- «لو لم أكن أصبت عبيد الله بن زياد ورؤساء الشام، لأجبت عبد الملك [٢٦٧] مع أنى لا أختار على أهل مصرى مصرا، ولا على عشيرتي عشيرة.» فكتب إلى مصعب، فأجابه مصعب: أن أقبل، فأقبل إليه، وبعث المهلّب إلى عمله، وهي السنة التي نزل فيها المهلّب على الفرات.
ما جرى على عمرة امرأة المختار
ثمّ إنّ مصعبا بعث إلى عمرة بنت النعمان بن بشير وهي امرأة المختار، فقال لها:
- «ما تقولين فى المختار؟» فقالت:
- «﵀، كان عبدا من عباد الله الصالحين.» فرفعها مصعب إلى السجن، وكتب إلى أخيه عبد الله أنها تزعم أنه نبىّ. فكتب إليه أن اقتلها. فأخرجها بعد عتمة، وسلّمها إلى مطر، فضربها ثلاث ضربات بالسيف، فقالت:
- «يا أبتاه، يا أهلاه، يا عشيرتاه!» فسمع بها أبان بن النعمان بن بشير، فلطمه وقال له:
- «يا بن الزانية، قطعت نفسها قطع الله يمينك.» ولزمه مطر حتّى رفعه إلى مصعب، فقال:
- «إنّ أختى مسلمة.» وادّعى شهادة بنى قفل، فلم يشهد له أحد، فقال مصعب:
- «خلّوا سبيله فإنّه رأى أمرا فظيعا [١] .»
стр. 772
فقال عمر بن أبى ربيعة:
إنّ من أعجب العجائب عندي ... قتل بيضاء حرّة عطبول [١] [٢٦٨]
قتلت هكذا على غير جرم ... إنّ الله درّها من قتيل
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى المحصنات جرّ الذّيول
حصار عبد الله بن خازم رجال بنى تميم بخراسان
وفى هذه السنة كان حصار عبد الله بن خازم من كان بخراسان من رجال بنى تميم بسبب من قتل منهم ابنه محمّدا. وذلك أنّ بنى تميم تفرّقوا بخراسان أيّام ابن خازم. فأتى قصرا يعرف بفرنبا [٢] عدّة من فرسان بنى تميم وأنجادهم مثل عثمان بن بشير، وشعبة بن ظهير النهشلي، وورد بن العلق، وزهير بن ذؤيب العدوىّ، وجبهان بن مشجعة الضبّى، ورقبة بن الحرّ، والحجّاج بن ناشب، فأتاهم ابن خازم فحصرهم، وخندق على نفسه خندقا حصينا لئلّا يبيّتوه، فكانوا يخرجون ويقاتلونه ثمّ يرجعون إلى القصر. فخرج ابن خازم يوما على تعبئة من خندقه فى ستة آلاف، وخرج أهل القصر، فقال عثمان بن بشير:
- «لا أظنّ لكم اليوم بهم طاقة، فانصرفوا.» فقال زهير بن ذؤيب العدوى: امرأته طالق إن يرجع حتّى ينقض صفوفهم.
وكان إلى جنبهم نهر يدخله الماء فى الشتاء، ولم يكن يومئذ [٢٦٩] فيه ماء،
стр. 773
فاستبطنه زهير، فسار فيه ولم يشعر به أصحاب ابن خازم حتّى حمل عليهم، فحطّم أولهم على آخرهم واستداروا وكرّ راجعا واتبعوه على جنبتي النهر يصيحون به ولا ينزل إليه أحد حتّى انتهى إلى الموضع الذي انحدر منه، فخرج، وحمل عليهم، فأفرج له القوم حتّى رجع.
فقال ابن خازم لأصحابه:
- «إذا خرج إليكم زهير فطاعنتموه فاجعلوا فى رماحكم كلاليب، فاعلقوها فى أداته ودرعه.» فالتفت إليه ليحمل عليهم، فخلّوا رماحهم، فجاء يجرّ [١] أربعة أرماح حتّى دخل القصر، فأرسل ابن خازم إلى زهير:
- «أرأيتك إن آمنتك وأعطيتك مائة ألف وجعلت لك باشان [٢] طعمة تناصحنى؟» فقال زهير للرسول:
- «ويحك! كيف أنا صح قوما قتلوا الأشعث بن ذؤيب؟» فرجع الرسول فأسقط بها عند موسى بن عبد الله بن خازم. فلما أطال عليهم الحصار، أرسلوا إلى ابن خازم أن:
- «خلّنا نخرج فنتفرّق.» فقال:
- «لا، إلّا أن تنزلوا على حكمى.» قالوا:
- «فإنّا ننزل على حكمك.» فقال لهم زهير:
- «ثكلتكم أمّهاتكم، والله [٢٧٠] ليقتلنّكم عن آخركم، فإن طبتم بالموت نفسا فموتوا كراما، اخرجوا بنا جميعا، فإمّا أن تموتوا جميعا، وإما أن ينجو بعضكم
стр. 774
ويهلك بعض. وأيم الله، لئن شددتم عليهم شدّة صادقة ليفرجنّ لكم عن مثل طريق البريد، فإن شئتم كنت أمامكم، وإن شئتم كنت خلفكم.» قال: فأبوا عليه، فقال:
- «أما إنى سأريكم.» ثمّ خرج هو ورقبة بن الحرّ ومع رقبة غلام له تركىّ، وشعبة بن ظهير، فحملوا على القوم، فأفرجوا لهم، فمضوا. فأما رقبة وغلامه وشعبة فمضوا على وجوههم، وأما زهير فرجع إلى أصحابه حتّى دخل القصر، فقال لأصحابه:
- «قد رأيتم، فأطيعونى.» فقالوا:
- «إنّ فينا من يضعف عن هذا ويطمع فى الحياة.» قال:
- «أبعدكم الله، والله لا أكون أجزعكم من الموت.» ففتحوا القصر، ونزلوا على حكمه، فأرسل إليهم، فقيّدهم، ثمّ حملوا رجلا رجلا، فأراد أن يمنّ عليهم، فأبى ابنه موسى وقال:
- «والله، لئن عفوت عنهم لأتّكئن على سيفي حتّى يخرج من ظهري.» فقال له عبد الله:
- «أما والله، إنى لأعلم [٢٧١] أنّ الغىّ فى ما يأمرنى به.» فقتلهم جميعا إلّا ثلاثة: الحجاج بن ناشب- كلّمه فيه رجال من بنى تميم كانوا معتزلين من عمرو، وحنظلة، وجبهان بن مسجعة، وهو الذي كان ألقى نفسه على ابنه محمد يوم قتل، فقال ابن خازم خلّوا عن هذا البغل الديرج، ورجل من بنى سعد، وهو الذي قال يوم لحقوا ابن خازم: انصرفوا عن فارس مضر.
فأما زهير بن ذؤيب، فأرادوا حمله مقيّدا، فأبى وأقبل يحجل [١] فى قيده حتّى جلس بين يديه، فقال له ابن خازم:
стр. 775
- «كيف شكرك إن أطلقتك وجعلت لك باشان طعمة؟» قال:
- «لو لم تصنع بى إلّا حقن دمى لشكرتك.» فقام ابنه موسى، فقال:
- «تقتل الضبع وتترك الذيخ [١] ؟ تقتل اللبوءة وتترك الليث؟» قال:
- «ويحك! يقتل مثل زهير؟ من لقتال عدوّ المسلمين، من لنساء العرب؟» قال:
- «والله لو شركت فى دم أخى لقتلتك.» فقام رجل من بنى سليم إلى ابن خازم، فقال:
- «أذكّرك الله فى زهير.» فقال له موسى:
- «اتخذه فحلا لبناتك!» فغضب ابن خازم، وأمر بقتله. قال زهير:
- «فإنّ لى حاجة: لا تخلط دمى بدماء هؤلاء اللئام، فقد [٢٧٢] نهيتهم عما صنعوا، وأمرتهم أن يموتوا كراما، وأن يخرجوا عليكم مصلتين السيوف، والله لو فعلوا لشغلوا بنيّك [٢] هذا بنفسه عن طلب الثأر بأخيه.» وأمر به فنحّى ناحية وقتل.
فما أشبه هذا الرأى برأى المختار حتّى كأنّ أحدهما أخذ عن صاحبه، ولعلّ الوقتين كان واحدا، فإنّ الزمان متقارب.
رجوع الأزارقة
وفى هذه الأيام التي شغل فيها الناس بعضهم ببعض، رجعت الأزارقة إلى
стр. 776
قرب الكوفة، وذلك فى سنة ثمان وستين.
