← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

- «ضمّ إليك يا عبد الملك هذا النشر [١] لعلّى أحمل عليهم.» ففعل، وحمل الناس [٤٣١] من كلّ جانب، فانهزم أهل العراق أيضا وقتل أبو البختري الطائىّ وعبد الرحمان بن أبى ليلى، وكانا قالا قبل أن يقتلا: - «إنّ الفرار كلّ ساعة لقبيح بنا.» فصبرا وأصيبا. ومشى بسطام بن مصقلة فى أربعة آلاف ممّن بايعوه على الموت، فهزم أهل الشام مرارا وكشفهم حالا بعد حال، ولم يكن الحجّاج يعرف إليهم طريقا إلّا الطريق الذي يلتقون فيه. فأتى بشيخ كان راعيا، فدلّه على طريق من وراء أجمة فى الكرخ طوله ستّة فراسخ فى ضحضاح من الماء. فبات الحجّاج الليلة وانتخب من جلد أهل الشام أربعة آلاف، وقال لقائدهم: - «ليكن هذا العلج أمامك وهذه خمسة آلاف درهم. فان أقامك على عسكرهم فادفع إليه المال، وإن كذبنا فاضرب عنقه. فإن رأيتهم فاحمل عليهم فى من معك وليكن شعاركم: يا حجّاج يا حجّاج.» فانطلق القائد صلاة العصر، والتقى عسكر الحجّاج وعسكر ابن الأشعث حين فصل القائد بمن معه. فاقتتلوا إلى الليل، فانكشف الحجّاج من جهة بسطام بن مصقلة كما حكينا من أمره قبل، حتّى عبر السّيب ودخل ابن الأشعث [٤٣٢] عسكره فانتهبه. ذكر تكاسل كان من ابن الأشعث عاد بوبال عليه واتّفاق محمود للحجّاج قيل لابن الأشعث:

стр. 912

- «الرأى أن تتبعه ولا تنفّس عنه.» فقال: - « [قد] تعبنا ولحقنا نصب.» فرجع إلى عسكره، وألقى أصحابه السلاح وباتوا آمنين، فى أنفسهم لهم الظفر، وهجم القوم عليهم نصف الليل يصيحون بشعارهم. فجعل الرجل من أصحاب ابن الأشعث لا يدرى أين يتوجّه، دجيل من يساره وجدلة أمامه ولها جرف منكر. فكان من غرق أكثر ممن قتل. وسمع الحجّاج الصوت، فعبر السيب، وكان قد قطعه إلى عسكره، ثمّ وجّه خيله إلى القوم، فالتقى العسكران على ابن الأشعث، فانهزم فى ثلاثمائة. فمضى على شاطئ دجلة حتّى أتى دجيلا، فعبره فى السفن وعقروا دوابّهم، وانحدر فى السفن إلى البصرة. فدخل الحجّاج عسكره وقتل من وجد، حتّى قتل أربعة آلاف، فيهم بسطام بن مصقلة وجماعة من أهل الشرف والصبر. وخرج ابن الأشعث بمن معه من الفلّ منهزمين نحو سجستان فلمّا [٤٣٣] دخل كرمان تلقّاه عمرو بن لقيط وكان عامله عليها. فسأله نزلا، ونزل. فقال له شيخ من عبد القيس يقال له معقل: - «والله، لقد بلغنا عنك يا بن الأشعث أنّك جبان فى مواطنك.» فقال عبد الرحمان: - «ما جبنت، والله لقد دلفت إلى الرجال بالرجال، ولففت الخيل بالخيل، ولقد قاتلت وقاتلت راجلا، فما انهزمت، ولا تركت العرصة للقوم فى موطن حتّى لا أجد مقاتلا، ولا أرى معى مقاتلا، ولكنّى زاولت ملكا مؤجّلا.» ثمّ مضى ابن الأشعث بمن معه حتّى فوّز فى مفازة كرمان وخيل الشام تتبعه، ثمّ مضى حتّى خرج إلى زرنج [١] مدينة سجستان، وفيها رجل من بنى تميم كان

стр. 913

استعمله عبد الرحمان عليها يقال له عبد الله بن عامر بن بنى مجاشع. فلمّا قدم عليه ابن الأشعث منهزما أغلق باب المدينة دونه، ومنعه دخولها. فأقام عبد الرحمان أيّاما رجاء افتتاحها ودخولها. فلمّا رأى أنه لا يصل إليها خرج حتّى أتى بست [١] ، فكان استعمل عليها رجلا يقال له: عياض بن هميان السدوسي، فاستقبله وقال له: - «انزل.» [٤٣٤] ذكر طمع عياض فى ابن الأشعث فجاء ابن الأشعث حتّى نزل به وانتظر حتّى غفل أصحاب عبد الرحمان، وتفرّقوا عنه وثب عليه، فأوثقه وأراد أن يأمن بها عند الحجّاج ويتخذ بها عنده مكانا، وقد كان رتبيل حين سمع بمقدم عبد الرحمان عليه استقبله فى جنوده، وجاء حتّى أحاط ببست، وبعث إلى البكرىّ، والله، لئن آذيته بما يقذى عينه أو ضررته ببعض المضرّة، أو رزأته حبلا من شعر، لا أبرح العرصة حتّى أستنزلك فأقتلك وجميع من معك، ثمّ أسبى ذراريّكم، وأقسّم بين الجند أموالكم، وأقتل من عاند [٢] منكم.» فأرسل إليه البكري أن: - «أعطنا أمانا على أنفسنا وأموالنا ونحن ندفعه إليك سالما وما كان له من مال موقّرا.»

стр. 914

فصالحه على ذلك وآمنهم. ففتحوا لابن الأشعث وخلّوا سبيله، فأتى رتبيل فقال له بعد ما أنس وتساءلا: - «هذا الرجل كان عاملي على هذه المدينة، وركب منّى ما رأيت، فأذن لى فى قتله؟» قال: - «آمنته وأكره الغدر به.» فقال: - «فأذن لى فى لهزه ودفعه والتصغير [١] به.» [٤٣٥] فقال: - «أمّا هذا فنعم.» ففعل به عبد الرحمان، ثمّ مضى مع رتبيل حتّى دخل بلاده، فأنزله رتبيل وأكرمه وعظّمه وكان معه ناس من الفلّ كثير. ذكر ما اغترّ به عبد الرحمان حتّى فارق رتبيل ثمّ اضطرّ إلى معاودته كان جماعة من أصحاب عبد الرحمان وعظم فلوله ممّن لم يقبلوا أمان الحجّاج وناصبوه فى مواطنه لم يكن لهم عنده وجه، فاضطرّوا إلى الخروج فى إثر عبد الرحمان، فلم يزالوا يتساقطون إلى نواحي سجستان حتّى اجتمع منهم وممّن اتّبعهم من أهل البلد نحو من ستين ألفا. فنزلوا على عبد الله بن عامر، فحصروه وكتبوا إلى عبد الرحمان يخبرونه بعددهم وجماعتهم وهو عند رتبيل، وكان يصلّى بهم عبد الرحمان بن العبّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب، وكتبوا إليه أن: - «أقبل، لعلّنا نسير إلى خراسان، فإنّ بها منّا جندا عظيما، فلعلّهم يبايعوننا [٢] على قتال أهل الشام وهي بلاد واسعة عريضة فيها حصون.»

стр. 915

فخرج إليه عبد الرحمان بمن معه، فحصروا عبد الله بن عامر حتّى استنزلوه، فأمر به عبد الرحمان، فضرب وعذّب وحبس. ثمّ إنّه توجّه [٤٣٦] إليهم خيل الشام، عليهم عمارة بن تميم اللخمىّ. ذكر آراء أشير بها على ابن الأشعث ورأى رءاه وحده سديد لو ساعدوه عليه أشار أصحاب عبد الرحمان عليه أن يخرج عن سجستان، وقالوا له: - «هلمّ بنا، نأتى خراسان وندع لهم سجستان.» فقال عبد الرحمان: - «على خراسان يزيد بن المهلّب وهو شابّ شجاع صارم وليس بتارك سلطانه، ولو قد دخلتموها وجدتموه سريعا إليكم، ولن يدع أهل الشام اتّباعكم، [١] فأكره أن يجتمع عليكم أهل خراسان وأهل الشام، وأخاف ألّا تنالوا ما تظنّون.» فقالوا: - «إنّما أهل خراسان منّا، ونحن نرجو أن لو دخلناها أن يكون من يتّبعنا منهم أكثر ممّن يقاتلنا، وهي أرض طويلة عريضة نتنحّى [٢] فيها حيث شئنا ونمكث حتّى يهلك الله الحجّاج أو عبد الملك، أو نرى رأينا.» فقال لهم عبد الرحمان: - «سيروا على اسم الله.» فساروا حتّى بلغوا هراة. فلم يشعروا بشيء حتّى خرج من عسكره عبيد الله بن عبد الرحمان [٤٣٧] بن سمرة بن جندب القرشىّ فى ألفين، ففارقه وأخذ طريقا سوى طريقهم.

