- «قف مكانك حتّى يأتيك أمر الأمير.» وجاء الناس من كلّ جانب، وبات عثمان فى من اجتمع إليه من الناس حتّى أصبح.
وكان عبد الملك بن مروان قد بعث محمد بن موسى بن طلحة على سجستان، وكتب له عليها عهده، وكتب إلى الحجّاج:
- «إذا قدم عليك محمد بن موسى بن طلحة فجهّز معه ألفى رجل، وعجّل سراحه إلى سجستان.» فلما قدم محمد بن موسى الكوفة جعل يتحبّس ويتجهّز. فقال له نصحاؤه:
- «تعجّل أيها الرجل إلى عملك، فإنّك لا تدرى ما يحدث.» فأقام على حاله وحدث من أمر شبيب ما حدث.
حيلة الحجّاج على محمد بن موسى حتّى حارب الخوارج وقتل
فقيل للحجّاج:
- «إن سار هذا إلى سجستان مع نجدته وصهره لعبد الملك فلجأ إليه ممن تطلب أحد، منعك منه؟» قال:
- «فما الحيلة؟» قالوا:
- «تأتيه فتسلّم عليه وتذكر نجدته وبأسه وأنّ شبيبا فى طريقه وقد أعياك، وأنّك ترجو أن يريح الله منه على [٣٤٩] يديه، فيكون له ذكر ذلك [١] وشهرته.» فكتب إليه الحجّاج:
- «إنّك عامل على كلّ بلد مررت به، وهذا شبيب فى طريقك تجاهد ومن معه ولك ذكره وصيته، ثمّ تمضى إلى عملك.» فاستجاب له.
стр. 842
ثمّ إنّ الحجّاج بعث بشر [١] بن غالب الأسدىّ فى ألفى رجل وزيادة بن قدامة فى ألفين، وأبا الضريس مولى تميم فى ألف من الموالي، وأعين صاحب حمّام أعين مولى بشر بن مروان فى ألف، وجماعة غيرهم. واجتمع تلك الأمراء فى أسفل الفرات، فترك شبيب الوجه الذي فيه جماعة أولئك القوّاد، وأخذ نحو القادسيّة. فوجّه الحجّاج زحر بن قيس فى جريدة خيل نقاوة ألف وثمانمائة فارس، وقال له:
- «اتّبع شبيبا حتّى تواقعه حيث ما أدركته ما لم يعطف عليك وينزل فيقيم لك فلا تبرح حتّى تواقعه.» فخرج زحر حتّى انتهى إلى السيلحين، وبلغ شبيبا مسيره إليه، فأقبل نحوه فالتقيا، فجعل زحر على ميمنته عبد الله بن كناز [٢] اليهودىّ، وكان شجاعا وعلى ميسرته عدىّ بن عميرة الكندىّ، وجمع شبيب خيله كلّها كبكبة واحدة، ثمّ اعترض بها الصفّ يوجف وجيفا حتّى انتهى إلى زحر بن قيس. فنزل زحر فقاتل [٣٥٠] حتّى صرع وانهزم أصحابه. فظنّ القوم أنّهم قتلوه. فلما كان فى السحر وأصابه البرد قام يمشى حتّى دخل قرية فبات فيها وحمل منها إلى الكوفة وبوجهه أربع [٣] عشرة ضربة، فمكث أياما ثمّ أتى الحجّاج وعلى وجهه القطن، فأجلسه معه على السرير.
وقال أصحاب شبيب لشبيب، وهم يظنّون أنّهم قتلوا زحرا:
- «قد هزمنا لهم جندا، وقتلنا أميرا من أمرائهم عظيما. انصرف بنا الآن وافرين [٤] .» فقال لهم:
стр. 843
- «إنّ قتلنا هذا الرجل وهزيمتنا هذا الجند قد أرعبت هذه الأمراء، فاقصدوا بنا قصدهم، فو الله لئن نحن قتلناهم، ما دون قتل الحجّاج وأخذ الكوفة شيء.» فقالوا:
- «نحن طوع أمرك، فرأيك.» قال: فانقضّ [١] بهم جوادا حتّى أتى نجران الكوفة بناحية عين التمر، ثمّ استخبر عن القوم فعرّف اجتماعهم بروذآباد فى أسفل الفرات على رأس أربعة وعشرين فرسخا من الكوفة، وبلغ الحجّاج مسير شبيب إليهم، فبعث إليهم يقول لهم:
- «إن جمعكم قتال، فأميركم زايدة بن قدامة.» قال عبد الرحمن: فانتهى إلينا شبيب وفينا سبعة أمراء، على جماعتهم زايدة بن قدامة، وقد عبّى [٣٥١] كلّ أمير أصحابه على حدة وهو واقف فى أصحابه.
فأشرف على الناس شبيب وهو على فرس له كميت أغرّ، فنظر إلى تعبئتهم، ثمّ رجع إلى أصحابه، فأقبل فى ثلاث كتائب يوجفون، حتّى إذا دنا من الناس مضت كتيبة فيها سويد بن سليم، فيقف فى ميمنتنا، وفيها زياد بن عمرو العتكىّ، ومضت كتيبة فيها مصاد أخو شبيب، فوقفت بإزاء ميسرتنا، وفيها بشر بن غالب الأسدى، وجاء شبيب فى كتيبة حتّى وقف مقابل القلب.
قال: فخرج زايدة بن قدامة يسير فى الناس بين الميمنة والميسرة يحرّض الناس ويقول:
- «عباد الله، إنكم الطيّبون الكثيرون، وقد نزل بكم الخبيثون القليلون. اصبروا، جعلت لكم الفداء لكرّتين أو ثلاث، ثمّ هو النصر، ليس دونه شيء إلّا ترونهم.
والله ما يكونون مائتي رجل، إنما هم أكلة رأس، وهم السرّاق المرّاق، إنّما
стр. 844
جاءوكم ليهريقوا دماءكم ويأخذوا فيئكم [١] ، فلا يكونوا على أخذه أقوى منكم على منعه، وهم قليل وأنتم كثير، وهم أهل فرقة وأنتم أهل جماعة، وغضّوا الأبصار واستقبلوهم بالأسنّة، ولا تحملوا عليهم حتّى آمركم.» ثمّ انصرف إلى موقفه. [٣٥٢] وحمل سويد بن سليم على زياد بن عمرو، فانكشف صفّهم، وثبت زياد فى جماعة، ثمّ ارتفع عنهم سويد قليلا، ثمّ كرّ عليهم ثانية.
قال فروة بن لقيط: إطّعنّا ساعة وصبروا لنا حتّى ظننت أنهم لن يزولوا. وقاتل زياد بن عمرو قتالا شديدا. فلقد رأيت سويد بن سليم يومئذ وإنّه لأشدّ العرب قتالا وأشجعهم وما يعرض [٢] لهم. قال: ثمّ ارتفعنا عنهم، فإذا هم يتقوّضون، فقال لنا أصحابنا:
- «ألا تراهم يتقوّضون؟ احملوا عليهم.» فراسلنا شبيب:
- «خلّوهم حتّى يخفّوا.» فتركوهم قليلا، ثمّ حمل عليهم الثالثة، فانهزموا. فنظرت إلى زياد بن عمرو وإنّه ليضرب بالسيوف، وما من سيف يضرب به إلّا نبا عنه، ولقد اعتوره أكثر من عشرين سيفا وهو مجفّف، فما ضرّه شيء منها. ثمّ إنّه والله انهزم. ثمّ انتهينا إلى محمد بن موسى بن طلحة عند المغرب، فقاتلنا قتالا شديدا وصبرنا. ثمّ إنّ مصادا حمل على بشر بن غالب فى الميسرة، فصبر وأبلى وكرم، ونزل معه رجال من أهل الصبر نحو خمسين، فضاربوا بأسيافهم حتّى قتلوا. فلما قتلوا انهزم أصحابه.
стр. 845
قال: وشددنا على أبى الضريس فهزمناه حتّى انتهى إلى موقف أعين. [٣٥٣] ثمّ شددنا عليه وعلى أعين فهزمناهم حتّى انتهوا إلى زايدة بن قدامة. فلما انتهوا إليه، نزل ونادى:
- «يا أهل الإسلام، الأرض الأرض، إلىّ إلىّ. لا يكونوا على كفرهم أصبر منكم على إيمانكم.» فقاتل عامة الليل إلى السحر.
ثمّ إنّ شبيبا شدّ عليه فى جماعة من أصحابه، فقتله وربضة [١] حوله من أهل الحفاظ.
وقال شبيب لأصحابه:
- «ارفعوا السيف عن الناس وادعوهم إلى البيعة.» فدعوهم عند الفجر إلى البيعة. قال عبد الرحمن بن جندب: فكنت ممن قدّم فبايعته وهو واقف على فرس وخيله واقفة دونه. فكلّ من جاء ليبايعه نزع سيفه عن عاتقه وأخذ سلاحه، ثمّ يدنى من شبيب فيسلّم عليه بأمير المؤمنين، ثمّ يبايع.
فإنّا لكذلك، إذا أضاء الفجر، ومحمد بن موسى بن طلحة فى أقصى العسكر مع أصحابه قد صبروا. وأمر مؤذنه فأذّن، فلما سمع الأذان قال:
- «ما هذا؟» قالوا:
- «هذا محمد بن موسى بن طلحة، لم يبرح.» قال:
- «ظننت أنّ حمقه وخيلاءه سيحمله على هذا. نحّوا هؤلاء عنّا، وانزلوا بنا فلنصلّ.»