وكان عبد الله بن الزبير ردّ أخاه مصعبا على العراق أميرا بعد أن كان عزله بابنه حمزة وظهر من ابنه حمزة خفّة فعزله. فلما ردّ مصعبا، بعث مصعب الحارث بن أبى ربيعة على الكوفة أميرا، وصار هو إلى البصرة، وكانت الأزارقة قد لحقت بفارس وكرمان ونواحي إصبهان بعد ما أوقع بهم المهلّب بالأهواز. فلما أشخص المهلّب إلى الموصل كان عمر بن عبيد الله بن معمر على فارس، فانحطّت الأزارقة مع ابن الزبير بن الماحوز على عمر بن عبيد الله، فلقيهم، فقاتلهم قتالا شديدا، ثمّ ظفر بهم وانهزموا، وتبعهم عمر بن عبيد الله، وكتب بالفتح إلى مصعب، ولحقهم بإصطخر وقد ثبتوا له، فلقيهم وقاتلهم قتالا شديدا وقتل ابنه. ثمّ إنّه ظفر بهم [٢٧٣] وقطعوا قنطرة طمستان [١] ، وارتفعوا إلى إصبهان وكرمان، فأقاموا بها حتّى اجتبروا [٢] ، وقووا، واستعدّوا وكثروا.
ثمّ إنهم أقبلوا حتّى مرّوا بفارس، وفيها عمر بن عبيد الله بن معمر، فقطعوا أرضه من غير الوجه الذي كان فيه أخذوا على سابور [٣] ، ثمّ خرجوا على أرجان، فلما رأى عمر بن عبيد الله أنّ الخوارج قد قطعت أرضه موجّهة إلى البصرة خشي ألّا يحتملها له مصعب، فشمّر فى آثارهم مسرعا حتّى أتى أرجان [٤] ، فوجدهم حين خرجوا موجّهين إلى الأهواز. وبلغ مصعبا إقبالهم، فخرج، فعسكر بالناس بالجسر الأكبر وقال:
- «والله، ما أدرى ما الذي أغنى عنّى أن وضعت عمر بن عبيد الله بن معمر
стр. 777
بفارس، وجعلت معه بها جندا أجرى عليهم أرزاقهم فى كلّ شهر، وأوفّيهم أعطياتهم فى كلّ سنة، وآمر لهم من المعاون كلّ سنة بمثل الأعطيات، قطع أرضه الخوارج إلىّ، وقد أزحت علّته، وقد أمددته بالرجال، وقوّيتهم، والله، لو قاتلهم ثمّ فرّ لكان أعذر له عندي، وإن كان الفارّ غير مقبول العذر، ولا كريم الفعل.»
إقبال الخوارج وعليهم الزبير
وأقبلت الخوارج وعليهم الزبير [٢٧٤] بن الماحوز حتّى نزلوا الأهواز. فأتتهم عيونهم أنّ عمر بن عبيد الله فى أثرهم، وأنّ مصعبا قد خرج من البصرة.
فقام الزبير خطيبا وقال بعد حمد الله:
- «أما بعد، فإنّ من سوء الرأى والحين وقوعكم بين هاتين الشوكتين، انهضوا بنا إلى عدوّنا، فلنلقهم من وجه واحد.» فسار بهم حتّى قطع بهم الأرض إلى جوخى، ثمّ أخذ على النهر وانات، ثمّ لزم شاطئ دجلة حتّى خرج على المدائن، فشنّ بها الغارات، وقتل الولدان والنساء والرجال، وبقربطون الحبالى. وانتهوا إلى ساباط، ففعلوا ذلك، وقتلوا نباتة [١] بنت أبى يزيد بن عاصم الأزدىّ، وكانت من أجمل نساء دهرها، وكانت قرأت القرآن، وهي أفصح امرأة، غشوها [٢] بالسيف، قالت:
- «ويحكم هل سمعتم بأنّ الرجال كانوا يقتلون النساء؟ ويحكم، هل سمعتم بقتل امرأة؟ ويحكم أتقتلون من لا يبسط إليكم يدا ولا يريد بكم ضرّا، ولا يملك لنفسه نفعا؟ أتقتلون من يُنَشَّؤُا في الْحِلْيَةِ وَهُوَ في الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ ٤٣: ١٨؟ [٣] » فقال رجل منهم:
стр. 778
- «لو تركتموها!» فقال له آخر:
- «أعجبك جمالها [٢٧٥] يا عدوّ الله! كفرت وافتتنت.» وانصرف الآخر عنه وتركهم، قال: فظننّا أنه فارقهم، وحملوا عليها فقتلوها.
خروج الحارث بن أبى ربيعة من الكوفة ومعه ابن الأشتر
ثمّ إنّ الناس بالكوفة أتوا الحارث بن أبى ربيعة، فصاحوا إليه وقالوا:
- «اخرج، فإنّ هذا عدوّنا قد أظلّ علينا.» فتقاعد إلى أن أكثروا الصياح فخرج حتّى نزل النخيلة، فأقام بها أياما.
فوثب إبراهيم بن الأشتر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:
- «أما بعد، فإنّه قد سار إلينا عدوّ ليست له بقيّة، يخيف السبل ويخرّب البلاد، فانهض بنا إليه.» فأمر بالرحيل، فخرج حتّى نزل دير عبد الرحمان، فأقام فيه حتّى دخل شبث بن ربعىّ، فكلمه بنحو ما كلّمه به ابن الأشتر، فارتحل، ولم يكدّ، فرجز به الناس وكان يلقّب بالقباع:
سار بنا القباع سيرا نكرا ... يسير يوما ويقيم شهرا
فأشخصوه من ذلك المكان. فكلّما نزل بهم منزلا أقام، يصيح [١] به الناس وينادونه حول فسطاطه. فلم يبلغ الصراة إلّا فى بضعة عشر يوما وقد انتهى إليها [٢] طلائع العدوّ، وأوائل الخيول. فلما أتتهم العيون بأن جماعة أهل [٢٧٦]
стр. 779
المصر قد أتوهم [١] قطعوا الجسر بينهم وبين الناس.
فقال إبراهيم بن الأشتر للحارث بن أبى ربيعة:
- «اندب معى الناس حتّى أعبر إلى هؤلاء الأكلب فأجيئك برؤوسهم.» فقال شبث بن ربعىّ، وأسماء بن خارجة، ومحمد بن عمير:
- «أصلح الله الأمير، دعهم، فليذهبوا، لا تبدأ بهم.» وكانوا حسدوا إبراهيم بن الأشتر. فلما أتت أيّام اجتمع الناس فقالوا:
- «يا أيها الأمير، ما قعودنا بهذا الجسر، فليعد، ثمّ اعبر بنا إليهم، فإنّ الله سيريك ما تحبّ.» فأمر بالجسر، فأعيد وعبر الناس إليهم، فطاروا إلى المدائن، فتبعهم المسلمون، فخرجوا، فأتبعهم الحارث بن أبى ربيعة، عبد الرحمان بن مخنف فى ستة آلاف ليخرجهم من أرض الكوفة، فإذا وقعوا فى أرض البصرة خلّاهم، فاتبعهم حتّى وقعوا فى أرض البصرة، ثمّ وقعوا إلى إصبهان، فانصرف عنهم من غير قتال [٢] ، ومضوا حتّى نزلوا بعتّاب بن ورقاء بجىّ، وحاصروه. فكان يخرج إليهم فيقاتلهم ولا يطيقهم. وكانت إصبهان يومئذ طعمة لإسماعيل بن طلحة بن مصعب الزبير، فبعث عتّابا، فصبر لهم عتّاب، فكان يقاتلهم على باب المدينة، ويرمون [٢٧٧] من السور النشّاب والحجارة. فلما طال الحصار ونفدت الأطعمة هلك كراعهم وأصابهم الجهد الجهيد.
ذكر رأى لعتّاب بن ورقاء صحيح
فدعاهم عتّاب بن ورقاء، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:
стр. 780
- «أما بعد، أيها الناس، فإنّه قد أصابكم من الجهد ما ترون. فو الله، إن بقي إلّا أن يموت أحدكم على فراشه، فيحيى أخوه فيدفنه إن استطاع. وبالحرىّ أن يضعف عن ذلك، ثمّ يموت هو، فلا يجد من يدفنه ولا يصلّى عليه، فاتقوا الله، فو الله ما أنتم بالقليل الذي تهون شوكتهم، وإنّ فيكم لفرسان أهل المصر وإنكم لصلحاء من أنتم منه. اخرجوا بنا إلى هؤلاء القوم، وبنا حياة وقوّة، قبل أن لا يستطيع رجل أن يمتنع من امرأة لو جاءته. فقاتل رجل عن نفسه وصبر وصدق، فو الله إنّى لأرجو، إن صدقتموهم، أن يظفركم الله بهم.» فناداه الناس من كلّ جانب:
- «وفّقت وأصبت، اخرج بنا إليهم.» فجمع إليه الناس من الليل، وأمر لهم بعشاء كثير، فتعشّى الناس عنده. [٢٧٨] ثمّ إنه خرج بهم حتّى أصبح على راياتهم، فصبّحهم فى عسكرهم، وهم آمنون أن يؤتوا فى عسكرهم، فأخلوا لهم حتّى انتهوا إلى الزبير بن الماحوز، فقاتل فى عصابة نزلوا معه حتّى قتل.
