← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

- «ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ.» ٦: ٩٦ [١] فهذا حديث أكثر الناس. وقد قال غيره من أصحاب شبيب إنه كان معه رجال كثير ممّن أصاب من عشائرهم وساداتهم. فلما تخلّف فى أخريات الناس من أصحابه، قال بعضهم لبعض: - «هل لكم أن نقطع به الجسر فندرك ثأرنا الساعة؟» فقطعوا الجسر، فمالت [٣٩٠] به السفن، ففزع الفرس ونفر ووقع فى الماء فغرق. والحديث الأول أشهر. فتحدّث جماعة من أصحاب سفيان، قالوا: لما سمعنا صوت القوم: «غرق أمير المؤمنين،» عبرنا إلى عسكرهم، فإذا ليس فيه صافر ولا آثر. فنزلنا فيه فإذا أكثر عسكر خلق الله خيرا. فطلبنا شبيبا حتّى استخرجناه وعليه الدرع فسمعت الناس يزعمون أنه شقّ عن بطنه وأخرج قلبه. فكان مجتمعا صلبا كأنّه صخرة وانّه كان يضرب به الأرض فيثب قامة الإنسان. فيحكى أن أمّ شبيب كانت لا تصدّق أحدا نعاه إليها. وكان قيل مرارا: «قتل» فلا تقبل. فلما قيل: إنّه غرق، قبلت وبكت. فقيل لها فى ذلك، فقالت: - «إنّى رأيت فى المنام حين ولدته أنه خرج من قبلي شهاب نار، فعلمت أنّه لا يطفئه إلّا الماء.» ذكر ما كان من المهلّب والأزارقة كان المهلّب مقيما بسابور يقاتل قطريا فى الأزارقة بعد ما صرف الحجّاج عتّاب بن ورقاء عن عسكره نحوا من سنة. ثمّ إنّه زاحفهم يوم البستان [٣٩١] فقاتلهم قتالا شديدا، وكانت كرمان فى أيدى الخوارج، وفارس فى يد المهلّب.

стр. 877

وكان لا يأتيه من فارس مادّة، فضاق الأمر عليه. فحازهم المهلّب حتّى خرجوا إلى كرمان، وتبعهم المهلّب حتّى نزل بجيرفت وقاتلهم أكثر من سنة قتالا شديدا حتّى حازهم عن فارس كلّها. فلما صارت فارس كلّها فى يد المهلّب، بعث الحجّاج عليها عمّاله وأخذها من المهلّب. فبلغ ذلك عبد الملك فكتب إلى الحجّاج: - «أمّا بعد، فدع بيد المهلّب خراج فارس وحيالها، فإنّه لا بدّ للجيش من قوّة، ولا لصاحب الجيش من معونة، ودع له كورة فسّا ودار بجرد، وكورة إصطخر.» فتركها للمهلّب. فبعث المهلّب عليهما عمّاله وكانتا قوّة له، وأقام المهلّب على قتال الأزارقة. ذكر اختلاف كلمة الخوارج إلى أن هلكوا بأجمعهم فلم يزالوا يقتتلون إلى أن بعث قطرىّ عاملا له على ناحية كرمان يقال له المقعطر، فقتل رجلا كان ذا بأس من الخوارج، فوثبت الخوارج [٣٩٢] إلى قطرىّ، فذكروا ذلك له وقالوا له: - «أمكنّا من المقعطر نقتله بصاحبنا.» فقال لهم: - «ما أرى أن أفعل. رجل تأوّل فأخطأ فى التأويل. ما أرى أن تقتلوه وهو من ذوى الفضل والسابقة فيكم.» قالوا: - «بلى!» فقال لهم: - «لا!» فوقع الاختلاف بينهم. فولّوا عبد ربّ الكبير [١] وخلعوا قطريّا، وبقي مع القطرىّ عصابة نحو من ربعهم. وبلغ ذلك الحجّاج فكتب إلى المهلّب:

стр. 878

- «أما بعد، فقد بلغني كتابك تذكر فيه اختلاف الخوارج بينها. فإذا أتاك كتابي فناهضهم على حال اختلافهم وافتراقهم، قبل أن يجتمعوا فتكون مؤونتهم عليك أشدّ. والسلام.» فكتب إليه: - «أمّا بعد، فقد بلغني كتاب الأمير وكلّ ما فيه قد فهمت، ولست أرى أن أقاتلهم ما دام بعضهم يقتل بعضا، وينقص بعضهم عدد بعض، فإن تمّوا على ذلك فهو الذي نريد وفيه هلاكهم، وإن اجتمعوا لم يجتمعوا إلّا وقد رقّق بعضهم بعضا، فأناهضهم على بقيّة ذلك وهم أوهى ما كانوا شوكة إن شاء الله.» فكفّ عنه الحجّاج وتركهم المهلّب، فقاتلوه قتالا [٣٩٣] شديدا. ثمّ إنّه فلّهم وقتلهم، فلم ينج منهم إلّا قليل وسباهم، لأنّهم كانوا يسبون المسلمين. ذكر سبب هلاكهم كان سبب ذلك ما ذكرنا من تشتّتهم بالاختلاف. ولما وهي أمر قطرىّ توجّه مريدا طبرستان وبلغ أمره الحجّاج، فوجّه سفيان بن الأبرد مع جيش عظيم من أهل الشام، فأقبل سفيان حتّى أتى الرىّ، ثمّ اتبعهم. وكتب الحجّاج إلى إسحاق بن محمد بن الأشعث، وهو بطبرستان على جيش لأهل الكوفة أن: - «اسمع وأطع لسفيان.» فأقبل إلى سفيان، وسار معه فى طلب قطرىّ حتّى لحقوه فى شعب من شعاب طبرستان. فقاتلوه، فتفرّق عنه أصحابه، ووقع عن دابّته فى أسفل الشعب، فتدهدأ حتّى خرّ إلى أسفله، وأتاه علج من أهل البلد، فقال له قطري: - «اسقنى ماء.» وقد اشتدّ عطشه. فقال العلج له: - «أعطنى شيئا حتّى أسقيك.» فقال:

стр. 879

- «ويحك! ما معى والله إلّا ما ترى من سلاحي، وأنا مؤتيكه إذا أتيتنى بماء.» قال: - «لا، بل أعطنيه الآن» قال: - «لا، ولكن ائتني بماء قبل.» فانطلق العلج حتّى أشرف [٣٩٤] على قطرىّ، ثمّ حدّر عليه حجرا عظيما من فوقه، دهدأه عليه، فأصاب إحدى وركيه، فأوهنه، وصاح بالناس، فأقبلوا نحوه، والعلج حينئذ لا يعرف قطريّا، غير أنه يظنّ [١] أنه من أشرافهم لحسن هيئته وكمال سلاحه، فدفع إليه نفر من أهل الكوفة، فقتلوه، وادّعى قتله جماعة. وفى هذه المدّة التي جرى فيها ما جرى من أمر الأزارقة كان قتال أمية بن عبد الله بكير بن وساج بخراسان ذكر السبب فى ذلك حقد حقده عتّاب اللّقوة [٢] ، وكان فى صحبة بكير. وكنّا ذكرنا أمر بكير مع أميّة، وأنّ أميّة لمّا ولى خراسان سامح بكيرا، ولم يقبل فيه سعاية، ولا حاسب له عاملا، ولكنّه ولّاه طخارستان بعد أن عرض عليه شرطته فأباها. فتجهّز بكير للخروج إليها، وأنفق نفقة كثيرة. ثمّ وشا به بحير بن ورقاء وقال لأميّة: - «إنّه إن عبر النهر خلع الخليفة ودعا إلى نفسه.» فراسله أميّة: - «أقم، لعلّى أغزو، فتكون معى.» فغضب بكير وقال:

стр. 880

- «كأنّه يريد أن يضارّنى [١] .» [٣٩٥] وكان عتّاب اللّقوة استدان وأنفق نفقة كثيرة ليخرج مع بكير. فلما أقام بكير أخذه غرماؤه فحبس حتّى أدّى عنه بكير. ثمّ إنّ أميّة أجمع بعد مدّة على الغزو ليغزو بخارى، ثمّ يأتى موسى بن خازم بالترمذ. فتجهّز الناس معه واستخلف ابنه زيادا على خراسان وسار معه بكير. فقال له بحير: - «إنّى لا آمن إن أستخلف أحدا، أن يتخلّف عنّى الناس، فقل لبكير، فليكن فى الساقة وليحشر الناس.» فأمره به، فكان على الساقة، حتّى أتى النهر. وقال أميّة لبكير: - «اقطع يا بكير.» فقال عتّاب اللّقوة: - «أصلح الله الأمير، اعبر أنت، ثمّ يعبر الناس بعدك.» فعبر، ثمّ عبر الناس. فقال أميّة لبكير: - «قد خفت ألّا يضبط ابني عمله وهو غلام حدث. فارجع إلى مرو، فاكفنيها فقد ولّيتكها، فزيّن ابني وقم بأمره.» فانتخب بكير فرسانا من فرسان خراسان قد كان عرفهم ووثق بهم، وعبر، ومضى أميّة إلى بخارى. فقال عتّاب اللّقوة لبكير لمّا عبر وقد مضى أميّة: - «إنّا قتلنا أنفسنا وعشائرنا حتّى ضبطنا خراسان [٣٩٦] ثمّ طلبنا أميرا من قريش يجمع أمرنا، فجاء يلعب بنا، يحوّلنا من سجن إلى سجن.» قال: - «فما ترى؟» قال:

стр. 881

- «أحرق هذه السفن، وامض إلى مرو، فاخلع أميّة وتقيم بمرو وتأكلها إلى يوم ما.» فقال بكير: - «إنّى أخاف أن يهلك هؤلاء الفرسان الذين معى.» فقال: - «أيخاف عدم الرجال؟ أنا آتيك من أهل مرو بما شئت، إن هلك هؤلاء الذين معك.» قال: - «يهلك المسلمون.» قال: - «إنّما يكفيك مناد ينادى: «من أسلم رفعنا عنه الخراج، فيأتيك خمسون ألفا من المسلمين أسمع من هؤلاء وأطوع منهم.» قال: - «فيهلك أميّة ومن معه.» قال: - «ولم يهلك والناس معه لهم عدّة وعدد ونجدة وسلاح كامل ليقاتلوا عن أنفسهم حتّى يبلغوا الصين.» فلم يزل عتّاب بهذا وأشباهه حتّى [حرق] [١] بكير السفن ورجع إلى مرو، فأخذ ابن أميّة فحبسه، ودعا الناس إلى خلع أميّة، فأجابوه. وبلغ أميّة فصالح أهل بخارى على شيء يسير، وبادر بالرجوع، وأمر باتخاذ السفن فاتّخذت، وقال لمن معه من وجوه تميم: - «ألا تعجبون من بكير؟ [٣٩٧] إنّى قدمت خراسان، فحذّرته، ورفع عليه وشكا منه، وذكروا أموالا أصابها، فأعرضت عن ذلك كلّه ولم أفتّشه عن شيء، ولا أحدا من عمّاله، ثمّ عرضت عليه شرطتي، فأبى، فأعفيته، ثمّ ولّيته، فحذّرته، وأمرته بالمقام، وما كان ذلك إلّا نظرا له، ثمّ رددته إلى مرو، وولّيته الأمر، فكفر ذلك، وكافأنى بما ترون.»

стр. 882

فقال له قوم: - «تعرفون أمره أيها الأمير، لم يكن هذا من شأنه. إنّما أشار عليه بإحراق السفن عتّاب اللقوة.» ثمّ إنّ أميّة لمّا تهيأت له السفن عقد وعبر، وأقبل إلى مرو، وترك موسى بن عبد الله بن خازم. فقال شمّاس بن دثار، وكان غزا مع أميّة: - «أيها الأمير، قدّمنى فإنّى أكفيه إن شاء الله.» فقدّمه أميّة فى ثمانمائة فارس. وسار إليه بكير فقال: - «أما كان فى تميم أحد يحاربني غيرك؟» ولامه. فأرسل إليه شمّاس: - «أنت ألأم وأسوأ صنيعا منّى، لم تف لأميّة ولم تشكر صنيعه بك.» قال: فبيّته بكير، ففرّق جمعه وقال: - «لا تقتلوا منهم أحدا وخذوا سلاحهم.» فكانوا إذا أخذوا رجلا سلبوه وخلّوا عنه. فتفرّقوا. وقدّم أميّة كشماهن ورجع إليه شمّاس بن دثار. ثمّ أقبل [٣٩٨] أميّة فى الناس، فقاتله بكير مدّة، ثمّ انحاز بكير يوما، فدخل الحائط، فنزل السوق. ونزل أميّة باشان [١] ، وكانوا يلتقون فى ميدان يزيد. فانكشفوا يوما، فحماهم بكير، ثمّ التقوا يوما آخر فى الميدان، فضرب رجل من تميم على رجله، فجعل يسحبها وهريم يحميه. فقال الرجل: - «اللهمّ أيّدنا بالملائكة.» فقال له هريم: - «أيها الرجل، قاتل عن نفسك، فإنّ الملائكة فى شغل عنك.»

стр. 883

فتحامل، ثمّ أعاد قوله مرارا: - «اللهمّ أيّدنا بالملائكة.» فقال لهم هريم: - «لتكفّنّ عنّى، أو لأدعنّك والملائكة.» فسكت، وحماه حتّى ألحقه بالناس. فكانوا كذلك مدة يتقاتلون، وكان أصحاب بكير يغدون متفضّلين، فى ثياب مصبّغة، وملاحف وأزر صفر وحمر، فيجلسون على نواحي المدينة يتحدّثون وينادى مناد: - «من رمى بسهم، رمينا إليه برأس رجل من أهله وولده.» فلا يرميهم أحد. وأشفق بكير وخاف، إن طال الحصار، أن يخذله الناس. فطلب الصلح، وأحبّ أصحاب أميّة ذلك، لمكان عيالاتهم بالمدينة، وكان يحبّ أميّة العافية، فصالحه على أن يقضى عنه أربعمائة ألف، ويصل إليه أصحابه ويولّيه أىّ كورة خراسان شاء، ولا يسمع [٣٩٩] قول بحير فيه، وإن راب منه ريب فهو آمن أربعين يوما حتّى يخرج من مرو. وقال: وأخذ الأمان لبكير، وكتب إليه أميّة كتابا، ودخل أميّة المدينة، ووفى لبكير، وعاد إلى ما كان له من الإكرام وحسن الأدب. فأرسل إلى عتّاب اللّقوة فقال: - «أنت صاحب المشورة؟» قال: - «نعم، أصلح الله الأمير.» قال: - «ولم؟» قال: - «خفّ ما كان فى يدي، وكثر ديني، وأعديت على غرمائي.» قال: - «ويحك! فضرّبت بين المسلمين، وأحرقت السفن والمسلمون فى بلاد العدوّ، وما خفت الله.» قال: - «قد كان ذاك وأستغفر الله.» قال: - «كم كان دينك؟» قال:

стр. 884

- «عشرون ألفا.» قال: - «تكفّ عنّى وعن المسلمين غشّك وأقضى دينك.» قال: - «نعم، جعلني الله فداءك.» فضحك أميّة وقال: - «ظنّى بك غير ما تقول، وأرجو أن تفي.» فأدّى عنه عشرين ألفا. - «وكان أميّة سهلا ليّنا سخيّا لم يعط أحد بخراسان ما أعطاه، وكان مع ذلك ثقيلا على الناس لزهو كان فيه شديد. وكان يقول: - «ما أكتفى بخراسان وسجستان لمطبخى!» وعزل أميّة بحيرا عن شرطته، وكتب إلى عبد الملك بما كان من بكير وصفحه عنه، وعزله بحيرا طلب مرضاته. [٤٠٠] عاقبة أمر بكير وأخذ أميّة الناس بالخراج واشتدّ عليهم فيه. فجلس يوما بكير فى المسجد وعنده ناس من بنى تميم، فذكر شدّة أميّة على الناس، فذمّوه وقالوا: - «سلّط علينا الدهاقين فى الجباية.» وكان بكير وضرار بن حصن وعبد العزيز بن حارثة فى ناحية من المسجد. فنقل بحير ذلك إلى أميّة، فكذّبه، فادّعى شهادة هؤلاء وشهادة مزاحم بن المحشر [١] . فدعا أميّة مزاحما، فسأله، فقال: - «إنّما كان يمزح.» فأعرض عنه. ثمّ إنّ بحيرا أتاه، فقال:

стр. 885

- «أصلحك الله، إنّ بكيرا دعاني إلى خلعك، وقال: لولا مكانك لقتلت هذا القرشىّ وأكلت خراسان.» فقال أميّة: - «ما أصدّق بهذا وقد فعل وفعلت ما فعلت.» فأتاه بضرار بن حصن وعبد العزيز بن حارثة، فشهدا أنّ بكيرا قال لهما: لو أطعتمانى قتلت هذا القرشىّ المخنّث، ودعانا إلى الفتك بك.» فقال أميّة: - «أنتم أعلم وما شهدتم، وما أظنّ هذا به، وإنّ تركه- وقد شهدتم بما شهدتم به- عجز.» فقال له: - «إنّ عتّابا يحمله على ذلك.» فقال لحاجبه وصاحب حرسه، وكان يومئذ عطاء بن أبى السائب: - «إذا دخل بكير وبدل [١] وشمر دل ابنا أخيه فنهضت [٤٠١] فخذوهم.» وجلس أميّة للناس وجاء بكير وابنا أخيه. فلما جلسوا قام أميّة عن سريره، فدخل وخرج الناس، فلما همّ بكير بالخروج حبسوه وابني أخيه. فدعا أميّة ببكير وقال: - «أنت القائل كذا وكذا؟» فقال: - «تثبّت أصلحك الله ولا تسمع قول ابن المحلوقة.» فحبسه وأخذ جاريته، وكانت تسمّى: العارمة [٢] ، فحبسها معه، وحبس الأحنف بن عبد الله العنبري. فلما كان من الغد، أخرج بكيرا، فشهد بحير وضرار وعبد العزيز أنّه دعاهم إلى خلعه والفتك به. فقال:

стр. 886

- «أصلحك الله، فإنّ هؤلاء أعدائى.» فقال أميّة لبحير: - «أتقتله؟» قال: - «نعم.» فقام إليه، ونهض أميّة. فقال بكير: - «يا بحير، إنّك تفرّق أمر بنى سعد إن قتلتني، فدع هذا القرشىّ يلي منّى ما يريد.» فقال بحير: - «لا والله، يا بن الإصبهانيّة! لا تصلح بنو سعد ما دمنا حيّين.» فقال: - «فشأنك يا بن المحلوقة.» وقتل أميّة ابن أخى بكير، ووهب جاريته العارمة لبحير. ثمّ وجّه أميّة رجلا من خزاعة إلى موسى بن عبد الله بن خازم، فقتله عمرو بن خالد بن حصن الكلابي غيلة، فتفرّق جيشه، واستأمن طائفة منهم إلى موسى ورجع بعضهم إلى أميّة. [٤٠٢] وعزل عبد الملك بن مروان أميّة عن خراسان وولّاها المهلّب من قبل الحجّاج، وسنذكر سببه. وأخذ الأبناء تحضّ على قتل بحير فى الشعر وفى غير الشعر، فتعاقد جماعة منهم على الفتك ببحير. فخرج فتى منهم يقال له الشمر دل من البادية حتّى قدم خراسان. فنظر إلى بحير واقفا، فشدّ عليه، فطعنه، فصرعه وظنّ أنّه قتله. فتنادى الناس: - «خارجىّ.» فراكضهم، فعثر فرسه وندر عنه فقتل. فكان بحير بعد ذلك يتحرّز من الغيلة، إلى أن خرج صعصعة بن حرب العوفىّ من البادية وقد باع غنيمات له واشترى

стр. 887

حمارا، ومضى إلى سجستان فحاور قرابة لبحير هناك ولا طفه وقال: - «أنا رجل من بنى حنيفة من أهل اليمامة.» فلم يزل يأتيهم ويجالسهم حتّى أنسوا به. ذكر حيلة صعصعة على بحير حتّى اغتاله وقتله ثمّ إنه قال لهم: - «إنّ لى بخراسان ميراثا قد غلبت عليه، وبلغني أنّ بحيرا هو عظيم القدر بخراسان، فاكتبوا لى إليه كتابا يعينني على طلب حقّى.» فكتبوا إليه وخرج حتّى قدم مرو والمهلّب غاز [١] . فلقى قوما من بنى عوف، فأفشى إليهم سرّه، فأقبل [٤٠٣] إليه مولى لبكير، فقبّل رأسه، وكان صقيلا، فقال له صعصعة: - «اتّخذ لى خنجرا.» ففعل، وأحماه وغمسه فى لبن أتان مرارا، ثمّ شخص من مرو وقطع النهر حتّى أتى عسكر المهلّب. فلقى بحيرا بالكتاب، وقال له: - «إنّى رجل من بنى حنيفة، كنت من أصحاب ابن أبى بكرة، وقد ذهب مالي بسجستان، ولى ميراث بمرو، فقدمت لأبيعه وأرجع إلى اليمامة.» فأمر له بنفقة وأنزله معه. وقال له: - «استعن بى على ما أحببت.» قال: - «أقيم عندك حتّى يقفل الناس.» فأقام شهرا أو نحوا من شهر يحضر معه باب المهلّب ومجلسه حتّى عرف به. وكان بحير مع تحرّزه وخوفه الفتك قد أنس بصعصعة هذا لأجل الكتاب الذي

стр. 888

صحبه من عند أصحابه، وظنّه رجلا من بكر بن وائل، فأمنه [١] . فجاء يوما وبحير جالس فى مجلس المهلّب، عليه قميص ورداء فى نعلين. فقعد خلفه، ثمّ دنا منه فأكبّ عليه كأنّه يكلّمه. فوجأه بخنجره فى خاصرته فغيّبه فى جوفه وخضخضه. فقال الناس: - «خارجىّ!» وقال صعصعة: - «يا لثارات بكير! أنا ثائر ببكير.» فأخذه صاحب شرطة المهلّب فى الطريق، فأتى به المهلّب، فقال المهلّب: - «بؤسا لك. ما أدركت بثأرك وقتلت نفسك وما على بحير بأس.» فقال: - «والله قد طعنته [٤٠٤] طعنة لو قسمت بين الناس لماتوا. ولقد وجدت ريح بطنه فى يدي.» فحبسه. ودخل عليه السجن قوم من الأبناء فقبّلوا رأسه. ومات بحير من غد، فقيل لصعصعة: - «مات بحير.» فقال: - «اصنعوا ما بدا لكم الآن. أليس قد حلّت نذور نساء بنى عوف وأدركت ثأرى؟ أما والله لقد أمكننى منه خاليا غير مرّة، فكرهت أن أقتله سرّا.» فقال المهلّب: - «ما رأيت رجلا أسخى نفسا بالموت صبرا من هذا.» وقتله. وقال المهلّب: - «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. ٢: ١٥٦ غزوة أصيب فيها بحير فغضبت عوف بن كعب

стр. 889

والأبناء.» وقال: - «علام قتل صاحبنا؟ وإنّما طلب بثأره.» فنازعتهم مقاعس والبطون حتّى خاف الناس أن يعظم البأس، إلى أن تلطّف أهل الحجى والرأى وقالوا: - «احملوا دم صعصعة واجعلوا دم بحير بواء [١] ببكير.» فودّوا صعصعة. ذكر خروج عبد الرحمان بن الأشعث على الحجّاج وسبب خلعه لعبد الملك واجتماع الناس عليه ولمّا فرغ الحجّاج من شبيب، قدم عليه المهلّب وقد فرغ من الأزارقة. فأجلسه معه، ودعا بأصحاب البلاد من أصحاب المهلّب، فحباهم ووصلهم. وكاتب عبد الملك بن مروان [٤٠٥] بالفتح، وكتب عبد الملك إلى الحجّاج بولاية خراسان وسجستان مع العراق، وعزل أميّة عن خراسان، فبعث الحجّاج المهلّب إلى خراسان من قبله، وبعث عبيد الله بن أبى بكرة إلى سجستان، وذلك فى سنة ثماني وسبعين، فمكث ابن بكرة بقيّة سنته، ثمّ غزا رتبيل، وقد كان مصالحا، وكانت العرب قبل ذلك تأخذ منه خراجا، وربما امتنع. فبعث الحجّاج إلى عبيد الله بن أبى بكرة أن ناجزه بمن معك من المسلمين من أهل الكوفة والبصرة، وكان على أهل الكوفة شريح بن هانئ، وكان من أصحاب علىّ بن أبى طالب ﵇، وكان عبيد الله على أهل البصرة، وهو أمير الجماعة. فمضى عبيد الله حتّى وغل فى بلاد رتبيل، فأصاب من الأموال والغنم ما شاء،

стр. 890

وهدم قلاعا وحصونا، وغلب على أرض من أرضيهم كثيرة. وأصحاب رتبيل من الترك. فلما أمعنوا فى بلادهم ودنوا من مدينتهم وصاروا منها على ثمانية عشر فرسخا أخذوا على المسلمين بالعقاب والشعاب، فسقط فى أيدى المسلمين، وظنّوا أن قد هلكوا. فراسل ابن أبى بكرة رتبيل على أن يصالحه على سبعمائة ألف. فلقيه [٤٠٦] شريح فقال له: - «إنّك لا تصالح على شيء إلّا حبسه السلطان عنكم واحتسبه فى أعطياتكم.» فقال الناس: - «لو منعنا العطاء ما حيينا، كان أهون علينا من هلاكنا.» فقال له شريح: - «والله لقد بلغت سنّا وقد هلكت لداتي [١] ، وما يأتى علىّ ساعة فأظنّها تمضى حتّى أموت، ولئن فاتتنى الشهادة وأنا أطلبها منذ زمان ما أخالنى أدركها. يا أهل الإسلام، تعاونوا على عدوّكم.» فقال له ابن أبى بكرة: - «إنّك شيخ وقد خرفت.» فقال له شريح: - «إنّما حسبك أن يقال: بستان أبى بكرة، وحمّام أبى بكرة. يا أهل الإسلام من أراد الشهادة فإلىّ.» فاتّبعه ناس من المتطوّعين كثير وفرسان البأس وأهل الحفاظ، فقاتلوا حتّى أصيبوا. وقتل شريح ونجا ابن بكرة فى من نجا من المسلمين. وبلغ ذلك الحجّاج، فأخذه ما تقدّم وتأخّر وبلغ منه كلّ مبلغ، فكتب إلى

стр. 891

عبد الملك: - «أمّا بعد، فإنّ جند أمير المؤمنين الذين كانوا بسجستان أصيبوا، فلم ينج إلّا القليل منهم، وقد اجترأ العدوّ على الإسلام، وأردت أن أوجّه إليهم جندا كثيفا من أهل المصرين، وأحببت أن أستطلع رأى أمير المؤمنين فى ذلك، فإن رأى ذلك أمضيته، وإن لم يرد ذلك [٤٠٧] فأمير المؤمنين أعلى بجنده عينا، مع أنّى أتخوّف أنّه إن لم يأت رتبيل ومن معه جند كثيف عاجلا، أن يستولوا على ذلك الفرج كلّه.» فكتب إليه عبد الملك: - «أمّا بعد، فقد أتانى كتابك تذكر فيه مصاب المسلمين بسجستان، وأولئك قوم كتب عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم [١] وعلى الله ثوابهم. وأما رأيى فى توجيه الجنود، فإنّى أرى إمضاء عزمك، فرأيك راشدا موفّقا.» فأخذ الحجّاج فى جهاز عشرين ألفا من أهل البصرة وعشرين ألفا من أهل الكوفة، وجدّ فى ذلك وشمّر وأعطى الناس أعطياتهم، وأخذهم بالخيول الروابع والسلاح الكامل، وأخذ فى عرض الناس، فلا يرى رجلا تذكر فيه شجاعة إلّا أحسن معونته. ولمّا استتمّ له الأمر بعث عليهم عبد الرحمان بن محمد بن الأشعث، فقدم ابن الأشعث سجستان بمن معه فى سنة ثمانين، وكان عبيد الله [٢] بن أبى بكرة قد مات قبل قدوم عبد الرحمان. ويقال: إنّ الحجّاج أنفق على ذلك العسكر، سوى الأعطيات والأرزاق، ألفى ألف [٠٠٠، ٠٠٠، ٢] درهم. وكان يدعى ذلك الجيش جيش الطواويس، لحسن هيآتهم. [٤٠٨] فندب عبد الرحمان الناس وعسكر بهم فى ظاهر سجستان، ونادى مناديه:

стр. 892

- «أىّ رجل تخلّف فقد أحلّ بنفسه العقوبة.» فخرج الناس كلّهم إلى معسكرهم ووضعت [١] لهم [الأسواق] [٢] وأخذوا فى الجهاد والتهيّؤ للحرب. فبلغ ذلك رتبيل، فكتب إلى عبد الرحمان يعتذر إليه مصاب المسلمين ويخبره أنّه كان لذلك كارها وأنهم ألجئوه إلى قتالهم ويسأله الصفح ويعرض عليه الخراج، فلم يجبه ولم يقبل منه. وسار عبد الرحمان فى الجنود حتّى دخل أوّل بلاده، وأخذ رتبيل يضمّ إليه جنده ويدع له الأرض رستاقا رستاقا وحصنا حصنا. وكان ابن الأشعث كلّما حوى بلدا بعث إليه عاملا وبعث معه أعوانا ووضع البرد بين كلّ بلد وبلد، وجعل الأرصاد على العقاب والشعاب، ووضع المسالح بكلّ مكان مخوف حتّى إذا حاز من أرضه شيئا عظيما وملأ يده من البقر والغنم والغنائم العظيمة، حبس الناس عن الوغول فى أرض رتبيل، وقال: - «نكتفي بما أصبنا العام من بلادهم حتّى نجيئها ونعرفها ويجترئ المسلمون على طرقها، ثمّ نتعاطى فى العام المقبل ما وراءها، ثمّ لا نزال ننتقصهم حتّى [٤٠٩] نقاتلهم آخر ذاك على كنوزهم وذراريّهم وممتنع حصونهم، ثمّ لا نزايل بلادهم حتّى يهلكهم الله.» ثمّ كتب إلى الحجّاج بما فتح من بلاد العدوّ وبما صنع للمسلمين وبهذا الرأى الذي رءاه لهم. ذكر رأى خطأ للحجّاج أفسد به أولئك الجند وعبد الرحمان حتّى ألجأهم إلى مخالفته وخلعه وكتب الحجّاج جواب كتابه:

стр. 893

- «أما بعد، فإنّ كتابك أتانى وفهمته وهو كتاب امرئ يحبّ الهدنة ويستريح إلى الموادعة. قد صانع عدوّا ذليلا أصابوا من المسلمين جندا كان بلاؤهم حسنا وغناؤهم عظيما، ولعمرك يا بن أمّ عبد الرحمان، إنّك حيث تكفّ عن ذلك العدوّ بجندي وحدّى، لسخىّ النفس عمّن أصيب من المسلمين، وإنّى لم أعذر رأيك الذي زعمت أنّك رأيته رأى مكيدة، ولكنّى رأيتك أنّه لم يحملك عليه إلّا ضعفك والتياث [١] رأيك. فامض لما أمرتك به من الوغول فى أرضهم والهدم لحصونهم، وقتل مقاتليهم، وسبى ذراريّهم.» ثمّ أردفه كتابا آخر قال فيه: [٤١٠]- «أمّا بعد، فأمر من قبلك من المسلمين فليحرثوا [٢] وليقيموا، فإنّها دارهم، حتّى يفتح الله عليهم.» ثمّ أردفه كتابا آخر فيه: - «أمّا بعد، فامض لما أمرتك من الوغول فى أرضهم، وإلّا فإنّ إسحاق بن محمد أمير الناس، فخلّه وما ولّيته.» - يعنى أخاه. فلما قرأ كتابه، قال: - «أنا أحمل ثقل إسحاق.» ثمّ دعا الناس وجمعهم فحمد الله وأثنى عليه وقال: - «أيها الناس، قد عرفتم نصحى لكم ومحبتي لصلاحكم ولكلّ ما يعود عليكم نفعه. وقد كان من رأيى لكم فى ما بينكم وبين عدوّكم، رأى استشرت فيه ذوى أحلامكم وأولى التجربة فى الحرب منكم، فرضوه لكم رأيا، ورأوه لكم فى العاجل والآجل صلاحا، فكتبت بذلك إلى أميركم الحجّاج وهذا جوابه، يعجّزنى ويضعّفنى ويأمرنى بتعجيل الوغول بكم فى أرض العدوّ، وهي البلاد التي هلك

стр. 894

فيها إخوانكم بالأمس، وإنّما أنا رجل منكم، أمضى إذا مضيتم، وآبى إذا أبيتم.» فثار إليه الناس من كلّ جانب. - «لا بل نأبى على عدوّ الله ولا نستمع له ولا نطيع.» وتكلّم وجوه الناس، فكان أولهم واثلة الكناني، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: - «إنّ الحجّاج ما يرى لكم إلّا ما يقول القائل الأوّل إذ قال [٤١١] لأخيه: احمل عبدك على الفرس، فإن هلك هلك، وإن نجا فلك. إنّ الحجّاج والله ما يبالى أن يخاطر بكم فيقحمكم بلادا كثيرة اللهوب واللّصوب، فإن ظفرتم وغنمتم، أكل البلاد وحاز الأموال، وكان ذلك زيادة فى سلطانه، وإن ظفر عدوّكم كنتم الأعداء البغضاء الذين لا يبالى عتبهم [١] ، ولا يبقى عليهم. اخلعوا عدوّ الله الحجّاج وبايعوا الأمير عبد الرحمان، فإنّى أشهدكم أنّى أوّل خالع له.» فنادى الناس من كلّ جانب: - «فعلنا فعلنا وخلعنا عدوّ الله.» وقام عبد المؤمن بن شبث بن ربعىّ ثانيا، وكان على شرطته، فقال: - «عباد الله، إنّكم إن أطعتم الحجّاج جعل هذه البلاد بلادكم ما بقيتم، وجمّركم تجمير فرعون، فإنّه بلغني أنّه أوّل من جمّر البعوث، ولم تعاينوا والله الأحبّة فى ما أرى، أو يموت أكثركم. فبايعوا أميركم، وانصرفوا إلى عدوّ الله فانفوه عن بلادكم.» فوثب الناس إلى عبد الرحمان ليبايعوه فقال: - «أتبايعوننى على خلع الحجّاج عدوّ الله وعلى النصرة لى والجهاد معى حتّى ننفيه من العراق؟»

стр. 895

فبايعه الناس على ذلك، ولم يذكر عبد الملك إذ ذاك بشيء. ثمّ استخلف على بست عياض بن همدان، وعلى زرنج عبد الله [٤١٢] بن عامر التميمي. وبعث إلى رتبيل، فصالحه على أنّ ابن الأشعث إن ظهر فلا خراج عليه أبدا ما بقي، وإن هزم فأراده، ألجأه عنده وآواه. خروج عبد الرحمان نحو العراق وخرج عبد الرحمان نحو العراق وبعث على مقدّمته عطيّة بن عمرو العنبري، وبعث الحجّاج إليه الخيل، فجعل لا يلقى خيلا إلّا هزمها، حتّى دخل فارس واجتمع الناس بعضهم إلى بعض وقالوا: - «إنّا إذا خلعنا الحجّاج فقد خلعنا عبد الملك.» فاجتمعوا إلى عبد الرحمان، وكان أوّل من خلع عبد الملك تيحان بن أبجر قام فقال: - «أيها الناس إنّى قد خلعت أبا دبّان كخلعي قميصي.» فخلعه الناس ووثبوا إلى عبد الرحمان فبايعوه وكانت بيعته: - «تبايعوني على كتاب الله، وسنّة نبيّه، وخلع أئمة الضلالة، وجهاد المحلّين.» فإذا قالوا: نعم، بايع. فلما بلغ الحجّاج ذلك، كتب إلى عبد الملك يخبره، ويسأله أن يعجّل بعثة الجنود إليه. وجاء حتّى نزل البصرة، وكان المهلّب بخراسان حين بلغه شقاق عبد الرحمان، فكتب إليه: - «أما بعد، فإنّك يا ابن محمّد قد وضعت رجلك فى غرز [١] طويل الغىّ. الله الله، فى نفسك لا تهلها، وفى دماء المسلمين فلا تسفكها، والجماعة فلا تفرّقها،

стр. 896

[٤١٣] والبيعة فلا تنكثها. فإن قلت: إنّى أخاف الناس على نفسي، فاللَّه أحقّ أن تخافه عليها من الناس. والسلام.» رأى سديد رءاه المهلّب للحجّاج فعصاه وكتب المهلّب إلى الحجّاج: - «أما بعد، فإنّ أهل العراق قد أقبلوا إليك وهم مثل السيل المنحدر من عل ليس يردّه شيء حتّى ينتهى إلى قراره. إنّ لأهل العراق شرّة فى أول مخرجهم وصبابة إلى أبنائهم ونسائهم. فليس شيء يردّهم حتّى يسقطوا إلى أهليهم ويشمّوا أولادهم، فافرج [١] لهم، ثمّ واقعهم فإنّ الله ناصرك عليهم إن شاء الله.» فلمّا قرأ كتابه قال: - «فعل الله به وصنع. لا والله، ما لي نظر، ولكنّ ابن عمّه نصح.» وتجهّز الحجّاج للقاء عبد الرحمان، وترك رأى المهلّب. وكان فرسان أهل الشام يسقطون إلى الحجّاج مائة مائة وخمسين خمسين [٢] وعشرة عشرة، وأقلّ على البرد من قبل عبد الملك وهو فى كلّ يوم يساقط إلى عبد الملك كتبه ورسله يخبر أنّ ابن الأشعث أىّ كورة نزل، ومن أىّ كورة رحل، [٤١٤] وأىّ الناس إليه أسرع. وكان بكرمان أربعة آلاف من فرسان أهل البصرة وأهل الكوفة فلمّا مرّ بهم عبد الرحمان انجفلوا معه. وسار الحجّاج بأهل الشام حتّى نزل قريبا من تستر، وقدّم بين يديه مطهّر بن حيىّ [٣] . وكان لعبد الرحمان مسلحة عليها عبد الله بن أبان الحارثىّ فى ثلاثمائة فارس. فلما انتهى إليهم مطهّر أقدم عليه فهزمته مسلحة عبد الرحمان، وأتت

стр. 897

الحجّاج الهزيمة وهو يخطب. صعد إليه رجل فأخبره بهزيمة الناس، فقال: - «أيها الناس، ارتحلوا إلى البصرة، إلى معسكر ومعقل وطعام ومادّة، فإنّ هذا المكان الذي نحن فيه لا يحتمل الجند.» ثمّ انصرف راجعا وتبعه خيول أهل العراق. فكلّ من أدركوه قتلوه وكلّ ما أصابوا من ثقل حووه. ومضى الحجّاج لا يلوى على شيء حتّى نزل الراوية، وبعث إلى طعام التجار بالكلّاء [١] ، فأخذه وحمله إليه، وخلّى البصرة لأهل العراق، وكان عامله عليها الحكم [٢] بن أيّوب بن الحكم بن عقيل الثقفي. وجاء أهل العراق حتّى دخلوا البصرة. وكان الحجّاج حين صدم تلك الصدمة وأقبل راجعا، دعا بكتاب [٤١٥] المهلّب وقرأه وقال: - «لله أبوه، أىّ صاحب حرب هو! لقد أشار علينا بالرأى وكلّنا لم نقبل.» وكان مع الحجّاج يوم انهزم من المال مائة وخمسون ألف ألف [٠٠٠، ٠٠٠، ١٥٠] ففرّقها فى قوّاده، وضمّنهم إياها. ولمّا بلغ أهل البصرة هزيمة الحجّاج أراد عبد الله بن عامر بن مسمع أن يقطع الجسر فرشاه الحكم بن أيوب مائة ألف درهم. فكفّ عنه. ودخل الحجّاج البصرة، فأرسل إلى ابن عامر، فانتزع المائة الألف منه. ولمّا دخل البصرة عبد الرحمان بن محمد بن الأشعث بايعه أهلها، كلّهم قرّاؤها وكهولها، على خلع الحجّاج، وخلع عبد الملك جميع أهلها من القرّاء والشيوخ. وخندق الحجّاج عليه وخندق عبد الرحمان على البصرة، واقتتلوا فى المحرم سنة اثنتين وثمانين. فكانت خيل العراق تهزم أبدا خيل الشام حتّى إذا كان فى آخر المحرّم هزم أهل العراق على عادتهم أهل الشام فنكصت ميمنتهم

стр. 898

وميسرتهم، واضطربت رماحهم، وتقوّضت صفوفهم. فلما رأى ذلك الحجّاج جثا على ركبتيه وانتضى نحوا من شبر من سيفه وقال: - «لله درّ مصعب، ما كان أكرمه حين نزل به!» قال: [٤١٦] فعلمنا أنّه لا يفرّ. قال أبو الزبير الهمدانىّ: فغمزمت أبى بعيني ليأذن لى فأضرب الحجّاج بسيفي. فغمزني غمزة شديدة، فسكتّ [١] ، وحانت منّى التفاتة، فإذا سفيان بن الأبرد قد حمل عليهم فهزمهم من قبل الميمنة، فقلت: - «أبشر أيّها الأمير، فإنّ الله قد هزم العدوّ.» فقال لى: - «قم فانظر.» قال: فقمت فنظرت فقلت له: - «قد هزمهم الله.» فقال: - «قم يا زياد فانظر.» فقام فنظر فقال: - «الحقّ- أصلحك الله- يقينا، قد هزموا.» [٢] فخرّ ساجدا. قال: فلمّا رجعت شتمني أبى وقال: - «أردت أن تهلكني وأهل بيتي.» قال: فانهزم الناس، وأقبل عبد الرحمان إلى الكوفة، وتبعه أهل القوّة من أصحاب الخيل من أهل البصرة. ولمّا مضى عبد الرحمان إلى الكوفة وثب أهل البصرة إلى عبد الرحمان بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فبايعوه، فقاتل بهم خمس ليال أشدّ

стр. 899

قتال رءاه الناس. ثمّ انصرف فلحق بابن الأشعث، وقتل الحريش بن هلال وجماعة من الأشراف والوجوه. قال أبو الزبير: كنت قد أصابتنى جراحة وخرج أهل الكوفة يستقبلون ابن الأشعث حين أقبل، فاستقبلوه عنده قنطرة [٤١٧] زبارا [١] . فقال لى: - «إن رأيت أن تعدل عن الطريق فلا يرى الناس جراحتك فإنّى لا أحبّ أن يستقبلهم الجرحى.» ففعلت، ودخل الناس، فلمّا دخل الكوفة مال إليه الناس كلّهم ودخلوا إليه فبايعوه، وسقط إليه أهل البصرة، وتقوّضت إليه المسالح والثغور، وجاءه فى من جاءه من أهل البصرة عبد الرحمان بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. وكنّا ذكرنا أنّه قاتل الحجّاج بالبصرة بعد خروج ابن الأشعث. فبلغ ذلك عبد الملك بن مروان، فقال: - «قاتل الله عدىّ [٢] الرحمان، قد فرّ وقاتل غلام من غلمان قريش بعده ثلاثا.» وأقبل الحجّاج من البصرة، فسار فى البرّ حتّى مرّ بالقادسيّة والعذيب، وبعث إليه عبد الرحمان بن الأشعث عبد الرحمان بن العباس فى خيل عظيمة من خيل البصرة، فمنعوه من نزول القادسيّة. ثمّ سايره حتّى ارتفعوا على وادي السباع، ثمّ تسايرا حتّى نزل الحجّاج دير قرّة، ونزل عبد الرحمان دير الجماجم. ثمّ جاء ابن الأشعث فنزل دير الجماجم. فكان الحجّاج بعد ذلك يقول: - «ما [٣] كان عبد الرحمان يزجر الطير، حيث رءانى نزلت دير قرّة ونزل دير

стр. 900

الجماجم.» واجتمع القرّاء من أهل [٤١٨] المصرين وأهل الثغور والمسالح وجماعة أهل الكوفة والبصرة على حرب الحجّاج والذي جمعهم على حربه بغضهم له وإجماعهم على عدوانه وظلمه، وهم إذ ذاك مائة ألف مقاتل ممّن يأخذ العطاء ومعهم مثلهم مواليهم. وجاءت الحجّاج أمداده من قبل عبد الملك. فكان الحجّاج مخندقا فى عسكره والناس يخرجون فى كلّ يوم فيقتتلون، فلا يزال أحدهما يدنى خندقه نحو صاحبه، فإذا رءاه الآخر أدنى خندقه أيضا من صاحبه واشتدّ القتال. ذكر وقعة دير الجماجم لمّا بلغ أهل الشام ورؤوس قريش قبل عبد الملك مخالفة أهل العراق الحجّاج اجتمعوا إليه، وقالوا [١] : - «إن كان إنّما يرضى أهل العراق أن تنزع عنهم الحجّاج فإنّ نزع الحجّاج أهون من حرب أهل العراق فانزعه عنهم تخلص [٢] لك طاعتهم وتحقن به دماءنا ودماءهم.» بعث عبد الملك ابنه عبد الله بن عبد الملك وأخاه محمد بن مروان فى خيل إلى أرض العراق، وأمرهما أن يعرضا على أهلها نزع الحجّاج عنهم وأن يجرى عليهم أعطياتهم [٤١٩] كما يجرى على أهل الشام وأن ينزل ابن محمد بن الأشعث أىّ بلد شاء من العراق يكون عليه واليا ما كان حيّا وكان عبد الملك واليا. فإن هم قبلوا ذلك فاعزل عنهم الحجّاج ومحمد بن مروان أمير العراق، وإن أبوا أن يقبلوا فالحجّاج أمير جماعة أهل الشام وولىّ القتال، ومحمد بن مروان وعبد الله بن

стр. 901

عبد الملك فى طاعته. فلم يأت الحجّاج قطّ أمر كان أشدّ عليه ولا أغيظ له ولا أوجع لقلبه من هذا الأمر مخافة أن يقبلوا فيعزل عنهم. فكتب إلى عبد الملك: - «يا أمير المؤمنين، والله لئن أعطيت أهل العراق نزعى عنهم لا يلبثون إلّا قليلا حتّى يخالفوك ويسيروا إليك، ولا يزيدهم ذلك إلّا جرأة عليك. ألم تر وتسمع بوثوب أهل العراق مع الأشتر على ابن عفّان؟ فلما سألهم: ما الذي تريدون؟ قالوا: نزع سعيد بن العاص. فلما نزعه، لم تتمّ لهم السنة حتّى ساروا إليه، فقتلوه. إنّ الحديد بالحديد يقرع. وخار الله لك فى ما ارتأيت والسلام.» فأبى عبد الملك إلّا عرض هذه الخصال على أهل العراق طلبا للعافية من الحرب. فلما اجتمعا مع الحجّاج خرج عبد الله بن عبد الملك [٤٢٠] فنادى أهل العراق وقال: - «أنا عبد الله بن أمير المؤمنين وهو يعطيكم كذا وكذا.» وذكر الخصال التي ذكرناها. وقال محمد بن مروان: - «أنا رسول أمير المؤمنين إليكم وهو يعرض عليكم كذا وكذا.» وذكر هذه الخصال. فقالوا: - «نرجع العشيّة وننظر.» فرجعوا واجتمعوا عند ابن الأشعث، فلم يبق قائد ولا رأس ولا فارس إلّا أتاه. ذكر رأى رءاه عبد الرحمان عند هذه الحال لمّا اجتمع هؤلاء كلّهم عند ابن الأشعث حمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: - «أمّا بعد، أعطيتم اليوم أمرا انتهازكم إيّاه اليوم فرصة، ولا آمن أن يكون على

стр. 902

ذى [١] الرأى غدا حسرة. وإنّكم اليوم على النصف، وإن كانوا اعتدّوا عليكم بالزاوية فأنتم تعتدّون عليهم بيوم تستر. فاقبلوا ما عرض عليكم وأنتم أعزّاء أقوياء، والقوم لكم هائبون وأنتم لهم منتقصون. فلا والله لا زلتم عليهم جرّاء وعندهم أعزّاء أبدا، إن قبلتم.» فوثب إليه الناس من كلّ جانب، فقالوا: - «إنّ الله قد أهلكهم، فأصبحوا فى الأزل والضنك والمجاعة والقلّة والذلّة، ونحن ذوو العدد [٤٢١] الكثير والسعر الرفيع [٢] والمادة القريبة. لا والله، لا نقبل.» فأعادوا خلعه ثانيا. وكان اجتماعهم على خلعه بالجماجم، أجمع من خلعهم إيّاه بفارس. فرجع محمد بن مروان وعبد الله بن عبد الملك إلى الحجّاج، فقالا: - «شأنك بعسكرك وجندك، فقد أمرنا أن نسمع لك ونطيع.» فقال الحجّاج: - «قد قلت لكما أنّه لا يراد بهذا الخلاف غيركما.» ثمّ قال: - «إنّما أقاتل لكما وسلطاني سلطانكما.» فكانوا إذا لقياه سلّما عليه بالإمرة، وكان أيضا يسلّم عليهما بالإمرة، وخلّياه والحرب، فتولّاها وبرزوا للقتال. فجعل الحجّاج على ميمنته عبد الرحمان بن سليم الكلبي، وعلى ميسرته عمارة بن تميم اللخمي، وعلى خيله سفيان بن الأبرد الكلبي، وعلى رجاله

стр. 903

عبد الرحمان بن حبيب الحكمي. وجعل ابن الأشعث على ميمنته الحجّاج بن جارية الخثعمي، وعلى ميسرته الأبرد بن قرّة التميمي، وعلى خيله عبد الرحمان بن العباس بن عامر الشعبي، وسعيد بن جبير، وأبو البختري الطائىّ، وعبد الرحمان بن أبى ليلى. فكانوا يتزاحفون كلّ يوم ويقتتلون. [٤٢٢] فأما أهل الكوفة والبصرة فتأتيهم موادّهم من السواد فهم فى ما شاءوا من خصب. وأما أهل الشام ففي ضيق شديد قد غلب عليهم الأسعار وقلّ عندهم الطعام وفقدوا اللحم وكانوا كأنّهم فى حصارهم [١] وهم على ذلك يغادون أهل العراق ويراوحون فيقتتلون أشدّ القتال. وكان الحجّاج يدنى خندقه مرّة وهؤلاء أخرى. فعبّى ذات يوم الحجّاج أصحابه وزحف فيها. وخرج ابن الأشعث فى سبعة صفوف بعضها فى أثر بعض وعبّى الحجّاج لكتيبة القرّاء التي فيها جبلة بن زحر ثلاث كتائب وعليهم الجرّاح بن عبد الله الحكمي، فأقبلوا نحوهم. فتحدّث أبو يزيد السكسكي قال: أنا والله فى الخيل التي عبّئت لجبلة بن زحر كلّ كتيبة تحمل حملة، فو الله ما استفضضناهم ولا شيئا منهم [٢] . وقال أبو الزبير الهمداني: كنت فى خيل جبلة بن زحر. فلمّا حمل علينا أهل الشام مرّة بعد مرّة نادانا عبد الرحمان بن أبى ليلى الفقيه، فقال: - «يا معشر القرّاء، إنّ الفرار ليس بأحد من الناس أقبح منه بكم. إنّى سمعت عليّا- رفع الله درجته فى الصالحين والشهداء [٤٢٣] والصدّيقين- يقول يوم لقينا أهل الشام: أيها المؤمنون، إنّه من رأى عدوانا يعمل به ومنكرا يدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ، ومن أنكره بلسانه فقد أجر وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله العليا [٣] وكلمة الظالمين السفلى فذلك الذي

стр. 904

أصاب سبيل الهدى ونوّر قلبه باليقين. فقاتلوا المحلّين المبتدعين الذين قد جهلوا الحقّ فلا يعرفونه وعملوا بالعدوان فليس ينكرونه.» وتكلّم أبو البختري بنحو من هذا الكلام وحضّ على قتالهم، وكذلك الشعبىّ، وسعيد بن جبير. وقال جبلة: - «إذا حملتم عليهم فاحملوا حملة صادقة لا تردّوا فيها وجوهكم حتّى تخالطوا صفّهم.» قال: فحملنا حملة بجدّ منّا فى قتالهم وقوّة منّا عليهم. فضربنا الكتائب الثلاث حتّى تكسّرت بعضها فى بعض وتفرّقت. ثمّ مضينا حتّى واقعنا [١] صفّهم فضاربناهم حتّى أزلناهم عنه. ثمّ انصرفنا، فمررنا بجبلة صريعا لا ندري كيف قتل. قال: فهدّنا ذلك وجئنا فوقفنا موقفنا الذي كنّا به وإنّ قرّاءنا لمتوافرون ونحن نتناعى جبلة بن زحر، كأنّما فقد [٤٢٤] كلّ واحد منّا أباه أو أخاه، بل هو فى ذلك الموطن كان أشدّ علينا فقدا. فقال لنا أبو البخترىّ: - «لا يستبيننّ عليكم قتل جبلة بن زحر، فإنّما كان كرجل منكم أتته منيّته ليومها، وكلّكم ذائق ما ذاق، ومدعوّ فمجيب.» قال: فنظرت فى وجوه القرّاء، فإذا الكآبة على وجوههم بيّنة، وإذا ألسنتهم منقطعة، وإذا الفشل قد ظهر فيهم. فسرّ أهل الشام ما رأوا فينا، ثمّ نادونا: - «يا أعداء [الله،] [٢] قد هلكتم والله، وقتل الله طاغيتكم.» وقدم علينا، ونحن على تلك الحال، بسطام بن مصقلة بن هبيرة الشيبانى،

стр. 905

فشجّع الناس مقدمه وقالوا: - «هذا يقوم مقام جبلة.» فسمع هذا الكلام من بعضهم أبو البختري، فقال: - «قبحتم [١] ، إن كان كلّما قتل رجل واحد ظننتم أن قد أحيط بكم، فإن قتل الآن مصقلة ألقيتم بأيديكم [٢] وقلتم: لم يبق أحد نقاتل معه. ما أخلقكم أن يخلف رجاؤنا فيكم.» وكان قدم بسطام من الرىّ. قال أبو المخارق: قاتلناهم مائة يوم أعدّها عدّا لا يزيد يوما ولا ينقص يوما وما كنّا قطّ [٤٢٥] أجرأ عليهم ولا هم أهون علينا منهم فى ذلك اليوم. وذلك أنّا قاتلناهم عامة يومنا أحسن القتال قاتلناهم قطّ ونحن آمنون من الهزيمة عالون القوم، إذ خرج سفيان بن الأبرد الكلبي فى الخيل من ميمنة أصحابه حتّى دنا من الأبرد بن قرّة التميمي وعلى ميسرة عبد الرحمان بن محمد. فو الله ما قاتله كبير قتال حتّى انهزم. فأنكرها الناس منه، وكان شجاعا، ولم يكن الفرار له بعادة. فطن [٣] الناس أنّه كان أو من وصولح على أن ينهزم بالناس. فلما فعلوا تقوّضت الصفوف من نحوه، وركب الناس رؤوسهم وأخذوا فى كلّ وجه. فصعد عبد الرحمان بن محمد المنبر، وأخذ ينادى الناس: - «إلىّ إلىّ، أنا محمد.» فأتاه عبد الله بن رزام الحارثي، فوقف تحت منبره فى خيل له، وجاءه عبد الله

стр. 906

بن ذؤاب السلمى فى خيل له، فوقف قريبا منه وثبت حتّى دنا منه أهل الشام، فأخذت نبالهم تحوزه. فقال: - «يا ابن رزام، احمل على هذه الرجّالة.» فحمل عليهم حتّى أمعنوا. ثمّ جاءت خيل أخرى ورجّالة، فقال: - «احمل عليهم يا ابن ذؤاب.» فحمل عليهم [٤٢٦] حتّى أمعنوا وثبت لا يبرح. ودخل أهل الشام العسكر، فصعد إليه عبد الله بن يزيد بن المغفّل الأزدى، فقال: - «انزل، فإنّى أخاف عليك إن لم تنزل أن تؤسر، ولعلّك إن انصرفت اليوم أن تجمع لهم جميعا فى غد يهلكهم الله.» وكانت بنت عبد الله بن يزيد تحت عبد الرحمان بن محمد. فنزل وخلّى أهل العراق العسكر وانهزموا لا يلوون. ومضى عبد الرحمان مع أناس من أهل بيته. فقال الحجّاج: - «أتركوهم، فليبتدروا [١] ولا تتبعوهم.» ونادى المنادى: - «من رجع فهو آمن.» ورجع محمد بن مروان وعبد الله بن عبد الملك إلى الشام بعد الوقعة، وخلّيا العراق والحجّاج. دخول الحجّاج الكوفة وجلوسه للناس وجاء الحجّاج حتّى دخل الكوفة وجلس للناس. فكان لا يبايعه أحد من أهل العراق إلّا قال:

стр. 907

- «أتشهد أنّك قد كفرت؟» فإذا قال: «نعم،» بايعه، وإلّا قتله. فجاء رجل من خثعم، وكان معتزلا للناس جميعا من وراء الفرات. فسأله عن حاله فقال: - «ما زلت معتزلا وراء هذه النطفة منتظرا أمر الناس حتّى ظهرت، فأتيت لأبايعك مع الناس.» فقال: - «أمتربّص؟ [٤٢٧] أتشهد أنّك كافر؟» - «بئس الرجل أنا إذا! إن كنت عبدت الله ثمانين سنة ثمّ أشهد على نفسي بالكفر.» قال: - «إذا أقتلك.» قال: - «فإن قتلتني، والله ما بقي من عمرى إلّا كظمء حمار [١] ، وإنّى لأنتظر الموت صباح مساء.» قال: - «اضربوا عنقه.» فلما ضربوا عنقه لم يبق أحد حوله من الحرس إلّا رحمه ورثى له من القتل. قتله كميل بن زياد النخعي وما دار بينهما من كلام ودعا بكميل بن زياد النخعي، وكان ركينا فى الحرب حليما صاحب نجدة وحفاظ من أصحاب علىّ بن أبى طالب ﵇، فقال: - «أنت المقتصّ من أمير المؤمنين عثمان؟ قد كنت أحبّ أن أجد عليك سبيلا.» فقال: - «والله ما أدرى على أيّنا أنت أشدّ غضبا: عليه حين أقاد من نفسه، أم علىّ

стр. 908

حين عفوت عنه؟» فراجعه الحجّاج. فقال: - «أيها الرجل! لا تصرف علىّ أنيابك، ولا تتهدّم علىّ تهدّم الكثيب، ولا تكشر كشران الذئب. والله ما بقي من عمرى إلّا مثل ظمئ الحمار، فإنّه يشرب غدوة، ويموت عشيّة ويشرب عشيّة ويموت غدوة. اقض ما أنت قاض، فإنّ الموعد الله، وغدا الحساب.» فقال الحجّاج: - «فإنّ [٤٢٨] الحجّة عليك.» قال: - «إن كان القضاء إليك.» قال: - «اقتلوه!» فقتل ﵀. وأتى برجل آخر من بعده طلبه الحجّاج. فقال الحجّاج: - «إنّى أرى وجه رجل ما أظنّه يشهد على نفسه بالكفر.» قال: - «أخادعى أنت عن نفسي؟ بلى أنا أكفر أهل الأرض، وأكفر من فرعون ذى الأوتاد.» فضحك الحجّاج وخلّى سبيله. وتوفّى فى هذه السنة المهلّب منصرفه من كسّ [١] يريد مرو وأصابته الشوصة فدعا حبيبا ومن حضر من ولده فوصّاهم.

стр. 909

وصيّة المهلّب إلى ولده حين حضرته الوفاة قال: - «عليكم بتقوى الله، وصلة الرحم. اجمعوا أمركم ولا تختلفوا. تبارّوا لتجتمع أموركم. إنّ بنى الأمّ يختلفون وكيف ببني العلّات [١] . وعليكم بالطاعة والجماعة، ولتكن أفعالكم أفضل من أقوالكم، فإنّى أحبّ الرجل أن يكون لعمله فضل على لسانه. واتّقوا الجواب [٢] وزلّة اللسان، فإنّ الرجل تزلّ قدمه فينتعش من زلّته، ويزلّ لسانه فيهلك. وآثروا الجود على البخل [٤٢٩] وأحبّوا العرب، واصطنعوا العرف. فإنّ الرجل تعده العدة فيموت دونك، فكيف الصنيعة عنده! عليكم فى الحرب بالأناة والمكيدة، فإنّها أنفع من الشجاعة، وإذا كان [اللقاء] [٣] ، ونزل القضاء. فإن أخذ رجل بالحزم وظهر على العدوّ، قيل: [أتى] الأمر [٤] من وجهه ثمّ ظفر. وإن لم يظفر بعد الأناة، قيل: ما فرّط ولا ضيّع، ولكنّ القضاء غالب. وعليكم بقراءة القرآن وتعلّم السنن وآداب الصالحين. وإيّاكم والخفّة وكثرة الكلام فى مجالسكم. اعرفوا حقّ من يغشاكم، فكفى بغدوّ الرجل ورواحه إليكم تذكرة له. وقد استخلفت عليكم يزيد.» فقال المفضّل: - «لو لم تقدّم يزيد لقدّمناه.» ومات المهلّب وصلّى عليه حبيب، ثمّ سار بالجند إلى مرو. فكتب يزيد إلى

стр. 910

عبد الملك بوفاة أبيه واستخلافه إيّاه، فأقرّه الحجّاج. وذلك فى سنة اثنتين وثمانين. ذكر وقعة الحجّاج وابن الأشعث بمسكن لمّا انهزم ابن الأشعث من دير الجماجم، وتفرّق أصحابه حصل خلق منهم بالمدائن [٤٣٠] مع محمد بن أبى وقّاص وجماعة مع عبيد الله بن عبد الرحمان بن أبى سمرة بن جندب. وخرج الحجّاج فى آثارهم، فبدأ بالمدائن. فلمّا بلغ محمد بن سعد عبوره خرج مع أصحابه حتّى لحق بابن الأشعث. وخرج إليه عبيد الله بن عبد الرحمان أيضا، واجتمع إليه الناس من كلّ أوب [١] حتّى عسكروا معه على دجيل بمسكن، وأتاه فلّ الكوفة، وتلاوم الناس على الفرار، وبايع أكثرهم بسطام بن مصلقة على الموت، وخندق عبد الرحمان على أصحابه، وبثق [٢] الماء من جانب، فوجّه القتال من وجه واحد. وقدم عليه خالد بن حرير بن عبد الله القسري من خراسان فى ناس كانوا معه من بعث الكوفة، فاقتتلوا خمس عشرة ليلة من شعبان أشدّ قتال حتّى قتل زياد بن عثيم من أصحاب الحجّاج وكان على مسالحه، فهدّه ذلك وهدّ أصحابه. وعبّى أصحابه وحضّهم على القتال، وباكرهم بقاتل لم ير مثله قطّ. وجاءه عبد الملك بن المهلّب مجفّفا [٣] وقد كشفت خيل سفيان بن الأبرد. فقال له الحجّاج:

стр. 911

- «ضمّ إليك يا عبد الملك هذا النشر [١] لعلّى أحمل عليهم.» ففعل، وحمل الناس [٤٣١] من كلّ جانب، فانهزم أهل العراق أيضا وقتل أبو البختري الطائىّ وعبد الرحمان بن أبى ليلى، وكانا قالا قبل أن يقتلا: - «إنّ الفرار كلّ ساعة لقبيح بنا.» فصبرا وأصيبا. ومشى بسطام بن مصقلة فى أربعة آلاف ممّن بايعوه على الموت، فهزم أهل الشام مرارا وكشفهم حالا بعد حال، ولم يكن الحجّاج يعرف إليهم طريقا إلّا الطريق الذي يلتقون فيه. فأتى بشيخ كان راعيا، فدلّه على طريق من وراء أجمة فى الكرخ طوله ستّة فراسخ فى ضحضاح من الماء. فبات الحجّاج الليلة وانتخب من جلد أهل الشام أربعة آلاف، وقال لقائدهم: - «ليكن هذا العلج أمامك وهذه خمسة آلاف درهم. فان أقامك على عسكرهم فادفع إليه المال، وإن كذبنا فاضرب عنقه. فإن رأيتهم فاحمل عليهم فى من معك وليكن شعاركم: يا حجّاج يا حجّاج.» فانطلق القائد صلاة العصر، والتقى عسكر الحجّاج وعسكر ابن الأشعث حين فصل القائد بمن معه. فاقتتلوا إلى الليل، فانكشف الحجّاج من جهة بسطام بن مصقلة كما حكينا من أمره قبل، حتّى عبر السّيب ودخل ابن الأشعث [٤٣٢] عسكره فانتهبه. ذكر تكاسل كان من ابن الأشعث عاد بوبال عليه واتّفاق محمود للحجّاج قيل لابن الأشعث:

стр. 912

- «الرأى أن تتبعه ولا تنفّس عنه.» فقال: - « [قد] تعبنا ولحقنا نصب.» فرجع إلى عسكره، وألقى أصحابه السلاح وباتوا آمنين، فى أنفسهم لهم الظفر، وهجم القوم عليهم نصف الليل يصيحون بشعارهم. فجعل الرجل من أصحاب ابن الأشعث لا يدرى أين يتوجّه، دجيل من يساره وجدلة أمامه ولها جرف منكر. فكان من غرق أكثر ممن قتل. وسمع الحجّاج الصوت، فعبر السيب، وكان قد قطعه إلى عسكره، ثمّ وجّه خيله إلى القوم، فالتقى العسكران على ابن الأشعث، فانهزم فى ثلاثمائة. فمضى على شاطئ دجلة حتّى أتى دجيلا، فعبره فى السفن وعقروا دوابّهم، وانحدر فى السفن إلى البصرة. فدخل الحجّاج عسكره وقتل من وجد، حتّى قتل أربعة آلاف، فيهم بسطام بن مصقلة وجماعة من أهل الشرف والصبر. وخرج ابن الأشعث بمن معه من الفلّ منهزمين نحو سجستان فلمّا [٤٣٣] دخل كرمان تلقّاه عمرو بن لقيط وكان عامله عليها. فسأله نزلا، ونزل. فقال له شيخ من عبد القيس يقال له معقل: - «والله، لقد بلغنا عنك يا بن الأشعث أنّك جبان فى مواطنك.» فقال عبد الرحمان: - «ما جبنت، والله لقد دلفت إلى الرجال بالرجال، ولففت الخيل بالخيل، ولقد قاتلت وقاتلت راجلا، فما انهزمت، ولا تركت العرصة للقوم فى موطن حتّى لا أجد مقاتلا، ولا أرى معى مقاتلا، ولكنّى زاولت ملكا مؤجّلا.» ثمّ مضى ابن الأشعث بمن معه حتّى فوّز فى مفازة كرمان وخيل الشام تتبعه، ثمّ مضى حتّى خرج إلى زرنج [١] مدينة سجستان، وفيها رجل من بنى تميم كان

стр. 913

استعمله عبد الرحمان عليها يقال له عبد الله بن عامر بن بنى مجاشع. فلمّا قدم عليه ابن الأشعث منهزما أغلق باب المدينة دونه، ومنعه دخولها. فأقام عبد الرحمان أيّاما رجاء افتتاحها ودخولها. فلمّا رأى أنه لا يصل إليها خرج حتّى أتى بست [١] ، فكان استعمل عليها رجلا يقال له: عياض بن هميان السدوسي، فاستقبله وقال له: - «انزل.» [٤٣٤] ذكر طمع عياض فى ابن الأشعث فجاء ابن الأشعث حتّى نزل به وانتظر حتّى غفل أصحاب عبد الرحمان، وتفرّقوا عنه وثب عليه، فأوثقه وأراد أن يأمن بها عند الحجّاج ويتخذ بها عنده مكانا، وقد كان رتبيل حين سمع بمقدم عبد الرحمان عليه استقبله فى جنوده، وجاء حتّى أحاط ببست، وبعث إلى البكرىّ، والله، لئن آذيته بما يقذى عينه أو ضررته ببعض المضرّة، أو رزأته حبلا من شعر، لا أبرح العرصة حتّى أستنزلك فأقتلك وجميع من معك، ثمّ أسبى ذراريّكم، وأقسّم بين الجند أموالكم، وأقتل من عاند [٢] منكم.» فأرسل إليه البكري أن: - «أعطنا أمانا على أنفسنا وأموالنا ونحن ندفعه إليك سالما وما كان له من مال موقّرا.»

стр. 914

فصالحه على ذلك وآمنهم. ففتحوا لابن الأشعث وخلّوا سبيله، فأتى رتبيل فقال له بعد ما أنس وتساءلا: - «هذا الرجل كان عاملي على هذه المدينة، وركب منّى ما رأيت، فأذن لى فى قتله؟» قال: - «آمنته وأكره الغدر به.» فقال: - «فأذن لى فى لهزه ودفعه والتصغير [١] به.» [٤٣٥] فقال: - «أمّا هذا فنعم.» ففعل به عبد الرحمان، ثمّ مضى مع رتبيل حتّى دخل بلاده، فأنزله رتبيل وأكرمه وعظّمه وكان معه ناس من الفلّ كثير. ذكر ما اغترّ به عبد الرحمان حتّى فارق رتبيل ثمّ اضطرّ إلى معاودته كان جماعة من أصحاب عبد الرحمان وعظم فلوله ممّن لم يقبلوا أمان الحجّاج وناصبوه فى مواطنه لم يكن لهم عنده وجه، فاضطرّوا إلى الخروج فى إثر عبد الرحمان، فلم يزالوا يتساقطون إلى نواحي سجستان حتّى اجتمع منهم وممّن اتّبعهم من أهل البلد نحو من ستين ألفا. فنزلوا على عبد الله بن عامر، فحصروه وكتبوا إلى عبد الرحمان يخبرونه بعددهم وجماعتهم وهو عند رتبيل، وكان يصلّى بهم عبد الرحمان بن العبّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب، وكتبوا إليه أن: - «أقبل، لعلّنا نسير إلى خراسان، فإنّ بها منّا جندا عظيما، فلعلّهم يبايعوننا [٢] على قتال أهل الشام وهي بلاد واسعة عريضة فيها حصون.»

стр. 915

فخرج إليه عبد الرحمان بمن معه، فحصروا عبد الله بن عامر حتّى استنزلوه، فأمر به عبد الرحمان، فضرب وعذّب وحبس. ثمّ إنّه توجّه [٤٣٦] إليهم خيل الشام، عليهم عمارة بن تميم اللخمىّ. ذكر آراء أشير بها على ابن الأشعث ورأى رءاه وحده سديد لو ساعدوه عليه أشار أصحاب عبد الرحمان عليه أن يخرج عن سجستان، وقالوا له: - «هلمّ بنا، نأتى خراسان وندع لهم سجستان.» فقال عبد الرحمان: - «على خراسان يزيد بن المهلّب وهو شابّ شجاع صارم وليس بتارك سلطانه، ولو قد دخلتموها وجدتموه سريعا إليكم، ولن يدع أهل الشام اتّباعكم، [١] فأكره أن يجتمع عليكم أهل خراسان وأهل الشام، وأخاف ألّا تنالوا ما تظنّون.» فقالوا: - «إنّما أهل خراسان منّا، ونحن نرجو أن لو دخلناها أن يكون من يتّبعنا منهم أكثر ممّن يقاتلنا، وهي أرض طويلة عريضة نتنحّى [٢] فيها حيث شئنا ونمكث حتّى يهلك الله الحجّاج أو عبد الملك، أو نرى رأينا.» فقال لهم عبد الرحمان: - «سيروا على اسم الله.» فساروا حتّى بلغوا هراة. فلم يشعروا بشيء حتّى خرج من عسكره عبيد الله بن عبد الرحمان [٤٣٧] بن سمرة بن جندب القرشىّ فى ألفين، ففارقه وأخذ طريقا سوى طريقهم.
следующие страницы →