стр. 846
فنزل، وأذّن هو، ثمّ استقدم، فصلّى بأصحابه، فقرأ: وَيْلٌ لِكُلِّ [٣٥٤] هُمَزَةٍ ١٠٤: ١ [١] ، و: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ١٠٧: ١ [٢] . ثمّ سلّم وركبوا.
فأرسل شبيب إلى محمد:
- «إنك امرؤ مخدوع، قد اتقى بك الحجّاج وأنت جار لى، ولك حقّ. فانطلق لما أمرت به ولك الله ألّا أريبك.» فأبى إلّا محاربته. فأعاد إليه الرسول، فأبى إلّا قتاله. فقال له شبيب:
- «كأنّى بأصحابك لو التقت حلقتا البطان، لأسلموك، فصرعت مصرع أصحابك فأطعنى وانطلق لشأنك، فإنّى أنفس بك عن القتل.» فأبى ودعا إلى البراز، فبرز له البطين، ثمّ قعنب، ثمّ سويد، فأبى إلّا شبيبا.
فقالوا لشبيب:
- «قد رغب عنّا إليك.» قال:
- «فما ظنّكم؟ هم الأشراف.» فبرز له شبيب، وقال:
- «أنشدك الله فى دمك، فإنّ لك جوارا.» فأبى. فحمل عليه بعموده الحديد، وكان فيه اثنى عشر رطلا. فهشم بيضة عليه ورأسه، ثمّ نزل إليه فكفنه ودفنه. وابتاع ما غنموا له من عسكره، فبعث به إلى أهله واعتذر إلى أصحابه. قال:
- «هو جارى بالكوفة، ولى أن أهب ما غنمت لأهل الردّة.» فقال له أصحابه:
- «مادون الكوفة أحد يمنعها.» فنظر، فإذا أصحابه قد جرحوا. فقال لهم:
- «ما عليكم أكثر مما فعلتم.» [٣٥٥]
стр. 847
وخرج بهم إلى نفّر، ثمّ خرج بهم إلى بغداد نحو خانيجار، فأقام بها. ولما بلغ الحجّاج أنّ شبيبا قد أخذ نحو نفّر، ظنّ أنّه يريد المدائن وهي باب الكوفة، ومن أخذ المدائن كان ما فى يديه من أرض الكوفة أكثر. فهال ذلك الحجّاج، وبعث إلى عثمان بن قطن، وسرّحه إلى المدائن وولّاه منبرها والصلاة ومعونة جوخى كلها وخراج الأستان. فخرج مسرعا حتّى نزل المدائن، وعزل الحجّاج ابن أبى عصيفر، وكان بها الجزل مقيما يداوى جراحاته، وكان ابن أبى عصيفر يعوده ويكرمه ويلطفه. فلما قدم عثمان بن قطن لم يكن يتعاهده ولا يلطفه بشيء.
فكان الجزل يقول:
- «اللهمّ زد ابن أبى عصيفر جودا، وزد عثمان بن قطن ضيقا وبخلا.» ثمّ إنّ الحجّاج دعا عبد الرحمان بن محمد بن الأشعث، فقال له:
- «انتخب الناس.» وأخرج من قومه ستمائة من كندة، ومن سائر الناس ستة آلاف، واستحثّه الحجّاج، فعسكر بدير عبد الرحمان. فلما أراد الحجّاج إشخاصهم كتب إليهم كتابا قرئ عليهم. [٣٥٦]- «أما بعد، فقد اعتدتم [١] عادة الأذلّاء وولّيتم الدبر [٢] يوم الزحف دأب الكافرين. وإنّى قد صفحت عنكم مرّة بعد مرّة، وتارة بعد أخرى. وإنّى أقسم لكم باللَّه قسما صادقا، لئن عدتم لذلك لأوقعنّ بكم إيقاعا أكون به أشدّ عليكم من هذا العدوّ الذي تهربون منه فى بطون الأودية والشعاب، وتسترون منه بأفناء الأنهار وألواذ الجبال. فخاف من كان له معقول على نفسه، ولم يجعل عليها سبيلا، وقد أعذر من أنذر، والسلام.» وارتحل عبد الرحمان فى الناس حتّى مرّ بالمدائن، فنزل بها يوما حتّى تشرّى
стр. 848
به أصحابه حوائجهم، ثمّ نادى فى الناس بالرحيل، فارتحلوا. ثمّ أقبل حتّى دخل على عثمان بن قطن، ثمّ أتى الجزل، فسأله عن [١] جراحته. وحدّثه ساعة. فقال له الجزل:
- «يا ابن عمّ، إنّك تسير إلى فرسان العرب، وأبناء الحرب، وأحلاس الخيل [٢] والله لكأنّما خلقوا من ضلوعها، ثمّ بنوا على ظهورها، ثمّ هم أسد الأجم [٣] الفارس منهم أشدّ من مائة، إن لم يبدأ به بدأ، وإن هجهج أقدم. وإنّى قد قاتلتهم وبلوتهم، [٣٥٧] فإذا أصحرت لهم انتصفوا منّى وكان لهم الفضل علىّ وإذا خندقت علىّ أو قاتلتهم فى مضيق نلت منهم ما أحبّ، وكان لى عليهم، فلا تلقهم وأنت تستطيع، إلّا فى تعبئة أو خندق.» ثمّ ودّعه، وقال له الجزل:
- «هذه فرسي الفسيفساء، خذها فإنّها لا تجارى.» فأخذها. ثمّ خرج بالناس نحو شبيب، فلما دنا منه ارتفع عنه شبيب إلى دقوقا وشهرزور. فخرج عبد الرحمان فى طلبه حتّى إذا كان على التخوم، أقام، وقال:
- «إنما هو فى أرض الموصل، فليقاتلوا عن بلادهم أو ليدعوا [٤] .» فكتب إليه الحجّاج:
- «أما بعد، فاطلب شبيبا واسلك فى أثره أين سلك، حتّى تدركه فتقتله، أو تنفيه. فإنّما السلطان سلطان أمير المؤمنين، والجند جنده. والسلام.»
стр. 849
فخرج عبد الرحمان حتّى قرأ الكتاب فى طلب شبيب. فكان شبيب يدعه حتّى إذا دنا منه يبيّته فيجده قد خندق، وحذر، فيمضى ويدعه، فيتبعه عبد الرحمان. فإذا بلغه أنه قد تحمّل، وأنه يسير، أقبل فى الخيل. فإذا انتهى إليه، وجده قد صفّ الخيل والرجّالة المرامية، [٣٥٨] فلا تصيب له غرّة ولا غفلة، فيمضى ويدعه. ولما رأى شبيب أنه لا يصيب غرّته، ولا يصل إليه، جعل يخرج، كلّما دنا منه عبد الرحمان حتّى ينزل على مسيرة عشرين فرسخا منه، ثمّ يقيم فى أرض غليظة خشنة، فيجيء عبد الرحمان فى خيله وثقله، حتّى إذا دنا من شبيب ارتحل عنه شبيب، فسار خمسة عشر فرسخا أو عشرين فرسخا، فنزل منزلا غليظا خشنا. ثمّ يقيم حتّى يدنو عبد الرحمان. فكان شبيب قد عذّب ذلك العسكر، وشقّ عليهم، وأحفى دوابّهم، ولقوا منه كلّ بلاء. فلم يزل عبد الرحمان يتبعه حتّى مرّ به على خانقين، ثمّ جلولاء، ثمّ تامرّا [١] ، ثمّ أقبل إلى البتّ ونزل بها، وعلى تخوم الموصل، ليس بينها وبين سواد الكوفة إلّا نهر حولايا. وجاء عبد الرحمان حتّى نزل شرقىّ حولايا وهو فى راذان الأعلى من أرض جوخى، ونزل فى عواقير [٢] من النهر، ونزلها عبد الرحمان حيث نزلها وهي تعجبه، يرى أنها مثل الخندق والحصن، وأرسل إلى عبد الرحمان:
- «هذه الأيام أيّام عيد لنا ولكم، فإن رأيتم أن توادعونا حتّى تمضى هذه الأيام فعلتم.» فأجابه عبد الرحمان [٣٥٩] إلى ذلك ولم يكن شيء أحبّ إلى عبد الرحمان من المطاولة والموادعة.
стр. 850
فكتب عثمان بن قطن إلى الحجّاج:
- «أما بعد، فإنّى أخبر الأمير، أصلحه الله، أنّ عبد الرحمان بن محمد بن الأشعث قد حفر جوخى كلّها خندقا واحدا، وخلّى شبيبا، وكسر خراجها، فهو يأكل أهلها. والسلام.» وكتب إليه الحجّاج:
- «قد فهمت ما ذكرت، وقد- لعمري- فعل عبد الرحمان غير مرضىّ، فسر إلى الناس، فأنت أميرهم، وعاجل المارقة حتّى تلقاهم.» وبعث الحجّاج إلى المدائن مطرّف بن المغيرة بن شعبة، وخرج عثمان حتّى قدم على عبد الرحمان ومن معه وهم معسكرون على نهر حولايا قريبا من البتّ وذلك يوم التروية عشاء. فنادى الناس وهو على بغله:
- «أيها الناس، أخرجوا إلى عدوّكم.» فوثب إليه الناس فقالوا:
- «ننشدك الله، هذا المساء قد غشينا، والناس لم يوطّنوا أنفسهم على القتال.
فبت الليلة، ثمّ اخرج على تعبئة.» فجعل يقول:
- «لأناجزنّهم، فلتكوننّ الفرصة لى أولهم.» فأتاه عبد الرحمان، فأخذ بعنان بغلته وناشده الله لما نزل، وقال له عقيل بن شدّاد السلولي:
- «إنّ الذي تريد من مناجزتهم الساعة، أنت فاعله غدا وهو خير لك وللناس.