وانحازت الأزارقة إلى قطرىّ، فبايعوه، فمشوا إلى قطرىّ مصلتين للسيوف، فارتحلوا منهزمين، فكان آخر العهد بهم.
ذكر رأى رءاه الأحنف للخوارج وهو يعدّ من سقطاته
يقال: إنّ الخوارج دسّوا إلى الأحنف من جلس إليه، وذاكره بهم، فقال:
- «إنّ هؤلاء إن ركبوا بنات سحّاج، وقادوا بنات صهّال، ونزلوا اليوم أرضا وغدا أخرى، فبالحرىّ أن يبقوا.» فلما بلغ ذلك قطريّا، ذهب وخلّاهم، ومضى نحو كرمان، فأقام بها حتّى اجتمعت إليه جموع كثيرة، وأكل الأرض، واجتبى المال، وقوى، ثمّ أقبل حتّى
стр. 781
أخذ فى أرض إصبهان، ثمّ خرج من شعب ناشط إلى إيذج [١] وأرض الأهواز، والحارث بن أبى ربيعة عامل مصعب على البصرة. فكتب إلى مصعب:
- «قد تحدّرت الخوارج إلى الأهواز، وليس لهم إلّا المهلّب.» فبعث [٢٧٩] إلى المهلّب، وهو على الجزيرة والموصل وأمره بقتال الخوارج والمسير إليهم، وبعث إلى عمله إبراهيم بن الأشتر. وجاء المهلّب حتّى قدم البصرة، وانتخب الناس وسار بمن أحبّ. ثمّ توجّه نحو الخوارج، وأقبلوا إليه حتّى التقوا بسولاف [٢] ، فاقتتلوا بها ثمانية أشهر أشدّ قتال يكون.
ذكر توبيخ للخوارج المهلّب على طريق المكيدة
ثمّ إنه بلغهم أنّ مصعبا قد قتل، ونحن نذكر خبره فى ما بعد، وذلك قبل أن يبلغ المهلّب وأصحابه. فناداهم الخوارج:
- «ألا تخبروننا ما قولكم فى مصعب؟» قالوا:
- «إمام هدى.» قالوا:
- «هو وليّكم فى الدنيا والآخرة.» قالوا:
- «نعم.» قالوا:
- «وأنتم أولياؤه أحياء وأمواتا.» قالوا:
- «نعم.» قالوا:
- «فما قولكم فى عبد الملك بن مروان؟» قالوا:
- «ذاك ابن اللعين نحن منه برآء إلى الله، هو عندنا أحلّ دما منكم» قالوا:
- «فأنتم منه برآء فى الدنيا والآخرة.» قالوا:
стр. 782
- «نعم، كبرائنا منكم.» قالوا:
- «وأنتم له أعداء أحياء وأمواتا.» قالوا:
- «نعم، كعداوتنا لكم.» قالوا:
- «فإنّ إمامكم مصعبا قتله عبد الملك، ونراكم ستجعلون غدا عبد الملك [٢٨٠] إمامكم، وأنتم اليوم تبرّأون منه وتلعنونه.» قالوا:
- «كذبتم يا أعداء الله.» فلما كان من الغد تبيّن لهم قتل مصعب، فبايع المهلّب الناس لعبد الملك بن مروان. فأتتهم الخوارج فقالوا لهم:
- «ما تقولون فى مصعب؟» قالوا:
- «يا أعداء الله، لا نخبركم ما قولنا فيه.» قالوا:
- «فقد أخبرتمونا أمس أنه وليّكم فى الدنيا والآخرة، وأنكم أولياؤه أحياء وأمواتا، فأخبرونا ما قولكم فى عبد الملك؟» فقالوا:
- «ذاك إمامنا وخليفتنا.» ولم يجدوا- إذ بايعوه- من أن يقولوا هذا القول بدّا. فقالت لهم الأزارقة:
- «يا أعداء الله أنتم أمس تبرّأون منه فى الدنيا والآخرة، وتلعنونه، وهو اليوم إمامكم وخليفتكم. وقد قتل إمامكم الذي كنتم تولّونه، فأيهما المحقّ، وأيهما المبطل، وأيهما المهتدى، وأيّهما الضالّ!» فقالوا لهم:
- «يا أعداء الله، رضينا بذاك، إذ كان يلي أمورنا، ونرضى بهذا، كما كنّا رضينا بذاك.» قالوا:
- «لا والله، ولكنّكم إخوان الشياطين وعبيد الدنيا.» وتشاتموا.
ذكر مسير عبد الملك إلى مصعب
[٢٨١] كان لا يزال عبد الملك يخرج من دمشق ومصعب من الكوفة. فإذا
стр. 783
تدانيا، هجم الشتاء، فانصرف كلّ واحد إلى مكانه حتّى إذا كان سنة تسع وستين- وقد قيل سنة سبعين- خرج عبد الملك من دمشق نحو العراق يريد مصعب بن الزبير، فقال له عمرو بن سعيد بن العاص المعروف بالأشدق:
- «إنّك تخرج إلى العراق وقد كان أبوك وعدني هذا الأمر من بعده، وعلى هذا، جاهدت معه وقد كان من بلائي معه ما لم يخف عليك، فاجعل لى هذا الأمر من بعدك.» فلم يجبه إلى شيء من ذلك. فانصرف عمرو إلى دمشق، فغلب عليها. ورجع عبد الملك فى أثره وإنّ عمرا اجتمع الناس إليه، فصعد المنبر فخطبهم، وقال بعد حمد الله والثناء عليه:
- «أيها الناس إنه لم يقم أحد من قريش قبلي على هذا المنبر، إلّا زعم أنّ له جنّة ونارا يدخل الجنّة من أطاعه، والنار من عصاه. وإنى أخبركم أنّ الجنة والنار بيد الله، وأنه ليس إلىّ من ذلك شيء. غير أنّ لكم علىّ حسن المواساة والعطيّة.» ثمّ إنّ عبد الملك وعمرا اقتتلا أياما على باب دمشق [٢٨٢] وتأدّى الأمر بينهما إلى الموادعة والصلح، وكتبا بينهما كتابا وآمنه عبد الملك.
فيقال: إنّ عمرو بن سعيد جاء فى خيل متقلّدا قوسا، وأقبل حتّى أوطأ فرسه سرادقات عبد الملك، فانقطعت الأطناب وسقط السرادق، ونزل عمرو فجلس وعبد الملك مغضب، فقال لعمرو:
- «يا با أمية، كأنك تشبّه بتقلّدك هذه القوس بهذا الحىّ من قيس.» فقال:
- «لا، ولكنّى أتشبّه بمن هو خير منهم: العاص بن أمية.» ثمّ قام مغضبا والخيل معه حتّى دخل دمشق، ودخل عبد الملك أيضا دمشق.
فبعث إلى عمرو أن:
- «أعط الناس أرزاقهم.» فأرسل إليه عمرو:
стр. 784
- «إنّ هذا ليس لك ببلد، فاشخص عنه.»
ذكر استهانة بعدوّ عادت بهلكة
فلما كان بعد أيام، بعث إلى عمرو أن:
- «ايتنى أخاطبك.» فلما أتى رسوله عمرا يدعوه، صادف الرسول عبد الله بن يزيد بن معاوية عند عمرو، فقال عبد الله لعمرو:
- «يا با أمية، لأنت أحبّ إلىّ من سمعي وبصرى، وقد أرى هذا الرجل بعث إليك أن تأتيه، وأنا أرى لك ألّا تفعل.» فقال عمرو:
- «ولم؟» قال:
- «لأنّه يقال: إنّ عظيما من ولد [٢٨٣] إسماعيل يغلق أبواب دمشق، ثمّ يخرج منها، فلا يلبث إلّا أن يقتل.» فقال له عمرو:
- «والله لو كنت قائما ما تخوّفت أن لا ينبّهنى [١] ابن الزرقاء، ولا كان ليجترئ على ذلك منّى.»
رواح عمرو إلى عبد الملك وما جرى عليه
وقال عمرو للرسول:
- «أبلغه عنّى السلام وقل له: أنا رائح إليك العشيّة.» فلما كان العشىّ، لبس عمرو درعا حصينة بين قباء قوهىّ وقميص، وتقلّد سيفه. فلما نهض متوجّها عثر بالبساط، فقال حميد:
- «أما والله لئن أطعتنى لم تأته.»
стр. 785
وقالت له امرأته تلك المقالة، فلم يلتفت ومضى فى مائة رجل من مواليه، وقد بعث عبد الملك إلى بنى مروان، فاجتمعوا عنده. فلما بلغ عبد الملك أنه بالباب، أمر أن يحبس من كان معه، وأذن له. فدخل ولم يزل أصحابه يحبسون عند كلّ باب حتّى دخل عمرو قعر الدار وليس معه إلّا وصيف له. فرمى عمرو ببصره، فإذا حوله بنو مروان وفيهم حسّان بن بحدل الكلبي، وقبيصة بن ذؤيب الخزاعي.
فلما رأى جماعتهم أحسّ بالشرّ، فالتفت إلى وصيفه، فقال:
- «انطلق ويحك إلى يحيى بن سعيد يعنى أخاه، فقل له يأتنى.» [٢٨٤] فقال له الوصيف ولم يفهم ما قال له:
- «لبّيك.» فقال له:
- «اغرب فى حرق الله وناره.» وقال عبد الملك لحسّان وقبيصة:
- «إذا شئتما، فقوما فالتقيا وعمرا [١] فى الدار.» فقال عبد الملك لهما كالممازح:
- «ليطمئنّ عمرو! أيّكما أطول؟» فقال حسّان:
- «قبيصة أطول منّى يا أمير المؤمنين بالإمرة.» وكان قبيصة على الخاتم. ثمّ التفت عمرو إلى وصيفه، فقال:
- «انطلق إلى يحيى، فمره أن يأتينى.» فقال له:
- «لبّيك.» ولم يفهم عنه.
فقال له عمرو:
- «اغرب عنّى.»
стр. 786
فلما خرج حسّان وقبيصة، أمر بالأبواب فأغلقت، ودخل عمرو، فرحّب به عبد الملك، وقال:
- «ها هنا يا با أمية رحمك الله.» فأجلسه معه على السرير وجعل يحدّثه طويلا ثمّ قال:
- «يا غلام خذ السيف عنه.» فقال عمرو:
- «إنّا لله، يا أمير المؤمنين.» فقال عبد الملك:
- «أو تطمع أن تجلس معى متقلّدا سيفك!» فأخذ السيف عنه، ثمّ تحدّثا ما شاء الله، ثمّ قال له عبد الملك:
- «يا با أمية!» فقال:
- «لبّيك يا أمير المؤمنين!» فقال:
- «إنّك حيث خلعتنى آليت بيمين أنى إن ملأت عيني منك وأنا مالك لك، أن أجمعك فى جامعة.» فقال له بنو مروان:
- «ثمّ تطلقه [٢٨٥] يا أمير المؤمنين؟» قال:
- «ثمّ أطلقه. وما عسيت أن أصنع بأبى أميّة.» فقال بنو مروان:
- «أبرّ قسم أمير المؤمنين.» قال عمرو:
- «فإنّى أبرّ قسم أمير المؤمنين.» فأخرج من تحت فراشه جامعة فطرحها إليه، ثمّ قال:
- «يا غلام قم فاجمعه فيها.»
стр. 787
فقام فجمعه فيها، فقال عمرو:
- «أذكّرك الله يا أمير المؤمنين أن تخرجني فيها على رؤوس الناس.» فقال عبد الملك:
- «أمكرا يا با أمية وأنت فى الحديد! لا ها الله، ما كنّا لنخرجك فى جامعة على رؤوس الناس ولا نخرجها منك إلّا صعدا [١] .» ثمّ اجتبذه اجتباذة أصاب فمه منها السرير فكسر ثنيّته. فقال عمرو:
- «أذكّرك الله يا أمير المؤمنين، أن يدعوك كسر عظم منّى إلى أن تركب ما هو أعظم منه.» فقال له عبد الملك:
- «والله لو أعلم أنّك تبقّى علىّ أو تفي لى وتصلح قريش لأطلقتك، ولكن ما اجتمع رجلان فى بلدة على مثل ما نحن عليه إلّا أخرج أحدهما صاحبه.» فلما رأى عمرو ما يريد قال:
- «أغدرا يا بن الزرقاء؟» وأذّن المؤذّن العصر، فخرج عبد الملك يصلّى بالناس، وأمر عبد العزيز بن مروان بقتله. فقام إليه عبد العزيز بالسيف، فقال: [٢٨٦] له عمرو:
- «أذكّرك الله والرحم، دعني يتولّ قتلى من هو أبعد رحما منك.» فألقى عبد العزيز السيف، وجلس وصلّى عبد الملك صلاة خفيفة، ودخل وغلّقت الأبواب. ورأى الناس عبد الملك حيث خرج وليس معه عمرو، فذكروا ذلك ليحيى بن سعيد، فأقبل فى الناس حتّى حلّ بباب عبد الملك ومعه ألف عبد لعمرو وأناس من أصحابه كثير، فجعل من معه يصيحون:
- «أسمعنا صوتك يا با أمية!»
стр. 788
وأقبل مع يحيى جماعة فكسروا باب المقصورة، وضربوا الناس بالسيوف، فضرب الوليد بن عبد الملك ضربة على رأسه، واحتمله إبراهيم بن عربىّ صاحب الديوان، فأدخله بيت القراطيس. ولما دخل عبد الملك داره وجد عمرا حيّا بعد.
فقال لعبد العزيز:
- «ما منعك من قتله؟» قال:
- «إنّه ناشدني الله والرحم، فرققت له.» فقال عبد الملك:
- «أخزى الله أمّك البوّالة على عقبها [١] فإنّك لم تشبه غيرها.» ولم يكونا من أم واحدة.
ثمّ قال عبد الملك:
- «يا غلام ائتني بالحربة.» فأتاه بها فهزّها، ثمّ طعنه بها [٢٨٧] فلم تجزّ [٢] ، ثمّ ثنّى فلم تجزّ. فضرب بيده إلى عضد عمرو، فوجد مسّ الدرع، فضحك، ثمّ قال:
- «ودارع أيضا إن كنت لمعدّا. يا غلام ايتني بالصمصامة.» فأتاه بسيفه، ثمّ أمر بعمرو، فصرع وجلس على صدره، فذبحه وهو يقول:
يا عمرو إن لا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حيث تقول الهامة اسقوني
وانتفض عبد الملك رعدة فوضع على سريره.
ودخل يحيى بن سعيد ومن معه على بنى مروان، فخرجوا هم ومن معهم من مواليهم، فقاتلوا يحيى وأصحابه. وقام عبد العزيز، فأخذ المال فى البدور، وجعل
стр. 789
يلقيها إلى الناس. فلما نظر الناس إلى الأموال ورأوا رأس عمرو، وكان ألقى إليهم، تفرّقوا وانتهبوا المال. ثمّ أمر عبد الملك بعد ذلك بتلك الأموال، فجبيت حتّى عادت كلّها إلى بيت المال.
وفقد عبد الملك ابنه الوليد، فجعل يقول:
- «ويحكم أين الوليد؟ وأبيهم لئن كانوا قتلوه لقد أدركوا ثأرهم.» فأتاه إبراهيم بن عربىّ، وقال:
- «هذا الوليد عندي ليس به [٢٨٨] بأس.» ثمّ أتى عبد الملك بيحيى بن سعيد، فأمر بقتله، فقام إليه عبد العزيز فقال:
- «جعلني الله فداءك يا أمير المؤمنين. أتراك قاتلا بنى أمية فى يوم واحد؟» فأمر به فحبس. وأتى عبد الملك بجماعة منهم فحبسهم [١] ، وكان همّ بقتلهم، فأشير عليه أن يسيّرهم إلى عدوّه، فإن هم قتلوا، كفى أمرهم، وإن سلموا رأيت رأيك، ولا يكون قد آثرت على نفسك قوما هم اليوم معك.
فألحقهم بمصعب. فلما قدموا عليه ودخل إليه يحيى بن سعيد، قال له ابن الزبير:
- «أفلتّ وانحصّ الذنب [٢] .» فقال:
- «والله إنّ الذنب لبهلبه [٣] .»