стр. 916

فلمّا أصبح ابن الأشعث خطبهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: - «أمّا بعد، فإنّى قد شهدتكم فى هذه المواطن، وليس منها مشهد لا أصبر لكم فيه [١] نفسي حتّى لا يبقى فيه منكم أحد، وقد كنت لمّا رأيتكم لا تصبرون ولا تصدقون القتال، أتيت ملجأ ومأمنا فكنت فيه. فجاءتني كتبكم بأن: أقبل إلينا فإنّا قد اجتمعنا وأمرنا واحد، لعلّنا نقاتل عدوّنا. فأتيتكم، فرأيتم أن أمضى إلى خراسان وزعمتم أنّكم مجتمعون لى، وأنّكم لن تتفرّقوا عنّى، فحسبي منكم يومى هذا. قد صنع عبيد الله ما قد رأيتم، فاصنعوا أنتم أيضا ما بدا لكم. أما أنا فمنصرف إلى صاحبي الذي أتيتكم من قبله. فمن أحبّ منكم أن يتبعني فليتبعني، ومن كره ذلك فليذهب حيث أحبّ فى كنف الله.» فتفرّقت منهم طائفة ونزلت معه طائفة وبقي عظم العسكر. فوثبوا إلى عبد الرحمان بن عباس الهاشمىّ لما انصرف ابن الأشعث، فبايعوه ثمّ مضى عبد الرحمان بن الأشعث إلى رتبيل ومضوا هم إلى خراسان حتّى انتهوا إلى هراة، فلقيهم الرقاد بن عبيد العتكىّ، فقتلوه [٤٣٨] وخرج إليهم يزيد بن المهلّب، وأرسل إليهم وإلى الهاشمىّ: - «قد كان لك فى البلاد متّسع ومن هو أكلّ منّى حدّا وأهون شوكة، فارتحل إلى بلد ليس [لى] [٢] فيه سلطان، فإنّى أكره قتالك. وإن أحببت أن أمدّك بمال لسفرك أعنتك عليه.» فأرسل إليه: - «ما نزلنا هذه البلاد لمحاربة ولا انتقام، ولكنّا أردنا أن نريح ثمّ نشخص إن شاء الله، وليست بنا حاجة إلى ما عرضت.» فانصرف رسول يزيد إليه، وأقبل الهاشمىّ على الجباية وبلغ يزيد، فقال:

стр. 917

- «من أراد أن يريح ثمّ يجتاز لم يجب الخراج.» فقدّم المفضّل فى خمسة آلاف ثمّ أتبعه فى أربعة آلاف. ووزن يزيد نفسه بسلاحه، فكان أربعمائة رطل، فقال: - «ما أرانى إلّا قد ثقلت عن الحرب. أىّ فرس يحملني!» ثمّ دعا بفرسه الكامل، فركبه حتّى أتى هراة، وأرسل إلى الهاشمىّ: - «قد أرحت وأسمنت وجبيت، فلك ما جبيت، وإن أردت زيادة زدناك. فاخرج، فو الله ما أريد أن أقاتلك.» فأبى إلّا القتال، ودسّ الهاشمىّ إلى جند يزيد يمنّيهم ويعدهم إلى نفسه. فأخبر بعضهم يزيد، فقال: - «جلّ [٤٣٩] الأمر عن العتاب. أتغدّى بهذا قبل أن يتعشّى بى.» فسار إليه حتّى تدانى العسكران وتأهّبوا للقتال، وألقى ليزيد كرسىّ، فقعد عليه، وولّى الحرب أخاه المفضّل، وقال له: - «قدّم خيلك.» فتقدّم بها وتهايجوا، فلم يكن بينهم كبير قتال حتّى تفرّق الناس عن عبد الرحمان الهاشمىّ، وصبر وصبرت معه طائفة من أهل الحفاظ، فكثرهم الناس، فانكشفوا. فأمر يزيد بالكفّ عن اتّباعهم، وأخذوا ما كان فى عسكرهم، وأسروا منهم أسرى فيهم سعيد بن أبى وقّاص، وموسى بن عمر بن عبيد الله بن معمر، وعيّاش بن الأسود بن عوف الزهري، والهلقام بن نعيم [١] بن القعقاع بن معبد بن زرارة، ويزيد بن الحصين، وعبد الرحمان بن طلحة بن عبيد الله بن خلف، وعبد الله بن فضالة الزهراني. ولحق الهاشمي بالسند، وابن سمرة قصد مرو. ثمّ انصرف يزيد إلى مرو، وبعث بالأسرى إلى الحجّاج مع ابن عمّ له، وخلّى عن

стр. 918

ابن طلحة وعبد الله بن فضالة. وسعى قوم عبيد الله بن عبد الرحمان بن سمرة، فأخذه يزيد، وحبسه. فأمّا محمد بن سعد بن أبى وقّاص، فيقال: إنّه قال ليزيد: - «أسألك بدعوة أبى لأبيك.» ولقوله هذا حديث فيه طول. [٤٤٠] ذكر ما تقدّم به الأسرى عند الحجّاج لمّا قدم الأسرى على الحجّاج، قدّم موسى بن عمر بن عبد الله بن معمر، فقال: - «أنت صاحب عدىّ الرحمان.» فقال: - «أصلح الله الأمير، كانت فتنة شملت البرّ والفاجر، فدخلنا فيها، وقد أمكنك الله منّا، فإن عفوت فبحلمك وبفضلك، وإن عاقبت، عاقبت ظلمة [١] مذنبين.» فقال الحجّاج: - «أمّا قولك: شملت البرّ والفاجر فكذبت، ولكنّها شملت الفجّار وعوفي منها الأبرار، وأمّا اعترافك بذنبك فعسى أن ينفعك.» فعزل، ورجا له الناس العافية. حتّى قدّم الهلقام بن نعيم، فقال له الحجّاج: - «أخبرنى عنك، ما رجوت اتّباع عبد الرحمان بن محمد، أرجوت أن يكون خليفة؟» قال: - «نعم، رجوت ذلك وطمعت أن ينزلني منزلتك من عبد الملك.» فغضب الحجّاج، وقال: - «اضربوا عنقه!» ونظر إلى موسى بن عمر بن عبد الله بن معمر وقد كان نحّى [٢] عنه، فقال:

стр. 919

- «اضربوا عنقه!» وقتل، وقتل بقيّتهم. كلام للشعبىّ لمّا حمل إلى الحجّاج كان الحجّاج لمّا هزم الناس نادى مناديه: - «من لحق بقتيبة بن مسلم بالرىّ فهو أمانه.» فلحق ناس كثير بقتيبة وفيهم عامر الشعبىّ. فذكره الحجّاج يوما وقال: - «أين هو، [٤٤١] وما فعل؟» قال له يزيد بن أبى مسلم، وهو كاتب الحجّاج: - «بلغني أيها الأمير أنّه لحق بقتيبة.» فكتب الحجّاج إلى قتيبة أن يبعث إليه بالشعبى حين ينظر فى كتابه. فسرّحه إليه. قال الشعبي: كنت لابن أبى مسلم صديقا. فلمّا قدم بى على الحجّاج لقيته وقلت له: - «أشر علىّ.» قال: - «ما أدرى ما أشير به عليك، غير أن: اعتذر ما استطعت من عذر.» فلمّا دخلت سلّمت بالإمرة ثمّ قلت: - «أيها الأمير إنّ الناس قد أمرونى أن أعتذر إليك بغير ما يعلم الله أنه الحق. وأيم الله لا أقول فى هذا المقام إلّا حقا. قد والله سوّدنا عليك، وخرجنا واجتهدنا عليك كلّ الجهد فما ألونا [١] . فما كنّا بالفجرة الأقوياء، ولا بالبررة الأتقياء. ولقد نصرك الله علينا، وأظفرك بنا، فإن سطوت فبذنوبنا وما جرّت إلينا أيدينا، وإن