[٣٦٠] إنّ هذه ساعة ريح [١] وغبرة وقد أمسيت، فانزل، ثمّ ابكر بنا غدوة.» فنزل، فسفت عليه الريح، وشقّ عليه الغبار، ودعا صاحب الخراج العلوج،
стр. 851
فبنوا له قبّة وبات فيه. ثمّ أصبح وخرج بالناس، فاستقبلهم ريح شديدة وغبرة.
فصاح الناس إليهم وقالوا:
- «ننشدك الله أن تخرج بنا فى هذا اليوم، فإنّ الريح علينا.» فأقام ذلك اليوم، وكان شبيب يخرج إليهم. فلما رءاهم لم يخرجوا إليه أقام.
فلما كان من الغد خرج عثمان يعبّئ الناس على أرباعهم، وسألهم:
- «من كان على ميمنتكم وميسرتكم؟» قالوا:
- «كان خالد بن نهيك بن قيس الكندي على ميسرتنا، وعقيل بن شدّاد السلولي كان على ميمنتنا.» فقال لهما:
- «قفا مواقفكما التي كنتما بها، فقد ولّيتكما المجنّبتين، فاثبتا ولا تفرّا، فو الله لا أزول حتّى تزول نخيل راذان عن أصولها.» فقالا:
- «فنحن والله الذي لا إله إلّا هو، لا نفرّ حتّى نظفر أو نقتل.» فقال لهما:
- «جزاكما الله خيرا.» ثمّ أقام حتّى صلّى بالناس الغداة، ثمّ خرج بالخيل، ونزل يمشى فى الرجال.
وخرج شبيب وهو يومئذ فى مائة [٣٦١] وأحد وثمانين رجلا. فقطع إليهم النهر، وكان هو فى ميمنة أصحابه، وجعل على ميسرته سويد بن سليم، وجعل فى القلب مصادا أخاه، وزحفوا. وكان عثمان بن قطن يقول فيكثر:
- «لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل، وإذا لا تمتّعون إلّا قليلا [١] .» ثمّ قال شبيب لأصحابه:
- «إنّى حامل على ميسرتهم مما يلي النهر، فإذا هزمتها فليحمل صاحب ميسرتى على ميمنتهم، ولا يبرح صاحب القلب حتّى يأتيه أمرى.»
стр. 852
وحمل [١] فى ميمنة أصحابه مما يلي النهر على ميسرة عثمان بن قطن، فانهزموا، ونزل عقيل بن شدّاد مع طائفة من أهل الحفاظ، فقاتل حتّى قتل، وقتلوا معه. ودخل شبيب عسكرهم، وحمل سويد بن سليم فى ميسرة شبيب على ميمنة عثمان بن قطن، فهزمها وعليها خالد بن نهيك الكندي. فنزل خالد فقاتل قتالا شديدا، وحمل عليه شبيب من ورائه، فلم ينثن حتّى علاه بالسيف فقتله.
ومشى عثمان بن قطن، وقد نزلت معه العرفاء وأشراف الناس والفرسان نحو القلب، وفيه أخو شبيب فى نحو من ستين رجلا. فلما دنا منهم عثمان بن قطن شدّ عليهم فى الأشراف وأهل الصبر، فضربوهم حتّى فرّقوا بينهم. [٣٦٢] وحمل شبيب من ورائهم بالخيل، فما شعروا إلّا والرماح فى أكتافهم يكبّهم لوجوههم.
وعطف عليهم سويد بن سليم أيضا فى خيله، ورجع مصاد وأصحابه، وقاتل عثمان بن قطن، فأحسن القتال. ثمّ إنهم شدّوا عليه، فأحاطوا به، وحمل عليه مصاد أخو شبيب، فضربه ضربة بالسيف استدار لها، وقال:
- «وكان أمر الله قدرا مقدورا [٢] .» ثمّ إنّهم قتلوه، وقتل معه العرفاء ووجوه الناس، فقتل من كندة يومئذ مائة وعشرون رجلا، وقتل من سائر الناس نحو من ألف، ووقع عبد الرحمان بن محمد بن الأشعث، فعرفه ابن أبى سبرة، فنزل وناوله الرمح وقال له: اركب، فركب وارتدف ابن أبى سبرة وقال له عبد الرحمان:
- «ناد فى الناس: الحقوا بدير ابن أبى مريم.» فنادى. ثمّ انطلقا ذاهبين، وأمر شبيب أصحابه، فرفعوا عن الناس السيف ودعاهم إلى البيعة، فأتاه من بقي من الرجال، فبايعوه. وبات عبد الرحمان بدير
стр. 853
النعار [١] ، فأتاه فارسان. فخلا أحدهما بعبد الرحمان طويلا يناجيه، وقام الآخر قريبا منهما، ثمّ مضى مع صاحبه، فكان الناس يتحدّثون أنّ ذاك كان شبيبا وأنه كان كاتبه. [٣٦٣] ثمّ خرج عبد الرحمان آخر الليل، فسار حتّى أتى دير ابن أبى مريم، فإذا هو بأصحاب الخيل قد وضع لهم ابن أبى سبرة صبر [٢] الشعير والقتّ كأنّها القصور ونحر لهم من الجزر ما شاءوا، واجتمع الناس إلى عبد الرحمان فقالوا له:
- «إن علم شبيب بمكانك أتاك وكنت له غنيمة، قد تفرّق عنك الناس وقتل خيارهم، فالحق أيها الرجل بالكوفة.» فخرج، وخرج معه الناس، وجاء حتّى اختبأ [٣] من الحجّاج، إلى أن أخذ له الأمان بعد ذلك.
ثمّ إنّ شبيبا اشتدّ عليه الحرّ وعلى أصحابه، فأتى ماه بهراذان [٤] ، فتصيّف بها ثلاثة أشهر. وأتاه ناس ممن كان يطلب الدنيا كثير، ولحق به ناس ممن كان يطلبهم الحجّاج بمال وتباعات. فمنهم رجل يقال له: الحرّ بن عبد الله بن عوف، كان قتل دهقانين من أهل درقيط [٥] كانا ضيفين عليه، ولحق بشبيب حتّى شهد معه مواطنه، حتّى قتل شبيب، وله مقام عند الحجّاج وكلام سلم به من القتل يجب أن نثبته. وهو أنّ الحجّاج، لمّا آمن بعد قتل شبيب كلّ من خرج إليه من أصحاب المال، خرج إليه الحرّ فى من خرج. فجاء أهل الدهقانين يستعدون عليه
стр. 854
الحجّاج. فأتى به. [٣٦٤]
كلام للحرّ، لمّا أتى به ليقتل، سلم به
فقال له الحجّاج:
- «يا عدوّ الله قتلت رجلين من أهل الخراج؟» فقال له:
- «قد كان- أصلحك الله- منّى ما هو أعظم من هذا.» قال:
- «وما هو؟» قال:
- «خروجي من الطاعة وفراقي الجماعة. ثمّ إنّك آمنت كلّ من خرج إليك وهذا أمانى وكتابك لى.» فقال له الحجّاج:
- «قد لعمري فعلت أولى لك.» وخلّى سبيله.
رجعنا إلى حديث شبيب. ثمّ إنّه لمّا انفسخ الحرّ عن شبيب خرج من ماه فى نحو من ثمانمائة رجل. فأقبل نحو المدائن وعليها مطرف بن المغيرة بن شعبة.
فجاء حتّى نزل قناطر حذيفة بن اليمان. فكتب ماذرواسب، وهو عظيم بابل مهروذ، إلى الحجّاج يخبره خبر شبيب. فقام الحجّاج فى الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:
- «أيها الناس، لتقاتلنّ عن بلادكم وعن فيئكم [١] أو لأبعثنّ إلى قوم هم أطوع وأسمع وأصبر على البلاء منكم، فيقاتلون عدوّكم ويأكلون فيئكم.» فقام إليه الناس من كلّ جانب يقولون:
- «نحن نقاتلهم ونعتب الأمير، فليندبنا إليهم، فإنّا حيث سرّه.»
стр. 855
وقام إليه زهرة [٣٦٥] بن حويّة. وهو يومئذ شيخ كبير، لا يستتمّ قائما حتّى يؤخذ بيده، فقال:
- «أصلح الله الأمير. إنّك إنما تبعث الناس متقطّعين، فاستنفر الناس إليهم كافّة، وابعث عليهم رجلا متينا شجاعا، محربا مجرّبا ممن يرى الفرار هضما وعارا، والصبر مجدا وكرما. ٢ فقال له الحجّاج:
- «فأنت ذاك. فاخرج!» فقال له:
- «أصلح الله الأمير. إنما يصلح الناس فى هذا رجل يحمل الرمح والدرع، ويهزّ السيف ويثبت على متن الفرس، وأنا لا أطيق من هذا شيئا. قد ضعفت وضعف بصرى، ولكن أجرى [١] فى الناس مع أمير، فإنّى أثبت على الرحالة، فأكون مع الأمير فى عسكره وأشير عليه برأى.» فقال له الحجّاج:
- «جزاك الله عن الإسلام والطاعة فى أوّل الإسلام وآخره خيرا. فقد نصحت وصدقت. أنا مخرج الناس كافّة، ألا، فسيروا أيها الناس.» فانصرف الناس وجعلوا يتيسّرون [٢] ولا يدرون من أميرهم.
ذكر رأى سديد للحجّاج
وكتب الحجّاج إلى عبد الملك بن مروان:
- «أما بعد، فإنّى أخبر أمير المؤمنين، أكرمه الله، [٣٦٦] أنّ شبيبا قد شارف المدائن، وإنّما يريد الكوفة، وقد عجز أهل الكوفة عن قتاله فى مواطن كثيرة، فى كلّها تقتل أمراؤهم وتفلّ جنودهم. فإن رأى أمير المؤمنين أن يبعث إلىّ أهل الشام
стр. 856
فيقاتلوا عدوّهم ويأكلوا بلادهم، فليفعل.» فلما أتى عبد الملك كتابه، بعث إليه سفيان بن الأبرد فى أربعة آلاف، وبعث إليه حبيب بن عبد الرحمان بن مذحج فى ألفين، فسرّحهم حين أتاه كتاب الحجّاج، وكان بعث الحجّاج إلى عتّاب بن ورقاء ليأتيه، وكان على خيل الكوفة مع المهلّب وهم الجيش الذي كان بشر بن مروان بعث عليهم عبد الرحمان بن مخنف إلى قطري، وقد أخبرنا فى ما مضى بمقتل عبد الرحمان بن مخنف. فبعث الحجّاج عتّاب بن ورقاء على ذلك الجيش الذي أصيب فيهم عبد الرحمان، وكان جرى لعتّاب مع المهلّب كلام تأدّى إلى وحشة.
فلما أن جاء فى هذا الوقت كتاب الحجّاج إلى عتّاب بن ورقاء بأن يأتيه، سرّ بذلك، ودعا الحجّاج أشراف الكوفة، فيهم: زهرة بن حويّة، وقبيصة بن والق، فقال:
- «من ترون أن أبعث على هذا الجيش؟» فقالوا:
- «رأيك أيها الأمير [٣٦٧] أفضل.» - «فإنّى قد بعثت إلى عتّاب بن ورقاء، وهو قادم [١] عليكم الليلة، فيكون هو الذي يسير فى الناس.» قال زهرة بن حويّة:
- «أصلح الله الأمير، رميتهم بحجرهم، لا والله، ما يرجع إليك حتّى يظفر أو يقتل.»
ذكر رأى جيّد رءاه قبيصة بن والق
فقال قبيصة بن والق:
стр. 857
- «إنّى أشير عليك برأى اجتهدته نصيحة لأمير المؤمنين، وللأمير ولعامة المسلمين. إنّا قد تحدّثنا وتحدّث الناس. إنّ جيشا فصل إليك من أهل الشام، وإنّ أهل الكوفة قد هزموا، وهان عليهم الفرار والعار من الهزيمة، فقلوبهم كأنّما هي فى قوم آخرين. فإن رأيت أن تبعث إلى جيشك الذي أمددت به من أهل الشام فيأخذوا حذرهم، ولا يلبثوا إلّا وهم يرون أنهم ميّتون، فعلت. فإنّك تحارب حوّلا قلّبا، طعّانا رحّالا، وقد جهّزت إليه أهل الكوفة، ولست واثقا بهم كلّ الثقة، وإنّما إخوانهم هؤلاء القوم الذين بعثوا إليك من الشام. إنّ شبيبا، بينا هو فى أرض، إذ هو فى أرض أخرى، ولا آمن أن يأتيهم [٣٦٨] وهم غارّون [١] . وإن يهلكوا نهلك وتهلك العراق.» فقال:
- «لله أنت! ما أحسن ما رأيت لى، وما أحسن ما أشرت به علىّ.» فبعث إلى من أقبل إليه من الشام، فأتاهم كتاب الحجّاج وقد نزلوا هيت، فقرءوه، فإذا فيه:
- «أما بعد، فإذا حاذيتم هيت فدعوا طريق الفرات والأنبار وخذوا على عين التمر حتّى تقدموا الكوفة إن شاء الله.» فأقبل القوم سراعا، وقدم عتّاب بن ورقاء فى الليلة التي قال الحجّاج إنه قادم. فأمره الحجّاج، فخرج بالناس وعسكر بحمّام أعين، وأقبل شبيب حتّى انتهى إلى كلواذى، فقطع منها دجلة. ثمّ أقبل حتّى نزل مدينة بهر سير، وصار بينه وبين مطرّف بن المغيرة بن شعبة جسر دجلة، فقطع مطرّف الجسر، وبعث إلى شبيب أن ابعث رجالا من وجوه أصحابك.
стр. 858
مكيدة للمطرّف بن المغيرة كاد بها شبيبا حتّى حبسه عن وجهه
وأظهر مطرّف أنّه يريد أن يدار سهم القرآن وينظر فى ما يدعو إليه، فإن وجده حقّا تبعه. فبعث إليه شبيب رجالا فيهم قعنب وسويد والمحلّل، ووصّاهم [٣٦٩] شبيب ألّا يدخلوا السفينة حتّى يرجع رسوله من عند مطرّف، وبعث إلى مطرّف أن:
- «ابعث إلىّ من أصحابك بعدّة أصحابى يكونوا رهنا فى يدي حتّى ترد على أصحابى.» فقال مطرّف لرسوله:
- «القه وقل له: كيف آمنك على أصحابى إذا بعثت بهم الآن وأنت لا تأمننى على أصحابك.» فأبلغه الرسول، فقال شبيب:
- «إنّك قد علمت أنّا لا نستحلّ الغدر فى ديننا، وأنتم تستحلّونه وتفعلونه.» فبعث إليه مطرّف جماعة من وجوه أصحابه. فلما صاروا فى يد شبيب، سرّح إليه أصحابه. فأتوا مطرّفا، فمكثوا أربعة أيّام يتناظرون [١] ، ثمّ لم يتّفقوا على شيء.
فلما تبيّن لشبيب أن مطرّفا غير تابعه [٢] ، تعبّى للمسير، وجمع أصحابه وقال لهم:
- «إنّ هذا الثقفىّ قطعني عن رأيى منذ أربعة أيام. وذاك أنّى هممت أن أخرج فى جريدة من الخيل حتّى ألقى هذا الجيش المقبل من الشام، رجاء أن أصادف غرّتهم قبل أن يحذروا، وكنت ألقاهم متقطّعين عن المصر ليس عليهم أمير كالحجّاج يستندون إليه، ولا مصر كالكوفة يعتصمون به، وقد جاءتني عيون أنّ
стр. 859
أوائلهم قد دخلوا [٣٧٠] عين التمر، فهم الآن قد شارفوا الكوفة [١] . وجاءتني أيضا عيوني من نحو عتّاب أنّه قد نزل بجماعة أهل الكوفة والبصرة. فما أقرب ما بيننا وبينهم. فتيسّروا بنا للمسير إلى عتّاب بن ورقاء.» وكان عتّاب يومئذ قد أخرج معه جماعة أهل الكوفة مقاتلتهم وشبّانهم، فوافى معه أربعون ألفا من المقاتلة، وعشرة آلاف من الشباب. فكانوا خمسين ألفا. وهدّدهم الحجّاج إن هربوا كعادة أهل الكوفة، وتوعّدهم.
وعرض شبيب أصحابه فى المدائن، فكانوا ألف رجل، فخطبهم، وحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:
- «يا معشر المسلمين، إنّ الله قد كان ينصركم وأنتم مائة ومائتان، وأنتم اليوم مئون ومئون. ألا، إنّى مصلّ الظهر ثمّ سائر بكم إن شاء الله.» فصلّى، ثمّ نودى فى الناس، فأخذوا يتخلّفون ويتأخّرون.
قال فروة بن لقيط: فلما جاز بنا ساباط، ونزلنا معه قصّ علينا، وذكّرنا بأيام الله وزهّدنا فى الدنيا، ورغّبنا فى الآخرة. ثمّ أذّن مؤذّنه، فصلّى بنا العصر، ثمّ أقبل حتّى أشرف بنا على عتّاب بن ورقاء. فلما رءاهم نزل من ساعته، وأمر مؤذّنه فأذّن، ثمّ تقدّم، فصلّى بهم المغرب، وخرج [٣٧١] عتّاب بالناس كلّهم، فعبّأهم، وكان قد خندق أول أيّام نزل. وكان يظهر أنه يريد أن يسير إلى شبيب بالمدائن.
فلما صفّ عتّاب الناس بعث على ميمنته محمد بن عبد الرحمان بن سعيد بن قيس، وقال له:
- «يا بن أخى، إنّك شريف، فاصبر وصابر.» فقال له:
- «أمّا أنا فو الله لأقاتلنّ ما ثبت معى إنسان.» وقال لقبيصة بن والق:
стр. 860
- «اكفنى الميسرة.» فقال:
- «أنا شيخ كبير. غايتي أن أثبت تحت رايتي..» وكان يومئذ على ثلث بنى تغلب.
- «.. أما تراني لا أستطيع القيام، إلّا أن أقام؟ وأخى نعيم بن عليم وهو ذو جزء [١] وغناء.» فبعثه على ميسرته، وبعث حنظلة بن الحارث، ابن عمّ عتّاب وشيخ أهل بيته على الرجّالة، وبعث معه ثلاثة صفوف فيه الرجّالة معهم السيوف، وصفّ هم أصحاب الرماح، وصفّ فيه المرامية. ثمّ سار بين الميمنة والميسرة، ويمرّ بأهل راية راية، فيحثّهم على الصبر ويقصّ عليهم. وقال فى ما حفظ من كلامه:
- «إنّ أعظم الناس نصيبا فى الجنة الشهداء، وليس الله لأحد من خلقه بأحمد منه للصابرين. ألا ترون أنه يقول: اصْبِرُوا، إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ ٨: ٤٦ [٢] » ؟ وليس [٣٧٢] الله لأحد أمقت منه لأهل البغي. ألا ترون أنّ عدوّكم هذا يستعرض المسلمين بسيفه. لا يرون ذلك إلّا قربة لهم عند الله، فهم شرار أهل الأرض وكلاب أهل النار. أين القصّاص؟» قال ذلك مرارا، فلم يجبه أحد منّا. فلما رأى ذلك، قال:
- «أين من يروى شعر عنترة؟» قال: فلا والله ما ردّ عليه أحد كلمة. فقال:
- «إنّا لله، كأنّى بكم قد فررتم عن عتّاب، وتركتموه تسفى فى استه الريح.» ثمّ أقبل حتّى جلس فى القلب معه زهرة بن حويّة جالس وعبد الرحمان بن محمد بن الأشعث.
وأقبل شبيب وهو فى ستمائة وقد تخلّف عنه من الناس أربعمائة، فقال:
стр. 861
- «ما تخلّف عنّى إلّا من لا أحبّ أن أراه فينا.» فبعث سويد بن سليم فى مائتين إلى الميسرة، وبعث المجلّل بن وائل فى مائتين إلى القلب. ومضى هو فى مائتين إلى الميمنة، وذلك بين المغرب والعشاء الآخرة حين أضاء القمر فناداهم:
- «لمن هذه الرايات؟» قالوا:
- «رايات ربيعة.» فقال شبيب:
- «رايات طال ما نصرت الحقّ، وطال ما نصرت الباطل، لها فى كلّ نصيب.
أنا أبو المدلّه، أثبتوا إن شئتم.» ثمّ حمل عليهم وهم على مسنّاة [٣٧٣] أمام الخندق، ففضّهم، وثبت أصحاب رايات قبيصة بن والق. فجاء شبيب حتّى وقف عليه، وقال لأصحابه:
- «مثل هذا ما قال الله : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا، فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ، فَكانَ من الْغاوِينَ ٧: ١٧٥ [١] .» ثمّ حمل على الميسرة وفيها عتّاب بن ورقاء، وحمل سويد بن سليم على الميمنة، وعليها محمد بن عبد الرحمان، فقاتل فى الميمنة فى رجال تميم وهمدان، فأحسن القتال. فمازالوا كذلك حتّى أتوا، فقيل لهم:
- «قتل عتّاب بن ورقاء.» قال: فانفضّوا، ولم يزل عتّاب جالسا على طنفسة فى القلب هو وزهرة بن حويّة [٢] إذ غشيهم [٣] شبيب، فانفضّ عنه الناس وتركوه، فقال عتّاب:
- «يا زهرة، هذا يوم كثر فيه العدد وقلّ فيه الغناء. لهفي على خمسمائة فارس معى من وجوه الناس من نحو رجال تميم. ألا صابر لعدوّه! ألا مواس بنفسه؟»
стр. 862
فمضى الناس على وجوههم. فلمّا دنا منه شبيب وثب فى عصابة قليلة صبرت معه، فقال له بعضهم:
- «أصلحك الله، إنّ عبد الرحمان [٣٧٤] بن محمّد قد هرب عنك وانصفق معه ناس كثير.» فقال:
- «قد فرّ قبل اليوم، وما رأيت ذلك الفتى يبالى ما صنع.» ثمّ قاتلهم ساعة وهو يقول:
- «ما رأيت كاليوم قطّ موطنا لم أبل بمثله أقلّ ناصرا ولا أكثر هاربا خاذلا.» فرءاه رجل من بنى تغلب من أصحاب شبيب، وكان أصاب دما فى قومه، ولحق بشبيب، فقال لشبيب:
- «والله، إنّى لأقتلنّ هذا المتكلّم عتّاب بن ورقاء.» فحمل عليه وطعنه، فوقع ووطئت الخيل زهرة بن حويّة. فأخذ يذبّ بسيفه وهو شيخ كبير لا يستطيع أن ينهض. فجاءه الفضل بن عامر الشيبانى، فقتله، وانتهى إليه شبيب، فوجده صريعا، فعرفه وقال:
- «من قتل هذا؟» فقال الفضل:
- «أنا قتلته.» فقال شبيب:
- «هذا زهرة بن حويّة. أما والله، لئن كنت قتلت على ضلالة لربّ يوم من أيّام المسلمين قد حسن فيه بلاؤك، وعظم فيه غناؤك، ولربّ خيل للمشركين هزمتها وسريّة له ذعرتها، ومدينة لهم فتحتها، ثمّ كان فى علم الله أن تقتل ناصرا للظالمين.» وقتل وجوه العرب فى المعركة، واستمكن شبيب من أهل العسكر، فقال:
- «ارفعوا عنهم السيف!» [٣٧٥] ودعا إلى البيعة. فبايعه الناس من ساعتهم، وأخذ شبيب يبايعهم ويقول:
стр. 863
- «إلى ساعة يهربون.» [١] فلما كان فى الليل هربوا، واحتوى شبيب على ما فى العسكر وبعث إلى أخيه وهو بالمدائن، فأتاه وأقام شبيب ببيت قرّة يومين وقد دخل سفيان بن الأبرد وحبيب بن عبد الرحمان من مذحج فى من معها، فشدّوا ظهر الحجّاج، واستغنى بهم عن أهل الكوفة. فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:
- «أما بعد، يا أهل الكوفة، فلا أعزّ الله من أراد بكم العزّ، ولا نصر من أراد منكم النصر، أخرجوا عنّا، فلا تشهدوا معنا قتال عدوّنا، الحقوا بالحيرة فانزلوا مع اليهود والنصارى، ولا يقاتلن معنا إلّا من كان عاملا لنا ومن لم يشهد قتال عتّاب بن ورقاء.» ثمّ إنّ شبيبا خرج يريد الكوفة، فانتهى إلى سورا، فقال لأصحابه:
- «أيّكم يأتينى برأس عامل سورا؟» فانتدب إليه بطين وقعنب وسويد ورجلان من أصحابه، وساروا مغذّين، حتّى انتهوا إلى دار الخوارج والعمّال فى سمّرجه [٢] ، وكادوا الناس بأن قالوا:
- «أجيبوا الأمير!» فقال الناس:
- «أىّ الأمراء» فقالوا:
- «أمير قد خرج [٣٧٦] من قبل الحجّاج يريد هذا الفاسق شبيبا.» فاعترّ بذلك العامل منهم. فلما قربوا شهروا السيوف وحكّموا حين وصلوا إليه، فضربوا عنقه، وقبضوا ما وجدوا من مال، ولحقوا بشبيب. فلما رأى شبيب المال، قال:
- «أتيتمونا بفتنة المسلمين؟ هلمّ الحربة يا غلام!» فحزّت بها البدور، وأمر أن تنخس الدوابّ التي كانت عليها. فمرّت والمال
стр. 864
يتناثر من بدوره حتّى وردت الصراة، فقال:
- «إن كان بقي شيء فاقذفوه فى الماء.»
ذكر دخول شبيب الكوفة دخلته الثانية
وإنّ أبا سفيان بن الأبرد أتى الحجّاج فقال:
- «ابعثني إليه حتّى أستقبله قبل أن يأتيك.» فقال:
- «ما أحبّ أن نفترق حتّى ألقاه فى جماعتكم الكوفة فى ظهورنا والحصن فى أيدينا.» وأقبل شبيب حتّى نزل موضع حمّام أعين، ودعا الحجّاج الحارث بن معاوية بن أبى زرعة بن مسعود الثقفي، فوجّهه فى ناس من الشرط لم يكونوا شهدوا يوم عتّاب، ونحو من مائتي رجل من أهل الشام، فخرج فى ألف رجل، فنزل زرارة [١] . وبلغ ذلك شبيبا فتعجّل إليه. فلما انتهى إليه، حمل عليه فقتله وانهزم أصحابه [٣٧٧] وجاءوا حتّى دخلوا المدينة، وأقبل شبيب حتّى قطع ودنا من الكوفة، فبعث البطين فى عشرة فوارس يرتاد له منزلا على شاطئ الفرات فى دار الرزق. فوجّه الحجّاج حوشب بن يزيد فى جمع من أهل الكوفة، فأخذوا بأفواه السكك، فقاتلهم البطين، فلم يقو عليهم. فبعث إلى شبيب، فأمدّه بفوارس، فعقروا فرس حوشب وهزموه، ونجا ومضى البطين إلى دار الرزق فى أصحابه وعسكر على شاطئ الفرات، فلم يوجّه إليه الحجّاج أحدا. فمضى شبيب حتّى نزل السبخة وأقام ثلاثا لا يوجّه إليه الحجّاج أحدا، فابتنى مسجدا فى أقصى السبخة عند الإيوان، وكانت امرأته غزالة نذرت أن تصلّى فى مسجد الكوفة ركعتين تقرأ فيها البقرة وآل عمران. فجاء شبيب مع امرأته حتّى وفت
стр. 865
بنذرها فى المسجد.
وأشير على الحجّاج أن يخرج بنفسه، فقال الحجّاج لقتيبة بن مسلم:
- «اخرج، فإنّى خارج، وارتد لى معسكرا.» فخرج ثمّ رجع إليه فقال:
- «وجدت المدى [١] سهلا، فسر على اسم الله والطائر الميمون.» فخرج بأصحابه، فأتى على مكان فيه بعض القذر والكناسات [٣٧٨] فقال:
- «ألقوا لى هاهنا.» فقيل له:
- «إنّ الموضع قذر.» فقال:
- «ما تدعونني إليه أقذر الأرض، تحته طيّبة والسماء فوقه طيّبة.» وأخرج الحجّاج مولى له يقال له أبو الورد عليه تجفاف [٢] ، وأخرج مجفّفة كثيرة وغلمانا له وقالوا:
- «هذا الحجّاج!» فحمل عليه شبيب فقتله، ثمّ قال:
- «إن كان الحجّاج، فقد أرحتكم منه.» ثمّ إنّ الحجّاج أخرج اليه طهمان فى مثل ذلك من العدّة والعدد والهيئة. فحمل عليه شبيب، فقتله، وقال:
- «إن كان هذا الحجّاج فقد أرحتكم منه.» [٣] ثمّ إنّ الحجّاج دلف إليه بنفسه وعلى ميمنته مطر بن ناجية وعلى ميسرته خالد بن عتّاب بن ورقاء وهو فى زهاء أربعة آلاف. فقيل له:
- «أيها الأمير، لا تعرّفه موضعك.»
стр. 866
فتنكّر وأخفى مكانه وغفّل له مولى له، فنظر إليه شبيب وظنّه الحجّاج، فحمل عليه وضربه بعمود فقتله، فغفّل له أعين صاحب حمّام أعين بالكوفة، فقتله. فقال الحجّاج:
- «علىّ بالبغلة!» فأتى ببغل محجّل، فقيل له:
- «أصلح الله الأمير، إنّ الأعاجم تتطيّر أن تركب فى مثل هذا اليوم مثل هذا البغل.» فقال:
- «أدنوه منّى، فإنّ اليوم يوم أغرّ محجّل. [٣٧٩] فركبه ودنا، ثمّ طرحت له عباءة فنزل وجلس، ودعا بكرسىّ له، ثمّ نادى:
- «يا أهل الشام، يا أهل السمع والطاعة، لا يغلبنّ باطل هؤلاء الأرجاس حقّكم، غضّوا الأبصار، واجثوا على الركب، واستقبلوا القوم بأطراف الأسنّة.» فجثوا على الركب وكأنّهم حرّة سوداء. فأقبل إليه، شبيب حتّى إذا دنا منهم عبّى أصحابه ثلاثة كراديس: كتيبة معه وكتيبة مع سويد بن سليم وكتيبة مع المحلّل [١] بن وائل.
فقال لسويد:
- «احمل عليهم فى خيلك.» فحمل عليهم فثبتوا له حتّى إذا غشى أطراف الأسنّة وثبوا فى وجهه ووجوه [٢] أصحابه، فطعنوهم قدما، حتّى انصرف، وصاح الحجّاج:
- «يا أهل السمع والطاعة، هكذا فافعلوا! قدّم كرسىّ يا غلام.» وأمر شبيب المحلّل بن وائل، فحمل عليهم، ففعلوا به مثل ما فعل بسويد.
стр. 867
فناداهم الحجّاج:
- «يا أهل السمع والطاعة، هكذا فافعلوا! قدّم كرسىّ.» ثمّ إنّ شبيبا حمل عليهم فى كتيبته، فثبتوا له حتّى إذا غشى أطراف الأسنّة وثبوا فى وجهه، فقاتلهم طويلا. ثمّ إنّ أهل الشام طاعنوه قدما، حتّى ألحقوه بأصحابه. [٣٨٠] فلما رأى صبرهم نادى:
- «يا سويد احمل فى خيلك على هذه السكّة- يعنى سكّة لحّام بن حرير [١]- لعلّك تزيل أهلها، فتأتى الحجّاج من ورائه ونحمل نحن من أمامه.» فانفرد سويد بن سليم، فحمل على أهل تلك السكّة، فرمى من فوق البيوت وأفواه السكك. فانصرف وقد كان جعل الحجّاج عروة بن المغيرة بن شعبة فى نحو من ثلاثمائة رجل من أهل الشام ردءا له ولأصحابه، لئلّا يؤتى من ورائه.
ثمّ إنّ شبيبا قال لأصحابه:
- «يا أهل الإسلام، إنّما شرينا للَّه، ومن شرى لله لم يكن عليه ما أصابه من أذى وألم، الصبر الصبر، شدّة كشدّاتكم فى مواطنكم الكريمة.» ثمّ جمع أصحابه وقال:
- «الأرض الأرض، دبّوا تحت تراسكم حتّى إذا كانت أسنّتهم فوقها فأدلفوها [٢] صعدا، ثمّ ادخلوا تحتها لتستقبلوا أقدامهم وهي الهزيمة بإذن الله.» فأقبلوا يدبّون إليهم.
رأى جيّد رءاه خالد بن عتّاب
فقال خالد بن عتّاب بن ورقاء للحجّاج:
- «ائذن لى فى قتالهم، فإنّى موتور وأنا ممّن لا يتّهم فى نصيحة.» قال:
стр. 868
- «فقد أذنت لك.» قال:
- «فإنّى آتيهم من ورائهم حتّى أغير على عسكرهم.» [٣٨١] فقال له:
- «إفعل ما بدا لك.» فخرج معه بعصابة من أهل الكوفة مع مواليه وشاكريّته [١] حتّى دخل عسكرهم من ورائهم، فقتل مصادا أخا شبيب، وقتل غزالة امرأته، وحرق فى عسكره. وأتى ذلك الخبر الحجّاج وشبيبا والتفتوا فرأوا النار فى بيوتهم. فأما الحجّاج وأصحابه فكبّروا، وأما شبيب فوثب هو وكلّ راجل معه على خيولهم.
وقال الحجّاج لأصحابه:
- «شدّوا عليهم، فقد أتاهم ما أرعبهم قلوبهم [٢] .» فشدّوا عليهم فهزموهم. وتخلّف شبيب فى حامية الناس حتّى خرج من الجسر، وتبعه خيل الحجّاج.
قال: فجعل يخفق [٣] برأسه. قال أصغر الخارجي: كنت معه لمّا انهزم فقلت:
- «يا أمير المؤمنين، التفت فانظر من خلفك.» قال: فالتفت غير مكترث، وجعل يخفق برأسه. قال: فدنوا منّا فقلت:
- «يا أمير المؤمنين، قد دنوا منك.» قال: فالتفت- والله- غير مكترث وجعل يخفق برأسه. فبينا هو كذلك إذ بعث الحجّاج إلى خيله أن:
стр. 869
- «دعوه فى حرق الله.» قال: فتركوه ورجعوا.
ومضى شبيب ومن معه حتّى قطعوا جسر المدائن، فدخلوا ديرا هنالك وخالد يقفوهم، فحصرهم فى الدير، فخرجوا عليه، فهزموه نحوا [٣٨٢] من فرسخين فألقى خالد نفسه بفرسه، فمرّ به ولواؤه فى يده.
قال شبيب:
- «قاتله الله فارسا وفرسه. هذا أشدّ الناس، وفرسه أقوى فرس فى الأرض.» فقيل له:
- «هذا خالد بن عتّاب.» فقال:
- «معرق [١] له فى الشجاعة، والله، لو علمت لأقحمت خلفه ولو دخل النار.» وإنّ الحجّاج دخل الكوفة حين انهزم شبيب، ثمّ صعد المنبر، فقال:
- «والله ما قوتل شبيب قطّ قبلها [مثلها] [٢] . ولّى هاربا، وترك امرأته يكسّر فى استها القصب.» ثمّ دعا حبيب بن عبد الرحمان الحكمي، فبعثه فى أثره فى ثلاثة آلاف من أهل الشام. وقال له الحجّاج:
- «احذر بياته، وحيث ما لقيته [٣] فنازله، فإن الله قد فلّ حدّه وقصم نابه.» فخرج حبيب فى أثر شبيب حتّى نزل الأنبار.
وبعث الحجّاج إلى العمّال أن:
- «دسّوا إلى أصحاب شبيب: أنّ من جاءنا منكم فهو آمن.» فكان كلّ من ليست له بصيرة ممّن هدّه القتال يجيء فيؤمن. وقبل ذلك ما كان
стр. 870
الحجّاج نادى فيهم يوم هربوا أنّ:
- «من جاء منكم فهو آمن.» فتفرّق عنه ناس كثير من أصحابه.
وبلغ شبيبا منزل [١] حبيب بن عبد الرحمان [٣٨٣] الأنبار، فأقبل بأصحابه حتّى دنا من عسكرهم ونزل، فصلّى بهم المغرب.
قال أبو زيد السكسكي: أنا والله فى أهل الشام ليلة جاء شبيب، فبيّتنا. قال:
فلما أمسينا، جمعنا حبيب بن عبد الله، فجعلنا أرباعا وعلى كلّ ربع أمير، وقال لكلّ ربع منّا:
- «ليجزئ كلّ ربع جانبه، فإن قتل هذا الربع فلا يعنهم [٢] هذا الربع الآخر.
فإنّه بلغني أنّ الخوارج منّا قريب، فوطّنوا أنفسكم على أنكم مبيّتون ومقاتلون.» فمازلنا على تعبئتنا حتّى جاءنا شبيب، فبيّتنا، فشدّ على ربع منّا، فضاربهم طويلا. فما زالت قدم إنسان منهم، ثمّ تركهم وأقبل إلى الربع الآخر، فقاتلهم طويلا، فلم يظفر بشيء. قال: ثمّ أطاف بنا يحمل علينا حتّى ذهب ثلاثة أرباع الليل، وألزّ بنا حتّى قلنا: لا يفارقنا. ثمّ نازلنا راجلا طويلا، فسقطت والله بيننا وبينهم الأيدى والأرجل، وفقئت الأعين، وكثر القتلى. قتلنا منهم نحوا من ثلاثين، وقتلوا منّا نحوا من مائة، وو الله لو كانوا يزيدون على مائة رجل لأهلكونا، وأيم الله على ذلك ما فارقونا حتّى مللناهم وملّونا، وكرهناهم وكرهونا. ولقد رأيت الرجل ما يضرب الرجل منهم [٣٨٤] فما يضرّه شيئا من الإعياء والضعف. ولقد رأيت الرجل منّا يقاتل جالسا ينفح [٣] بسيفه، ما يستطيع أن يقوم من الإعياء.
стр. 871
فلما يئسوا ركب شبيب وقال لمن كان نزل معه:
- «اركبوا!» وتوجّه منصرفا عنّا.
قال فروة بن لقيط- وكان شهد معه مواطنه كلّها- قال لنا ليلتئذ، وقد رأى بنا كآبة ظاهرة، وجراحة شديدة:
- «ما أشدّ هذا الذي بنا، لو كنّا إنّما نطلب الدنيا، وما أيسر هذا فى طاعة الله وثوابه.» فقال أصحابه:
- «صدقت يا أمير المؤمنين.» قال: فما أنسى منه إقباله على سويد بن سليم، ولا مقالته له:
- «يا سويد! قتلت أمس منهم رجلين [١] : أحدهما أشجع الناس والآخر أجبن الناس. خرجت عشيّة أمس طليعة لكم، فلقيت منهم ثلاثة نفر دخلوا قرية يشترون منها حوائجهم، فاشترى أحدهم حاجته، ثمّ خرج قبل أصحابه، وخرجت معه، فقال لى:
- «كأنّك لم تشتر علفا.» فقلت:
- «إنّ لى رفقاء قد كفونى ذلك.» فقلت له:
- «أين ترى عدوّنا هذا؟» فقال:
- «بلغني أنه نزل قريبا منّا، وأيم الله، لوددت أنّى قد لقيت شبيبهم هذا.» قلت:
- «فتحبّ ذاك؟» قال:
- «نعم.» قلت:
стр. 872
- «فخذ حذرك، فأنا والله شبيب.» وانتضيت سيفي، فخرّ والله ميّتا. [٣٨٥] فقلت له:
- «ارتفع ويحك!» وذهبت أنظر، فإذا هو قد مات. فانصرفت راجعا، فاستقبل الآخر راجعا من القرية، فقال:
- «أين تذهب هذه الساعة، وإنّما يرجع الناس إلى عسكرهم.» فلم أكلّمه، ومضيت يقرّب [١] بى فرسي، واتّبعنى حتّى لحقني، فعطفت عليه، وقلت له:
- «ما لك؟» قال:
- «أنت والله من عدوّنا.» فقلت:
- «أجل والله.» فقال:
- «إذا لا تبرح والله حتّى أقتلك أو قتلتني.» وحملت عليه، فحمل علىّ، فاضطربنا بسيفنا ساعة، فو الله ما فضلته فى شدّة نفس ولا إقدام، إلّا أنّ سيفي كان أقطع من سيفه فقتلته.
ذكر مكيدة لشبيب
بلغ شبيبا أنّ جند الشام الذين مع حبيب حملوا معهم حجرا وحلفوا ألّا يفرّون من شبيب حتّى يفرّ هذا الحجر. فلما سمع شبيب ذلك أراد أن يكيدهم. فدعا بأربعة أفراس وربط فى أذنابها ترسه فى ذنب كلّ فرس ترسين، ثمّ ندب معه ثمانية نفر من أصحابه ومعه غلام له يقال له: حيّان، كان بئيسا [٢] شجاعا، وأمره أن يحمل معه إداوة من ماء، ثمّ سار حتّى يأتى ناحية من العسكر، فأمر أصحابه
стр. 873
[٣٨٦] أن يكونوا فى نواحي العسكر، وأن يجعلوا مع كلّ رجلين فرسا، ثمّ يمسّوها الحديد حتّى يجد حرّه ويخلّوها فى العسكر، وواعدهم تلعة قريبة من العسكر، فقال:
- «من نجا منكم فإنّ موعده هذه التلعة.» وكره أصحابه الإقدام على ما أمرهم به. فنزل حيث رأى ذلك منهم حتّى صنع بالخيل مثل الذي أمرهم به. ثمّ وغلبت فى العسكر، ودخل هو يتلوها محكّما، فضرب الناس بعضهم ببعض وماجوا.
فقام حبيب بن عبد الرحمان فنادى:
- «أيها الناس إنّ هذه مكيدة، فالزموا الأرض حتّى يبين [١] لكم الأمر.» ففعلوا، وبقي شبيب فى عسكرهم، فلزم الأرض حيث رءاهم قد سكنوا، وقد أصابته ضربة عمود أوهنه. فلما هذأ الناس، ورجعوا إلى أبنيتهم خرج فى غمارهم حتّى أتى التلعة، فإذا هو بحيّان، فقال:
- «أفرغ على رأسى من الماء يا حيّان.» فلما مدّ رأسه ليصبّ عليه من الماء، همّ حيّان بضرب عنقه وقال لنفسه:
- «لا أجد مكرمة لى ولا ذكرا أرفع من قتل هذا فى هذه الخلوة، وهو أمانى عند الحجّاج.» فأخذته الرعدة حيث همّ بما همّ به. فلما أبطأ بحلّ الإداوة، قال:
- «ما يبطئك بحلّها.» وتناول السكين [٣٨٧] من موزجه [٢] ، فخرقها به، ثمّ ناوله إيّاها، فأفرغ عليه من الماء.
قال حيّان: منعني والله الجبن وما أخذنى من الرعدة أن أضرب عنقه بعد ما
стр. 874
هممت به، وما كنت أعهد نفسي جبانا.
ثمّ خلا [١] شبيب بأصحابه وعسكره.
ذكر هلاك شبيب فى هذه السنة باتّفاق سىّء
ثمّ إنّ الحجّاج أخرج الناس إلى شبيب، وقسم فيهم أموالا عظيمة، وأعطى الجرحى خاصّة، وكلّ ذى جزء وبلاء، وأمر سفيان بن الأبرد أن يسير بهم. فبلغ ذلك حبيب بن عبد الرحمان، فشقّ عليه، وقال:
- «تبعث سفيان إلى رجل قد فللته وقتلت فرسانه!» وكان شبيب قد أقام بكرمان حتّى حبروا واستراش هو وأصحابه. ومضى سفيان بعد شهرين واستقبله شبيب بجسر دجيل الأهواز، فعبر شبيب إلى سفيان، فوجد سفيان قد نزل فى الرجال، وبعث مصاص بن صيفي على الخيل، وبعث على ميمنته بشر بن حسّان الفهري، وعلى ميسرته عمر بن هبيرة الفزاري. وأقبل شبيب فى ثلاثة كراديس: هو فى كتيبة، وسويد فى كتيبة، وقعنب [٣٨٨] فى كتيبة، وخلّف المحلّل فى عسكره. فلما حمل سويد وهو فى ميمنته، على ميسرة سفيان، وقعنب وهو فى ميسرته، على ميمنة سفيان، وحمل هو على سفيان، اضطربوا مليّا حتّى رجعت الخوارج إلى المكان الذي كانوا فيه.
قال يزيد السكسكىّ: والله لقد كرّ علينا هو وأصحابه أكثر من ثلاثين كرّة كلّ ذلك لا نزول من صفّنا.
فقال لنا سفيان:
- «لا تفرّقوا، ولكن ليزحف الرجال إليهم زحفا.» ففعلنا وما زلنا نطاعنهم حتّى اضطررناهم إلى الجسر. فلما انتهى شبيب إلى
стр. 875
الجسر، نزل ونزل معه نحو من مائة رجل، فقاتلناهم إلى المساء أشدّ قتال يكون لقوم قطّ. فما هو إلّا أن نزلوا أوقعوا لنا من الطعن والضرب شيئا ما رأينا مثله قطّ، ولا ظننّاه يكون. فلما رأى سفيان أنه لا يقدر عليهم ولم يأمن ظفرهم، دعا الرماة فقال:
- «ارشقوهم بالنبل.» وذلك عند المساء. وكان التقاؤهم نصف النهار، فرماهم أصحاب النبل، وقد كان صفّهم سفيان بن الأبرد على حدة وعليهم أمير. فلما رشقوهم شدّوا عليهم.
فلما شدّوا على رماتنا شددنا عليهم فشغلناهم عنهم. فلما رأوا ذلك ركب شبيب وأصحابه، ثمّ كرّوا على أصحاب النبل كرّة صرعوا [٣٨٩] منهم أكثر من ثلاثين رجلا. ثمّ عطف علينا يطاعننا حتّى اختلط الظلام. ثمّ انصرف عنّا.
فقال سفيان بن الأبرد لأصحابه:
- «أيها الناس، دعوهم، لا تتبعوهم حتّى نصبّحهم.» قال: فكففنا عنهم وليس شيء أحبّ إلينا من أن ينصرفوا عنّا.
قال فروة بن لقيط: فما هو إلّا أن انتهينا إلى الجسر، فقال:
- «اعبروا معاشر المسلمين، فإذا أصبحوا باكرناهم إن شاء الله.» فعبرنا أمامه وتخلّف فى آخرنا، فأقبل [على] [١] فرس وكانت بين يديه فرس أنثى ماذيانة، فنزا فرسه عليها وهو على الجسر، فاضطربت الماذيانة، وزلّ حافر فرس شبيب عن حرف [٢] السفينة، فسقط فى الماء. فلما سقط قال:
- «لِيَقْضِيَ الله أَمْراً كانَ مَفْعُولًا.» ٨: ٤٢ [٣] واغتمس فى الماء. ثمّ ارتفع فقال:
стр. 876
- «ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ.» ٦: ٩٦ [١] فهذا حديث أكثر الناس. وقد قال غيره من أصحاب شبيب إنه كان معه رجال كثير ممّن أصاب من عشائرهم وساداتهم. فلما تخلّف فى أخريات الناس من أصحابه، قال بعضهم لبعض:
- «هل لكم أن نقطع به الجسر فندرك ثأرنا الساعة؟» فقطعوا الجسر، فمالت [٣٩٠] به السفن، ففزع الفرس ونفر ووقع فى الماء فغرق. والحديث الأول أشهر.
فتحدّث جماعة من أصحاب سفيان، قالوا: لما سمعنا صوت القوم: «غرق أمير المؤمنين،» عبرنا إلى عسكرهم، فإذا ليس فيه صافر ولا آثر. فنزلنا فيه فإذا أكثر عسكر خلق الله خيرا. فطلبنا شبيبا حتّى استخرجناه وعليه الدرع فسمعت الناس يزعمون أنه شقّ عن بطنه وأخرج قلبه. فكان مجتمعا صلبا كأنّه صخرة وانّه كان يضرب به الأرض فيثب قامة الإنسان.
فيحكى أن أمّ شبيب كانت لا تصدّق أحدا نعاه إليها. وكان قيل مرارا: «قتل» فلا تقبل. فلما قيل: إنّه غرق، قبلت وبكت. فقيل لها فى ذلك، فقالت:
- «إنّى رأيت فى المنام حين ولدته أنه خرج من قبلي شهاب نار، فعلمت أنّه لا يطفئه إلّا الماء.»
ذكر ما كان من المهلّب والأزارقة
كان المهلّب مقيما بسابور يقاتل قطريا فى الأزارقة بعد ما صرف الحجّاج عتّاب بن ورقاء عن عسكره نحوا من سنة. ثمّ إنّه زاحفهم يوم البستان [٣٩١] فقاتلهم قتالا شديدا، وكانت كرمان فى أيدى الخوارج، وفارس فى يد المهلّب.
стр. 877
وكان لا يأتيه من فارس مادّة، فضاق الأمر عليه. فحازهم المهلّب حتّى خرجوا إلى كرمان، وتبعهم المهلّب حتّى نزل بجيرفت وقاتلهم أكثر من سنة قتالا شديدا حتّى حازهم عن فارس كلّها. فلما صارت فارس كلّها فى يد المهلّب، بعث الحجّاج عليها عمّاله وأخذها من المهلّب.
فبلغ ذلك عبد الملك فكتب إلى الحجّاج:
- «أمّا بعد، فدع بيد المهلّب خراج فارس وحيالها، فإنّه لا بدّ للجيش من قوّة، ولا لصاحب الجيش من معونة، ودع له كورة فسّا ودار بجرد، وكورة إصطخر.» فتركها للمهلّب. فبعث المهلّب عليهما عمّاله وكانتا قوّة له، وأقام المهلّب على قتال الأزارقة.
ذكر اختلاف كلمة الخوارج إلى أن هلكوا بأجمعهم
فلم يزالوا يقتتلون إلى أن بعث قطرىّ عاملا له على ناحية كرمان يقال له المقعطر، فقتل رجلا كان ذا بأس من الخوارج، فوثبت الخوارج [٣٩٢] إلى قطرىّ، فذكروا ذلك له وقالوا له:
- «أمكنّا من المقعطر نقتله بصاحبنا.» فقال لهم:
- «ما أرى أن أفعل. رجل تأوّل فأخطأ فى التأويل. ما أرى أن تقتلوه وهو من ذوى الفضل والسابقة فيكم.» قالوا:
- «بلى!» فقال لهم:
- «لا!» فوقع الاختلاف بينهم. فولّوا عبد ربّ الكبير [١] وخلعوا قطريّا، وبقي مع القطرىّ عصابة نحو من ربعهم. وبلغ ذلك الحجّاج فكتب إلى المهلّب:
стр. 878
- «أما بعد، فقد بلغني كتابك تذكر فيه اختلاف الخوارج بينها. فإذا أتاك كتابي فناهضهم على حال اختلافهم وافتراقهم، قبل أن يجتمعوا فتكون مؤونتهم عليك أشدّ. والسلام.» فكتب إليه:
- «أمّا بعد، فقد بلغني كتاب الأمير وكلّ ما فيه قد فهمت، ولست أرى أن أقاتلهم ما دام بعضهم يقتل بعضا، وينقص بعضهم عدد بعض، فإن تمّوا على ذلك فهو الذي نريد وفيه هلاكهم، وإن اجتمعوا لم يجتمعوا إلّا وقد رقّق بعضهم بعضا، فأناهضهم على بقيّة ذلك وهم أوهى ما كانوا شوكة إن شاء الله.» فكفّ عنه الحجّاج وتركهم المهلّب، فقاتلوه قتالا [٣٩٣] شديدا. ثمّ إنّه فلّهم وقتلهم، فلم ينج منهم إلّا قليل وسباهم، لأنّهم كانوا يسبون المسلمين.
ذكر سبب هلاكهم
كان سبب ذلك ما ذكرنا من تشتّتهم بالاختلاف. ولما وهي أمر قطرىّ توجّه مريدا طبرستان وبلغ أمره الحجّاج، فوجّه سفيان بن الأبرد مع جيش عظيم من أهل الشام، فأقبل سفيان حتّى أتى الرىّ، ثمّ اتبعهم. وكتب الحجّاج إلى إسحاق بن محمد بن الأشعث، وهو بطبرستان على جيش لأهل الكوفة أن:
- «اسمع وأطع لسفيان.» فأقبل إلى سفيان، وسار معه فى طلب قطرىّ حتّى لحقوه فى شعب من شعاب طبرستان. فقاتلوه، فتفرّق عنه أصحابه، ووقع عن دابّته فى أسفل الشعب، فتدهدأ حتّى خرّ إلى أسفله، وأتاه علج من أهل البلد، فقال له قطري:
- «اسقنى ماء.» وقد اشتدّ عطشه. فقال العلج له:
- «أعطنى شيئا حتّى أسقيك.» فقال:
стр. 879
- «ويحك! ما معى والله إلّا ما ترى من سلاحي، وأنا مؤتيكه إذا أتيتنى بماء.» قال:
- «لا، بل أعطنيه الآن» قال:
- «لا، ولكن ائتني بماء قبل.» فانطلق العلج حتّى أشرف [٣٩٤] على قطرىّ، ثمّ حدّر عليه حجرا عظيما من فوقه، دهدأه عليه، فأصاب إحدى وركيه، فأوهنه، وصاح بالناس، فأقبلوا نحوه، والعلج حينئذ لا يعرف قطريّا، غير أنه يظنّ [١] أنه من أشرافهم لحسن هيئته وكمال سلاحه، فدفع إليه نفر من أهل الكوفة، فقتلوه، وادّعى قتله جماعة.
وفى هذه المدّة التي جرى فيها ما جرى من أمر الأزارقة كان قتال أمية بن عبد الله بكير بن وساج بخراسان ذكر السبب فى ذلك
حقد حقده عتّاب اللّقوة [٢] ، وكان فى صحبة بكير. وكنّا ذكرنا أمر بكير مع أميّة، وأنّ أميّة لمّا ولى خراسان سامح بكيرا، ولم يقبل فيه سعاية، ولا حاسب له عاملا، ولكنّه ولّاه طخارستان بعد أن عرض عليه شرطته فأباها. فتجهّز بكير للخروج إليها، وأنفق نفقة كثيرة. ثمّ وشا به بحير بن ورقاء وقال لأميّة:
- «إنّه إن عبر النهر خلع الخليفة ودعا إلى نفسه.» فراسله أميّة:
- «أقم، لعلّى أغزو، فتكون معى.» فغضب بكير وقال:
стр. 880
- «كأنّه يريد أن يضارّنى [١] .» [٣٩٥] وكان عتّاب اللّقوة استدان وأنفق نفقة كثيرة ليخرج مع بكير. فلما أقام بكير أخذه غرماؤه فحبس حتّى أدّى عنه بكير.
ثمّ إنّ أميّة أجمع بعد مدّة على الغزو ليغزو بخارى، ثمّ يأتى موسى بن خازم بالترمذ. فتجهّز الناس معه واستخلف ابنه زيادا على خراسان وسار معه بكير.
فقال له بحير:
- «إنّى لا آمن إن أستخلف أحدا، أن يتخلّف عنّى الناس، فقل لبكير، فليكن فى الساقة وليحشر الناس.» فأمره به، فكان على الساقة، حتّى أتى النهر.
وقال أميّة لبكير:
- «اقطع يا بكير.» فقال عتّاب اللّقوة:
- «أصلح الله الأمير، اعبر أنت، ثمّ يعبر الناس بعدك.» فعبر، ثمّ عبر الناس. فقال أميّة لبكير:
- «قد خفت ألّا يضبط ابني عمله وهو غلام حدث. فارجع إلى مرو، فاكفنيها فقد ولّيتكها، فزيّن ابني وقم بأمره.» فانتخب بكير فرسانا من فرسان خراسان قد كان عرفهم ووثق بهم، وعبر، ومضى أميّة إلى بخارى. فقال عتّاب اللّقوة لبكير لمّا عبر وقد مضى أميّة:
- «إنّا قتلنا أنفسنا وعشائرنا حتّى ضبطنا خراسان [٣٩٦] ثمّ طلبنا أميرا من قريش يجمع أمرنا، فجاء يلعب بنا، يحوّلنا من سجن إلى سجن.» قال:
- «فما ترى؟» قال: