← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

- «إنّ خراسان لك طعمة سبع سنين، فبايع لى.» [٣٠٥] وكان عبد الملك بعث إليه برأس ابن الزبير، فغسله وحنّطه وكفّنه وبعث به إلى أهله بالمدينة. وحلف لا يعطى عبد الملك طاعة أبدا. فقال ابن خازم للرسول: - «لولا أنّ الرسل لا تقتل، لأمرت بضرب رقبتك، ولكن كل كتابه.» وأكله. مقتل ابن خازم فى مرو وكتب عبد الملك إلى بكير بن وساج [١] أحد بنى عوف بن سعد، وكان خليفة ابن خازم على مرو بعهده على خراسان، ووعده ومنّاه. فخلع بكير عبد الله بن الزبير ودعا إلى عبد الملك بن مروان، فأجابه أهل مرو، وبلغ ابن خازم، فخاف أن يأتيه بكير بأهل مرو، فيجتمع عليه أهل مرو، وأهل أبر شهر الذين مع بحير. فأقبل إلى مرو أن يأتى ابنه بالترمذ، فاتبعه بحير فلحقه بقرية يقال لها: شاه مزغند، بينها وبين مرو ثلاثة فراسخ. فقاتله ابن خازم، فقتل عبد الله بن خازم، وكان الذي ولى قتله وكيع بن عميرة القريعى، اعتون عليه بحير بن ورقاء وعمار بن عبد العزيز الجشمي ووكيع، فطعنوه وصرعوه، فقعد وكيع على صدره فقتله. فقال بعض الولاة لوكيع: - «كيف قتلت ابن خازم؟» قال: - «غلبته بفضل القنا. لمّا صرع قعدت على صدره، فحاول [٣٠٦] القيام، فلم يقدر عليه، وقلت: يا لثارات دويلة.» ودويلة أخ لوكيع من أمّه، قتل فى تلك الأيام. قال: فتنخّم فى وجهى، وقال:

стр. 807

- «لعنك الله، تقتل كبش مضر بأخيك: علج لا يساوى كفّا من نوى- أو قال:- من تراب؟» قال: فما رأيت أحدا أكثر ريقا منه على تلك الحال عند الموت، لقد ملأ وجهى منه. فذكر ابن هبيرة يوما هذا الحديث، فقال: - «هذه والله البسالة.» وبعث بحير ساعة قتل ابن خازم رجلا من بنى غدانة إلى عبد الملك بقتل ابن خازم، ولم يبعث بالرأس، وأقبل بكير بن وساج فى أهل مرو حين قتل ابن خازم، فأراد أخذ رأس ابن خازم. فمنعه بحير، فضربه بكير بعمود، وأخذ الرأس، وقيّد بحيرا وحبسه. وبعث بكير بالرأس إلى عبد الملك، وكتب إليه يخبره أنه هو الذي قتله. ولاية المهلّب حرب الأزارقة من قبل عبد الملك وفى هذه السنة [١] وجّه عبد الملك أخاه بشر بن مروان من الكوفة إلى البصرة واليا عليها. ثمّ كتب إليه: - «أمّا بعد، فابعث المهلّب فى أهل مصره إلى الأزارقة لينتخب من أهل مصره ووجوههم وفرسانهم أولى الفضل والتجربة منهم، فإنّه أعرف بهم، وخلّه ورأيه فى الحرب، [٣٠٧] فإنّى أوثق شيء بتجربته ونصيحته للمسلمين، وابعث من أهل الكوفة بعثا كثيفا، وابعث عليهم رجلا معروفا حسيبا شريفا يعرف بالبأس والنجدة والتجربة للحرب، ثمّ أنهض إليهم أهل المصرين، فليتبعوهم أىّ وجه ما توجّهوا حتّى يبيرهم الله ويستأصلهم، والسلام عليك.» فدعا بشر المهلّب، فأقرأه الكتاب، وأمره أن ينتخب من شاء. فبعث بجذيع بن

стр. 808

قبيصة وهو خال ابنه يزيد، فأمره أن يأتى الديوان، فينتخب الناس. فشقّ على بشر أنّ إمرة المهلّب جاءت من قبل عبد الملك فلا يستطيع أن يبعث غيره. فأوغرت صدره عليه حتّى كأنّ له إليه ذنبا. ودعا بشر بن مروان عبد الرحمان بن مخنف، فبعثه على أهل الكوفة، وأمره أن ينتخب فرسان الناس ووجوههم وأولى الفضل منهم والنجدة. قال عبد الرحمان بن مخنف، قال لى بشر: - «إنّك قد عرفت منزلتك منّى وأثرتك عندي، وقد ولّيتك هذا الجيش للذي [١] عرفت من جرأتك [٢] وغنائك وشرفك وبأسك، فكن عند أحسن ظنّى بك، انظر هذا الكذّاب [٣]- يعنى المهلّب ووقع فيه وسبعه [٤]- (كذا) فاستبدّ عليه بالأمر، [٣٠٨] ولا تقبلنّ له مشورة ولا رأيا.» وتنقّصه وقصّر به. قال عبد الرحمان: فترك أن يوصيني بالجند وقتال العدوّ والنظر لأهل الإسلام، وأقبل يغرينى بابن عمّى حتّى كأنّى سفيه من السفهاء، أو ممّن يستصبى ويستجهل. ما رأيت شيخا فى مثل سنّى ومنزلتي طمع منه فى مثل ما طمع فيه هذا الغلام منّى. شبّ عمرو عن الطوق. قال: ولما رءانى لست بالنشيط إلى جوابه قال: - «ما لك؟» قلت: - «أصلحك الله، وهل يسعني إلّا أن أنقاد لأمرك فى كلّ ما أحببت أو كرهت؟»

стр. 809

قال: - «امض راشدا.» فودّعته وخرجت من عنده. وخرج المهلّب حتّى نزل رامهرمز، فلقى الخوارج، فخندق عليه، وأقبل عبد الرحمان بن مخنف بأهل الكوفة، فنزل قريبا من المهلّب على ميل، أو ميل ونصف، حيث يتراءى العسكران برامهرمز، فلم يلبث الناس إلّا عشرا حتّى أتاهم نعى بشر، وتوفّى بالبصرة، وارفضّ الناس من أصحاب المهلّب وأصحاب عبد الرحمان بن مخنف، وهم رؤساء أهل البصرة والكوفة، وبقيا فى قلّة. وكان بشر استخلف خالد بن عبد الله بن أسيد، وكان خليفته على الكوفة عمرو بن حريث، وكان ممن انصرف من أهل الكوفة: زحر بن قيس، [٣٠٩] وإسحاق بن محمد بن الأشعث، ومحمد بن عبد الرحمان بن سعد بن قيس. فبعث عبد الرحمان ابنه جعفرا فى آثارهم، فردّ إسحاق ومحمدا، وفاته زحر بن قيس، فحبسهما يومين، ثمّ أخذ عليهما ألّا يفارقاه. فما لبثا إلّا يوما حتّى انصرفا ولحقا بزحر بن قيس بالأهواز، فاجتمع بها ناس كثير ممن يريد البصرة، فبلغ ذلك خالد بن عبد الله، فكتب إلى الناس كتابا، وبعث رسلا تضرب وجوه الناس وتردّهم. فقدم مولى له، فقرئ الكتاب على الناس وقد جمعوا له، وكان فيه حضّ على الجهاد وتوبيخ للرؤساء، وتهديد لعامّة الناس، ويقول فى آخره: - «أيها الناس، اعلموا على من اجترأتم ومن عصيتم. إنه عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين الذي ما فيه غميزة، ولا عنده رخصة على من خالفه وعصى أمره، وإنما سوطه سيفه، فلا تجعلوا على أنفسكم سبيلا، فإنّى لم آلكم نصيحة. اذهبوا إلى مكتبكم [١] وطاعة خليفتكم، ولا ترجعوا عاصين مخالفين، فأقسم بالله لا

стр. 810

أثقف عاصيا بعد كتابي هذا إلّا قتلته والسلام.» فلم يلتفت الناس إلى ما فى الكتاب، وأقبل رؤساء [٣١٠] الكوفة حتّى نزلوا إلى جانب الكوفة فى قرية لآل الأشعث، وكتبوا إلى عمرو بن حريث: - «أما بعد، فإنّ الناس لما بلغهم وفاة الأمير ﵀، تفرّقوا فلم يبق معنا أحد، فأقبلنا إلى الأمير، وإلى مصرنا، وأحببنا ألّا ندخل الكوفة إلّا بإذن الأمير وعلمه، والسلام.» فكتب إليهم: - «أما بعد، فإنّكم تركتم مكتبكم وأقبلتم عاصين مخالفين، فليس لكم عندنا أمان ولا إذن.» فلما أتاهم كتابه انتظروا حتّى إذا كان الليل دخلوا إلى رحالهم، فلم يزالوا مقيمين حتّى قدم الحجّاج بن يوسف. سبب عزل بكير بن وساج عن خراسان وفى هذه الأيام عزل عبد الملك بكير بن وساج عن خراسان، وولّاها أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد. وكان سبب ذلك أنّ تميما اختلفت بخراسان، فصار منهم قوم يتعصّبون لبحير ويطلبون بكيرا، وصار منهم يعذرون بكيرا ويتعصّبون له. فخاف أهل خراسان أن تعود الحرب وتفسد البلاد ويقهرهم عدوّهم من المشركين. فكتبوا إلى عبد الملك أنّ خراسان لا تصلح بعد الفتنة إلّا على رجل من قريش لا يحسدونه. فوجّه عبد الملك أمية بن [٣١١] عبد الله، وكان يحبّه ويقول:

стр. 811

- «هو لدتى [١] .» وكان بحير كما كتبنا فى ما تقدّم من خبره، فى حبس بكير لما كان منه فى رأس ابن خازم حين قتله. فلم يزل محبوسا عنده حتّى استعمل عبد الملك أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد. فلما بلغ ذلك بكيرا أرسل إلى بحير ليصالحه، فأبى عليه وقال: - «ظنّ بكير أنّ خراسان تبقى له فى الجماعة.» فمشى بينهم السفراء، فأبى بحير. ذكر رأى صواب أشير به على بحير فقبله ثمّ دخل عليه ضرار بن حصن الضبّى، فقال: - «إنّى لا أراك مائقا، يرسل إليك ابن عمّك يعتذر إليك وأنت أسير فى يده فلا تقبل منه! لو قتلك ما حبقت [٢] فيه عنز. ما أنت بموفّق، اقبل الصلح، واخرج وأنت على أمرك.» فقبل مشورته وصالح بكيرا. قال: فأرسل إليه بكير بأربعين ألفا، وأخذ على بحير ألّا يغتاله. فلما بلغ بحيرا أنّ أمية قارب أبرشهر، قال لرجل من عجم مرو: - «دلّنى على طريق قريب لألقى الأمير قبل قدومه ولك كذا وكذا.» وأجزل له العطيّة. وكان عالما بالطريق. فخرج إلى أرض [٣١٢] سرخس فى ليلة، ثمّ مضى به إلى نيسابور. فوافى أمية حتّى قدم أبر شهر، فلقيه، فأخبره عن خراسان وما يصلح أهلها

стр. 812

ويحسن طاعتهم ويخفّ على الموالي مؤونتهم، ورفع على بكير أموالا قد أصابها، وحذّره غدره، وسار معه حتّى قدم مرو. وكان أمية سيّدا كريما. فلم يعرض لبكير ولا لعمّاله، وعرض عليه أن يولّيه شرطته، فأبى بكير، فولّاها بحيرا. وقد كان لام بكيرا رجال من قومه وقالوا [١] : - «أبيت أن تلى حتّى ولّاها بحيرا، وقد عرفت ما كان بينكما.» قال: - «كنت أمس والى خراسان تحمل الحراب بين يدىّ وأصبر اليوم على الشرطة أحمل الحربة!» وقال أمية لبكير: - «اختر ما شئت من عمل خراسان.» قال: - «طخارستان.» قال: - «هي لك.» قال: فتجهّز بكير، وأنفق مالا كثيرا، فقال بحير لأميّة: - «إن أتى بكير طخارستان خلعك.» فلم يزل يحذّره حتّى حذره، وأمره بالمقام. ذكر تولية [٢] عبد الملك الحجّاج بن يوسف العراق وسيرة الحجّاج ولمّا توفّى بشر بن مروان، كاتب عبد الملك الحجّاج بن يوسف وهو بالمدينة [٣١٣] وولّاه العراق. فأقبل فى اثنى عشر راكبا على النجائب، حتّى دخل الكوفة حين انتشر النهار. فجاءه، وكان بشر بعث المهلّب إلى الحروريّة، وانصرف كثير من الناس عنه بعد وفاته. وقد كتبنا أمره فى ما تقدّم. فبدأ الحجّاج بالمسجد،

стр. 813

فدخله، ثمّ صعد المنبر وهو متلثّم بعمامة حمراء خزّ، فقال: - «علىّ بالناس.» فحسبوه وأصحابه خارجة. فهمّوا به، حتّى إذا اجتمع إليه الناس قام فكشف عن وجهه، ثمّ قال: «أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني أما والله، إنّى لأحمل الشرّ محمله [١] ، وأخذوه بنعله [٢] وأجزيه بمثله، وإنّى لأرى رؤوسا قد أينعت، وحان قطافها، وإنّى لأنظر إلى الدماء ترقرق بين العمائم واللّحى. قد شمّرت عن ساقها تشميرا. هذا أوان الشدّ، فاشتدّى زيم ... قد لفّها الليل بسوّاق حطم [٣] ليس براعي إبل ولا غنم ... ولا بجرّار [٤] على ظهر وضم قد لفّها الليل بعصلبىّ ... مهاجر ليس بأعرابىّ إنّى والله، يا أهل العراق ما أغمز تغماز [٣١٤] التين، ولا يقعقع لى بالشّنان، ولقد فررت عن ذكاء وفتّشت [٥] عن تجربة، وجريت من [٦] الغاية. إنّ أمير المؤمنين نثل كنانته، ثمّ عجم عيدانها، فوجدني أمرّها عودا [وأصلبها

стр. 814

مكسرا] فرماكم بى. فإنّكم طال ما أوضعتم فى الفتن وسننتم سنن الغىّ. والله لألحونّكم لحو العود، ولأعصبنّكم عصب السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل. إنّى والله لا أعد إلّا وفيت، ولا أخلق إلّا فريت، فإيّاى وهذه الجماعات وقيلا وقالا وما يقول وفيم أنتم وذاك، والله لتستقيمنّ على سبل الحقّ، أو لأدعنّ لكلّ رجل منكم شغلا فى جسده. من وجدناه بعد ثالثة من بعث المهلّب سفكت دمه وأنهبت ماله.» ثمّ دخل منزله ولم يزد على ذلك. ويقال: إنّه لمّا طال سكوته تناول محمد بن عمير حصى ليحصبه بها، وقال: - «قاتله الله، ما أعياه وآدمه [١] !» فلما تكلّم الحجّاج جعل الحصى ينتشر من يده ولا يعقل به. ثمّ دعا الحجّاج بالعرفاء، وقال: - «الحقوا بالمهلّب وائتوني بالبراءات بموافاتهم، ولا تغلقنّ أبواب الجسر ليلا ونهارا، فقد بلغني رفضكم للمهلّب وإقبالكم إلى [٣١٥] مصركم عصاة مخالفين. وإنّى لأقسم لكم بالله ما أجد أحدا بعد ثلاثة إلّا ضربت عنقه.» [٢] فلما كان اليوم الثالث سمع تكبيرا فى السوق، فخرج حتّى جلس على المنبر، فقال: - «يا أهل العراق وأهل الشقاق ومساوئ الأخلاق، إنّى سمعت تكبيرا لا يراد به الله فى الترغيب، ولكنّه تكبير يراد به الترهيب. وقد عرفت أنها عجاجة تحتها قصف. يا بنى اللكيعة وعبيد العصا [٣] وأبناء الأيامى، إن لا تربع رجل على ظلعه ولا يحسن حقن دمه ويبصر موضع قدمه، فأقسم باللَّه لأوشك أن أوقع بكم وقعة

стр. 815

تكون نكالا لما قبلها وأدبا لما بعدها.» فقام إليه عمير بن ضابئ التميمي ليتكلم بعذره [١] فقال: - «أسمعت كلامنا بالأمس؟» قال: - «نعم،» قال: - «ألست الذي غزا أمير المؤمنين عثمان؟» قال: - «بلى.» قال: - «فما حملك على ذلك؟» قال: - «حبس أبى وكان شيخا كبيرا.» قال: - «أوليس الذي يقول: هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكى حلائله إنّى لأحسب فى قتلك صلاح المصرين. قم إليه يا حرسىّ فاضرب عنقه.» فقام إليه [٣١٦] الحرسىّ، فأخرجه وضرب عنقه، وأنهب ماله، وأمر مناديا فنادى: - «ألا إنّ عميرا أتى بعد ثالثة وقد كان سمع النداء، فأمرنا بقتله. ألا إنّ ذمّة الله بريئة ممن بات الليلة من جند المهلّب.» فخرج الناس، فازدحموا على الجسر، فعبر فى تلك الليلة أربعة آلاف مذحج. وخرج العرفاء إلى المهلّب، وهو برامهرمز، فأخذوا كتبه بالموافاة. وقال المهلّب لأصحابه: - «قدم العراق أمير ذكر، اليوم قوتل العدوّ.»

стр. 816

قال عمرو بن سعيد: فو الله إنّى لأسير بين الكوفة والحيرة إذ سمعت زجرا [١] مضريا، فعدلت إليه وقلت: - «ما الخبر؟» قالوا: - «قدم علينا رجل من شرّ أحياء العرب، من هذا الحىّ، من ثمود، أسقف الساقين، أشرح [٢] الجاعرتين، أخفش العينين. فقدّم سيد الحىّ عمير بن ضابئ فضرب عنقه.» ولقى ابن الزبير إبراهيم بن عامر، فسأله عن الخبر، فقال وذلك فى السوق: أقول لإبراهيم لمّا لقيته ... أرى الأمر أضحى [٣] منصبا متشعّبا تجهّز وأسرع فالحق الجيش، لا أرى ... سوى الجيش، إلّا فى المهالك مذهبا تخيّر فإمّا أن تزور ابن ضابئ ... عميرا وإمّا أن تزور المهلّبا [٣١٧] هما خطّتا حتف نجاؤك منهما ... ركوبك حوليّا من الثلج أشهبا فأمسى ولو كانت خراسان دونه ... رءاها مكان السوق، أو هي أقربا ثمّ أسرع الحجّاج إلى البصرة ولما قتل الحجّاج عمير بن ضابئ، خرج من فوره حتّى قدم البصرة، فقام فيهم بخطبة، مثل التي [٤] قام بها فى أهل الكوفة، وتوعّدهم مثل وعيده إيّاهم. فأتى برجل من بنى يشكر، وقيل له: - «هذا عاص.» فقال:

стр. 817

- «إنّ لى فتقا، وقد رءاه بشر فعذرنى، وهذا عطائي مردود فى بيت المال.» فلم يقبل منه، وقدّمه فضرب عنقه. ففزع أهل البصرة، فخرجوا حتّى تداكّوا على العارض برامهرمز، فقال المهلّب: - «جاء الناس أمر ذكر.» ذكر وثوب الناس بالحجّاج خرج الحجّاج بالناس حتّى نزل رستقباذ، ومعه وجوه أهل البصرة، وكان بينه وبين المهلّب ثمانية عشر فرسخا. فقام فى الناس، فقال: - «إنّ ابن الزبير زادكم فى أعطياتكم زيادة فاسق منافق ولست أجيزها.» فقام إليه عبد الله بن الجارود العبدى، فقال: - «ولكنّها زيادة أمير المؤمنين عبد الملك، وقد [٣١٨] أثبتها لنا.» فكذّبه وتوعّده، فخرج ابن الجارود على الحجّاج، وبايعه وجوه الناس. فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل عبد الله بن الجارود وجماعة ممن ثار معه، وبعث الحجّاج برأسه ورؤوس عدّة من أصحابه إلى المهلّب، ونصب برامهرمز ثمانية عشر رأسا من وجوه الناس. فساء ذلك الخوارج، وكانوا رجوا أن يكون من الناس فرقة واختلاف. وانصرف الحجّاج إلى البصرة، وكتب إلى المهلّب وإلى عبد الرحمان بن مخنف: - «أما بعد، إذا أتاكم كتابي هذا، فناهضوا الخوارج. والسلام.» فناهض المهلّب وعبد الرحمان الأزارقة، فأجلوهم عن رامهرمز من غير قتال شديد، ولكنّهم زحفوا إليهم حتّى أزالوهم، وخرج القوم كأنهم على حامية، حتّى نزلوا بكازرون.

стр. 818

ذكر توان لعبد الرحمان حتّى قتل وقتل معه خلق وسار المهلّب وعبد الرحمان حتّى نزلوا بهم، فخندق المهلّب ولم يخندق عبد الرحمان، فقال المهلّب لعبد الرحمان: - «إن رأيت أن تخندق عليك فعلت.» فقال أصحاب عبد الرحمان: - «خندقنا سيوفنا.» فلما كان الليل زحف الخوارج إلى المهلّب [٣١٩] ليبيّتوه، فوجدوه قد أخذ حذره، فمالوا نحو عبد الرحمان، فوجدوه لم يخندق. فنهض عبد الرحمان وقاتلهم وانهزم عنه أصحابه، ونزل فى جماعة من أهل الحفاظ والصبر، فقاتلوا حتّى قتل عبد الرحمان وقتلوا كلّهم حوله. فلما أصبح المهلّب جاء حتّى دفنه وصلّى عليه، وكتب بمصابه إلى الحجّاج، فكتب الحجّاج بذلك إلى عبد الملك ونعى عبد الرحمان وذمّ أهل الكوفة. وبعث الحجّاج على عسكر عبد الرحمان بن مخنف، عتّاب بن ورقاء، وأمره إذ ضمّتها الحرب أن يسمع للمهلّب ويطيع. فساءه ذلك ولم يجد بدّا من طاعة الحجّاج، ولم يقدر على مراجعته. فجاء حتّى أقام فى ذلك العسكر، وقاتل الخوارج، وأمره إلى المهلّب، وهو فى ذلك يعنى أموره ولا يكاد يستشير المهلّب فى شيء. فلما رأى المهلّب ذلك اصطنع رجالا من أهل الكوفة فيهم بسطام بن مصقلة، فأغراهم بعتّاب. فلما كان ذات يوم، أتى عتّاب المهلّب يسأله أن يرزق أصحابه. فأجلسه المهلّب معه على مجلسه، فسأله عتّاب سؤالا فيه تجهّم وغلظة وترادّا الكلام حتّى قال [٣٢٠] له المهلّب: - «يا بن اللخناء.» وذهب ليرفع القضيب عليه، فوثب إليه ابنه المغيرة، فقبض على القضيب وقال: - «أصلح الله الأمير، شيخ من أشياخ العرب وشريف من أشرافهم. إن سمعت

стр. 819

منه ما تكره فاحتمله.» فقبله وقام عتّاب، فاستقبله بسطام بن مصقلة يشتمه ويقع فيه. فلما رأى عتّاب ذلك كتب إلى الحجّاج يشكو إليه المهلّب ويخبره أنه أغرى به سفهاء أهل البصرة ويسأله أن يضمّه إليه، ووافق ذلك حاجة من الحجّاج إليه فى ما لقى من شبيب، وما لقيه أيضا أشراف الكوفة منه. وسنذكر من خبره ما يليق بهذا الكتاب إن شاء الله. فبعث إليه الحجّاج أن: - «اقدم واترك أمر ذلك الجيش إلى المهلّب.» فبعث المهلّب ابنه حبيبا، وأقام المهلّب يقاتلهم سنة. ذكر ما كان من شبيب بن يزيد وما لقى الحجّاج وأشراف الكوفة منه كان ابتداء أمر شبيب صحبته لرجل يعرف بصالح بن مسرّح، وكان صالح يرى رأى الصفريّة وكان ناسكا مصفرّ الوجه صاحب عباده، وله أصحاب يقريهم القرآن ويفقّههم [٣٢١] ويقصّ عليهم، وقدم الكوفة فيقيم بها الشهر أو الشهرين، وكان بأرض الموصل والجزيرة، وله قصص محفوظ [١] وكلام مستحسن، وكان إذا فرغ من التحميد والصلاة على محمد ذكر أبا بكر فأثنى عليه، وثنّى بعمر، وذكر عثمان وما كان من أحداثه، ثمّ عليّا وتحكيمه الرجال فى أمر الله، ويتبرّأ من عثمان وعلىّ، ثمّ يدعو إلى مجاهدة أئمّة الضلال ويقول: - «تيسّروا يا إخوانى للخروج من دار الفناء، إلى دار البقاء، واللحاق بإخواننا المؤمنين الذين باعوا الدنيا بالآخرة، ولا تجزعوا من القتل فى الله، فإنّ القتل أيسر من الموت، والموت نازل بكم عند ما ترجم [٢] الظنون، فيفرّق بينكم وبين آبائكم

стр. 820

وأبنائكم وحلائلكم ودنياكم، وإن اشتدّ لذلك جزعكم. ألا، فبيعوا أنفسكم طائعين وأموالكم، تدخلوا الجنّة.» وأشباه ذلك من الكلام. وكان فى من يحضره من أهل الكوفة سويد والبطين. فقال يوما لأصحابه: - «ما تنتظرون؟ ما يزداد أئمّة الجور إلّا عتوّا وعلوّا وتباعدا من الحقّ، وجرأة على الربّ، فراسلوا إخوانكم حتّى يأتوكم وننظر ما نحن صانعون وأىّ وقت إن خرجنا [٣٢٢] نحن خارجون.» فبينا هو كذلك، إذ أتاه المحلّل [١] بن وائل بكتاب شبيب وقد كتب إلى صالح: - «أما بعد، فقد كنت دعوتني إلى أمر استجبت له، فإن كان ذلك، فإنّك شيخ المسلمين، ولم نعدل بك منّا أحدا، وإن أردت تأخير ذلك، أعلمتنى، فإنّ الآجال غادية ورائحة، ولا آمن أن تخترمنى المنيّة ولمّا أجاهد الظالمين. جعلنا الله وإيّاك ممّن يريد الله بعمله، والسلام عليك.» فأجابه صالح بجواب جميل يقول فيه: - «إنّه لم يمنعني من الخروج مع ما أنا فيه من الاستعداد إلّا انتظارك، فاقدم علينا ثمّ اخرج بنا، فإنّك ممن لا تقصّى الأمور دونه، والسلام.» فلما ورد كتابه على شبيب دعا نفرا من أصحابه فجمعهم إليه، منهم: أخوه مصاد بن يزيد والمحلّل بن وائل، والصفر بن حاتم، وإبراهيم بن حجر، وجماعة مثلهم. ثمّ خرج حتّى قدم على صالح بن مسرّح، وهو بدارا من أرض الموصل. فبثّ صالح رسله، وواعدهم الخروج فى هلال صفر ليلة الأربعاء سنة ست وسبعين. فاجتمع بعضهم إلى بعض، واجتمعوا عنده فى تلك الليلة. فتحدّث فروة بن لقيط قال: إنّى لمعهم تلك الليلة وكان رأى استعراض الناس

стр. 821

[٣٢٣] لما رأيت من المنكر والفساد فى الأرض. فقمت إليه، فقلت: - «يا أمير المؤمنين، كيف ترى السيرة فى هؤلاء الظلمة؟ أنقتلهم قبل الدعاء، أم ندعوهم قبل القتال؟ فإنّى أخبرك برأيى فيهم قبل أن تخبرني برأيك فيهم. إنّا نخرج على قوم طاغين باغين، قد تركوا أمر الله، أو راضين بذلك، فأرى أن تضع [١] فيهم السيف.» فقال: - «لا، بل ندعوهم، فلعمرى، لا يجيبك إلّا من يرى رأيك، وليقاتلنّك من يزرى عليك، والدعاء أقطع لحجّتهم، وأبلغ فى الحجة لك عليهم.» قال: فقلت له: - «فكيف ترى فى من قاتلنا فظفرنا به، وما تقول فى دمائهم وأموالهم؟» فقال: - «إن قاتلنا وغنمنا فلنا، وإن تجاوزنا وعفونا، فموسّع علينا ولنا.» فأحسن لنا القول. ثمّ قال صالح لأصحابه ليلته: - «اتّقوا الله عباد الله، ولا تعجلوا إلى قتال أحد من الناس إلّا أن يكونوا يريدونكم، فإنّكم خرجتم غضبا لله حيث انتهكت محارمه، وعصى فى الأرض، وسفكت الدماء بغير حقّها، وأخذت الأموال غصبا، فلا تعيبوا على قوم أعمالا ثمّ تعملوا بها. وهذه دوابّ لمحمد بن مروان فى هذا الرستاق، فابدءوا بها، فاحملوا رجلكم وتقوّوا بها على عدوّكم.» [٣٢٤] ففعلوا ذلك وتحصّن منهم أهل دارا، وبلغ خبرهم محمد بن مروان، وهو يومئذ أمير الجزيرة، فاستخفّ بأمرهم، وبعث إليهم عدىّ بن عميرة فى خمسمائة، وكان صالح فى مائة وعشرة، فقال عدىّ: - «أصلح الله الأمير، تبعثني إلى رأس الخوارج ومعه رجال سمّوا لى، وإنّ

стр. 822

الرجل منهم خير من مائة فارس فى خمسمائة.» فقال له: - «فإنّى أزيدك خمسمائة، فسر إليهم فى ألف فارس.» فسار من حرّان فى ألف رجل وكأنما يساق إلى الموت. وكان عدىّ رجلا يتنسّك. فلما نزل ذوغان نزل بالناس وأنفذ إلى صالح بن مسرّح رجلا دسّه إليه. فقال له: - «إنّ عديّا بعثني إليك يسألك أن تخرج من هذا البلد وتأوى بلدا آخر وتقاتل أهله، فإنّ عديّا للقائك كاره.» فقال صالح: - «ارجع إليه، فقل له: إن كنت ترى رأينا فأرنا من ذلك ما نعرف، ثمّ نحن مدلجون عنك، وإن كنت على رأى الجبابرة وأئمّة السوء، رأينا رأينا. فإمّا بدأنا بك، وإمّا رحلنا إلى غيرك.» فانصرف إليه الرسول، فأبلغه. فقال عدىّ: - «ارجع إليه فقل له: إنّى والله لا أرى رأيك، ولكنّى أكره قتالك وقتال غيرك من المسلمين، فقاتل غيرى.» [٣٢٥] ذكر مكيدة صالح على عدىّ فقال صالح لأصحابه: اركبوا. فركبوا. وحبس الرجل عنده حتّى خرجوا، ثمّ تركه ومضى بأصحابه حتّى أتى عديّا فى سوق ذوغان وهو قائم يصلّى الضحى، فلم يشعر إلّا والخيل طالعة عليهم. فلما دنا صالح منهم رءاهم على غير تعبئة، وقد تنادوا، وبعضهم يجول فى بعض. فأمر شبيبا، فحمل عليهم فى كتيبة، ثمّ أمر سويدا، فحمل فى كتيبة، وكانت هزيمتهم. وأتى عدىّ بدابّته فركبها، ومضى على وجهه، واحتوى صالح على عسكره وما فيه. وذهب فلّ عدىّ حتّى

стр. 823

لحقوا بمحمد بن مروان. فغضب، ثمّ دعا خالد بن جزء [١] السلمى، فبعثه فى ألف وخمسمائة، ودعا الحارث بن جعونة فبعثه فى ألف وخمسمائة، وقال لهما: - «أخرجا إلى هذه الخارجة القليلة الخبيثة وعجّلا. فأيكما سبق فهو الأمير على صاحبه.» فخرجا، وأغذّا السير، وجعلا يسألان عن صالح، فقيل لهما [٢] : - «توجّه نحو آمد.» فاتّبعاه حتّى انتهيا إليه بآمد، فنزلا ليلا وخندقا وهما يتساندان كلّ واحد منهما على حدته. فوجّه صالح شبيبا إلى الحارث بن جعونة فى شطر أصحابه، وتوجّه هو [٣٢٦] نحو خالد السلمى، فاقتتلوا أشدّ قتال اقتتله قوم، حتّى حجز بينهم الليل وقد انتصف بعضهم من بعض. فتحدّث بعض أصحاب صالح قال: كنّا إذا حملنا عليهم استقبلتنا رجّالتهم بالرماح، ونضحتنا [٣] رماتهم بالنبل وخيلهم تطاردنا فى خلال ذلك، فانصرفنا عند الليل وقد كرهناهم وكرهونا. فلمّا رجعنا وصلّينا وتروّحنا وأكلنا من الكسر دعانا صالح وقال: - «يا أخلّائى ماذا ترون؟» فقال شبيب: - «أنا أرى إن قاتلنا هؤلاء وهم معتصمون بخندقهم لم ننل منهم طائلا. والرأى أن نرحل عنهم.» فقال صالح:

стр. 824

- «أنا أرى ذلك.» فخرجوا من تحت ليلتهم حتّى قطعوا أرض الجزيرة وأرض الموصل، ومضوا حتّى قطعوا الدسكرة. فلما بلغ ذلك الحجّاج سرّح إليهم الحارث بن عميرة فى ثلاثة آلاف. فسار، وخرج صالح نحو جلولا وخانقين، واتّبعه الحارث حتّى انتهى إلى قرية يقال لها: الريح [١] وصالح يومئذ فى تسعين رجلا. فعبّى الحارث بن عميرة أصحابه ميمنة وميسرة، وجعل صالح أصحابه كراديس ثلاثة، فهو فى كردوس وشبيب فى [٣٢٧] ميمنته فى كردوس، وسويد بن سليم [٢] فى كردوس من ميسرته، وفى كلّ كردوس منهم ثلاثون رجلا. فلما شدّ عليهم الحارث بن عميرة انكشف سويد بن سليم وثبت صالح، فقتل، وضارب شبيب حتّى صرع عن فرسه، فوقع فى رجاله، فجاء حتّى انتهى إلى موقف صالح، فوجده قتيلا، فنادى: - «يا معشر المسلمين.» فلاذوا به، وقال لأصحابه: - «ليجعل كلّ رجل منكم ظهره إلى ظهر صاحبه، وليطاعن عدوّه إذا أقدم عليه حتّى ندخل هذا الحصن ونرى من رأينا.» ففعلوا ذلك حتّى دخلوا الحصن وهم سبعون رجلا مع شبيب، وأحاط بهم الحارث بن عميرة ممسيا، وقال لأصحابه: - «أحرقوا الباب، فإذا صار جمرا فدعوه، فإنّهم لا يقدرون على خروجهم حتّى نصبّحهم [٣] فنقتلهم.» ففعلوا ذلك بالباب، ثمّ انصرفوا إلى معسكرهم. فقال شبيب لأصحابه:

стр. 825

- «ما تنظرون يا هؤلاء؟ فو الله، لئن صبّحوكم إنه لهلاككم.» فقالوا: - «مرنا بأمرك.» فقال لهم: - «بايعوني إن شئتم، أو من شئتم منكم، ثمّ اخرجوا بنا حتّى نشدّ عليهم فى عسكرهم [٣٢٨] فإنّهم آمنون منكم، فإنّى أرجو أن ينصركم الله.» قالوا: - «فابسط يدك.» فبايعوه. فلما جاءوا إلى الباب وجدوه جمرا، فأتوا باللبود، فبلّوها بالماء، ثمّ ألقوها عليه، وخرجوا، ولم يشعر الحارث بن عميرة إلّا وشبيب وأصحابه يضربونهم بالسيوف فى جوف عسكرهم. فضارب الحارث حتّى صرع، واحتمله أصحابه وانهزموا وخلّوا لهم العسكر وما فيه، ومضوا حتّى نزلوا المدائن. وكان ذلك الجيش أول جيش هزمه شبيب. فأما صالح بن مسرّح فإنّه أصيب من سنة كما حكينا من أمره، ثمّ ارتفع فى أدانى أرض الموصل، ثمّ ارتفع نحو آذربيجان يجبى الخراج. وكان سفيان بن أبى العالية قد أمر أن يدخل فى خيل معه طبرستان، فأمر بالقفول، فصالح صاحب طبرستان، وأقبل فى نحو من ألف، وورد عليه كتاب الحجّاج: - «أما بعد، فأقم بالدسكرة فى من معك حتّى يأتيك جيش الحارث بن عميرة من ذى الشغار، وهو الذي قتل صالح بن مسرّح، ثمّ سر إلى شبيب حتّى تناجزه.» ففعل سفيان ذلك ونزل الدسكرة، ونودى فى جيش الحارث بن عميرة بالكوفة [٣٢٩] والمدائن: - «برئت الذمّة من رجل من جيش الحارث بن عميرة لم يواف ابن العالية بالدسكرة.» قال: فخرجوا حتّى أتوه، وارتحل سفيان فى طلب شبيب، ثمّ ارتفع عنهم كأنه

стр. 826

يكره لقاءهم وقد أكمن لهم مصادا فى خمسين رجلا فى هزم من الأرض. فلمّا رأوه جمع أصحابه، ثمّ مضى فى سفح من الجبل مشرقا. فقالوا: - «هرب عدوّ الله.» واتّبعوه. ذكر رأى رءاه عدىّ بن عميرة فى تلك الحال فلم يقبل حتّى هلك الجيش فقال لهم عدىّ بن عميرة الشيبانى: - «أيها الناس، لا تعجلوا عليهم حتّى نضرب فى الأرض فنستبرئها، فإن يكونوا كمنوا كمنا حذرناه، وإلّا كان طلبهم [١] بأيدينا، لن يفوتنا.» فلم يسمع منه الناس، وأسرعوا فى آثارهم. فلما رأى شبيب أنهم قد تجاوزوا الكمين خرجوا إليهم. فحمل شبيب من أمامهم، وصاح بهم الكمين من وراءهم. فلم يقاتل أحد وكانت الهزيمة وثبت ابن أبى العالية فى نحو مائتي رجل، فقاتلهم قتالا شديدا حتّى انتصف من شبيب، فقال سويد بن [٣٣١- ٣٣٠] [٢] سليم: - «أمنكم من يعرف أمير القوم ابن أبى العالية؟» فقال شبيب: - «أنا من أعرف الناس به. أما ترى صاحب الفرس الذي دونه المرامية، فإنه هو. فإن كنت تريده فأمهله قليلا.» ثمّ قال: - «يا قعنب، اخرج فى عشرين، ثمّ ائتهم [٣] من وراءهم.» فخرج قعنب فى عشرين، فارتفع عليهم. فلما رأوه يريد أن يأتيهم من ورائهم

стр. 827

جعلوا ينقصون ويتسلّلون. وحمل سويد بن سليم على سفيان بن أبى العالية، فطاعنه، فلم يصنع رمحاهما شيئا، ثمّ اضطربا بسيفيهما، ثمّ اعتنق كلّ أحد منهما، فوقعا إلى الأرض يعتركان، ثمّ تحاجزا [١] ، وحمل عليهم شبيب، فانكشف من كان معه. ونزل غلام لسفيان، يقال له غزوان [نزل] [٢] عن برذونه، وقال لسفيان: - «اركب يا مولاي.» فركب سفيان وأحاط به أصحاب شبيب، فقاتل دونه غزوان حتّى قتل، وكانت معه رايته. وأقبل سفيان بن أبى العالية منهزما حتّى انتهى إلى بابل مهروذ، فنزل بها، وكتب إلى الحجّاج، وكان الحجّاج أمر سورة بن أبجر أن يلحق بسفيان، فكاتب سورة سفيان وقال: انتظرنى. فلم يفعل، وعجّل نحو الخوارج. فلما عرف الحجّاج خبر سفيان، وقرأ كتابه، قال للناس: - «من صنع كما صنع هذا وأبلى [٣٣٢] كما أبلى، فقد أحسن.» ثمّ كتب إليه يعذره ويقول له: - «إذا خفّ عليك الوجع، فأقبل مأجورا إلى أهلك.» وكتب إلى سورة: - «أما بعد، يا بن أمّ سورة، فما كنت خليقا أن تجتزئ على ترك عهدي وخذلان جندي، فإذا أتاك كتابي فابعث رجلا ممن معك صليبا [٣] إلى المدائن، فلينتخب من الخيل التي بها خمسمائة رجل، ثمّ ليقدم بهم عليك، ثمّ سر بهم حتّى تلقى [٤] هذه المارقة، وأخبرنى فى أمرك، وكد عدوّك، فإنّ أفضل أمر الحرب المكيدة. والسلام.»

стр. 828

فلما أتى سورة كتاب الحجّاج، بعث عدىّ بن عميرة إلى المدائن وكان بها ألف فارس، فانتخب منهم خمسمائة رجل، ثمّ رحل بهم حتّى قدم على سورة ببابل مهروذ. فخرج فى طلب شبيب، وخرج شبيب يجول فى جوخى، وسورة فى طلبه. فجاء شبيب إلى المدائن وتحصّن منه أهلها وهي أبنية المدائن الأولى، فدخل المدائن وأصاب دوابّ من دوابّ الجند، وقتل من ظهر له، ولم يدخلوا البيوت، فأتى فقيل: - «هذا سورة بن أبجر قد أقبل إليك.» فخرج فى أصحابه حتّى انتهى إلى النهروان، فنزل به، وتوضّأ هو وأصحابه، ثمّ أتوا [٣٣٣] مصارع إخوانهم الذين قتلهم علىّ بن أبى طالب، رضى الله عنه، فاستغفروا لإخوانهم، وتبرّأوا من علىّ وأصحابه، وبكوا فأطالوا البكاء، ثمّ عبروا جسر النهروان، فنزلوا من جانبه الشرقي، وجاء سورة حتّى نزل بقطراثا [١] ، وجاءته عيونه، فخبّرته بمنزل شبيب بالنهروان. ذكر سوء رأى سورة فى الإقدام حتّى هزم وفلّ فدعا سورة رؤساء أصحابه، فقال لهم: - «إنّهم قلّ ما يلقون مصحرين أو على ظهيرة إلّا انتصفوا، وقد حدّثت أنهم لا يزيدون على مائة رجل، وقد رأيت أن أنتخبكم وأسير فى ثلاثمائة رجل منكم من أقويائكم وشجعانكم فأبيّتهم، فإنّهم آمنون لبياتكم. فإنّى والله أرجو أن يصرعهم الله مصرع إخوانهم بالنهروان من قبل.» فقالوا: - «اصنع ما أحببت.» فاستعمل على عسكره حازم بن قدامة، وانتخب ثلاثمائة من شجعاء أصحابه،

стр. 829

ثمّ أقبل بهم حتّى قرب من النهروان، وبات وقد أذكى الحرس [١] ثمّ بيّتهم. فلما دنا أصحاب سورة منهم نذروا بهم. فاستووا على خيولهم، وتعبّوا بتعبئتهم. فلما انتهى إليهم سورة وأصحابه أصابوهم قد حذروا. فحمل عليهم سورة، ثمّ [٣٣٤] صاح شبيب بأصحابه، فحمل عليهم حتّى تركوا العرصة، وحمل شبيب وجعل يضرب ويقول: من ينك العير ينك نيّاكا ... [جندلتان اصطكّتا اصطكاكا] [٢] ورجع سورة إلى أصحابه مفلولا قد هزم فرسانه وأهل القوّة من أصحابه. فضحك بهم وأقبل نحو المدائن، وتبعهم شبيب حتّى انتهى سورة إلى بيوت المدائن، ودفع شبيب إليهم وقد دخل الناس، وخرج ابن أبى العصيفر [٣] ، وهو أمير على المدائن، فرماهم الناس بالنبل ومن فوق البيوت بالحجارة، ثمّ سار إلى تكريت. فبينا ذلك الجند بالمدائن إذ أرجف الناس بينهم فقالوا: - «هذا شبيب قد أقبل يريد أن يبيّت أهل المدائن.» فارتحل عامّة الجند، فلحقوا بالكوفة، وإنّ شبيبا لبتكريت. ولما أتى الحجّاج خبره قال: - «قبّح الله سورة، ضيّع العسكر، وخرج يبيّت الخوارج. والله لأسوءنّه.» ثمّ دعا الحجّاج الجزل وهو عثمان بن سعيد، فقال له: - «تيسّر للخروج إلى هذه المارقة، فإذا لقيتهم، فلا تعجل عجلة الخرق النزق، ولا تحجم إحجام الوانى الفرق. هل فهمت؟» قال:

стр. 830

- «نعم، أصلح الله الأمير، قد فهمت [١] ما قال.» [٣٣٥] قال: - «فاخرج، فعسكر بدير عبد الرحمان حتّى يخرج إليك الناس.» فقال: - «أصلح الله الأمير، لا تبعثنّ معى أحدا من الجند المفلول [٢] المهزوم، فإنّ الرعب قد دخل قلوبهم، وقد خشيت أن لا ينفعك والمسلمين منهم أحد.» قال: - «ذلك لك ولا أراك إلّا وقد أحسنت الرأى ووفّقت.» ثمّ دعا أصحاب الدواوين، فقال: - «اضربوا على الناس بالبعث، فأخرجوا أربعة آلاف من الناس وعجّلوا.» فجمعت العرفاء، وأجلس أصحاب الدواوين، وضربوا البعث [وأخرجوا أربعة] [٣] آلاف. فأمرهم بالعسكر، ثمّ نودى فيهم بالرحيل. ثمّ ارتحلوا ونادى منادى الحجّاج أن: - «برئت الذمّة من رجل أصبناه من بعث الجزل متخلّفا.» فمضى الجزل بهم حتّى أتى المدائن، فأقام بها ثلاثا، ثمّ خرج وبعث إليه ابن أبى عصيفر بفرس وبرذون وألفى درهم، ووضع للناس من الجزر والعلف ما كفاهم ثلاثة أيام، وأصاب الناس من ذلك ما شاءوا. ثمّ إنّ الجزل خرج بالناس فى أثر شبيب، فطلبه فى أرض جوخى، فجعل شبيب يريه الهيبة، فيخرج من رستاق إلى رستاق، ومن طسّوج إلى طسوج يريد بذلك أن يفرّق [٣٣٦] الجزل أصحابه، ويتعجّل إليه فيلقاه فى عدد يسير على غير تعبئة. فجعل الجزل إلّا على تعبئة، ولا ينزل إلّا خندق على أصحابه. فلما طال ذلك على شبيب دعا يوما أصحابه، وهم مائة وستون رجلا، فجعل على كلّ أربعين

стр. 831

منهم رجلا، فهو فى أربعين، ومصاد أخوه فى أربعين، وسويد بن سليم فى أربعين، والمحلّل [١] بن وائل فى أربعين، وقد أتته عيونه أنّ الجزل بن سعيد قد نزل بئر سعيد، فقال لأخيه وللأمراء الذين ذكرناهم: - «إنّى أريد أن أبيّت الليلة هذا العسكر، فائتهم أنت يا مصاد من قبل حلوان، وسآتيهم أنا من أمامهم من قبل الكوفة، وائتهم أنت يا محلّل من قبل المغرب، وليلحّ [٢] كلّ امرئ منكم على الجانب الذي يحمل عليه، ولا تقلعوا عنهم حتّى يأتيكم أمرى.» قال فروة بن لقيط: وكنت أنا فى الأربعين الذين كانوا معه، فقال لجماعتنا: - «تيسّروا، وليسر كلّ امرئ منكم مع أميره، ولينظر ما يأمر به أميره فليتّبعه.» فلمّا قضمت دوابّنا، وذلك أوّل ما هدأت العيون، خرجنا حتّى انتهينا إلى دير الخرّارة [٣] ، فإذا للقوم مسلحة عليهم عياض بن أبى لينة [٣٣٧] فما هو إلّا أن رءاهم مصاد أخو شبيب حتّى حمل عليهم فى أربعين رجلا، وكان أمام شبيب، أراد أن يرتفع عليهم حتّى يأتيهم من ورائهم كما أمره. فلما لقى هؤلاء قاتلهم، فصبروا ساعة، وقاتلوهم. ثمّ إنّا دفعنا إليهم جميعا فهزمناهم، وأخذوا الطريق الأعظم، وليس بينهم وبين عسكرهم بدير يزدجرد إلّا نحو ميل. فقال لنا شبيب: - «اركبوا معاشر المسلمين أكتافهم [٤] حتّى تدخلوا معهم عسكرهم إن استطعتم.» فاتّبعناهم ملظّين بهم، ملحّين عليهم، ما نرفّه عنهم وهم منهزمون، ما لهم همّة

стр. 832

إلّا عسكرهم. ومنعهم أصحابهم أن يدخلوا عليهم ورشقوهم بالنبل، وكانت لهم عيون قد أتتهم فأخبرتهم بمكاننا. وكان الجزل قد خندق عليه وتحرّز، ووضع هذه المسلحة الذين لقيناهم، ووضع مسلحة أخرى مما يلي حلوان. فلما اجتمعت المسالح، ورشقوهم أصحابهم بالنبل، ومنعونا من خندقهم، نظر شبيب أنه لا يصل إليهم، فقال لأصحابه: - «سيروا ودعوهم.» فلما سار عنهم أخذ الطريق حلوان حتّى كان منهم على سبعة أميال. قال لأصحابه: - «انزلوا، فأقضموا دوابّكم [٣٣٨] وقيلوا وتروّحوا، وصلّوا ركعتين، ثمّ اركبوا.» ففعلوا. ثمّ أقبل بهم راجعا إلى عسكر أهل الكوفة، وقال: - «سيروا على تعبئتكم التي عبّأتكم عليها أول الليل، وأطيفوا بعسكرهم كما أمرتكم.» فأقبلنا معه، وقد أدخل أهل العسكر مسالحهم إليهم، وقد أمنوا، فما شعروا حتّى سمعوا وقع حوافر خيولنا، فانتهينا إليهم قبل الصبح، وأحطنا بعسكرهم، ثمّ صحنا بهم من كلّ ناحية، فإذا هم يقاتلوننا ويرموننا بالنبل من كلّ جانب، فقال شبيب لأخيه مصاد: - «خلّ لهم سبيل الكوفة.» وكان يقاتلهم من ذلك الوجه. فلما راسله أخوه شبيب بهذا، أقبل إليه، وجعلنا نقاتلهم من الوجوه الثلاثة، فلم نقدر أن نستفلّ منهم أحدا. فسرنا، فتركناهم، وخرج الجزل مع الصبح يتبعهم ويطلبهم، وجعل لا يسير إلّا على تعبئة، ولا ينزل إلّا على خندق، وكان شبيب يدعه ويضرب فى أرض جوخى وغيرها يكسر الحجّاج، فطال ذلك على الحجّاج.

стр. 833

ذكر عجلة للحجّاج وسوء رأى له حتّى أهلك ذلك العسكر [٣٣٩] فكتب الحجّاج إلى الجزل كتابا قرئ على الناس، نسخته: - «أما بعد، فإنّى قد بعثتك فى فرسان أهل المصر ووجوه الناس، وأمرتك باتّباع هذه المارقة وأن لا تقلع عنها حتّى تقتلها أو تفنيها. فوجدت التعريس [١] فى القرى والتخييم فى الخنادق أهون عليك من المضىّ لمناهضتهم ومناجزتهم.» فشقّ ذلك على الجزل. قال: فأرجفنا بأميرنا وقلنا: يعزل. فما لبثنا أن بعث الحجّاج على ذلك الجيش سعيد بن المجالد وعهد إليه أنه، إذا لقى المارقة، أن يزحف إليهم ولا يناظرهم ولا يطاولهم ولا يصنع صنيع الجزل. وكان الجزل يومئذ قد انتهى فى طلب شبيب إلى النهروان وقد لزم عسكره وخندق عليه. وجاء سعيد حتّى دخل عسكر أهل الكوفة أميرا. فقام فيهم خطيبا. فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: - «يا أهل الكوفة، إنكم قد عجزتم ووهنتم وأغضبتم عليكم أميركم. أنتم فى طلب هذه الأعاريب العقف [٢] منذ شهرين، قد أخربوا بلادكم وكسروا خراجكم وأنتم حذرون فى جوف هذه الخنادق ولا تزايلونها إلّا أن يبلغكم أنهم قد ارتحلوا عنكم [٣٤٠] ونزلوا بلدا سوى بلدكم. أخرجوا على اسم الله إليهم.» فخرج وأخرج الناس معه، وجمع إليه خيول أهل العسكر، فقال له الجزل: - «ما تريد أن تصنع؟» قال:

стр. 834

- «أريد أن أقدم على شبيب فى هذه الخيل.» فقال له الجزل: - «أقم أنت فى جماعة الناس فارسهم وراجلهم ودعني أصحر له، ولا تفرّق أصحابك، فإنّ ذلك شرّ لهم وخير لك.» فقال له: - «قف أنت فى الصفّ.» فقال: - «يا سعيد بن مجالد، ليس فى ما صنعت رأى، أنا بريء من رأيك هذا. سمع الله ومن حضر من المسلمين.» فقال: - «هو رأى إن أصبت فالله وفّقنى، وإن يكن غير صواب فأنتم منه برءاء.» قال: فوقف الجزل فى صفّ أهل الكوفة، وقد أخرجهم من الخندق. وجعل على ميمنتهم عياض بن أبى لينة الكندي، وعلى ميسرتهم عبد الرحمان بن عوف أبا حميد الراسبي [١] . ووقف الجزل فى جماعتهم واستقدم سعيد بن مجالد، فخرج وأخرج الناس معه وقد أخذ شبيب إلى براز الروز، فنزل قطيطا [٢] ، وأمر دهقانها أن يشترى لهم ما يصلحهم ويتخذ لهم غذاء. ففعل. فدخل مدينة قطيطا، وأمر بالباب فأغلق، فلم يفرغ [٣٤١] [من الغداء] [٣] حتّى أتاه سعيد بن مجالد فى أهل العسكر. فصعد الدهقان ثمّ نزل قد تغيّر لونه، فقال: - «ما لك؟» قال: - «قد والله جاءك جمع عظيم.» فقال: - «بلغ شواؤك؟» قال: - «لا.» قال: - «دعه.»

стр. 835

قال: ثمّ أشرف إشرافة أخرى، فقال: - «قد أحاطوا بالجوسق.» قال: - «هات شواءك.» فجعل يأكل غير مكترث لهم. فقال لمّا فرغ: - «قوموا إلى الصلاة.» وقام وتوضّأ وصلّى بأصحابه الأولى، ولبس درعه وتقلّد سيفه وأخذ عمود حديد، ثمّ قال: - «أسرجوا لى البغلة.» فقال أخوه مصاد: - «أخى هذا اليوم تسرج بغلة؟» قال: - «نعم، أسرجوها.» فركبها، ثمّ قال: - «يا فلان أنت على الميمنة، وأنت يا فلان على الميسرة.» وقال لمصاد: - «أنت على القلب.» وأمر الدهقان، ففتح الباب فى وجوههم، فخرج إليهم وهو يحكّم. فجعل سعيد وأصحابه يرجعون القهقرى حتّى صار بينهم وبين الدير ميل، وجعل سعيد يصيح: - «يا معشر همدان، أنا ابن ذى مرّان، إلىّ إلىّ.» ونزع سرابانة [١] كانت عليه. فنظر شبيب إلى مصاد فقال له: - «استعرضهم استعراضا، فإنّهم قد تقطّعوا. فإنّى حامل على أميرهم، وأثكلنيك الله إن لم أثكل ولده.» ففعل مصاد ما أمره به [٣٤٢] وحمل هو على سعيد بن مجالد، فعلاه بالعمود، فسقط ميّتا وانهزم أصحابه، وما قتل منهم يومئذ إلّا قتيل واحد. وانكشف

стр. 836

أصحاب سعيد بن مجالد حتّى انتهوا إلى الجزل، فناداهم الجزل: - «أيها الناس، إلىّ إلىّ.» وناداهم عياض بن أبى لينة: - «أيها الناس، إن يكن أميركم هذا القادم هلك، فهذا أميركم الميمون النقيبة [١] . أقبلوا إليه.» فأقبلوا إليه. فمنهم من أقبل إليه، ومنهم من ركب رأسه منهزما. وقاتل الجزل قتالا شديدا حتّى صرع، وقاتل عنه خالد بن نهيك وعياض بن أبى لينة حتّى استنقذاه وهو مرتثّ. وأقبل الناس منهزمين حتّى دخلوا الكوفة، وأتى بالجزل حتّى دخل المدائن، وكتب إلى الحجّاج بن يوسف: - «أما بعد، فإنّى أخبر الأمير، أصلحه الله، أنّى خرجت من الجند الذي وجّهنى فيه إلى عدوّه، وقد كنت حفظت عهد الأمير إلىّ فيهم ورأيه. فكنت أخرج إليهم إذا رأيت الفرصة، وأحبس الناس عنهم إذا خشيت الورطة، فلم أزل كذلك وقد أرادنى العدوّ بكلّ ريدة، فلم يصب منّى غرّة حتّى قدم علىّ سعيد بن مجالد ﵀، فأمرته بالتؤدة، ونهيته عن العجلة، وأمرته ألّا يقاتلهم إلّا فى جماعة الناس عامّة [٣٤٣] فعصاني وتعجّل إليهم فى الخيل، وكنت أشهدت الله عليه وأهل المصرين، أنّى [٢] بريء من رأيه الذي رأى، وأنّى لا أهوى ما صنع. فمضى، تجاوز الله عنه، ودفع الناس إلىّ، فنزلت ودعوتهم إلىّ، ورفعت لهم رايتي، وقاتلت حتّى صرعت فحملني أصحابى من بين القتلى، فما أفقت إلّا وأنا فى أيديهم على رأس ميل من المعركة، فأنا اليوم بالمدائن فى جراحات قد يموت الإنسان من دونها، ويعانى من مثلها. فليسأل الأمير، أصلحه الله، عن نصيحتي له ولجنده، وعن مكايدتى عدوّه، وعن موقفي يوم البأس. فإنّه يستبين له عند ذلك

стр. 837

أنّى قد صدقته ونصحت له. والسلام.» فكتب إليه الحجّاج: - «أما بعد، فقد أتانى كتابك وقرأته وفهمت كلّ ما ذكرته فيه من أمر سعيد وأمر نفسك وقد صدّقتك فى نصيحتك لأميرك، وحيطتك على أهل مصرك، وشدّتك على عدوّك وقد رضيت عجلة سعيد وتؤدتك. فأما عجلته فانّها أفضت به إلى الجنة وأما تؤدتك فإنها ما لم تدع الفرصة إذا أمكنتك، حزم، وقد أحسنت وأصبت وأجرت، وأنت عندي من أهل السمع، والطاعة والنصيحة، وقد أشخصت إليك حيّان [١] بن أعسر [٣٤٤] ليداويك ويعالج جراحتك، وبعثت إليك بألفي درهم، فأنفقها فى حاجتك وما ينوبك. والسلام.» وبعث عبد الله بن أبى عصيفر إلى الجزل بألف درهم، وكان يعوده ويتعاهده باللّطف والهديّة. وأقبل شبيب حتّى قطع دجلة عند الكرخ، وبعث إلى سوق بغداد، وكان ذلك يوم سوقهم، فآمنهم، وكان بلغه أنهم يخافونه، وهو وأصحابه يريدون أن يشتروا من السوق دوابّ وثيابا وأشياء ليس لهم منها بدّ، ثمّ أخذ بهم نحو الكوفة، فساروا، وبلغ الحجّاج مكانه بحمّام [أعين] [٢] فبعث إلى سويد بن عبد الرحمان السعدي، فجهّزه فى ألفى فارس نقاوة وقال له: - «اخرج إلى شبيب، فالقه واجعل ميمنة وميسرة، ثمّ انزل إليهم فى الرجال، فإن استطرد لك فدعه ولا تتّبعه.» فخرج، فعسكر بالناس بالسبخة، وبلغه أنّ شبيبا قد أقبل. فسار نحوه وكأنما يساقون إلى الموت. وأمر الحجّاج عثمان بن قطن فعسكر بالناس فى السبخة، ونادى:

стр. 838

- «ألا، برئت الذمّة من رجل من هذا الجند بات الليلة بالكوفة ولم يخرج إلى عثمان بن قطن بالسبخة.» فبينا سويد بن عبد الرحمان يسير فى الألفين الذين معه وهو يعبّئهم [٣٤٥] ويحرّضهم، إذ قيل له: - «قد غشيك شبيب.» فنزل، ونزل معه جلّ أصحابه، وقدّم رايته، فأخبر أنّ شبيبا لمّا أخبر بمكانك، تركك، ووجد مخاضة فعبر الفرات يريد الكوفة من غير الوجه الذي أنت به. ثمّ قيل لهم: - «أما تراهم؟» فنادى فى أصحابه، فركبوا فى آثارهم وإنّ شبيبا أتى دار الرزق، فنزلها، فقيل له: - «إنّ أهل الكوفة بأجمعهم معسكرون.» فلمّا بلغ مكان شبيب، ماج بعضهم فى بعض، وجالوا وهمّوا بدخول الكوفة حتّى قيل لهم: - «هذا سويد بن عبد الرحمان فى آثارهم قد لحقهم وهو يقاتلهم فى الخيل.» ومضى شبيب حتّى أخذ على شاطئ الفرات، ثمّ أخذ على الأنبار، ثمّ دخل وقوقا، ثمّ ارتفع إلى أدانى آذربيجان. فتركه الحجّاج، وخرج إلى البصرة، واستخلف على الكوفة عروة بن شعبه. فما شعر الناس بشيء حتّى جاء كتاب مادر واسب دهقان بابل مهروذ إلى عروة بن المغيرة بن شعبة أنّ تاجرا من تجّار أهل بلادي أتانى يذكر أنّ شبيبا يريد أن يدخل الكوفة فى أول هذا الشهر المستقبل، وأحببت إعلامك لترى رأيك ثمّ لم ألبث أن جاءني جائيان [٣٤٦] من

стр. 839

جيراني، فحدّثانى أنه قد نزل خانيار [١] . فأخذ عروة كتابه، فأدرجه وسرّح به إلى الحجّاج بالبصرة. فلما قرأه الحجّاج أقبل جادّا إلى الكوفة، وأقبل شبيب حتّى انتهى إلى قرية يقال لها: حزى، على شاطئ دجلة، فعبر منها، وقال لأصحابه: - «يا هؤلاء، إنّ الحجّاج ليس بالكوفة وليس دون الكوفة شيء إن شاء الله، فسيروا بنا.» فخرج يبادر الحجّاج إلى الكوفة. وكتب عروة إلى الحجّاج: - «إنّ شبيبا أقبل مسرعا يريد الكوفة، فالعجل العجل.» فطوى الحجّاج المنازل، واستبقا إلى الكوفة: فنزلها الحجّاج صلاة العصر، ونزل شبيب السبخة صلاة المغرب والعشاء الآخرة، ثمّ أصاب هو وأصحابه من الطعام شيئا يسيرا، ثمّ ركبوا خيولهم. فدخل الكوفة، وجاء شبيب حتّى انتهى إلى السوق. ثمّ شدّ حتّى ضرب باب القصر بعموده. قال: فحدّثنى جماعة أنهم رأوا ضربة شبيب باب القصر، ثمّ أقبل حتّى وقف عند المصطبّة [٢] وقال: وكأنّ حافرها بكلّ خميلة ... فرق [٣] يكيل به شحيح معدم ثمّ اقتحم أصحابه المسجد، وكان لا يفارقه قوم يصلّون فيه، فقتل جماعة. ومرّ بدار [٣٤٧] حوشب وهو على الشرط، فوقفوا على با به وقالوا:

стр. 840

- «إنّ الأمير يدعو حوشبا.» فأخرج ميمون غلامه برذون حوشب فكأنّه أنكرهم وأراد أن يدخل إلى صاحبه، فقالوا له: - «كما أنت حتّى يخرج صاحبك.» فسمع حوشب الكلام، فأنكر القوم، فلما رأى جماعتهم أنكرهم وذهب لينصرف فعجّلوا نحوه، ودخل وأغلق الباب وقتلوا غلامه ميمونا وأخذوا برذونه ومضوا. حتّى مرّوا بالجحّاف بن بسيط الشيبانى من رهط حوشب. فقال له سويد: - «انزل إلينا.» فقال: - «ما تصنع بنزولى؟» قال سويد: - «انزل أقضك ثمن البكرة التي كنت ابتعتها منك بالبادية.» فقال له الجحّاف: - «بئس ساعة القضاء هذه الساعة، وبئس المكان لقضاء الدين، أما ذكرت أداء أمانتك إلّا والليل مظلم وأنت على متن فرسك! قبّح الله دينا لا يصلح ولا يتمّ إلّا بقتل وسفك لدماء أهل القبلة.» ثمّ مرّوا بمسجد بنى ذهل، فلقوا ذهل بن الحارث، وكان يصلّى فى مسجد قومه فيطيل الصلاة، فصادفوه منصرفا إلى منزله، فقتلوه. ثمّ خرجوا متوجّهين نحو الردمة، وأمر الحجّاج فنودي: - «يا خيل الله اركبي وأبشرى.» وهو فوق القصر [٣٤٨] وهناك مصباح مع غلام له قائم. فكان أول من جاء من الناس عثمان بن قطن ومعه مواليه وناس من أهله، فقال: - «أعلموا الأمير مكاني، أنا عثمان بن قطن، ليأمرنى بأمره.» فناداه ذلك الغلام:

стр. 841

- «قف مكانك حتّى يأتيك أمر الأمير.» وجاء الناس من كلّ جانب، وبات عثمان فى من اجتمع إليه من الناس حتّى أصبح. وكان عبد الملك بن مروان قد بعث محمد بن موسى بن طلحة على سجستان، وكتب له عليها عهده، وكتب إلى الحجّاج: - «إذا قدم عليك محمد بن موسى بن طلحة فجهّز معه ألفى رجل، وعجّل سراحه إلى سجستان.» فلما قدم محمد بن موسى الكوفة جعل يتحبّس ويتجهّز. فقال له نصحاؤه: - «تعجّل أيها الرجل إلى عملك، فإنّك لا تدرى ما يحدث.» فأقام على حاله وحدث من أمر شبيب ما حدث. حيلة الحجّاج على محمد بن موسى حتّى حارب الخوارج وقتل فقيل للحجّاج: - «إن سار هذا إلى سجستان مع نجدته وصهره لعبد الملك فلجأ إليه ممن تطلب أحد، منعك منه؟» قال: - «فما الحيلة؟» قالوا: - «تأتيه فتسلّم عليه وتذكر نجدته وبأسه وأنّ شبيبا فى طريقه وقد أعياك، وأنّك ترجو أن يريح الله منه على [٣٤٩] يديه، فيكون له ذكر ذلك [١] وشهرته.» فكتب إليه الحجّاج: - «إنّك عامل على كلّ بلد مررت به، وهذا شبيب فى طريقك تجاهد ومن معه ولك ذكره وصيته، ثمّ تمضى إلى عملك.» فاستجاب له.

стр. 842

ثمّ إنّ الحجّاج بعث بشر [١] بن غالب الأسدىّ فى ألفى رجل وزيادة بن قدامة فى ألفين، وأبا الضريس مولى تميم فى ألف من الموالي، وأعين صاحب حمّام أعين مولى بشر بن مروان فى ألف، وجماعة غيرهم. واجتمع تلك الأمراء فى أسفل الفرات، فترك شبيب الوجه الذي فيه جماعة أولئك القوّاد، وأخذ نحو القادسيّة. فوجّه الحجّاج زحر بن قيس فى جريدة خيل نقاوة ألف وثمانمائة فارس، وقال له: - «اتّبع شبيبا حتّى تواقعه حيث ما أدركته ما لم يعطف عليك وينزل فيقيم لك فلا تبرح حتّى تواقعه.» فخرج زحر حتّى انتهى إلى السيلحين، وبلغ شبيبا مسيره إليه، فأقبل نحوه فالتقيا، فجعل زحر على ميمنته عبد الله بن كناز [٢] اليهودىّ، وكان شجاعا وعلى ميسرته عدىّ بن عميرة الكندىّ، وجمع شبيب خيله كلّها كبكبة واحدة، ثمّ اعترض بها الصفّ يوجف وجيفا حتّى انتهى إلى زحر بن قيس. فنزل زحر فقاتل [٣٥٠] حتّى صرع وانهزم أصحابه. فظنّ القوم أنّهم قتلوه. فلما كان فى السحر وأصابه البرد قام يمشى حتّى دخل قرية فبات فيها وحمل منها إلى الكوفة وبوجهه أربع [٣] عشرة ضربة، فمكث أياما ثمّ أتى الحجّاج وعلى وجهه القطن، فأجلسه معه على السرير. وقال أصحاب شبيب لشبيب، وهم يظنّون أنّهم قتلوا زحرا: - «قد هزمنا لهم جندا، وقتلنا أميرا من أمرائهم عظيما. انصرف بنا الآن وافرين [٤] .» فقال لهم:

стр. 843

- «إنّ قتلنا هذا الرجل وهزيمتنا هذا الجند قد أرعبت هذه الأمراء، فاقصدوا بنا قصدهم، فو الله لئن نحن قتلناهم، ما دون قتل الحجّاج وأخذ الكوفة شيء.» فقالوا: - «نحن طوع أمرك، فرأيك.» قال: فانقضّ [١] بهم جوادا حتّى أتى نجران الكوفة بناحية عين التمر، ثمّ استخبر عن القوم فعرّف اجتماعهم بروذآباد فى أسفل الفرات على رأس أربعة وعشرين فرسخا من الكوفة، وبلغ الحجّاج مسير شبيب إليهم، فبعث إليهم يقول لهم: - «إن جمعكم قتال، فأميركم زايدة بن قدامة.» قال عبد الرحمن: فانتهى إلينا شبيب وفينا سبعة أمراء، على جماعتهم زايدة بن قدامة، وقد عبّى [٣٥١] كلّ أمير أصحابه على حدة وهو واقف فى أصحابه. فأشرف على الناس شبيب وهو على فرس له كميت أغرّ، فنظر إلى تعبئتهم، ثمّ رجع إلى أصحابه، فأقبل فى ثلاث كتائب يوجفون، حتّى إذا دنا من الناس مضت كتيبة فيها سويد بن سليم، فيقف فى ميمنتنا، وفيها زياد بن عمرو العتكىّ، ومضت كتيبة فيها مصاد أخو شبيب، فوقفت بإزاء ميسرتنا، وفيها بشر بن غالب الأسدى، وجاء شبيب فى كتيبة حتّى وقف مقابل القلب. قال: فخرج زايدة بن قدامة يسير فى الناس بين الميمنة والميسرة يحرّض الناس ويقول: - «عباد الله، إنكم الطيّبون الكثيرون، وقد نزل بكم الخبيثون القليلون. اصبروا، جعلت لكم الفداء لكرّتين أو ثلاث، ثمّ هو النصر، ليس دونه شيء إلّا ترونهم. والله ما يكونون مائتي رجل، إنما هم أكلة رأس، وهم السرّاق المرّاق، إنّما

стр. 844

جاءوكم ليهريقوا دماءكم ويأخذوا فيئكم [١] ، فلا يكونوا على أخذه أقوى منكم على منعه، وهم قليل وأنتم كثير، وهم أهل فرقة وأنتم أهل جماعة، وغضّوا الأبصار واستقبلوهم بالأسنّة، ولا تحملوا عليهم حتّى آمركم.» ثمّ انصرف إلى موقفه. [٣٥٢] وحمل سويد بن سليم على زياد بن عمرو، فانكشف صفّهم، وثبت زياد فى جماعة، ثمّ ارتفع عنهم سويد قليلا، ثمّ كرّ عليهم ثانية. قال فروة بن لقيط: إطّعنّا ساعة وصبروا لنا حتّى ظننت أنهم لن يزولوا. وقاتل زياد بن عمرو قتالا شديدا. فلقد رأيت سويد بن سليم يومئذ وإنّه لأشدّ العرب قتالا وأشجعهم وما يعرض [٢] لهم. قال: ثمّ ارتفعنا عنهم، فإذا هم يتقوّضون، فقال لنا أصحابنا: - «ألا تراهم يتقوّضون؟ احملوا عليهم.» فراسلنا شبيب: - «خلّوهم حتّى يخفّوا.» فتركوهم قليلا، ثمّ حمل عليهم الثالثة، فانهزموا. فنظرت إلى زياد بن عمرو وإنّه ليضرب بالسيوف، وما من سيف يضرب به إلّا نبا عنه، ولقد اعتوره أكثر من عشرين سيفا وهو مجفّف، فما ضرّه شيء منها. ثمّ إنّه والله انهزم. ثمّ انتهينا إلى محمد بن موسى بن طلحة عند المغرب، فقاتلنا قتالا شديدا وصبرنا. ثمّ إنّ مصادا حمل على بشر بن غالب فى الميسرة، فصبر وأبلى وكرم، ونزل معه رجال من أهل الصبر نحو خمسين، فضاربوا بأسيافهم حتّى قتلوا. فلما قتلوا انهزم أصحابه.

стр. 845

قال: وشددنا على أبى الضريس فهزمناه حتّى انتهى إلى موقف أعين. [٣٥٣] ثمّ شددنا عليه وعلى أعين فهزمناهم حتّى انتهوا إلى زايدة بن قدامة. فلما انتهوا إليه، نزل ونادى: - «يا أهل الإسلام، الأرض الأرض، إلىّ إلىّ. لا يكونوا على كفرهم أصبر منكم على إيمانكم.» فقاتل عامة الليل إلى السحر. ثمّ إنّ شبيبا شدّ عليه فى جماعة من أصحابه، فقتله وربضة [١] حوله من أهل الحفاظ. وقال شبيب لأصحابه: - «ارفعوا السيف عن الناس وادعوهم إلى البيعة.» فدعوهم عند الفجر إلى البيعة. قال عبد الرحمن بن جندب: فكنت ممن قدّم فبايعته وهو واقف على فرس وخيله واقفة دونه. فكلّ من جاء ليبايعه نزع سيفه عن عاتقه وأخذ سلاحه، ثمّ يدنى من شبيب فيسلّم عليه بأمير المؤمنين، ثمّ يبايع. فإنّا لكذلك، إذا أضاء الفجر، ومحمد بن موسى بن طلحة فى أقصى العسكر مع أصحابه قد صبروا. وأمر مؤذنه فأذّن، فلما سمع الأذان قال: - «ما هذا؟» قالوا: - «هذا محمد بن موسى بن طلحة، لم يبرح.» قال: - «ظننت أنّ حمقه وخيلاءه سيحمله على هذا. نحّوا هؤلاء عنّا، وانزلوا بنا فلنصلّ.»
следующие страницы →