стр. 920

عفوت عنّا فبحلمك. وبعد فالحجّة [١] لك علينا.» فقال له الحجّاج: - «أنت والله أحبّ إلىّ ممّن يدخل علىّ يقطر سيفه من دمائنا ثمّ يقول: ما فعلت وما شهدت. قد أمنت عندنا يا شعبىّ.» قال: فانصرفت. فلما مشيت قليلا، قال: - «هلّم يا شعبىّ!» [٤٤٢] قال: فوجل لذلك قلبي، ثمّ ذكرت قوله: «قد أمنت» . فاطمأنّت نفسي. قال: - «كيف وجدت الناس بعدنا يا شعبىّ؟» وكان لى مكرما. فقلت: - «أصلح الله الأمير، اكتحلت والله بعدك السهر، واستوعرت الجناب واستحلست الخوف وفقدت صالح الإخوان، ولم أجد من الأمير خلفا.» قال: - «انصرف يا شعبىّ.» فانصرفت. فيروز يمنع الحجّاج أن ينال ماله وقيل: إنّ الحجّاج لمّا أتى بالأسرى من عند يزيد بن المهلّب، قال لحاجبه: - «إذا دعوت بسيّدهم فأتنى بفيروز فأبرزوا سريره.» وهو حينئذ بواسط القصب، قبل أن تبنى مدينة واسط. ثمّ قال لحاجبه: - «جئني بسيّدهم.» فقال لفيروز: - «قم!»

стр. 921

فقال له الحجّاج: - «أبا عثمان ما أخرجك [١] مع هؤلاء؟ فو الله ما لحمك من لحومهم، ولا دمك من دمائهم.» فقال: - «فتنة عمّت الناس فكنّا فيها.» فقال: - «أكتب لى أموالك.» قال: - «ثمّ ماذا؟» قال: - «أكتبها أوّل.» قال: - «ثمّ أنا آمن على دمى؟» قال: - «أكتبها، ثمّ أنظر.» قال: - «أكتب يا غلام: ألف ألف [٠٠٠، ٠٠٠، ١] ، ألفى ألف [٠٠٠، ٠٠٠، ٢] .» حتّى ذكر مالا عظيما. فقال الحجّاج: - «أين هي، وعند من هذه الأموال؟» قال: -[ «عندي.» قال: - «فأدّها.» قال: - «وأنا آمن على دمى؟» قال: - «والله، لتؤدّينّها، ثمّ لأقتلنّك.» قال:] [٢]- «لا والله لا، جمعت [٣] مالي ودمى.» فقال الحجّاج للحاجب: - «نحّه!»

стр. 922

فنحّاه ثمّ أمر به فعذّب. وكان فى ما عذّب به أن كان يشدّ عليه [٤٤٣] القصب الفارسىّ المشقّق، ثمّ يجرّ حتّى تحزّز [١] جسده، ثمّ ينضح عليه الخلّ والملح. فلما أحسّ بالموت، قال لصاحب العذاب: - «إنّ الناس لا يشكّون أنّى قتلت. ولى ودائع أموال عند الناس لا تؤدّى إليكم أبدا. فأظهرونى للناس ليعلموا أنّى حىّ فيؤدّوا المال.» فأعلم الحجّاج فقال: - «أظهروه.» فأخرج، فصاح فى الناس: - «من عرفني فقد عرفني، ومن أنكرنى فأنا فيروز الحصين [٢] . إنّ لى عند أقوام مالا. فمن كان لى عنده شيء فهو له وهو فى حلّ فلا يؤدّينّ أحد منه درهما. ليبلغ الشاهد الغائب.» فأمر به الحجّاج فقتل. ذكر خديعة للحجّاج ظنّ الناس بها أنّه آمنهم حتّى قتلهم كان الحجّاج أمر مناديا فنادى عند الهزيمة يوم الزاوية: - «ألا لا أمان لفلان ولا لفلان.» سمّى رجالا من الأشراف ولم يقل: الناس آمنون. فقال الناس:

стр. 923

- «قد آمن الناس كلّهم إلّا هؤلاء النفر.» فأقبلوا إلى حجرته. فلما اجتمعوا أمرهم بوضع أسلحتهم، ثمّ قال: - «لآمرنّ بكم اليوم رجلا ليس بينه وبينكم قرابة.» فأمر بهم عمارة بن تميم اللخمىّ، ففرّقهم وقتلهم. فروى النضر بن شميل عن هشام بن حسّان أنّه قال يوما: قتل [٤٤٤] الحجّاج صبرا مائة ألف وعشرين ألفا، أو مائة ألف وثلاثين ألفا، منهم يوم الزاوية أحد عشر ألفا، ما استبقى منهم إلّا رجلا واحدا كان ابنه فى الكتّاب [١] مع ابن الحجّاج، فدعا الصبىّ وقال: - «أهبه لك» ، قال: - «نعم.» فخلّى سبيله. ذكر هلاك عبد الرحمان بن الأشعث ورأى لبعض أصحابه صحيح كان مع عبد الرحمان بن الأشعث لمّا انصرف من هراة راجعا إلى رتبيل، رجل من أود يقال له: علقمة بن عمرو. فقال له: - «إنّى ما أريد أن أدخل معك.» قال له عبد الرحمان: - «ولم؟» قال: - «لأنّى أتخوف عليك وعلى من معك.» قال: - «وكيف؟» قال: - «والله لكأنّى بكتاب من الحجّاج قد جاء فوقع إلى رتبيل يرغبه ويرهبه، فإذا

стр. 924

هو قد بعث بك سلما [١] أو قتلك ومن معك. ولكن هاهنا خمسمائة رجل قد تبايعنا على أن ندخل مدينة فنتحصّن [٢] فيها ونقاتل حتّى نعطى أمانا، أو نموت كراما.» فقال عبد الرحمان: - «كلّا، فادخل معى، فإنّى أواسيك وأكرمك.» فأبى عليه. ودخل عبد الرحمان إلى رتبيل وخرج هؤلاء الخمسمائة. فبعثوا عليهم مودودا [٣] البصرىّ. فأقاموا [٤٤٥] حتّى قدم عليهم عمارة بن تميم اللخمىّ، فحاصرهم، فقاتلوه، وامتنعوا منه حتّى آمنهم. فخرجوا إليه، فوفى لهم. وتتابعت كتب الحجّاج إلى رتبيل فى عبد الرحمان أن: - «ابعث به إلىّ، فو الله لأوطينّ أرضك ألف ألف مقاتل.» وكان عمارة قد انتهى إلى سجستان فى ثلاثين ألفا، وكان عند رتبيل رجل من تميم من بنى يربوع يقال له: عبيد بن أبى سبيع، وكان مع ابن الأشعث، فخصّ برتبيل، وكان قديما رسول ابن الأشعث فخفّ عليه. فلمّا رأى رتبيل لا يسلم ابن الأشعث خلا به وخوّفه الحجّاج، وقال: - «أنا آخذ لك من الحجّاج عقدا ليكفّنّ الحجّاج عن أرضك سبع سنين على أن تدفع إليه ابن الأشعث.» فقال رتبيل: - «فإنّى أفعل.» فكاتب الحجّاج وأعلمه أنّ رتبيل لا يعصيه وأنّه يتوصّل له إلى أخذ ابن الأشعث، وأخذ من الحجّاج مالا، وخرج إلى عمارة بن تميم، فاستجعل منه ألف

стр. 925

ألف [٠٠٠، ٠٠٠، ١] درهم، وأخذ من رتبيل [١] أيضا مالا، واشترط لرتبيل ألّا يغزى بلاده عشر سنين، وأن يؤدّى بعد العشر سنين فى كلّ سنة تسعمائة [٤٤٦] ألف درهم. فأعطى هو وابن أبى سبيع، وأرسل رتبيل إلى ابن الأشعث، فأحضره وثلاثين من أهل بيته وقد أعدّ لهم الجوامع والقيود، فألقى فى عنقه جامعة، وفى عنق أخيه القاسم بن محمد بن الأشعث جامعة، وأرسل بهم إلى أدنى مسلحة عمارة منه. وقال لجماعة من كان مع ابن الأشعث: - «تفرّقوا إلى حيث شئتم.» ولمّا قرب ابن الأشعث من عمارة، ألقى نفسه من فوق قصر، فمات واحتزّ رأسه، فأتى به وبالأسرى عمارة فضرب أعناقهم، وأرسل برأس الأشعث وبرؤوس أهله إلى الحجّاج، فأرسل به الحجّاج إلى عبد الملك، فأرسل به عبد الملك إلى أخيه عبد العزيز وهو يومئذ على مصر. فحكى ابن عائشة: انّه لمّا أتى عبد الملك برأس ابن الأشعث، أرسل به مع خصىّ له إلى امرأة من بنات عمر بن الأشعث كانت تحت رجل من قريش. فلمّا وضع بين يديها نهضت إليه وقالت: - «مرحبا برأس [٢] لا يتكلّم، ملك ابن ملوك [٣] ، طلب ما هو أهله، فأبت المقادير.» فذهب الخصىّ ليأخذ الرأس واجتذبته من يده وقالت: - «لا والله حتّى أبلغ حاجتي منه.» ثمّ دعت بخطمىّ [٤٤٧] فغسلته وغلّفته، ثمّ قالت:

стр. 926

- «شأنك به الآن.» فأخذه. ثمّ أخبر عبد الملك، فلما دخل عليه زوجها قال له: - «إن استطعت أن تصيب منها سحلة [١] .» ذكر سبب عزل يزيد بن المهلّب عن خراسان كان الحجّاج يهاب ناحية يزيد بن المهلّب بعد فراغه من عبد الرحمان بن محمد ويعرف منزلته من عبد الملك فيخشاه على موضعه وقد كان أذلّ أهل العراق كلّهم، إلّا آل المهلّب، فأكثر على عبد الملك فى شأن يزيد بن المهلّب، وخوّفه غدره وعيّره، فإنّه وأهل بيته زبيريّون. فكتب إليه عبد الملك: - «قد أكثرت فى معنى يزيد، وإنّ الذي دعا آل المهلّب إلى الوفاء لابن الزبير هو الذي يدعوهم إلى الوفاء لى.» وبلغ يزيد بن المهلّب ما يريد الحجّاج. فكان يكثر الغزوات ويعتلّ على الحجّاج إذا استقدمه أنّه بإزاء عدوّ وحروب. إلى أن أذن عبد الملك فى عزل يزيد وتقليد قتيبة بن مسلم خراسان. فكتب الحجّاج إلى يزيد بن المهلّب أن: - «استخلف أخاك المفضّل.» وكتب إلى المفضّل بولاية خراسان. فجعل المفضّل [٤٤٨] يستحثّ يزيد. فقال له يوما يزيد: - «يا أخى، إنّ الحجّاج لا يقرّك بعدي، وإنما دعاه [إلى] [٢] ما صنع مخافة أن

стр. 927

أمتنع عليه.» قال: - «بل حسدتني.» قال يزيد: - «أنا أحسدك يا بن بهلة [١] ؟ ستعلم.» وقد كان يزيد قال لنصحائه: - «من ترون الحجّاج يولّى خراسان؟» قالوا: - «رجلا من ثقيف.» قال: - «كلّا، ولكنّه يكتب إلى رجل منكم بعهده. فإذا قدمت عليه عزله، فولّى رجلا من قيس، وأخلق بقتيبة.» قال: فلمّا قال له أخوه ما قال وولّاه الحجّاج بعد يزيد تيقّن يزيد ما كان يظنّه قبل ذلك. فاستشار الحصين [٢] بن المنذر، فقال له: - «أقم واعتلّ، فإنّ أمير المؤمنين حسن الرأى فيك، وإنّما أتيت من قبل الحجّاج، فإن أقمت رجوت أن يكتب إليه بإقرارك.» قال يزيد: - «إنّا أهل بيت بورك لنا [٣] فى الطاعة، وأنا أكره المعصية والخلاف.» فقال الحصين بن المنذر: أمرتك أمرا حازما فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما فما أنا بالباكى عليك صبابة ... وما أنا بالدّاعى لترجع سالما

стр. 928

فلمّا قدم قتيبة خراسان، قال لحصين: - «كيف قلت ليزيد؟» قال: قلت له: [٤٤٩] أمرتك أمرا حازما فعصيتني ... فنفسك ولّ اللّوم إن كنت لائما فإن يبلغ الحجّاج أن قد عصيته ... فإنّك تلقى أمره متفاقما قال: - «فماذا أمرته فعصاك؟» قال: - «أمرته ألّا يدع صفراء ولا بيضاء إلّا حملها إلى الأمير.» فقال رجل لعباط [١] بن الحصين: - «أمّا أبوك فوجده قتيبة حين فرّه [٢] قارحا بقوله: أمرته ألّا يدع صفراء ولا بيضاء إلّا حملها إلى الأمير.» فكان عزل يزيد عن خراسان وخروج قتيبة إليها فى سنة خمس وثمانين، وذلك أنّه لمّا حصل يزيد عند الحجّاج عزل المفضّل وولّى قتيبة. وفى هذه السنة قتل موسى بن عبد الله بن خازم بالتّرمذ ذكر السبب فى ذلك كنّا ذكرنا ما كان من عبد الله بن خازم من قبل مع بنى تميم. فتفرّق عنه عظم من كان معه منهم، فخرج إلى نيسابور، وخاف بنى تميم على ثقله بمرو، فقال

стр. 929

لابنه موسى: - «حوّل ثقلي من مرو، واقطع نهر بلخ حتّى تلجأ إلى حصن تثق به فتقيم فيه.» فشخص موسى فى مائتين وعشرين فارسا من الصعاليك، فصار فى أربعمائة [٤٥٠] وانضمّ إليه رجال من بنى سليم، فقطع النهر وأتى بخارى [١] فسأل صاحبها أن يلجأ إليه فأبى وخافه وقال: - «رجل فاتك وأصحابه مثله طالبو [٢] حرب وشرّ، ولا آمنهم.» فبعث إليهم بصلة من عين ودوابّ وكسوة، فنزل على عظيم من عظماء بخارى فى نوقان [٣] ، فقال له الرجل: - «إنّه لا خير لك فى المقام وهم لا يأمنونك.» فخرج يلتمس ملكا يلجأ إليه أو حصنا. فلم يأت بلدا إلّا كرهوا مقامه فيهم، وسألوه أن يخرج عنهم حتّى أتى سمرقند وصاحبها طرخون. فأنزله وأكرمه. فجرى بينهما ما استوحش منه طرخون، فقال له: - «لولا أنّى أعطيتكم الأمان لقتلتكم، فاخرجوا عن بلدي.» ووصله وأخرجه. فخرج موسى وأتى كسّ. فكتب صاحب كسّ إلى طرخون يستنصره. فأتاه فخرج إليه موسى فى سبعمائة، فقاتلهم حتّى أمسوا وتحاجزوا وبأصحاب موسى جراح كثير. فلمّا أصبحوا أمرهم موسى فحلقوا رؤوسهم كما تصنع الخوارج، وقطعوا

стр. 930

صفنات [١] أقبيتهم كما تصنع العجم إذا استماتوا، ودسّ إلى طرخون زرعة بن علقمة، فقال: - «إنّ القوم مستقبلون، فما حاجتك إلى أن تقتل من لا تصل إليه حتّى يقتل من أصحابك عدّتهم، ولو قتلته وإيّاهم جميعا [٤٥١] ما نلت حظّا، لأنّ له قدرا فى العرب، فلا يلي أحد خراسان إلّا طالبك بدمه، فإن سلمت من واحد لا تسلم من آخر.» قال: - «ليس إلى ترك كسّ عليه سبيل.» قال: - «فكفّ عنه حتّى يرتحل.» فكفّ عنه. وأتى موسى الترمذ وبها حصن يشرف على النهر. فنزل موسى على بعض الدهاقين خارجا من الحصن، والدهقان مجانب لترمذ شاه. فقال لموسى: - «إنّ صاحب الترمذ متكرّم شديد الحياء، فإن ألطفته وهاديته أدخلك حصنه.» فأهدى له وألطفه موسى حتّى لطف الذي بينهما. وخرج فتصيّد معه وكثر ألطاف موسى له. فصنع يوما صاحب الترمذ طعاما، وأرسل إليه: - «إنّى أحبّ أن أكرمك، فتغدّ عندي، وائتني فى مائة من أصحابك.» فانتخب موسى مائة من أصحابه، فدخلوا على خيولهم، فقيل لهم: - «انزلوا.» فنزلوا، وأدخلوا بيتا خمسين فى خمسين، وغدّوهم. فلمّا فرغوا من الغداء