ذكر سبب العداوة والشحناء بين عبد الملك وبين عمرو بن سعيد
كان الشرّ بينهما قديما، لأنّ ابني سعيد وابني مروان أعنى: محمد بن سعيد
стр. 790
وعمرو بن سعيد، ومعاوية بن مروان، وعبد الملك بن مروان، كانوا وهم غلمان لا يزالون يأتون أمّ مروان بن الحكم الكنانيّة يلعبون عندها. فكانت تصنع لهم الطعام، ثمّ تأتيهم به وتضع بين يدي كلّ واحد صحفة على حدة، ثمّ تؤرّش [١] بين معاوية [٢٨٩] بن مروان وبين محمد بن سعيد وبين عبد الملك بن مروان وعمرو بن سعيد، فيقتتلون، وربما تصارموا الحين لا يكلّم بعضهم بعضا. فكان ذلك دأبهما كلّما أتوها حتّى ثبتت الشحناء فى صدورهم على الصبى، ثمّ نشأت تلك العداوة معهما.
فذكر أنّ خالد بن يزيد بن معاوية قال لعبد الملك ذات يوم:
- «عجب منك ومن عمرو بن سعيد كيف أصبت غرّته فقتلته!» فقال عبد الملك:
أدنيته منّى ليسكن ذعره ... فأصول صولة حازم مستمكن
ثمّ إن ولد عمرو بن سعيد دخلوا على عبد الملك بعد الجماعة وهم أربعة:
أمية، وسعيد، وإسماعيل، ومحمد. فلما نظر إليهم عبد الملك، قال:
- «إنكم أهل بيت لم تزالوا ترون أنّ لكم على جميع قومكم فضلا لم يجعله الله لكم، وإنّ الذي كان بيني وبين أبيكم لم يكن حديثا، بل كان قديما فى أنفس أوّليكم على أوّلينا فى الجاهليّة.» فأقطع بأميّة بن عمرو وكان أكبرهم سنّا وأنبلهم وأعقلهم، فلم يتكلّم بشيء.
فقام سعيد بن عمرو، وكان الأوسط، فقال: [٢٩٠]
стр. 791
ذكر كلام نفع عند سلطان حقود [١]
- «يا أمير المؤمنين، ما تبغى علينا أمرا كان فى الجاهليّة، وقد جاء الله بالإسلام فهدم ذلك، ووعد جنّة، وحذّر نارا. فأما الذي بينك وبين عمرو، فإنّ عمرا ابن عمّك، وأنت أعلم وما صنعت، وقد وصل عمرو إلى ربّه وكفى بالله حسيبا. ولعمري لئن أخذتنا بما كان بينك وبينه لبطن الأرض خير لنا من ظهرها.» فرقّ لهم عبد الملك رقّة شديدة، وقال:
- «إنّ أباكم خيّرنى بين أن أقتله أو يقتلني، فاخترت قتله على قتلى. فأما أنتم فما أرغبنى فيكم، وأوصلنى لقرابتكم، وأرعانى [٢] لحقّكم!» فأحسن جائزتهم.
مسير عبد الملك إلى العراق لحرب مصعب
ثمّ سار عبد الملك من الشام إلى العراق لحرب مصعب وذلك فى سنة سبعين.
وكان قال له خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد:
- «إن وجّهتنى إلى البصرة مستخفيا فى موالىّ وأتبعتني خيلا يسيرة، رجوت أن أغلب لك عليها.» فأنفذه عبد الملك. فقدمها فى مواليه، ونزل [٢٩١] على عمرو بن أصمع، ولم يتمّ له ما أراد، وعلم به، فهرب بعد أن أثار فتنة، وقاتل مدّة. وبادر مصعب إلى البصرة، فوجد خالدا قد خرج بمن معه، فأتبعه بخداش بن يزيد، فأدرك مرّة بن محكان، فأخذه وقتله.
وكتب عبد الملك إلى المروانيّة من أهل العراق، فأجابه كلّهم، وشرط كلّ واحد
стр. 792
ولاية إصبهان، فأنعم بها لهم. منهم: حجّار بن أبجر، وعتّاب بن ورقاء، والغضبان بن القبعثرى، وزحر بن قيس، ومحمد بن عمير، وغيرهم.
وسار عبد الملك وعلى مقدمته محمد بن مروان، وعلى ميمنته عبد الله بن يزيد بن معاوية، وعلى ميسرته خالد بن يزيد، وسار مصعب وقد خذله أهل الكوفة، وأشار رؤساء أهل الشام على عبد الملك أن يقيم ويقدّم الجيوش، فطن ظفروا، فذاك. وإن لم يظفروا أمدّهم بالجيوش خشية على الناس، وإن أصيب فى لقائه مصعبا لم يكن وراءه ملك.
فقال عبد الملك:
- «لا يقوم بهذا الأمر إلّا قرشىّ له رأى، ولعلّى أبعث من له شجاعة وليس له رأى، وإنّى أجد فى نفسي [٢٩٢] أنّى بصير بالحرب، شجاع بالسيف إن ألجيت إليه، ومصعب فى بيت شجاعة، أبوه شجاع قريش وهو شجاع ولا علم له بالحرب، ومعه من يخالفه، ومعى من ينصح لى.» فسار عبد الملك حتّى نزل مسكن، وسار مصعب إلى باجميرا [١] ، وكتب عبد الملك إلى أهل العراق، فأقبل إبراهيم بن الأشتر بكتاب عبد الملك مختوما لم يقرأه، فدفعه إلى مصعب، فقال له مصعب:
- «ما فيه؟» قال:
- «ما قرأته.» فقرأه، فإذا هو يدعوه إلى نفسه، ويجعل له ولاية العراق، فقال لمصعب:
- «إنّه والله ما كان أحد آيس منه منّى. ولقد كتب إلى أصحابك كلّهم بمثل ما كتب إلىّ. فأطعنى فيهم واضرب أعناقهم.» قال:
- «إذا لا يناصحنا عشائرهم.» قال:
стр. 793
- «فأوقرهم حديدا وابعث بهم إلى أبيض كسرى فاحبسهم هنالك، ووكّل بهم من إن غلبت، ضرب أعناقهم، وإن غلبت مننت بهم على عشائرهم.» فقال:
- «يا با النعمان، أنا لفى شغل عن ذلك، يرحم الله أبا بحر، إن كان ليحذّرنى غدر أهل العراق، كأنه كان ينظر إلى ما نحن فيه.» وتمثّل مصعب:
وإنّ الأولى بالطفّ من آل هاشم ... تأسّوا [١] ، فسنّوا للكرام التأسّيا
[٢٩٣] فعلم الناس أنه قد استقتل.
مقتل إبراهيم الأشتر
ولمّا تدانى العسكران تقدّم إبراهيم بن الأشتر، فحمل على محمد بن مروان فأزاله عن موضعه، وهرب، فوجّه عبد الملك عبد الله بن يزيد بن معاوية، والتقى القوم، فقتل إبراهيم بن الأشتر، وقتل مسلم بن عمرو الباهلىّ، وهرب عتّاب بن ورقاء، وكان على الخيل مع مصعب. فقال مصعب لقطن بن عبد الله الحارثىّ:
- «أبا عثمان قدّم خيلك.» قال:
- «ما أرى ذلك.» قال:
- «ولم؟» قال:
- «أكره أن تقتل مذحج فى غير شيء.» فقال لحجّار بن أسيد:
- «قدّم رايتك.» قال:
стр. 794
- «إلى هذه العذرة؟» قال:
- «ما تتأخّر إليه، والله أنتن وألأم.» وقال لعبد الرحمان بن سعيد بن قيس مثل ذلك. فقال:
- «ما أرى أحدا فعل ذلك فأفعله.» فقال مصعب:
- «يا إبراهيم، ولا إبراهيم لى اليوم.» ولما أخبر ابن خازم وهو بخراسان مسير مصعب إلى عبد الملك، قال:
- «أمعه عمر بن عبيد الله؟» قيل:
- «لا، استعمله على فارس.» قال:
- «أمعه [١] المهلّب؟» قيل:
- «استعمله على الموصل.» قال:
- «أمعه عبّاد بن الحصين؟» قيل:
- «لا، استخلفه على البصرة.» فقال:
- «وأنا بخراسان.» ثمّ تمثّل: [٢٩٤]
خذينى، فجرّينى ضباع [٢] وأبشرى ... بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره
وقال مصعب لابنه عيسى بن مصعب:
- «يا بنىّ اركب أنت ومن معك إلى عمّك بمكة، فإنّى مقتول.» وأخبره بما صنع أهل العراق.
فقال ابنه:
стр. 795
- «والله لا أخبر قريشا عنك أبدا، ولكن الحق أنت بالبصرة فإنّهم على الجماعة، أو [الحق] [١] بأمير المؤمنين.» فقال مصعب [٢] :
- «لا والله، لا أفرّ، ولكن أقاتل. فلعمرى ما السيف بعار وما الفرار لى بعادة.»
مقتل مصعب بن الزبير وابنه عيسى بن مصعب
ثمّ أرسل عبد الملك إلى مصعب مع أخيه محمد بن مروان:
- «إنّ ابن عمّك يعطيك الأمان.» فقال مصعب:
- «إنّ مثلي لا ينصرف عن مثل هذا الموقف إلّا غالبا أو مغلوبا.» فلما أبى مصعب قبول الأمان، نادى محمد بن مروان عيسى بن مصعب وقال:
- «يا بن أخى، لا تقتل نفسك، لك الأمان.» فقال له مصعب:
- «قد آمنك عمّك، فامض إليه.» قال:
- «لا تحدّث نساء قريش أنّى أسلمتك [للقتل] [٣] .» وتقدّم بين يدي مصعب، فقاتل حتّى قتل. وأثخن مصعب، ونظر إليه زائدة بن قدامة، فشدّ عليه، فطعنه، وقال:
стр. 796
- «يا لثارات المختار.» فصرعه، ونزل إليه عبيد الله بن زياد بن ظبيان، فاحتزّ رأسه، فأتى به [٢٩٥] عبد الملك، فأمر له بألف دينار، فأبى أن يأخذه، وقال:
- «إنّى لم أقتله على طاعتك. إنما قتلته على وتر صنعه بى.» يعنى بذلك أخاه، لأنّ مصعبا أتى بالنابئ بن زياد بن ظبيان ورجل من بنى نمير قد قطعا الطريق، فقتل النابئ وضرب النميري بالسياط وتركه.
وحدّث ابن عباس عن أبيه قال: إنّا لوقوف مع عبد الملك وهو يحارب مصعبا إذ دنا منه زياد بن عمرو، فقال:
- «يا أمير المؤمنين، إنّ إسماعيل بن طلحة كان لى جار صدق، وقلّ ما أرادنى مصعب بسوء إلّا دفعه عنّى. فإن رأيت أن تؤمنه على دمه.» قال:
- «وهو آمن.» فمضى زياد، وكان ضخما وعلى ضخم حتّى صاح بين الصفّين:
- «أين أبو النحترى [١] إسماعيل بن طلحة؟» فخرج إليه. فقال:
- «إنّى أريد أن أذكر لك شيئا.» فدنا حتّى اختلفت أعناق دوابّهما، وكان الناس يتنطّقون بالحواشى [٢] المحشوّة. فوضع زياد يده فى منطقة إسماعيل، ثمّ اقتلعه عن سرجه وكان نحيفا، فقال:
- «أنشدك الله يا أبا المغيرة، فإنّ هذا ليس بالوفاء لمصعب.» فقال:
- «هذا أحبّ إلىّ لك من أن أراك غدا مقتولا.» ولما قتل مصعب [٢٩٦] وابنه عيسى، قال عبد الملك:
стр. 797
- «واروه، فقد كانت الحرمة بيننا قديمة، ولكنّ هذا الملك عقيم.» وكان عبد الملك ومصعب يتحدّثان إلى حبّى، وهما بالمدينة. فلمّا قيل لها: قتل مصعب، قالت:
- «تعس قاتله.» قيل:
- «فإنّما قتله عبد الملك.» قالت:
- «بأبى القاتل والمقتول.» وقد روى أنّ مقتل مصعب والحرب بينه وبين عبد الملك كان فى سنة اثنتين وسبعين.
ومن المقامات المشهورة مقام [١] تقدّم فيه رجل بالأدب
لمّا دخل عبد الملك الكوفة، وجاءته القبائل تبايعه، خاطب كلّا بما بسطه حتّى تقدّم إليه عدوان. قال معبد بن خالد الجدلي: فقدّمنا رجلا وسيما جميلا، وتأخّرت ومعبد كان دميما.
فقال عبد الملك: «من؟» فقال الكاتب: «عدوان.» فقال عبد الملك:
غدير الحىّ من عدوا ... ن كانوا حيّة [٢] الأرض
بغى بعضهم بعضا ... فلم يرعوا على بعض [٢٩٧]
стр. 798
ومنهم كانت السادا ... ت والموفون بالقرض
ثمّ أقبل على الرجل، فقال:
- «إيه.» فقال:
- «لا أدرى.» فقلت من خلفه:
ومنهم حكم يقضى ... فلا ينقض ما يقضى
ومنهم من يجيز الحج ... ج [١] بالسنّة والفرض
وهم من ولدوا أشبوا [٢] ... بسرّ الحسب المحض
قال: فتركني عبد الملك، ثمّ أقبل على الجميل فقال:
- «من يقول هذا؟» قال:
- «لا أدرى.» فقلت من خلفه:
- «ذو الإصبع.» - «فأقبل على الجميل، فقال:
- «لم سمّى ذا الإصبع؟» فقال:
- «لا أدرى.» فقلت من خلفه [٣] :
- «لأن إصبعه قطعت يوم الكلاب. [٤] »
стр. 799
فقال للجميل:
- «وما اسمه؟» فقال:
- «لا أدرى.» فقلت من خلفه:
- «حرثان بن الحارث.» فأقبل على الجميل فقال:
- «من أيّكم كان؟» قال:
- «لا أدرى.» فقلت من خلفه:
- «من بنى تاج» ، وهو يقول:
أبعد بنى تاج وسعيك بينهم ... فلا تتبعن [١] عينيك من كان هالكا
إذا قلت معروفا لأصلح بينهم ... يقول وهيب: لا أصالح ذلكا [٢٩٨]
فأضحى كظهر العير جبّ سنامه ... يطيف به الولدان أحدب باركا
ثمّ أقبل على الجميل، فقال:
- «كم عطاؤك؟» فقال:
- «سبعمائة.» وقال لى:
- «فى كم أنت؟» قلت:
- «فى ثلاثمائة.» فأقبل على الكاتبين فقال:
- «حطّا من عطاء هذا أربعمائة، وزيداها فى عطاء هذا.»
стр. 800
فرجعت وأنا فى سبعمائة وهو فى ثلاثمائة.
ثمّ فرّق عبد الملك عمّاله ولم يف لأحد شرط عليه ولاية إصبهان.
وفى هذه السنة، وجّه عبد الملك بن مروان الحجّاج بن يوسف لحرب عبد الله بن الزبير.
توجيه عبد الملك بن مروان الحجّاج بن يوسف لحرب عبد الله بن الزبير
وكان السبب فى توجيه دون غيره أنّ عبد الملك لمّا أراد الرجوع إلى الشام، قام الحجاج بن يوسف، فقال:
- «يا أمير المؤمنين، إنّى رأيت فى منامي أنى أخذت عبد الله بن الزبير فسلخته، فابعثني إليه، وولّنى قتاله.» فبعثه فى جيش من أهل الشام كثيف. فخرج ولم يعرض للمدينة، وسلك طريق العراق، فنزل بالطائف، وكان يبعث البعوث فيقتتلون هناك. فكلّ ذلك تهزم خيل ابن الزبير، وترجع خيل الحجّاج بالظفر.
ثمّ كتب الحجّاج إلى عبد الملك [٢٩٩] يستأذنه فى دخول الحرم عليه وحصاره، وأخبره أنّ شوكته قد كلّت وتفرّق عنه أصحابه. فأذن له. وكتب عبد الملك إلى طارق بن عمرو يأمره أن يلحق بمن معه من الجند، بالحجّاج وكان بالبصرة واليا عليها. فسار فى خمسة آلاف من أصحابه حتّى لحق بالحجّاج وذلك فى شعبان سنة اثنتين وسبعين.
حصر ابن الزبير ومقتله
لما دخل ذو القعدة، رحل الحجّاج من الطائف حتّى نزل بئر ميمون، وحصر ابن الزبير، وقدم عليه طارق لهلال ذى الحجّة، ولم يطف بالبيت، ولم يصل إليه،
стр. 801
وكان يلبس السلاح، ولا يقرب النساء ولا الطيب، إلى أن قتل ابن الزبير ولم يحجّ ابن الزبير ولا أصحابه فى هذه السنة لأنهم لم يقفوا بعرفة.
وحجّ الحجّاج بالناس فى هذه السنة، ثمّ حصر ابن الزبير ثمانية أشهر، ونصب المجانيق على البيت. فلما رمى البيت رعدت السماء وعلا صوت الرعد والبرق صوت الحجارة، فأعظم ذلك أهل الشام وأمسكوا أيديهم. فرفع الحجّاج برقة [١] قبائه فغرزها فى منطقته، ورفع الحجر فوضعه فى المنجنيق، ثمّ مدّه وقال لأصحابه:
- «ارموا!» [٣٠٠] ورمى معهم. فلما أصبحوا جاءت صاعقة تتبعها أخرى، فقتلت من أصحابه اثنى عشر رجلا. فانكسر أهل الشام، فقال الحجّاج:
- «يا قوم، لا تنكروا ذلك، فإنّى ابن تهامة وهذه صواعقها، وهذا الفتح قد حضرنا، فأبشروا، إنّ القوم سيصيبهم مثل ما أصابكم.» فصعقت من الغد، فأصيب من أصحاب ابن الزبير عدّة. فقال الحجّاج:
- «ألا ترون أنهم قد أصيبوا وأنتم على الطاعة وهم على الخلاف؟» فتفرّق عامّة من كان مع الزبير، وخرجوا إلى الحجّاج فى الأمان حتّى بلغ عدّة المستأمنة عشرة آلاف. وكان فى من خرج إلى الحجّاج فى الأمان حتّى بلغ عدّة المستأمنة عشرة آلاف. وكان فى من خرج إلى الحجّاج ابنا عبد الله ابن الزبير:
حمزة وخبيب، بعد أن أخذا أمانا لأنفسهما.
فدخل على أمّه أسماء بنت أبى بكر، فقال:
ما قالته لابن الزبير أمّه أسماء بنت أبى بكر
«يا أمّه، قد خذلنى الناس حتّى ولدي وأهلى، فلم يبق إلّا اليسير، من ليس
стр. 802
عنده من الدفع إلّا صبر ساعة. والقوم يعطونني من الدنيا، فما رأيك؟» فقالت:
- «أنت والله يا بنىّ أعلم بنفسك. إن كنت تعلم أنّك على حقّ فامض له، فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكّن من رقبتك تلعّب [١] بها غلمان بنى أميّة، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت. أهلكت [٣٠١] نفسك، ومن قتل معك. فإن قلت: إنّى كنت على حقّ، فلما وهن أصحابى، ضعفت، فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين، وكم خلودك فى الدنيا؟ القتل أحسن.» فدنا ابن الزبير، فقبّل رأسها، وقال:
- «هذا رأيى، ولكنّى أحببت أن أعلم رأيك، فزدينى بصيرة، فانظرى يا أمّه، إنّى مقتول من يومى هذا، فلا يشتدّ حزنك، وسلّمى لأمر الله، فإنّ ابنك لم يتعمّد إتيان منكر، ولا عمل بفاحشة، ولم يجر فى حكم، ولم يتعمّد ظلم مسلم ولا معاهد.
اللهمّ، إنّى لا أقول هذا تزكية لنفسي، ولكن تعزية لأمّى لتسلو عنّى.» فقالت أمّه:
- «إنّى لأرجو أن يكون عزائى فيك حسنا. اخرج، حتّى أنظر إلى ما يصير أمرك.» قال:
- «يا أمّه، لا تدعى لى الدعاء قبل وبعد.» قالت:
- «لا أدعه أبدا.» ثمّ قالت:
- «اللهمّ ارحم طول ذلك القيام فى الليل الطويل، وذلك النحيب والظمأ فى هواجر المدينة ومكّة وبرّه بأبيه وبى. اللهمّ إنى قد أسلمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت، فائتني فى عبد الله ثواب الشاكرين الصابرين.» ثمّ دنا عبد الله فقبّلها، فقالت:
стр. 803
- «هذا وداع فلا تبعد.» وكان [٣٠٢] عليه الدرع. فلمّا عانقها وجدت مسّ الدرع، فقالت:
- «ما هذا صنيع [١] من يريد ما تريد.» قال:
- «ما لبسته إلّا لأشدّ منك.» قالت:
- «فإنّه لا يشدّ منّى.» - فنزعها، ثمّ أدرج كمّيه، وأدخل أسفل قميصه وجبّة خزّ عليه فى أسفل المنطقة، وهو يقول:
إنّى إذا أعرف يومى أصبر ... إذ بعضهم يعرف ثمّ ينكر
قال بعضهم: والله لقد رأيت ابن الزبير يخرج وقد كثره الناس، فيحمل فلا يبقى بين يديه أحد، وينهزم الناس، فيقف بالأبطح ما يدنو منه أحد، حتّى ظننت أنّه لا يقتل.
وكان الحجّاج وطارق بن عمرو جميعا فى ناحية الأبطح إلى المروة والبابين، لكلّ طائفة منهم باب. فمرّة يحمل عبد الله بن الزبير فى هذه الناحية ومرّة فى هذه الناحية ولكأنّه أسد فى أجمة، ما يقدم عليه الرجال فيعدو فى أثرهم، ثمّ يصيح:
- «أبا صفوان، ويل أمّة فتحا لو كان له رجال، لو كان قرني واحدا كفيته.» فقال أبو صفوان:
стр. 804
- «إى والله وألف.» فلما كان يوم الثلاثاء، وقد أخذت علينا الأبواب، أذّن المؤذّن فصلّى بأصحابه، وقرأ ن وَالْقَلَمِ ٦٨: ١ [١] [٣٠٣] حرفا حرفا، ثمّ سلّم وقام وحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:
- «اكشفوا وجوهكم حتّى أنظر.» وعليهم المغافر والعمائم. فكشفوا وجوههم فقال:
- «يا آل الزبير، لو طبتم لى نفسا عن أنفسكم كنّا أهل بيت من العرب اصطلمنا، لم تصبنا ربّانيّة [٢] . أما بعد، يا آل الزبير، فلا يرعكم وقع السيوف، فإنى لم أحضر موطنا قطّ إلّا ارتثثت [٣] فيه بين القتلى، وما أجد من دواء جراحها أشدّ مما أجد من ألم وقعها. صونوا سيوفكم كما تصونون وجوهكم، لا أعلم امرأ كسر سيفه واستبقى نفسه، فإنّ الرجل إذا ذهب سلاحه فهو كالمرأة. غضّوا أبصاركم عن البارقة، وليشغل كلّ امرئ منكم قرنه، ولا يلهينّكم السؤال عنى. فلا تقولنّ:
أين عبد الله بن الزبير؟ ألا [٤] من كان سائلا فإنّى فى الرعيل الأول. احملوا على بركة الله.» ثمّ حمل حتّى بلغ الحجون، فرمى بآجرّة، فأصابت فى وجهه، فأرعش لها، ودمى وجهه. فلما وجد سخونة الدم تسيل على وجهه ولحيته، قال:
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدّما [٣٠٤]
стр. 805
وتمثّل أيضا [١] :
عن أىّ يومىّ من الموت أفرّ ... أيوم لم يقدر، أم يوم قدر
وصاحت مولاة لآل الزبير مجنونة:
- «وا أمير المؤمنيناه!» فأشارت لهم إليه، فقتل.
وجاء الخبر إلى الحجّاج، فسجد وجاء هو وطارق حتّى وقفا عليه، فقال طارق:
- «ما ولدت النساء أذكر من هذا.» فقال الحجّاج:
- «أتمدح من يخالف طاعة أمير المؤمنين؟» قال:
- «نعم، هو أعذر لنا، ولولا هذا ما كان لنا عذر. إنّا لمحاصروه وهو فى غير خندق ولا حصن ولا منعة منذ سبعة أشهر، ينتصف منّا بل يفضل علينا فى كلّ ما التقينا.» فبلغ كلامهما عبد الملك، فصوّب طارقا.
ثمّ دخل الحجّاج مكّة، فبايع من بها من قريش، وبعث برأس ابن الزبير وجماعة من أهله إلى المدينة، فنصبت بها، ثمّ ذهب بها إلى عبد الملك بن مروان.
وبعث عبد الملك إلى عبد الله بن خازم، وهو بخراسان يقاتل بحير بن ورقاء الصريمى يدعوه إلى طاعته ويقول له:
стр. 806
- «إنّ خراسان لك طعمة سبع سنين، فبايع لى.» [٣٠٥] وكان عبد الملك بعث إليه برأس ابن الزبير، فغسله وحنّطه وكفّنه وبعث به إلى أهله بالمدينة. وحلف لا يعطى عبد الملك طاعة أبدا.
فقال ابن خازم للرسول:
- «لولا أنّ الرسل لا تقتل، لأمرت بضرب رقبتك، ولكن كل كتابه.» وأكله.
مقتل ابن خازم فى مرو
وكتب عبد الملك إلى بكير بن وساج [١] أحد بنى عوف بن سعد، وكان خليفة ابن خازم على مرو بعهده على خراسان، ووعده ومنّاه. فخلع بكير عبد الله بن الزبير ودعا إلى عبد الملك بن مروان، فأجابه أهل مرو، وبلغ ابن خازم، فخاف أن يأتيه بكير بأهل مرو، فيجتمع عليه أهل مرو، وأهل أبر شهر الذين مع بحير. فأقبل إلى مرو أن يأتى ابنه بالترمذ، فاتبعه بحير فلحقه بقرية يقال لها: شاه مزغند، بينها وبين مرو ثلاثة فراسخ. فقاتله ابن خازم، فقتل عبد الله بن خازم، وكان الذي ولى قتله وكيع بن عميرة القريعى، اعتون عليه بحير بن ورقاء وعمار بن عبد العزيز الجشمي ووكيع، فطعنوه وصرعوه، فقعد وكيع على صدره فقتله.
فقال بعض الولاة لوكيع:
- «كيف قتلت ابن خازم؟» قال:
- «غلبته بفضل القنا. لمّا صرع قعدت على صدره، فحاول [٣٠٦] القيام، فلم يقدر عليه، وقلت: يا لثارات دويلة.» ودويلة أخ لوكيع من أمّه، قتل فى تلك الأيام.
قال: فتنخّم فى وجهى، وقال:
стр. 807
- «لعنك الله، تقتل كبش مضر بأخيك: علج لا يساوى كفّا من نوى- أو قال:- من تراب؟» قال: فما رأيت أحدا أكثر ريقا منه على تلك الحال عند الموت، لقد ملأ وجهى منه. فذكر ابن هبيرة يوما هذا الحديث، فقال:
- «هذه والله البسالة.» وبعث بحير ساعة قتل ابن خازم رجلا من بنى غدانة إلى عبد الملك بقتل ابن خازم، ولم يبعث بالرأس، وأقبل بكير بن وساج فى أهل مرو حين قتل ابن خازم، فأراد أخذ رأس ابن خازم. فمنعه بحير، فضربه بكير بعمود، وأخذ الرأس، وقيّد بحيرا وحبسه. وبعث بكير بالرأس إلى عبد الملك، وكتب إليه يخبره أنه هو الذي قتله.
ولاية المهلّب حرب الأزارقة من قبل عبد الملك
وفى هذه السنة [١] وجّه عبد الملك أخاه بشر بن مروان من الكوفة إلى البصرة واليا عليها. ثمّ كتب إليه:
- «أمّا بعد، فابعث المهلّب فى أهل مصره إلى الأزارقة لينتخب من أهل مصره ووجوههم وفرسانهم أولى الفضل والتجربة منهم، فإنّه أعرف بهم، وخلّه ورأيه فى الحرب، [٣٠٧] فإنّى أوثق شيء بتجربته ونصيحته للمسلمين، وابعث من أهل الكوفة بعثا كثيفا، وابعث عليهم رجلا معروفا حسيبا شريفا يعرف بالبأس والنجدة والتجربة للحرب، ثمّ أنهض إليهم أهل المصرين، فليتبعوهم أىّ وجه ما توجّهوا حتّى يبيرهم الله ويستأصلهم، والسلام عليك.» فدعا بشر المهلّب، فأقرأه الكتاب، وأمره أن ينتخب من شاء. فبعث بجذيع بن
стр. 808
قبيصة وهو خال ابنه يزيد، فأمره أن يأتى الديوان، فينتخب الناس. فشقّ على بشر أنّ إمرة المهلّب جاءت من قبل عبد الملك فلا يستطيع أن يبعث غيره.
فأوغرت صدره عليه حتّى كأنّ له إليه ذنبا. ودعا بشر بن مروان عبد الرحمان بن مخنف، فبعثه على أهل الكوفة، وأمره أن ينتخب فرسان الناس ووجوههم وأولى الفضل منهم والنجدة.
قال عبد الرحمان بن مخنف، قال لى بشر:
- «إنّك قد عرفت منزلتك منّى وأثرتك عندي، وقد ولّيتك هذا الجيش للذي [١] عرفت من جرأتك [٢] وغنائك وشرفك وبأسك، فكن عند أحسن ظنّى بك، انظر هذا الكذّاب [٣]- يعنى المهلّب ووقع فيه وسبعه [٤]- (كذا) فاستبدّ عليه بالأمر، [٣٠٨] ولا تقبلنّ له مشورة ولا رأيا.» وتنقّصه وقصّر به.
قال عبد الرحمان: فترك أن يوصيني بالجند وقتال العدوّ والنظر لأهل الإسلام، وأقبل يغرينى بابن عمّى حتّى كأنّى سفيه من السفهاء، أو ممّن يستصبى ويستجهل. ما رأيت شيخا فى مثل سنّى ومنزلتي طمع منه فى مثل ما طمع فيه هذا الغلام منّى. شبّ عمرو عن الطوق.
قال: ولما رءانى لست بالنشيط إلى جوابه قال:
- «ما لك؟» قلت:
- «أصلحك الله، وهل يسعني إلّا أن أنقاد لأمرك فى كلّ ما أحببت أو كرهت؟»
стр. 809
قال:
- «امض راشدا.» فودّعته وخرجت من عنده.
وخرج المهلّب حتّى نزل رامهرمز، فلقى الخوارج، فخندق عليه، وأقبل عبد الرحمان بن مخنف بأهل الكوفة، فنزل قريبا من المهلّب على ميل، أو ميل ونصف، حيث يتراءى العسكران برامهرمز، فلم يلبث الناس إلّا عشرا حتّى أتاهم نعى بشر، وتوفّى بالبصرة، وارفضّ الناس من أصحاب المهلّب وأصحاب عبد الرحمان بن مخنف، وهم رؤساء أهل البصرة والكوفة، وبقيا فى قلّة. وكان بشر استخلف خالد بن عبد الله بن أسيد، وكان خليفته على الكوفة عمرو بن حريث، وكان ممن انصرف من أهل الكوفة: زحر بن قيس، [٣٠٩] وإسحاق بن محمد بن الأشعث، ومحمد بن عبد الرحمان بن سعد بن قيس. فبعث عبد الرحمان ابنه جعفرا فى آثارهم، فردّ إسحاق ومحمدا، وفاته زحر بن قيس، فحبسهما يومين، ثمّ أخذ عليهما ألّا يفارقاه. فما لبثا إلّا يوما حتّى انصرفا ولحقا بزحر بن قيس بالأهواز، فاجتمع بها ناس كثير ممن يريد البصرة، فبلغ ذلك خالد بن عبد الله، فكتب إلى الناس كتابا، وبعث رسلا تضرب وجوه الناس وتردّهم. فقدم مولى له، فقرئ الكتاب على الناس وقد جمعوا له، وكان فيه حضّ على الجهاد وتوبيخ للرؤساء، وتهديد لعامّة الناس، ويقول فى آخره:
- «أيها الناس، اعلموا على من اجترأتم ومن عصيتم. إنه عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين الذي ما فيه غميزة، ولا عنده رخصة على من خالفه وعصى أمره، وإنما سوطه سيفه، فلا تجعلوا على أنفسكم سبيلا، فإنّى لم آلكم نصيحة. اذهبوا إلى مكتبكم [١] وطاعة خليفتكم، ولا ترجعوا عاصين مخالفين، فأقسم بالله لا
стр. 810
أثقف عاصيا بعد كتابي هذا إلّا قتلته والسلام.» فلم يلتفت الناس إلى ما فى الكتاب، وأقبل رؤساء [٣١٠] الكوفة حتّى نزلوا إلى جانب الكوفة فى قرية لآل الأشعث، وكتبوا إلى عمرو بن حريث:
- «أما بعد، فإنّ الناس لما بلغهم وفاة الأمير ﵀، تفرّقوا فلم يبق معنا أحد، فأقبلنا إلى الأمير، وإلى مصرنا، وأحببنا ألّا ندخل الكوفة إلّا بإذن الأمير وعلمه، والسلام.» فكتب إليهم:
- «أما بعد، فإنّكم تركتم مكتبكم وأقبلتم عاصين مخالفين، فليس لكم عندنا أمان ولا إذن.» فلما أتاهم كتابه انتظروا حتّى إذا كان الليل دخلوا إلى رحالهم، فلم يزالوا مقيمين حتّى قدم الحجّاج بن يوسف.
سبب عزل بكير بن وساج عن خراسان
وفى هذه الأيام عزل عبد الملك بكير بن وساج عن خراسان، وولّاها أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد. وكان سبب ذلك أنّ تميما اختلفت بخراسان، فصار منهم قوم يتعصّبون لبحير ويطلبون بكيرا، وصار منهم يعذرون بكيرا ويتعصّبون له. فخاف أهل خراسان أن تعود الحرب وتفسد البلاد ويقهرهم عدوّهم من المشركين. فكتبوا إلى عبد الملك أنّ خراسان لا تصلح بعد الفتنة إلّا على رجل من قريش لا يحسدونه.
فوجّه عبد الملك أمية بن [٣١١] عبد الله، وكان يحبّه ويقول: