- «رحمك الله، بعثنا ونحن كارهون، فامنن علينا، واستبقنا.» قال المختار:
- «فهلّا مننتم على الحسين بن بنت نبيّكم واستبقيتموه وسقيتموه.» ثمّ قال المختار للبدّىّ:
- «أنت صاحب برنسه؟» فقال عبد الله بن كامل:
- «نعم، هو هو.» فقال المختار:
- «اقطعوا يد هذا ورجله، ودعوه يضطرب حتّى يموت.» ففعل به ذلك، وأمر بالآخرين فقتلا.
ثمّ بعث رجالا كانوا معه يقال لهم: الدبّابة، إلى دار فى الحمراء فيها عبد الرحمن بن أبى خشكارة، وعبد الرحمن بن قيس الخولاني وغيرهما فجئنا بهم حتّى أدخلناهم عليه، فقال لهم:
- «يا قتلة الصالحين، يا قتلة سيد شباب أهل الجنّة، ألا ترون الله قد أقاد منكم اليوم؟ لقد جاءكم الورس [١] بيوم نحس.» وكانوا أصابوا [٢٢٦] من الورس الذي كان مع الحسين، أخرجوهم إلى السوق، فضربوا رقابهم، ففعل ذلك بهم وكانوا أربعة.
وأخذ السائب بن مالك الأشعرىّ- وكان فى خيل للمختار- ثلاثة نفر ممن شهد قتل الحسين، فانتهى بهم إلى المختار، فأمر بهم فقتلوا فى السوق.
وبعث المختار عبد الله بن كامل إلى عثمان بن خالد، وإلى أبى أسماء بسر بن أبى سمط [٢] ، وكانا ممن شهدا قتل الحسين وفى سلبه، فأحاط عبد الله بن كامل عند العصر بمسجد بنى دهمان، ثمّ قال:
стр. 737
- «علىّ مثل خطايا بنى دهمان منذ خلقوا إلى يوم يبعثون إن لم أوت بعثمان بن خالد، إن [لم] [١] أضرب أعناقكم من عند آخركم.» فقلنا له: «أمهلنا حتّى نطلبه.» فخرجوا مع الخيل فى طلبه، فوجدوهما جالسين فى الجبّانة يريدان أن يخرجا إلى الجزيرة، فأتى بهما عبد الله بن كامل، فضرب أعناقهم، ثمّ رجع فأخبر المختار خبرهما، فأمره بأن يرجع فيحرقهما بالنار، وقال:
- «لا يدفنا، بل ليحرقا [٢] بالنار.» وبعث أبا عمرة صاحب حرسه حتّى أحاطوا بدار خولي بن يزيد الأصبحىّ وهو صاحب رأس الحسين- ﵇ فاختبى فى مخرجه [٢٢٧] فخرجت امرأته إليهم، فقالوا لها:
- «أين زوجك؟» فقالت:
- «لا أدرى، أين هو..» وأشارت بيدها إلى المخرج. فدخلوا، فوجدوه وقد وضع على رأسه قوصرة، وأخرجوه.
وكان المختار خرج يسير بالكوفة ومعه ابن كامل، فأخبروه الخبر، وأقبل حتّى قتله إلى جانب أهله، ثمّ دعا بنار فحرّقه.
وكانت امرأته نصبت له العداوة حين جاء برأس الحسين.
وكان عبد الله بن جعدة بن هبيرة أكرم خلق الله على المختار لقرابته بعلىّ، فكلّم عمر بن سعد عبد الله بن جعدة، وقال:
- «خذ لى من هذا الرجل أمانا.» فكتب له:
стр. 738
«بسم الله الرحمن الرحيم» - «هذا أمان من المختار بن أبى عبيد لعمر بن سعد بن أبى وقّاص. إنك آمن بأمان الله على نفسك ومالك وأهلك وأهل بيتك وولدك، لا تؤاخذ بحدث كان منك قديما ما سمعت وأطعت ولزمت رحلك ومصرك وأهلك، ولم تحدث حدثا.
فمن لقى عمر بن سعد من شرطة الله وشيعة آل محمد ومن غيرهم من الناس، فلا يعرض له إلّا بخير. شهد السائب بن مالك، [٢٢٨] وأحمر بن شميط، وعبد الله بن شدّاد، وعبد الله بن كامل.» وجعل المختار على نفسه عهد الله وميثاقه ليفينّ لعمر بن سعد بما أعطاه من الأمان، إلّا أن يحدث حدثا، وأشهد الله على نفسه وكفى بالله شهيدا.» فكان أبو جعفر محمد بن علىّ الباقر ﵇ يقول:- «أما أمان المختار لعمر بن سعد: إلّا أن يحدث حدثا، فإنّه كان يريد: إذا دخل الخلا وأحدث.» فقال المختار ذات يوم وهو يحدّث جلساءه:
- «لأقتلنّ رجلا عظيم القدمين، غائر العينين، مشرف الحاجبين، يسرّ قتله المؤمنين والملائكة المقرّبين.» فكان الهيثم بن الأسود النخعي عند المختار، فسمع هذه المقالة، فوقع فى نفسه أنّ الذي يريده عمر بن سعد بن أبى وقّاص. فلما رجع إلى منزله دعا ابنه العريان، فقال:
- «الق عمر بن سعد الليلة، فخبّره بكذا وكذا وقل له: خذ حذرك.» قال: فأتاه فاستخلاه، ثمّ حدّثه الحديث.
فقال له عمر بن سعد:
- «جزى الله أباك عن الإخاء [١] خيرا، كيف يريد هذا بى بعد الذي أعطانى من
стр. 739
العهود والمواثيق.» ثمّ خرج من ليلته حتّى أتى حمّامه، [٢٢٩] وأخبر مولى له بما أريد به، فقال له:
- «وأىّ حدث أعظم مما صنعت، إنك تركت رحلك وأهلك، إرجع إلى رحلك، لا تجعل للرجل عليك سبيلا.» فرجع إلى منزله، وأتى المختار بخبر انطلاقه، فقال:
- «كلّا، إنّ لى فى عنقه سلسلة ستردّه.» فلما أصبح المختار بعث أبا عمرة وأمره أن يأتيه به. فجاء حتّى دخل عليه، فقال:
- «أجب.» فقام عمر، فعثر فى جبّة [١] له ويضربه أبو عمرة بسيفه فقتله، وجاء برأسه فى أسفل قبائه حتّى وضعه بين يدي المختار.
فقال المختار لابنه حفص بن عمر، وهو جالس عنده:
«أتعرف هذا الرأس؟» فاسترجع، وقال:
- «نعم، ولا خير فى العيش بعده.» قال له المختار:
- «صدقت، فإنّك لا تعيش بعده. ألحقوا حفصا بأبى حفص!» فقتل، فإذا رأسه مع رأس أبيه.
ثمّ قال المختار:
стр. 740
- «هذا بالحسين، وهذا بعلىّ بن الحسين ولا سواء. والله لو قتلت به ثلاثة أرباع قريش ما وفوا أنملة من أنامل الحسين.» وبعث المختار برأسيهما إلى محمد بن الحنفيّة، وكتب إليه:
«بسم الله الرحمن الرحيم» - «للمهدىّ محمد بن علىّ [٢٣٠] من المختار بن أبى عبيد. سلام عليك أيها المهدىّ، فإنّى أحمد الله إليك الذي لا إله إلّا هو. أما بعد، فإنّ الله بعثني نقمة على أعدائكم، فهم بين أسير وطريد وقتيل وشريد، فالحمد لله الذي قتل قاتليكم، ونصر مؤازريكم، وقد بعثت إليك برأس عمر بن سعد وابنه، وقد قتلنا ممن شرك فى دم الحسين وأهل بيته- رضى الله عنهم [١]- كلّ من قدرنا عليه، ولن يعجز الله من بقي ولست بمنجم عنهم حتّى لا يبلغني أنّ على أديم الأرض منهم أرما [٢] ، فاكتب إلىّ أيها المهدىّ برأيك أتّبعه وأكن عليه، والسلام عليك أيها المهدىّ ورحمة الله وبركاته.» وطلب المختار كلّ من ذكر له من قتلة الحسين وشيعته، وأعدائه، فقتلهم وأحرقهم، ومن هرب ولم يقدر عليه هدم داره.
ثمّ إنّ المختار بلغه أنّ أهل الشام قد أقبلوا نحو العراق، فعرف أنه يبدأ به، فخشي أن يأتيه أهل الشام من المغرب، ويأتيه مصعب بن الزبير من قبل البصرة، فأخذ يدارى ابن الزبير ويكايده. وكان عبد الملك بن مروان قد بعث عبد الملك بن الحارث بن الحكم [٢٣١] بن أبى العاص إلى وادي القرى.
стр. 741
ذكر مكيدة للمختار على ابن الزبير لم يتمّ له
كتب المختار إلى ابن الزبير:
- «أما بعد، فقد بلغني أنّ عبد الملك بن مروان بعث إليك جيشا، فإن أحببت أن أمدّك بمدد فعلت.» فكتب إليه عبد الله بن الزبير:
- «أما بعد، فإن كنت على طاعتي فلست أكره أن تبعث الجيش إلى بلادي وتبايع لى الناس قبلك، فإذا أتتنى بيعتك صدّقتك فى مقالتك، وعجّل إلىّ بتسريح الجيش، ومرهم أن يسيروا إلى من بوادي القرى من جند ابن مروان، فيقاتلوهم، والسلام.» فدعا المختار شرحبيل بن ورس بن همدان، فسرّحه فى ثلاثة آلاف أكثرهم الموالي، ليس فيهم من العرب إلّا سبعمائة رجل، فقال:
- «سيروا مع شرحبيل وأطيعوه.» وقال لشرحبيل:
- «إذا دخلت المدينة فاكتب إلىّ حتّى يأتيك أمرى.» وهو يريد: إذا دخلوا المدينة أن يبعث عليهم أميرا من قبله، ويأمر ابن ورس أن يمضى إلى مكة حتّى يحاصر ابن الزبير، ويقاتله. فخرج يسير قبل المدينة.
[٢٣٢] وخشي ابن الزبير أن يكون المختار إنما يكيده. فبعث من مكة إلى المدينة عباس بن سهل فى ألفين، وأمره أن يستنفر الأعراب، وقال له ابن الزبير:
- «إن رأيت القوم فى طاعتي، فاقبل منهم، وإلّا فكايدهم حتّى تهلكهم.» ففعلوا:
وأقبل عباس بن سهل حتّى لقى ابن ورس وقد عبّى ابن ورس أصحابه ميمنة
стр. 742
وميسرة. فدعا وسلّم عليه، ونزل هو يمشى فى الرجّالة وميمنته وميسرته على الخيول.
وجاء عباس مع أصحابه وهم متقطّعون على غير تعبئة، فيجد ابن ورس على الماء قد عبّى أصحابه تعبئة القتال، فدنا منه، فسلّم عليه، ثمّ قال له:
- «اخل معى.» فخلا به، فقال:
- «رحمك الله، ألست فى طاعة ابن الزبير؟» فقال له ابن ورس:
- «بلى.» قال:
- «فسر بنا إلى عدوّ الله وعدوّه الذي بوادي القرى، فإنّ ابن الزبير حدّثنى أنّه إنّما أشخصكم صاحبكم إليه.» قال ابن ورس:
- «ما أمرت بطاعتكم. إنما أمرت أن آتى المدينة، فإذا تركتها كاتبت صاحبي.» فقال عباس بن سهل:
- «إن كنت فى طاعة ابن الزبير، فقد أمرنى أن أسير بك وبأصحابك إلى عدوّنا بوادي القرى.» فقال ابن ورس:
- «ما أمرت بطاعتك وما أنا [٢٣٣] بمتّبعك دون أن أدخل المدينة، ثمّ أكتب إلى صاحبي، فيأمرنى بأمره.» فلما رأى العباس لجاجه عرف خلافه، وكره أن يعلمه أنّه فطن له، فقال:
- «فرأيك أفضل، اعمل بما بدا لك، فأمّا أنا فإنّى سائر إلى وادي القرى.»
стр. 743
ذكر مكيدة عباس بن سهل بأصحاب المختار
ثمّ جاء عباس بن سهل، فنزل بالماء، وبعث إلى ابن ورس بجزر [١] كانت معه، فأهداها له مع دقيق وغنم مسلّخة، وكان ابن ورس وأصحابه قد هلكوا جوعا، وبعث عباس إلى كلّ عشرة منهم شاة، فذبحوها واشتغلوا بها، وتركوا تعبئتهم، واختلطوا على الماء.
فلما رأى عباس بن سهل أنهم قد شغلوا، جمع من أصحابه نحوا من ألف رجل من ذوى البأس والنجدة، ثمّ أقبل نحو فسطاط شرحبيل بن ورس، فلما رءاهم ابن ورس مقبلين إليه، نادى فى أصحابه، فلم تتواف إليه مائة رجل. حتّى انتهى إليه عباس وهو يقول:
- «يا شرطة الله، إلىّ إلىّ، قاتلوا المحلّين أولياء الشيطان الرجيم، فقد غدروا، وفجروا.» قال: فو الله ما اقتتلنا إلّا شيئا [٢٣٤] ليس بشيء، حتّى قتل ابن ورس فى سبعين من أهل الحفاظ، ورفع ابن سهل راية الأمان لأصحاب ابن ورس، فأتوها إلّا نحوا من ثلاثمائة رجل انصرفوا مع سلمان بن حميد [٢] الهمدانىّ.
فلما وقعوا فى يد عباس بن سهل أمر بهم فقتلوا إلّا نحوا من مائة رجل كره ناس ممن دفعوا إليهم قتلهم، فخلّوا سبيلهم، فرجعوا، فمات أكثرهم فى الطريق.
وبلغ المختار أمرهم، فخطب الناس وقال:
- «ألا، إنّ الفجّار الأشرار قتلوا الأبرار الأخيار.»
стр. 744
ثمّ كتب إلى محمد بن الحنفيّة مع صالح بن مسعود الخثعمي:
«بسم الله الرحمن الرحيم» - «أما بعد، فإنّى كنت بعثت إليك جندا ليذلّوا لك الأعداء، وليحوزوا لك البلاد، فساروا حتّى إذا أظلّوا على طيبة، لقيهم جند الملحد، فخدعوهم بالله، وغرّوهم، فلما اطمأنّوا إليهم وثبوا بهم فقتلوهم، فإن رأيت أن أبعث إلى المدينة من قبلي جندا كثيفا وتبعث إليهم من قبلك رسلا حتّى يعلم أهل المدينة أنّى فى طاعتك، وإنما بعثت الجند عن أمرك، فافعل، فإنّك ستجدهم أعرف بحقّكم أهل البيت، وأرأف بكم منهم بآل الزبير والملحدين، [٢٣٥] والسلام.» فكتب إليه محمد بن الحنفيّة:
- «أما بعد، فإنّ كتابك لمّا بلغني قرأته وفهمته، وعرفت تعظيمك لحقّى وما تنوي به من سروري، وإنّ أحبّ الأمور إلىّ ما أطيع الله فيه، فأطع الله ما استطعت فى ما أعلنت وأسررت. واعلم أنّى لو أردت القتال لوجدت الناس إلىّ سراعا، والأعوان لى كبيرا، ولكنّى أعتزلهم وأصبر حتّى يحكم الله لى وهو خير الحاكمين.» فأقبل صالح بن مسعود إلى ابن الحنفيّة، فودّعه، وسلّم عليه، وهو كان حامل كتاب المختار، فأعطاه جواب الكتاب، وقال:
- «قل له: فليتّق الله، وليكفف عن الدماء.» قال: فقلت له:
- «أصلحك الله، أو لم تكتب إليه بهذا؟» قال ابن الحنفيّة:
- «قد أمرته بطاعة الله، وطاعة الله تجمع الخير كلّه، وتنهى عن الشرّ كلّه.» فلما قدم كتابه على المختار، أظهر للناس:
- «إنّى قد أمرت بأمر يجمع البرّ واليسر، ويضرح [١] الكفر والغدر.»
стр. 745
ذكر رأى رءاه ابن الزبير بعد حبسه محمد بن الحنفيّة ومن معه بزمزم
ثمّ إنّ عبد الله بن الزبير حبس محمد بن الحنفيّة ومن معه من أهل بيته وسبعة عشر [٢٣٦] رجلا من أهل الكوفة بزمزم كرهوا البيعة لمن لم تجتمع عليه الأمّة وهربوا إلى الحرم، وتوعّدهم القتل والإحراق، وأعطى الله عهدا- إن لم يبايعوا أن ينفذ فيهم ما توعّدهم به، وضرب لهم فى ذلك أجلا.
فأشار بعض من كان مع ابن الحنفيّة عليه أن يبعث إلى المختار وإلى من كان بالكوفة رسولا يعلمهم حالهم وحال من معهم وما توعّدهم به ابن الزبير، فوجّه ثلاثة نفر من الكوفة حين نام الحرس على باب زمزم، وكتب معهم إلى المختار وأهل الكوفة يعلمهم حاله وحال من معه وما توعّدهم به ابن الزبير من القتل والحرق بالنار، ويسألهم ألّا يخذلوه كما خذلوا الحسين وأهل بيته.
فقدموا على المختار، ودفعوا إليه الكتاب. فلما قرأه قال:
- «هذا كتاب مهديّكم وصريخ أهل بيت نبيّكم! قد حظر عليهم كما يحظر على الغنم، ينتظرون القتل والتحريق بالنار فى آناء الليل وتارات النهار، ولست أبا إسحاق إن لم أنصرهم نصرا مؤزّرا.» ووجّه أبا عبد الله الجدلىّ فى سبعين رجلا من أهل القوة، ووجّه ظبيان بن عثمان التميمي فى أربعمائة، [٢٣٧] وأبا المعتمر فى مائة، وهانئ بن قيس فى مائة وعمير بن طارق فى أربعين، ويونس بن عمران فى أربعين، وكتب إلى محمد
стр. 746
بن علىّ بتوجيه الجنود إليه، فخرج الناس بعضهم فى أثر بعض.
وجاء أبو عبد الله الجدلىّ فى سبعين راكبا حتّى نزل ذات عرق ولحقه عقبة فى أربعين، ويونس فى أربعين، فتمّوا مائة وخمسين فارسا. فسار بهم حتّى دخلوا مسجد الحرام ومعهم الكافر كوبات [١] وهم ينادون:
- «يا لثارات الحسين.» حتّى انتهوا إلى زمزم وقد أعدّ ابن الزبير الحطب ليحرقهم وقد كان بقي من الأجل يومان.
فطردوا الحرس، وكسروا أعواد زمزم، ودخلوا على محمد بن الحنفيّة، فقالوا له:
- «خلّ بيننا وبين عدوّ الله ابن الزبير!» فقال لهم:
- «إنّى لا أستحلّ القتال فى حرم الله.» فقال ابن الزبير:
- «أتحسبون أنّى مخلّ سبيلهم دون أن يبايع وتبايعوا؟» فقال أبو عبد الله الجدلىّ:
- «إى وربّ الركن والمقام، لتخلّينّ سبيله أو لنجالدنّك بأسيافنا جلادا يرتاب منه المبطلون.» فقال ابن الزبير:
стр. 747
- «ما هؤلاء إلّا أكلة رأس، والله لو أذنت لأصحابى لقطفت رؤوسهم فى ساعة.» فقال له قيس بن مالك: [٢٣٨]- «إن رمت ذلك، رجوت أن يوصل إليك قبل أن ترى ما تحبّ.» فكفّ ابن الحنفيّة أصحابه وحذّرهم الفتنة.
ثمّ قدم أبو المعتمر وبقيّة الناس ومعه المال حتّى دخلوا المسجد فكبّروا [١] :
- «يا لثارات الحسين.» فلما رءاهم ابن الزبير خافهم، وخرج محمد بن الحنفيّة ومن معه إلى شعب علىّ وهم يسبّون ابن الزبير، ويستأذنون محمد بن الحنفيّة فيه، ويأبى عليهم.
واجتمع فى الشعب مع محمد بن علىّ أربعة آلاف رجل، فقسم بينهم ذلك المال.
ذكر ما كان من المختار بعد وقعة السبيع بالكوفة
ثمّ إنّ المختار بعد أن فرغ من قتال من ذكرناهم فى وقعة السبيع، ما ترك إبراهيم بن الأشتر إلّا يومين حتّى أشخصه إلى الشام لحرب عبيد الله بن زياد، وأخرج معه وجوه أصحابه ممن شهد الحروب وجرّبها، وخرج المختار يشيّعه ويوصيه ومعه الكرسىّ ويليه قوم كالسدنة. وسنذكر خبر الكرسىّ إن شاء الله.
وكان موضع عسكر إبراهيم بموضع حمّام أعين، فلما أراد أن ينصرف عنه [٢٣٩] قال لابن الأشتر:
- «خذ عنى ثلاثا: خف الله سرّ أمرك وعلانيته، وعجّل السير، وإذا لقيت عدوّك فناجزهم ساعة تلقاهم، وإن لقيتهم ليلا فاستطعت ألّا تصبح حتّى تناجزهم فافعل، وإن لقيتهم نهارا فلا تنتظر بهم الليل.» ثمّ قال:
стр. 748
- «هل حفظت ما أوصيتك به؟» قال:
- «نعم.» قال:
- «صحبك الله.» ثمّ انصرف.
خبر الكرسىّ
كان طفيل بن جعدة بن هبيرة قد ضاقت يده، وكانت أمّه أمّ هانئ بنت أبى طالب أخت علىّ ﵇ لأبيه وأمّه، وكان المختار يطالب آل جعدة بكرسىّ علىّ بن أبى طالب، فيقولون:
- «لا والله، ما هو عندنا.» فيقول المختار:
- «لا تكونوا حمقى» - ويتوعّدهم.
قال طفيل: فاحترت يوما وأنا على إضاقتى تلك، فرأيت كرسيّا عند جار لى زيّات قد ركبه الوسخ. فخطر ببالي أن لو قلت للمختار: هذا كرسىّ علىّ بن أبى طالب، لقبله. فأرسلت إلى الزيّات أن:
- «ابعث إلىّ بكرسيّك.» فأرسل به إلىّ، فأتيت المختار، فقلت له:
- «إنى كنت [٢٤٠] أكتمك أمر الكرسىّ الذي كنت تلتمسه، وقد بدا لى أن أظهره، لأنّ جعدة بن هبيرة كان يجلس عليه كأنّه يرى أنّ فيه أثرة من علم.» فقال:
- «سبحان الله! فأخّرت هذا إلى اليوم! ابعث به!» قال: وقد كنت تقدّمت بغسله وقد غسل، فخرج عود نضار، وقد كان تشرّب الزيت، فخرج أبيض وقد غشّى. فأمر لى المختار باثنى عشر ألفا، ثمّ دعا:
стр. 749
- «الصلاة جامعة.» وخطب، فقال:
- «إنه لم يكن فى الأمم الخالية أمر إلّا هو كائن فى هذه الأمّة مثله، فإنّه كان فى بنى إسرائيل التابوت، فيه بقيّة مما ترك آل موسى وال هارون تحمله الملائكة، وإنّ هذا فينا مثل التابوت، اكشفوا عنه.» فكشفوا عنه أثوابه، وقامت السبائيّة، فكبّروا ثلاثا. فلما خرج المختار مع إبراهيم بن الأشتر لوجه عبيد الله بن زياد، أخرج الكرسىّ على بغل يمسكه عن يمينه سبعة وعن يساره سبعة. فقتل أهل الشام مقتلة لم يقتلوا مثلها، فزادهم ذلك فتنة، فارتفعوا فيه حتّى غلوا، وكان أول من سدنه موسى بن أبى موسى الأشعرى، ثمّ حوشب البرشمى [١] ، فكانوا [٢٤١] يرون أنّ المختار يتكلّم عنه بوحي، وأشباه هذا [٢] .
فأما إبراهيم بن الأشتر، فإنّه سار من يومه مسرعا لا ينثني، يريد أن يلقى عبيد الله بن زياد وأهل الشام قبل أن يدخلوا أرض العراق، فسبقهم إلى أرض الموصل، وأسرع إليه السير حتّى لقيه بخازر [٣] إلى جنب قرية يقال لها: باربيثا [٤] بينها وبين الموصل خمسة فراسخ، وأخذ ابن الأشتر لما دنا من ابن زياد لا يسير إلّا على تعبئة ويسير بهم جميعا لا يفرّقهم إلّا أنّه يبعث الطفيل بن لقيط فى الطلائع، وكان شجاعا بئيسا.
ثمّ أرسل عمير بن الحباب السلمى إلى ابن الأشتر أنّى معك وأريد لقاءك الليلة.
стр. 750
فأرسل إليه ابن الأشتر أن: القنى إذا شئت.
فأتاه عمير ليلا، فبايعه وأخبره أنه على ميسرة صاحبه، وواعده أن ينهزم بالناس، فقال له ابن الأشتر:
- «فإنّى أستشيرك فى أمر، فأشر علىّ.» قال:
- «نعم.» قال:
- «أترى أن أخندق علىّ وأتلوّم يومين أو ثلاثة؟» قال عمير بن الحباب:
- «لا تفعل، إنّا لله، وهل يريد القوم إلّا هذه، إن طاولوك وماطلوك هو خير لهم [٢٤٢] هم كثير أضعافكم، وليس يطيق القليل الكثير فى المطاولة، ولكن ناجز القوم، فإنّهم قد ملئوا منكم رعبا وإنهم إن شامّوا [١] أصحابك وقاتلوهم يوما بعد يوم ومرة بعد مرة، أنسوا بهم واجترأوا عليهم.» قال إبراهيم:
- «الآن علمت أنّك لى مناصح، صدقت الرأى وما رأيت. أما إنّ صاحبي، بهذا الرأى أمرنى.» قال عمير:
- «فلا تعدونّ رأيه، فإنّ الشيخ قد ضرّسته الحروب، وقاسى منها ما لم تقاس.
ناهض الرجل إذا أصبحت.» وانصرف عمير، وأذكى ابن الأشتر حرسه تلك الليلة، الليل كلّه، ولم يدخل عينه غمض حتّى إذا كان فى السحر الأوّل عبّى أصحابه ميمنة وميسرة، وألحق أمير الميمنة بالميمنة، وأمير الميسرة بالميسرة، وأمير الرجّالة بالرجّالة، وضمّ الخيل وعليها أخوه لأمّه عبد الرحمن بن عبد الله، فكانت وسطا من الناس، ونزل
стр. 751
إبراهيم يمشى [١] ، وقال للناس:
- «ازحفوا.» فزحف الناس معه رويدا رويدا حتّى أشرف على تلّ عظيم مشرف على القوم، فجلس عليه، وإذا أولئك لم يتحرّك منهم أحد بعد [٢٤٣] فدعا ابن الأشتر بفرس له فركبه، ثمّ مرّ بأصحاب الرايات، فكلما مرّ على راية وقف عليها وقال:
- «يا أنصار الدين وشيعة الحقّ وشرطة الله! هذا عبيد الله بن مرجانة قاتل الحسين بن علىّ ابن فاطمة بنت رسول الله، صلّى الله عليهم، حال بينه وبين بناته ونسائه وشيعته، وبين الفرات أن يشربوا منه وهم ينظرون إليه، ومنعه أن يأتى ابن عمّه فيصالحه، ومنعه أن ينصرف إلى رحله وأهله، ومنعه الذهاب فى الأرض العريضة، حتّى قتله وقتل أهل بيته، قد جاءكم الله به، وجاءه بكم. وو الله إنّى لأرجو أنه ما جمع بينكم فى هذا الموطن وبينه، إلّا ليشفى صدوركم، ويسفك دمه على أيديكم.» وسار فى ما بين الميمنة والميسرة، فرغّبهم فى الجهاد، وحرّضهم على القتال.
ثمّ رجع حتّى نزل تحت رايته، وزحف القوم إليه، وقد جعل ابن زياد على ميمنته الحصين بن نمير السكوني [٢] ، وعلى ميسرته عمير بن الحباب وشرحبيل بن ذى الكلاع على الخيل، وهو يمشى فى الرجال.
فلما تدانى الصفّان حمل الحصين بن النمير فى ميمنة أهل [٢٤٤] الشام على ميسرة أهل الكوفة وعليها علىّ بن مالك الجشمي، فثبت له هو بنفسه، فقتل، ثمّ أخذ رايته قرّة بن علىّ، فقتل أيضا فى رجال أهل الحفاظ، وانهزمت الميسرة، فأخذ الراية عبد الله بن ورقاء السلولىّ، فاستقبل المنهزمين وقال:
- «يا شرطة الله، إلىّ إلىّ.»
стр. 752
فأقبل جلّهم إليه، فقال:
- «هذا أميركم يقاتل. إلى أين؟ سيروا بنا إليه.» فأقبل حتّى أتاه، فإذا هو كاشف عن رأسه ينادى:
- «إلىّ إلىّ، أنا ابن الأشتر، إنّ خير فرّاركم كرّاكم، ليس مسيئا من أعتب.» فثاب إليه أصحابه. وأرسل إلى صاحب الميمنة:
- «احمل على ميسرتهم.» وهو يرجو أن ينهزم لهم عمير بن الحباب كما زعم.
فحمل عليه سفيان بن يزيد بن المغفّل صاحب الميمنة، فثبت لهم عمير بن الحباب وقاتله قتالا شديدا. فلمّا رأى إبراهيم ذلك، قال لأصحابه:
- «أمّوا هذا السواد الأعظم، فو الله لو قد فضضناه لا نجفل من ترون منهم يمنة ويسرة انجفال طير زعق بها فطارت.» قال ورقاء بن عازب: فمشينا إليهم حتّى إذا دنونا منهم اطّعنّا بالرماح قليلا، ثمّ صرنا إلى السيوف والعمد [٢٤٥] فاضطربنا بها مليّا. فو الله ما سمعت من وقع الحديد على الحديد إلّا مياجن [١] قصّارى دار الوليد بن عقبة بن أبى معيط. ثمّ انهزموا، فسمعت إبراهيم بن الأشتر يقول لصاحب رايته:
- «انغمس برايتك فيهم.» فيقول له:
- «جعلت فداءك، إنّه ليس متقدّم.» فيقول:
- «بلى، فإنّ أصحابك يقاتلون، وإنّ هؤلاء يهربون.» فإذا شدّ إبراهيم بسيفه، فلا يضرب أحدا إلّا صرعه. وكرد إبراهيم بن الأشتر الرجال بين يديه كأنّهم الحملان، وإذا شدّ، شدّ أصحابه معه شدّة رجل واحد.
فلمّا انهزم أهل الشام، قال ابن الأشتر:
стр. 753
مقتل ابن زياد بيد ابن الأشتر
- «إنّى قد ضربت رجلا فقتلته ووجدت منه رائحة المسك، ضربة شرّقت يديه وغرّبت رجليه، تحت راية منفردة على شاطئ جازر، وأظنّه طاغيتهم، فالتمسوه.» فالتمسوه، فإذا هو عبيد الله بن زياد قتيلا، ضربه فقطّه [١] .
وحمل شريك بن حرير [٢] على الحصين بن نمير السكوني وهو يحسبه ابن زياد، فاعتنق كلّ واحد منهما صاحبه، ونادى شريك:
- «اقتلوني وابن الزانية.» فقتل ابن نمير.
وكان شريك بن حرير [٢٤٦] مع علىّ أصيبت عينه معه، فلما انقضت حرب علىّ لحق ببيت المقدس، فلما جاءه قتل الحسين قال:
- «أعاهد الله، لئن وجدت من يطلب بدم الحسين أقبل إليه، ولأقتلنّ ابن مرجانة، أو لأموتنّ دونه.» فلما بلغه خروج المختار يطلب بدم الحسين، جاءه، فوجّهه مع ابن الأشتر.
وقتل ابن ذى الكلاع، وتبع أصحاب إبراهيم أهل الشام المنهزمين فكان من غرق أكثر ممن قتل. وأصابوا من عسكرهم كلّ شيء من الغنائم.
ومضى ابن الأشتر إلى الموصل، وبعث عمّاله، فبعث أخاه عبد الرحمن بن عبد الله على نصيبين، فغلب على سنجار ودارا وما والاهما من أرض الجزيرة، وخرج من أهل الكوفة كلّ من كان قاتل المختار وهزمهم، فلحقوا بمصعب بن الزبير بالبصرة وفيهم شبث بن ربعىّ. وكان المختار قال لأصحابه:
стр. 754
- «سيأتيكم الفتح من قبل إبراهيم بن الأشتر. قد هزموا أصحاب ابن مرجانة.» وخرج المختار من الكوفة، واستخلف عليها السائب بن مالك الأشعرى، وخرج بالناس، فنزل ساباط، وقال للناس:
- «أبشروا، فإنّ شرطة الله [٢٤٧] قد حسّوهم بالسيوف يوما إلى الليل بنصيبين أو قريبا منها.» قال: ودخلنا المدائن واجتمعنا إليه، فصعد المنبر، فو الله إنّه ليخطبنا، ويأمر بالجدّ والاجتهاد والثبات على الطاعة والطلب بدماء أهل البيت، إذ جاءته البشرى تترى، يتبع بعضها بعضا بقتل عبيد الله بن زياد وهزيمة أصحابه، وأخذ عسكره، وقتل أشراف أهل الشام، فقال المختار:
- «يا شرطة الله، ألم أبشركم بهذا قبل أن يكون؟» قالوا:
- «بلى والله، لقد قلت ذلك.» قال الشعبىّ: فيقول لى رجل من بعض جيراننا:
- «أتؤمن الآن يا شعبىّ؟» قال: قلت:
- «بأىّ شيء أو من؟ بأنّ المختار يعلم الغيب؟ لا أومن بذلك أبدا.» قال:
- «أو لم يقل لنا أنهم انهزموا؟» فقلت:
- «بلى، ولكن زعم أنهم هزموا بنصيبين من أرض الجزيرة، وإنما هو بخازر من أرض الموصل.» فقال:
- «والله لا تؤمن حتّى ترى العذاب الأليم.»
ذكر مسير مصعب إلى المختار وحربه
لما قدم شبث [١] على مصعب بن الزبير كان تحته بغلة له قد قطع ذنبها [٢٤٨]
стр. 755
وقطع طرف أذنها، وشقّ قباءه وهو يصيح:
- «يا غوثاه، يا غوثاه!» فعرّف مصعب أنّ بالباب رجلا صفته كذا وكذا، فقال لهم:
- «نعم، هذا شبث بن ربعىّ، ولم يكن ليفعل هذا غيره، أدخلوه.» فأدخل إليه، وجاءه أشراف الناس من أهل الكوفة، فأخبروه بما أصيبوا به من وثوب عبيدهم ومواليهم عليهم، وشكوا إليه، وسألوه النصر لهم والمسير إلى المختار معهم. وقدم عليهم محمد بن الأشعث بن القيس، ولم يكن شهد وقعة الكوفة، وإنما كان يقصّ له. فلما بلغه هزيمة الناس، تهيّأ للشخوص، وسأل عنه المختار، فأخبر بمكانه، فسرّح وراءه قوما، فلم يلحقوه، ومضى إلى مصعب، فأدناه معصب وقرّبه وأكرمه لشرفه، وهدم المختار دار ابن الأشعث.
ثمّ قال مصعب لمحمد بن الأشعث لما أكثر عليه الناس:
- «إنّى لا أسير حتّى يأتينى المهلّب بن أبى صفرة.» فكتب مصعب إلى المهلّب وهو عامله على فارس أن:
- «أقبل إلينا لتشهد أمرنا وتسير معنا إلى الكوفة.» فتباطأ عنه المهلّب كراهة للخروج، واعتلّ بشيء من الخراج، [٢٤٩] فأمر مصعب محمد بن الأشعث بن قيس فى بعض ما كان محمد يستحثّه:
- «ايتني بالمهلّب.» فخرج محمد بكتاب مصعب إلى المهلّب، فلما قرأه، قال:
- «مثلك يا محمد فى شرفك يأتى بريدا؟ أما وجد المصعب بريدا غيرك؟» قال محمد:
- «إنى، والله، ما أنا ببريد لأحد، غير أنّ نساءنا وأبناءنا وحرمنا غلبنا عليهم عبداننا وموالينا.» فخرج المهلّب بجموع كثيرة وأموال عظيمة معه فى هيئة وعدّة وجموع ليس
стр. 756
بها أحد من أهل البصرة. ولما ورد باب مصعب صادفه وقد أذن للناس، فحجبه الحاجب وهو لا يعرفه، فرفع المهلّب يده وكسر أنفه. فدخل الحاجب إلى المصعب وأنفه يسيل دما، فقال له:
- «ما لك؟» قال:
- «ضربني رجل ما أعرفه.» ودخل المهلّب، فلما رءاه الحاجب، قال:
- «هو ذا.» فقال له مصعب:
- «عد إلى مكانك.» ثمّ عسكر مصعب عند الجسر الأكبر، وقدّم أمامه عبّاد بن الحصين الحبطىّ من بنى تميم على مقدّمته، وبعث عمر بن عبد الله بن معمر على ميمنته، وبعث المهلّب على ميسرته، وبعث على الأخماس مالك بن مسمع [٢٥٠] ومالك بن المنذر، والأحنف بن قيس، وزياد بن عمرو الأزدىّ، وقيس بن الهيثم.
وبلغ ذلك المختار، فقام فى أصحابه، فحمد الله وأثنى، وقال:
- «يا أهل الدين وأعوان الحق وأنصار الضعيف وشيعة ال الرسول! إنّ فرّاركم الذين بغوا عليكم فهزمتموهم، أتوا أشباههم من الفاسقين، فاستغووهم عليكم ليمصح [١] الحقّ وينعش الباطل، ويقتل أولياء الله. والله لو هلكتم ما عبد الله فى الأرض إلّا بالفرى على الله واللعن لأهل بيت نبيّه، صلّى الله عليه. انتدبوا مع أحمر بن شميط.» فعسكر بحمّام أعين. ودعا المختار رؤوس الأرباع الذين كانوا مع ابن الأشتر، فبعثهم مع ابن شميط، لأنهم فارقوا ابن الأشتر لما رأوا من تهاونه بأمر
стр. 757
المختار، فبعثهم المختار مع ابن شميط، وبعث معه جيشا كثيفا.
وسار أحمر بن شميط حتّى ورد المذار وجاء مصعب حتّى عسكر قريبا منه، ثمّ عبّى كل واحد منهم جنده، وجعل أحمر بن شميط على ميمنته عبد الله بن كامل، وعلى ميسرته عبد الله بن وهب بن نضلة [١] ، وعلى الخيل رزين بن عبد الله السلولي، وعلى الرجّالة كثير بن إسماعيل [٢٥١] الكندىّ، وجعل أبا عمرة على الموالي وكان مولى لعرينة.
مكيدة لعبد الله بن وهب على الموالي
فجاء عبد الله بن وهب وكان على الميسرة، إلى ابن شميط وقد أخلاه، فقال له:
- «إنّ الموالي والعبيد إلى [٢] خور عند المصدوقة، وأنّ معهم رجالا كثيرا على الخيل وأنت تمشى، فمرهم لينزلوا معك، فإنّ لهم بك أسوة، وإنى أتخوّف إن طردوا ساعة فطوعنوا وضوربوا، أن يطيروا على متونها، ويسلموك، وإنّك إن أرجلتهم لم يجدوا من الصبر بدّا.» وإنما غشّ الموالي والعبيد لما كان لقى منهم بالكوفة، فأحبّ- إن كانت عليهم الدبرة- ألّا يكونوا فرسانا بل رجّالة، فلا ينجو منهم أحد. ولم يتّهمه ابن شميط، وظنّ أنه إنما أراد بذلك نصيحته ليصبروا ويقاتلوا فقال:
- «يا معشر الموالي، انزلوا معى، فقاتلوا.» فنزلوا معه ثمّ مشوا بين يديه وبين يدي رايته.
وجاء مصعب بن الزبير وقد جعل عبّاد بن الحصين على الخيل، وأقبل عبّاد حتّى دنا من ابن شميط وأصحابه فقال:
- «إنّا ندعوكم إلى كتاب الله وسنّة [٢٥٢] رسوله، صلّى الله عليه، وإلى بيعة
стр. 758
أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير.» فقال الآخرون:
- «إنّا ندعوكم إلى كتاب الله، وسنّة رسوله، صلّى الله عليه، وإلى بيعة الأمير المختار، وإلى أن يجعل الأمر شورى فى آل الرسول، فمن زعم من الناس أنّ أحدا ينبغي أن يتولّى عليهم برئنا منهم وجاهدناه.» فانصرف عبّاد إلى مصعب فأخبره فقال له:
- «إرجع، فاحمل عليهم.» فحمل على بن شميط، فلم يزل منهم أحد. ثمّ انصرف إلى موقفه، وحمل المهلّب على ابن كامل، فجال أصحابه بعضهم فى بعض، فنزل ابن كامل، وانصرف عنه المهلّب، ثمّ وقف ساعة، وقال لأصحابه:
- «احملوا حملة صادقة، فقد أطمعوكم.» يعنى جولتهم التي جالوها. فحمل عليهم حملة منكرة، فولّوا، وصبر ابن كامل فى رجال همدان، فأخذ المهلّب يسمع اتّصال [١] القوم:
- «أنا الغلام الشاكرىّ، أنا الغلام الشبامىّ، أنا الغلام الثورىّ.» وحمل عمر بن عبد الله بن معمر على عبد الله بن أنس، فقاتل ساعة ثمّ انصرف عنه، وحمل الناس جميعا على ابن شميط، فقاتل حتّى قتل، وتنادى أصحابه:
- «يا معشر بجيلة وخثعم، الصبر الصبر.» [٢٥٣] فناداهم المهلّب:
- «الفرار الفرار، فهو اليوم أنجى لكم، علام تقتلون أنفسكم مع هذه العبدان، أضلّ الله سعيكم.» ثمّ نظر إلى أصحابه فقال:
стр. 759
- «والله ما أدرى استحرار القتل إلّا فى أصحابى وقومي.» ومالت الخيل على رجّالة ابن شميط فانهزمت وأخذت فى الصحراء، فبعث مصعب بن الزبير عبّاد بن الحصين على الخيل وقال:
- «أيّما أسير أخذته فاضرب عنقه.» وسرّح محمد بن الأشعث فى خيل عظيمة من خيل أهل الكوفة ممن كان المختار طردهم، فقال:
- «دونكم ثأركم.» فلم يكن على المنهزمين قوم أشدّ عليهم منهم، كانوا لا يعفون عن أسير إنما هو القتل، فلم ينج من ذلك الجيش إلّا طائفة من أصحاب الخيل، وأما رجالتهم، فأبيدوا.
فتحدّث عبد الرحمن بن أبى عمير الثقفي، قال: والله إنى لجالس عند المختار حين أتاه هزيمة القوم، فأصغى إلىّ برأسه وقال لى:
- «قتلت والله العبيد قتلة ما سمعت بمثلها قطّ.» ثمّ قال:
- «وقتل ابن شميط وابن كامل، وفلان وفلان..» فسمى قوما من العرب ورجالا كان الواحد منهم خيرا من أمّة من الناس.» قال: فقلت:
- «إنّا لله، هذه والله [٢٥٤] مصيبة.» فقال لى:
- «ما من الموت بدّ، وما من ميتة أموتها أحبّ إلىّ من مثل ميتة ابن شميط، حبّذا مصارع الكرام.» قال: فعلمت أنّ الرجل قد حدّث نفسه إن لم يصب حاجته، أن يقاتل حتّى يموت.
стр. 760
وأقبل مصعب حتّى قطع من تلقاء واسط القصب، ولم تكن واسط هذه بنيت بعد، وأخذ فى كسكر، ثمّ حمل الرجال وأثقالهم وضعفاء الناس فى السفن، فأخذوا فى نهر يقال له: نهر خرشيذ، ثمّ خرجوا من ذلك النهر إلى الفرات. وكان أهل البصرة يخرجون فيجرّون سفنهم ويقولون [١] :
عوّدنا المصعب جرّ القلس ... والزّنبريّات الطّوال القعس
ولمّا بلغ المختار أنهم قد أقبلوا إليه فى البرّ والبحر، سار حتّى نزل السيلحين، ونظر إلى مجتمع الأنهار: نهر الحيرة، ونهر السيلحين، ونهر القادسيّة، ونهر يوسف [٢] ، فسكر الفرات على مجتمع الأنهار، فذهب ماء الفرات كلّه فى هذه الأنهار، وبقيت سفن أهل البصرة فى الطين.
فلما رأوا ذلك، خرجوا من السفن يمشون، وأقبلت خيلهم تركض حتّى أتوا ذلك السكر، فكسروه. [٢٥٥]
غلط المختار فى ذلك
فكان غلط المختار فى ذلك، أنه حيث سكر الماء وقطعه عن القوم، وجب أن يخلّف على السكر جيشا قويّا. فصمد القوم لما كسروا السكر صمد الكوفة، فلما رأى المختار ذلك أقبل إليهم حتّى نزل حرورا، وحال بينهم وبين الكوفة، وقد كان حصّن قصره والمسجد، وأدخل فى قصره عدّة الحصار، واستعمل على الكوفة عبد الله بن شدّاد.
وجاء مصعب فى جيشه، وخرج إليه المختار، وقد جعل على ميمنته سليم بن
стр. 761
يزيد الكندي، وعلى ميسرته سعيد بن منقذ الهمداني ثمّ الثوري، وكان على شرطته عبد الله بن قراد الخثعمي، وعلى الخيل عمر بن عبد الله النهدىّ، على الرجال مالك بن عمرو النهدىّ.
وجعل مصعب على ميمنته المهلّب بن أبى صفرة، وعلى ميسرته عمر بن عبد الله بن معمر التيمىّ، وعلى الخيل عبّاد بن الحصين الحبطىّ وعلى الرجال مقاتل بن مسمع الكندىّ، ونزل هو يمشى، وجعل على الكوفة محمد بن الأشعث.
فجاء محمد حتّى نزل بين مصعب والمختار مقربا [١] ميامنا، فلما رأى ذلك المختار [٢٥٦] بعث إلى كلّ خمس من أخماس البصرة رجلا من أصحابه فى خيل، ووقف فى بقيّة أصحابه، وزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض، وحمل سعيد بن منقذ وعبد الرحمن بن شريح على بكر بن وائل، وعبد القيس، وهم فى الميسرة عليهم عبد الله بن معمر، فقاتلهم ربيعة قتالا شديدا وصبروا لهم، وأخذ سعيد بن منقذ وعبد الرحمن بن شريح لا يقلعان، إذا حمل أحدهما فانصرف، حمل الآخر، وربما حملا جميعا.
فبعث مصعب إلى المهلّب:
- «ما تنتظر أن تحمل من بإزائك؟ ألا ترى ما يلقى هذان الخمسان اليوم؟
احمل بأصحابك.» فقال المهلّب:
- «إنّى لعمري ما كنت لأجزر الأزد وتميما خشية أهل الكوفة حتّى أرى فرصتى.» وبعث المختار إلى عبد الله بن جعدة أن:
- «احمل على من يليك.»
стр. 762
فحمل عليهم، فكشفهم حتّى انتهوا إلى مصعب. فجثا مصعب على ركبتيه، ولم يكن فرّارا، فرمى بأسهمه، ونزل الناس، فقاتلوا ساعة، ثمّ تحاجزوا.
فبعث مصعب إلى المهلّب وهو فى خمسين من الأخماس جامّين كثيرى العدد والفرسان:
- «لا أبا لك ما تنتظر أن تحمل على القوم؟» فمكث غير بعيد. ثمّ إنه قال [٢٥٧] لأصحابه:
- «قد قاتل القوم منذ اليوم وأنتم وقوف، وقد أحسنوا، وبقي ما عليكم، احملوا واصبروا واستعينوا بالله.» فحملوا حملة عظيمة، فحطّموا أصحاب المختار حطمة منكرة فكشفوهم.
وقال عبد الله بن عمرو النهدىّ، وكان من أصحاب صفّين:
- «اللهمّ إنّى على ما كنت عليه ليلة الخميس بصفّين، اللهمّ إنّى أبرأ إليك من فعل هؤلاء المنهزمين.» وجالد بسيفه حتّى قتل.
وأتى مالك بن عمرو النهدي بفرسه، وكان على الرجّالة، فركبه وانقصف أصحاب المختار انقصافة شديدة كأنّهم أجمة فيها حريق.
فقال مالك حين ركب:
- «ما أصنع بالركوب؟ والله لأن أقتل هاهنا أحبّ إلىّ من أن أقتل فى بيتي. أين أهل البصائر؟» فثاب إليه نحو من خمسين رجلا.
ذكر ظفر بعد هزيمة
وذلك عند المساء. فكرّ على أصحابه محمد بن الأشعث وكان إلى جانبه، فقتل محمد بن الأشعث هو وعامّة أصحابه. وانتهى المختار فى أصحابه إلى
стр. 763
محمد بن الأشعث قتيلا ومالك بن عمرو يحسّهم بالسيف، فقال:
- «يا معشر الأنصار، كرّوا على الثعالب الروّاغة.» [٢٥٨] فحملوا عليهم، وانهزم أصحاب مصعب وطلع القمر.
وأمر المختار مناديا فنادى:
- «يا محمّد!» وكان علامة بينه وبين أصحابه، فحملوا على مصعب، فهزموه وأدخلوه عسكره، ولم يزل المختار وأصحابه يقاتلونهم حتّى أصبحوا وأصبح المختار وليس عنده أحد.
ذكر اتّفاق [١] سىّء بعد الظفر لأجل عجلة وسوء تثبّت
وكان أصحابه قد وغلوا فى أصحاب مصعب، فقال له بعض من كان معه:
- «أيها الأمير، ما تنتظر؟ قد هزم أصحابك وما بقي معك أحد، انصرف إلى القصر.» قال المختار:
- «والله ما نزلت وأنا أريد الركوب، فأما إذا انصرف أصحابى فقدّموا فرسي.» فركب حتّى دخل القصر منهزما، وانصرف أصحاب المختار حين أصبحوا، فوقفوا مليّا، فلم يروا المختار، فقالوا:
- «قد قتل.» فهرب منهم طائفة ممن أطاق الهرب، واختفوا فى دور الكوفة وتوجّه منهم نحو القصر نحو من ثمانية آلاف لم يجدوا من يقاتل بهم وكانوا فى الأصل عشرين ألفا فلما أتوا القصر وجدوا المختار فى القصر، فدخلوا معه.
стр. 764
وأصبح مصعب فأقبل يسير بمن [٢٥٩] معه من أهل البصرة ومن خرج إليه من أهل الكوفة، فأخذ بهم نحو السبخة، فمرّ بالمهلّب.
فقال له المهلّب:
«يا له فتحا ما أهنأه! لو لم يكن محمد بن الأشعث قتل.» قال:
- «صدقت، فرحم الله محمّدا.»
ذكر قتل عبيد الله بن علىّ بن أبى طالب
ثمّ قال:
- «يا مهلّب!» قال:
- «لبّيك أيها الأمير.» قال:
- «هل علمت أنّ عبيد الله بن علىّ بن أبى طالب قد قتل؟» قال:
- «إِنَّا لِلَّهِ، وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.» ٢: ١٥٦ قال مصعب:
- «أما إنّى كنت أحبّ أن يرى هذا الفتح، ثمّ لا نجعل أنفسنا أحقّ بشيء مما نحن فيه منه. أتدرى من قتله؟ إنما قتله من يزعم أنه لأبيه شيعة. أما إنهم قتلوه وهم يعرفونه.»
مصعب يحاصر قصر المختار وهو فيه
ثمّ مضى حتّى حاصر المختار، وقطع عنهم الماء والمادّة، وبعث عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فنزل الكناسة، وبعث إلى الجبابين ليقطع عن المختار وأصحابه الماء والمادّة، فأصابهم جهد شديد. وكان المختار ربما خرج هو وأصحابه، فقاتلوا قتالا ضعيفا، وكان لا تخرج له خيل إلّا رميت بالحجارة من فوق البيوت ويصبّ عليهم الماء القذر، فاجترأ الناس عليهم. فكان أفضل
стр. 765
معايشهم من نسائهم. وذلك أنّ المرأة كانت تخرج من منزلها معها الطعام واللطف [١] والماء قد التحفت [٢٦٠] عليه، فتخرج كأنها تريد المسجد الأعظم للصلاة أو تزور قرابة لها، فإذا دنت من القصر فتح لها، فدخلت على حميمها بطعامه وشرابه ولطفه، وإنّ ذلك ليبلغ مصعبا.
وكان المهلّب ذا حنكة وتجربة، فقال:
- «أيّها الأمير، اجعل عليهم دروبا حتّى يمكنك أن تمنع ما يأتيهم من جهة أهليهم وتدعهم فى حصنهم حتّى يموتوا فيه.» وكان القوم إذا اشتدّ عليهم العطش استقوا ماء البئر، وطرحوا فيه العسل ليغيّر طعمه، فأخذ ثلاث نسوة فى الشباميّين أتين أزواجهنّ فى القصر، فبعث بهنّ إلى مصعب ومعهنّ الطعام والشراب، فردّهنّ مصعب ولم يعرض لهنّ.
فقال المختار يوما لأصحابه:
- «ويحكم! إنّ الحصار لا يزيدكم إلّا ضعفا، انزلوا بنا، فلنقاتل حتّى نقتل كراما إن قتلنا، والله ما أنا بيائس إن أنتم صدقتموهم، أن ينصركم الله.» فضعفوا وعجزوا، فقال لهم المختار:
- «أما أنا والله لا أعطى بيدي، ولا أحكّمهم فى نفسي.» ولما رأى عبد الله بن جعدة بن هبيرة ما يريد المختار، تدلّى من القصر، فلحق بأناس من إخوانه، فاختبأ عندهم. [٢٦١]
مقتل المختار وما قاله فى أمره
ثمّ إنّ المختار أزمع الخروج حين رأى من أصحابه الضعف والفشل. فأرسل إلى امرأته أمّ ثابت بنت سمرة بن جندب، فأرسلت إليه بطيب كثير، فاغتسل
стр. 766
وتحنّط، ثمّ وضع ذلك الطيب على رأسه ولحيته، ثمّ خرج فى تسعة عشر نفسا فيهم السائب بن مالك الأشعرىّ، وكان خليفته على الكوفة إذا خرج. ولما خرج المختار من القصر قال للسائب:
- «ماذا ترى؟» قال:
- «أنا أرى، أم الله؟» قال:
- «بل الله، ويحك أحمق أنت. إنما أنا رجل من العرب لمّا رأيت ابن الزبير انتزى على الحجاز، ورأيت نجدة انتزى على اليمامة، ورأيت مروان انتزى على الشام، لم أكن دون أحد من رجال العرب، فأخذت هذه البلاد، وكنت كأحدهم، إلّا أنى قد طلبت بثأر أهل بيت النبىّ، ﷺ وعليهم، إذ نامت عنه العرب، فقتلت من شرك فى دمائهم، وبالغت فى ذلك إلى يومى هذا. فقاتل على حسبك إن لم تكن لك نيّة.» - «قال: إِنَّا لِلَّهِ، وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦، وما كنت أصنع أن أقاتل على حسبي؟» فتمثّل المختار عند ذلك بشعر غيلان بن سلمة الثقفىّ [١] : [٢٦٢]
ولو يراني أبو غيلان إذ حسرت ... عنّى الهموم بأمر ما له طبق
لقال رهبا ورعبا يجمعان معا ... غنم الحياة، وهول الموت والشفق
إمّا تسفّ على مجد ومكرمة ... أو أسوة لك فى من يهلك الورق
ثمّ خرج فى تسعة عشر رجلا، فقال للناس:
- «أتؤمنونى وأخرج إليكم؟» فقالوا:
- «لا، إلّا على الحكم.» فقال:
стр. 767
- «لا أحكّمكم فى نفسي أبدا.» فضارب بسيفه حتّى قتل.
ذكر رأى المختار فى تلك الحال وكان صوابا
كان المختار قال لأصحابه حين أتوا أن يبايعوا على الخروج:
- «إذا أنا خرجت فقتلت لم تزدادوا إلّا ضعفا وذلّا، فإن نزلتم على حكمهم وثب أعداؤكم الذين وترتموهم. يقول كلّ رجل منهم لبعضكم: هذا عنده ثأرى، فيقتل وينظر بعضكم إلى بعض فيرى مصرعه ومصرع أحبّته، فيقولون: يا ليتنا كنّا [١] أطعنا المختار وعملنا برأيه، ولو أنكم خرجتم معى، كنتم إن أخطأتم الظفر، متّم كراما، وإن هرب منكم هارب فدخل فى عشيرته اشتملت عليه عشيرته، أنتم غدا أذلّ من على [٢٦٣] ظهر الأرض.» فكان الأمر على ما قال.
ولما كان من الغد، قال لهم بجير بن عبد الله:
- «يا قوم، قد كان صاحبكم أمس أشار عليكم بالرأى لو أطعتموه، يا قوم، إنكم إن نزلتم على حكم القوم ذبحتم كما تذبح الغنم، اخرجوا بأسيافكم حتّى تموتوا كراما إن قتلتم.» فقالوا:
- «قد أمرنا بهذا من كان أطوع عندنا وأنصح لنا منك فعصيناه، أفنحن نطيعك؟» فأمكنوا القوم من أنفسهم ونزلوا على الحكم. فبعث إليهم مصعب عبّاد بن الحصين، فكان يخرج بهم مكتّفين، فأدركتهم الندامة حينئذ، فقتلوا من عند
стр. 768
آخرهم.
ذكر كلام لهؤلاء المسلمين واستعطاف حين أحسّوا بالقتل
قال بجير بن عبد الله المسلىّ [١] حين أتى به مصعب ومعه ناس كثير منهم:
- «الحمد لله الذي ابتلانا بالإسار وابتلاك بالعفو، وهما منزلتان، فى إحداهما رضا الله، وفى الأخرى سخطه. من عفا عفا الله عنه وزاده عزّا، ومن عاقب لم يأمن القصاص، يا بن الزبير، نحن أهل قبلتكم وعلى ملتكم ولسنا تركا ولا ديلما، خالفنا إخواننا [٢٦٤] من أهل مصرنا، فإمّا أن نكون أصبنا وأخطئوا، وإمّا أن نكون أخطأنا وأصابوا، فاقتتلنا كما اقتتل أهل الإسلام [٢] بينهم فقد اختلفوا واقتتلوا، ثمّ اصطلحوا واجتمعوا. لقد ملكتم فأسجحوا، وقدرتم فاعفوا.» فلم يزل بهذا القول ونحوه حتّى رقّ لهم الناس، ورقّ مصعب أيضا، وأراد أن يخلّى سبيلهم. فقال عبد الرحمان بن محمد بن الأشعث:
- «تخلّى سبيلهم يا بن الزبير؟ اخترنا، أو اخترهم!» ووثب محمد بن عبد الرحمان بن سعيد بن قيس، فقال:
- «قتل أبى وخمسمائة من همدان وأشراف العشيرة، ثمّ تخلّى سبيلهم ودماؤنا ترقرق فى أجوافهم، اخترنا أو اخترهم.» ووثب كلّ قوم وأهل بيت كان أصيب منهم رجل، فقالوا نحوا من هذا القول.
فلما رأى مصعب ذلك، أمر بقتلهم، فنادوه بأجمعهم:
- «يا بن الزبير، لا تقتلنا، اجعلنا على مقدّمتك إلى أهل الشام غدا، فو الله ما بك ولا بأصحابك عنّا غدا غنى إذا لقيتم عدوّكم، فإن قتلنا لم نقتل حتّى نرقّهم، وإن ظفرنا بهم كان ذلك لك ولمن معك.»
стр. 769
فأبى عليهم وتبع رضا أصحابه.
فقال بجير المسلىّ:
- «إنّ حاجتي إليك ألّا أقتل مع هؤلاء، إنّى أمرتهم أن يخرجوا [٢٦٥] بأسيافهم فيقاتلوا حتّى يموتوا كراما، فعصونى.» فقدّم ناحية فقتل.
كلام آخر بنحو آخر من الاستعطاف
ثمّ إنّ مسافر بن سعيد بن نمران قال لمصعب:
- «يا بن الزبير، ما تقول لله إذا قدمت عليه وقد قتلت أمّة من المسلمين صبرا حكّموك فى دمائهم وكان الحقّ فى دمائهم ألّا تقتل نفسا مسلمة بغير نفس، فإن كنّا قتلنا عدّة رجال منكم فاقتلوا عدّة من قتلنا منكم وخلّوا سبيل بقيّتنا وفينا رجال كثير لم يشهدوا موطنا من حربنا وحربكم يوما واحدا كانوا فى الجبال والسواد يجبون الخراج ويؤمنون السبل.» فلم يستمع له. فقال:
- «قبح الله قوما أمرتهم أن يخرجوا ليلا على حرس سكّة من هذه السكك فنطردهم ثمّ نلحق بعشائرنا، فعصونى حتّى نموت الآن ميتة العبيد، فأنا أسألك ألّا تخلط دمى بدمائهم.» فقدّم ناحية فقتل. فكان عدد من قتل صبرا ستة آلاف سوى من قتل فى المعركة.
توبيخ من عبد الله بن عمر لمصعب على فعله هذا
[٢٦٦] فلقى مصعب بن الزبير يوما عبد الله بن عمر، فسلّم عليه، فأعرض عنه ابن عمر، فقال:
стр. 770
- «أنا ابن أخيك مصعب.» فقال:
- «نعم، أنت القاتل سبعة آلاف من أهل القبلة فى غداة واحدة. عش ما استطعت!» فقال مصعب:
- «إنهم كانوا كفرة فجرة.» فقال ابن عمر:
- «والله لو قتلت عددهم غنما من تراث أبيك، لكان ذلك سرفا.»
كفّ المختار سمّرت إلى جنب المسجد
ثمّ إنّ مصعبا أمر بكفّ المختار فقطعت، ثمّ سمّرت بمسمار حديد إلى جنب المسجد، فلم يزل على ذلك حتّى قدم الحجاج بن يوسف، فنظر إليها، فقال:
- «ما هذه؟» قالوا:
- «كفّ المختار.» فأمر بنزعها.