стр. 931

اضطجع موسى. فقالوا له: - «اخرج.» قال: - «لا أصيب منزلا مثل هذا. فلست بخارج منه حتّى يكون بيتي أو قبرى.» وقاتلوهم فى المدينة. فقتل خلق من أهلها وهرب الآخرون. فدخلوا منازلهم وغلب موسى على المدينة [٤٥٢] وقال لترمذشاه: - «اخرج، فإنّى لست أعرض لك ولا لأحد من أصحابك.» فخرج الملك وأهل المدينة، فأمّوا الترك يستنصرونهم. فقالوا: - «دخل عليكم مائة رجل فأخرجوكم عن بلادكم، وقد قاتلناهم بكسّ، فعرفناهم، فنحن لا نقاتل هؤلاء.» وأقام ابن خازم بالترمذ، ودخل إليه أصحابه، وكانوا سبعمائة. فلمّا قتل أبوه انضمّ إليه من أصحاب أبيه أربعمائة فارس، فقوى، فكان يخرج ويغير على من حوله. فراسله الترك بقوم ليعلموا ما الذي يريد، ويتقرّر أمورهم على صلح، ويكفّوا [١] عن الغارة. فلمّا قدموا قال موسى لأصحابه: - «إنّ هؤلاء يسمّونكم جنّا [٢] وأريد أن أكيدهم بمكيدة، وذلك فى أشدّ ما يكون من زمان الحرّ.» ذكر مكيدة ضعيفة تمّت على قوم أغتام ثمّ أمر موسى بنار، فأجّجت، وألبس أصحابه ثياب الشتاء، ولبسوا فوقها لبودا، ومدّوا أيديهم إلى النار كأنّهم يصطلون، وأذن موسى للترك، فدخلوا. فلمّا رأوهم على تلك الحال فزعوا وقالوا:

стр. 932

- «ما هذا، ولم صنعتم ما نرى؟» قالوا: - «إنّا نجد البرد فى هذا الوقت [٤٥٣] ونجد الحرّ فى الشتاء.» فلمّا رجعوا أخبروا أصحابهم، فقالوا: - «هذا صنيع الجنّ، ولا خير فى قتال هؤلاء، والرأى مقاربتهم.» ولمّا ولى بكير بن وساج خراسان لم يعرض له ولم يوجّه إليه أحدا. ثمّ قدم أميّة، فسار بنفسه يريده. فخالفه بكير وخلع ورجع إلى مرو، كما حكينا فى ما تقدّم. فلمّا صالح أميّة بكيرا وحال الحول، وجّه إلى موسى رجلا من خزاعة فى جمع كثير. فعاد أهل الترمذ [١] إلى الترك، فاستنصرهم، وقالوا: - «نجتمع عليهم مع من غزاهم منهم فنظفر بهم.» فسارت الترك مع أهل الترمذ فى جمع كثير، فأطاف بموسى الترك والخزاعىّ. فكان يقاتل الخزاعىّ أوّل النهار والترك آخره. فقاتلهم ثلاثة أشهر على ذلك. ثمّ قال موسى لعمرو بن خالد بن حصن الكلبي، وكان فارسا: - «قد طال أمرنا هؤلاء، وقد أجمعت أن أبيّت عسكر الخزاعىّ، فإنّهم للبيات آمنون، فما ترى؟» قال: - «البيات نعمّا هو، فليكن ذلك بالعجم، فإنّ العرب أشدّ حذرا وأسرع فزعا وأجرأ [٢] على الليل من العجم.» فعمل موسى على بيات الترك. فلمّا ذهب الليل ثلثه خرج فى أربعمائة، وقال لعمرو بن خالد: - «اخرجوا بعدنا وكونوا قريبا، فإذا سمعتم التكبير [٤٥٤] فكبّروا.» وأخذ على شاطئ النهر حتّى ارتفع فوق العسكر. ثمّ أخذ من ناحية كفنان [٣] .

стр. 933

فلمّا قرب من عسكرهم جعل أصحابه أرباعا. ثمّ قال: - «أطيفوا بعسكرهم، فإذا سمعتم تكبيرنا فكبّروا.» وأقبل وقدّم حمرا بين يديه ومشوا خلفه. فلمّا رءاهم أصحاب الأرصاد قالوا: - «من أنتم؟» قالوا: - «عابروا سبيل.» فقال لهم صاحب الرصد: - «جوزوا.» فلمّا جازوا الرصد تفرّقوا وأطافوا بالعسكر وكبّروا، فلم يشعر الترك إلّا بوقع السيوف. فثاروا، وأقبل بعضهم يقتل بعضا. ثمّ ولّوا وحووا عسكرهم وأصابوا سلاحا ومالا، وأصبح الخزاعىّ [١] وأصحابه وقد كسرهم ذلك وخافوا مثلها من البيات، فتحرّزوا. ذكر مكيدة لعمرو بن خالد فقال عمرو بن خالد لموسى: - «إنّك لا تظفر إلّا بمكيدة، وأرى لهم أمدادا فهم يكثرون. فتناولني بضرب فلعلّى أصيب من صاحبهم فرصة فأقتله ويتفرّق عنك هؤلاء الجمع.» فقال له: - «تتعجّل الضرب، ثمّ تتعرض للقتل.» قال: - «أمّا القتل فأنا متعرّض له فى كلّ يوم، وأمّا الضرب فما أيسره فى جنب ما أريد.» فتناوله بالضرب، ضربه [٤٥٥] خمسين سوطا، فخرج من عسكره موسى،

стр. 934

فأتى عسكر الخزاعىّ مستأمنا، وقال: - «أنا رجل من أهل اليمن، كنت مع عبد الله بن خازم. فلمّا قتل أتيت ابنه، فلم أزل معه. فلمّا قدمت اتّهمنى وتنكّر لى، ثمّ تغضّب علىّ وقال: أنت عين له، فضربني ولم آمن القتل وقلت: ليس بعد الضرب إلّا القتل، فهربت منه.» فآمنه الخزاعىّ، وأقام معه إلى أن دخل يوما وهو خال، ولم ير عنده سلاحا، فقال له كأنّه يتنصّح له: - «إنّ مثلك فى مثل حالك لا ينبغي أن يكون فى حال من أحواله بغير سلاح.» فقال: - «إنّ معى سلاحا.» ورفع صدر فراشه، وإذا سيف منتضى. فتناوله عمرو فضربه به حتّى قتله. وخرج فركب فرسه ونذر به الناس وقد أمعن. فطلبوه، ففاتهم ورجع إلى موسى، وتفرّق ذلك الجيش وأتى بعضهم موسى مستأمنا، فآمنه. ولم يوجّه إليه أميّة أحدا إلى أن قدم المهلّب، فلم يعرض له ووصّى بنيه، فقال: - «إيّاكم وموسى، فإنّكم لا تزالون ولاة هذا الثغر ما أقام هذا الرجل بمكانه، فإنّ قتل كان أوّل طالع عليكم أميرا على خراسان رجل من قيس.» فمات المهلّب، وولّى [٤٥٦] يزيد فلم يعرض له. وكان المهلّب ضرب حريث بن قطبة الخزاعىّ، فخرج هو وأخوه ثابت إلى موسى. فلمّا ولى يزيد بن المهلّب أخذ أموالهما وحرمهما، وقتل أخا لأمّهما يقال له الحارث بن منقذ. فبلغهما صنيع يزيد، وكان ثابت محبّبا فى العجم بعيد الصوت فيهم يعظّمونه ويثقون به، حتّى إنّهم كانوا يحلفون بحياته فلا يكذبون. فخرج ثابت إلى طرخون، فشكا إليه ما صنع به، فغضب له طرخون، وجمع له

стр. 935

نيزك [١] والسّيل [٢] وأهل بخارى والصغانيان، فقدموا مع ثابت إلى موسى بن عبد الله وقد سقط إلى موسى فلّ عبد الرحمان بن عباس القرشي من هراة وفلّ ابن الأشعث من العراق وغيرهم. فاجتمع إلى موسى ثمانية آلاف من تميم وقيس وربيعة واليمن. فقال له ثابت: - «سر حتّى تقطع النهر، فتخرج يزيد بن المهلّب من خراسان ونولّيك، فإنّ طرخون ونيزك والسيل وأهل بخارى معنا.» فهمّ أن يفعل، فقال له نصحاؤه: - «إنّ ثابتا وأخاه خائفان من يزيد، وإن أخرجت يزيد عن خراسان تولّيا الأمر وغلباك على خراسان، فأقم بمكانك.» فقبل رأيهم، وأقام بالترمذ وقال لثابت: - «إن أخرجنا يزيد قدم عامل عبد الملك [٤٥٧] ولكنّا نخرج عمّال يزيد من وراء النهر ما يلينا، ونحصّل لنا ما وراء النهر [٣] فنأكلها.» ورضى ثابت، وأخرج عمّال يزيد من وراء النهر، وحملت إليهم الأموال، فقوى أمرهم. وانصرف طرخون ونيزك والسيل وأهل بخارى إلى بلادهم وتدبير الأمر كلّه لثابت وحريث، والأمير موسى ليس له غير الإسم. فألحّ أصحاب موسى عليه فى الفتك بثابت وحريث، فأبى وقال: - «ما كنت لأغدر بهم.» فبيناهم على ذلك إذ أخرجت عليهم الهياطلة والتبّت والترك فى سبعين ألفا لا

стр. 936

يعدّون الحاسر ولا صاحب بيضة جمّاء إلّا أن تكون البيضة ذات قونس [١] . فخرج موسى لقتالهم إلى ربض المدينة، ووقف ملك الترك على تلّ فى مائة ألف. فقال موسى لأصحابه: - «إن أزلتم هؤلاء، فليس الباقون بشيء.» فقصد لهم حريث، وألحّ عليهم حتّى أزالهم عن التلّ، ورمى حريث فى جبهته بنشّابة. ثمّ بيّتهم موسى، وحمل أخوه خازم بن عبد الله بن خازم حتّى وصل إلى شمعة [٢] ملكهم، فقتله وقتل العجم قتلا ذريعا، ونجا من نجا منهم بشرّ. ومات حريث بعد يومين، وحملوا الرؤوس إلى الترمذ، فبنوا من تلك [٤٥٨] الرؤوس جوسقين [٣] . فقال أصحاب موسى: - «وقد كفيت أمر حريث، فأرحنا من أمر ثابت.» فأتى وبلغ ثابتا بعض ما يخوضون فيه، فدسّ غلاما كان فى خدمة موسى وأعطاه مالا وقال له: - «إيّاك أن تتكلّم بالعربيّة، وإن سألوك: من أنت؟ فقل: من سبى باميان [٤] .» فكان الغلام ينقل إلى ثابت خبرهم إلى أن واقفوا [٥] يوما موسى على الفتك بثابت. فقال موسى: - «قد أكثرتم، وفيه هلاككم، فعلى أىّ وجه تفتكون به وأنا لا أغدر به؟» فقال نوح بن عبد الله بن خازم:

стр. 937

- «إذا غدا إليك غدوة عدلنا به إلى بعض الدور فضربنا عنقه فيها قبل أن يصل إليك.» فقال: - «أما والله، إنّه لهلاككم.» فخرج الغلام، فأعلمه، فخرج من تحت ليلته، وأصبحوا وقد ذهب وفقد الغلام. فعلموا أنّه كان عينا له عليهم، وخرج إلى ثابت قوم، فقصد خشوان [١] . فقال موسى: - «قد فتحتم على أنفسكم بابا فسدّوه.» وسار إليه موسى، وراسل ثابت طرخون، فأقبل معينا له، وبلغ موسى مجيء طرخون، فرجع إلى الترمذ، وصار ثابت فى ثمانين ألفا، فحصروا موسى وقطعوا عنه المادة [٤٥٩] حتّى جهدوا. فلما اشتدّ عليهم الحصار، قال يزيد بن هذيل: - «إنّما مقام هؤلاء مع ثابت، والله أفتكنّ بثابت، أو لأموتنّ، فالقتل أحسن من الموت جوعا.» فخرج إلى ثابت مستأمنا، فقال ظهير لثابت: - «أنا أعرف بهذا منك، والله ما أتاك رغبة فيك، ولا جزعا منك، ولقد جاءك بغدرة، فخلّنى وإيّاه.» فقال: - «ما كنت لأقدم على رجل أتانى لا أدرى أكذلك هو أم لا.» قال: - «فدعني أرتهن منه رهنا.» قال: - «أمّا هذا فنعم.» فقال ثابت ليزيد بن هذيل: - «أمّا أنا فواثق بك وابن عمّك أعلم بك منّى، فانظر ما يقول لك.» فقال يزيد لظهير:

стр. 938

- «أبيت يا با سعيد إلّا حسدا. ما يكفيك ما ترى من الذلّ، تشرّدت عن العراق عن أهلى، وصرت بخراسان على ما ترى، أما يعطفك الرحم؟» فقال له ظهير: - «أما والله، لو تركت ورأيى فيك لما كان هذا، ولكن أرهنّا [١] ابنيك قدامة والضحّاك.» فدفعهما، فكانا فى يدي ظهير. فأقام يزيد يلتمس غرّة ثابت، فلا يجدها حتّى مات ابن لزياد القصير الخزاعي، أتاه نعيه من مرو. فخرج ثابت متفضّلا إلى زياد ليعزّيه ومعه ظهير وطائفة من أصحابه [٤٦٠] وفيهم يزيد بن هذيل وقد تقدّم ظهير فى أصحابه، فدنا من ثابت وضربه، فعضّ السيف برأسه، فوصل إلى الدماغ، ورمى يزيد بنفسه فى نهر الصغانيان، فنجا سباحة، وحمل ثابت إلى منزله. فلمّا أصبح طرخون أرسل إلى ظهير: - «ائتني بابني يزيد.» فأتاه بهما فقتلهما. وكان يزيد بن هذيل سخيّا شجاعا شاعرا، وعاش ثابت سبعة أيّام، ثمّ مات، وقام بأمر العجم طرخون، وقام ظهير بأمر أصحاب ثابت قياما ضعيفا وانتشر أمرهم، وأجمع موسى على بياتهم. فجاء رجل فأخبر طرخون، فضحك وقال: - «موسى يعجز أن يدخل متوضّأه، فكيف يبيّتنا، لقد طار قلبك، لا يحرسنّ الليلة أحد العسكر.» فلمّا ذهب من الليل ثلثه خرج موسى فى ثلاثمائة، وأخوه فى ثلاثمائة، ويزيد بن هذيل فى ثلاثمائة، ورقبة بن الحرّ فى ثلاثمائة، وقال لهم: - «تفرّقوا أرباعا حتّى تدخلوا عسكرهم من أربع نواحي، ولا يمرّ أحد منكم

стр. 939

بشيء إلّا ضربه.» فدخلوا عسكرهم من النواحي لا يمرّون بدابّة ولا رجل ولا خباء، ولا جوالق إلّا ضربوه، وهجم نوح بن عبد الله بن [٤٦١] خازم على سرادق طرخون. فبرز إليه فتجاولا، وطعن طرخون فرس نوح فى خاصرته فشبّ ودلّى بنوح حتّى سقط فى نهر الصغانيان، وراسل طرخون موسى: - «كفّ أصحابك، فإنّا نرتحل إذا أصبحنا.» فرجع موسى إلى عسكره، وارتحل طرخون وجميع من معه، فأتى كلّ قوم بلادهم. فكان أهل خراسان يقولون: - «ما رأينا قطّ مثل موسى بن عبد الله بن خازم، ولا سمعنا به، قاتل مع أبيه سنتين، ثمّ خرج يسير فى بلاد خراسان، حتّى أتى ملكا، فغلبه على مدينته، ثمّ سار إليه الجنود من العرب والعجم والترك.» فكان يقاتل العرب [١] فى أول النهار والعجم آخر النهار، وأقام فى حصنه خمس عشرة سنة، وصار ما وراء النهر لموسى لا يعازّه فيه أحد. فلمّا ولى المفضّل خراسان أخرج عثمان بن مسعود من الحبس، وقال: - «إنّى أريد أن أوجّهك إلى موسى بن عبد الله.» قال: - «والله، لقد وترني [٢] ، وإنّى لثائر بابن عمّى ثابت وما يد أبيك وأخيك عندي وعند أهل بيتي بالحسنة، لقد حبستمونى، وشرّدتم بنى عمّى، واصطفيتم أموالهم.» فقال له المفضّل: - «دع عنك هذا، وسر، فأدرك بثأرك.»

стр. 940

فوجّهه [٤٦٢] فى ثلاثة آلاف، وقال له: - «مر مناديا فليناد: من لحق بنا فله ديوان.» فنادى بذلك فى السوق، فتسارع الناس، وكتب المفضّل إلى أخيه مدرك وهو ببلخ أن يسير معه. فنزل عثمان جزيرة بالترمذ يعرف اليوم بجزيرة عثمان، فى خمسة عشر ألفا، وكتب إلى السّيل وطرخون، فقدموا عليه، وحصروا موسى، فضيّقوا عليه وعلى أصحابه، وخندق عثمان وحذر البيات، فلم يقدر موسى منه على غرّة، فقال يوما لأصحابه: - «حتّى متى؟ أخرجوا بنا، فاجعلوه يومكم، إمّا ظفرتم وإمّا قتلتم.» وقال لهم: - «اقصدوا للصّغد والترك.» وخلّف النضر بن سليمان بن عبد الله بن خازم فى المدينة وقال له: - «إن قتلت فلا تسلمنّ المدينة إلى عثمان، بل ادفعها إلى مدرك بن المهلّب.» وخرج، وصيّر بإزاء عثمان قوما من أصحابه وقال: - «لا تهايجوه حتّى يقاتلكم.» وقصد لطرخون، فصدقه، فانهزم طرخون والترك، وأخذوا عسكرهم، فجعلوا ينقلونه، وكرّت الصغد [١] والترك راجعة، فحالوا بين موسى وبين الحصين، فقاتلهم، فعقر به، فسقط، فنادى مولى له: - «احملنى ويحك.» فقال: - «الموت كريه، ولكن ارتدف [٤٦٣] فإن نجونا نجونا معا، وإن هلكنا هلكنا معا.»

стр. 941

فارتدف ونظر إليه عثمان حين وثب، فقال: - «وثبة موسى وربّ الكعبة.» فخرج من الخندق، وحمل وكشف أصحاب موسى، وقصد لموسى، فعثرت دابّة موسى، فسقط هو ومولاه، فابتدروه فقتلوه وبقيت المدينة فى يد النضر، فدفعها إلى مدرك وآمنه، وكتب المفضّل بالفتح إلى الحجّاج، وذلك فى سنة خمس وثمانين. ثمّ دخلت سنة ستّ وثمانين وفيها مات عبد الملك بن مروان. فكانت خلافته ثلاث عشرة سنة وخمسة أشهر. أسماء وزراء عبد الملك بن مروان وما نقل إلينا من آرائهم وتدابيرهم التي يليق ذكرها بهذا الكتاب [١] قبيصة بن ذؤيب كان يكتب لعبد الملك قبيصة بن ذؤيب الخزاعىّ، ويكنّى أبا إسحق، وكان خاصّا به، وكان يتولّى ديوان الخاتم. وبلغ من لطافة محلّه منه أنّ الكتب الواردة على عبد الملك كان يقرأها قبيصة قبل أن تصل إلى عبد الملك، ثمّ يدخل بها إليه مفضوضة الختم فيقرأها. وكان مروان عهد إلى أخيه عبد العزيز [٤٦٤] بعد عبد الملك، فهمّ عبد الملك، لمّا تمكّن واستقام أمره، بخلعه والعقد لابنيه الوليد وسليمان، فنهاه قبيصة بن ذؤيب كاتبه، وقال:

стр. 942

- «انتظر، فلعلّ الموت يأتى عليه فيكفيكه.» وكان قلّده مصر، فورد الكتاب بوفاته سنة خمس وثمانين، فقرأه قبيصة على عادته، ثمّ دخل على عبد الملك فعزّاه بأخيه، وعقد لابنيه الوليد وسليمان العهد بعده، وكتب إلى البلدان بذلك فبايعوه. أبو الزعيزعة وكان يكتب له أبو الزعيزعة مولاه. فيحكى أنّه حضر زفر بن الحارث يوما عند عبد الملك وبحضرته أبو الزعيزعة بعد أن اجتمع إليه، فقال لزفر بن الحارث: - «كيف ترى ما ساقه الله إلينا؟» فقال زفر: - «الحمد لله الذي نصرك على كره من كره.» فقال أبو الزعيزعة: - «ما كره ذلك إلّا كافر.» فقال له زفر: - «كذبت! قال الله لنبيّه: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ من بَيْتِكَ بِالْحَقِّ، وَإِنَّ فَرِيقاً من الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ ٨: ٥ [١] ، أمؤمنين سمّاهم أم كفّارا؟» فغضب عبد الملك، فقال زفر: - «يا أمير المؤمنين، أرأيت لو قلت: الحمد لله الذي نصرك، فقد كنت مسرورا بذلك، أما كنت تمقتني [٤٦٥] ويمقتني الله وأنا أقاتلك تسع سنين؟» فقال له: - «صدقت.»

стр. 943

روح بن زنباع وكان يكتب له روح بن زنباع. وروح هذا هو الذي همّ به معاوية، فقال له: - «يا أمير المؤمنين، لا تشمتنّ بى عدوّا أنت وقمته [١] ، ولا تسوءنّ فىّ صديقا أنت سررته، ولا تهدمنّ ركنا أنت بنيته. هلّا أتى حلمك وإحسانك على جهلي وإساءتى!» فأمسك عنه. ربيعة الغار الحرشىّ وكان يكتب له ربيعة الغار الحرشي. وكان استشاره عبد الملك فى تقليد الوليد ابنه العهد، فقال: - «أمهلنى سنة.» فأمهله. فلمّا انقضت عاوده وقال: - «إنّى عزمت أن أوليّه شيئا من النواحي، فإذا مضت له مدّة قلّدته العهد.» فقال: - «يا أمير المؤمنين، إنّك بعثت الوليد يقسم الأموال بين الناس ما رضوا عنه، فكيف تبعثه جابيا؟ إن احتاط ذمّ، وإن رفق عجز، وأنت تريد أن تجبيه، فولّه المعاون والصوائف [٢] ، فيكون ذلك شرفا وذكرا.» صالح بن عبد الرحمان وهو الذي نقل الدواوين من الفارسيّة إلى العربيّة وكتب له صالح بن عبد الرحمان مولى بنى مرة بن عبيد بن تميم من سبى

стр. 944

سجستان، ويكنّى صالح أبا الوليد، وهو الذي نقل الدواوين من الفارسيّة إلى العربيّة. وكان ذلك أنّ الدواوين [٤٦٦] كانت تجرى فيها وجوه الأموال بالفارسيّة. وكان بالبصرة والكوفة ديوان بالعربيّة لإحصاء الناس وأرزاقهم وأعطياتهم، وهو الذي كان عمر رسمه. وكان بالشام أيضا ديوانان: أحدهما بالروميّة، والآخر بالعربيّة، فجرى الأمر عليه إلى أيّام عبد الملك، وكان إذ ذاك يتقلّد ديوان الفارسيّة زادان فرّوخ، فخلفه عليه صالح بن عبد الرحمان، فخفّ [١] على قلب الحجّاج وحضّ به. فقال لزادان فرّوخ: - «إنّى قد خففت على قلب الحجّاج، ولست آمن أن أزيلك عن محلّك [٢] لتقديمه إيّاى [٣] ، وأنت ربيبى.» فقال له زادانفرّوخ: - لا تفعل، فإنّه إلىّ أحوج منّى إليه.» فقال له: - «وكيف ذلك؟» قال: - «لا يجد من يكفيه الحساب.» فقال له صالح: - «لو شئت حوّلته إلى العربيّة.» فقال له: - «فحوّل منه سطرا.» فحوّل منه شيئا كثيرا. فقال زادانفرّوخ لأصحابه: - «التمسوا كسبا غير هذا.»

стр. 945

فلمّا بلغ الحجّاج ذلك أمر صالحا بنقل الدواوين، فنقلها إلى العربيّة فى سنة ثمان وسبعين. وكان عامّة كتّاب العراق تلامذة صالح. ولمّا هم صالح بنقل [٤٦٧] الدواوين، قال له بعض كتّاب الفرس: - «كيف تصنع بواذ [١] .» قال: - «أكتب: أيضا.» فقال: - «كيف تصنع بدهيازده [٢] ؟» قال: - «أكتب عشرا.» فقال: - «كيف تصنع بدهبوذه [٣] ، وبنجبوذه [٤] ؟» قال: - «أكتب عشيرا [٥] ونصف عشير.» قال له: - «قطع الله أصلك من الدنيا، كما قطعت الفارسيّة.» وقال الحجّاج يوما لصالح، وكان متّهما برأى الخوارج: - «إنّى فكّرت فيك فوجدت مالك ودمك حلالين لى وأنّنى غير آثم إن تناولتهما.» فقال صالح: - «إنّ أغلظ ما فى الأمر- أعزّ الله الأمير- أنّ هذا القول بعد الفكر.» فضحك منه ولم يقل له شيئا.

стр. 946

عبيد بن المخارق ومن كتّاب الحجّاج عبيد بن المخارق، قلّده الحجّاج الفوجتين، فوردها وقال: - «هل هاهنا دهقان يعاش برأيه؟» فقيل له: - «هذا جميل بن بصبهرى.» فأحضره وشاوره، فقال له جميل: - «خبّرنى أقدمت لرضى ربّك، أم رضى نفسك، أم رضى من قلّدك؟» فقال: - «ما استشرتك إلّا برضى الجميع.» قال: - «فاحفظ عنّى خلالا: لا يختلف حكمك على الرعيّة، ليكن حكمك على الشريف والوضيع [١] سواء، ولا تتّخذنّ حاجبا ليردّ عنك الوارد [٤٦٨] من أهل عملك، وليكن على ثقة من الوصول إليك، وأطل الجلوس لأهل عملك يتهيّبك عمّالك، ولا تقبل هديّة، فإنّ صاحبها لا يرضى بثلاثين ضعفا [٢] لها، فإذا فعلت ذلك فاسلخ جلودهم من فروعهم إلى أقدامهم.» قال: فعملت بوصيّته، فجبيتها خمسة عشر ألف ألف [٠٠٠، ٠٠٠، ١٥] درهم. يزيد بن أبى مسلم وكان يزيد بن أبى مسلم- واسم أبى مسلم دينار من موالي ثقيف- كاتبا للحجّاج، وكان أخاه من الرضاعة. فتقلّد له ديوان الرسائل، وكنيته أبو العلاء. وكان الحجّاج يجرى له فى كلّ شهر ثلاثمائة درهم، فكان يعطى امرأته خمسين درهما، وينفق فى ثمن اللّحم وما يتّصل به خمسة وأربعين درهما، وينفق باقيها فى ثمن الدقيق وسائر عوارض نفقته، وإن فضل منها شيء ابتاع به ماء وسقاه

стр. 947

المساكين، وربما ابتاع قطفا وفرّقها فيهم وهو مع ذلك يقتل الخلق للحجّاج. وحكى أنّ الحجّاج عاده من علّة اعتلّها، فوجد بين يديه كانونا من طين ومنارة خشب، فقال: - «يا أبا العلاء، ما أرى [١] أرزاقك تكفيك.» فقال: - «إن كانت ثلاثمائة لا تكفيني، فثلاثون ألفا لا تكفيني.» ويزيد بن أبى مسلم [٤٦٩] هو الذي نبّه الحسن البصري على الاستتار حتّى سلم من الحجّاج، وذلك أنّه لقيه خارجا من عنده فقال له: - «توار يا با سعيد، فإنّى لست آمن أن تتبعك [٢] نفسه.» فتوارى عنه، وسلم منه. وقيل: إنّه استتر تسع سنين. عبد الملك وكاتب له قبل هديّة وبلغ عبد الملك أنّ بعض كتّابه قبل هديّة، فقال له: - «أقبلت هديّة منذ ولّيتك؟» فقال: - «أمورك، يا أمير المؤمنين، مستقيمة، والأموال دارّة، والعمّال محمودون، وخراجك موفّر.» فقال: - «أخبرنى عمّا سألتك.» قال: - «نعم، قد قبلت.» قال: - «فو الله لئن كنت قبلت هديّة لا تنوي مكافأة للمهدي لها، إنّك لدنىّ ولئيم، وإن كنت قبلتها لتستكفى رجلا لم تكن لتستكفيه لولاها، إنّك لخائن، ولئن كنت نويت تعويض المهدى عن هديّته ولا تخون له أمانة ولا تثلم له [٣] دينا، فلقد

стр. 948

قبلت ما بسط عليك لسان معامليك، وأطمع فيك ساير مجاوريك، وسلبك هيبة السلطان، وما فى من أتى أمرا لم يخل فيه، من لؤم أو دناءة أو خيانة أو جهل مصنع [١] .» وخلعه عن عمله. [٤٧٠]

стр. 949

خلافة الوليد بن عبد الملك وبويع للوليد بن عبد الملك بالخلافة. فخطب الناس لمّا انصرف من دفن أبيه، وقال فى آخر خطبته: - «أيّها الناس عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة، فإنّ الشيطان مع الفرد. أيّها الناس، من أبدى ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه ومن سكت مات بدائه.» ثمّ نزل وحاز أدوات الخلافة وأثاثها، وكان جبّارا عنيدا. ورود قتيبة إلى خراسان وفى هذه السنة وهي سنة ستّ وثمانين، ورد قتيبة بن مسلم إلى خراسان فقدمها والمفضّل يعرض الجند وهو يريد أن يغزو الموضع الذي يقال له: أخرون وشومان. فخطب الناس قتيبة، وحثّهم على الجهاد، وسار، فلمّا كان بالطالقان تلقاه دهاقين بلخ وعظماؤهم، فساروا معه. فلمّا قطع النهر تلقّاه تيش [١] الأعور ملك الصغانيان بهدايا ومفتاح من ذهب. فدعاه إلى بلاده. فمضى مع تيش إلى الصغانيان، فسلّم إليه بلاده. وسار قتيبة إلى أخرون [٢] وشومان وهما من

стр. 950

طخارستان [٤٧١] فجاءه صاحبها، فصالحه على فدية أدّاها، فقبلها قتيبة ورضى، وانصرف إلى مرو، واستخلف أخاه صالحا، وفتح صالح بعد رجوع قتيبة باسان انبجغر [١] ، وكان معه نصر بن سيّار، فأبلى يومئذ، فوهب له قرية تدعى تنجابه [٢] . ثمّ قدم صالح على قتيبة بعد ذلك فاستعمله على الترمذ، وغزا قتيبة بعد ذلك بيكند، وهي أدنى مدائن بخارى، فلمّا نزل بعقوتهم استنصروا السغد، واستمدّوا من حولهم، فأتوهم فى جمع كثير، وأخذوا بالطرق، فلم ينفذ لقتيبة رسول ولم يصل إليه خبر نحو شهرين، وأبطأ خبره على الحجّاج، فأشفق على الجند، وأمر الناس بالدعاء لهم فى المساجد وهم يقتتلون فى كلّ يوم. وكان لقتيبة عين يقال له تندر [٣] من العجم، فأعطاه أهل بخارى مالا على أن يفتأ [٤] عنهم قتيبة. ذكر حيلة لتندر ما نفذت له وقتل لأجلها أقبل تندر إلى قتيبة، فقال: - «أخلنى!» فنهض الناس واحتبس قتيبة ضرار بن حصين الضبّى، فقال تندر: - «هذا عامل يقدم عليك وقد عزل الحجّاج، فلو انصرفت بالناس [٤٧٢] إلى مرو.» فدعا قتيبة مولاه سيا، فقال له:
следующие страницы →