعداء الله وأعداء كتابه وأعداء رسوله وآل رسوله! قتلتم من أمرتم بالصلاة عليه فى الصلاة.» فقالوا:
стр. 736
- «رحمك الله، بعثنا ونحن كارهون، فامنن علينا، واستبقنا.» قال المختار:
- «فهلّا مننتم على الحسين بن بنت نبيّكم واستبقيتموه وسقيتموه.» ثمّ قال المختار للبدّىّ:
- «أنت صاحب برنسه؟» فقال عبد الله بن كامل:
- «نعم، هو هو.» فقال المختار:
- «اقطعوا يد هذا ورجله، ودعوه يضطرب حتّى يموت.» ففعل به ذلك، وأمر بالآخرين فقتلا.
ثمّ بعث رجالا كانوا معه يقال لهم: الدبّابة، إلى دار فى الحمراء فيها عبد الرحمن بن أبى خشكارة، وعبد الرحمن بن قيس الخولاني وغيرهما فجئنا بهم حتّى أدخلناهم عليه، فقال لهم:
- «يا قتلة الصالحين، يا قتلة سيد شباب أهل الجنّة، ألا ترون الله قد أقاد منكم اليوم؟ لقد جاءكم الورس [١] بيوم نحس.» وكانوا أصابوا [٢٢٦] من الورس الذي كان مع الحسين، أخرجوهم إلى السوق، فضربوا رقابهم، ففعل ذلك بهم وكانوا أربعة.
وأخذ السائب بن مالك الأشعرىّ- وكان فى خيل للمختار- ثلاثة نفر ممن شهد قتل الحسين، فانتهى بهم إلى المختار، فأمر بهم فقتلوا فى السوق.
وبعث المختار عبد الله بن كامل إلى عثمان بن خالد، وإلى أبى أسماء بسر بن أبى سمط [٢] ، وكانا ممن شهدا قتل الحسين وفى سلبه، فأحاط عبد الله بن كامل عند العصر بمسجد بنى دهمان، ثمّ قال:
стр. 737
- «علىّ مثل خطايا بنى دهمان منذ خلقوا إلى يوم يبعثون إن لم أوت بعثمان بن خالد، إن [لم] [١] أضرب أعناقكم من عند آخركم.» فقلنا له: «أمهلنا حتّى نطلبه.» فخرجوا مع الخيل فى طلبه، فوجدوهما جالسين فى الجبّانة يريدان أن يخرجا إلى الجزيرة، فأتى بهما عبد الله بن كامل، فضرب أعناقهم، ثمّ رجع فأخبر المختار خبرهما، فأمره بأن يرجع فيحرقهما بالنار، وقال:
- «لا يدفنا، بل ليحرقا [٢] بالنار.» وبعث أبا عمرة صاحب حرسه حتّى أحاطوا بدار خولي بن يزيد الأصبحىّ وهو صاحب رأس الحسين- ﵇ فاختبى فى مخرجه [٢٢٧] فخرجت امرأته إليهم، فقالوا لها:
- «أين زوجك؟» فقالت:
- «لا أدرى، أين هو..» وأشارت بيدها إلى المخرج. فدخلوا، فوجدوه وقد وضع على رأسه قوصرة، وأخرجوه.
وكان المختار خرج يسير بالكوفة ومعه ابن كامل، فأخبروه الخبر، وأقبل حتّى قتله إلى جانب أهله، ثمّ دعا بنار فحرّقه.
وكانت امرأته نصبت له العداوة حين جاء برأس الحسين.
وكان عبد الله بن جعدة بن هبيرة أكرم خلق الله على المختار لقرابته بعلىّ، فكلّم عمر بن سعد عبد الله بن جعدة، وقال:
- «خذ لى من هذا الرجل أمانا.» فكتب له:
стр. 738
«بسم الله الرحمن الرحيم» - «هذا أمان من المختار بن أبى عبيد لعمر بن سعد بن أبى وقّاص. إنك آمن بأمان الله على نفسك ومالك وأهلك وأهل بيتك وولدك، لا تؤاخذ بحدث كان منك قديما ما سمعت وأطعت ولزمت رحلك ومصرك وأهلك، ولم تحدث حدثا.
فمن لقى عمر بن سعد من شرطة الله وشيعة آل محمد ومن غيرهم من الناس، فلا يعرض له إلّا بخير. شهد السائب بن مالك، [٢٢٨] وأحمر بن شميط، وعبد الله بن شدّاد، وعبد الله بن كامل.» وجعل المختار على نفسه عهد الله وميثاقه ليفينّ لعمر بن سعد بما أعطاه من الأمان، إلّا أن يحدث حدثا، وأشهد الله على نفسه وكفى بالله شهيدا.» فكان أبو جعفر محمد بن علىّ الباقر ﵇ يقول:- «أما أمان المختار لعمر بن سعد: إلّا أن يحدث حدثا، فإنّه كان يريد: إذا دخل الخلا وأحدث.» فقال المختار ذات يوم وهو يحدّث جلساءه:
- «لأقتلنّ رجلا عظيم القدمين، غائر العينين، مشرف الحاجبين، يسرّ قتله المؤمنين والملائكة المقرّبين.» فكان الهيثم بن الأسود النخعي عند المختار، فسمع هذه المقالة، فوقع فى نفسه أنّ الذي يريده عمر بن سعد بن أبى وقّاص. فلما رجع إلى منزله دعا ابنه العريان، فقال:
- «الق عمر بن سعد الليلة، فخبّره بكذا وكذا وقل له: خذ حذرك.» قال: فأتاه فاستخلاه، ثمّ حدّثه الحديث.
فقال له عمر بن سعد:
- «جزى الله أباك عن الإخاء [١] خيرا، كيف يريد هذا بى بعد الذي أعطانى من
стр. 739
العهود والمواثيق.» ثمّ خرج من ليلته حتّى أتى حمّامه، [٢٢٩] وأخبر مولى له بما أريد به، فقال له:
- «وأىّ حدث أعظم مما صنعت، إنك تركت رحلك وأهلك، إرجع إلى رحلك، لا تجعل للرجل عليك سبيلا.» فرجع إلى منزله، وأتى المختار بخبر انطلاقه، فقال:
- «كلّا، إنّ لى فى عنقه سلسلة ستردّه.» فلما أصبح المختار بعث أبا عمرة وأمره أن يأتيه به. فجاء حتّى دخل عليه، فقال:
- «أجب.» فقام عمر، فعثر فى جبّة [١] له ويضربه أبو عمرة بسيفه فقتله، وجاء برأسه فى أسفل قبائه حتّى وضعه بين يدي المختار.
فقال المختار لابنه حفص بن عمر، وهو جالس عنده:
«أتعرف هذا الرأس؟» فاسترجع، وقال:
- «نعم، ولا خير فى العيش بعده.» قال له المختار:
- «صدقت، فإنّك لا تعيش بعده. ألحقوا حفصا بأبى حفص!» فقتل، فإذا رأسه مع رأس أبيه.
ثمّ قال المختار:
стр. 740
- «هذا بالحسين، وهذا بعلىّ بن الحسين ولا سواء. والله لو قتلت به ثلاثة أرباع قريش ما وفوا أنملة من أنامل الحسين.» وبعث المختار برأسيهما إلى محمد بن الحنفيّة، وكتب إليه:
«بسم الله الرحمن الرحيم» - «للمهدىّ محمد بن علىّ [٢٣٠] من المختار بن أبى عبيد. سلام عليك أيها المهدىّ، فإنّى أحمد الله إليك الذي لا إله إلّا هو. أما بعد، فإنّ الله بعثني نقمة على أعدائكم، فهم بين أسير وطريد وقتيل وشريد، فالحمد لله الذي قتل قاتليكم، ونصر مؤازريكم، وقد بعثت إليك برأس عمر بن سعد وابنه، وقد قتلنا ممن شرك فى دم الحسين وأهل بيته- رضى الله عنهم [١]- كلّ من قدرنا عليه، ولن يعجز الله من بقي ولست بمنجم عنهم حتّى لا يبلغني أنّ على أديم الأرض منهم أرما [٢] ، فاكتب إلىّ أيها المهدىّ برأيك أتّبعه وأكن عليه، والسلام عليك أيها المهدىّ ورحمة الله وبركاته.» وطلب المختار كلّ من ذكر له من قتلة الحسين وشيعته، وأعدائه، فقتلهم وأحرقهم، ومن هرب ولم يقدر عليه هدم داره.
ثمّ إنّ المختار بلغه أنّ أهل الشام قد أقبلوا نحو العراق، فعرف أنه يبدأ به، فخشي أن يأتيه أهل الشام من المغرب، ويأتيه مصعب بن الزبير من قبل البصرة، فأخذ يدارى ابن الزبير ويكايده. وكان عبد الملك بن مروان قد بعث عبد الملك بن الحارث بن الحكم [٢٣١] بن أبى العاص إلى وادي القرى.