كتب مصعب إلى ابن الأشتر يدعوه إلى طاعته
وبعث مصعب عمّاله على الجبال والسواد. ثمّ كتب إلى ابن الأشتر يدعوه إلى طاعته ويقول له:
- «إن أنت أجبتنى ودخلت فى طاعتي، فلك الشام، وأعنّة الخيل، وما غلبت عليه من أرض المغرب وما دام لآل الزبير سلطان.» وكتب إليه عبد الملك بن مروان من الشام يدعوه إلى طاعته ويقول:
- «إن أجبتنى ودخلت فى طاعتي، فلك العراق.» فاستشار إبراهيم أصحابه، فاختلفوا عليه، فقال إبراهيم:
стр. 771
- «لو لم أكن أصبت عبيد الله بن زياد ورؤساء الشام، لأجبت عبد الملك [٢٦٧] مع أنى لا أختار على أهل مصرى مصرا، ولا على عشيرتي عشيرة.» فكتب إلى مصعب، فأجابه مصعب: أن أقبل، فأقبل إليه، وبعث المهلّب إلى عمله، وهي السنة التي نزل فيها المهلّب على الفرات.
ما جرى على عمرة امرأة المختار
ثمّ إنّ مصعبا بعث إلى عمرة بنت النعمان بن بشير وهي امرأة المختار، فقال لها:
- «ما تقولين فى المختار؟» فقالت:
- «﵀، كان عبدا من عباد الله الصالحين.» فرفعها مصعب إلى السجن، وكتب إلى أخيه عبد الله أنها تزعم أنه نبىّ. فكتب إليه أن اقتلها. فأخرجها بعد عتمة، وسلّمها إلى مطر، فضربها ثلاث ضربات بالسيف، فقالت:
- «يا أبتاه، يا أهلاه، يا عشيرتاه!» فسمع بها أبان بن النعمان بن بشير، فلطمه وقال له:
- «يا بن الزانية، قطعت نفسها قطع الله يمينك.» ولزمه مطر حتّى رفعه إلى مصعب، فقال:
- «إنّ أختى مسلمة.» وادّعى شهادة بنى قفل، فلم يشهد له أحد، فقال مصعب:
- «خلّوا سبيله فإنّه رأى أمرا فظيعا [١] .»
стр. 772
فقال عمر بن أبى ربيعة:
إنّ من أعجب العجائب عندي ... قتل بيضاء حرّة عطبول [١] [٢٦٨]
قتلت هكذا على غير جرم ... إنّ الله درّها من قتيل
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى المحصنات جرّ الذّيول
حصار عبد الله بن خازم رجال بنى تميم بخراسان
وفى هذه السنة كان حصار عبد الله بن خازم من كان بخراسان من رجال بنى تميم بسبب من قتل منهم ابنه محمّدا. وذلك أنّ بنى تميم تفرّقوا بخراسان أيّام ابن خازم. فأتى قصرا يعرف بفرنبا [٢] عدّة من فرسان بنى تميم وأنجادهم مثل عثمان بن بشير، وشعبة بن ظهير النهشلي، وورد بن العلق، وزهير بن ذؤيب العدوىّ، وجبهان بن مشجعة الضبّى، ورقبة بن الحرّ، والحجّاج بن ناشب، فأتاهم ابن خازم فحصرهم، وخندق على نفسه خندقا حصينا لئلّا يبيّتوه، فكانوا يخرجون ويقاتلونه ثمّ يرجعون إلى القصر. فخرج ابن خازم يوما على تعبئة من خندقه فى ستة آلاف، وخرج أهل القصر، فقال عثمان بن بشير:
- «لا أظنّ لكم اليوم بهم طاقة، فانصرفوا.» فقال زهير بن ذؤيب العدوى: امرأته طالق إن يرجع حتّى ينقض صفوفهم.
وكان إلى جنبهم نهر يدخله الماء فى الشتاء، ولم يكن يومئذ [٢٦٩] فيه ماء،
стр. 773
فاستبطنه زهير، فسار فيه ولم يشعر به أصحاب ابن خازم حتّى حمل عليهم، فحطّم أولهم على آخرهم واستداروا وكرّ راجعا واتبعوه على جنبتي النهر يصيحون به ولا ينزل إليه أحد حتّى انتهى إلى الموضع الذي انحدر منه، فخرج، وحمل عليهم، فأفرج له القوم حتّى رجع.
فقال ابن خازم لأصحابه:
- «إذا خرج إليكم زهير فطاعنتموه فاجعلوا فى رماحكم كلاليب، فاعلقوها فى أداته ودرعه.» فالتفت إليه ليحمل عليهم، فخلّوا رماحهم، فجاء يجرّ [١] أربعة أرماح حتّى دخل القصر، فأرسل ابن خازم إلى زهير:
- «أرأيتك إن آمنتك وأعطيتك مائة ألف وجعلت لك باشان [٢] طعمة تناصحنى؟» فقال زهير للرسول:
- «ويحك! كيف أنا صح قوما قتلوا الأشعث بن ذؤيب؟» فرجع الرسول فأسقط بها عند موسى بن عبد الله بن خازم. فلما أطال عليهم الحصار، أرسلوا إلى ابن خازم أن:
- «خلّنا نخرج فنتفرّق.» فقال:
- «لا، إلّا أن تنزلوا على حكمى.» قالوا:
- «فإنّا ننزل على حكمك.» فقال لهم زهير:
- «ثكلتكم أمّهاتكم، والله [٢٧٠] ليقتلنّكم عن آخركم، فإن طبتم بالموت نفسا فموتوا كراما، اخرجوا بنا جميعا، فإمّا أن تموتوا جميعا، وإما أن ينجو بعضكم
стр. 774
ويهلك بعض. وأيم الله، لئن شددتم عليهم شدّة صادقة ليفرجنّ لكم عن مثل طريق البريد، فإن شئتم كنت أمامكم، وإن شئتم كنت خلفكم.» قال: فأبوا عليه، فقال:
- «أما إنى سأريكم.» ثمّ خرج هو ورقبة بن الحرّ ومع رقبة غلام له تركىّ، وشعبة بن ظهير، فحملوا على القوم، فأفرجوا لهم، فمضوا. فأما رقبة وغلامه وشعبة فمضوا على وجوههم، وأما زهير فرجع إلى أصحابه حتّى دخل القصر، فقال لأصحابه:
- «قد رأيتم، فأطيعونى.» فقالوا:
- «إنّ فينا من يضعف عن هذا ويطمع فى الحياة.» قال:
- «أبعدكم الله، والله لا أكون أجزعكم من الموت.» ففتحوا القصر، ونزلوا على حكمه، فأرسل إليهم، فقيّدهم، ثمّ حملوا رجلا رجلا، فأراد أن يمنّ عليهم، فأبى ابنه موسى وقال:
- «والله، لئن عفوت عنهم لأتّكئن على سيفي حتّى يخرج من ظهري.» فقال له عبد الله:
- «أما والله، إنى لأعلم [٢٧١] أنّ الغىّ فى ما يأمرنى به.» فقتلهم جميعا إلّا ثلاثة: الحجاج بن ناشب- كلّمه فيه رجال من بنى تميم كانوا معتزلين من عمرو، وحنظلة، وجبهان بن مسجعة، وهو الذي كان ألقى نفسه على ابنه محمد يوم قتل، فقال ابن خازم خلّوا عن هذا البغل الديرج، ورجل من بنى سعد، وهو الذي قال يوم لحقوا ابن خازم: انصرفوا عن فارس مضر.
فأما زهير بن ذؤيب، فأرادوا حمله مقيّدا، فأبى وأقبل يحجل [١] فى قيده حتّى جلس بين يديه، فقال له ابن خازم:
стр. 775
- «كيف شكرك إن أطلقتك وجعلت لك باشان طعمة؟» قال:
- «لو لم تصنع بى إلّا حقن دمى لشكرتك.» فقام ابنه موسى، فقال:
- «تقتل الضبع وتترك الذيخ [١] ؟ تقتل اللبوءة وتترك الليث؟» قال:
- «ويحك! يقتل مثل زهير؟ من لقتال عدوّ المسلمين، من لنساء العرب؟» قال:
- «والله لو شركت فى دم أخى لقتلتك.» فقام رجل من بنى سليم إلى ابن خازم، فقال:
- «أذكّرك الله فى زهير.» فقال له موسى:
- «اتخذه فحلا لبناتك!» فغضب ابن خازم، وأمر بقتله. قال زهير:
- «فإنّ لى حاجة: لا تخلط دمى بدماء هؤلاء اللئام، فقد [٢٧٢] نهيتهم عما صنعوا، وأمرتهم أن يموتوا كراما، وأن يخرجوا عليكم مصلتين السيوف، والله لو فعلوا لشغلوا بنيّك [٢] هذا بنفسه عن طلب الثأر بأخيه.» وأمر به فنحّى ناحية وقتل.
فما أشبه هذا الرأى برأى المختار حتّى كأنّ أحدهما أخذ عن صاحبه، ولعلّ الوقتين كان واحدا، فإنّ الزمان متقارب.
رجوع الأزارقة
وفى هذه الأيام التي شغل فيها الناس بعضهم ببعض، رجعت الأزارقة إلى